الكاتبباول ردينق
ترجمةابتسام برّاج

تمهيد المترجمة

                  ميّز صلاح الدين الصفدي بين طريقين في الترجمة؛ “أحدهما طريق يوحنّا بن البطريق، وابن الناعمة وغيرهما، وهو أن ينظر [من يُترجم] إلى كل كلمةٍ مفردةٍ من الكلمات اليونانية وما تدلّ عليه من المعنى، فيأتي بلفظةٍ مفردةٍ من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى، فيثبتها، وينتقل إلى الأخرى، حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه. وهذه الطريقة رديئةٌ. والثاني طريق حُنين بن إسحاق والجوهري وغيرهما، وهو أن يأتي الجملة، فيُحصّل معناها في ذهنه، ويُعبّر عنها من اللغة الأخرى بجملةٍ تطابقها، سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها، وهذا الطريق أجودُ[2]. وإن كان تدخّل المُترجم(ة) في المتن، على طريقة حُنين بن إسحاق خياراً مستحسناً في الترجمة، بإجمالٍ، فهو، حين يتعلق الأمر بنصوص هيغل –وما يدور في فُلكها من نصوص قرائه-، ليس خياراً بل فرضُ عينٍ؛ إن استغنى عنه المترجم(ة) بدعوى النقل المُحايد، سينقل إلى اللغة العربية خليطاً من الرموز المُبهمة، لن تُفكّ شفراتها إلا بتدخله، شريطة ألّا يُؤدي التدخل ذاك إلى إلحاق الأذى بالمعنى.

              أما سبب اختيارنا لهذه الدراسة، بعينها، فلا يعود إلى كون الأستراليّ بول ريدينغ Paul Redding من أهم قراء هيغل المُعاصرين[3]، فحسب. بل يعود، أيضاً، إلى اعتقادنا بأن الكاتب قدّم في هذه الدراسة، ما يصلح ليُشكّل خارطة طريقٍ لبحثٍ أكاديميٍّ رفيع المستوى، حول فلسفة الدين عند هيغل؛ تمدُّ الباحث(ة) بصورةٍ عامةٍ عن مختلف الروافد التي انطلق منها في تأسيس قوله الفلسفيّ في الدين، وتلفت انتباهه إلى أهمّ الإشكالات التي تمخّضت عن فلسفته تلك.

فلسفة هيغل للدين

                يُقال إن الأرملة المتديّنة الورعة، ماري هيغل، أصيبت بنوبة حزنٍ عميقٍ بعد أن قرأت محاضرات زوجها، المنشورة بعد وفاته، حول فلسفة الدين؛ لم تفهم كيف كتب الرجل الذي عهدته لوثرياً أصيلاً هذه الهرطقات. لم يكن موقف هيغل من الدين واضحاً، وكان هذا سبباً رئيساً في انقسام الهيغيليين بعد وفاته.

                   من المعروف أن الهيغيليين انقسموا بعد وفاة رائدهم، في العام 1831، إلى فصائل ذات اليمين وذات اليسار. يُستحضرُ هذا الانقسام، اليوم، في سياق ما نجم عنه سياسيّاً -حيث أن الماركسية نشأت من فصائل اليسار الهيغيلي-، غير أن أصل الانشقاق دينيّ المنبع؛ فقد أُثير الخلاف حول موقف هيغل من الدين، للمرة الأولى، بعد أن نشر ديفيد ستراوس كتابه نظرة نقدية حول حياة يسوع[4] في العام 1835؛ اعتبرت فصائل اليمين أن فلسفة هيغل تمثل المذهب المسيحيّ الأرثوذكسيّ، فيما ذهبت فصائل اليسار إلى أن فلسفته تعبر عن  مذهبٍ إنسانيٍّ يرصد التمظهر التاريخي للإنسان عبر التاريخ. وقد جسّد النزاع حول هذه المسألة أوّل انشقاقٍ في صفوف الهيغيليين، بعد وفاته. غير أن الاعتراضات لاحقت فلسفة هيغل للدين، قيد حياته أيضاً، منذ صدورها في العام 1820.

                     اتُّهم هيغل، بعد تعيينه في جامعة برلين، بتبنّي مذهب وحدة الوجود[5]، بعد ذلك بزمنٍ قصيرٍ، اتُّهم بالإلحاد من طرف عددٍ من المفكرين الأرثوذكس. وقد حامت هذه الاتهامات حول أطروحاته المتعلقة بذات الله وخلود الروح. إن أردت الدفاع عن هيغل من تهمة تبنّي مذهب وحدة الوجود، يمكن أن تستحضر نقده لسبينوزا، رائد هذا المذهب، في كتابه فينومينولوجيا الروح، الصادر في العام 1808؛ فَفِيما أكّد سبينوزا أن المطلق جوهرٌ، ألحّ هيغل على ضرورة فهمه كجوهرٍ وموضوعٍ في الوقت عينه. لكن قول هيغل هذا، مع ما يشير إليه من تشخيصٍ للإلهِ، شديد الإبهام. أضف إلى ذلك أن هيغل أكد، في موضعٍ آخر، على ضرورة ارتباط وجود الله بوجود الإنسان، وبأفكاره (=الإنسان) حول الله. وبالنسبة إلى المسيحيّين الأرثوذكس، لا يختلف هذا القول عن مذهب وحدة الوجود في شيء. ليس الدفاع عن هيغل صعباً في هذا الموضع، فحسب، بل يصعب الدفاع عنه، من تهم المسيحيين الأرثوذكس، أيضاً، في ما يتعلق بإشكالية خلود الروح؛ حيث يصعب على القارئ أن يجد لدى هيغل تأكيداً واضحاً، أو نفياً واضحاً، لفكرة خلود الروح. كل ما تجده، في هذا الإطار، هو اهتمامٌ شديدٌ، لديه، بالتقابل بين مفهومي الخلود والفناء، وما يترتب عن التقابل ذاك من إشكالياتٍ متعلقة بمفهوم الزمن.

