أخلاق الواجب – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: نورة العوهلي، مراجعة: محمد الرشودي

أخلاق الواجب – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: نورة العوهلي، مراجعة: محمد الرشودي


يبحث هذا المدخل فلسفة أخلاق الواجب ونظريتها المتعددة، و مقارنتها مع نقيضها (الفلسفة العواقبية)، نص مترجم لد. لاري أليكسندر ومايكل مور، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


يعود اشتقاق مصطلح أخلاق الواجب (Deontology) إلى الجذور اليونانية (deno) والتي تعني الواجب و (logos) والتي تعني العلم (أو فعل تدارسه). في فلسفة الأخلاق المعاصرة، أخلاق الواجب هي إحدى النظريات المعيارية التي بموجبها تكون خياراتنا الأخلاقية إما واجبة، أو ممنوعة، أو مشروعة، أو بعبارة أخرى، تقع أخلاق الواجب ضمن نطاق النظريات الأخلاقية التي من شأنها أن تُرشد أفعالنا وتقيمّها (نظريات قائمة على الواجب الأخلاقي)، على عكس النظريات التي من شأنها أن ترشدنا كأشخاص وتقيمّ ما يجب أن نكون عليه (نظريات الفضيلة). في نطاق النظريات الأخلاقية التي من شأنها تقييم اختياراتنا، يقف أنصار أخلاق الواجب على الجهة المقابلة من أنصار العواقبية (consequentialists).

 

 

١. نقيض أخلاق الواجب: العواقبية

٢. نظريات أخلاق الواجب

          ٢.١ نظريات أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل الأخلاقي

         ٢.٢ نظريات أخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي

         ٢.٣ نظريات أخلاق الواجب التعاقدية

         ٢.4 نظريات أخلاق الواجب وكانط

   ٣. مزايا نظريات أخلاق الواجب

   ٤. مواطن ضعف نظريات الواجب

   ٥. إعادة النظر في علاقة أخلاق الواجب بالعواقبية

      ٥.١ لا تنازلات للعواقبية: أخلاق واجبة نقية

      ٥.٢ لا تنازلات لأخلاق الواجب: عواقبية نقية

   ٦. نظريات أخلاق الواجب والميتا-أخلاق   

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مداخل ذات صلة


 

 

١. نقيض أخلاق الواجب: العواقبية

من شأن إيراد تاريخ مختصر عن نظرية العواقبية واستقصاء إشكالياتها التي تثير ندّية خصوم نظرية أخلاق الواجب أن يشكل استهلالًا مفيدًا للانخراط في أخلاق الواجب لأن النظرية تكون أقرب إلى الفهم [بإدراك أوجه] تباينها عن نظرية العواقبية. يعتقد العواقبيون أنه يمكن تقييم مدى أخلاقية أي اختيار، فعلاً كان أو نية، من خلال الأمور الناتجة عن ذاك الخيار. ولكي يتمكن العواقبيون من إجراء هذا التقييم سيقتضي ذلك عليهم بدءاً تحديد حالة الأمور القيمّة بذاتها، “الحسنة” (the Good) كما يُطلق عليها عادةً. ومن ثمّ يُمكن للعواقبيين التأكيد على أن كل ما من شأنه زيادة ما هو حسن، من خلال تحقيق المزيد منه، هو خيار أخلاقي. (من هذا المنطلق يكون ما هو حسن سابق على ما هو “صائب” (the Right)).

يمكن للعواقبيين أن يختلفوا –وهم بالفعل مختلفون- اختلافًا حادًا حول ماهية الحسن. قد تكون تصورات بعض العواقبيين عن الحسن أحادية (monist). على سبيل المثال، يُعرّف النفعيون (utilitarians) الحسن بواسطة علاقته بالمتعة، أو السعادة، أو الرغبة، أو الرضى، أو الرفاه على نحو ما. وقد يكون تصور ما هو حسن تعددي عند البعض الآخر من العواقبيين، بحيث يكون تعريف الحسن مقترناً جزئياً بمدى نيل كل شخص منه وتوزيعه بين المخلوقات (بما فيهم كل المخلوقات التي تمتلك القدرة على الإحساس)، فيما يكتفي النفعيون التقليديون بالاهتمام بتقدير معدّل نصيب كل شخص من الحسن للتوصل إلى تحقيق القدر الأكبر من المنفعة.

بالإضافة إلى ذلك، يعتقد بعض العواقبيين أن فعل، أو الامتناع عن فعل، أنواع معينة من الأعمال هي من الأمور الخيّرة بذاتها والتي تساهم في تشكيل مفهوم الحسن. من أمثلة ذلك الامتناع عن انتهاك الحقوق أو الاحتفاظ بالوعود ضمن مسعى تحقيق أكبر قدر من الحسن، ما يُعرف بـ “نفعية الحقوق” (utilitarianism of rights) (Nozick 1974).

ليس من شأن أي من المواقف ذات الصبغة التعددية الآنف ذكرها محو الفروقات بين العواقبية وأخلاق الواجب. ذلك بإن جوهر العواقبية لا يزل حاضراً في كل هذه المواقف: يكون الفعل أخلاقياً بقدر صلاحيته على توليد حالات تحقق أكبر قدر مما هو حسن.

مهما بلغ اختلاف العواقبيين في تعريف مكونات ما هو حسن، فإنهم يتفون جميعاً على أن الأفعال الصائبة أخلاقياً هي تلك التي تزيد من مقدار الحسن (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر). ويعتقدون جميعاً أن تعريف الحسن لا يتأثر بفاعله الأخلاقي ويقف منه موقف الحياد (Parfit 1984; Nagel 1986). بمعنى أن الحالات الأخلاقية القيمة بذاتها، هي حالات لدى كل الفاعلين أسباب لتحقيقها بصرف النظر عما إذا كان تحقيقها بممارسة الفاعلية الأخلاقية أم لا.

كثيراً ما يُنتقد العواقبيين بناءً على عدة مرتكزات، ويوضح مرتكزان توضيًحا ملائمًا إغراءات أخلاق الواجب التي تدفع لتبنيها كنظرية بديلة قائمة على مبدأ الواجب. يتعلق هذان الانتقادان بكون نظرية العواقبية متطلبة بشكل مفرط من جهة، كما انها ليست متطلبة بشكل كافٍ من جهة أخرى. يمكن صياغة الانتقاد المتعلق بكون النظرية متطلبة بإفراط على الشكل التالي: لا يوجد عند العوقبيين حيّز للمسموح أخلاقيًا، ولا للأفعال التي تتجاوز المطلوب من الفرد أخلاقيًا (supererogation)، ولا يوجد حيّز للحياد الأخلاقي. تبدو كل الأفعال في العواقبية إما واجبة أو ممنوعة أخلاقياً. ويبدو أيضًا العواقبيين لا يملكون مساحة لانحياز المرء إلى مشاريعه الخاصة، أو عائلته، أو أصحابه، أو أبناء وطنه، مما أدى بمنتقدي العواقبية إلى اعتبارها [تدفع إلى] الاغتراب (alienating ) وتطمس الذات (Williams 1973).

على صعيدٍ آخر، تُنتقد العواقبية أيضًا بما يبدوا أنها تسمح به. فالنظرية قد تقتضي (وبالتالي، تسمح تباعاً) تعرّض أبرياء للقتل أو الضرب أو الخداع أو الحرمان من المؤن إذا ما تحقق في سبيل ذلك نفع أعظم للآخرين. فيمكن للعواقب -والعواقب وحدها- تبرير أي نوع من الأفعال تبريرًا معقولًا، بغض النظر عن مقدار الأذى الذي تلحقه بالبعض في سبيل تحقيق نفع أعظم للآخرين.

لعل من أكثر الأمثلة شيوعاً على الإفراط في المسموحات في العواقبية هو ما يُتعارف على تسميته بمعضلة نقل الأعضاء، [وهي كالتالي:] عند جرّاح خمسة أشخاص على وشك الموت بسب عطب بأعضاءهم وشخص مُعافى بأعضاء سليمة قد تنقذ حياة هؤلاء الخمسة. إذا ما توائمت الظروف، فإنه وفقاً لنظرية العواقبية سيكون مسموحًا للجراح (بل واجباً عليه) أن يقتل الشخص المُعافى للحصول على أعضائه طالما ستقتصر عواقب ذلك الفعل على قتل شخص واحد وإنقاذ حياة خمسة آخرين. كما إنه من المسموح له في معضلة الرجل البدين (سيرد تفصيلها لاحقاً) أن يتم دفع رجل بدين إلى سكة الحديد إذا ما ترتب على قتله بواسطة مقطورة القطار المسرعة إيقافها لإنقاذ خمسة أشخاص محتجزين في مسار سكة الحديد.

لا يفتقر العواقبيون إلى حجج للدفاع عن نظريتهم في مواجهة هذه الانتقادات، فالبعض منهم يتنازل عن تحقيق أكبر قدر من الحسن إلى تحقيق القدر “المُرضي” منه، مما يعني أن قدراً معينا فقط من الحسن يقع ضمن ما هو واجب (Slote 1984). إن من شأن هذه الخطوة أن تسمح بوجود حيّز للمشاريع والعلاقات الشخصية، و[تسمح] كذلك [بوجود] حيّز للمسموح أخلاقيًا. بيْد أنه غير واضح ما إذا كان [القدر] المرضي [هذا] ذو دافع كافٍ سوى لتجنب إشكاليات [مفهوم تحقيق] القدر الأكبر [من الحسن]، كما إنه ليس من الواضح ما إذا كان يمكن تحديد أي معايير غير اعتباطية لهذا [القدر] المُرضي دون أن يتطلب ذلك ضوابط أخلاقية واجبة (deontological constraints) لحماية أصحاب المذهب “القدر المرضي” من أصحاب مذهب “القدر الأكبر”.

الخطوة الأخرى هي تقديم التمييز السلبي/الإيجابي للواجب في العواقبية. وفق هذه الرؤية، فإن واجبنا (السلبي) في ألا نساهم في جعل العالم مكاناً أسوأ بعاقبة أفعالنا السيئة، لا يقابله بالضرورة واجب (إيجابي) لجعل العالم مكانا أفضل نتيجةً لأفعالنا ذات العواقب الحسنة (Bentham 1789 (1948); Quinton 2007). وعلى هذا، فإن من الواجب بحكم العواقبية أن لا يتم قتل الشخص المُعافى في معضلة نقل الأعضاء أومعضلة الرجل البدين دون أن يقتضي ذلك بالضرورة وجود أي واجب يتعين علينا لإنقاذ الأبرياء الخمسة في كلا المثالين. إلا إن هذه الحجة الدفاعية لا تسلم من إثارة ذات الانتقادات التي أثارتها الحجّة السابقة، أي أنه من غير الواضح كيف يمكن تطبيق هذا التصحيح بشكل متماسك وكيف يمكن تسخيره لمفهوم تحقيق القدر الأكبر من الحسن.

يشيع بين العواقبيين أيضاً توجه للانتقال من العواقبية بوصفها نظرية تعالج الأفعال إلى كونها نظرية معنية بمعالجة القوانين، أو معنية بغرس سمات نوعية، بحيث يتم الحكم على الأفعال ذات البعد الأخلاقي بشكل غير مباشر من خلال احتكامها إلى تلك القوانين أو السمات النوعية في العواقبية (Alexander 1985). يحاجج أنصار هذا التوجه الغير مباشر للعواقبية بإنه أدعى للتخلص من الانتقادات الناتجة عن شناعة انتهاكات المعايير الأخلاقية الشائعة في التطبيق المباشر للعواقبية على الأفعال، كقتل أشخاص أبرياء مثلاً لتحقيق القدر الأكبر من الحسن. كما أنه من شأن التطبيق الغير مباشر للعواقبية أن يجعل منها أقل تطلباً من خلال السماح بحيّز للمشاريع الشخصية.

إن من شأن تلك المناورات التي انخرط بها العواقبيون محاكاة الجانب الحدسي الوجيه في مقاربات النظريات الأخرى القائمة على أخلاق الواجب. حيث تكمن مواطن قوة تلك المقاربات كما سنكتشف بعد قليل في ١) تحريمها المطلق لأفعال من قبيل قتل الأبرياء حتى وإن ترتب على ذلك عواقب حسنة، ٢) وفي سماحها لنا لتبني المشاريع القيمية الشخصية لكلاً منّا دون اضطرارنا إلى صياغتها بحسب معادلات معنية حصراً بتحقيق القدر الأكبر مما هو حسن للآخرين.

