هيغل “بالنسبة إلينا”: مدخل إلى كتاب فينومينولوجيا الروح – فتحي المسكيني

هيغل “بالنسبة إلينا”: مدخل إلى كتاب فينومينولوجيا الروح – فتحي المسكيني

أو بعد الهوية


تقديم: التفلسف في عصر الهُويات

لا أحد من المتفلسفة اليوم لم يقف بوجه أو بآخر على أنّ المشهد الفلسفي العالمي قد انطبع بشكل سريع ومذهل بمسألة “الهوية”[1]، كأنّ الفيلسوف قد قبل في نهاية الأمر بدور موظّف هووي لدى الإنسانية، أو بصورة العرّاف “ما بعد الحديث” للهُويات. ولأوّل مرة لم يعد ممكنا أن نقرأ فيلسوفا دون أن نتساءل عن طبيعة الأفق الأخلاقي الذي يقترحه علينا في معركة الانتماء إلى أنفسنا الجديدة وخاصة المستجدّة، تحت وقع إحساس فظيع بأنّ العالم يتغيّر بلا رجعة.

لكنّ الداعي إلى القلق هنا هو الشعور بأنّ سردية أنفسنا التي عوّلنا عليها إلى حدّ الآن قد فقدت شطرا كبيرا من صلاحيتها، وذلك دون التوفّر بعدُ على بديل وجودي مناسب عنها[2].

فهل دخلنا حقّا في أفق براديغم جديد هو “براديغم الهوية” ؟ ومن ثمّ أنّ كلّ قراءة فلسفية اليوم هي في سرّها لا تعدو أن تكون قراءة “هُووية” ؟

إنّ من يتصفّح كتابات الجيل الأخير من المدافعين عن مشروعية الحداثة، مثل تايلور ورورتي، أو ريكور وهابرماس، – إنّما ينتبه للتوّ إلى أنّ الهاجس الرئيس للفترة الأخيرة من الفلسفة المعاصرة، وذلك على نحو خفي تارة وصريح تارة أخرى، وتحت معاجم حجاجية وسردية مختلفة، هو هاجس هووي لا مُشاحَّة فيه. إنّ الأمر يتعلق في كل مرة بترتيب شروط تأريخ جيّدة لتجربة الذات الحديثة، وتوفير سردية أكثر ملاءمة لتخريج فهمها لنفسها. إنّ الحداثة اليوم قد أصبحت، فجأةً، مشكلا هوويا في المقام الأول، بحيث أنّ ما تطرحه من تحدّيات لم تعد تتعلّق راهنا إلاّ بكيفية سردها والانتماء إلى أفقها والسلوك إزاء النمط الشخصي أو الذاتي الذي اخترعته.

فجأةً، بدأنا نكتشف أنّ وعد المحدثين الأكبر إنّما كان بلورة مشروع ذات كونية، تصبو إلى استئناف التشريع الروحي للإنسانية جمعاء، وذلك يعني بالنسبة إلينا بلورة مشروع “ذات بلا هوية”. ونعني بذلك بناء ذات حرّة بشكل جذري، ليس فقط لم تعد تستمدّ قوامها من أيّ شيء خارج عنها، كما كان “جوهر” القدامى، بل نجحت في أن تكون بنية لمعنى العالم الذي تعيش فيه بقدر ما تعرفه وتنشئه بقدر ما تستعمله. وهي “بلا هوية” لأنّ فكر “الأزمنة الجديدة” هو بالأساس شكّ منهجي في كلّ شكل من الوصاية على فهمنا لأنفسنا، أي في كلّ شكل من الانتماء المعدّ لنا سلفا. وبعبارة واحدة: إنّ المحدثين قد وعدونا ببلورة “ذاتية” بلا أحكام مسبقة حول “من” تكون. وذلك يعني أنّ ديكارت، فيلسوف الأزمنة الجديدة، هو في سرّه لم يفشل، كما افترض ريكور، في طرح السؤال “من؟” مستعيضا عنه بالسؤال “ماذا؟”، بل هو كان يقصد بوجه ما إلى تعطيل السؤال “من؟” في أفق العقل البشري وتحويله إلى ورشة كونية بلا توقيع.

ويمكن اعتبار كانط فيلسوف الذاتية الأخير[3]. وهذه كانت البضاعة الأخلاقية لأوروبا حين كانت تتهيّأ لتشكيل الدول القومية التي تحوّلت إلى الإمبراطوريات المعاصرة منذ حوالي مائتيْ عام.

لكنّ المستقبل لم يعد كما كان. هذا الوعد بإرساء “ذات بلا هوية” قد عرف بفعل الحركة الرومانسية تبيئة فنّية وأخلاقية جذرية تحوّل معها إلى عمل سردي واسع على “روح الشعب” بوصفه البنية الأصلية لأيّ دعوى ذاتية أصيلة. وللتوّ وقع اصطدام حادّ بين استعمالين لبرنامج الأزمنة الجديدة: إمّا التنوير، أي مواصلة تأسيس الذات على مكاسبها العلمية والمدنية الحديثة، بهدف بلورة المواطن الجمهوري الحر والنشط، في مجتمع سياسي مؤسس على جهاز حقوقي كوني، وإمّا الرومانسية، أي استئناف البدء الروحي للشعب الذي ننتمي إليه كجماعة ذات توقيع خاص، وتحويله  إلى سردية هووية هي الأفق الوحيد لفهم أنفسنا.

وهذه خصومة يبدو أنّها قد عرفت مع السجال الهووي بين الليبراليين والجماعويين[4] للفلسفة الراهنة شبابا جديدا.

هنا بالتحديد علينا أن نعود إلى هيغل. فما موقع هيغل في هذا الأفق الهووي الراهن للفلسفة الغربية ؟

لكوننا “ما بعد هيغليين”، فإنّ فهمنا لموقع هيغل هو مشروط بفهمنا لموقعنا داخل أفق العلاقة معه. هذا “الما بعد” معطى طوبيقي علينا أخذه في الاعتبار. ونحن نفترض هنا أنّه يعود بالأساس إلى موقف سردي: من هو هيغل “بالنسبة إلينا” (für uns) اليوم ؟ هذا السؤال يرتدّ إلى الافتراض بأنّنا لا نلتقي مع هيغل في أيّ سياق نشاء، بل ضمن “وضعية تأويلية”[5] لأنفسنا، إمّا أن نعمل داخلها وبإزائها، وإمّا أن نستعيض عنها بعلاقة منهجية مصطنعة، أي خالية من أيّ معيارية ذاتية، مع هيغل منهجي “خارجي”، أي مقطوع عن كلّ سياق هووي، وليس فقط عن سياقنا نحن الذين نقرؤه وفقا لنمط معيّن من الكتابة عن أنفسنا، بل عن سياقه هو كمقروء كان قد قرأ نفسه من الداخل، أي ضمن نمط عميق من الانتماء[6].

وهكذا إذا افترضنا أنّ “الحداثة” هي وعد “الأزمنة الجديدة” ببلورة مشروع “ذات بلا هوية”، أي ذات كونية بلا تراث هووي مغلق يحكم فهمها لنفسها سلفا؛ وإذا افترضنا أنّ الجيل الأخير من مستصلحي روح الحداثة لم يفعل سوى اقتراح سرديات هووية بلا روح كونية أصيلة، فإنّه يبدو لنا أنّ موقع هيغل يمتاز بطرافة خاصة، لأنّه بقدر ما حاول أن يقوم بتجذير ما-بعد-تنويري للتملّك الرومانسي لإشكالية الأنا الحديثة، من خلال مقولة “الروح”، هو قد استبق بشكل مثير خطر الانزلاق الهووي للعقل السردي لكتّاب ما بعد الحداثة، من خلال محاولته العتيدة والمريرة لبلورة فهم ما-بعد-هُووي لمعنى “الكلّي”[7]. وعلى الأغلب يظلّ هيغل إلى الآن صاحب أكبر ورشة ميتافيزيقية لاختراع الوسائل الفلسفية لإرساء فهم كوني لمسألة الهوية يكون قادرا على تحويل العلاقة مع كلّ أشكال الآخر إلى تناقض داخلي في صلب أنفسنا، ومن ثمّ إلى “نزاع اعتراف” داخلي مع مستطاع مصادر أنفسنا وليس خطرا مجرّدا أو قدرا خارجيا أحمقا. وقد نفرض أنّ فلاسفة الهوية الجماعويين (صندال، تايلور، ريكور…) لم يفعلوا منذ ثلاثين سنة تقريبا سوى إعادة تملّك الوضعية الفينومينولوجية التي بناها هيغل من أجل سلوك ذاتي حرّ وموجب بشكل كوني. ولكنّ هؤلاء الفلاسفة الهوويين لم يكونوا في مستوى التحدي الذي رفعه هيغل أمامهم، فتخلّوا عن حلم “الكونية” وعوّضوه بمكر سردي كاستعمال كلبي أو خجول لنتائج المنعرج اللغوي.