                   ترتبط الإشكالات السابقة بالعلاقة بين الفلسفة والدين، عند هيغل، وهي علاقةٌ أثارت سيلاً من الاعتراضات؛ إذ اعتبر هيغل أن الدين والفلسفة قوالب تتضمن المحتوى عينه: الله. غير أن الفلسفة عنده، بما هي تفكيرٌ مفاهيميٌّ، تتناول هذا المحتوى بشكلٍ أكثر تطوراً من الطريقة التي تجدها في الدين، بما هو تفكير تمثيليُّ تخيّلي. وقد عارض نُقاد هيغل تصوّره هذا، بدعوى أنه أفرغ مفهوم الله من معناه الحقيقي. بالنسبة إلى نُقّاده، تمخّضت أفكار هيغل المُفسدة للدين هذه، من إصراره على تأسيس المعتقد الديني، ككلّ شيءٍ آخر، على اعتباراتٍ عقليةٍ منطقيةٍ، وليس على الوحي.

                    تجسّد التعايش بين الفلسفة والدين، أو بالأحرى، بين العقل والإيمان، في شخص هيغل؛ في قاعة المحاضرات بنى الدين على العقل، وفي حياته الشخصية، كان لوثرياً مؤمناً. لكن التعايش الذي جسده، قيد حياته، لم يدُم بعد رحيله؛ إذ انشطرت فلسفته، إلى تياراتٍ متباينةٍ. كانت محاضرات هيغل حول الدين أول ما نُشر بعد وفاته؛ قدم محاضراته تلك في دوراتٍ أربع، على مدار السنوات الثلاث عشر التي أمضاها أستاذاً في جامعة برلين. كشفت تلك المحاضرات عن توترٍ داخل فلسفته في الدين، امتدّ إلى فلسفته بشكلٍ عامٍّ؛ وهذا ما يثير اهتمام نقاد هيغل، اليوم؛ فهؤلاء لا يهتمون كثيراً بالإشكالات التي اهتم بها نقاده في العام 1820 (كانت الإشكالات تلك دينية الطابع)، بقدر ما يهمّهم التوتر بين النسق الهيغيلي وتمظهراته التاريخية.

            ورد عن هيغل، في كتابه أصول فلسفة الحق، قوله المشهور “الفلسفة بنت زمانها”. وهو قولٌ يكشف، بشكلٍ جليٍّ، مقدار التوتر بين نسقه الفلسفي وتمظهراته التاريخية؛ يتضمن هذا القول دعوةً إلى اعتبار الفلسفة منتوجاً ثقافيّاً تاريخيّاً، وتفسيرها باستحضار ظروف نشأتها. إن صحَّ ذلك، أَلن ينطبق مصير الفلسفة هذا على الدين أيضاً، (=باعتبارهما شكلان مختلفان يتضمّنان المحتوى عينه: المطلق)؛ ألا ينبغي أن تُفسّر الأشكال الدينية، بما فيها المسيحية، بالنظر إلى ظروف تطورها؟ كل الأشكال الدينية، عند هيغل، كانت بنت زمانها، إلا المسيحية. لم يتعامل معها كغيرها من المعتقدات الدينية بل جعلها الدين المطلق، وعمل على حِفظها من التصورات العلمانية الاختزالية التي سادت القرن الثامن عشر. وعليه، يبدو أن الملامح العامة التي رسمها أهل اليسار الهيغيلي[6]، لفلسفة الدين عند رائدهم، خالفت مسعى هيغل.

              لا يمكن فهم فلسفة الدين عند هيغل، والخلاف الذي أحدثته بين أتباعه، من دون العودة إلى المجال الثقافي الذي أثّر في فكره وترك بصمته الواضحة في فلسفته؛ بل إن هيغل، نفسه، شدّد على ضرورة فهم الوحدة بين فلسفته ومجالها الثقافي، وأكد أن الفهم ذاك سيظل متعذراً ما لم يُفهم المنطق الذي يحكم هذه الوحدة على المستوى المفاهيمي[7].

أولاً: مصادر فلسفة الدين عند هيغل

1. الدين الأخلاقي عند كَنْتْ

                    يصعبُ فهم الفكر الهيغيليّ من دون إضاءته بفلسفة كَنْتْ (1724-1804)، هذا الفيلسوف الذي غيّرت فلسفته النقدية ملامح الفكر الألماني، في القرن الثامن عشر. اهتمّ كنتْ بالمسألة الدينية في نقوده الثلاثة: نقد العقل الخالص (1781، 1787)، ونقد العقل العملي (1788)، ونقد ملكة الحكم (1790). غير أنه لم يتناول المسألة، بشكلٍ مباشرٍ، إلا سنة 1792، في كتابه الدين في حدود العقل المجرد.

                 في كتابه نقد العقل الخالص، فنّد كنت كل البراهين الفلسفية التقليدية الدالة على وجود الله[8]، أما في كتابه الدين في حدود العقل المجرد، فقد تناول القضية بشكلٍ أقرب إلى ما قدّمه في نقد العقل العملي، ولكن بتحليلٍ أعمق؛ حيث أكد أن فكرة وجود الله ضروريةٌ بالنسبة إلى الكائنات العاقلة، جميعها؛ مع أن إثبات وجوده (= وجود الله) مستحيلٌ من ناحية العقل النظري، يظلُّ وُجوده، بما هو افتراضٌ، ضرورياً بالنسبة إلى العقل العملي الأخلاقي. هذا ما يبرّر عند كَنْتْ ضرورة وجود الله.

                تتمثل أهمية الدين عند كَنْتْ في قدرته على عرض الأفكار الأخلاقية بشكلٍ رمزيٍّ. وهو موقف قريب من مواقف بعض أترابه من مفكري الأنوار، مثل ليسينغ* الذي اعتبر أن الأساطير المسيحية مجرّد عروضٍ مجازيةٍ لحقائقَ أخلاقية عميقةٍ. ضمن السياق التأويليِّ عينه، أكد كَنْتْ، في كتابه الدين في حدود العقل المجرد، أن حياةَ المسيح نموذجٌ أخلاقيٌّ، لا أكثر. لم يُنكر كَنْتْ ولادة يسوع الخارقة للعادة، لكنه شدّد على أن هذا الافتراض غير مجدي من الناحية العملية. المجدي، فعلاً، هو تجسيد النموذج المثالي (=الأخلاقي) الذي تُعبّر عنه حياة المسيح في سلوكنا.  