 

٢. نظريات أخلاق الواجب

بات من الممكن الآن الحديث عن نظريات أخلاق الواجب بعد التبيان الوجيز لخصيمتها المتمثلة بالنظرية العواقبية. على عكس النظرية العواقبية، تنيط أخلاق الواجب الحكم على الأفعال إلى معايير مختلقة عن عواقب تلك الأفعال. وفق أهم أطروحات أخلاق الواجب، وهي الأطروحة الأكثر تناقضاً مع العواقبية، فأنه يوجد اختيارات أخلاقية لا يمكن تبريرها بواسطة نتائجها، أي أن بعض الأفعال تبقى لا أخلاقية مهما نتج عنها عواقب حسنة. وعلى نفس الصعيد، فإنه من اللاأخلاقي ممارسة أي فعل خاطئ حتى لو نتج عن ذلك الفعل تقليل أثر أفعال خاطئة أخرى من نفس الطبيعة، وذلك إذا ما ترتب على الفعل الخاطئ إعاقة أفعال خاطئة مشابهة. وعلى هذا، يتضح إنه وفق أخلاق الواجب فإن الحكم على صوابية الفعل مقترن باتساقه مع المعيار الأخلاقي الضابط له، وينبغي على كل فاعل أخلاقي الالتزام بهذا المعيار، علماً بإن هذا الالتزام لا يتضمن بالضرورة الالتزام بمضاعفة منفعته. يترتب على ذلك إذاً أن يتصدر ما هو صائب على ما هو حسن، فإذا ما تعارض فعل ما مع ضوابط تلك الصوابية فينبغي تجنبه بغض النظر عن مقدار الحسن الناتج عنه (حتى لو تألف الفعل في أجزاءه على سلوكيات صائبة).

وبالقياس، يُحلق أصحاب مذهب أخلاق الواجب عادة الالتزامات اللاعواقبية مع المسموح اللاعواقبي (Scheffler 1982). أي أن بعض الأفعال أخلاقية وإن لم يترتب عليها تحقيق القدر الأكبر من العواقب الحسنة، حيث تكمن خيرية هذه الأفعال في تمثيلها لمعايير محددة (هنا تمثيل [لمعيار] ما هو مسموح وليس [لمعيار] الالتزام [الأخلاقي]). [تقول] الحجة الأقوى [أن] مثل هذه الأفعال مسموح بها ولو أدّت إلى عواقب ذات خير أقل من بدائلها [الأخرى]، [وتقول] الحجة الأضعف [أن هذه الأفعال] مسموح بها لعدم وجود أي التزام يمنع من فعلها (Moore 2008). ينطوي على هذه اللإفعال المسموح فعلها أفعال يجب على المرء فعلها، ولكنه أيضًا يشمل أفعالًا لا يجب على المرء فعلها، وهذا الخصيصة من النوع الأخير من الأفعال هو ما يبرر فصل ذكرهم عند أصحاب مذهب أخلاق الواجب.

 

٢.١ أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل الأخلاقي

يعدّ تصنيف نظريات أخلاق الواجب ضمن كونها إما مرتكزة حول الفاعل الأخلاقي (agent-centered) أو حول المتلقي الأخلاقي (victim-centered, or Patient-centered) أحد أكثر طرق التصنيف شيوعاً (Scheffler 1988; Kamm 2007). وفقاً لنظريات أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل الأخلاقي، فإن لدى كلاً منا أسباباً متعلقة بالفاعل (agent-relative) نعزو لها قيامنا بأفعال أخلاقية واجبة أو أفعال أخلاقية مشروعة. وجب التنبيه أن الأسباب المتعلقة بالفاعل هي أسباب موضوعية، مثلها مثل الأسباب المحايدة، ويجب عدم خلط [الأسباب المتعلقة بالفاعل] مع الأسباب اللاموضوعية التي تُفسر من خلال الدوافع النفسية لسلوكيات الإنسان (Nagel 1986)، وسمّيت [هذه الأسباب] “أسبابًا متعلقة بالفاعل” لأنها أسباب لها علاقة بالفاعل، ولا يلزم –مع أنه قد يقع- أن تكون [أحد هذه الأسباب] سببًا لأي فرد آخر. وبذلك، يكون التكليف الأخلاقي النسبي للفاعل الأخلاقي، سواء كان تكليفاً بفعل واجب أو الامتناع عن فعل ممنوع، مُوجب على الفاعل الأخلاقي وحده وليس على الآخرين اشتراطات مماثلة اتجاه هذا التكليف. مثال ذلك: واجب الوالدين اتجاه أبنائهم، حيث أن هذا التكليف منسوب لهما ولا يُلزم به الآخرين. ومثل ذلك يكون في الأفعال المشروعة أخلاقياً للفاعل (agent-relative permission)، حيث أنها مشروعة نسبة للفاعل الأخلاقي، ولا يستدعي ذلك ضرورة أن تكون مشروعة لغيره، مثل مشروعية ألا يقوم والدان بإنقاذ حياة طفلين غريبين حين يترتب على ذلك المخاطرة بحياة طفلهما. كفاعل أخلاقي، قد تمدّني النظريات المتمركزة حول الفاعل الأخلاقي، بالإضافة إلى الحث على الالتزام بأفعال معينة وترك أخرى، بإيعازات أخلاقية معينة خاصة بي للتعامل مع عائلتي، وأصدقائي، ووعودي، بمُقتضى انتسابهم إلي، حتى وإن ترتب على تخصيصهم بتلك المعاملة بالضرورة إنني سأبدي التزاماً أخلاقياً أقل نحو أولئك الأشخاص والوعود المنسوبة لغيري.

إن فكرة الفاعلية الأخلاقية لهي في صميم النظريات الأخلاقية المتمركزة حول الفاعل الأخلاقي، بل وتتجذر معقولية تلك النظريات في مفهوم تلك الفاعلية. فالفعل الأخلاقي هو فعل شخصي بامتياز وينبغي على كلٍ منا التأكد من القيام بالواجب المناط به في حياته الأخلاقية الخاصة وفقاً لهذا النظام، حيث أن واجباتنا القطعية غير معنية بمدى احتمالية تمكينها للآخرين من فعل الشر بقدر ما هي معنية بتورعنا من أي نقيصة شريرة قد تلطّخ فاعليتنا الأخلاقية.

قد تتعرض النظريات المرتكزة على الفاعل لضغط تحديد المواضع والكيفية التي ينبغي على الفاعل الأخلاقي أن ينخرط أو يتجنب المواقف المختلفة. تشتهر النظرية في تفريقها بين أولئك الذي يشددون على أهمية مسألة النية أو النزعات العقلية إبان الحكم على نوعية الفاعلية الأخلاقية وأولئك الذين ينيطون هذا الحكم للفعل الأخلاقي وحده بغض النظر عن نية فاعله. كما يوجد نظريات تؤكد على أهمية كلا الأمرين في تحديد فاعلية المرء الأخلاقية.

حسب وجهة نظر القائلين بأهمية النية، فإن نية الأفعال والمقاصد هي غالباً العامل الأهم في تعريف الفاعلية الأخلاقية، وحسب نوايانا يكون الحكم على تلك الأفعال. فإن أضمرنا نية تحقيق غاية سيئة، بل حتى لو أضمرنا نية تحقيق غاية نافعة لكن بوسائل سيئة، فإننا نكون بذلك أذعنّا للشرور، وهو أمر مرفوض قطعياً.

من المفيد عند الحديث عن النية الكشف عن ثلاثة حالات تتباين مع النية وهي: ما نعتقده، أو نخاطر به، أو ما نتسبب به. إذا ما كان بإمكاننا التنبؤ بترتب شرورعلى أحد أفعالنا، فإنه يمكن القول أن هذا التنبؤ هو حالة عقلية (اعتقاد)، ولكنه ليس من الصواب تصور أن هذه الحالة العقلية هي وظيفة إرادية في النية سواء حين تتنبأ تلك الحالة بشرور المقاصد أو الغايات. وعلى ذلك، فإن وظيفة فاعليتنا الأخلاقية هي إطاقة الشرور التي قد تنتج عن أفعالنا دون أن ننوي إنتاج ذاك الشر عمداً.   بطريقة مماثلة، لا تستوي نية إيقاع الشر مع فعل تعريض الآخرين للشر أو التسبب فيه. حيث أنه يمكن تصور عقد نية إلحاق الشر بالآخرين أو حتى محاولة فعله دون أن ينتج عن ذلك ضرر حقيقي أو حتى دون أن يترتب عليه تعرض أحد لأي خطر (بالطبع من المعقول في هذه الحالة أن نعتقد أنه بمجرد وجود نية إلحاق الشر فهي تقتضي ضمناً وجود تعريض للآخرين بالخطر، ولكنها مخاطرة ضئيلة كون الفعل لم ينتج عنه في الواقع ضرر أو تهديد حقيقي). كما أنه يمكن كذلك تصور إلحاق ضرر بالآخرين أو تعريضهم للخطر دون أن ننوي ذلك بالضرورة. على سبيل المثال، يمكن للمرء أن ينوي قتل أحدهم دون أن ينجح في ذلك، كما أنه يمكن أن يقتل أحدهم دون أن ينوي ذلك كما هو الحال في القتل الخطأ. ومن هنا يكون من الممكن فهم ما هو واجب ومشروع أخلاقياً في نظريات الواجب المرتكزة على الفاعل الأخلاقي بالاحتكام إلى النية (أو المحاولة) دون الخلط بينها وبين ما نعتقد، أو ما نخاطر به، أو ما نتسبب به.

يعتقد مناصرو أخلاق الواجب من هذا الفصيل بشرعية “مبدأ التأثير المزدوج” (Doctrine of Double Effect) الذي تعود جذوره للاهوت المسيحي (Woodward 2001). وفقاً لهذا المبدأ فإنه من اللاأخلاقي أن ينوي المرء الشر كقتل أحدهم أو تعذيبه حتى لو ترتب على ذلك الفعل تقليل فرص اضطرار غيره لقتل أو تعذيب آخرين، لكن إذا انتفت النية السيئة مع بقاء التسبب بالضرر أو ورود وقوعه أو توقع حصوله فإنه يمكن تبرير ذلك بغاية تقليل العواقب السيئة. إن معقولية هذه المقاربة والتي تتمركز حول النية ضمن نظريات أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل تعتمد قياسياً على معقولية الحجة الآنف ذكرها.

ليست جميع نظريات أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل ترتكز حول النية (Hurd 1994). بعض هذه النظريات قد ترتكز على الاعتقاد التنبؤي بقدر ارتكازها على النية، خاصة إذا ما كانت تلك التوقعات واردة الحدوث بشكل كبير. البعض الآخر منها قد يرتكز على النية في مسألة الغاية فقط (الدوافع). فيما قد يرتكز البعض على صيرورة التداولات الذهنية المُشكّلة للنية، بحيث يكون مجرد الاستئناس لفكرة ارتكاب الشرور ولو بشكل عابر هو ممارسة للفاعلية الأخلاقية (Anscombe 1958; Geach 1969; Nagel 1979). ولكن تُعد النسخة التي ترتكز حول النية من أخلاق الواجب للفاعل الأخلاقي هي الأكثر انتشاراً ضمن ما يعرف بالنظريات المعنية بـ” الخبث الداخلي”.

يركز النوع الثاني من نظريات أخلاق الواجب المرتكزة حول الفاعل على الأفعال عوضاً عن الخواص الذهنية. قد يُسلّم هذا النوع بأن أفعال الإنسان لابد وأن تكون قد نشأت من خواص ذهنية تصطبغ بميلِ ما أو مشيئة، وقد يسلّم كذلك بأن كلا الميل أو المشيئة هما نية من نوع محدد (Moore 1993، Ch. 6)، حيث إنه من شأن تلك المشيئة الربط بين فاعلية المرء الأخلاقية وأفعاله ذاتها. ولكن هذا النوع يشدد على أنه من الضروري إدراك بأن مشيئة الضغط على زناد المسدس لقتل أحدهم تختلف عن نية الفعل ذاته. وبناءً على هذا فإن تعريف الفاعلية الأخلاقية من خلال النية (أو أي خاصية ذهنية أخرى) تختلف عن تعريف تلك الفاعلية من خلال الأفعال الأخلاقية نفسها.

وفقاً لهذه المقاربة فإن محتوى ما هو واجب أو مشروع أخلاقياً هو فعل محدد، مثلاً، من واجبنا الأخلاقي ألا نقوم بقتل شخص برئ. ورغم أن قتل شخص برئ سيتسبب في موته بالطبع، إلا أن الفاعلية الأخلاقية هنا معنية بشكل رئيسي بفعل القتل لا نتيجته، حيث لا وجود لفاعلية أخلاقية في أحداث مجردة كحدث الموت. حتى يتم  الحكم بتحقق فعل القتل فلابد من تحقق شرطين: ناقشنا الأول مُسبقاً وهو تحقق وجود مشيئة القتل عند الفاعل الأخلاقي. أما السبب الثاني وهو أكثر إثارة للاهتمام بالنظر إلى موضوعنا، فهو أنه يتعين على مشيئة القتل أن تتسبب في قتل الشخص البريء في الواقع. يُشكل النقاش حول موجبات السببية عنصراً مهماً في هذا النوع من النظريات.