ونحن نطمح إلى امتحان هذه القراءة “ما-بعد-الهُووية”(post-identitaire) لهيغل من خلال الأسئلة الثلاثة التالية:

أوّلا- بأيّ معنى يمكننا قراءة فلسفة الوعي التي طرحتها الأزمنة الجديدة، كما عرضها هيغل في الفصول الخمسة الأولى من كتاب 1807 فينومينولوجيا الروح[8]، بوصفها مشروعا يهدف إلى إرساء “ذات بلا هوية” ؟

ثانيا- من هي “نحن” في عبارة هيغل الشهيرة “بالنسبة إلينا” ( für uns) ؟ أو إلى أيّ حدّ يمكننا قراءة “النحن” الهيغلية بوصفها ضميرا سرديا للحداثة ؟

ثالثا- بأيّ وجه لا يعني التفلسف “بعد هيغل” سوى التدرّب على موقف ذاتي “ما-بعد-هووي”، أي يريد أن يقف فيما أبعد من كلّ نقاش هووي حول ذواتنا، أو هل نجحت فكرة الحداثة فعلا في الانتقال الكوني إلى عصر “ما بعد الروح” ( أكان دينيا أم قوميا أو ثقافيا ) ؟

 

  • 1- براديغم الوعي أو “الذات بلا هُوية” ؟

ما هو “الوعي” ؟ – يعرّفه هيغل في تصدير كتاب 1807 بكونه “الكيان المباشر للروح” (das unmittelbare Dasein des Geistes) (هيغل 1807: 38). لكنّ الوعي لا علم له بذلك. وذلك أنّ “الوعي لا يعرف ولا يتصوّر إلاّ ما يوجد ضمن تجربته” (نفسه). هذا الكلام القليل استجمع فيه هيغل كلّ عناصر الجدّة التي تنافس المحدثون على تحويلها ليس فقط إلى سلوك نظري إزاء الموجود بعامة، بل إلى رؤية للعالم الجديد. وهي تعود على الأغلب إلى :

أ- تنصيب “الوعي الطبيعي” بوصفه الركح الذي “يظهر عليه” أيّ شكل من “اليقين” في أفق العقل البشري؛

 ب- أنّ “المعرفة” هي “التصوّر” الذي نبنيه عن موضوع وعينا؛ وأخيرا،

 ج- أنّ “الموضوع” هو فقط ما “يوجد في نطاق تجربتنا”.

وهكذا لم يبق أمام الفيلسوف سوى أن يستنتج قائلا : “على هذا الأساس فإنّ ما يجب القيام به هنا هو عرضُ المعرفة التي تظهر(Darstellung des erscheinenden Wissens)”(نفسه: 72) فحسب. ولكن تظهر لمن ؟

إنّ المحدثين قد غيّروا أفق المعرفة الإنسانية حين أخرجوا من فضاء تجربتها كلّ “مصادر الذات” التي كانت تمدّها بالسقف الرمزي لصلاحيتها[9]. ولم يتمّ الإبقاء إلاّ على “الوعي”، هذا “الأنا الذي فكّ نفسه من كلّ ارتباط” (le moi désengagé) حسب عبارة تايلور.

إنّ الوعي هو الأنا المحض الذي لا يعرف إلاّ ما يظهر له. ولذلك لا يتردد هيغل في وصف “العلم” نفسه بأنّه “من جهة ما يبرز على السطح (auftreten)” هو لا يعدو أن يكون “هو ذاته ظاهرة” (نفسه: 71) من ظواهر الوعي.

وذلك يعني أنّ “تجربة الوعي” –وليست الفينومينولوجيا غير “علم تجربة الوعي”(نفسه: 80، وكذلك 38)- هي المضمون العيني والوحيد لهذا الوعي. إنّه لا يعرف من نفسه غير تجربته. لكنّ هذا الوصف الخارجي ليس هيّنا. ذلك أنّ “الطريق” الذي تقود الوعي إلى “اجتياز جملة تشكّلاته” لا تلقي به في “عدم” فارغ، بل هي تقترح عليه أن يحتمل “هيئات نفسه” بوصفها في حقيقتها “محطات مودَعة فيه سلفا من قِبل طبيعته”(durch ihre Natur ihr vorgesteckter Stationen) (نفسه: 72)، ومن ثمّ لا يستطيع لها ردّا.

في ضوء هذا التخريج التشكيلي[10] لمعنى الوعي الذي أشار إليه المحدثون بعبارة “أنا”، افترع هيغل معنى غير مسبوق لمصطلح “التجربة”(Erfahrung)[11]. ومن فرط حرصه عليه، هو قد قدّم ثلاثة تعريفات مختلفة، ولكن متواشجة بشكل تحتي، اثنان منها في التصدير (نفسه: 16؛ 39) وواحد في المقدّمة (نفسه: 78).

إنّ وجه الطرافة هو أنّ هيغل قد أقرّ بأنّ “تجربة” الزمن الجديد هي بوجه ما ضرب غير مسبوق من ” توجيه الانتباه إلى الحاضر بما هو كذلك”، أي “إكراه عين الروح على التلفّت إلى الأرض والبقاء عندها” (نفسه: 16)؛ لكنّ هيغل لم يكتف بفهم تجربة الوعي الحديثة بوصفها ضربا من “علمنة” الروح، بل اقترح إعادة تخريج معنى التجربة على الضدّ تماما ممّا ينتظره من تربّى في كنف فلسفة الوعي: أن يفهم التجربة بوصفه جهاز “اغتراب” داخلي هو مطيّة الوعي الوحيدة للعودة إلى “ذاته”(نفسه: 39)[12]. وللتوّ لم تعد تجربة الوعي متعلقة بهذا “الموضوع” أو ذاك، كما فهم المحدثون، بل بذات نفسها بوصفها “حركة” تعبرها من الداخل. وهكذا نبلغ إلى التعريف الثالث.

يقول: ” هذه الحركة الجدلية، التي يمارسها الوعي على ذاته،أكان ذلك لدى معرفته أم لدى موضوعه، ومن حيث أنّ أيّ موضوع حقيقي جديد إنّما ينبثق بالنسبة إليه من [تلك الحركة]، هي على الحقيقة ما يُسمّى تجربة.” (نفسه: 78)

الوعي انتباه إلى الحاضر الذي يعبر ذاته كحركة لا يسيطر عليها، لأنّها تجعله دوما غريبا عمّا كان يظنّ أنّه هو، وعلى ذلك هي ليس فقط مصدر أيّ موضوع لمعرفته، بل أيضا شكل الخلاص الوحيد المناسب لطبيعته.

وبعبارة جامعة: إنّ الفصول الخمسة الأولى من فينومينولوجيا الروح هي عرض لسردية الوعي ولكن من الجهة التي لا يمكنه أن ينظر منها إلى ما يحدث فيه. وهيغل هو أوّل فيلسوف غربي نجح في تحويل الكتابة الفلسفية إلى فنّ إخراج يعرض تجربة الوعي الحديثة، ولكن من أجل وضع حدّ لنمط الادّعاء الذي طوّرته حول نفسها. من ديكارت إلى كانط، طوّرت الفلسفة فنّا جديدا يقوم على سرد مغامرة الوعي من وجهة نظر هذا الوعي؛ وهو فنّ أخذ ينمو وتتعقّد حبكته بقدر ما ينكبّ هذا الوعي على طبيعته وملكاته يفحصها ويحصيها ويقنّنها. وهو ما وجد في المتعالي الجهاز السردي الأقصى الذي يقترحه على الإنسانية.

من أجل ذلك يبدو هيغل أوّل محدث انتبه من سباته المتعالي، وحوّل الفلسفة إلى دراما ريبية، سمّاها “der sich vollbringende Skeptizismus” (نفسه: 72) –”الريبية التي تنجز نفسها بنفسها”. إنّ شكّ ديكارت قد بقي إذن خارج لعبة الوعي. وذلك أنّ الوعي لا يعرف إلاّ بقدر ما يكون مستعدا لـ”خسران ذاته” (Verlust seiner selbst) (نفسه). إنّ المعرفة بالنسبة إلى الوعي هي ليس فقط “طريق الشك” (der Weg des Zweifels)، بل هي “طريق اليأس” (der Weg der Verzweiflung)، اليأس من حيث هو فنّ ” نفاذ البصر على وعي في داخل لا-حقيقة المعرفة الظاهرة، التي يكون الأكثر واقعاً بالنسبة إليها، هو في الحقيقة ما هو بالأحرى التصوّر الذي لم يتحقّق بعدُ” (نفسه).

الوعي ضرب من اليأس الداخلي ناجم عن كوننا من حيث نعي، أي من حيث أنّنا لا نعرف إلاّ ما يظهر لنا أنّنا نعرفه، نحن لا نتوفّر على “التصوّر” الحقيقي لأنفسنا. إنّ أكثر الأشياء “واقعا” بالنسبة إلينا هو “المعرفة الظاهرة” بأنفسنا. وهو ما ينبغي أن نمارس إزاء ضربا عاليا من “التضحية” بما نظلّ ندّعي أنّه هو “ماهية” أنفسنا. والحال أنّه “أثر” فقط عن مرور “الروح” في أفق أنفسنا: “روح العالم” الذي نستمدّ منه مادّة أنفسنا اليومية.