                  تُحوّل أطروحة كَنْتْ هذه وجود الله إلى فكرة نفسيةٍ، وهذا مكمن خطورتها بالنسبة إلى نُقادها من المؤمنين الأرثوذكس.  يُعتبر فريديريك جاكوبي* من أشهر هؤلاء الذين يُعارضون تأويل المعتقد الديني من منظورٍ فلسفي عقلاني، ومن أكثر المدافعين عن ضرورة حِفظ الإيمان من الأثر التخريبيّ للعقل، فبحسبه، ينتهي التأويل العقلاني للمعتقدات المعيارية[9]، دوماً، إلى العدمية؛ حين يشترط فكر الأنوار تأسيس المُعتقدات الدينية على أسسٍ عقلانية ينتهي إلى نقض المُعتقدات تلك. وبنفحةٍ تجريبيةٍ هيوميةٍ*، يؤكد جاكوبي أن المعتقدات الدينية إن انهارت ستجرف معها كل المعارف العقلية؛ إذ لا يستقيم الإيمان بالعالم الموضوعيّ، من دون إيمانٍ -غير مبرّرٍ عقلانياً- بالمعتقد الديني؛ إيمانٌ بوجود إلهٍ معينٍ، يُمكن معرفته والاقتناع به بالحدس المباشر. من أجل تجنُّب انتكاسٍ مماثلٍ، نحتاج، حسب جاكوبي، إلى طفرةٍ في الإيمان أو المعتقد، تُخلّصه من شرط التبرير العقلي. تجدر الإشارة إلى أن نقد جاكوبي لعقلانية كنتْ هذا، ورد في سياق نقده لفيلسوفٍ آخر، أثّر تأثيراً عميقاً في فلسفة هيغل للدين: سبينوزا.

2. وحدة الوجود عند سبينوزا

                       ورد نقد جاكوبي لإيمانويل كَنْتْ في الطبعة الثانية من كتابٍ نشر، للمرة الأولى، في العام 1785، بعنوان “حول مذهب سبينوزا، في رسائل إلى السيد موسى مندلسون“. فيهِ استهلّ القول في ما صار يُعرف لاحقاً، في الفكر الألماني، ب”الخلاف حول مذهب وحدة الوجود”. وفيهِ أعلن أن غوتولد ليسينغ، وهو أحد الشخصيات الثقافية الألمانية المرموقة، صرّح، قبل وفاته بوقتٍ قصيرٍ، بإيمانه بمذهب وحدة الوجود، الذي يتأسس على الفكرة القاضية أن الله هو الواحد والكل في الوقت عينه. وأضاف جاكوبي كذلك، أن لايبنتز نفسه كان، في العمق، سبينوزيا. وقد رمى، من خلال ما روى عن ليسينغ ولايبنتز، إلى التحذير من تحرّر الفكر الفلسفي من العِقال الدينيّ، إذ لن يقود التحرّر ذاك، عنده، إلا إلى المادية “الإلحادية” التي يُعتبر سبينوزا خير مُمثليها. والمفارقة أن جاكوبي نجح، بخلاف سعيهِ، إلى جذب كثيرٍ من جيل هيغل إلى السبينوزية التي حذّر منها.

                      احتدم النزاع حول فلسفة سبينوزا في السنوات التي كان، فيها، هيغل طالب لاهوتٍ في جامعة توبنغن. يُذكرُ أنه بنى، خلال محاضرات اللاهوت، صداقةً وثيقةً مع فريديريك شيلينغ وفريديريك هولدرلين. وكان الثلاثة منجذبين بشكلٍ واضحٍ إلى مذهب وحدة الوجود السبينوزي. عمل شيلينغ على تطوير أفكار سبينوزا في كتاباته الفلسفية المبكرة، منذ منتصف تسعينات القرن الثامن عشر؛ حيث سعى إلى نفي البعد العدميّ عن فلسفة سبينوزا، بالتأكيد على توافق الفلسفة تلك مع الحرية الإنسانية؛ وهي المبدأ (=مبدأ الحرية الإنسانية) الذي ارتكز عليه كَنْتْ حين أكد على أولوية العقل العملي بدلاً من العقل النظري. تجدر الإشارة إلى أن سبينوزية شيلينغ طُبعت بالأفلاطونيّة المُحدثة. والأمر لا ينطبق على شيلينغ وحده، ففي فلسفة هيغل، أيضاً، تلمس أثر الأفلاطونية المُحدثة كما تبلورت عند كلٍّ من أفلوطين وبروكليس. إذ شكلت الأفلاطونية تلك، الأساس الذي اعتمد عليه هيغل من أجل فهم المسيحية، وتفسير الثالوث، كما كانت أساس نقده لسبينوزا، أيضاً.

3. الأفلاطونية المُحدثة

                       طبعت الأفلاطونية المُحدثة، كما تبلورت مع أفلوطين وبروكليس، الفكر الألماني الديني والفلسفي منذ أواخر العصور الوسطى، وأثّرت في المفكرين الألمان الكبار، كالمعلم إكهارت* ونيكولا كريب*، ثم لايبنتز ويعقوب بوهمه* وغيرهم. كما ازدهرت (=الأفلاطونية المُحدثة) في أواخر القرن الثامن عشر، وأثرت بشكلٍ ملموسٍ على الحركة الرومانسية المبكرة. حتى أن الفيلسوف والشاعر نوفاليس أكد، في تسعينيات القرن الثامن عشر، أنه عثر على تشابهٍ كبيرٍ بين مواقف أفلوطين من جهةٍ وكَنْتْ وفشته من جهةٍ أخرى، وإن عدت إلى نصوص هؤلاء لن تجد قول الشاعر مستغرباً.