أولاً، أن التسبب في الشر مثل قتل أشخاص أبرياء يختلف عن الامتناع عن حماية الأبرياء من القتل. مثال ذلك: حمل رضيع من عقبيه وإغراق وجهه في الماء هو تسببٌ في القتل، في حين مشاهدة أحدهم يقوم بمثل هذا الفعل دون التدخل لحماية الرضيع مع المقدرة هو فشل في حماية الرضيع من القتل. تكون عادةً الواجبات المُطلقة سلبية في محتواها: يجب على المرء ألّا يقتل رضيعاً. ولأن النظرية مرتكزة على الفاعل، فقد يوجد واجب لحماية الطفل من القتل فقط إذا ما وجدت علاقة ما بين الفاعل الأخلاقي والطفل.

ثانياً، التسبب في شيء لا يساوي السماح به. مثلاً، يمكن القول في منظور ضيق أن السماح بموت أحدهم يحدث حينما ١) يزيل أحدهم حماية كان من شأنها منع موت الضحية، ٢) وحين تتسبب إزالة [الحماية] هذه في إعادة الضحية إلى وضع أخلاقي أولي ملائم (Kamm 1994، 1996; MacMahan 2003). وعلى هذا يمكن القول بإن القتل الرحيم هو أمر خارج تعاطينا لواجباتنا الأخلاقية ( وبذلك يمكن تبريره من خلال عواقبه الخيّرة) طالما ١) لا ينطوي الفعل على ما هو أكثر من إزالة الحماية التي قد قدمها الفاعل الأخلاقي مُسبقاً، مثل أن تتم إزالة الأجهزة الطبية المُطيلة لعمر المريض من خلال نفس الطبيب الذي أوصلها بالمريض، ٢) وكان من المحتمل بشكل مبرر عدم إيصال المريض بهذه الأجهزة الطبية بسبب حاجة شخص آخر إليها بشكل أكثر إلحاحاً فيما لو علم الطبيب المختص في وقت العلاج ما صار إلى علمه لاحقاً في وقت فصله.

ثالثاً، لا يُعتبر أحدهم سبباً في حدوث الشر إذا ما كانت أفعاله تُمّكن (أو تُعين) فاعل أخلاقي آخر في التسبب بالشر فقط لا غير (Hart and Honore 1985). أي أنه ليس من المُطلقات اللاأخلاقية أن يوصل أحدهم إرهابياً ما إلى مكان تنفيذ جريمة قتل شرطي في حال ما تعين على السائق  ذلك حمايةً لأحد أفراد أسرته من القتل (Moore 2008) ، ولكنه سيكون قد اقترف فعلاً غير أخلاقي فيما لو قتل رجل الشرطة حتى لو اضطر لفعل ذلك حمايةً لأحد أفراد أسرته من التعرض للقتل. كما أنه ليس من المطلقات اللاأخلاقية أن يقوم أحدهم تحت الإكراه باختيار رجل من رجال قرية أبرياء ليُعدم بشكل ظالم من قِبل شخص آخر (Williams 1973).

رابعاً، لا يعتبر أن شخصاً ما تسبب في إيقاع الشر كذنب القتل في حال كان فعله عبارة عن إعادة توجيه تهديد وشيك ضد مجموعة أشخاص إلى تهديد ضد شخصٍ واحد (أو مجموعة أقل عدداً) (Thomson 1985).  أي أن سائق عربة القطار في مثال سكة الحديد المعروف، لا يُعتبر مُتسبباً بالقتل في حال أدار دفة القيادة نحو المسار الذي يُحتجز فيه عاملاً واحداً عوضاً عن المسار المُحتجز فيه خمسة آخرين مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفعل سيكون لا أخلاقي فيما لو كان سائق القطار قد بدأ بتحريك القطار بنفسه نحو العامل الواحد لإنقاذ الخمسة الآخرين(Foot 1967; Thomson 1985).

خامسًا، التسريع في وقوع شر مُحتم ليس كالتسبب في إيجاد الظروف الضرورية لحدوثه (G. Williams 1961; Brody 1996). مثال ذلك: يمكن لعامل إنقاذ قطع الحبل الذي يربط بينه وبين شخص كان وقوعه من على جرف واقع لا محالة، مظنة أن يتسبب الحبل في وقوع العامل أيضاً. في هذه الحالة يكون عامل الإنقاذ قد تسبب في تسريع موت أحدهم لا التسبب في موته.

تعود جذور كل تلك الحالات الخمسة الوارد ذكرها إلى المبدأ الكاثوليكي “الفعل والسماح بالفعل” والممتد لقرون (راجع مدخل حول فعل الأذى مقابل السماح بحدوثه) (Moore 2008; Kamm 1994; Foot 1967; Quinn 1989). وفقاً لهذا المبدأ، ينبغي على الفرد ألا يتسبب بالقتل، إذ أن القتل هو فعل، ولكنه قد يجوز له الفشل في دفع الموت عن [شخص ما]، أو يسمح –بالمعنى الضيق- بحدوثه، أو يُمكّن أحدهم من ذلك، أو يعيد توجيه الخطر المُحدق نحو أحدهم، أو يُعّجل حدوث قتله الذي لا مفر منه، إذا كان ينتج عن ذلك عواقب خيّرة إلى درجة كافية. يمكن الحكم على وجاهة نظريات أخلاق الواجب من هذا النوع من خلال الحكم على وجاهة تطبيقات مبدأ الفعل والسماح بالفعل، كما هو الحال في ارتباط وجاهة الحكم على الفاعلية الأخلاقية من خلال النية بتطبيقات “مبدأ التأثير المزدوج”.

يقوم النوع الثالث من أخلاق الواجب المرتكزة حول الفاعل بالجمع بين وجهتي النظر في النوعين السابقين، حيث يعتني هذا النوع في كل من نية الفعل والتسبب به (Hurd 1994). وفقاً لهذه الرؤية، فإن واجباتنا لا تتحدد بنوايانا وأفعالنا بشكل منفصل أحدهما عن الآخر، بل يتم تحديد تلك الواجبات من خلال ما تسببنا به عن سبق نية (Moore 2008). أي أن واجبنا الأخلاقي ليس عدم القتل أو عدم ايعاز نية القتل منفصلاً أحدهما عن الآخر، بل هو عدم اقتراف جريمة القتل عن سبق نية.

بواسطة المطالبة بكل من النية والتسبب بالفعل لتكوين الفاعل الإنساني، يجتنب هذا النوع مشقة رهن واجباتنا الأخلاقية إلى إحدى ذينك الأمرين لوحدهما دون الآخر. لنفترض أن واجبنا الأخلاقي يقتصر على ألّا نتسبب بفعل قتل  امرءٍ بريء، هل يعني ذلك خرقنا لذاك الواجب الأخلاقي في حالة القتل الناتج عن الإهمال، وبالتالي استحقاقنا للوم بناءً على خرقنا لواجب مُطلق؟ (Hurd 1994) (وفق العواقبية بالتأكيد سنكون عرضة للتقييم من حيث استحقاقنا من عدمه للوم)  (Hurd 1995) (Moore and Hurd 2011). أو دعونا نفترض أن واجبنا الأخلاقي يقتصر على ألّا ننوي القتل، هل هذا يعني أننا لا يمكننا تبرير نية مماثلة في حال كانت العواقب المرجوة خيّرة؟ أو في حال يقيننا بأنه لا يمكن تطور هذه النية إلى فعل واقعي (Hurd 1994)؟ إذا ما كان واجبنا الأخلاقي المتعلق بالفاعل رهن تحقق الشرطين معاً، النية والتسبب بالفعل، فإننا بذلك سنكون قد اجتنبنا المشقّة الناتجة عن رهن واجبنا الأخلاقي بإحدى الأمرين دون الآخر.

تعاني جميع هذه النظريات الثلاثة المرتكزة على الفاعل الأخلاقي من إشكاليات شائعة بغض النظر عن أي من تلك الأنواع التي يجدها المرء أكثر معقولية. يعد انغماس الفرد في ذاته عاملاً غير جذاب في صلب النظريات المرتكزة على الفاعل الأخلاقي، حيث توحي أهمية فاعلية المرء الأخلاقية بالنسبة لهـ/ـا بعنصر نرجسي طارد في تلك النظريات. وقد توحي بأنه من المُبرر أن يهتم كلاً منا بضبط تعاملاته الأخلاقية في حيواتنا الخاصة حتى وإن تسبب ذلك في جعل العالم ككل مكاناً أسوأ. ليس القلق في كون أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل الأخلاقي صورة من صور الأنا (egoism) بجعل ماهية واجبات الفرد محصورة فيه وحده، ولكن تدل سمة الواجبات المتعلقة بالفاعل على التأكيد على الذات تأكيدًا قبيحًا مثل قبح الأنا (egoism).  ثانياً، يعتقد الكثير من نقّاد تلك النظريات أن الفروقات التي تبرزها عبر تبنيها لمبدأي “التأثير المزدوج” و “تشريع الفعل والسماح به” (Doctrine of Doing and Allowing) هي فروقات غير مُقنعة أخلاقياً. فهم لا يرون أهمية في إبراز الفروقات بين عقد النية والتوقع، أو التسبب بالفعل والامتناع عن ردعه، أو السماح بحدوثه وتمكين الآخرين من فعله، أو تسريع حدوثه، أو إعادة توجيهه. فيعتقد أولئك النّقاد على سبيل المثال أن الإخفاق في منع القتل الذي يُمكن منعه بسهولة هو أمر يستحق اللوم كالتسبب فيها، وبالتالي، فإن تصور الحالتين كأمرين مختلفتين جذرياً هو تصور غير معقول (Rachels 1975) (Kagan 1989) (Bennett 1981; Davis 1984). يدعو أولئك النقّاد إلى صياغة أرضية مفاهيمية بحيث تنعدم فيها تلك الفروقات فلا يعود التنبؤ مختلفاً عن عقد النية، ولا يكون فيها الامتناع عن وقوع الفعل اللاأخلاقي مع القدرة مختلفاً عن التسبب به (Bennett 1981) (Schaffer 2012).

ثالثاً، تثير تصورات النظرية قلقاً مما يسميه ليو كاتز “إعادة سرد الرؤى” (avoision) من خلال تلاعب يمكن أن يكون قانوني ويسوعي في حال ما تمت صياغة واجباتنا المطلقة حسب علاقتها بالفاعل الأخلاقي (Katz 1996). على سبيل المثال، يمكن لأحدهم إعادة سرد نيته اللاأخلاقية بحيث تكون أشبه باعتقاد تنبؤي مشروع (وبالتالي التهرب من المسؤولية الأخلاقية) وذلك من خلال التعذر بغاية أخرى تتماشى مع ذات الفعل اللاأخلاقي المرغوب، وبهذا يكون المرء قد تلافى ضوابط الواجب الأخلاقي المرتكز على النية.

تصرف تلك الانتقادات نظر بعض معتقديها عن أخلاق الواجب تماماً، وتحيلهم إلى تبني بعض أشكال العواقبية، في الوقت الذي قد يتجه فيه البعض الآخر من هؤلاء إلى أخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي الآتي ذكرها، فيما استحدث طيف أخير، استجابةً لتلك الانتقادات، نوعاً رابعاً لأخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل يمكن تسميته بنظرية التحكم في الفاعلية الأخلاقية. حسب تلك النظرية فإن فاعليتنا الأخلاقية معنية بقدر قابليتها لإحداث فرق. يُمّكن هذا التصور من تلافي المُشكل الناتج عن مقابلة النية والتوقع، والفعل والامتناع عن الفعل أو السماح بحدوثه، لأنّا في موضع التحكم في كل تلك الحالات من خلال خياراتنا (Frey 1995). إلا أن عمومية الإطلاق في هذه النظرية هي مسألة مقلقة. فهي لا تسمح لأي عواقب خيّرة بتبرير عدم تدخلنا حين نتوقع موت أحدهم أو نمتنع عن إنقاذه، أو حين نزيل أجهزة إطالة الحياط الطبية مع علمنا أن ذلك سيؤدي لوفاة المريض. إن هذا التوسع في أخلاق الواجب لجعله يشمل توقع، والامتناع عن، والسماح بالفعل، يجعل عواقب ذلك الفعل الخيّرة غير جديرة بتبريره. من شأن ذلك أن يحيلنا إلى أخلاق واجب غير مُتوقعة، فيمكنني مثلاً تبرير امتناعي عن رمي حبل نجاة لشخص واحد (وبالتالي الامتناع عن إنقاذه) من أجل رميه لإنقاذ شخصين آخرين محتاجان إليه. من شأن هذا التوسع أيضاً أن يسمح بنشوء الكثير من حالات التعارض، فحين لا يتم كبح واجباتنا المُطلقة من خلال “مبدأ التأثير المزدوج” و “مبدأ الفعل والسماح به”، فإن التعارض بين صرامة كل واجب وآخر سيوقعنا في ورطة عويصة (Anscombe 1962).