في ضوء هذا التخريج لظاهرة الوعي، طفق هيغل ينبّه إلى هشاشة الموقف الذي انبنت عليه فلسفة الأزمنة الجديدة: أنّ الوعي أبعد ما يكون عن هذا “الأنا الجافّ” (das trockene Ich) (نفسه: 75) أو “الذات التي لا تمور” (das feste Subjekt) (نفسه: 59) والسابقة على غاياتها وعلى معنى وجودها، التي ادّعتها فلسفة الوعي الحديثة. وهو موقف لم تفعل الفلسفات الجماعوية غير إعادة صياغته في لغة جديدة[13].

إنّ الوعي “بالنسبة إلينا” لا يساوي نفسه، وهو يعمل دوما دون أن يبصر بالمفهوم الذي يعبره. وذلك أنّه في سيره نحو الظواهر هو فريسة ما يظهر له. تتوالى عليه هيئات نفسه دون أن يرى الذات الكبرى التي تصدر عنها[14]. وإذا تأمّلنا الهيئات الأخيرة من كلّ طور من أطوار الوعي الثلاثة الكبرى، أي “الوعي” (بفصوله الثلاثة) ثمّ “الوعي بالذات” ثمّ “العقل”، فإنّ هيغل قد حرص على تقديم ثلاث بنى وعي ناقصة وقلقة هي على التوالي: أوّلا- “الذهن” الذي لا يدري أنّه “ليس شيئا آخر سوى الظاهرة ذاتها”[15] وذلك أنّه بالتجربة على الطبيعة هو “لا يفعل سوى تجربة ذاته”[16]؛ ثانيا- “الوعي الشقي”، الذي يكمن شقاؤه في “الازدواج” الذي يسكن ذاته، فهو وعي لا يملك سوى “الألم ” من كونه ليس سوى “الوعي بضدّه على أنّه ماهيته، وبعدميّته”(نفسه: 164-165)، فهو عبارة عن “حنين لا متناه” وضروب من “الذنب” و”التضحية” التي تشعر فيها الذات باستمرار أنّ موضوع وعيها هو بمثابة “ما وراء” لا تبلغ إليه؛ ثالثا وأخيرا، “العقل الفاحص عن القوانين” (Gesetzprüfende Vernunft) ،حيث يتبيّن أنّ تشريع القوانين أو الفحص عنها لا معنى له مادام مقطوعا عن “الجوهر الإتيقي” الذي يتأسس عليه، إذ تظل القوانين مجرّد “صور كلية” بلا مضمون خاص، لا سند لها سوى “إرادة الوعي” المعزول عن “ماهيته الروحية الفعلية” (نفسه: 316-323).

بقي أن نسأل: لماذا قدّم هيغل ظاهرة “الوعي” الحديثة على هذا النحو ؟ هل يتعلق الأمر، كما شخّص ذلك هابرماس وتبعه في ذلك أكسال هوناث، بعملية تراجع عن اكتشاف أساس “تواصلي” للفلسفة الاجتماعية كان قد أنجز هيغل قبل ظهور “فلسفة الروح” بعد 1803 ؟ أمّ أنّ “الروح” لا يمكن اختزاله في “براديغم الوعي” ولا في مجرد “مفهوم مثالي” وذلك لأنّه “كيان اللغة”

– في كتابه صراع التأويلات[17]، وفي ثنايا مناقشته الطريفة مع فرويد، باعتباره أكثر من هزّ نرجسيّة الذات الحديثة وكشف عن سيرتها الدفينة، طوّر ريكور، دون تنسيق خاص، قراءة برنامجية وخاطفة لإشكالية الوعي في فينومينولوجيا الروح،بوصفها قد وفّرت صيغة مستبقة ولكن معاكسة لما قام به التحليل النفسي إزاء ظاهرة “الوعي” كما طوّرتها الثقافة الغربية.

واللافت للنظر أنّ ريكور قد بنى خطّته العامة على هذا الأمر التأويلي:

 “يجب أن نقول عن الذات في التفكّر ما يقوله الإنجيل عن النفس: يجب إضاعتها من أجل إنقاذها.ويحدّثنا التحليل النفسي كلّه عن أشياء ضائعة بهدف العثور عليها رمزيا. ولذا، يجب على فلسفة التفكّر أن تدمج هذا الاكتشاف في صلب مهمّتها الخاصة” (1969/2005: 52).

بهذه العدّة المزدوجة طوّر ريكور نمطا لافتا من القراءة لبرنامج كتاب 1807 بوصفه ينطوي هو أيضا على ” مذهب هرمينوطيقي آخر” له “طريقة أخرى لإزاحة الموضع الذي يأتي منه أصل المعنى، ليس إلى خلف الذات [كما يفعل التحليل النفسي]، بل إلى أمامها.”(نفسه،ص54)[18].

لن نقف هنا عند التساؤل عن مدى صلاحية النظر إلى كتاب 1807 بوصفه “هرمينوطيقا” أو “نظرية في التأويل”، إذ يبدو أنّ هيغل لم يستعمل قطّ مصطلح “Hermeneutik”، رغم رواجه بين اللاهوتيين، وإن كان قد استخدم عبارة “Interpretation” في خمسة مواضع من جميع متنه، إلاّ أنّها ليست مواضع ملزمة لإشكاليته.

إنّ ما يهمّنا هنا هو الاستعانة بإشارات ريكور لمراقبة خطة هيغل في إخراج الوعي من بيته، ولكن ليس من أجل بيان مدى احتباسه في سجن لاوعيه الذي لا يراه، كما سيفعل فرويد، بل من أجل رصد الكيفية التي عمل بها هيغل على إصلاح جهاز الوعي الذي بناه المحدثون بإعادته إلى “مصادر ذاته” التي سكت عنها. وليس مصطلح “الروح”، كما سنحاول أن نبيّن، غير بنية تشكيلية تستجمع كلّ تلك المصادر العميقة للوعي الحديث، والتي بنى مغامرته إزاء الطبيعة وإزاء المجتمع على أساس فكّ الارتباط معها[19].

إنّ أهمّ ما يساعدنا ريكور على استبصاره في الفصول الأولى من كتاب 1807 هو أنّ “الوعي ليس أصلا وإنّما هو مهمّة” (1969/2005: 147). ذلك ما استجلاه ريكور من الأمر الإنجيلي المشار إليه والذي حوّله إلى مبدأ القراءة التالي: “يجب إضاعة الوعي من أجل العثور على الذات”(نفسه،ص217-218). وهو ما سمّاه “الكوجيطو المجروح”، أي “الكوجيطو الذي يطرح نفسه، ولكن لا يمتلك نفسه” (نفسه،ص219).

في ضوء ما سبق، يمكننا استجماع موقف هيغل من براديغم الوعي الحديث في هذه الإشارة: إنّ الوعي هو تاريخ نفسه. لكنّه لن يعرف ذلك إلاّ إذا استطاع تملّك “ما كان” (das Gewesene) (89/155)[20] في كل مرة ومن ثمّ مراقبة نفسه من خارجها، أي لم يعد وعيا.

يقول ريكور:”الوعي هو هذا الذي لا يستطيع أن يجمع نفسه. وإنّه لمن أجل هذا هو يعد وجود فلسفة للوعي أمرا غير ممكن” (1969/2005: 140).

وإنّه لهذا السبب الكبير، لم يتردد هيغل في حجب الحقيقة عن الوعي بما هو كذلك. والتنبيه إلى أنّه لا يكون “في حيّز الحقيقة” إلاّ “بالنسبة إلينا”. ولكن من نحن ؟

  • 2- من هي “نحن” في عبارة “بالنسبة إلينا” ؟ أو كيف نعيد الوعي إلى مصادر ذاته ؟

حتى نضع، حسب عبارة ريكور، “بنية استقبال” (1969-2005: 186،194) مناسبة للقاء مع هيغل كما فكّر سنة 1807، نحن نقترح أن نفحص عن السؤال الإنكاري التالي: إذا كان هيغل لا يملّ تنبيه قارئ فينومينولوجيا الروح إلى أنّ المجال الذي بناه من أجل إخراج تجارب الوعي ونمط تشكّلها الداخلي هو أمر لا يراه الوعي ولا يوجد من ثمّ “بالنسبة إلى ذاته” (für sich)، وإنّما فقط “بالنسبة إلينا” (für uns)،نحن، فإنّ علينا أن نتساءل عمّن تكون هذه “النحن” المتخفّية “وراء ظهر الوعي” (hinter seinem Rücken)، حسب عبارة هيغل (نفسه: 80) ؟

والذي نريد أن نمتحنه هو هذا: هل ثمّة هوية بين ضمير “النحن” في عبارة “بالنسبة إلينا” ومعنى “نحن” (wir ) التي يكتبها هيغل في بعض المواضع بحروف مائلة (نفسه: 108، 135، 145، 576..) ؟ ألا يحيلنا مصطلح “النحن” ( das Wir) التي استعملها هيغل، كما يبدو مرة واحدة (بهذه الصيغة) في جملة الكتاب ضمن العبارة المثيرة والتي لا تتكرر “Ich, das Wir, und Wir, das Ich ist” ، “أنا، يكون هو النحن، ونحنٌ، تكون هي الأنا” (ص145/216) على خلفية هُووية لم نسائلها من الجهة المناسبة ؟

– إنّه من اللافت للنظر أنّ الثبت[21] الذي عقده لابريار وجارزيك للمصطلحات والألفاظ التي اعتمدها هيغل في كتاب 1807، والذي يمتدّ على مدى مائتيْ صفحة ونيف (جارزيك/ لابريرار 1993: 697-916) لم يذكر مصطلح “für uns”، “بالنسبة إلينا”، ولا لفظة “das Wir” “النحن” . هذا الغياب ليس من قبيل الصدفة، بل عارض حاسم على مغزى السكوت البنيوي عن السؤال “من؟” في الدراسات الرسمية للنصوص الفلسفية في نطاق الجماعة العلمية الغربية. ولكن من “نحن” في عبارة “بالنسبة إلينا” ؟

إنّ التخريج الغالب بين شرّاح هيغل[22] هو قراءة “نحن” ههنا باعتبارها تشير إلى “المتفلسفة”[23] الذين دعاهم هيغل إلى مشاركته في مراقبة “تجربة الوعي” وعرضها بشكل “مفهومي”. مع تنبيههم الدائم بأنّ الوعي لا يدري أنّنا نراقبه.