                  في كتابه نقد العقل الخالص، اعتبر كَنْتْ أن فكر أفلاطون متعالٍ، خالص، غير تجريبي، لا يُفيد الاعتماد عليه في بناء المعرفة، لكنه، مع ذلك، ضروريٌّ من أجل وحدة المعرفة وتنظيم البحث العلمي. إذ تجد في التصور الأفلاطوني للكون، ككلٍّ موحّدٍ، أظهر تعبيرٍ عن هذه الرؤية الوحدوية، يقول كَنْتْ في ذلك: “لا شيء يتسع لاستيعاب فكر أفلاطون غير هذا الكون في كليته”. اعتبر أفلاطون أن أفكاره نماذج أصليةٌ للأشياء في حدِّ ذاتها، وأضاف كَنْتْ أن الأفكار تلك (= بما هي نماذج أصلية) لن تُدرك حق الإدراك، مالم يُنظر إليها كمبادئ لتوحيد الفهم وتعميم مقولات العقل العملي. 

                  أرجع كَنْتْ في كتابه نقد العقل الخالص، التصوّر الميتافيزيقي لمفهوم الله إلى رغبة الإنسان في إدراك الأصل الواحد للكون؛ إذ لا غرابة، عنده، أن ينتهي التعقّب المنطقي لفكرة أصل الكون الواحد، وتجسيده، إلى التصوّر التقليدي التوحيدي لله، الذي جهر كَنْتْ برفضه[10]. الأدعى إلى الانتباه، هنا، أن نظام وحدة الكون، الذي بلوره كَنْتْ، في سياق نقده للّاهوت الميتافيزيقي، فتح الباب أمام هيغل لوضع تأويلٍ مغايرٍ تماماً، في المسألة، اعتمد في صياغته على فلسفة بروكليس. استند كَنْتْ، أيضاً، على بروكليس في نقد الأطروحة القاضية بردِّ كائنات الوجود المتناهية إلى أصلٍ واحدٍ مجسّدٍ (=الله)، لكن الفرق بينهما (=كنتْ وهيغل) أن هيغل لم يستنتج، بالاعتماد على الفيلسوف نفسه (=بروكليس)، عين الخلاصات الكَنْتِيّة المشكّكة في قدرة الإنسان على إدراك المطلق.

4. دين الشعور عند شلايرماخر

                  دعا جاكوبي إلى حِفظِ الإيمان من التبريرات العقلانية، وبنائه على الشعور المباشر باليقين. لم يكن جاكوبي رومنسيا، لكنه أثّر في الرومنسيين، الذين اهتمّوا بدعوته إلى الشعور المباشر؛ وقد كان شلايرماخر -معاصر هيغل- واحداً من هؤلاء الرومنسيين المُهتمين بدعوة جاكوبي تلك.

                كان شلايرماخر عضواً في حلقة “الرومنسية المبكرة”، في برلين، رفقة فريديريك شليغل ونوفاليس. نشر في العام 1800 نصه الشهير حول الدين: خطاباتٌ إلى محتقريه من المثقفين. وهو نصٌّ موجّهٌ إلى العقلانيين الذين يسعون إلى تأسيس الشعور الديني على أساس العقل. في نظر شلايرماخر، لا ينبني الخطاب الديني على العقل النظري ولا على العقل الأخلاقي؛ بل على إحساسٍ يسبقُ الوعي التأملي، أشبه بالإدراك الجمالي للعالم. كان شلايرماخر متأُثراً، بالسبينوزية والأفلاطونية المُحدثة اللتان انتشرتا على نطاقٍ واسع في ألمانيا، في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الثامن عشر. لكنه تلقى الفلسفات تلك بطريقة أقرب إلى التصوّف منه إلى العقلانية؛ ففي التجربة الدينية، يُدرك المرء وحدته كفردٍ مع الوجود بأكمله، ويتعلم، حسب شلايرماخر، “الاعتماد المطلق” على حدسه المباشر. حين يتدخّل الوعي التأملي في المسألة (= التجربة الدينية)، ينسف الوحدة تلك؛ ويجعل الفرد يعتقد أنه ذاتٌ تقف في مواجهة العالم كموضوعٍ. حاول شلايرماخر، من خلال دعوته إلى الشعور الديني تجاوز كَنْتْ، مع الاحتفاظ بفكرة حدود العقل النظري.

                   انتقد هيغل ثيولوجيا شلايرماخر، وعارض الدعوة إلى تأسيس الشعور الديني، أو أي شعورٍ آخر، على القلب بدلاً من العقل. واعتبر أن الدعوة تلك، سليلة موقف كَنْتْ الذي يرفض بناء معرفة الله على العقل؛ لم يُعارض هيغل الاعتماد على الشعور المباشر في المعرفة، تماماً، بل عمل على وضعه في مكانه الصحيح داخل نظام العقل؛ فمفهوم العقل عنده يتّسع لدمج الشعور المباشر ضمن كلٍّ عقليٍّ أكبر. وهو في ذلك، يختلف عن مفهوم العقل عند كَنْتْ؛ المبنيّ على الإدراك الجاف المُناقض للشعور، والذي تنحصر مهمته في التنظيم المجرد، لا أكثر. لقد اشترك هيغل مع خصومه الرومنسيين في نقد مفهوم العقل عند كَنْتْ، ومحاولة تجاوز الحدود التي رسمها، هذا الأخير للأفكار الدينية، حين جعلها مجرد مسلماتٍ ذاتية.

5. تاريخية الروح عند هردر

             أدمج هيغل في نظامه الفلسفي تأويل المفكر الكبير هردر* للوجود البشري؛ الذي ينطلق من التحليل التاريخي الوراثي الفينومينولوجي للثقافة، وينتهي إلى أن الاختلاف بين الجماعات التاريخية ثقافيّ المصدر، مردّه إلى اختلاف العقليات، أو اختلاف أشكال الروح التي طبعت فنون الجماعات تلك، ومؤسساتها وأنماط تفكيرها. يتنابذ هذا التحليل مع ثنائية الروح والجسد، ولا غرابة في ذلك؛ فقد كان هردر، أيضاً، متأثّراً بمذهب وحدة الوجود عند سبينوزا. 