 

٢.٢ نظريات أخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي

النوع الثاني من أخلاق الواجب هي تلك التي تكون مرتكزة على المتلقي عوضاً عن الفاعل، والتي غالباً ما ترتكز على الحقوق عوضاً عن الواجبات، وقد تكون في بعض صورها محايدة نحو الفاعل الأخلاقي.

تكون كل الصور الممكنة لهذا النوع من النظريات مبنية على أداء حقوق الآخرين. تؤكد النظرية في أوضح صورها على حق الإنسان في ألّا يكون وسيلة لتحقيق مآرب تعود بالنفع على الآخرين دون موافقته. ينبغي التفريق هنا بين هذا الحق وحقوق أخرى متمايزة مثل حق الإنسان في ألا يُقتل، أو ألا يُنوى قتله، حيث أن الحق المقصود في هذه النظريات هو ألّا يُستخدم الإنسان كوسيلة لتحقيق منفعة لآخر، وبذلك فهي تُعنى في استغلال جسد الإنسان أو شغله أو موهبته دون إذنه. ينعكس هذا المفهوم في أعمال المنتسبون إلى ما يُعرف بالليبرتارية اليمينية (مثل روبرت نوزيك وإريك ماك) ولكنها موجودة في أعمال المنتسبين إلى الليبرتارية اليسارية أيضاً (مثال مايكل اوتسوك وهيليل ستينر وبيتر فالنتاين) (Nozick 1974; Mack 2000; Steiner 1994; Vallentyne and Steiner 2000; Vallentyne، Steiner، and Otsuka 2005). في وجهة النظر هذه، يفتقر حيّز الواجبات الأخلاقية القوية (المترابطة مع حقوق الآخرين) إلى الاتساع في تشريعاته، ولا يشمل تعزيز مصادر الخير في ظل غياب أولئك المُنتهكة حقوقهم، أي في ظل غياب أجسامهم وجهدهم ومواهبهم. بالإضافة إلى أعلام الليبراتارية، يؤكد آخرون في أعمالهم على حرمة استخدام الآخرين كوسائل مثل كوين وكام والكسندر وفريزن وغويثر ووالن (Quinn 1989; Kamm 1996; Alexander 2016; Alexander and Ferzan 2009، 2012; Gauthier 1986; Walen 2014، 2016).

تشغًل الحدسيات الشائعة المتعلقة بالأمثلة الكلاسيكية -مثل مثالي سكة الحديد ونقل الأعضاء- منّظري أخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي مثل ما شغلت منظري أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل (Thomson 1985). قد تتسبب مقطورة في مثال سكة الحديد بقتل خمسة عمّال على مسار القطار ما لم يقم أحدهم بإعادة توجيه الدفة نحو مسار آخر باتجاه عامل واحد، وقد يعتقد معظم الناس بإن فعل ذلك مشروع، في حين قد يعتقد بعضهم أن فعل ذلك واجب. ولكن الأعم من الناس سيدين الأغلب الأعم مثال نقل الأعضاء، والذي يقتضي قيام جرّاح بقتل شخص لنقل أعضائه إلى خمسة آخرين على وشك الموت، ويمكن توقع مثل تلك الإدانة في مثال الرجل البدين الذي يتم فيه دفع رجل بدين نحو سكة الحديد لإيقاف القطار قبل اصطدامه بالعمّال الخمسة إذا ما تعذّر إعادة توجيهه.

قد يتمثل الإيعاز في رفض الأمثلة السابقة في مفهوم “الاستخدام” الآنف شرحه. رغم إن جميع الأمثلة السابقة تشترك في كونها تنتج عن انقاذ خمسة أشخاص مقابل التضحية بشخص، إلا أن الاختلاف يكمن في طريقة الإنقاذ. يُستخدم الضحية في كل من مثالي نقل الأعضاء والرجل البدين لإنقاذ الآخرين بحيث لا يمكن إنقاذهم دون استخدام جسد الضحية، في حين إن وجود عامل سكة الحديد في المسار البديل لا يشكل أي فرق، فتغير سكة الحديد كان لينتج عنه انقاذ العمال الخمسة سواء تواجد عامل في السكة البديلة أم لا.

لاحظ كيف تعاملت كل من النسخة الليبرتارية من أخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي والنسخ المرتكزة على الفاعل الأخلاقي مع الأمثلة السابقة، فلقد ركزت الأخيرة على الحالة العقلية للفاعل الأخلاقي في مثالي سكة الحديد ونقل الأعضاء، أي جعلت قراءتها الأخلاقية للمثال مرتهنة بحالة الفاعل الأخلاقي من حيث مضمون نيته ومدى تورطه في التسبب بالأذى للآخرين، في حين آثرت الأولى التركيز على مدى وجود أي استخدام لجسد أو شغل أو موهبة الضحية كوسائل لتبرير النتيجة المرجوة في تلك الأمثلة. وعلى ذلك، فإن تغيير مسار سكة الحديد نحو عامل واحد على المسار البديل هو أمر يمكن تبريره وفق أخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي طالما أن جسد العامل لم يكن وسيلة إنقاذ العمال الآخرين، فإنقاذهم كان ليتم حتى لو لم يتواجد العامل في السكة البديلة أو لو نجح في التمكن من الهرب قبل اصطدام المقطورة به. بل حتى لو تحقق وجود نية ضارة، مثال ذلك أن ينوي سائق المقطورة قتل العامل لوجود ضغينة بينهما مع علمه بأن فعله سيتسبب في إنقاذ العمال الخمسة الآخرين على أي حال، لن يكون لهذه النية اعتبار أخلاقي (فيما يختص بمشروعية الفعل لا استحقاق العامل للوم) في النظريات المرتكزة على المتلقي طالما ترتب على ذلك الفعل عواقب حسنة تفوق العواقب السيئة، وطالما لم يكن يوجد “استخدام” لجسد المتلقي أو جهده أو موهبته ( بالطبع لو تم تفسير نية السائق ضمنياً كنوع من الاستخدام فستتأثر صحة تحقق هذا الشرط (Alexander 2016). على النقيض من ذلك، سيعتبر نفس الفعل غير أخلاقي في النظريات المرتكزة على نية الفاعل الأخلاقي إذا ما تحقق وجود نية قتل العامل في السكة البديلة عند تغيير مسار سكة الحديد كما في المثال السابق. وفيما يختص باستحقاق الفاعل للوم حسب النظريات المرتكزة على المتلقي حال اجتراحه لأفعال تقوم على المخاطرة، فإن عواقب تلك الأفعال الحسنة لن تُراعى في تقييم استحقاقه للوم إذا لم يسفر الفعل عن وقوع هذه العواقب الحسنة وفي حال كان وقوعها عبر تحقق “استخدام” شخص آخر على الوجه الذي سبقنا الإشارة إليه. في كلتا الحالتين، لن تساهم عواقب الأفعال، مهما كانت حسنة، في الحكم على مشروعية تلك الأفعال أو تقييم استحقاق مرتكبيها للوم (Alexander 2016).

تعالج أخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي المعضلات الأخلاقية بشكل مختلف عن نظيرتها المرتكزة على الفاعل الأخلاقي. لنأخذ معضلات تسريع وقوع الضرر على سبيل المثال: عندما تعتمد حياة تائهون على متن قارب في المُحيط على قتل أحد الركّاب وأكله، أو عندما تكون حياة توأمان سياميان معرضتان للخطر إلا في حال قتل أحدهم في عملية جراحية للاستفادة من أعضاءه، أو حين لا يمتلك جنود محاصرين سوى استخدام جسد أحدهم ضد الأسلاك الشائكة للعدو حتى يتمكنوا من النجاة، أو حين يكون جميع أهل قرية ما معرضون للقتل على يد طاغية متعطش للدماء مالم يضحوا بأحدهم لتلبية رغبة الطاغية، في جميع تلك الأمثلة التي تبررها النظريات الأخلاقية المرتكزة على الفاعل بحكم تمييزها بين التسبب بالفعل وتسريعه، تتخذ نظريات المتلقي موقفاً مضاداً باعتبار فعل القتل في كل المعضلات الآنف ذكرها فعلاً لا أخلاقياً بحكم تحقق معنى “استخدام” الضحية، وهي تعتبر أي فعل للقتل هو تسريع للموت بطبيعة الحال.

إلا أن إشكالية حقيقة تكمن في اقتصار نظريات المتلقي على تقييدها للواجب الأخلاقي على أساس مفهوم استخدام المتلقي وهو كالتالي: كيف تنظر تلك النظريات للأفعال الموقعة للضر من قتل أو إيذاء أو غيرها حين لا تكون مدفوعة باستخدام الآخر كوسيلة، بل لأجل أي دافع آخر، أو حتى بدون دافع إطلاقاً؟ يبدو حينها أن نظريات المتلقي تضطر للجوء إلى قواعد عواقبية لصياغة أحكام أخلاقية معتبرة. فالقتل أو الإيذاء أو أي ضرر آخر سيكون غير مبرر ولكن وفقاً لاعتبارات عواقبية ما، خاصة إذا تم النظر بحياد إلى مصالح جميع الأطراف المضطلعة بالضرر. يتضح من ذلك إن القيمة المعيارية للنظريات المرتكزة على المتلقي تبرز فقط في الحالات التي قد يكون فيها الضرر مبرراً وذلك من خلال تقييدها لتلك المبررات باشتراط ألا يتحقق فيها أي استخدام للآخرين. يجعل هذا التطبيق المعياري الضيق النظريات المرتكزة على المتلقي تبدوا متعاكسة مع تلك المرتكزة على الفاعل الأخلاقي والتي تعتبر تحريم قتل الأبرياء هو في صميم أخلاق الواجب.

توصف النسخة المرتكزة على المتلقي من أخلاق الواجب بالليبرتارية عن جدارة واستحقاق لأنه من غير المعقول  تصور أن الامتناع عن عون أحدهم هو بحكم “استخدام” لهذا الشخص. استخدام المتلقي فعل، وليس فشلاً في إتيان الفعل. إنه من غير البديهي بشكل عام اعتقاد أن أياً منا لديه حق بأن يقوم الآخرين بمساعدته، إذ إن وجد واجب صارم (بالإجبار أو القوة) بمساعدة الآخرين، بحيث يتوجب على “أ” مساعدة الغير، ويمكن لـ”أ” أن يقوم بهذا الواجب على أتم وجه بإكراه “ب” و “ج” على مساعدة الغير كواجب مُحتم عليهم، فسينتج عن ذلك أن لدى “أ” واجب “لاستخدام” “ب” و”ج” بهذه الطريقة. ولهذا السبب فلا يمكن اعتبار أي واجب إيجابي حق من حقوق الآخرين من خلال هذه الرؤية، لأنه سيصبح مُبررًا بعواقبه وعرضة دوماً للإخلال بشرط عدم استخدام الآخرين.

نظريات أخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي عادة ما تُقدم على كونها محايدة اتجاه الفاعل الأخلاقي. لدى جون حق استخدامه الخاص لجسده، وشغله، وموهبته، وهذا الحق هو مُعطى بالدرجة ذاتها لكل شخص حيال ما يمتلكه. ولكن هذا الجانب من النظرية هو عرضة لأحد أشكال ما يُطلق عليها مفارقات أخلاق الواجب، ألا وهي: إذا كان احترام حقوق ماري وسوزي ضروري أخلاقياً بقدر ضرورة حماية حقوق جون، لما لا يكون انتهاك حقوق جون مُبرراً (أو حتى واجباً) إذا ما كان هذا الانتهاك حماية لحقوق ماري وسوزان من أن يتم انتهاكها من قبل الآخرين؟ يمكن المحاجة أنه من الأفضل لأخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي تخليها عن ادّعاء حياديتها اتجاه الفاعل الأخلاقي، إذ من خلال ذلك يمكن تصور أن تمد الحقوق أولئك الذين يمتلكونها بأسبابهم النسبية التي تحول بينهم وبين انتهاك حقوق الآخرين. خذ مثالاً مسألة حق الآخرين في ألا يُستخدمون دون إذنهم، إن الواجب المقابل لهذا الحق هو واجب الفاعل الأخلاقي بألّا يستخدم الآخر دون إذنه، إذا كان هذا الواجب يُعلل بأسباب نسبية للفاعل الأخلاقي، فإن أصحاب النظرية المرتكزة على المتلقي لن يعدموا المصادر المفاهيمية الأخلاقية (كما هو الحال في النظرية المرتكزة على الفاعل) التي ستتصدى لهذه المفارقة. بواسطة هذا التعديل فإنه لن يصح تبرير انتهاك حق جون بألا يُستخدم بذريعة إن مثل هذا الانتهاك سيقلل من فرص استخدام جون من قبل آخرين في المستقبل. سيكون حينها واجبنا بأن لا نستخدم جون هو واجب شخصي لكلٍ منّا بحيث لا يمكن تبرير تخلينا نحن عن هذا الواجب بحجة إن آخرين قد يتخلون عن واجبهم في المستقبل، حيث أن هذه الواجبات مرتكزة على الفاعلية الشخصية لكلٍ منا، وبذا لن تصح أي عملية مقايضة بين انتهاكك وانتهاكات الآخرين في أوقات أخرى.