ولكن علينا أن نسأل هنا: إذا كان الوعي غير قادر على بلورة قاعدة فلسفية أصيلة، فلم أخذ كلّ هذا الحيّز من إشكالية فينومينولوجيا الروح ؟ هل يُعدّ ذلك حقّا تراجعا خطيرا عمّا كان هيغل قد حقّقه في كتابات إيينا ما بين 1802 و1805، كما افترض ذلك هابرماس منذ 1968 ورجع إلى ساحة الهيغليات مؤخّرا في عمل أكسال هوناث (Axel Honneth) حول نزاع الاعتراف ؟

لقد افترض هابرماس سنة 1968 في أحد فصول كتابه التقنية والعلم كايدولوجيا[24]، أنّ دروس إيينا (1803/1804 و1805/1806) ليست صيغة أوّلية من فينومينولوجيا الروح بل هي تنطوي على جدّة خاصة ومنفردة، وذلك أنّ هيغل لئن كان موضوع بحثه في هذه الدروس هو وصف مسار الروح فإنّه أسّس بحثه على ” نسقيّة أصيلة تخلّى عنها لاحقا” ، تتمثّل في بلورة إشكالية الروح على أساس تواشج طريف بين اللغة والعمل والعلاقة الإيتيقية[25] . وهو ما جذّره هوناث سنة 1992 في كتابه نزاع الاعتراف، مضيفا إلى ذلك كتابات 1802، بالحديث أصلا عن “منعرج نحو فلسفة الوعي سمح لهيغل بأنْ يغضّ النظر تماما عن فكرة بيذاتيّة أصلية للإنسانية وسدّ الطريق أمام الحلّ المختلف تماما الذي كان يمكن أن يتمثّل في القيام بالتمييز الضروري بين الدرجات المتنوعة للاستقلالية الشخصية في نطاق العمل على نظرية في البيذاتية” (1992،الفصل 2).

إنّ هذه القراءة تنظر إلى فينومينولوجيا الروح وكأنّها كُتِبت في نطاق ما سمّاه هوناث “براديغم فلسفة الوعي الذي اكتسبه [هيغل] منذ مدة وجيزة” أي انطلاقا من 1803.هل فعلا أنّ “الروح” في كتاب 1807 هو كما يفترض هوناث مجرّد “وعي ”مطلق”” أفقد هيغل “التجديد” الأساسي الذي حققه سنة 1802 في مخطوط نسق الحياة الأخلاقية، ويعني به بلورة ملامح نظرية في “البيذاتية” على أساس مسألة نزاع الاعتراف، وذلك بفضل تملّك مركّز لبعض أفكار تعود إلى أرسطو (الحياة الإتيقية كمشترك) وهوبز (فكرة النزاع) وفيشته (مقولة الاعتراف)؟

نحن نفترض أنّ مقولة “الروح” ليست استكمالا لبراديغم الوعي، كما قال ذلك هيدغر منذ 1927، وأخذه هابرماس وهوناث عنه بشمل غير مباشر، بل هي محاولة طريفة للذهاب إلى ما هو أبعد من براديغم الوعي. وهي تقع في خطّ طويل ينطلق من نقد ملكة الحكم سنة 1790، حيث استُعمل لفظ “Geist” في الفقرة 49 مقابلا للفظ الفرنسي “génie”، بوصفه “ملكة عرض المثل الاستطيقية” (طبعة الأكاديمية ج. V،313-314) في العقل البشري، وهو خطّ تحوّل بسرعة، وبشكل غير كانطي إلى محاولة صريحة للبحث عن ضرب من “الحدس العقلي” الذي منعه كانط عن البشر،ومن ثمّ فإنّ منبع مصطلح “der Geist” في التقليد المثالي الألماني قد كان في الأصل منبعا “استطيقيا”؛ وهو طريق مشى فيه في البداية خاصة فيشته[26] وشيلر[27] الذي صار كانطيا في الأثناء. لكنّ شيلنغ هو الذي استطاع، خاصة بداية من 1796/1797 ضمن نصوص عديدة تمتد من “مقالات في إيضاح مثالية نظرية العلم” إلى “نسق المثالية المتعالية” سنة 1800، أن يحوّل “الروح” إلى مفهوم أساسي للفلسفة بما هي كذلك، حيث أصبح “الحدس الاستطيقي” هو عينه “الحدس العقلي” الذي هو “المبدأ المطلق للفلسفة”، وليس ذلك سوى تعريف الأنا بأنّه هو “الروح” أي ما لا صفة له سوى “أنّه يوجد من أجل ذاته”[28]، وكلّ ما عدا ذلك هي تفسيرات.

حوالي 1800 أصبح معنى “الروح” بفضل أعمال شيلنغ، نتاجا طريفا للزواج بين الاستطيقا واللاهوت، قام على افتراض أنّ رأس الأمر في الفلسفة هو بيان كيف أنّ “هدف كلّ الأفعال [الإنسانية] هو الوعي بالذات، وأنّ تاريخ هذه الأفعال ليس شيئا آخر سوى تاريخ الوعي بالذات”[29].

في هذا السياق أصبح “الروح” جاهزا للعب أدوار خطيرة في الفلسفة[30]، وذلك قبل أن يأتي هيغل الذي نعرفه. لكنّ الجديد مع هيغل هو الكفّ عن اعتبار “الظواهر الجمالية” هي براديغم فهم الروح[31]. إذ على خلاف شيلنغ لم يعد الفنّ معلّما للفلسفة. بل إنّ “الأنا” أو “الوعي بالذات” لم يعد هو نفسه نموذجا للروح. صحيح أنّ هيغل قد بقي بوجه ما إلى حدّ 1797 كانطيا يسعى إلى ضبط فهم مناسب لمبدأ “الاستقلالية” الكانطي بوصفه ما ينبغي أن يكون “أصل الدين”. لكنّه بعد خوضه مناظرة حاسمة مع “فلسفات الذاتية القائمة على التفكّر”(كما يثبت العنوان الفرعي لمقالة الإيمان والمعرفة) وانطلاقا من مخطوط نسق الحياة الأخلاقية (1802) هو قد أخذ يستعمل مصطلح “الروح” بطريقة أكثر حسما، كانت ثمرته العليا دروس إيينا في فلسفة الروح (1803/1806)، البوابة الأخيرة التي أدّت إلى تحرير فينومينولوجيا الروح (1807).

ولأنّ اللغة ليست مجرّد أداة، بل هي حسب عبارات هيغل”كيان الذات المحضة، بما هي ذات؛ وأنّه ضمنها تبلغ الفردية الموجودة لذاتها التي من شأن الوعي بالذات، إلى رتبة الوجود، بحيث هي توجد بالنسبة إلى الآخرين“(1807: 376)، – فإنّه من المفيد أن نعرف أنّ اللسان الألماني لم ينحت  معنى “Geist” من جذر يدلّ على “النفخ” أو “النفَس” كما فعلت اللغات الكبرى للفلسفة والتقليد التوحيدي،كما في اليوناني “pneuma” والعربي “روح”  والعبري “روخ” واللاتيني “spiritus”.

ففي الأصل لا يعني اللفظ الألماني “der Geist” لا نفخا ولا نفَسا، ولا حتى له معنى “الروح الشريرة” أو “الشبح”، كما في الانجليزي “ghost”، بل هو بالتحديد “يشير إلى قوة إلهية حية فوق-إنسانية، تكشف عن نفسها في الوجد الديني”[32]. ولأنّ “الوجد” (Ekstase) هو الخروج عن الطور والدخول في علاقة مفتوحة مع آخر لا نراه، فإنّ هيغل قد نبّه إلى أنّ “الحركة الأساسية للروح هي العودة إلى الذات من الوجود-لدى-الغير (die Rückkehr zu sich selbst aus dem Beim-Anderen-sein) [33].