          لقد أحاط هيغل نسقه الفلسفي بإبهامٍ شديدٍ بعد أن أدرج ضمنه تصور هردر، ففي فكر هردر، نفسه، توترٌ بين تصورين اثنين للتاريخ؛ أولهما تنويريّ يعتبر التاريخ سرداً، يتحقق فيه العقل والإنسانية بشكلٍ تدريجي. وثانيهما نسبويّ يعتبر التاريخ صورة بانورامية تستوعب أشكالاً مختلفة من العقليات والحيوات الإنسانية. ينتهي هذا التصور النسبوي إلى أن أديان الأفراد وثقافاتهم، المُتنافسة، هي، في أفضل حالٍ، مجرد مظاهر تتساوى في التعبير عن بعض الحقائق الأبدية. ويمكن لهذا التصور النسبوي للتاريخ، أن يُفرز الفكرة القاضية أن الدين مجرد إنتاج تاريخي، يدّعي، بشكلٍ غير مشروعٍ، بعداً عالمياً. ولكن الجدل الهيغيلي لم يعجز عن استيعاب التصوّرين معاً، رغم التباين بينهما؛ ففي الجدل ذاك، ينجم التصوّر النسبويّ، الذي يختزل الدين في أحداثٍ تاريخيةٍ، عن اختزال العقل، نفسه، في مرحلة الفهم المتناهي. لقد تمكّن هيغل من التوفيق بين مواقف متباينة حول التاريخ، وهو أمرٌ لم يفلح أتباعه في تحقيقه، بعده.

            وَثَقَ هيغل في قدرة منطقه الجدلي على استيعاب التناقضات، وجعل العناصر المتباينة تلتئم وتتوافق في النهاية. من أجل فهم المسار الذي اقترحه في ذلك، لا بد من فحص تصوره للدين، انطلاقاً ممّا استخلصه من خطاب هردر حول “الروح”.

ثانياً: مكانة الدين داخل نظام الروح عند هيغل

                أبدى هيغل اهتماماً خاصّاً بالدين منذ أيام دراسته، حيث دارت أولى الكتابات التي ألّفها، بعد تخرجه من جامعة توبنغن، حول التناقض بين الأديان الشعبية اليونانية القديمة، التي اتسمت ب”الطبيعية”، وبين الدين المسيحيّ الذي تلاها، والذي اتسم ب”الإيجابية”[11]. تتميّز هذه الكتابات بالطابع الهيغيلي المعروف، إلا أنها لا تنتمي إلى مرحلة النضج، عنده. إذ لم تبدأ المرحلة تلك، إلا بإصدار فينومينولوجيا الروح، الذي نَظَمَه في إيينا، في العام 1807، وفيه انكشفت السّمات الأساسية لفكر هيغل. لفهمِ نظام الروح، الذي يسند فيه هيغل لكلِّ دينٍ دوراً مختلفاً، لا بدّ من اعتبار الطابع النسقيِّ الذي ميّز فكره، والذي تُعدُّ الفينومينولوجيا مُقدّمتهُ، وموسوعة العلوم الفلسفية بسطَهُ وتفصيلَهُ.

                   على غرار نظام الروح[12] نسج هيغل موسوعته؛ قسّم فيها الروح إلى: “روحٍ ذاتي”، “وروحٍ موضوعيٍّ” و”روحٍ مطلقٍ”؛ يتناسبُ الروح الذاتي مع مرحلة الفهم، بينما يتلاءمُ الروح الموضوعيّ مع تأويل هردر للتاريخ، ويتمظهر في التفسيرات الثقافية التي توجّه العمل وأشكال الحياة. تتمأسسُ التفسيرات تلك من خلال القواعد الأخلاقية؛ بفضل الأخلاق يولد الفرد ولادةً ثانيةً، يكتسب من خلالها طبيعةً ثانية: يكتسب فيها “الوعي بالذات”. تتجسد هذه البنية الأخلاقية (=الروح الموضوعي) في الوعي الذاتي الحي لدى كل فرد. وهو ما يُبيّن أن العقل الذاتيّ والموضوعيّ يستلزمان بعضهما البعض. وإن اختلفت بعض تجلّيات الروح عند هيغل عن تأويلات هردر، يظل التشابه بينهما واضحاً في ما يتعلق بالروح المطلق، الذي يُعتبر الدين أحد تجلّياته.

                     يتمظهر الروح المطلق، حسب كتابات النضج عند هيغل، في الفن والدين والفلسفة. يُقدم كل واحدٍ من هذه الأشكال الثلاثة المحتوى عينه، ولكن بأشكال مختلفة. أطلق هيغل على هذا المحتوى -على اختلاف تجلياته- اسم الله أو الفكرة. يختلف المحتوى ذاك باختلاف العوالم التاريخية والثقافية التي يتمظهر من خلالها؛ ويُعبّر (=محتوى الروح المطلق: الله أو الفكرة) في كل لحظةٍ من لحْظات تطوره عن مستوى التقدم الذي بلغته الثقافة التي تحمله، على المستوى التاريخي والمفاهيمي؛ في الفن مثلا، بما هو تجلٍّ من تجلّيات الروح المطلق؛ يختلف مفهوم التذوّق الجمالي في الثقافة اليونانية عن نظيره في الثقافة الحديثة، اختلافاً مردّه إلى التفاوت بين اللحظتين على المستوى التاريخي؛ عند اليونان كان الإدراك الحسّي معياراً للتذوّق الجمالي، أمّا في الثقافة الحديثة فقد صار التذوّق الجمالي عقليَّ المعيار.