إنما حتى إن اصبحت النظريات المرتكزة على المتلقي أكثر إحكاما بإنزال الفاعل الأخلاقي موضع الاعتبار في تبريراتها الأخلاقية، فإنها، كما هو الحال مع نظيرتها المرتكزة على الفاعل الأخلاقي، ستظل عرضة لشكل آخر من المفارقات الأخلاقية (وليست المفاهيمية) في نظرية الواجب. حيث إنه يمكن لناقد لأي من النظريتين أن ينطلق من تحريمهما القطعي لاستخدام الآخرين بصياغته للسؤال التالي: إذا كان استخدام الآخرين سيء، أفلا يكون الاستخدام الأكثر للآخرين أسوأ من الاستخدام الأقل؟ إن كان الأمر كذلك، فأليس من الغريب إدانة أعمال يترتب عليها أحوالاً أفضل من تلك الأحوال التي كانت ستحدث في حال انعدامها؟ يمكن للأخلاقيين من الفريقين أن ينكروا إن تلك الأفعال الخاطئة الأقل ضرراً سينتج عنها أحوالاً سيئة على طريقة إن فعلين خاطئين “ليسوا أسوأ” من فعل خاطئ واحد. لذا لن تنطوي على تلك الأفعال الخاطئة، حتى وإن انتجت ضرراً أقل، أي قيمة معيارية. فلا مانع أن يُترتب على انتهاك حق ضحية ما ضرر أقل على الضحية من الضرر الذي كان سيترتب على الآخرين لو لم يُنتهك حق الضحية، ومع ذلك فليس بمقدور أحدهم أن يجادل بأنّا يجب ألّا نضع حدوداً لتقليل الضرر إلا إن كانت المجادلة للتشكيك في تقييد أخلاق الواجب. أي أن القائلين بأخلاق الواجب يرفضون مقارنة الأحوال التي تنتج الضرر بتلك التي لا تفعل، وبشكل مماثل، قد يرفضون مقارنة تلك الأحوال التي تنتج ضرراً أقل بتلك التي تنتج ضرراً أكبر (Brook 2007). يمكن للأخلاقيين دعم هذا الرفض من خلال تأكيدهم على استقلال الشخوص الذين هم في موضع الاعتبار الأخلاقي، فالخطأ المُرتكب بحق “أ” هو خطأ بحقه فقط، كما أن الأخطاء بحق “ب” و “ج” لا يمكن إضافتها لبعضها البعض لصنع خطأ أكبر، لأنه لا يوجد شخص سيعاني من هذه الأخطاء المُضافة لبعضها البعض (cf. Taurek 1977). 

قد يبدوا هذا الحل الذي سيتصدى به الأخلاقيون لمفارقة أخلاق الواجب المطروحة هنا جذاباً، ولكن قد يكون له ثمن باهظ. فلنتأمل في مسألة عربة القطار المتجهة للأشخاص الخمسة على سبيل المثال، حين لا يكون هناك اعتباراً للفاعل الأخلاقي ولا وجود لأي فعل استخدام، فإنه لا يوجد هناك مانع أخلاقي لتغيير سكة الحديد إلى اتجاه آخر لإنقاذ العمال الخمسة حتى وإن تواجد عامل واحد في الاتجاه الآخر، ولكن، بأخذ الحل السابق موضع الاعتبار، فإنه لا يمكن  القول بأن تغيير سكة الحديد أفضل من عدم تغييرها، لأنه إذا ما لم يكن من الوجيه إضافة الضرر الواقع على الأشخاص الخمسة إلى بعضه البعض، فإن موتهم ليس أسوأ من موت شخص واحد على السكة الأخرى. رغم عدم وجود مانع لتغيير اتجاه السكة، إلا أن ذلك التغيير ليس أفضل من عدمه. بل توجد نتيجة أسوأ وفق رؤية انفصال الأشخاص وبالتالي تساوي الضرر، وهي أنه لو افترضنا أن القطار كان متجهاً للسكة التي بها العامل الواحد فلا يبدوا أن هناك سببا وجيهاً ضمن هذه الرؤية لعدم تغيير سكة الحديد نحو السكة الأخرى والتي بها العمّال الخمسة، حيث أن خسارة أربعة أشخاص إضافيين ينبغي ألا يكون له اعتبار طالما لا يوجد اعتبار للعدد.

ماتزال نظرية أخلاق الواجب تعاني من هذا المأزق المتمثل بكيفية اعتبارها للأرقام دون تخليها عن جوهرها الأخلاقي وتبنيها للعواقبية، وهو ما يعكف عدد من الأخلاقيين المتبنين لنظرية الواجب على حله مع الحرص على عدم إثارة المفارقات الآنف ذكرها (e.g.، Kamm 1996; Scanlon 2003; Otsuka 2006، Hsieh et al. 2006)، وستظل نظريتهم في مأزق حتى ينجحوا في سعيهم.

 

٢.٣ نظريات أخلاق الواجب التعاقدية

تتعامد نظريات أخلاق الواجب التعاقدية بشكل ما مع الاختلافات الحاصلة بين النظريات المرتكزة على الفاعل وتلك المرتكزة على المتلقي. حسب نظريات أخلاق الواجب التعاقدية فإن الأفعال الخاطئة هي تلك التي سيتعاقد الناس على تحريمها في أي بيئة مناسبة لنشوء العقد الاجتماعي بين أي جماعة من البشر (e.g.، Rawls 1971; Gauthier 1986)، أو تلك التي تُعتبر محرمة حسب مبادئ لا يمكن عقلاً رفضها من قبل أولئك الجماعات (e.g.، Scanlon 2003).

لا يبدو الأمر واضحاً إذا ما كان للنظريات التعاقدية أي اعتبار معياري في أخلاق الواجب، كما هو الحال في أي نظرية أخلاقية أخرى، حيث تبدو في كثير من الأحيان كإحدى نظريات “ميتا-أخلاقية” والتي تُعنى بدراسة خواص الأخلاق والسلوكيات الأخلاقية لا جواهرها. ولكن إذا ما اعتبرناها نظرية معيارية من الدرجة الأولى فستكون أقرب لتلك النظريات المرتكزة على المتلقي، وذلك لارتكازها على التكليف الأخلاقي الداعي إلى معاملة الآخرين بعضهم البعض كما تصادقوا عليه. ولكنها ستواجه ذات المأزق الذي يواجه مثيلاتها من النظريات التعاقدية: كيف يمكن عقلاً التسليم بأن “السحر الأخلاقي” للمُصادقة على الشيء هو القانون الأخلاقي الأول؟ وكيف يمكن التأكد بإن كل ما هو مسموح فعله للآخرين قد سبقه مصادقتهم سواء ظاهرياً او باطنياً؟

إن النظريات التعاقدية الحديثة تبدو نظريات “ميتا-أخلاقية” في واقع الأمر وليست معيارية، فأفضل طريقة لتعريف نظرية توماس سكانلون التعاقدية، والتي تٌعنى بالسلوكيات المُتعارف عليها التي يمكن لنا تبريرها لبعضنا البعض، هي بالنظر إليها كنظرية اونطولوجية وابستمولوجية في تعاملها مع المفاهيم الأخلاقية. يمكن إطلاق الحكم ذاته على تعاقدية دايفيد جوثيير. ولكن حتى في ظل هذه النظرة، لا تؤدي الميتا-أخلاقية التعاقدية -بصفتها منهجًا للتوصل إلى معايير أخلاقية- بالضرورة إلى أخلاق الواجب بصفتها أخلاقيات من الدرجة الأولى. يحاجج جون هارساني –مثلا- بأن أطراف العقد الاجتماعي ستفضل النفعية (utilitrainism) على المبادئ التي جادل جون راولز بإنه سيتم اختيارها (Harsanyi 1973). حتى وإن استطاعت التعاقدية الميتا-أخلاقية على خلق مفاهيم تنطوي تحت أخلاق الواجب، فإنه ليس من الواضح إذا ما كانت ستفضّل الأخلاقيات المرتكزة على الفاعل الأخلاقي او تلك المرتكزة على الضحية.

٢.٤ نظريات أخلاق الواجب وكانط

يٌعتبر إمانويل كانط الفيلسوف المحوري في نظريات أخلاق الواجب، حيث يستطيع مناصري أياً من النظريات الآنف ذكرها على وصف أنفسهم ككانطيين.

يمكن لمناصري أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل الأخلاقي الاستشهاد بتنصيب كانط للمفاهيم والقواعد الأخلاقية التي يتبناها الفاعل الأخلاقي كضابط لأخلاقية السلوكيات والأفعال، حيث إن الشيء الوحيد الخيّر بشكل غير مشروط عند كانط هي النية الخيّرة (Kant 1785). كما يتسنى لأنصار النظريات المرتكزة على المتلقي الاستشهاد بإيعاز كانط بحرمة استخدام الآخرين كوسائل لغايات شخصية (Kant 1785). وللتعاقديين الاتكاء على العنصر التعاقدي في نظرية كانط والذي يؤكد فيه على أن القاعدة الأخلاقية التي ينبغي للمرء أن يتصرف وفقاً لها عليها أن تكون مرغوبة بنفس الدرجة بالنسبة لكل كائن عاقل، مما يخولها لتكون كقاعدة كونية (Kant 1785). 

 

٣) مزايا نظريات أخلاق الواجب

الآن وقد بينّا أهم الفروقات بين نوعين من نظريات أخلاق الواجب وعلاقة كلاً منهما بالنظرية التعاقدية، ندلف الآن إلى تقييم نظرية أخلاق الواجب بشكل عام. تسمح هذه النظرية للفاعل الأخلاقي بإعطاء اهتمام خاص لواجباته اتجاه عائلته وصحبه وشغله على عكس النظرية العواقبية، على الأقل إذا لم يكن هناك على المحك واجب أخلاقي أكثر عموماً في أثره.  حتى مع وجود مثل هذا الواجب، فإن هذه النظرية تحد من متطلباته. وفقاً لذلك تكون نظرية أخلاق الواجب قد اجتنبت ما يُعاب على النظرية العواقبية من إفراطها وشح اعتبارها للفرد وحياته الشخصية، وهي بذلك أكثر اتساقاً مع المفاهيم السائدة بين الناس عن الواجبات الأخلاقية.

تسمح نظرية أخلاق الواجب كذلك بإضفاء اعتبار للنافل من الأعمال الخيّرة التي تتجاوز ما هو مطلوب وواجب على عكس العواقبية. ففي حين يستطيع الأخلاقي الذي يدين بأخلاق الواجب أن يذهب أبعد مما يتطلبه الواجب منه، يعجز العواقبيون عن ذلك، حيث يكون كل ما هو خارج عن المُتطلب الأخلاقي حسب النظرية إما ضار أو ممنوع في حين يتسع تصنيف أخلاق الواجب إلى ما هو نافع وضار وما هو جدير بالإشادة لتميزه الأخلاقي.

يتضح لنا من هذه المزايا، ومن كيفية تعاطي نظرية أخلاق الواجب مع المآزق الأخلاقية السابق ذكرها (أمثلة نقل الأعضاء وسائق عربة القطار والرجل البدين) إنها قادرة على الاتساق مع أقوى أشكال حدسنا الأخلاقي وأكثرها انتشاراً وهي بذلك تتفوق على العواقبية.

وأخيراً وليس آخراً، تستطيع نظرية أخلاق الواجب تبرير استحقاق البعض الأخلاقي لمحاسبة أولئك الذين يخرقون واجباتهم الأخلاقية، وذلك لأن تلك الواجبات هي اتجاه أشخاص معينون، لا واجبات اتجاه حالة منفعة عامة لا تقتصر على شخص على وجه التعيين.

 

٤) مواطن ضعف نظريات الواجب

لا تخلو نظرية الواجب من نقاط ضعف، لاسيما في مفارقة ولاعقلانية وجود واجبات أو مسموحات تجعل العالم أسوأ أخلاقياً. تحتاج نظرية الواجب إلى نموذج أخلاقي عقلاني شبيه بذلك الذي تعتمد عليه العواقبية في قاعدتها الأبرز “تصرف لتحقيق أكبر قدر من المنفعة”. في غياب مثل ذلك النموذج، لن تتخلص نظرية الواجب من وقوعها في عدد من المفارقات. سيصعب على النظريات المرتكزة على المتلقي بالذات تجنب مثل تلك المفارقات وذلك لافتقارها للمصادر المفاهيمية اللازمة التي تولي للفاعلية الأخلاقية أهمية كافية للاعتداد بها ضد تلك المفارقات. بل إن حتى مع وجود تلك المصادر المفاهيمية، كما هو الحال في النظريات المرتكزة على الفاعل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها معقولة، مثل سماح نظام أخلاقي موضوعي وعلماني لفاعلية المرء الأخلاقية أن تصبح على درجة من الأهمية بصفة فريدة لذلك الشخص.