ماذا يعني ذلك “بالنسبة إلينا” ؟

إنّ قوة هيغل تكمن في إخراج “وعي” المحدثين وكأنّه “تجربة على النفس” لا تعرف “الوجود-لدى-الغير” الذي هي مدعوّة لاسترجاع نفسها منه. – إنّ الوعي لا يدري في أيّ تاريخ للحقيقة هو يقيم أو يعمل. ولذلك يفترض هيغل أنّ الوعي، الذي تؤسَّس عليه الحداثة، ليس له في واقع الأمر أيّة “مساهمة” في “التحقيق الحرّ” لذاته، إذ أنّنا “نحن الذين مازال ينبغي علينا أن نضع أنفسنا قبل كل شيء في مكانه، وأن نكون التصوّر (der Begriff) الذي يشكّل ما هو متضمَّن في النتيجة”(1807: 108). والدليل على أنّ هذه “النحن” ليست مجرّد حيلة منهجية فإنّ هيغل يصرّح قائلا:” نحن بذلك [نمثّل] الوسيط الكلي (das allgemeine Medium) حيث تنعزل هذه اللحظات وتوجد لذاتها” (1807: 99). ما معنى أنّنا وسيط كلي للوعي حتى يعود إلى نفسه؟

هنا نعثر على التخريج الذي نبحث عنه. إنّ هيغل لا يتحدث عن “وسيط كلي” فحسب، بل بخاصة عن “وسيط جماعي كلي“(ein allgemeines gemeinschaftliches Medium) (1807: 98)، راسما لفظتي “جماعي” و”كلي” بخط مائل. وعلينا أن ننبّه على الثراء الاصطلاحي لمفهوم “الجماعة” لدى هيغل: فهو يتحدث في كتاب 1807 عن “الوعي بالذات الكلي للجماعة” و”وعي الجماعة” و”روح الجماعة” و”حركة الجماعة” و”تمثّل الجماعة” و”جوهر الجماعة” و”الجماعة مع الآخرين” و”الجماعة الدينية”…الخ.

إنّ ما يهمّنا من هذا التوكيد هو هذا: إنّ “وراء ظهر” الوعي لا يوجد شيء آخر سوى “الجماعة” الكلية التي ينتمي إليها. وذلك على الأقلّ بمعنيين: أوّلا، أنّ “الباطن” الذي يزعم الوعي أنّه يوجد وراء الظواهر هو في الحقيقة ليس سوى “ذاته الكلية” التي لا يراها، ومن ثمّ فإنّ الوعي هو الباطن الذي ينظر إلى الباطن من داخله، ولذلك فإنّ “الستار” الذي يحجب ما فوق المحسوس إنّما  يُرفع من الداخل، وهكذا وفي ضرب من المسرح الساخر ينبّه هيغل إلى أنّه “ما وراء الستار المزعوم  الذي ينبغي أن يحجب الداخل، لا يوجد أيّ شيء ليُرى إذا نحن لم نذهب نحن أنفسنا وراء الستار، سواء من أجل أن نرى أو من أجل أن يكون وراء الستار شيء ما يمكن رؤيته” (1807: 135-136).

أمّا الطريقة الثانية في إيضاح وجه تورّط الوعي في ذاته الكبرى التي لا يراها، وعلى ذلك هو يوجد على سطحها، فهي تلك التي صاغها هيغل بشكل طريف حين شبّه طمع الوعي في الإمساك بالمطلق بالصياد الذي يصيد العصفور بالدِّبق : إنّ العصفور “سوف يسخر من هذه الحيلة، لو لم يكن من قبلُ ولو لم يكن يريد في ذاته ولذاته أن يكون عندنا (bei uns)” (1807: 69). والقصد هو أنّ المعرفة ليست “أداة” يستعملها الوعي للإمساك بالمطلق، أي بذاته الكبرى، أو “وسيطا منفعلا” منه يأتينا نور الحقيقة، ذلك أنّ المطلق لا يُعرَف إلاّ بقدر ما نفهم أنّه “عندنا” منذ البداية. ولنحترس هنا: هو يوجد “عندنا” أي “بالنسبة إلينا” وليس بالنسبة إلى الوعي. إنّ “نور الوعي” أعمى عن مصدر النور.

ولذلك فأنّ اعتراض هيغل الأساسي على مشروع التنوير، الذي جعل من براديغم الوعي بنيته الصورية، هو أنّه يقترح علينا وعيا بلا توقيع خاص. ولذلك فإنّ هاجس هيغل طيلة حياته هو ضبط حركة التوقيع العميقة التي تخترق ظاهرة الوعي الحديث دون أن يراها. صحيح أنّ هيغل يعترف في تصدير كتاب 1807 بأنّ “الروح” هو  مفهوم “خاص” بالزمن الحديث وبديانته. هذا النوع من التخريج له دلالة مثيرة: إنّ هيغل لم  يُحل على فلاسفة الكوجيطو من ديكارت إلى كانط، بل على “الزمن الحديث وديانته”. وذلك يعني أنّ فلسفة الوعي ليست هي الجهة التي ضبطت فكرة الحداثة، بل هي أكثر من ذلك ظاهرة تقع ضمن تاريخ روحي لا تراه.

ولأنّ هيغل لا يخفي أنّ مصطلح “الروح” هو راسب حاسم من مدوّنة الملة المسيحية تحديدا، ولأنّه على بيّنة من الدور الذي لعبه هذا المفهوم في التخريج الرومانسي لنمط الذات الخاصة بالإنسانية الأوروبية في زمن الدولة-الأمة، فهو قد أقرّ بأنّ هذه الإنسانية لم تنجح في تجديد وعيها بشكل مناسب. وهو ما جعله يستنتج أنّ “شكل الذات” (Form des Selbsts) الأقصى للإنسانية الأوروبية هو بنية مناسبة للوعي بالذات، إلاّ أنّها بلا مضمون. وهو يعني بذلك أنّ نمط الوعي الذي صاغته فلسفة الأزمنة الجديدة بواسطة “الأنا المحض”  هو نمط وعي سيظلّ بلا توقيع خاص وغير قادر على “التصالح” مع نفسه أي على بناء نمط “جهاز تذكّر” مناسب للإجابة عن “من يكون” إلاّ إذا اهتدى إلى “مصادر نفسه” التي تربّى على إخراجها من أفق نظره، إشباعا لما سماه رورتي “الرغبة في الموضوعية” المحضة.

يعني الروح لدى هيغل نمطا من الانتماء الإتيقي إلى مصادر النفس، هو وحده الكفيل بتوفير قاعدة عميقة على منوالها يهتدي “شكل الذات” إلى “المضمون التمثيلي” الذي من شأنه. وحسب هيغل لا يكون المضمون التمثيلي لأنفسنا إلاّ الملة أي الجماعة الروحية الكلية التي نتمثّل أنفسنا اليومية من خلالها. لا يعني ذلك أنّ حلّ مشكل الحداثة ديني. بل فقط أنّ وعي الحداثة بنفسها هو مهدّد بالتحوّل إلى شكل مخيف من الكلي الفارغ من أيّ حدس معياري، إذا هو لم يهتد إلى “الجوهر الإتيقي” الذي صدر منه. ليست الملة غير “المضمون التمثيلي” الأقصى للانتماء إلى عالم له توقيع خاص.

لأجل ذلك لا تعني عبارة هيغل “بالنسبة إلينا” مجرّد إشارة منهجية إلى “الفيلسوف” الذي يتابع تجارب الوعي “من وراء ظهر” الوعي، بل تعني بالنسبة إلى “الجوهر الروحي” الذي يستمدّ منه الوعي شكل ذاته ولا يراه. ولذلك فإنّ “النحن” لا يُقصد منها سوى “الروح” نفسه، من جهة ما هو الضمير السردي للجماعة الكلية التي صرّح بها هيغل في آخر الفصل السابع من كتاب 1807. “نحن” أي نحن الممضين أسفل “الحياة الأخلاقية” (Sittlichkeit) التي ننتمي إليها سلفا، ومن ثمّ فنحن محكوم علينا بألاّ نعود إلى أنفسنا، كهيئات حرة من الوعي، إلاّ من خلال نزاع اعتراف جذري معها.

لا يتعلّق الأمر بمجرّد ضخّ الوعي في الملة حتى يتمّ “التصالح”(Versöhnung) بين ما لا يوجد إلاّ “لذاته”(für sich) وما لا يوجد إلاّ “عند ذاته” (bei sich)، بل المقصد الأسنى لدى هيغل هو دفع الإنسانية الأوروبية إلى تملّك مصادر ذاتها على نحو يمكّنها من بناء “الجماعة الكونية” التي هي وحدها المطية المناسبة التي تسمح للفلسفة أن تتحوّل إلى “معرفة مطلقة”، أي معرفة أقامت حركتها الداخلية على نمط تذكّر كلّي يستجمع كلّ تجارب الوعي في بنية التصوّر، ليس التصوّر الذي يقابل هذا الموضوع أو ذاك، كما لدى كانط، بل التصوّر بما هو “تاريخ الوعي بالذات”، الذي هو عبارة عن معرفة تملك القدرة على أن “تربّي نفسها من جديد انطلاقا من ذاتها كأنّ كلّ ما سبق قد ضاع بالنسبة إليها وأنّها لم تتعلّم شيئا من تجربة الأرواح السابقة.” ربّ تربية هي ضرب من “الذكر الداخلي”(Er-innerung)  الذي ينجح ليس فقط في “الاحتفاظ” بكلّ أطوار وعينا بأنفسنا، بل يمدّنا بذلك “الداخل”(das Innere) الذي يحتاجه كلّ وعي حتى يعود إلى نفسه، أي بما يسميه هيغل “شكل الجوهر” (1807: 695/ 694) الذي تردّم فينا.