                  يُقدم الدين محتواه (=الله أو الفكرة أو الروح المطلق) على شكل التخيّل أو السرد. والسرد شكلٌ من أشكال التجسيد، يتموقع بين الفن، في مرحلة التعبير عن الجمال الحسيّ المباشر، وبين الفلسفة، بما هي تفكيرٌ تأمّليٌّ في الطبيعة. يُدرج هيغل الأديان الفُلكلوريّة للعالم القديم في إطار الفن؛ إذ لم يُنظر إلى الفن والدين كميادين منفصلة، في تلك المرحلة من التاريخ، كما هي الحال في العالم الحديث. أما المسيحية، فتعبّر، عند هيغل، عن الشكل النموذجيّ للدين؛ حيث لا ينكشف الدينيّ في العالم انكشافاً حسّيّا مباشراً، بل هو فكرةٌ تُسْتدعَى دوماً عن طريق الحكي، لتُرَسَّخ في ذاكرة الجماعة. في الدين يرتبط الحكي بالإيمان ارتباطاً وثيقاً؛ يجسد الحكي المحتوى الديني (=الله) بشكلٍ رمزيٍّ تمثيليّ، أما الإيمان فيحفظ المحتوى (=الله) ذاك في الذاكرة الجماعية؛ “الإيمان… شيء ذاتيٌّ يُخالف المعرفة الموضوعية”، دافعه الوحيد هو السلطة الرمزية؛ فالفرد يؤمن لوجود أشخاصٍ آخرين، يثق فيهم، ويُقدّرهم، يؤمنون بالفكرة عينها. بخلاف الإيمان، تتأسس المعرفة الحقيقية على أسسٍ موضوعيةٍ تُمثلها المفاهيم بما هي وسائطٌ فكرية؛ تسمح باستنتاج شيءٍ من آخر، وربط تعيُّنٍ أو تمظهُرٍ بآخر. التفكير المفاهيميُّ تفكيرٌ عقلانيٌّ يُجسد واقعاً موضوعياً؛ بناءً عليه، لا تتحقق الحياة العقلانية إلا داخل الجماعة التي تتوفر فيها شروط العقلانية، وعلى رأسها التخلي عن السلطة التقليدية في تنظيم الفعل والمعتقد. 

                   بالنسبة إلى هيغل، انعكست العقلانية في المجتمع الحديث، الذي عرف تغييرات جذرية، ليس أقلّها تسييد العقل الإنساني والحرية بدلاً من السلط التقليدية. امتدّ تأثير ذلك إلى المسيحية الأرثوذوكسية التي تحوّلت إلى تفكيرٍ أكثر عقلانية. وسواءٌ عبّر هذا الشكل الحديث من الحياة عن تطوّرٍ في المسيحية، أو تحوّلٍ إلى نمط حياة ما بعد ديني واضح، تبقى القضية التي شطرت قرّاء هيغل، بعد وفاته، مُبهمةً؛ من جهةٍ تجد هيغل شديد الاهتمام بالتوفيق بين العقل والإيمان[13]، ومن جهةٍ أخرى تجده يُرجّح كفة العقل ويعتبره أحق الطرفان بالسلطة النهائية. ويعتبر أن الفلسفة تحظى بأسبقيةٍ على الفكر الديني لأنها أقدر على القبض على المفهوم في الفكر؛ الفلسفة، عنده، تفهم ذاتها وتفهم الدين معاً، فيما يُدرك الدين ذاته فقط، ويعجز عن تجاوز ذلك إلى مستوى الفلسفة أو مستوى المفاهيم بما هي تجسيدٌ للفكر الكوني.

ثالثاً: دين الفلاسفة

                       يدلّ الدور المحوري الذي تلعبه الفلسفة في تحديد وضع الدين، على أن إله هيغل يُشبه ما سمّاه باسكال، مُنتقداً “إله الفلاسفة”؛ لفهم تأمّل هيغل في إلهه المسيحي، لا بدّ من استحضار نقيضه: الفكر الثيولوجي اليوناني؛ اختتم هيغل فلسفة الروح باقتباسٍ من وصف أرسطو للفكر الديني، ورد في الفصل التاسع من الكتاب الثاني عشر من الميتافيزيقا. في الاقتباس ذاك تدل كلمة “Theos” ثيوس على التفكير الخالص، غير الموجّه نحو أي موضوعٍ مستقلٍّ بذاته؛ لا موضوع لهذا التفكير المجرّد غير ذاته؛ التفكير الديني هو تفكيرٌ في التفكير نفسه. وجد هيغل في التصوّر الأرسطي للتفكير الخالص في الفكر الديني، بديلاً عن المفهوم الأفلاطوني “للفكرة”؛ فهذا الأخير يفتقر إلى مبدأي الحياة والذاتية؛ عند أفلاطون، تتطابق الفكرة المجردة مع ذاتها، فقط، أما عند أرسطو، فيُعادُ بناء لحظة النفي؛ ولا يُنظر إليها كتغيير أو كنفي، بل كتعيينٍ. يتوافق هذا التصور الأرسطي لفكرة الله، مع ما أكّده هيغل في تقديم كتابه فينومينولوجيا الروح، في معرض نقده فكرة وحدة الوجود عند سبينوزا، حين اعتبر أن الجوهر الحيّ… يكمن في الموضوع الحقيقي… في النفي البسيط الخالص.

                  لا يهمنا البحث في رجاحة تأويل هيغل لمذهب أرسطو، بقدر ما يهمنا التنبيه إلى أن هذا البعد التأملي (=Theos التفكير الخالص في التفكير نفسه) عند أرسطو، هو الذي شدّ انتباه هيغل إلى البحث عن أثر الأرسطية في نظرياتٍ فلسفيةٍ لاحقةٍ؛ فقد أثرت الأرسطية في أكثر أشكال الفكر اليونانيّ تقدّماً: الأفلاطونية المُحدثة، خصوصا مع بروكليس. كما ظهرت أمارات الأرسطية في تأويلات الثالوث، ولا غرابة في ذلك، فاللاهوت المسيحي متأثر بالأفلاطونية المُحدثة. وظهر أثر أرسطو، كذلك، في التصوّرات ما بعد الكنتية المتعلقة بالذاتية الفردانية، خصوصاً مع فيشته حيث لم يعد يُنظر إلى التفكير كجوهرٍ، بل كنشاط يُوحّد تعدد موضوعات الوعي المتعددة. بلغت جدلية الواحد والمتعدد، – في الفكر القديم- المستوى الأكثر تقدّماً مع بروكليس، وهو ما استثمره فيشته، حيث أعاد بناء الجدلية تلك لتتناسب مع مفهوم الوعي الفرداني الفعليّ[14]، عنده.       