ثانياً، لا بد لنظرية أخلاق الواجب من التعامل مع التضارب بين تلك الواجبات. للمزيد حول هذه النقطة يرجى الاطلاع على مقدمة المعضلات الأخلاقية في الموسوعة. رغم إن افتراض كانط الجريء “يستحيل وجوج تعارض بين الواجبات” (Kant 1780، p. 25) هي الخاتمة التي نحن بحاجة لها، إلا انه يصعب اثبات صحة مقولته. إن من شأن التفريق بين انعقاد النية والتوقع، والفعل والسماح بالفعل، والتسبب بالفعل وتسهيله، أن يقلل من احتمالية وقوع التضارب ولكن قدرة التوسع في هذه الخواص على القضاء على التضارب تماماً هي مسألة لم يُبّت فيها بعد.

إحدى الطرق المعلومة في معالجة هذا التضارب المحتمل بين بعض واجبات أخلاق الواجب هي في الحدّ من القوة “القطعية” لهذه الواجبات لتقتصر على الواجبات “البديهية” (prima facie) فقط (Ross 1930،  1939)، فلا إشكالية في التضارب الحاصل فقط بين تلك الواجبات البديهية مادام لا يؤثر في أداء المرء لواجباته ذات الطبيعة القطعية التامّة. معالجة الواجبات البديهية هذه -كغيرها من المعالجات، بعض الآراء المختلفة حول الحد الأدنى لأخلاق الواجب مذكورة باختصار في الأسفل- هي في حقيقتها تلطيف لقطعية الواجبات الأخلاقية وعرضة للانطواء تحت مظلة العواقبية، وذلك يعتمد عما إذا ما تمت قراءة هذا التضارب بين الواجبات البديهية أبستمولوجياً أم لا، وإذا ما ١) برّرت تلك المعالجة الإخلال بإحدى تلك الواجبات البديهية متى ما توفرت أي عواقب نافعة، ٢) أو ما إذا ما كان هذا الإخلال مبررًا بعواقب ذات حد أدنى فقط، ٣) أو إذا ما كان هذا الإخلال مبررًا فقط في حال وجود احتمالية للإخلال في واجبات قطعية أخرى فقط.

ثالثاً، يطال نظرية أخلاق الواجب، خاصة في ارتكازها على الفاعل الأخلاقي، قلقاً من كونها عرضة للتلاعب. وهو خطر تواجهه بقدر لجوئها إلى إزاحة تضارباتها من خلال الاعتماد على الوسائل التي سبق ذكرها من قبيل: “مبدأ التأثير المزدوج” و “مبدأ الفعل والسماح بالفعل”، وذلك من خلال التلاعب في الغايات للسماح بتمرير ما هو ممنوع وفق الأخلاق الواجبة (see Katz 1996). يُعتبر هذا التلاعب خاصية غير مرغوبة في أي أن نظام أخلاقي.

رابعاً، مفارقة الصرامة هي محل ضعف آخر في أخلاق الواجب، ويمكن تعريفها بأنها تلك المفارقة التي تنشأ حين يُسلّم أن جميع أخلاق الواجب هي قطعية ويُسلّم بالوقت نفسه على كون بعضها أكثر صرامة من الآخر. يشيع في أخلاق الواجب الفهم القاضي بأنه “لا يمكن أن يكون هناك درجات للخطأ في الأفعال اللاأخلاقية بجوهرها…” (Frey 1995، p. 78 n. 3)، إلا أن هذا الفهم يُقوض من خلال الإقرار بالصرامة النسبية للأفعال (في حقيقتها درجات مختلفة للخطأ) من خلال اعتبارين: ١) الإقرار بالصرامة النسبية للأفعال يتضمن اقراراً بكونه من الممكن المقارنة بين الأفعال الواجبة إذا ما حصل تعارض بينها من حيث كونها أكثر أو أقل صرامة من بعضها البعض ٢) يتفاوت العقاب الناتج عن الإخلال بكل واجب عن الآخر، فكلما عظم الخطأ عظمت عقوبته. وهذا التفاوت المعقول يمكن تفسيره فقط من خلال التفاوت في الصرامة النسبية للأخلاق الواجبة.

خامساً، قد يؤدي الالتزام بالأخلاق الواجبة إلى نتائج مروعة في الحياة الواقعية، وليس في تجارب التفكير فقط. خذ على سبيل المثال حين يكون إنقاذ حياة عشرة،، أو ألف، أو مليون شخص مرهون بأن يقوم الشخص “أ” بالإخلال بواجبه بعد تعذيب “ب”. إن امتناع “أ” عن الإخلال بواجبه وفق إطار الأخلاق الواجبة قد يودي بحياة كل تلك الأرواح البريئة. يستخدم كثيرون فساد تطبيق مفهوم أخلاق الواجب في هذا المثال كبرهان خَلف ليؤكدوا على ضعف المبدأ.

للتعامل مع هذه “النوازل الأخلاقية” لا مرد من لجوء مناصري أخلاق الواجب إلى ستة طرق محتملة. أولها أنهم قد يضطرون إلى الاعتراف والإقرار بأن فعل ما هو صحيح أخلاقياُ في بعض الأحيان قد يودي إلى نتائج وخيمة دون أن يقلل ذلك شيئاً من صحة الفعل الأخلاقي. في هذه الحالات، سيكون الالتزام بالمعيار الأخلاقي على درجة بالغة من الصعوبة، ولكن يبقى لذلك الالتزام الأخلاقي الاعتبار الأهم فوق كل الاعتبارات. يمكننا أن نطلق على هذا الموقف “الجواب الكانطي” نسبة إلى مبالغة كانط “من الأفضل أن يفنوا البشر عن بكرة أبيهم” على أن يُقترف الظلم بينهم (Kant 1780، p. 100)، كما يمكن تسمية هذا المفهوم بموقف أخلاق الواجب القطعي وذلك لأن الالتزام بالأخلاق الواجبة وفق هذ المفهوم له مكانة قطعية.

يلجأ هذا الجواب الأول في التعامل مع “النازلة الأخلاقية” إلى تجاهلها بإنكار أن موت مليون شخص هو مليون مرة أسوأ من موت شخص واحد. جون تورك أحد أشهر من أثار إشكالية “التراكم” التي سبق وتطرقنا لها في الجزء ٢:٢ في مدخل مفارقات أخلاق الواجب. يعتقد تورك إنه من الخطأ اعتبار أن إيذاء شخصين هو ضعف سوء إيذاء شخص واحد وذلك لكون كل فرد يعاني من الأذى الواقع عليه فقط وليس من الأذى المتراكم، وبذلك يستطيع تورك ومن حذا حذوه أن ينكر وجود أي نازلة أخلاقية متعلقة بهذا الخصوص (Taurek 1977). يشدد روبرت نوزويك أيضاً على الفصل بين الأشخاص وعلى انعدام وجود كيان يتعرض لأذى مُضاعف حين يكون ضحية الإيذاء شخصين عوضاً عن شخص واحد (Nozick 1974) (من الجدير بالذكر أن نوزويك يقر بوجود نوازل أخلاقية وبالتالي قد تبدوا اراءه غير متسقة). يرفض السواد الأعظم من فلاسفة أخلاق الواجب تبرير توروك المتطرف بأنه لا يتعين علينا تنمية إلتزام اتجاه إنقاذ حياة الكثيرين أكبر من إنقاذ حياة القلة، ولكنهم يتفقون معه ببطلان أثر التراكم. حين يكون الخيار بين إنقاذ حياة الأكثرية مقابل الأقلية، يلجأ أصحاب النظرية إلى ١) إنقاذ الأكثرية إقراراً بأهمية حياة كل فرد إضافي ٢) أو استخدم عملة معدنية مرجحة ٣) أو رمي العملة بالهواء ٤) أو إنقاذ أي حياة يتم اختيارها (انكار النازلة الأخلاقية) (Broome 1998; Doggett 2013; Doucet 2013; Dougherty 2013; Halstead 2016: Henning 2015; Hirose 2007، 2015; Hsieh et al. 2006; Huseby 2011; Kamm 1993; Rasmussen 2012; Saunders 2009; Scanlon 2003; Suikkanen 2004; Timmerman 2004; Wasserman and Strudler 2003).

 

يتمثل الجواب الثاني بالتخلي عن قطعية كانط مقابل تبني وجود حد أدنى مسموح لأخلاق الواجب (threshold dentology)، بحيث تكون الأخلاق الواجبة ملزمة رغم عواقبها، ولكن يتنهي دور نموذج أخلاق الواجب حين تصل تلك العواقب إلى حدود كارثية، لتتخطى الحد الأدنى المسموح، وتتسلّم العواقبية زمام الأمور (Moore 1997، ch. 17). أي قد لا يستطيع “أ” تعذيب “ب” لإنقاذ حياة شخصين، ولكن له أن يفعل ذلك إذا كان سينقذ حياة ألف شخص إذا كان “الحد الأدنى المسموح” لأخلاق الواجب أكثر من شخصين وأقل من ألف.

جدير بالذكر هنا وجود طريقتين لتقرير هذا الحد الأدنى المسموح لأخلاق الواجب، إحداهما، وهي الأبسط، تتمثل في وجود حد أدنى ثابت، وهو من السوء بحيث تفقد بعدها الأخلاق الواجبة أي قطعية تتمتع بها. هذا الحد الأدنى ثابت بحيث أنها لا تتأثر بدرجة صرامة أي واجب. تُعرف الطريقة الأخرى بـ”المقياس الحد الأدنى المتدرج لأخلاق الواجب” (sliding scale threshold deontology). يكون الحد الأدنى في هذه الطريقة مرهون بدرجة الخطأ الذي يحصل اقترافه، فخطأ أن يطأ أحدهم برجله على أفعى ليس كأن يطأ أحدهم برجله على طفل.

 

تبني وجود الحد الأدنى لأخلاق الواجب هي محاولة لحمايتها من تهمة الفانتازية. وذلك محاولة أخرى شبيهة بحل الواجبات البديهية لحماية النظرية من تهمة التضارب كما سبق وأشرنا. لكن عادة ما يتم تفسير الحد الأدنى لأخلاق الواجب بحيث يصبح عالياً، بحيث تكون نتائجها أقرب إلى نوع “نقي” وقطعية لأخلاق الواجب، وبذلك يكون الحد الأدنى لأخلاق الواجب معرضة أيضاً لعدة مصاعب نظرية. يتمثل أولها في إعطاء اعتبار نظري مقبول عن موقع الحد الأدنى، سواء بمفهومها الثابت أو المقياس المتدرج، فلماذا يكون الحد الأدنى للالتزام بأخلاق الواجب عندما يكون ألف شخص معرضون للخطر وليس تسعة آلاف أو ألفان؟ المشكلة النظرية الأخرى تتمثل في احتمالية ترتب نتائج مضادة على مفهوم الحد الأدنى. فعلى سبيل المثال، إذا كان ينقصنا شخص واحد للوصول إلى الحد الأدنى لأخلاق الواجب، والذي سنتمكن من بعده من إنقاذ كل هؤلاء المعرضين للخطر، فربما سيكون من المسموح تعريض شخص إضافي للخطر علماً بأنه سيُنقذ لاحقاً مع الآخرين مقابل قتل شخص برئ. ثالثاُ، يتسم المنطق الذي علينا اتباعه بعد تجاوز الحد الأدنى لأخلاق الواجب بعدم الوضوح. هل سنلجأ إلى عواقبية مُباشرة، أم إننا سنعتمد على معادلة تأخذ كل فاعل أخلاقي بعين الاعتبار؟ أم إننا سنلجأ لأمر آخر؟ المشكلة النظرية الرابعة هو أن الحد الأدنى لأخلاق الواجب ستتحول سريعاً إلى مقاربة عواقبية. بالتأكيد يمكن ملاحظة أن المقياس المتدرج للحد الأدنى لأخلاق الواجب يمكن تفسيرها على كونها امتداد لعواقبية تأخذ الفاعل الأخلاقي بعين الاعتبار.

تتمتع الأجوبة الأربعة المتبقية على النوازل الأخلاقية على نوعٍ من المراوغة. خذ على سبيل المثال الجواب المشهور لإليزابيث انسكومب في زعمها أن الفاعل الأخلاقي الحقيقي لا يمكن له التفكير على مستوى واع بهتك واجباته الأخلاقية لتجنب أي نتائج كارثية  (Anscombe 1958; Geach 1969; Nagel 1979). مثل هذا التهتك البلاغي ليس سوى محاولة غريبة لإثبات قطعية كانط مدفوعة بحالة انعدام صبر مع السؤال المطروح.