خاتمة: الحداثة “بعد الروح” أو نحو ذات “ما-بعد-هُووية”

ولكن، كيف نفهم توجّس فيلسوف مثل ريكور ممّا أطلق عليه في كتابه الذات بما هي آخر اسم “أنطولوجية الروح”، وخاصة عندما يقع اعتمادها كسند عميق لظاهرة الدولة-الأمة؟ – علينا أن ننتبه إلى أنّ ريكور هنا لا يرى في “الروح” غير ما تعنيه عبارات هردارية (نسبة إلى هردار) من قبيل “روح أمة ما” (Geist einer Nation) و”عبقرية شعب ما” (Genuis eines Volks). هذا النوع من الفهم هو نفسه نتاج تطبيق براديغم الوعي على فهم هيغل، حيث يكون “الروح”، كما في عبارة “روح العالم” في كتاب 1807، مفهوماً بمثابة وعي مطلق.

إنّ ما يجدر بنا، في أفق التفلسف ما بعد الحديث، – وهو “ما بعد الحديث” في معنى أنّه لم يعد يتابع برنامج التنوير على أساس براديغم الوعي-، هو أن نأخذ معنى “الروح” في الاتجاه الذي أشار إليه شارلز تايلور من خلال عبارة “مصادر النفس”. ومن ثم يمكننا قراءة معنى “الروح” بوصفه جملة “مصادر أنفسنا” وقد تحوّلت إلى جوهر إتيقي غريب عنّا، علينا إعادة تملّكه. وحين نقترح فهم “الروح” بوصفه جملة مصادر أنفسنا (كذا في الجمع) فنحن نعيد إليه بنيته المتعددة الأصلية التي اكتشفها هيغل في دروس إيينا. – ونحن قد ننزّل مثل هذا النوع من القراءة تحت عنوان “تأويلية جماعوية” أو بالأحرى “جماعوية تأويلية”. إلاّ أنّها لن تكون جماعوية بالمعنى الممجوج والعامي للعبارة (أي القومي أو الديني)، بل جماعوية في معنى نحو من المزاوجة المدنية الجذرية والنشطة بين “الجماعة” (شكل الانتماء إلى أفق أخلاقي كفيل بالحفاظ على كرامة الحياة الكونية وشخص الإنسانية في أنفسنا) وبين “الجمهور” (شكل الكثرة الحرة التي نعمل داخلها بوصفها فنّ المناعة المدنية لوجودنا التاريخي العيني): أي بين الهوية السردية والحرية المدنية. إنّه نوع من الحسّ “الجمهوري” بالمعنى “الجماعوي”، أي بجهاز أنفسنا بوصفه معركة تأويلية مع المستقبل المدني المناسب لمستطاع الحرية فينا، وليس معطى خرافيا كسولا قد تستعمله هذه الدولة/ الأمة أو تلك ضدّنا متى تشاء باسم ضرب من الابتزاز السياسي للانتماء.

لكنّ ذلك يعني أيضا أنّ وعينا بأنفسنا اليومية في كل مرة هو دوما ظاهرة متأخّرة عن مصادر ذاتها. نحن نوجد دوما في “هيئات تركها الروح وراءه” (vom Geiste schon abgelegte Gestalten) (1807: 32)، في “مساحة تخلى عنها الروح” (eine geistverlassene Oberfläche) (نفسه: 384)؛ نحن نوجد دوما وبلا رجعة “بعد الروح”[34] الذي نواصل على ذلك استمداد مادة أنفسنا من معدنه. إنّ الوعي متأخّر دوما عن “روحه”، بحيث هو محكوم عليه سلفا بأنّ يكون “ذاته كآخر” (sich als Anderes) (نفسه: 385)[35]  وهو روح وصفه هيغل أوصافا شتى: فهو “روح غريب” (نفسه: 361) أو “روح بلا ذات” أو “روح موات”(نفسه: 355) “روحٌ شتات” (نفسه: 507 )، حيث “ما كان في السابق هو نفس الأمر هو لم يعد إلاّ أثرا؛ فإنّ هيئته قد احتجبت وصار مجرّد ظلال” (نفسه: 32).

ربما كان هذا التأخّر الأصلي هو الذي دفع فلاسفة الوعي إلى بناء سياج “اليقين الأخلاقي” أو الواجب المحض، وذلك من خلال كلي فارغ يضطرّ إلى ملئه بخير لا مضمون له. بيد أنّنا سرعان ما نلاحظ، كما في آخر الفصل السادس من كتاب 1807، أنّ النزاع بين “الوعي الذي يصدر الأحكام” و”الإنسان الذي يفعل” لا مخرج منه، وذلك لأنّ الوعي لا يسيطر على مصدر معاييره. وطرافة هيغل هي دعوته إلى إعادة الأنا إلى أفقه المعياري الذي استعاض عنه بصورة عقله.

من أجل ذلك ليس “الروح” جهازا هُوويا تصنعه الدولة-الأمة كما تشاء على نموذج الوعي المتناهي الحديث. وذلك لسبب هام هو أنّ الدولة-الأمة هي نتيجة تاريخية لبرنامج التنوير الذي قام على براديغم الوعي. وكل من يواصل التعويل على فلسفة الوعي ومن ثمّ يكتفي بفهم تاريخ ذاته على أساس وعيه الأخلاقي هو يساعد الدولة-الأمة على الانفراد بمصادر ذاته واختزالها في أفضل الأحوال في جهاز حقوقي ليس له من مضمون معياري  سوى بنيته الصورية. عندئذ كم يسهل على الدولة القومية أن تحوّل “روح الشعب” أو حتى “روح العالم” إلى جهاز هُووي واستعماله ضد الآخرين.

إنّ من راهنية هيغل أنّه استبق الانزلاق الهُووي للنقاش ما بعد الحديث عن تعدد الثقافات وتصادمها بالتنبيه إلى أنّ براديغم الوعي ليس له ما يقترحه علينا في الميدان العملي غير “الحق المجرد” أو “الأخلاق الذاتية”، وفي الحالتين هو لا يملك مصادر نفسه.

  نحن مطالبون بالتفلسف بعد أن يئس العقل المعاصر من جهاز الوعي، وطفق ينبش في لاوعيه ولغته وأمراضه وسجنه وجيناته وتاريخ آلهته وقيمه، عن وسائل تعبير جديدة للتفكير “بعد الحداثة”. لكن إذا قبلنا بأنّ ثمّة تطابقا قاهرا بين البنية العميقة للحداثة والجهاز الروحي للملة، كما قرّر هيغل، فهل يعني ذلك أنّنا مدعوون إلى عصر فلسفي يقع فيه التصالح آخر الأمر بين الحقوقي والروحي بشكل كوني (دون أن يعني ذلك حسب ديانة بعينها) ؟ هل الفلسفة ممكنة “بعد الروح” ؟ أم أنّ فلاسفة ما بعد الحداثة قد أخفوا عنّا “أرواحهم الهُووية” كجزء بروتوكولي من آداب الحوار ؟

 

 

 

 


مصادر ومراجع:

  • Bataille, Georges, 1955. « Hegel, la mort et le sacrifice », Deucalion 5, 1955 (repris in Œuvres complètes, t. XII).
  • Bernasconi, Robert, 1999. « ‘’We’’ Philosophers’’ : Barbaros mēdeis eisitō », in : Questions of Memory in Hegel and Heidegger. Ed. by R. Comay and J. McCumber (Evanston: Northonwestern University Press, 1999) 77-96.
  • Bourgeois, B., 2000. Le vocabulaire de Hegel, Paris, Ellipses.
  • ————–, 1970. Hegel à Francfort, ou Judaïsme, Christianisme, Hégélianisme, Paris, Vrin.
  • Bruaire, Claude, 1964. Logique et religion chrétienne dans la philosophie de Hegel, Paris, Seuil.
  • Chapelle, Albert, 1964-1971. Hegel et la Religion (4 vol.), Paris, Éditions Universitaires.
  • Derrida, Jacques, 1971. Glas, Paris, Galilée.
  • Dove, Kenly Royce (1971), « Hegel’s phenomenological method », in : W.F. HEGEL. Critical Assessments. Edited by Robert Stern. Vol. III, Hegel’s Phenomenology of Spirit and Logic (London and New York : Routledge, 1993)pp. 25-35.
  • Garaudy, Roger, 1962. Dieu est mort : Étude sur Hegel, Presses universitaires de France.
  •  Gauvin, J. , 1970. ‘’ ‘Für uns’ dans la Phénoménologie de l’Esprit’’, in : Archives de Philosophie 33,(1970), 829-54.
  • ————- , 1984. Wortindex zur Phänomenologie des Geistes, Hegel-Studien 14 (1984).
  • ————, 1965. „Le Sens et son phénomène. Projet d’un lexique de la Phénoménologie de l’Esprit », in Hegel-Studien, Bd. 3, Bouvier Verlag 1965.
  • Habermas, J. (1968), « Travail et interaction. Remarques sur la “philosophie de l’esprit” de Hegel à Iéna » , in : La technique et la science comme ‘idéologie’. (Paris : Gallimard).
  • ——————, 1985. Der philosophische Diskurs der Moderne, Frankfurt am Main.- Le discours philosophique de la modernité. Douze conférences. (Paris : Gallimard, 1988).
  • Hegel, Werke in zwanzig Bänden. Phänomenologie des Geistes. Werke 3. Suhrkamp, 1991. – Phénoménologie de l’esprit. Gallimard, 1993.
  • Heidegger, M. 1930/31. Hegels Phänomenologie des Geistes, in : GA 32 (1980a, 1988b).- La ‘’ Phénoménologie de l’esprit’’ de Hegel . Traduit de l’allemand par Emmanuel  Martineau ( Gallimard , Paris , 1984).
  • —————-, 1950 .  « Hegels Begriff der Erfahrung » , in : Holzwege (1950) 105-192 .- « Hegel et son concept de l’expérience ». Traduit  de l’allemand par Wolfgang Brockmeier, in : Chemins qui ne mènent nulle part ..(1992b ) 147-252 .
  • Hyppolite, Jean, 1946. Genèse et Structure de la Phénomenologie de l’Esprit, 2 vol., Aubier, 1946.
  • Kojève, Alexandre, 1947. Introduction à la lecture de Hegel : Leçons sur la “Phénoménologie de l’Esprit” professées de 1933 à 1939 à l’Ecole des Hautes-Études, Gallimard.
  • Küng, Hans, 1973. Incarnation de Dieu : Introduction à la pensée théologique de Hegel comme prolégomènes à une christologie future, Desclée de Brouwer.
  • Labarrière, P.- J., 1968. Structures et mouvement dialectique dans la Phénoménologie de l’esprit de Hegel. Aubier-Montaigne.
  • Lebrun, Gérard, 1972. La patience du concept (essai sur le discours hégélien), Paris, Gallimard.
  • Losurdo, Domenico, 1994. Hegel et les Libéraux, Paris, PUF.
  • Lyotard, François, 1979. La Condition postmoderne : rapport sur le savoir, Paris, Minuit.
  • Malabou, Catherine, L‘Avenir de Hegel. Plasticité, temporalité, dialectique, Paris, Vrin.
  • Marcuse, Herbert, L‘ontologie de Hegel et la théorie de l’historicité, Paris, Minuit.
  • Nancy, Jean-Luc, 1973. La remarque spéculative, Paris, Galilée.
  • Parry , David M., 1988.   Hegel’s Phenomenology of the ‘’We’’. New York : Peter Lang.
  • Pöggeler, Otto, 1973. Hegels Idee der Phänomenologie des Geistes (Freiburg : Alber).
  • Ricœur, Paul , 1969. Le conflit des interprétations, Paris : Seuil.
  • – ريكور، بول، 1969-2005. صراع التأويلات. دراسات هيرمينوطيقية. (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2005).
  • Rorty, Richard,   Contingency, Irony, and Solidarity. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Sandel, Michael J., 1982, 1998. Liberalism and the Limits of Justice. Cambridge University Press.
  • Taylor, 1979,  Hegel and Modern Society. Cambridge University Press.
  • ———-, 1989. Sources of the Self: The Making of Modern Identity. Harvard University Press.
  • Tsujimura, K., 1983.  ‘’Das Hegelsche ‘für uns’ ‘’ Kant oder Hegel ? D. Henrich. Stuttgart : Klett-Cotta.
  • Wahl, Jean, 1929. Le malheur de la conscience dans la philosophie de Hegel,

[1] – كلّ كتابات شارلز تايلور وبول ريكور وريتشارد رورتي  وإدوارد سعيد وجملة الفكر ما بعد الكولونيالي … تدين براهنيتها وطرافتها إلى نقاش مباشر حول الهوية. وذلك دون أن نغفل أنّ كتابات أدورنو وليفناس ودريدا وفوكو إنّما يخترقها نقاش تحتي وسرّي وغير مباشر مع رهانات الانتماء والجذور الهووية وأشكال التذوّت وسياسات الذاكرة لم يعد يمكن تحاشي طرح الأسئلة عن خطورتها وعن دورها في تشكيل طروحاتهم الفلسفية.  – ونحن نكتفي بالإشارة تخصيصا إلى شارلز تايلور الذي يعود له الفضل في بلورة أوّل تكريس فلسفي عالي الطراز لمفهوم “الهوية” وتحويله إلى أداة فهم للأزمنة الحديثة بوصفها تجربة تاريخية ذات ملامح هووية قابلة للوصف والنقد. ولكن أيضا إلى أعمال أخرى ذات أهمّية كبيرة مثل كتابات رورتي وريكور. را: تايلور 1989؛

[2] – قارن : ليوتار 1978.

[3] – هابرماس 1984.

[4]– صندال 1982/ 1998. إلى جانب ألسدايير ماكنتاير وميكائيل فالزر.

[5] – عن مصطلح “الوضعية التأويلية”، راجع: مارتن هيدغر، الكينونة والزمان. ترجمه عن الألماني د. فتحي المسكيني (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2010) الفقرة 45، ص 232.

[6] – يقول هيغل:” إنّه ينبغي دوما أن نميّز الجمهور (das Publikum) عن أولئك الذين يتصرّفون بوصفهم ممثّليه والمتكلّمين باسمه.[..] فإذا كان هو بطيبته يحمّل نفسه على الأرجح مسؤوليةَ أنّ كتابةً فلسفية ما لا تقول له شيئا، فإنّ هؤلاء، على العكس من ذلك، على يقين من كفاءتهم، هم يحمّلون المؤلّف الذنبَ كلّ الذنب.”(هيغل 1807: 66-67/127-128)

[7] – من أوّل الذين انتبهوا إلى طرافة التأويل الذي اقترحه هيغل عن الحداثة بناءً على مسائل الهوية، علينا أن نذكر: هابرماس  1968 و تايلور 1979.

[8] –  سوف ترد جميع الإحالات على كتاب فينومينولوجيا الروح في صلب النص وعلى النحو التالي: ذكر سنة 1807، تاريخ النشرة الأولى للكتاب، مشفوعا برقم الصفحة في النص الألماني (المجلد 3 من أعمال هيغل في عشرين جزءاً).

[9] – قارن: ديكارت، تأمّلات ميتافيزيقية. التأمّل الأوّل.

[10] -راجع:  مالابو 1996.

[11] – راجع: هيدغر 1950.

[12] – قال : “إنّ ما يُسمّى تجربة هو هذه الحركة، التي ضمنها يغترب ما هو مباشر وما هو غير مجرَّب، أي ما هو مجرّد، [..]، ثمّ من رحم هذا الاغتراب هو يعود إلى ذاته ولأوّل مرة هو يمثل بذلك في فعليته وحقيقته كأنّما هو ملْكٌ الوعي.” (39/97).

[13] – صندال 1982 وتايلور 1989.

[14] – مثلا هو في القسم الأول ( A) أي “الوعي (بفصوله الثلاثة) : “ظنّ” (Meinung) عن الهذا (das diese) المحسوس عميّ عن “الكلي” الذي يرقد في “اللغة” التي يتكلّمها (هيغل 1807: 85).

 ثمّ “وهم” (Täuschung) عن “الشيء” الذي يتفتّت بين يديه في “تجريدات” ضرب من “الكلي المحسوس” الذي لا ذات له،ولا رابط بينها سوى عبارات يومية من قبيل “أيضا” و”من جهة أنّ” و”من وجهة النظر هذه” (نفسه: 105-107).

 ثمّ “ذهن” تحوّل موضوع معرفته إلى “وسط كلي” ضمنه تصبح حركة المواد القائمة في الطبيعة “قوة” لم تعد مجرّد “ظاهر” غير موجود، بل صار “ظاهرة” أي “كلّ متراءٍ” (ein Ganzes des Scheines)، يملك “باطنا” لا يراه الوعي، سرعان ما ينقلب إلى شيء بمثابة “ما وراء الوعي (das Jenseits des Bewußtseins)” أو “ما فوق المحسوس”، الذي هو حسب عبارة هيغل “الظاهرة بما هي ظاهرة”، بحيث صار الوعي “فهما مقلوبا” (ein verkehrtes Verstehen) (نفسه: 118) يفهم عالم الظواهر بوصفه هو أيضا “عالما مقلوبا” (verkehrten Welt) (نفسه: 128).

[15] –  ’’..der Verstand in Wahrheit nicht etwas anderes als die Erscheinung selbst „ (Werke 3, 135)

[16] –  ‘’..in der Tat nur sich selbst erfährt’’ (Ibid.)

[17] – ريكور، 1969  / 2005.

[18]– يقول ريكور:” إنّها هرمينوطيقا تساوي ما يشبه نبوءة الوعي. وإنّها هي التي تبثّ الحياة أخيرا في فينومينولوجيا الروح عند هيغل. وإنّي لأستدعيه هنا، لأنّ طريقته التأويلية تتعارض تماما مع فرويد. فالتحليل النفسي يقترح علينا نكوصا نحو القديم، بينما تقترح علينا فينومينولوجيا الروح حركة تجد كلُّ هيئة بموجبها معناها، ليس في الهيئة التي سبقتها، ولكن في تلك التي تليها. وهكذا يكون الوعي منسحبا خارج ذاته وواقفا أمامها، ومتجها نحو معنى يزاول سيره، وكل مرحلة من مراحله تُلغى في المرحلة التالية التي تحتفظ بها. وهكذا تتعارض غائية الذات مع حفريات الذات.” (1969/2005: 54).

[19] – من أجل ذلك يبدو لنا أنّ تخريج هابرماس (1968) والذي أخذ به أكسال هوناث (1992: 48-49، 107-108) لمعنى تحوّل مصطلح “الروح” (حوالي 1803/1804) إلى عنوان أكبر لفلسفة هيغل بوصفه انزلاقا في براديغم الوعي ومن ثمّ تراجعا عمّا حقّقه سابقا من بلورة طريفة لمقولة “النزاع من أجل الاعتراف” تحت عنوان “الحياة الأخلاقية” (Sittlichkeit) والتي تضمّ دوائر بيذاتية تهمّ العمل والتفاعل واللغة،- يبدو لنا أنّ هذا التخريج يخلط (تحت تأثير غير هيغلي، ربما يعود إلى هوسرل)  بين مسألة “الوعي” الأنوارية  (التي تعود إلى خط يمر بكانط ولوك وديكارت) ومسألة “الروح” (التي هي اكتشاف رومانسي بحت طوّره شعراء وكتاب مضادّون للحداثة). إنّ طرافة كتابات هيغل بعد 1804 والتي وجدت هالتها العليا في كتاب 1807 (فينومينولوجيا الروح) إنّما تكمن على العكس من ذلك في بناء فهم للذات يحرّرها من براديغم الوعي (المتناهي أو الفردي) وذلك بتحرير “مصادر الذات” أو “الحياة الأخلاقية” الثاوية تحت أرضية الوعي ولا يراها. وهو المعنى التأمّلي لمفهوم “الجماعة” ( Gemeinschaft) و حتى “الملة” ( die religiöse Gemeinde) في كتاب 1807، كما نرى ذلك في آخر فصله الثامن.

[20] – هذا المصطلح الهيغلي ( “ما كان” أو العنصر “الكانيّ” في وعينا بمصادر أنفسنا) التقطه هيدغر وبنى عليه المعنى الأصيل للماضي في تأويلية الدازين. راجع: الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، مصدر مذكور، الفقرة 65، ص 326.

[21] – لكنّ هذه الألفاظ محصاة من قبل أهل الصناعة بعامة، انظر:

– J. Gauvin, „Le Sens et son phénomène. Projet d’un lexique de la Phénoménologie de l’Esprit », in Hegel-Studien, Bd. 3, Bouvier Verlag 1965 ; -Wortindex zur Phänomenologie des Geistes, in Hegel-Studien 14 (1984).

[22] – راجع:

– J. Gauvin, ‘’ ‘Für uns’ dans la Phénoménologie de l’Esprit’’, in : Archives de Philosophie 33,(1970), 829-54. ; K. Tsujimura, ‘’Das Hegelsche ‘für uns’ ‘’ Kant oder Hegel ? ed. D. Henrich (Stuttgart : Klett-Cotta, 1983), 376. ; David M. Parry, Hegel’s Phenomenology of the ‘’We’’ (New York : Peter Lang, 1988)228-229 ; Otto Pöggeler, Hegels Idee der Phänomenologie des Geistes (Freiburg : Alber,1973), 244 ; M. Heidegger, Hegels Phänomenologie des Geistes (1930/31), in : GA 32 (1980a, 1988b) .  La ‘’ Phénoménologie de l’esprit’’ de Hegel . Traduit de l’allemand par Emmanuel  Martineau ( Gallimard , Paris , 1984) ; Robert Bernasconi, « ‘’We’’ Philosophers’’ : Barbaros mēdeis eisitō », in : Endings. Questions of Memory in Hegel and Heidegger. Ed. by R. Comay and J. McCumber (Evanston: Northonwestern University Press, 1999) 77-96.

[23]– قام أحد الباحثين بإحصاء تخريجات معنى “نحن” في كتاب 1807 كالتالي: هي تعني “الفلاسفة” (ماركيوز) و”القارئ الفلسفي” (لوكاتش) و”الفهم الفلسفي المصاحب” (نيكولاي هارتمان) و”الفيلسوف الذي يعيد التفكير في المساق الفينومينولوجي” (هيبوليت) و”الملاحظ الذي يراقب المسار من النهاية” (كرونار) و”الذين، إذ يفكّرون في موجودية الموجود، هو قد توفّروا بعدُ على الوجود” (هيدغر الثاني). راجع:

– DOVE, Kenly Royce (1971), « Hegel’s phenomenological method », in : G.W.F. HEGEL. Critical Assessments. Edited by Robert Stern. Vol. III, Hegel’s Phenomenology of Spirit and Logic (London and New York : Routledge, 1993)pp. 25-35.

[24] – Habermas, J. (1968), « Travail et interaction. Remarques sur la “philosophie de l’esprit” de Hegel à Iéna » , in : La technique et la science comme ‘idéologie’. Traduit de l’allemand par J.-R. Ladmiral (Paris : Gallimard, 1968) : 163-211. Aussi : Le discours philosophique de la modernité. Douze conférences . Traduit de l’allemand par Ch. Bouchindhomme et R. Rochtitz (Paris : Gallimard, 1988). 36-37

[25] – يقول هابرماس :” إنّ تجذير أطروحتي يمكن أن يأخذ هذا الإيقاع : ليس الروح ضمن الحركة المطلقة للتفكّر ذاته هو الذي يتجلّى ، من بين أشياء أخرى ، ضمن اللغة والعمل والعلاقة الإيتيقية ، وانما وحده التواشج الجدلي بين الترميز اللغوي والعمل والفعل المتبادل هو الذي يعيّن مفهوم الروح .” (1968: 164)

[26] – Fichte, Über den Unterschied des Geistes und des Buchstabens in der Philosophie (1794) : „Geist und Leben sind Eins; und nur das Leblose ist absolut geistlos“.

“الروح والحياة شيء واحد؛ ووحده الذي لا حياة له هو لا روح له بإطلاق”.

[27] – Schiller, Über Anmut und Würde (1793) (Grâce et dignité) : « das Gebiet des Geistes erstreckt sich so weit, als die Natur lebendig ist ».

“إنّ مجال الروح إنّما يمتدّ بقدر المدى الذي تكون فيه الطبيعة حيّة”.

[28] – يقول شيلنغ : (Geist heiße mir, was für sich selbst…ist) : ” إنّما يعني الروح عندي ما يوجد …بالنسبة إلى ذات نفسه”.

[29] – شيلنغ، مقالات في في إيضاح مثالية نظرية العلم.

[30] – حتى كانط العجوز قد لحق بالركب حين أثبت في “Opus postumum” (Akad.-A. 21,99): “إنّ روح الإنسان هو إله سبينوزا”(  « der Geist des Menschen ist Spinozens Gott“).

[31]Historisches Wörterbuch der Philosophie. 3. Band (G-H), ( Basel/Stuttgart : Schwabe & Co. Verlag, 1974). Artikel „Geist“, S. 192.

المعجم التاريخي للفلسفة. المجلد الثالث . (بازل / شتوتغارت، دار شفاب وشركائه)، 1974، فصل “الروح” ص 192. [وعلينا التنبيه إلى أنّ هذا أكبر معجم فلسفة في ألمانيا وفي العالم، وهو فريد من نوعه في خطته وحجمه ودقته].

[32] – نفسه، ص 156.

[33]– نفسه.

[34] – يمكن اعتبار النموذج الأعلى عن هذا المنحى وصف هيغل للآثار الفنية اليونانية بوصفها “مقطوعة” عن “العالم” الروحي الذي كان يشدّها. هي تأتي إلينا “بعد الروح” الذي أنتجها. ولذلك هي ثمار توجد “بعد” الشجرة التي لم تعد موجودة (هيغل 1807: 548).

[35] – وهي صيغة طريفة التقطها بول ريكور وبنى عليها خطة كتابه “الذات عينها كآخر” / Soi-même comme un autre ) باريس، 1990، بيروت 2005)  دون أن يعترف بهذا الدين إزاء هيغل ! والحقيقة أنّ ريكور لا يريد أن يخرج من أفق التصوّر المسيحي للوعي (الشقي) بواسطة أيّ فلسفة تاريخ حديثة (تفصل بين الحرية والرجاء فصلا مدنيا ومتعاليا)، بل يكتفي بترميم بيت الوعي بنوع من “تأويلية النفس” الخجولة، التي تعوّل على حلّ مشكلة الآخر بواسطة “اللغة” و”القانون” دون أيّ اشتباك هووي تاريخي أو فينومينولوجي معه، أي دون أيّ “نزاع من أجل الاعتراف” معه.

error: المحتوى محمي