                    ظهر ميل هيغل إلى الديانات الشعبية “الطبيعية” في اليونان، المعارضة للدين المسيحيّ، منذ الكتابات الأولى التي ألفها، بعد تخرجه من جامعة توبنغن. لكنه انتقل، في ما بعد، إلى بناء موقفٍ أكثر إيجابية عن الدين المسيحي. وقد كان انتقاله من إله أرسطو إلى الإله المسيحيّ شديد الدلالة، في هذا الإطار؛ ففيما اكتفى إله أرسطو -الثيوس Theos- بنشاط الفكر الخالص، تخلى الإله المسيحي عن هذا الاكتفاء الخالص، السعيد، بالتفكير، وخرج إلى المجال الموضوعي، المؤلم، المتناهي؛ في المسيحية صار الإله إنساناً، ولولا الصيرورة تلك ما حقق وعيه بذاته كإله. يشير هذا القول إلى شرط الوعي بالذات (=الاعتراف) الذي ذكره هيغل في فينومينولوجيا الروح، حين أكد أن الوعي بالذات، يتحقق في ذاته ولذاته، عندما يتحقّق، أيضاً، بالنسبة إلى طرف آخر، أي عندما يصير معترفاً به. ليصير الله إلهاً كاملاً، يجب أن يخرج من ذاته ويتحوّل إلى إنسان ثم يعترف، من موقعه كإنسان بالله. هذا ما عبر عنه هيغل، من دون مواربةٍ، حين قال أن الله لا يكون إلهاً إلا حين يتعرف على نفسه؛ وعيه بذاته هو، عينه، وعي الإنسان بذاته ومعرفته (=الإنسان) بالله، التي تمكّنه من التعرف على ذاته في الله. الأدعى إلى الانتباه، في هذا السياق، أن الإله حين تحول إلى إنسان، حُكم عليه بالموت.  وموت الإنسان-الإله يسوع، يدل على أن الإله لا يمكن أن يعيش إلا على هيئة الطرف الثالث في الثالوث: “روحاً” قُدُساً، يتمظهر في أشكال الوعي، وفي الطقوس الدينية لدى الجماعة المسيحية.

             تتبيّن مما سبق، مواطن الالتباس في لاهوت هيغل؛ هل يجوز، حسب الكتاب المقدس، فهم ألوهية يسوع على أنها محض تعيينٍ للظروف التاريخية التي تمكّن إله أرسطو (=Theos: نشاط الفكر الخالص) من التمظهر عبر البشر؟ هل سعى هيغل من خلال فلسفته في الدين، فقط، إلى اكتشاف الشروط المعرفية والاجتماعية لتطوّر الوعي بالذات والعقل؟ وراء سؤالٍ كهذا تختبئ قراءةٌ شديدة الانحياز إلى اليسار الهيغيليّ. لكن حاجة إله هيغل إلى الاعتراف، وإن دلّت على محايثته للدنيويّ، لا تبرّر اختزاله في أي شكلٍ من أشكال الإسقاط البشري. يحلّ إله هيغل، بما هو روحٌ، في الممارسات التي تُعبٍّر عن الاعتراف -كالاعتراف بالذنب والصفح عنه-؛ لكن الممارسات تلك، لا تسمو إلى المنزلة المعيارية من دون اعتراف الأفراد بالروح الإلهي الساكن فيها. وُزّع عقل الله، في فلسفة هيغل، عبر عقول الكائنات البشرية المتناهية، وارتبط بأفعال الكائنات المتناهية تلك، ارتباطاً وثيقاً؛ لا تُقلَّصُ قيمته فيُعتبر عقلاً مجرداً، ولا يُختزل في فكرةٍ خياليةٍ. ويثير أسئلةً معقدة ومثيرةً للجدل. هي، كغيرها من الأسئلة التي تثيرها فلسفة الدين عند هيغل، ترتبط ارتباطاً لا يمكن فكه بالأسئلة المُعقدة التي تثيرها فلسفته بشكلٍ عامٍّ.

المصدر


·  أستاذة جامعية بشعبة الفلسفة، جامعة الحسن الثاني – الدار البيضاء.

*  الهوامش، جميعها، من عند المترجمة، أما في المتن، فكل ما ورد بين عارضتين – – من عند الكاتب، وكل ما ورد بين معقوفتين [ ] من عند المترجمة.

[2] صلاح الدين بن أيبك الصفدي، الغيث المُسجّم في شرح لامية العجم. ج1 (القاهرة: المطبعة الأزهرية، 1305)، ص46. انظر كذلك: علي بن إبراهيم الحمد النملة، النقل والتعريب في الحضارة الإسلامية. ط3 (الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 2006)، ص20،21.

[3] Jean-Philippe Deranty, «Hegel’s metaphysics as hermeneutics». In: PARRHESIA: A journal of critical philosophy. N° 11, )2011), p80.

[4] كان ديفيد ستراوس أحد تلاميذ هيغل، استعان بفلسفة أستاذه في دراساته حول المسيحية؛ أثارت الدراسات تلك ضجة كبيرةً، لأنها حوّلت أصول الدين المسيحيّ إلى حوادث أسطورية من صنع الخيال. انظر تفاصيل الموضوع في:

François BONIFAS, « La théologie en Allemagne : au dix-neuvième siècle ». In : Revue Théologique, )recueil trimestriel, V1, 1877), p277.

[5]  اعتبر رجال الدين، حينها، مذهب وحدة الوجود، عند سبينوزا، مروقاً عن الدين، لأن سبينوزا إذ يُعلن عن الوحدة بين الله والعالم، ينسب إلى الله عيوب العالم ونقائصه. انظر في ذلك:

Jules SIMON, La religion naturelle. (Paris : LIBRAIRIE DE L. HACHETTE, 1856), p119.

 انظر فصلاً مُميّزاً، يتناول راديكالية اليسار الهيغيلي، على المُستويين الديني والسياسي، في الصفحات التالية: [6]

G. A. Heinrich, Histoire de la Littérature Allemande. (Paris : ERNESTE LEROUX, 1891), de p334 à p343.

[7]  كان هيغل شديد التشديد على استحالة فهم مضامين فلسفته إن هي جُرّدت عن المنطق الذي يحكمها، يقول في تمهيد كتابه أصول فلسفة الحق: “أودّ أن يُنظَر في هذا المؤلف ويُحكَم عليه بأخذ هذا البعد –بعد التسلسل المنطقي والترابط المنهجي– بعين الاعتبار، لأن الأمر هنا يتعلق بالعلم، وفي العلم يرتبط الشكل بالمضمون ارتباطاً وثيقاً”. انظر:

Hegel, Principes de la philosophie du droit, trad. André Kaan. T3 (Paris : tel Gallimard, 1940), p28.