يشارك براند ويليامز رد “لا تفكر به” (don’t think about it) للدفاع عن أخلاق الواجب مع جواب انسكومب. وفقاً لويليامز (1973)، فإن السيناريوهات المطروحة في هذه المواقف المرعبة أخلاقياً إنما هي خارج نطاق المسألة الأخلاقية بل وخارج نطاق المعقول. لهذا التصور جذوره في التصور القديم للضرورة الطبيعية، والذي قام بإعادة احياءه السير فرانسيس بيكون القائل بإن هذه الحالات هي خارج نطاق القانون الإنساني ويمكن الحكم عليها فقط من خلال القانون الطبيعي للغرائز. وفقاً لويليامز، علينا فقط أن نتصرف. الجدير بالاهتمام هو تأمل ويليامز في كون اتخاذ قرارات “وجودية” كتلك التي سنتخذها في مثل المواقف الصعبة الآنف ذكرها سيدفعنا إلى فعل ما علينا فعله فقط، على سبيل المثال، قد نقرر تعذيب إنسان بريء لمنع مجزرة نووية.

لكن بالتأكيد هناك تصورات غير سعيدة لمدى قوة واتساع الأخلاق والعقل والقانون الإنساني. حتى ويليامز نفسه يعتقد ان هناك إجابة لما يتوجب فعله وإن كانت تلك الإجابة مختلفة عن إجابة انسكومب. يشترك كلا الجوابين، جواب ويليامز وانسكومب، بالركاكة المتمثلة في اعتقادهما إننا نعجز عن الاتكاء على العقل أو الأخلاق حين تغدوا الظروف صعبة.

 

مع ذلك، فأنه توجد استراتيجية أخرى للتعامل مع هذه الإشكاليات من خلال فصل الحكم تماماً عن استحقاق الفاعل الأخلاقي للثناء أو الهجاء، حتى مع إدراك الفاعل الأخلاقي لهذه التقييمات الأخلاقية. على سبيل المثال ، إذا ما قرر “أ” تعذيب “ب” لإنقاذ حياة ألف شخص، يمكن للمرء اعتقاد إن ما فعله “أ” كان خطأً أخلاقياً مع اعتقاده بالوقت ذاته أن “أ” يستحق الثناء لقدرته على فعل ذلك.

يتعين على أخلاق الواجب التوفيق بين علاقتي الحكم الأخلاقي على الخطأ وبين الحكم “الدون منطقي”  (hypological) (Zimmerman 2002) على استحقاق مقترف ذات الخطأ للوم (Alexander 2004). إنما حتى مع إحكام هذا التوفيق، سيكون الإحكام غريباً وهو يدين الخطأ الأخلاقي، وفي الوقت عينه يشيد بالمخطئ. بل إن ما هو أكثر غرابة هو كيف يتعين على نظام أخلاقي كهذا إرشاد أفعالنا: هل على المرء السعي وراء ارتكاب الخطأ الأخلاقي أم الإشادة الأخلاقية؟

تتمثل الاستراتيجية الأخيرة للتعامل مع النوازل الأخلاقية ليس في إنكارها ولكن في التفريق بين المنطق الأخلاقي وبين المنطق “الذي يضع كل الأمور في عين الاعتبار”، وبالمحاجة أنه في الوقت الذي يقتضي المنطق الأخلاقي الالتزام بالقواعد الأخلاقية بغض النظر عن نتائجها، يقتضي المنطق “الذي يضع كل الأمور في عين الاعتبار” عكس ذلك (قد تبدوا هذه المقاربة قراءة مختلفة لمعنى ويليامز حين اعطى الأسبقية للدافع الطبيعي على المنطق الأخلاقي، ولكن هذه الاستراتيجية يمكن استخدامها ايضاً لمجابهة تطلب وتجاهل العواقبية للفاعل الأخلاقي ( Williams 1975، 1981). رغم ذلك، فإن هذه الاستراتيجية كسابقاتها يسهل النظر إليهم كمحاولات يائسة. لما على أحدهم اعتقاد أن أخلاق الواجب ستتوافق بشكل أفضل مع المنطق الأخلاقي في الوقت الذي يتم فيه اللجوء إلى العواقبية كنظام أكثر اتساقاً مع المنطق “الذي يضع كل شيء في عين الاعتبار” والذي يحكم التصرفات؟

 

٥) إعادة النظر في علاقة أخلاق الواجب بالعواقبية 

يحاول البعض القضاء أو التقليل من أثر نقاط ضعف أخلاق الواجب فيما يحافظ على مزاياها في الوقت ذاته. لفعل ذلك، يمكن العمل على محاولة دمج كلاً من أخلاق الواجب والعواقبية تحت مظلة نظرية واحدة مختلطة نوعاً ما، لكن هذا الأمر لا يخلو من صعوبة بالغة خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأرضيات العقلية المختلفة والتي تقوم عليها كلاً من النظريتين، فكيف من الممكن تصور أن تُدمج نظرية تُقيم للفاعل الأخلاقي كل الاعتبار مع نظرية تبقى محايدة اتجاهه دون خسارة جوهر الأولى.

يُعد نسب كل من النظريتين إلى سلطتين قضائيتين مختلفتين إحدى المحاولات القديمة للتوفيق بينهما. حاول توم نيجل على سبيل المثال التوفيق بين النظريتين من خلال نظرية تكون أهدافها الموضوعية عواقبية فيما تحضر فيها أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل الأخلاقي من خلال ذاتيتنا المتأصلة (Nagel 1986). لكن هذا التخصيص لا يبدوا حصرياً في نظرية نيجل حيث يمكن معالجة موقف واحد إما من خلال منظوره الموضوعي أو الذاتي، وبهذا تكون محاولة دمج كلا المنظورين لا تخلو من غموض.

لمحاولة أقل غموضاً يمكن نسب كلاً من النظريتين إلى سلطتين قضائيتين مستقلتين تماماً. إحدى طرق تحقيق ذلك هي من خلال اعتبار العواقبية المحايدة تجاه الفاعل الأخلاقي كنظام أخلاقي افتراضي، بحيث تحكم أخلاق الواجب أفعالنا متى ما كانت واجباتها أو ما تسمح به قابلًا للتطبيق، ولكن ما إن تعجز عن ذلك ضمن حيز اعتباري معقول حتى تتسلم العواقبية زمام الأمور (Moore 2008). يجدر إعادة التذكير بإن تبني وجود الحد الأدنى لأخلاق الواجب يسمح للعواقبية برسم إطار للأفعال الأخلاقية حتى حينما تكون أخلاق الواجب هي السائدة وذلك حين يكون مستوى النتائج المترتبة على الأفعال الأخلاقية كارثية (Moore 2012).

٥.١ لا تنازلات للعواقبية: أخلاق واجبة نقية

على عكس النظريات المختلطة، يحاول بعض فلاسفة أخلاق الواجب إبقاء نظريتهم نقية من خلال توسيعها لاحتواء كل الإشكاليات الأخلاقية في ذات الوقت الذي يحاولون فيه تقليد فوائد العواقبية. هذه المحاولة لابد وأن تقوم على وعد اثبات لا معقولية الاتهام الموجه لأخلاق الواجب في أنها تجعل “أو تسمح بجعل” العالم مكان أسوأ (وذلك لأنها بداهة تنكر هذه الحالة السيئة التي ينشأ منها الاتهام) (Foot 1985). يتعين لفعل ذلك توسيع النظرية لاحتواء ما كان سابقاً من اختصاص العواقبية، ألا وهو تحديد واجبات إيجابية اتجاه الغرباء. بالإضافة إلى تحديد محتوى للمسموح أخلاقيًا والواجبات الأخلاقية التي تُفضي إلى نتائج مقاربة لنتائج العواقبية المُساهمة في جاذبيتها. على هذا التحديد أن يكون مُفصلاً ليتمكن من إثبات أن ما يبدوا للوهلة الأول كموازنة عواقبية هو أمر يمكن تكوينه من خلال سلسلة مُركبة من القواعد ذات أولويات مُفصلة وأحكام استثنائية (Richardson 1990). قلة من العواقبيين قد يتفقون بإن هذا مشروع ممكن الحدوث.

 

٥.٢ لا تنازلات لأخلاق الواجب: عواقبية نقية؟

تتشابه الصورة النقية لأخلاق الواجب التي ذكرناها في المحور السابق مع عواقبية غير مباشر ذات مستويين، وذلك لأن هذه الصورة “النقية” ترجوا أن تحصد مزايا أخلاق الواجب والعواقبية في الوقت ذاته، ليس من خلال تبني كليهما، ولكن من خلال إثبات إننا نستطيع التوصل للأخرى إذا ما أحسنّا تعريف الأولى. تسعى العواقبية الغير مباشرة –بالطبع- إلى تحقيق هذا من جهة العواقبية فقط.

ولكن يحاجج الكثيرون (Lyons 1965; Alexander 1985) بأن هذ المقاربة قد تقوض من العواقبية غير المباشرة عبر: الطاعة العمياء واللامعقولة للقواعد ( لماذا يجب اتباع القواعد إذا ما كان خرقها سيؤدي إلى نتائج أفضل؟) ، أو تحولها إلى عواقبية مباشرة ( سلوكيات موافقة للقواعد وتفضي إلى نتائج أفضل على المدى الطويل)، أو عبر جعلها عصيّة على العامّة (فينبغي على الأشخاص العاديون اتباع القوانين دون إخبارهم عن القاعدة العواقبية التامة التي تشكّل أساساً لتلك القوانين، مخافة أن يهجروا القوانين اعتقاداً منهم أن ذلك سيفضي إلى نتائج أفضل). للاستزادة، راجع مدخل الموسوعة حول عواقبية القاعدة. كما أنه لا يبدوا من الواضح لماذا يعد أولئك أولئك الذين يخرقون العواقبية غير المباشرة “مخطئون” بحق الآخرين، بمعنى ما هو الأساس الذي تقوم عليه الشكوى الشخصية لأولئك الآخرين وفق الإطار النظري لهذا المفهوم، خاصة إذا ما كان اتباع القاعدة قد أفضى إلى نتائج حسنة على المدى الطويل (يبقى التساؤل في محله سواء أفضى الإخلال بالقاعدة إلى نتائج حسنة أم لا). يُستخلص أنه بعيداً عن المنال فهم كيفية المحافظة على مزايا أخلاق الواجب من خلال تبنينا لعواقبية غير مباشرة، وإن كان لهذا التحرك قدرة على انقاذ أخلاق الواجب من مشكلة النتائج الكارثية التي قد تنتج عنها والتي لطالما أربكت فلاسفتها.

 

٦) أخلاق الواجب والميتا-أخلاق

إن نظريات أخلاق الواجب هي نظريات معيارية، فهي لا تتبنى موقفاً بالضرورة من أصل الأخلاق (أنطولوجياً) أو من نظرية المعرفة الأخلاقية (أبستمولوجيا). يُمكن نظرياً لمن يتبنى أخلاق الواجب أن يتبنى نظرة المدرسة الواقعية للأخلاق بشقيها الطبيعي (الخصائص الأخلاقية هي خصائص طبيعية) أو غير الطبيعي (الخصائص الأخلاقية ليست بجوهرها خصائص طبيعية وإن كانت مرتبطة بالخصائص الطبيعية دون اختزالها بها). كما يمكن لمن يتبنى أخلاق الواجب أن يتبنى المدرسة التعبيرية، أو البنائية، أو الترانسانديتالية، أو التقليدية، أو أن يتبنى نظرية الأمر الإلهي فيما يختص بطبيعة الأخلاق. كما يمكن لفلاسفة أخلاق الواجب زعم أن محتوى نظامهم الأخلاقي يمكن التوصل إليه من خلال الحدس المباشر، أو بالتأملات الكانطية في الموقف المعياري، او بإيجاد موازنة قابلة للتأمل والمراجعة بين أحكام أخلاقية معينة والنظريات التي نبنيها لشرح هذه الأحكام (نظريات الحدس).

إنما ينبغي الانتباه إلى أن بعض النظريات الميتا-أخلاقية أقل اتساقاً مع نظريات أخلاق الواجب من غيرها. على سبيل المثال، ليس من اليسير حشر مفاهيم أخلاق الواجب المعيارية –كالحقوق، والواجبات، والمسموحات- من زاوية واقعية-طبيعية في النطاق الميتا-أخلاقي، )ولذا تشيع العواقبية بين أنصارها(، فيما قد تبدوا أخلاق الواجب أكثر اتساقاُ مع الواقعية غير الطبيعية، والتقليدية، والترانساندينتالية، ونظرية الأمر الإلهي (قد تبدوا مثلاً مفارقات أخلاق الواجب أقل صعوبة حين يتم النظر للأخلاق على كونها تعاليم ربّانية موجهة لضمير كل إنسان بحُكم عبوديته). إذا ما تم الاعتراف بتلك الارتباطات بين أخلاق الواجب والنظريات الميتا-أخلاقية فلن تكون لأخلاق الواجب عصمة من مواطن ضعف تلك النظريات وبالتالي ستضعفها، لذا يجادل بعض منظرو أخلاق الواجب في ركاكة هذا الارتباط، وبإن تفسير أخلاق الواجب ضمن نظرية طبيعية واقعية من شأنه تقويض أخلاق الواجب (Moore 2004).

 

 

 

 

 


المراجع

  • Alexander، L.، 1985، “Pursuing the Good—Indirectly،” Ethics، 95(2): 315–332.
  • –––، 2000، “Deontology at the Threshold،” San Diego Law Review، 37(4): 893–912.
  • –––، 2004، “The Jurisdiction of Justice: Two Conceptions of Political Morality،” San Diego Law Review، 41(3): 949–966.
  • –––، 2016، “The Means Principle،” in K.K. Ferzan and S.J. Morse (eds.)، Legal، Moral، and Metaphysical Truths: The Philosophy of Michael S. Moore، Oxford: Oxford University Press: 251–264.
  • Alexander، L. and K.K. Ferzan، 2009، Crime and Culpability: A Theory of Criminal Law، Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––، 2012، “ ‘Moore or Less’ Causation and Responsibility: Reviewing Michael S. Moore، Causation and Responsibility: An Essay in Law، Morals and Metaphysics،” Criminal Law and Philosophy، 6(1): 81–92.
  • Anscombe، G.E.M.، 1958، “Modern Moral Philosophy،” Philosophy، 33(124): 1–19، at 10.
  • –––، 1962، “War and Murder،” in Nuclear Weapons: A Catholic Response، W. Stein، (ed.) New York: Sheed and Ward.
  • Aquinas، T.، 1952، Summa Theologica، Chicago: Encyclopedia Britannica.
  • Bennett، J.، 1981، “Morality and Consequences،” in The Tanner Lectures on Human Values Vol. 2، S. McMurrin، (ed.)، Cambridge: Cambridge University Press.
  • Bentham، J.، 1789 (1948)، An Introduction to the Principles of Morals and of Legislation، Oxford: Basil Blackwell.
  • Brody، B.، 1996، “Withdrawing of Treatment Versus Killing of Patients،” in Intending Death، T. Beauchamp، (ed.)، Upper Saddle River: Prentice-Hall.
  • Brook، R.، 2007، “Deontology، Paradox، and Moral Evil،” Social Theory and Practice، 33(3): 431–40.
  • Broome، J.، 1998، “Review: Kamm on Fairness،” Philosophy and Phenomenological Research، 58 (4): 955–61.
  • Doggett، T.، 2013، “Saving the Few،” Noûs، 33: 302–315.
  • Doucet، M.، 2013، “Playing Dice with Morality: Weighted Lotteries and the Number Problem،” Utilitas، 25: 161–181.
  • Dougherty، T.، 2013، “Rational Numbers: A Non-Consequentialist Explanation of Why You Should Save the Many and Not the Few،” Philosophical Quarterly، 63: 413–427.
  • Davis، N.، 1984، “The Doctrine of Double Effect: Problems of Interpretation،” Pacific Philosophical Quarterly، 65: 107–123.
  • Ellis، A.، 1992، “Deontology، Incommensurability and the Arbitrary،” Philosophical and Phenomenological Research، 52(4): 855–875.
  • Foot، P.، 1967، “The Problem of Abortion and the Doctrine of Double Effect،” Oxford Review، 5: 5–15.
  • –––، 1985، “Utilitarianism and the Virtues،” Mind، 94: 107–123.
  • Frey، R.G.، 1995، “Intention، Foresight، and Killing،” in Intending Death، T. Beauchamp (ed.)، Upper Saddle River: Prentice-Hall.
  • Gauthier، D.، 1986، Morals By Agreement، Oxford: Clarendon Press.
  • Geach، P.، 1969، God and the Soul، New York: Shocken Books.
  • Halstead، J.، 2016، “The Numbers Always Count،” Ethics، 126: 789–802.
  • Harsanyi، J.، 1973، Can the Maximin Principle Serve as a Basis for Morality?: A Critique of John Rawls’s Theory، Berkeley: Center for Research in Management Science.
  • Hart، H.L.A. and T. Honore، 1985، Causation in the Law. New York: Oxford University Press، 2nd edition.
  • Henning، T.، 2015، “From Choice to Chance? Saving People، Fairness، and Lotteries،” Philosophical Review، 124: 169–206.
  • Hirose، I.، 2007، “Weighted Lotteries in Life and Death Cases،” Ratio، 20(1): 45–56.
  • –––، 2015، Moral Aggregation، Oxford: Oxford University Press.
  • Hsieh، N.، A. Strudler، and D. Wasserman، 2006، “The Numbers Problem،” Philosophy and Public Affairs، 34(4): 352–372.
  • Hurd، H.M.، 1994، “What in the World is Wrong?” Journal of Contemporary Legal Issues، 5: 157–216.
  • –––، 1995، “The Deontology of Negligence،” Boston University Law Review، 76: 249–272.
  • Huseby، R.، 2011، “Spinning the Wheel or Tossing a Coin?” Utilitas، 23(2): 127–39
  • Kagan، S.، 1989، The Limits of Morality، Oxford: Clarendon Press، pp. 101–102.
  • Kamm، F. M.، 1993، Morality، Morality: Volume I: Death and Whom to Save From It، New York: Oxford University Press.
  • –––، 1994، “Action، Omission، and the Stringency of Duties،” University of Pennsylvania Law Review، 142(5): 1493–1512.
  • –––، 1996، Morality، Mortality: Volume II: Rights، Duties and Status، New York: Oxford University Press.
  • –––، 2007، Intricate Ethics: Rights، Responsibilities، and Permissible Harms، Oxford: Oxford University Press.
  • Kant، I.، 1785، Groundwork of the Metaphysic of Morals، H.J. Paton، trans.، New York: Harper and Row، 1964.
  • –––، 1780 (1965)، The Metaphysical Elements of Justice: Part I of the Metaphysics of Morals، J. Ladd (trans.)، Indianapolis: Hackett Pub. Co.
  • Katz، L.، 1996، Ill-Gotten Gains: Evasion، Blackmail، Fraud and Kindred Puzzles of the Law، Chicago: University of Chicago Press.
  • Lyons، D.، 1965، The Forms and Limits of Utilitarianism، Oxford: Oxford University Press.
  • Mack، E.، 2000، “In Defense of the Jurisdiction Theory of Rights،” Journal of Ethics، 4: 71–98.
  • MacMahan، J.، 2003، The Ethics of Killing، Oxford: Oxford University Press.
  • Moore، M.، 1993، Act and Crime: The Implications of the Philosophy of Action for the Criminal Law، Oxford: Clarendon Press.
  • –––، 1997، Placing Blame: A General Theory of the Criminal Law، Oxford: Oxford University Press.
  • –––، 2004، Objectivity in Ethics and Law، Aldershot: Ashgate.
  • –––، 2008، “Patrolling the Borders of Consequentialist Justifications: The Scope of Agent-Relative Obligations،” Law and Philosophy، 27(1): 35–96.
  • –––، 2012، “Ethics in Extremis: Targeted Killings and the Morality of Targeted Killings،” in Targeted Killing: Law and Morality in an Asymmetrical World، C. Finkelstein، J. Ohlin، and Al Altman، (eds.)، Oxford: Oxford University Press.
  • Moore، M.، and Hurd، H.M. 2011، “Blaming the Stupid، Clumsy، Selfish، and Weak: The Culpability of Negligence،” Criminal Law and Philosophy، 5(2): 147–198.
  • Nagel، T.، 1979، “War and Massacre،” in Mortal Questions، Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––، 1986، The View from Nowhere، New York: Oxford University Press.
  • Nozick، R.، 1974، Anarchy، State and Utopia، New York: Basic Books.
  • Otsuka، M.، 2006، “Saving Lives، Moral Theories and the Claims of Individuals،” Philosophy and Public Affairs، 34(2): 109–135.
  • Partfit، D.، 1984، Reasons and Persons، Oxford: Clarendon Press.
  • Portmore، D.W.، 2003، “Position-Relative Consequentialism، Agent-Centered Options، and Supererogation،” Ethics، 113(2): 303–332.
  • Quinn، W.S.، 1989، “Actions، Intentions، and Consequences: The Doctrine of Doing and Allowing،” The Philosophical Review، 98(3): 287–312.
  • Quinton، A.، 2007، Utilitarian Ethics، 2nd edition، London: Duckworth، pp. 2–3.
  • Rachels، J.، 1975، “Active and Passive Euthanasia،” New England Journal Of Medicine، 292(2): 78–80.
  • Rasmussen، K.B.، 2012، “Should the Probabilities Count?،” Philosophical Studies، 159: 205–218.
  • Rawls، J.، 1971، A Theory of Justice، Cambridge: Belknap Press of Harvard University Press.
  • Richardson، H.S.، 1990، “Specifying Norms as a Way to Resolve Concrete Ethical Problems،” Philosophy and Public Affairs، 19(4): 279–310.
  • Ross، W.D.، 1930، The Right and the Good، Oxford: Oxford University Press.
  • –––، 1939، The Foundations of Ethics، Oxford: Oxford University Press.
  • Saunders، B.، 2009، “A Defence of Weighted Lotteries in Life Saving Cases،” Ethical Theory and Moral Practice، 12(3): 279–90.
  • Scanlon، T.M.، 2003، The Difficulty of Tolerance: Essays in Political Philosophy، Cambridge: Cambridge University Press.
  • Schaffer، J.، 2012، “Disconnection and Responsibility،” Legal Theory، 18: 399–435.
  • Scheffler، S.، 1982، The Rejection of Consequentialism، Oxford: Oxford University Press.
  • ––– (ed.)، 1988، “Introduction،” in Consequentialism and Its Critics، Oxford: Oxford University Press.
  • Sen، A.K.، 1982، “Rights and Agency،” Philosophy and Public Affairs، 11(1): 3–39.
  • Slote، M.A.، 1984، Common-Sense Morality and Consequentialism، London: Routledge & Kegan Paul.
  • Steiner، H.، 1994، An Essay on Rights، Oxford: Blackwell.
  • Suikkanen، J.، 2004، “What We Owe to Many،” Social Theory and Practice، 30(4): 485–506.
  • Taurek، J.M.، 1977، “Should the Numbers Count?” Philosophy and Public Affairs، 6(4): 293–316.
  • Thomson، J.J.، 1985، “The Trolley Problem،” Yale Law Journal، 94: 1395–1415.
  • Timmerman، J.، 2004، “The Individualist Lottery: How People Count، but Not Their Numbers،” Analysis، 64(2): 106–12
  • Vallentyne، P. and H. Steiner (eds.)، 2000، Left-Libertarianism and Its Critics، Houndmills: Palgrave.
  • Vallentyne، P.، H. Steiner، and M. Otsuka، 2005، “Why Left-Libertarianism Is Not Incoherent، Indeterminate، or Irrelevant: A Reply to Fried،” Philosophy and Public Affairs، 33(2): 201–215.
  • Walen، A.، 2014، “Transcending the Means Principle،” Law & Philosophy، 33: 427–464.
  • –––، 2016، “The Restricting Claims Principle Revisited: Grounding the Means Principle on the Agent-Patient Divide،” Law & Philosophy، 35: 211–247.
  • Wasserman، D. and A. Strudler، 2003، “Can a Nonconsequentialist Count Lives?” Philosophy and Public Affairs، 31(1): 71–94.
  • Williams، B.، 1973، “A Critique of Utilitarianism” in Utilitarianism: For and Against، J.J.C. Smart and B. Williams، Cambridge: Cambridge University Press: 77–150.
  • –––، 1975، “Moral Luck،” Proceedings of the Aristotelian Society، 50(supp.): 115–135. Revised and reprinted in Williams 1981.
  • –––، 1981، Moral Luck، Cambridge: Cambridge University Press.
  • Williams، G.L.، 1961، Criminal Law: The General Part، London: Stevens and Sons، 2nd edition، p. 739.
  • Woodward، P.A. (ed.)، 2001، The Doctrine of Double Effect، Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • Zimmerman، M.، 2002، “Taking Moral Luck Seriously،” Journal of Philosophy، 99(11): 553–576.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

 

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

 

مداخل ذات صلة

consequentialism: rule | doing vs. allowing harm | double effect, doctrine of | ethics: virtue | Kant, Immanuel: moral philosophy | Moore, George Edward: moral philosophy | moral dilemmas


[1] Alexander, Larry; Moore, Michael, “Deontological Ethics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2016/entries/ethics-deontological/>.