[8]  انظر موقف كنت القاضي باستحالة التأكيد، عقليا على وجود الله، في الصفحات التالية

Emmanuel KANT, Critique de la raison pure. Tard : Jules BARNI. Tome 2 (paris : Germer-Bailliére, 1869), De p185 à p228.

*  الحديث، هنا، عن الأنواري الألماني غوتولد إفرام ليسينغ، Gotthold Ephraim Lessing (1729،1781).

*  الحديث، هنا، عن الألمانيّ فريديريك هاينريش جاكوبي Friedrich Heinrich Jacobi، (1734،1819).

[9]  المعتقدات المعيارية، هي المعتقدات المرجعية (قد تكون دينيةً أو دنيوية) التي يستمد منها الفرد المعايير المُوجّهة للسلوك. انظر الدراسة المُحكّمة التالية:

Roberto Frega, « Les pratiques normatives : repenser la normativité entre philosophie et sciences sociales ». In : SociologieS, Dossiers, Pragmatisme et sciences sociales : explorations, enquêtes, expérimentations (Mis en ligne le 23 février 2015).

*  نسبة إلى الفيلسوف الانجليزي ديفيد هيوم، (1711-1776).

*  المعلم إكهارت Meister Eckhart فيلسوف وعالم لاهوت ألماني، (1260-1328).

*  استخدم الكاتب هنا اسم Nicholas of Cusa وهو لقبٌ أطلق على الثيولوجي الألماني نيكولا كريب Nicolas Krebs (1401-1464)، نسبةً إلى المدينة التي وُلد فيها بيرنكاستل كويز Bernkastel-Kues. إن تُرجمت إلى العربية “نيكولا من كويز” سيبدو الاسم غريبا، لذلك ارتأيت تعويض اللقب باسمه الشخصي “نيكولا كريب”.

* يعقوب بوهمه Jakob Böhme فيلسوف وعالم ثيولوجيا ألماني (1575-1624).

[10] اعتبر كنت، في كتابه نقد العقل الخالص، أن العقل حين يتطلّع إلى تأكيد وجود الله “يبسط أجنحته، ويتعالى على العالم المحسوس، من خلال التأمل النظريّ، ولكن، من دون جدوى”. انظر:

Emmanuel KANT, Critique de la raison pure. Trad : Jules BARNI. Tome 2 (paris : Germer-Bailliére, 1869), p184.

*  يوهان غوتفريد هردرJohann Gottfried Herder ، فيلسوف وعالم لاهوت ألماني، عاصر هيغل، (1744-1803).

 انظر مفهوم “الدين الإيجابي” عند هيغل، في مطلع دراسة بول ريكور، المُمَيّزة، التالية: [11]

Paul RICOEUR, « le statut de la Vorstellung dans la philosophie hégélienne de la religion ». In : Qu’est-ce que Dieu ? Philosophie/Théologie. Hommage à l’abbé Daniel Coppieters de Gibson (1929-1983). (Bruxelles : Presses de l’Université Saint-Louis, 1985).

 [12]  في محاضراته في فلسفة التاريخ، في معرض الحديث عن تمظهر الروح القدس في الإنسان، شبّه هيغل مفهوم الروح بمادة الفوسفور. يقول:

« Cet esprit vivant de l’homme est en quelque sort le phosphore, la matière impressionnable, inflammable qu’on peut allumer de l’extérieur et de l’intérieur…  Si l’esprit n’avait pas en lui ce phosphore de l’essence, il n’y aurait ni religion, ni sentiment, ni pressentiment, et par suite nulle connaissance de dieu ; et alors l’esprit divin ne serait pas ce qu’il est ; l’universel en soi et pour soi ». G. W. F. Hegel, Leçons sur la philosophie de l’histoire : introduction ; Système et histoire de la philosophie. Trad : J. Gibelin. (Paris : Gallimard, 1954), p210, 211.

نعتقد أن هذا التشبيه شديد الدلالة؛ إضافةً إلى أن الفوسفور شرطٌ ضروريّ للحياة، هو لا يوجد بشكلٍ حرٍّ في الطبيعة، بل يدخل في تركيباتٍ كيميائية، كذلك الروح عند هيغل، لا يوجد منفصلاً بل يتمظهر، عبر التاريخ، في: الفن والدين والفلسفة. يُذكر أن اسم Phosphoros يعود إلى اللغة اللاتينية، معناه: جالب الضوء، وكان يُطلق على كوكب الزهرة.

[13]  لن يجد الباحث(ة) في إشكالية العلاقة بين الدين والفلسفة عند هيغل، أبسط ممّا قدّمه في الصفحات التالية، في محاضراته في تاريخ الفلسفة:

G. W. F. Hegel, Leçons sur la philosophie de l’histoire : introduction ; Système et histoire de la philosophie. P202,221.

انظر، أيضاً:

هيغل، محاضرات في تاريخ الفلسفة: مقدمة حول منظومة الفلسفة وتاريخها. ترجمة خليل أحمد خليل. ط2 بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، من ص146 إلى ص186.

انظر كذلك، فصلاً بسيطاً، واضحاً، لجوزيف ويلم، عن العلاقة بين الدين والفلسفة عند هيغل، في الصفحات التالية:

Joseph WILLM, Essai sur la philosophie de Hegel. (Strasbourg : F.G Levrault, 1836), pp 64-77.

[14] يُذكر أن هيغل انتقد مفهوم الوعي الفرداني الفعلي، عند فيشته، لاتسامه بالتناهي؛ فهو لا يتجاوز مرحلة التعارض بين الذاتية والكونية، إلى مستوى التوحيد بينهما. وقد انعكست رؤيته المتناهية تلك على تصوّره للدولة، فلم يُدرك منها، غير الجانب القانوني؛ من دون أن يتفطّن إلى أنها جوهرٌ كليٌّ تتحقق عبره حريات الأفراد. انظر هذه التفاصيل في:

Joseph WILLM, Histoire de la philosophie Allemande : Depuis Kant jusqu’à Hegel. T4, (Paris : librairie philosophique de Ladrange, 1849), p100.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك