الوسم: العنف

  • الدين والعنف

    الدين والعنف

    الكاتبهنت دي فريس
    ترجمةنوفل الحاج لطيف

    مقدمة: الإرهاب الديني

    يتساءل هذا الكتاب حول ما إذا كان مفهوم العنف يمكن أن يساعد بالضرورة على تمثل أو أن يضلل ارتباطاتنا وقراراتنا الأخلاقية والسياسية، وأكثر من ذلك وعينا بهويّاتنا ماضيا وحاضرا، جماعيا وفرديا ذلك أن فكرة العـــنف هي في الآن ذاته إمبيريقية، وبطريقة معينة، متعالية أو ميتافيزيقية تنتمي إلى عالم ينتسب تقليديا إلى الما قبلي، وإلى العقلي أو النومينال (كما يقول كانط)، وباختصار إلى المثالية والتمجيد على حد السواء. فالعنف في كل الحالات، في أتم معنى الكلمة، أيّا كان سببه، ومهما كان استعمالا للقوة مبررا أو غير مشروع، هو تعدي-جسدي أو بأي شكل كان-لشيء (حدث أو واقعة، جماعة أو فرد، وربما، كلمة أو شيء) على شيء آخر. وبالتالي فإن تعريف العنف يجد نموذجه الأول –مصدره، قوته والقوة المضادة له – في العناصر الأساسية للتقليد الدّيني كما نسميه عادة. ويمكن أن يعدّ من العناصر الجوهرية المكونة للدين. حتى يبدو وكأنه لا يخلو دين من عنف، وأن العنف ديني بالأساس.

    ثمة طريقة واحدة لصياغة ذلك وتتمثل فيما يلي: “الدين” هو علاقة بين ذات (أو ذوات) وذات أخرى – أو ذوات أخرى –علاقةٌ لا تنغلق على نفسها في مفهوم كلّي كما يقول بذلك ليفيناس (أو أنها لا تفعل ذلك إلا بشكل تعسفي، أي بواسطة العنف)، وبالتالي فإن الدين في جزء منه، على الأقل، لا يمت بصلة للاستقلالية الإنسانية والقرار الإرادي، وما إلى ذلك. وعلى هذا النحو يكون ”الدين” هو آخر –الآخر-العنف. إنّه يستحضر صورته المضادّة، نقيضه، الفداء والنقد[1]. فلا يوجد أي تناقض هنا (أو إن كان لا مفرّ منه) ذلك أنّ آخر (أو الآخر) العنف هو العنف، أو لا يزال كذلك عنفا بمعنى آخر للكلمة.

    يبدو التصدّي إلى العنف في علاقته بالدّين وفي جميع تعقيدات جذروه البعيدة ووسائطه وآثاره مشروعا أساسيّا لعديد الأسباب. ويكشف تحليل فلسفي مقارن خاطف للمفاهيم المختلفة للأخلاق والسياسة في النقاشات الأخيرة بشأن التعددية الثقافية والمواطنة، والهجرة، والديمقراطية عن افتراض غير معلن: ترتبط النشأة الحديثة وكذلك التحول المعاصر للفضاء العمومي– كما أشرنا إلى ذلك من قبل -بتغيير الدور الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي لعبه الدين. وتبين هذه المناقشات أنّ الدين، لم يعد قادرا -وربما لم يكن كذلك-على النفاذ إلى مجال الخصوصية والضمير الفردي. ولكن مع بعض الاستثناءات القليلة يبدو أنّ أولئك الذين كان لهم دورا رئيسيا في الأطروحات المركزية لهذه المناقشات-سواء صنفوا أنفسهم ضمن تقاليد النظرية النقدية، والليبرالية، والجماعتيّة، والأرسطية الجديدة، والبراغماتية المحدثة، أو ما بعد البنيوية-لا يرغبون في أن يكون للدين أكثر من وظيفة هامشية في الدستور، وتعريفه، وإعادة تعريف للفضاء العمومي[2]. واجمالا، فإنّ جميع المساهمين في هذه المناقشات يتفقون على أن الفضاء العمومي يتنزل في سياق الحداثة من خلال الانخراط في تحديد معنى الرقابة وأشكال ممارستها وحرية التعبير، خاصة في ضوء مسألة التسامح الديني.

    لعل أهم ما يثير خشيتي بشكل رئيسي هو تقديم تحليلٍ فلسفيٍّ لنشأة الفضاء العمومي وصياغتها مفهوميا حديثا كما في مفتتح كتابات كانط حول الدين (خصوصا علاقته بسيادة الدولة الحديثة وبمؤسساتها، وخاصة الجامعة). ولم يكن هذا السياق الوحيد الذي طوّر فيه كانط أفكاره حول الشر الجذري، وإنما أيضا، في ”الملاحظات العامة” التي تلخص مختلف الأقسام الأربعة لـكتاب الدين في حدود مجرد العقل، حيث يمكن للمرء أن يكتشف، كما يشير ستانلي كافيل في كتابه زعم العقل، “نظرية عامة في اللاعقلانية، وتفسيرا منهجيا لما هو بصدد التحول، في هذه النظرية، لتكون بمثابة مجموعة كاملة من الظواهر، تمثل كل واحدة منها تشويها معينا للعقل البشري”. ويضيف كافيل: “وتتكون هذه المجموعة من أربعة عناصر وهي حسب كانط: التعصب والخرافة والوهم والشعوذة. ومن بين التوضيحات نذكر اقتراحها ضمنيا –كما يمكن أن نتصور ذلك-علاجا للفاوستية [على حد تعبير كافيل: ”الرغبة في التخلص من الشروط الإنسانية للمعرفة”] وللريبية في الآن ذاته”[3].

    لازالت الأمور أكثر تعقيدا. فمن ناحية، تخطو ظاهراتية كانط للأشكال الأولية للحياة الدينية خطوة حاسمة تتجاوز المعايير المحددة التي تفترضها النقود الثلاثة الأولى. وبريبية أكثر، ينطلق كانط من مشكلة الشر الجذري ويبيّن تواليا أنّ هذا الشر يتعذر استئصاله وأنّه يمكن أن يقضي بشكل متزايد، لا فقط على كل المحاولات الفردية بل والجماعية أيضا لتصحيحه أو احتوائه. وهكذا يُصوَّرُ تاريخ البشرية كما لو كان سلسلة من وسائل اجتماعية وسياسية فاشلة ولاعقلانية من أي وقت مضى خدمة للخير وإنشاء ”مملكة الغايات”.  فالكنائس المرئية (الأشكال الإمبيريقية للديانات المنزلة أو الوضعية عبر التاريخ) والطوائف المعارضة لها لا تعكس البتة الكنيسة غير المرئية (شكل الأشكال، ديانة، وأخلاق قويمة) دون تشويه. وأكثر من ذلك، يدفع نموها المتسارع مجيء هذه المملكة أبعد وأبعد، إلى مستقبل أكثر بعدا وغير آمن من أي وقت مضى. وكلما اقتربت أكثر، كلّما تأجل ذلك أكثر، وبقدر ما تُطاع أكثر بقدر ما تُخان أكثر، كما لو كان مبدأ الوضوح والخاصية الإمبيريقية في خلاف مستمر وحتى متنامي، بل كما لو كانا في حالة حرب.

    ومن ناحية أخرى، يلعب الدين، حسب كانط، دورا تصحيحا حاسما (بمعنى الترياق) في مواجهة كل مظاهر التشويه والتسمم المتزايدة التي بدأت تطفو على السطح فيما يبدو. فالدين -على نحو أدق، هو المعنى الخالص والأساسي أو المتعالي لعبادة روحيّةٍ فضلاً عن كونه لاهوتا عقلانيا-يحرّض ضد التدين الذي تلوث وتعفن أو يكاد في جميع أشكاله التاريخية (بما في ذلك أشكالا مسيحية معينة) حتى صار كما وصفه كانط في عبارة بليغة “خليطا هجينا من الوثنية”. ويعكس هذا التعبير ما مثل، بالنسبة لكانط على الأقل، في كتاباته حول الدين واللاهوت التوراتي والعقائدي بشكل واضح وخاصة الدين في حدود مجرد العقل وصراع الكليات، لا فقط أشكال الحد بل أيضا العنصر الأساسي والوسيط أو الوساطة للفلسفي والعقلاني، والعام، وإذن للحقيقة.  ويقاوم الدين، وليس فقط الدين العقلي (أو ما يكون مرادفا للأخلاق: مرادفا للفلسفي، والكلي الحقيقي، في مجال الفعل الإنساني) ولكن الدين، في تشكله التاريخي والسياسي، وباختصار تشكله الإمبيريقي، وكما يقول كانط الوحي ”مملكة الغايات”، وأيضا، يمنحها الوجود شأنه في ذلك شأن غاياته هو وهنا عين المفارقة. 

    وهكذا يعتقد كانط فعلا أن الحداثة لا تحول، مرة واحدة، جميع مقولات الدين (جميع أوجه الفكر والأجهزة البلاغية ومفاهيم وأشكال الالتزام، وممارسات الطقوس، وما إلى ذلك) إلى مقولات بالية. على العكس من ذلك، حتى هنا لم يعد ممكنا تحديد ”الديني” كمنظومة متكاملة ومقنعة للاعتقاد، أو بصورة غير مباشرة، كطريقة بناء سرديّة للحياة، لأنها توفر مصطلحات نقدية ومصادر جدلية، والصور الجريئة اللازمة لتحليل الثقافة المعاصرة بنجاح. وبعبارة أخرى، ما وراء طلبها لآخر ما توصلت إليه العلوم الاجتماعية الإمبيريقية أو إلى الأدوات النظرية الأكثر تقدما التي يوفرها التحليل الفلسفي والدراسات الأدبية والثقافية، فإنّ الدراسة المقارنة للدين المعاصر يجب أن تعيد صياغة هذه المصطلحات النقدية والظواهر الملموسة التي تستند إليها في ضوء التقاليد التاريخية والمعيشة التي تسعى إلى فهمها.

    صارت هذه المهمة المزدوجة أكثر وضوحا من أي موضع أخر قياسا لما هو عليه الحال في محاولة فهم الترتيبات السياسية والمؤسساتية التي تنظم المجتمعات الديمقراطية الليبرالية الحديثة بواسطتها التفاعل بين مواطنيها، وبينهم وبين ”الآخرين” (الأجانب المقيمون بصفة قانونية، ومواطني الدول الأخرى، المهاجرون واللاجئون، وأولئك الذين لا يملكون وثائق إقامة، وغيرهم). وتمتد هذه الممارسة المتغيرة لأشكال التنظيم إلى العلاقة بين الكائنات البشرية الحية وكائنات أخرى غيرها أيضا: الموتى، والذين لم يولدوا بعد، والكائنات الحية غير البشرية. وبطبيعة الحال، قد يشكل الصناعي والافتراضي، أو كل ما نعتبره تكنولوجيا مغايرا-أو، بحسب هذا التصنيف، مختلف الأغيار الذين لا ينتسبون إلى هذه الأصناف-يوما ما تحديا لهذه المتمايزات، كما في هو الحال في خيال وفي التجارب الفكرية للفلاسفة والمؤلفين والمخرجين السينمائيين. ولنا أن نهتدي في هذا الصدد بأفكار كانط حول الضيافة الكوسموسياسية. فمن حيث المبدأ، يتعيّن على فلسفته في التاريخ والانعتاق الذي لا هوادة فيه من الشر الجذري الذي تفترضه أن تشمل الجميع –بما في ذلك أيضا الكائنات غير البشرية-الفاعلون الأخلاقيون: الملائكة، الأوتوماتا، وما شابه ذلك. ولكن ما الذي جعل كانطيتردد، إذن، في استخلاص ما قد يترتب عن ملاحظاته تلك من نتائج؟

    في إطار محاولة تعيين العودة إلى الدين وتضخيمها، يسعى هذا الكتاب لتمييز وتحديد دافع بعينه للرعب الديني. ويتعرضكيركيغارد لهذا المصطلح في كتابه خوف ورعدة، ضمن تحليل بارع حول كيفية تحديد ملامح الأخلاقي والسياسي –كما صيغت بعد التأويل الكانطي (والهيغلي)-على ضوء التصور الديني. يعني بهذا صاحب السيادة، والمطلق، (من وجهة نظرنا البشرية المحدودة) والفعل التعسفي القطعي للإرادة الإلهية، لمظهر ونموذج يبدو – في عالم الظهور-جزءا لا يمكن فصله عن أقل تشويه مطلق لهم. أفترض أن كل آخر هو كل آخر، الذي كتب عنه كيركيغارد بكثير من العنف حيث عنى به الشيطاني في خوف ورعدة. وبشكل عام، تظهر نفس الفكرة أيضا عندما، يتحدث عن القلق واليأس في مؤلفيه مفهوم القلق والمرض حتى الموت، وكلاهما سيمكناننا من اعتبار وجهة النظر الكانطية أكثر راديكالية.

    أزعم أننا لسنا بعيدين في هذا الصدد، عن الغضب الإلهي الذي شدد عليه كل من والتر بنيامين وميشيل دي سارتو. وعلاوة على ذلك، فإننا نجد هذه الأفكار في نص دريدا قوة القانون: “الأساس الخفي للسلطة”. وكما سنتبيّن ذلك، فقد كان لها وقعها في عرضه للعلاقة بين الضيافة والعداء (مرة أخرى في أعقاب كانط، ليفيناس، وشميت). ويتحدث دريدا-الذي تمثل كاتباته حول المؤلفين المذكورين أعلاه نقطة انطلاقي، وإن كنت استخدم بعضا من تحليلاته في اتجاهات قد لا تتوافق مع ذهب إليه-عن الضرورة الملحة للوعي بـ ”تاريخ الشر الجذري وبأشكاله التي لا يمكن أن تكون مجرد أشكال وتلك التي تخترع دائما شرّا جديدا، وهذا هو الشر في أكمل صوره” “الإيمان والمعرفة” 9/18). وقد ورد هذا المقطع في “الإيمان والمعرفة: مصدرين لـلدين في حدود مجرد العقل”، وهو نص يتضمن مناقشة دريداالأكثر وضوحا حتى الآنللدين.

    وفي سياق مختلف[4]، فقد اكتشفت من خلال بعض تبعات فرضية دريدا، وقد عُرضت في هذا المقال أيضا، أن ”العودة إلى الديني” ارتبطت ارتباطا وثيقا بظهور أنماط الإنجاز التي نلاحظها في التكنولوجيات الحديثة وبواسطتها. وهنا أريد أن أعود مرة أخرى إلى هذا النص لتقصي فكرته المركزية عن الشر الجذري، تلك التي لا تنفصل إمكانياته النظرية والتطبيقية، كما يزعم دريدا، عن التجريد أو القطع مع الهوية الوطنية الذي يعزى غالبا إلى الدين (وخصوصا في طابعه السالب-، أي السلبية اللاهوتية)، وكذلك إلى القطع مع الخصوصية المحلية الذي يعزى إلى وسائل الإعلام الجديدة. وتتطلب فكرة الشر الجذري الانطلاق من مناقشة هذه الأولوية المطلقة في كتاب كانط الدين في حدود مجرد العقل، لأسباب عديدة اعتبارا للإشارة الصريحة في العنوان الفرعي لمقال دريدا.

    ولكن ما ذا يعني ”تاريخ” ”شر جذري” – أعني أيضا غير الإمبيريقي، المتعالي، وحتى المطلق؟ وتحديدا كيف يمكن أن يرتبط بتاريخ الدين وبالغضب الإلهي بما لا يقل عن الارتباط الثيودسيا والايمان بالآخرة وبنهاية العالم والخلاص؟ وفي مستوى من كتابه الآخر بوصفه كينونة أو ما وراء الجوهر، يتحدث ليفيناس عن مهمة بناء ”تاريخ الوجه”. ولكن تغير الأزمنة بحيث يعد هناك تعارض حقيقي بين كتابة تاريخ الوجه (كما حاول ليفيناس أكثر من أي شخص آخر) وبين تاريخ أسوء أشكال العنف (كما أقدم على ذلك ليفيناس مرة واحدة وفي الآن ذاته). وربما لم يوجد قط. وفي الواقع، وهو الامكانية الظاهرة، إن لم تكن حقيقة ملموسة، فإنّ العنف والسعي إلى وقفه لا ينفصلان. وأنماط ظهوره واحتوائه ليست سوى وجهان لعملة واحدة.

    سأقتفي في الفصل الأول من هذا الكتاب أثر دريدا في بعض خطواته بعناية، في كتابه البارز عن الحق في الفلسفة، فيما يتعلق بالتفكيكية النظرية والعملية للمؤسسة الحديثة، وخاصة المؤسسة الأكاديمية، والجامعة من حيث هي تقدم نفسها كتعبير عن فكرة كانط الفلسفية أو العقلية على وجه الخصوص. فهذا الكتاب يسعى إلى تسليط الضوء على الصعوبات التي يصادفها المرء عندما يطرح السؤال حول المؤسسة ومأسستها، وحول الأرضية المشتركة بين المؤسسات وأساسها أو تأسيسها، ومسوغاتها وغاياتها. يعرض دريدا في المقالات الرئيسية من مجلده قراءته للدين في حدود مجرد العقل وصراع الكليات، أعمال لم تحظ بنفس الاهتمام في الدراسات الحديثة مثل النقود الثلاثة. في حين كانت سخرت النقود في الغالب لاستيعاب مشروع كانط الفلسفي الأكثر نسقية ونضجا، وربما المشفوعة فقط ببعض المقالات الصغيرة حول التاريخ التي اعتبرها بعض الدارسين ”نقد رابعا” للمقولات، فإنّ الكتابات حول الدين لم تقدر حق قدرها من الناحية النظرية[5]. تتناول هذه النصوص وتشذب من جديد مفهوم الدين الأخلاقي في اصطلاحيته، على النحو الذي قدمته الكتابات النقدية وتفترضه المقالات حول فلسفة التاريخ. إنها تركز على علاقته المعقدة والمربكة بالأشكال الإمبيريقية لديانات “الوحي” تاريخيا، وهذا يعني، علاقته بالمجتمع، والسياسية، والدولة، والكنيسة، والناس، والطوائف والحركات والنخب، وما إلى ذلك.

    ينخرط صراع الكليات في مناقشة هذه المسألة ضمن علاقة الصراع التي لا يمكن تفاديها بين الكلية الفلسفية “الدنيا” في الجامعة الحديثة والكليات “العليا” (خاصة اللاهوت، ولكن أيضا القانون والطب)، التي تعكس الاهتمامات المباشرة للدولة القومية. وأزعم أن المسألة تتعلق هنا بما هو أكثر من الدفاع عن استقلال أو نقاء انضباط الفلسفة، وبالتالي نقاء العقل: في الواقع، يشذب كانط نظرية معقدة ومربكة إلى أقصى حد في التسامح والرقابة في ظل الأوضاع الحديثة. فالصراع يجد صداه فيما يترتب عنه من توازن غير مستقر بين املاءات السيادة وبين العقل، وبين الضرورات السياسية وبين حريتي التفكر والتعبير. كما أنه يتيح لنا تأسيس –وتشكيل-فضاء تفاوضها المؤقت والجزئي.

    يطور كتاب الدين في حدود مجرد العقل الذي تم التطرق لهفقط ضمنكتاب دريدا عن الحق في الفلسفة ولكن خاصة في مقاله “المعرفة والايمان”-“الصراع” من خلال تنزيله ضمن سياق أوسع يشمل تطور المبدأ الأخلاقي والدينالأخلاقي في تاريخ البشرية برمته حيث ينبسط حقل الشر الجذري. وسأبين كيف يمكن استخلاص هذه الفكرة انطلاقا من مفهوم دريداللفساد المطلق، وهذه الفكرة هي في حد ذاتها ترجمة مغايرة لفهمه السابق للبشاعة، وانطلاقا مما بات يُنذر أكثر من أي وقت مضى بالأسوأ، والتهديد الذي يخيّم ويضبط، فيما يبدو، شروط كل اتفاق. وبما أنّ بنية الاتفاق تكمن وراء كل أحداث تترابط مع الأفعال البشرية -يعني، تأسيس الدول، وصياغة واستخلاص القوانين، وكل قرار يتّخذه الأفراد والجماعات-فإنّه يكمن بالمثل وراء النظريات المعاصرة للفعل الخطابي، والتنفيذي، وإتباع القواعد، التي تشير باستمرار إلى مجال القانون والحكم القضائي. وإننا على يقين بأن ج. لي. أوستين، وجون رولز، وستانلي كافيل، وجوديث بتلر ليسوا سوى قلة قليلة ممن تناولوا هذه المفاهيم في اتجاهات مختلفة جدا بالفعل[6]. وأعتقد أنّ دريدا أسبغ هذه المشكلة بهاجس كيركيغارديّ أساسي ألا وهو، في كلمة، القلق الذي فرضه الرعب الديني.

    هكذا والحالة تلك، فإنّ هذه المشكلة سبق طرحها في كتاب دريدا إعلانات الاستقلال[7]. فأنا أتتبع التطور الذي يمر به هذا التشكّل الأول لقانون البناء المتجدد إلى حد التأسيس (للأمم والدول، وبطبيعة الحال الدساتير) وأركز على إعادة تمفصله اللاحقة فيما يبدو قيدا شبه لاهوتي في ”قوة القانون: الأسس الروحية للسلطة”. فما الذي بالضبط، في هذا التحول أو التبدل، إذا كان واحدا (أو واحد فقط) يُكسبُ، أو لذلك السبب، يُخسرُ؟

    يدافع فصلي الافتتاحي على أنه في حين أن كتابي كانط الدين في حدود مجرد العقل وصراع الكليات كثيرا ما قرئا أقرب كمعارض ورسوم توضيحية لأخلاق كانط ولاهوته المتعالي، إلا أنهما لم يلقيا الاهتمام الذي يستحقانه باعتبارهما من أولى التصورات الفلسفية الواضحة –ولازالا الأكثر قوة-للعلاقات بين الدين والأمة والمجتمع والحياة العامة. وعلى الرغم من أن التراث الكانطي كثيرا ما تم تخفيضه إلى استكشاف طبيعة الشرعية السياسية في ضوء مجرد عقلانية شكلية وإجرائية، فإنّ الأهمية الفلسفية لهذه الكتابات تتكون على الأقل من أكثر ما يمكن في استنطاق الحجج التي يبدو أنها تتوقّع المناقشات الحالية حول آثار المفهوم وممارسة ”المواطنة متعددة الثقافات” و ”قانون الشعوب”[8]. وعلاوة على ذلك، في حين أنّ تحديد كانط لحرية التعبير العمومي من جهة هو جزء من نقد المؤسسات -كما هو واضح في تعامله مع الرقابة، وفكرة الجامعة، والتسامح الديني-فإنّ تحليله الفلسفي للأنواع المختلفة من التصريحات والبيانات لها تأثير مباشر على نشر نظرية فعل التعبير المعاصر في تحليل الصراعات الثقافية أو تفعيل الهويات الثقافية التي تم تكوينها.

    إنّ عمل كانط يساعد على توضيح لماذا لا يمكن أن تكون هناك أي حيادية مطلقة، وتجانس -أو، لهذا السبب، علمانية-في الفضاء العمومي، وأكثر أهمية، لماذا توحي هذه الرؤية على أيّة حال بأن العمل النقدي الشكلي للعقل أصبح مهملا. وحيث أنّ كل آخر هو آخر تماما، حسب عبارة دريدا المحيرة والاستفزازية “كل آخر هو كل آخر “، فإنّ سياسات حقيقية أو مسئولة حول الاختلاف تظهر للعلن. إذ ينبغي عدم الخلط بين مثل هذه السياسات مع سياسات الهوية، ولا مع خطابات الجماعتيين التي تحرض ضد الشكلانية المفترضة للنظريات السياسية الليبرالية الحديثة. ما يعتبر مختلفا أو آخرا، ناهيك عن الآخر تماما، هو وبأية حال من الأحوال ثابت أو معطى. لا أحد يمكن أن يحدده أو يجعله ملكا لأحد.

    بعيدا عن استكشاف مفهوم الفضاء العمومي مع الإشارة إلى كانط وشارحيه الأخيرين، خصوصا حنة آرنت ويورغن هابرماس، فإنّ فصلي الأول بناءً على ذلك يتناول بشكل غير مباشر المناقشات المعاصرة بشأن الليبرالية السياسية والجماعتية، والبراغماتية الجديدة. وعلى وجه الخصوص فقد ساهم مقال تشارلز تايلور ”سياسات الاعتراف”، في إجراء جولة جديدة من النقاش حول الأبعاد الفلسفية للتعددية الثقافية، ومفهومها الضمني للمواطنة، وعواقب ذلك على التعليم الليبرالي، والمناهج الدراسية، وهلم جرا[9]. يشارك المشروع المعاصر تركيز تايلور على جدارة المفاهيم والقضايا الفلسفية التي شاب نقاشها في كثير من الأحيان الجدل السياسي والأكاديمي. تكمن زاوية نظري المختلفة في دراسة الطرق المتعددة التي لا يشكّل فيها فقط الدين، والرقابة، والتسامح في الحكم الكانطي والما بعد كانطي تجربتنا للتوتر بين الهويات الثقافية الجماعية والفردية، ولكن تؤثر أيضا في فهمنا للظروف التي لا يمكن حلها إلى حدّ ما تحت الشقاق العام والانفصال الثقافي.

    أتحرّى في فصلي الثاني، منطقا معقدا للمسؤولية واللامسؤولية الذي يتوافق مع الاعتبارات –الكانطية-السابقة المتعلقة بالشر الجذري والتوتر بين اللاهوت الفلسفي والتوراتي، وكذلك بين الدين الروحي والمنزّل (التاريخي أو الوضعي). وسيكون رد كيركيغاردعلى نموذج كانط منطلق وجهة نظري، وأنا أعيد بناءها عبر دراسة -واستقراء-بعض اقتراحات دريدافي عن الحق في الفلسفة و”الإيمان والمعرفة”. سيكون إطاري المرجعي في هذا الفصل قراءة دريدا لكتاب كيركيغارد، خوف ورعدة، والتي تستجيب جزئيا لتفسيرات سابقة لليفيناس، وغالبا بشكل غير مباشر، لإريك فايل وجون فاهل. في هدية الموت، يقرأ دريدا، على إثر هؤلاء المؤلفين، شهادة ذبيحة إبراهيم، ”لحظة التخلي الإبراهيمي”، وأعمال العنف التي تأتي معها باعتبارها نموذجا لما هو على المحك في كل قرار أخلاقي سياسي حقيقي. وأتساءل كيف يمكن لنا أن نفهم الحقائق المقلقة – وشيء آخر ”حقيقة العقل”، لاستخدام تركيبة كانط-التي يمكن أن نفكّر فيها وأن نمارسها على أية حال في غياب المسؤولية الأخلاقية، سواء العملية أو النظرية.

    وفقا للمنطق المتناقض للمسؤولية واللامسؤولية، يصبح الأخلاقي ممكنا على وجه التحديد في إمكانية القلق حول إيقاف العمل به -احتمال اندلاع أعمال عنف ووحشية، أعمال العائد من الموت، والشبح، والثّمة (الموجود بصفة عامة/الوجود اللاشخصي) il y a الغفل -ولكن دون أن يكون قادرا على تأكيد أو فرض نفسه بكل قوة أو على هذا النحو، وذلك راجع أيضا لنقاوته. إنّ أيّ قوة يمتلكها الأخلاقي – عنف في سبيل أحقيته-فإنه يبقى دائما ليّنا ومقاوما، ليس فقط من قبل القوى التي ينشئها، ولكن أيضا من خلال هيكلة نجاحه. ويعطل الإفراط فيه مسبقا كلّ امتثال -فإن لم يكن فاحترامنا له، وإلاّ فتوافقنا مع القانون الأخلاقي ومع العدالة. إنّ الأخلاقي يحجّر، بل يمنع في الواقع، كل ”ضمير خيّر”.

     يتخذ هذا الفصل نقطة انطلاقه في مناقشة المفاهيم المركزية التي قدّمها إريك فايل في منطق الفلسفة، مفاهيم وجدت طريقها في نصوص ليفيناس وفي قراءة دريدا لليفيناس في ”العنف والميتافيزيقيا”. أبدأ بمراجعة مناقشات دريدا، وليفيناس، وفايلبشأن ما إذا كان العنف متوطنا في الخطاب وظهور الكينونة. فإذا كان العنف هو في الواقع كوني وبالإجماع هو عنيف، فأنا أسأل، هل أنّ هذا لا يهوّن مفهوم العنف، مبطلا شدة أي استجابة أخلاقية سياسيّة له؟ من خلال قراءة اعتبار دريدا لتضحية إبراهيم في “هدية الموت”، فإنّي أبيّن أن ذلك ليس بالضرورة صحيح. ومن ثمّ فإنّ دراسة أوجه التضحية والضرورة، فإنّه يمكن للمرء أن يبين أن الشرط الأساسي لأي عمل أخلاقي سياسي حقيقي هو قرار منفرد وسري، وهو عمل لعهد يقاوم بحماس المفاهيم التقليدية للأخلاقي، والسياسي، وحتى “الفعل”. وعلى هذا النحو، فإنه ينطوي على علاقة إما أن تؤثر في العنف أو تتأثر به: وبالتالي فهو إرهاب ديني. ولكي نكون يقظين لتقارب الأفضل والأسوأ فإنّ علينا إعادة اكتشاف جبل موريا، الذي نودي إبراهيم فيه للتضحية بابنه، كما كان المكان اليومي لعلاقتنا مع الجميع وفي الواقع علاقتنا بكل شيء. إنّ استدعاء هذا المثال وكل مقوماته ليس دعوة للعودة إلى الدين في حد ذاته. بدلا من ذلك، فإنّه يعني البدء في مشروع مستمر، كما بيّن دريدا بشكل مقنع، ينطوي على ”ازدواجية” الله الذي ليس توحيديا ولا إلحاديا، ولكن يكمن في مصدر كل خطاب واعٍ حول المسؤولية.

    أثير أيضا قضية طرحت للمرة الأولى في “الفلسفة والعودة إلى الدين، ومسألة ما إذا كان المفهوم والافتراض المسبق وعمّا إذا كان ”الممكن” -من الجواز، ومن الإمكان، وبالتالي من جميع المعضلات داخل شروط إمكان الموصوف بالتعالي -غير كاف للتفصيل على هذا الشرح وغير كاف لعرض الأخلاقي على نقيضه. أزعم أن الأمر ليس كذلك. على الرغم من أن هذا الفصل، يبدأ من مناقشة مفهوم العنف كما صاغه ليفيناسوفايل، فإنّه يدور حول تحليل دريدا ”لاستحالة ” ”الإمكانية” القصوى ذلك أن هيدغرفي الكينونة والزمان، يعادلها بالموت –موت الشخص نفسه-وحده. عند هذه النقطة أعود إلى استنتاجات مناقشاتي السابقة في Sauf le nom وApories. يقدم دريدا هذه الفكرة أيضا في سياق مناقشة لبنيامين نقد العنف الذي سأنتقل إليه في الفصل الثالث: ” إن التفكيكيات الأكثر صرامة لم تدّع أبدا أن تكون . . . ممكنة. وأود أن أقول إن التفكيكية لا تخسر شيئا في الاعتراف بأنه مستحيل… بالنسبة لعملية تفكيكية فإنّ الإمكان سيكون بالأحرى خطرًا، خطرٌ في أن تصبح مجموعة متاحة من الإجراءات التي تحكمها قواعد وأساليب ومقاربات سهلة. إنّ مصلحة التفكيكية. . . تجربة معينة للمستحيل” (قوة القانون 981).

    وما ينبغي أخذه في عين الاعتبار أيضا من بين جميع الإمكانات هو ما يسميه كيركيغارد، في المرض حتى الموت-نص أثّر من نواحٍ أخرى بعمق في تفكير هيدغر، في محاضرات سنوات 1920-1921 التي تقدم لظاهراتية الدين-“الضرورة”، يقولكيركيغارد  ”الإمكانية والرغبة ضروريتان بنفس القدر للكينونة (ومهمة الذات أن تكون نفسها في الحرية) … ذات لا تعرف اليأس، و في حل من الضرورة “[10].

    وبمقتضى الحال، فإنّ الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الضرورة عند أنانكي* من La Nécessité، ومن ظاهرة معينة (بالمعنى الكانطي للكلمة)، ومن الآلة، ومن التقنية، ومن حضورية معينة، وطبيعانية، وهلم جرا. ولعل التكرار، والتحقق وأوراق الثبوتية يجب أن تكون موجودة التحقق، وصحة المستندات ليس فقط في إعادة التأكيد على القدرة القصوى للذات (الحرية والاستقلالية، وتقرير المصير، والخصوصية، والأشياء التي لا يمكن استبدالها، وأن يكون قبالة موت شخص ما)، ولكن أيضا في علاقة الآخر مع الآخر، ليستشهد بأكثر غاية مهمة تشغل كانط، هيدغر، وليفيناس. ربما أنه يحتوي كثيرا على الأقل -طبعا من الحاجة-قدر من الوزن الموجود هناك بالفعل، وهذا يعني، من التعثر، والانحراف، والفساد، وبعض الاختلاط بالوثنية، وباختصار ما هو آخر أكثر من الآخر -أو أيضا-وعلى الرغم من ذلك فإنه ينتمي أساسا (لا محالة، وبالضرورة) له ويشكل جزءا لا يتجزأ من التجربة الخالصة، أي تجربة واختبار الحرية. هذا الإذعان المزدوج -أو التأكيد المضاعف-صريح في نصوص كانط، هيدغر، وليفيناس؛ وأعتبر أن تحليلها المتسق هو الموضوع الرئيسي الذي يخترق عمل دريدا بأكمله.

    وسأناقش في الفصل الثالث، فكرة الخطاب الروحي كما صوره ميشيل دي سيرتو في خرافة التصوف La Fable mystique، وهي دراسة متعددة التخصصات من بعض خصائص الروحانيات الرئيسية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. الذي اكتمل جزؤه الأول فقط، ونشر في 1982. وأزعم أن هذا النص يجب أن يفسر على أنه إحباط لإعادة صياغة-دريداللمسلمة الروحية عند مونتانييه، وباسكال، وبنيامين. وبذلك يكشف عن القوة الكاملة لحجة دريدا، ولكن –بغرض تحديده-أيضا يسلط الضوء على إعادة تقييمه غير المتوقع لعنف مبرر وأخلاقي سياسي معين، وإرهاب ديني، يبيَّنُ على سبيل المثال، في الاقتباس من كتاب جويس Finnegans Wake الذي تمعّنه دريدابعمق في Ulysse gramophone: ”إنه يحارب”[11].

    إنّ تفسير هذا الشكل من الغضب الإلهي مقابل خلفية عمل دي سيرتو حول الروحاني والسياسي يؤكد الانسجام الضمني بين كتابات دريدا حول المؤسسة والجامعة ووسائل الإعلام، والفاعلية، وحول مسألة العنف في جميع تداعياته المختلفة. ويعزز هذا الانطباع ما جاء في جزء من المنشورات بعد وفاة دي سارتو الثقافة بصيغة الجمع La Culture au pluriel وأخذ الكلمة La Prise de parole وكتابات سياسية أخرى[12]. يحتوي الكتاب السابق على “لغة العنف”، وكذلك مقالات عن الجامعة؛ كما تصفه كلمة المترجم على نحو صحيح بأنه ”ميثاق تأسيسي للدراسات الثقافية”[13] وفي قلب المجموعة الأخيرة تقف إعادة تقييم معنى ومضمون الدين في الانتقال من نظام مخصوص من الاعتقاد إلى أداء خطابي قوي -بعنف غير عنيف-، وهو ”الخطاب الصوفي” الذي بدأنا الآن نفهم بعمق آثاره السياسية والثقافية. لاستدعاء النموذج المقترح من قبل هذه الكتابات على لا تعتبر ”التغايرية” سوى جزء من الحركة داخل القضية. والذي يتوسط بالتساوي هذا الخطاب الأدائي والصوفي هو تقريبا تحصيل حاصل. وبعد حصر التأثير الذي لا لبس فيه لدى سيرتو في احتجاج دريدا حول المسلمة الصوفية، فإنّي أبين عبارة دريدا “كل آخر هو آخر” التي وقع شرحها في الفصل السابق، لتحمل على التحليلات التاريخية والمنهجية لخرافة التصوف La Fable mystique. على كلّ فمن أجل القيام بذلك، فإننا بحاجة إلى التراجع عن المرور عبر المؤلف الذي لعمله أهمية كبيرة في فهمنا للاهوت السياسي، وخاصة العلاقة بين الدين والعنف.

    ولذلك يبدأ الفصل الثالث، بالتركيز على عناصر في كتابات كارل شميت تعتبر ضرورية لفهم مؤلفات بنيامين. ومن شأن هذه الاستطرادات أن تساعدنا على العودة بإيجاز لكانط. وبعد إعادة النظر في مفهوم شميت للسياسي والشر في الطبيعة البشرية، وللسيادة، وللمعجزة، فإنّي سأركّز على مقالين من مقالات بنيامين الرئيسية، التي كرّسها لمشكلة الترجمة فيما يتعلق بالمقدس: “حول اللغة بعامة وحول لغة الإنسان”، و”مهمة المترجم”.

    سنرى أنّ الترجمة، تشكل بحد ذاتها الفعل التأويلي، والابتكار، والتفاوض – وليس، كما يقال، وساطة أو تطبيق، هي مفاهيم جدلية جدا وتأويلية في تذوق بنيامين ودريدا – للانهائية وتطرف القانون في السياقات العينية للكثير من القوانين الضرورية للمنع والرّدع. إنّ احترام الاختلاف الثقافي والحاجة (لم أجد كلمة أفضل من الحاجة) للاندماج تجتمع هنا في مسألة التجسيد، والتمثيل، وبالتالي الترجمة[14]. فبناء برج بابل، الذي نوقش في كتاب دريدا برج بابل وفي بعض كتاباته الأخرى، يعبر، في ما يبدو، عن الصورة التي تعكس تماما مخاطر هذا المشروع.

    تحضّر دراستي لهذه النصوص لتأويل أشكال غريبة أخرى للديني تبنّاهادريدا: فالمسلمة الصوفية تؤسس وتقوض أو تقاطع مثل ما يفعل الطابع المفارقي، أو بالأحرى، المتناقض لسلطة القانون القضائي. هذه الفكرة لا علاقة لها بفكرة إثبات العدالة التي وضعها ليفيناس. بالاعتماد على مؤلف دي سيرتو المحوري حول خرافة التصوف La Fable mystique، فإنّي أزعم أن هذا الافتراض في بنيته العميقة ليس مُرتَكَزًا معرفيا أو قيميا كشيء يشبه الأداء المطلق، مثل بنية التوجّه التي تسم كل صلاة حقيقية أو مثل الوعد والشهادة، أو هدية. هذه الهدية، هدية الهدية -إعطاء الهدية فضلا عن الهدية في العطاء-، تفوق وتتجاوز كل تبادل اقتصادي في أوسع معانيه. إنّ فكرة وجود مسلمة صوفية ليست مجرد بناء نظري ولا مجرد افتراض، بل على علاقة بالمسائل الأخلاقية السياسية المركزية، كما يوضحدريدافي تعقيبه المتذبذبعلى “نقد العنف”لبنيامين في قوة القانون وكما في مساءلتهلمارسيل ماوسفي هبة الوقت Donner le temps (Given Time) وهو نص يعود في صفحاته الأخيرة لمشكلة الشر الجذري عند كانط.

    إنّ أشكال المسلمة الصوفية والهدية تؤكد أن إعادة تقييم دريدا للتقليد الفلسفي -وتوجهه إلى الدين من أجل استخلاص ما يغفل عنه أو يسكت عنه هذا التقليد– يبقى ممارسة فردية أو فعل إثبات وإعادة إثبات. كما أنّ أي تحليل معقول للتقارب بين فكرة الاختلاف والفكرة التي رسخها أسلوب الدحض التقليدي يفرض أن نعيد الاعتبار لمساءلة الدحض الجدلي وغير الجدلي في جميع نصوص دريدا. ويتعين على مثل هذا التحليل أن يناقش ما، في كتاباته الأخيرة، والسابقة، وإعادة مراجعاته، وإعادة مناقشاته للسلبية بصفة غير مباشرة، أو في أكثر الأحيان بشكل واضح من مصطلحات دينية. ليس هذا هو دحض الدحض -أي الإثبات بالمعنى المنطقي الشائع والكلاسيكي والرسمي للكلمة. بدلا من ذلك، فإننا نتعامل أكثر مع الأصل أو بأصالة مع مصطلح “الإثبات” مما يعني، مع المسلمات غير التأسيسية التي لا تعرف الثبات والصرامة، أو الانغلاق (كل الدلالات تجمع أنّ دريدايرتكز على تأكيد فرنسي، يربطه بفضفاضة مع الفعل التفكيكي للصرامة وللانغلاق.

    ومن الأمثلة على ذلك، يشير دريدافي ”كيف نتجنب الحديث” وفي الروح De l’esprit (Of Spirit) أنّه يمكن أن يوجد في عدة أشكال الهرطقة اليهودية والمسيحية والتصوف العربي، وكذلك في فكر هيدغر حول ”اللاشيء” في ما هي الميتافيزيقا؟ وفي ماهية اللغة وعن الطريق إلى اللغة Unterwegs zur Sprache (On the Way towards Language). ويؤشر هيدغر في كل هذه الكتابات على ضرب من الصفاء الذهني والتحرر من (أو الإعفاء من) تقليد الفكر التمثيلي للميتافيزيقيا في تأسيسها الفوق لاهوتي. وقد وردت هذه الإشارة، فيما أعتقد، في الفلسفة والعودة إلى الدين، وقد تجلت بالفعل في محاضرات هيدغر الباكرة حول القديس بولس والقديس أوغسطينوس. لكن هيدغر يترجم على الفور تقريبا هذا الحافز والدافع في “منطق الافتراض” (بحسب مفارقة دريدا) الذي يثبّت حماسة وارتباك الإشارة الأصلية ويحشرها قبل أن تتحول إلى أساس ممكن أنطولوجيا –ميتافيزيقيا- يمكن تفكيك تصميمه (الذي ينتمي إلى الفكر المتعالي الكلاسيكي والحديث) بأكثر من طريقة.

    وسأناقش في الفصل الأخير من هذا الكتاب، أفكار دريدا على حسن الضيافة والصداقة في كتابات ليفيناس، ومرة أخرى، كانط. واستنادا إلى الحجج المقدمة في كتاب وداعا إيمانويل ليفيناسوفي كتاب سياسات الصداقة، فإنّي أقترح أن كلا من هذه المفاهيم هي بدائل غير مرادفة للانفتاح على الآخر. في النمط التاريخي والسياسي المعاصر –وربما في أوقات ستأتي-فإنّ الدين، بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح الذي حددناه أعلاه، لا يزال، أو سيكون مرة أخرى المثال المميز لهذا الانفتاح، وبالتالي ترحيب حتمي لانفتاح الأفضل والأسوأ. ولا تعبر حقيقة الدين هذه عن جزء من الحقيقة الميتافيزيقية ذات الصلة بمفهومي حسن الضيافة والصداقة، كما لو كانا في جوهرهما -أو حتى في معناهما الأصلي والصحيح- قابلين لأن يفهما دينيا أو لاهوتيا. وعلى العكس من ذلك، فإن ترابطهما هو قبل كل ما هو ذرائعي، يتأسس على انجذاب منتخب تاريخيا وتشابه بنيوي، وهذا الشيء قد يصمد يوما من الأيام (مرة أخرى.

    وستظهر هنا أهمية الديني مرة أخرى في مناقشة بضع الفقرات المدهشة من مؤلف كانط، في ميتافيزيقيا الأخلاق والأنثروبولوجيا من وجهة نظر براغماتية. يأخذ دريدا هذين الملحقين ”مادي” و ”دغمائي” حسب تعبير كانط الخاص إلى النقود ويعطيهما مكانة هامة في مناقشاته الصداقة، جنبا إلى جنب مع السياسة الفعلية ومثل السياسات الكونية غير المكتشفة بعد والديمقراطية التي ستأتي. وهذه الأشكال النهائية سوف تمكننا من العودة إلى الموضوعات الرئيسية في الفصل الأول: سؤال المؤسسة، -أو، بالأحرى المؤسسات-، والفلسفة، والجامعة، وبنجاح جميع الأمكنة الأخرى.

    واستئنافا لتساؤلنا المحوري، لنا أن نتساءل ما معنى تحتذي فكرة حسن الضيافة الرئيسية وممارستها (الصداقة، الكوسموسياسية، الديمقراطية، ووظائفها المتساوية)، في قراءة دريدا لهذه النصوص، حذو النعل بالنعل مع الدافع إلى العداء والانشغال به. وبعبارة أخرى، يبدو أن فكرة الصداقة الحقيقية وتجربتها تبدو أنها تتعايش مع نوع من العنف النظري والواقعي الذي ينبغي على هذه الفلسفة المتحررة من كل أخلاقية ومثالية، أن تجتهد في ألا تطمسه أو تغض عنه الطرف.

    أعتقد أنّ أكثر ما يثير الاهتمام في حجة دريدا هو ما ستخلصه من قراءته المتجددة لكتاب ليفيناس الكلّية واللامتناهي انطلاقا من بنية قصدية تتجه صوب الدين -دين معلن رسميا ويحدد كعلاقة بآخر غير منغلق على ذاته كلّيا- وهو الأكثر وضوحا في التحليلات المكرسة لمنطق حسن الضيافة في كتاب وداعا إيمانويل ليفيناس. يبيّن دريدا أنّ ما يتأصل في بنية أي ترحيب، هو ترحيب ثانٍ يهدد إمكانية الترحيب الأول. هذا التشوه، أو بالأحرى، ”التشويه” – بقطع النظر عن حدوثه الفعلي والواقعي أو الإمبيريقي-ليس مجرد حادث، ولكن جزء من ماهية الظاهرة وبنية الظاهرة كما تظهر على نحو ما هي عليه. ومرة أخرى يكون تجنب إمكانية حدوث الأسوأ شرط تحقيق الأفضل.

    ومن المفارقات، أنّ هذا هو السبب في ألا يكون هناك شيء من قبيل تجربة أو معنى أوّليّا في ذاته.  اجتهد ليفيناس دائما من أجل اثبات العكس في كتاب الكلية واللامتناهي، رغم أنه راجع مؤخرا وجهات نظره جذريا، خاصة في ردوده على أسئلة دريدا الملحة في ”العنف والميتافيزيقيا”[15]. كما لا يمكن أن تكون هناك عملية بسيطة، غير مشوشة، ومتسقة لتأسيس، واشتراط، أو جعل أي تجربة من هذا القبيل ممكنة. وتظل بنية هذا الإمكان (أي الوحي، التجلي ولكن أيضا المسيانية والمسيحانية) مشروطة، وبالتالي بطريقة ما يصبح ممكنا-حدثا (الوحي، والرؤيا، والمسيانيات، والـكايروس، وما إلى ذلك) يجعل ذلك ممكنا في المقام الأول فيما يبدو. وما يفترض أن يأتي أولا، يأتي في الواقع وبحكم القانون في وقت لاحق، والعكس بالعكس.

    وليست مجموعة المسائل التي نوقشت في هذا الفصل وحدها هي التي اضطرتنا إلى العودة مرة أخرى إلى تأثير بنيامين الحاسم الذي تعرضنا له آنفا – وإنما دراسات كارل شميت خاصة في اللاهوت السياسي-، هي بدورها اضطرتنا إلى العودة إلى بعض اللحظات المحورية التي مرّت في صمت في مناقشة الفصل الأول لكانط. وسأختم بسؤال: كيف، تشكلت فكرة كانط الرئيسية حول الكوسموسياسية (والميكرو-اجتماعي، وحول الصداقة) في ضوء المباني والحجج التي اعتمدها. ما عسى الكوسموسياسية أن تفعل في مواجهة خلفية العودة إلى الدين ضمنا وعلنا والعلاقة الجوهرية لـ(مشكلة) العنف، والإرهاب الديني الذي تشكل بنيته وأشكاله الهامة فكرتنا الرئيسية؟

    الجزء الختامي من الكتاب يلفُّ الحجة، ويرسم بعض آثار مهمة الفلسفة عند تقاطع الدراسات المعاصرة لمقارنة الأديان، والنظرية السياسية، والتحليل الثقافي. إنّ التصدي للعنف في علاقة بالبرهان لا يتطلب أقل من المساءلة المتواصلة للمفاهيم والاستراتيجيات الجدلية، والأدوات البلاغية، والحدوس المركزية في مفترق الطرق بين قواعد السلوك المؤسسية التي تسهم في فهم هذه الظواهر. لا يمكن لهذا المؤلف أن يطمح إلى أكثر من وضع بعض الافتراضات التوجيهية التي يمكن أن توجه وتلهم تحقيقا مثل هذا. بهذا المعنى، فإن ما سيأتي، على الرغم من طوله وتفصيله، لا يزال مجرد مشروع في كثير من النواحي ولا يقدم أيّ نتائج وإنما يكتفي بصياغة المقدمات النقدية والافتتاحية التي يتعين القيام بها.


    [1] إن هذه السمة الصورية للدين التي يقول بها ليفيناستبدو من الناحية التاريخية محدودة جدا وتحتاج إلى مزيد التوضيح، أنظر،

    Jonathan Z. Smith,” Religion, Religious, Religions,” in Critical Terms for Religious Studies, ed. Mark C. Taylor (Chicago: University of Chicago Press, 1998).

    [2]مع بعض الاستثناءات، أنظر،

    Ronald F. Thiemann, Religion in Public Life: A Dilemma for Democracy (Washington: Georgetown University Press, 1996);

    لمزيد التوسع أنظر مساهمات

    Paul J. Weithman, ed., Religion and Contemporary Liberalism (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1997); and Veit Bader, “Religious Pluralism: Secularism or Priority for Democracy?, “Political Theory 27, no. 5 (1999): 597–633.

    انظر أيضا

    Jose Casanova, Public Religions in the Modern World (Chicago: University of Chicago Press, 1994),

    بما في ذلك الدراسات الإمبيريقية في

    Heiner Bielefeldt and Wilhelm Heitmeyer, eds., Politisierte Religion: Ursachen und Erscheinungsformen des modernen Fundamentalismus (Frankfurt a. M.: Suhrkamp, 1998).

    [3] Stanley Cavell, The Claim of Reason: Wittgenstein, Skepticism, Morality, and Tragedy (New York: Oxford University Press, 1979), 455.

    انظر أيضا،

    Arnold I. Davidson, “Religion and the Distortions of Human Reason: On Kant’s Religion within the Limits of Reason Alone,” in Pursuits of Reason: Essays in Honor of Stanley Cavell, ed. Ted Cohen, Paul Guyer, and Hilary Putnam (Lubbock: Texas Tech University Press, 1993), 67.

    [4]Hent de Vries, ‘‘In Media Res,’’ in Religion and Media, ed. Hent de Vries and Samuel Weber (Stanford: Stanford University Press, 2001). On Derrida’s ‘‘Faith and Knowledge,’’

    انظر أيضا مقدمتي لـ: Philosophy and the Turn to Religion.

    [5] تستعيد حنة أرنت عبارة “النقد الرابع”، لكنها ترفضها في بداية

    Lectures on Kant’s Political Philosophy, ed. Ronald Beiner (Chicago: University of Chicago Press, 1982), 7.

    ويُنسب المصطلح إلى

    Kurt Borries, Kant als Politiker : Zur Staats- und Gesellschaftslehre des Kritizismus (Leipzig, 1928).

    [6] J. L. Austin, How to Do Things with Words, 2d ed., J. O. Urmson and Marina Sbisa, eds. (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1994; orig. pub. 1962); Stanley Cavell, A Pitch of Philosophy: Autobiographical Exercises (Cambridge, Mass.: Harvard University Press 1994), chap. 2; Judith Butler, Excitable Speech: A Politics of the Performative (New York: Routledge, 1997).

    [7]Jacques Derrida, ‘‘Declarations d’Independance,’’ in Otobiographies: L’Enseignement de Nietzsche et la politique du nom propre (Paris: Galilee, 1984); ‘‘Declarations of Independence,’’ trans. Thomas Keenan and Thomas Pepper, New Political Science 15 (1986): 7–15.

    [8] استقيت هذه الصيغ من كل من،

    Will Kymlicka, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights (Oxford: Clarendon Press, 1995), John Rawls, The Law of Peoples (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1999).

    وسأعود إلى هذين المفكرين في الفصول اللاحقة.

    [9]Charles Taylor, ‘‘The Politics of Recognition,’’ in Multiculturalism and ‘‘The Politics of Recognition,’’ ed. Amy Gutmann (Princeton: Princeton University Press, 1992), and in Charles Taylor, Philosophical Arguments (Cambridge: Harvard University Press, 1995).

    وأنظر أيضا ‘‘Liberal Politics and the Public Sphere.’’

    بينما توفر مقالات تايلور سياقا لمناقشة الرهانات الفلسفية المتضمنة في سياسة الاعتراف، ينبغي علينا من حيث المبدأ التمعن التام في الانتقادات العديدة التي عرفها موقفه من قبل عدد كبير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع، والنقاد في مجال الثقافة وأخص بالذكر منهم كوامي أنتوني أبيا، يورغن هابرماس، وإيمي غوتمان. وتتنزل إعادة النظر في الفضاء العمومي وتحدي التعددية الثقافية والعولمة في المشروع الحديث لليبرالية السياسية لسيلا بن حبيب، كريستين م. كورسغارد، ويل كمليكا، جون رولز، ريتشارد رورتي، وكورنيل ويست، في هذا السياق أيضا. انظر كذلك

    Werner Hamacher, ‘‘One 2 Many Multiculturalisms,’’ in Violence, Identity, and Self-Determination, ed. Hent de Vries and Samuel Weber (Stanford: Stanford University Press, 1997).

    [10] Kierkegaard, The Sickness unto Death: A Christian Psychological Exposition for Upbuilding and Awakening, ed. and trans. Howard V. Hong and Edna H. Hong, Kierkegaard’s Writings, vol. 9 (Princeton : Princeton University Press, 1982), 35. For an extensive discussion of Heidegger’s lecture course Einleitung in die Phanomenologie de Religion (Introduction into the Phenomenology of Religion), see my Philosophy and the Turn to Religion, chap. 2

    * أنانكي بالإغريقية تعني الحتمية وتجسد في الميثولوجيا الإغريقية القدر. تظهر في الأعمال التراجيدية كأعلى سلطة وكمهيمنة على الآلهة. أما في ثيوغونية الأورفكريين حيث تقارن أنانكي بأدراستايا (التي لا يمكن تجنبها / القدر) فهي إلهة البداية وأنها هي من خلقت مع كرونوس (الزمن) أيثر وكاوس وايريبوس، وتعد أيضا زوجة ديميوورغ Demiurg إله الخَلْقْ وأم هايمارميني Heimarmene إلهة القدر الذي لا يمكن تغييره. أما عند أفلاطون فهي أم المويرائيات Moirae (مجموعة من آلهات القدر)، ويعدها إحدى قوى الخلق الأولى أما في الميثولوجيا الرومانية فقد أطلق على أنانكي اسم Necessitas.

    https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%8A.

    [11] Jacques Derrida, Ulysse gramophone : Deux mots pour Joyce (Paris : Galilee, 1987); ‘‘Two Words for Joyce,’’ trans. Geoffrey Bennington, in Post-Structuralist Joyce: Essays fromthe French, ed. Derek Attridge and Daniel Ferrer (Cambridge: Cambridge University Press, 1982); ‘‘Ulysses Gramophone: Hear Say Yes in Joyce,’’ trans. Tina Kendall, in Acts of Literature, ed. Derek Attridge (London: Routledge, 1992).

    [12] Michel de Certeau, La Culture au pluriel, ed. Luce Giard (Paris : Seuil, 1994) / Culture in the Plural, trans. Tom Conley (Minneapolis : University of Minnesota Press, 1997); La Prise de parole, et autres ecrits politiques, ed. Luce Giard (Paris: Editions du Seuil, 1994) / The Capture of Speech and Other Political Writings, trans. Tom Conley (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1997).

    [13] De Certeau, Cultural in the plural, p145.

    [14] Jacques Derrida, Sur parole : Instantanées philosophiques (Paris : L’Aube, 1999), 73–74.

    [15]Jacques Derrida, ‘‘Violence et métaphysique,’’ in L’Ecriture et la différance (Paris : Seuil, 1967) / ‘‘Violence and Metaphysics,’’ in Writing and Difference, trans. Alan Bass (Chicago : University of Chicago Press, 1987).

    لقد صار هذا المقال كلاسيكيا بأتم معنى الكلمة وقد كان له الأثر العميق في ليفيناس في بداياته بيد أن حجته تذهب عموما أبعد من ذلك بكثير، لقد وضع الأساس الذي ستقوم عليه كل المناقشات المستقبلية بشأن هذه المسائل.

  • الإنسان “اللاعنيف” وحضوره في التاريخ

    الإنسان “اللاعنيف” وحضوره في التاريخ

    الكاتببور ريكور
    ترجمةعبد الوهاب البراهمي

       تنطلق هذه الملاحظات التي تخص العنف واللاعنف من سؤال مركزي: وفق أي شروط يمكن أن يكون اللاعنيف شيئا آخر غير يوغاني بالمعنى الذي قصده “كوستلار”، وشيئا آخر غير إنسان طاهر على هامش التاريخ؟ من البداهة أن السؤال ذاته يفترض قناعة سابقة(1) هي أن يكون لللاعنف قيمة ممكنة، أو- كما سنقول بأكثر دقة- أشكال مقاومة غير عنيفة: فالشكل الحقيقي للاعنف، ودون أن يكون، في الواقع، معطى دفعة واحدة، يمكن البحث عنه- وهو أمر مشروع- من بين الصور السّاخرة التي تشبهه أحيانا على نحو غريب: حساسية زائفة، تخاذل، تهرب وجداني، غياب عن العالم، عدم المقاومة. ولن أتردد في القول منذ البداية، وبصراحة، أن هذه القناعة السابقة قد ترسّخت لديّ إلى جانب قناعة أكثر جوهرية : أن عظة الجبل* تهمّ تاريخنا وكل التاريخ، بهياكله السياسية والاجتماعية وليست فحسب أفعالا خاصة ليس لها أي أثر تاريخي؛ إنما لأنها تدمج عموديا في هذا التاريخ مطلبا صعبا، يعسر استساغته، يضع كل من انشد إليه في قلق عميق، في شدة لا يجد أحيانا لها مخرجا آخر إلا في أفعال اعتباطية، قد تكون تاريخية تصنّعا؛ و مع ذلك فإن هذا القلق وهذه الحدّة وهذا التصّنع يعني أن عظة الجبل، بلا عنفها، تريد الدخول في التاريخ، وأن مقصدها عملي وأنها تدعو إلى الحضور لا إلى التهرّب.

      إن هذه القناعات السابقة هي ما يستدعي أن يبلور نقديا في السؤال التالي: وفق أي شروط يمكن لللّاعنف أن يهم تاريخنا؟ ذلك أن ما يستوفي معنى ما سنريده، هو فعلا التاريخ لا طهر نوايانا، هو ما كنا سنفعله للآخرين. وإذا وجب أن يكون اللاعنف ممكننا إيتيقيا، لزم حصره في دائرة ضيقة مع العمل الحقيقي المنجز، مثلما يحصل عن كل تأثيرات الأفعال المتبادلة، التي بها يتكوّن التاريخ.

      إن الشرط الأول الذي يجب أن يستجيب له مذهب أصيل لللّاعنف هو أن يكون قد اجتاز عالم العنف بكل كثافته؛ فحركة غير عنيفة تتعرض دوما لخطر حصر العنف في شكل خصوصي تهاجمه بإصرار وتضيًق عليه الخناق؛ يجب أن نكون قد قسنا طول وعرض وعمق العنف، وتمدّده على طول التاريخ، واتساع تشعّباته النفسية والاجتماعية والثقافية والروحية وتجذّره بعمق في تعدّد الذوات الواعية نفسه. يجب أن نختبر إلى حد أقصى هذا الوعي بالعنف الذي بواسطته يظهر عِظمه المأساوي، ويبدو بالذات كحاصل للتاريخ، “للأزمة”- ” للحظة النقدية” و”الحكم”- التي تغٌير فجأة شكل التاريخ. ولكن حينئذ، وحينئذ فقط، ولقاء هذا الصدق، يطرح السؤال عن معرفة إذا ما يكشف التفكير عن فائض، عن شيء أكبر من التاريخ، عمّا إذا كان للوعي ما يدًعيه ضد التاريخ والتعرّف على ذاته منتميا “لنظام” آخر غير العنف الذي يصنع التاريخ.

      لكن، هنا سؤال آخر على الإنسان اللاعنيف الاضطلاع به: هل هو قادر على أن يفكر في ذاته دوما داخل هذا التاريخ الذي ينفيه؟ وهل يقدر على ذلك دون أن يجعل النجاعة المحتملة لفعله أرفع من طهره المزعوم؟

    ولكن هل لللاعنف نجاعة؟ وما هي؟ من البيّن أن هذا السؤال الثاني يتمفصل مع مشكل شاسع: معرفة ما إذا كان للنبيّ مهمّة تاريخية؟ وما إذا استطاعت هذه المهمة أن تتسلل بين لانجاعة ” اليوغي” و نجاعة ” المفوض” أو الرسول.

      سؤال ثالث: أليست النجاعة المحتملة لللاّعنيف إذن في توتّر ضروري مع دنس معترف به لعنف تقدمي؟ و بالفعل، إذا باشر النبٌي التاريخ بأفعال هي بالأحرى ضروب من الرفض والتمرّد وبالتالي أفعالا ظرفية، منفصلة ( متصلة بحدث إعلان حرب، بفتنة،الخ..)، أفلا يستوفي معنى فعله ضرورة فيما يمنحه من دفعٍ، في النّصيب الروحيّ الذي يضفيه على عمل سياسي خالص، لعمل بنًاء متواصل، على صعيد الهياكل والمؤسسات؟

       لن أخفي الحيرة التي يعسر على هذا التمشي تبديدها؛ إنها، هنا وهناك، حقائق نواجهها أكثر مما نعترف بها، نرحب بها أكثر من أن نملكها……

      ذلك أنّ المرعب هو من يصنع التاريخ: ويبدو العنف فعلا كالشكل المميّز الذي يتبدل وفقه التاريخ، كإيقاع لزمن البشر، كبنية لتعددّ ضروب الوعي.

     ولكن إذا كان التاريخ عنيفا، فإن اللاعنف هو من قبل الوعي السيئ للتاريخ، قلق الوجود في التاريخ وقد يصبح أمل الوعي وهو في وضعية تاريخية. لابد على أمنية اللاعنف، كي تكون أصيلة، أن تنبت على حافة تأمل في التاريخ: إنها أول وأعمق رابطة لها بالتاريخ، وهو الوزن الذي يثقله. فأن نأخذ عنف التاريخ مأخذ الجدً، فهو التعالي عبر الحكم. و بتناقض جوهري يقابل الوعي بما هو إيتيقا المسار التاريخي. يقول التاريخ: عنف. فيقفز الوعي ويقول: حبٌ. إن قفزته قفزة نقمة؛ بها يضع حدا للتاريخ: نفيه كعنف؛ وفي ذات الوقت يضع الإنسان كصديق ممكن للإنسان. تعتقد النزعة السلمية، لانعدام تقديرها الأبعاد الكبرى للعنف، أنّها سهلة وتجعل من نفسها كذلك؛ فتعتقد أنها بعد في العالم، ناشئة عنه، ناتجة عن الطيبة الفطرية في الإنسان وأنها مقنٌعة ببساطة، وممنوعة من بعض الأشرار.إنها لا تعرف أنها (مَهَمّة) عسيرة، وأن لها التاريخ ضديد، وأنها لا يمكن أن تأتي إلا من مكان آخر، وأنها تدعو التاريخ إلى شيء آخر غير ما يعنيه ببساطة.

       نجاعة اللاعنف

          إذا كان اللاّعنف آت من مكان آخر، فكيف يكون حاضرا في التاريخ؟ كيف لا يصير النبيّ اليوغي؟ يبدو لي أن اللاعنف لا يمكن أن يكون تصرفا مقبولا إلا إذا انتظرنا منه فعلا( أثرا)- قد يكون مخفيا جدا- على مجرى التاريخ. فأن يرفض إنسان القتل ويقبل الموت كي لا يلوث يديه (بدم الآخرين)، فذاك ليس بعد مهمّا. إذ فيم تهمّ طهارته؟ هل يكون طاهرا إذا كان الآخرين جميعهم مدنّسين؟ ثم ألا يلتحق فعله من جديد بالتاريخ مع الأفعال القاتلة التي لم يردها ولكنها تستوفي معنى فعله؟ وإذن، فإن العنف الذي يرفضه أحدهم كان على حساب عنف آخر لم يمنعه أو حتى شجّع عليه. وإذا كان لابد للاعنف، إذن، أن يكون له معنى، وجب أن يستوفي هذا المعنى في التاريخ الذي، في بداية الأمر، قد تعالى عليه. ووجب أن يكون له (أي للاعنف) نجاعة ثانية، تدخل في الحسبان مع نجاعة العنف في العالم، نجاعة تغيًر العلاقات بين البشر. فهل للاعنف نجاعة؟ وما هي؟

      1- إن إيمان اللاعنيف، هو أولا أن أشكال رفضه للطاعة تمنح حضورا فعليا للقيم التي يستشفًها الناس ذوي الإرادة الطيبة، فقط في نهاية تاريخ طويل. فإيمانه هو إذن أن هذه الشهادة العينية والآنية التي هي لصالح الصداقة الممكنة بين البشر، لن يكون لها نجاعة مختزلة في أفعالها المحتومة ضمن حساب ضروب العنف المضادة؛ إنه يأمل أنه، فضلا عن الدّنس الذي يتقاسمه مع جميع الأفعال التي تقع في التاريخ، فإن لفعله الغريب، القابل للنقاش دوما على أساس آثاره قصيرة المدى، معنى مزدوج؛ كونه يرعى مقصد القيم، وكونه انشداد التاريخ إلى اعتراف الإنسان بالإنسان.

      إني لا أفهم هذا السيل الجارف من الحماس الذي أفاض على مساحة واسعة من الرأي العام، بمناسبة مبادرة قاري دايفس، إذا كنا لا نحيًي فيه نجاعة واقعية، ولا أوّلا هذه القدرة، على إبطال سحر ما، وفتنة. يرتدّ التاريخ على الإنسان، على نحو قدَرٍ مجنون، مع أنه صانع هذا التاريخ: يذكّرني اللاعنيف أن هذا القدر إنساني، مادام قد علّقه مرة إنسان؛ وفي نقطة بالذات رُفع المحظور، وصار بالإمكان التطلع إلى مستقبل؛ فقد تجرًأ إنسان ما ؛ ونحن لا ندري ما الذي ينجرّ عن ذلك، ولا يمكن أن نعرف، لأنّ هذه النجاعة هي، في المعنى المحدد للمنهج التاريخي، غير قابلة للتحقق؛ إنها المسطًّح حيث يكون الفعل التاريخي موضوع إيمان؛ يعتقد اللاعنيف ويأمل في الحرية أن تقدر على مجابهة القدر، فيمكن له هكذا أن يحيي شجاعة المشاريع على مرّ التاريخ اليومي، وعلى مستوى الأرض.

      إن هذه النجاعة وحدها تكفي لتضع اللاعنيف داخل التاريخ: فليس هو على هامش الزمن، سيكون بالأحرى “في غير زمنه”، لاراهن،كحضور متقدًم، ممكن وممنوح، لعصر آخر، يحتّم على تأمل سياسي رصين ومضني أن يجعله تاريخيا؛ إنه يدفع ثمن تاريخ ينتظر أن يُصنع، وأن يدوًن على متن المؤسسات وأنماط الشعور والفعل.

     ولا يمنع التاريخ من أن يتراخى و ينهار من جديد بالعمل فحسب في اتجاه الغايات الإنسانوية للتاريخ –بقصد العدالة والصداقة- بل أيضا بواسطة قوة هذه الغايات المعزولة من السلاح. إنها المقابل(البديل) للأمل في عرضية التاريخ، لتاريخ غير مضمون.

      2- ويمكن أن يتخذ اللاعنف، في بعض الظروف الملائمة، وتحت تأثير شخصيات ممتازة، أبعاد تحرك، مقاومة غير عنيفة، و بنجاعة عظيمة؛ يمكن له( أي اللاعنف) إذن أن يحدث ثغرة تاريخية حقيقية. فغاندي المتعذر تقليده بقدر ما هو ذاته والمحدود بقدر ما هو عليه أثره، يشكّل في عصرنا الحاضر أكثر من أمل، إنه برهنة. ولعل أكبر الحماقات التي يمكن أن نقولها عن غاندي هو أنه يمثّل اليوغي بحسب كوستلار؛ فليس غاندي بأقل قوة حضور في الهند عن لينين في روسيا. يقينا لا يمكن أن ننكر حدود هذا الحضور: حذره من التقنية المعاصرة، عدم فهمه للبروليتاريا المنظمة، احترامه الكبير للهياكل التقليدية المسئولة عن استيلاب جموع هندية لصالح الكهنة والأغنياء.

      ويمكن أن نآخذه لو لزم الأمر على كل ذلك. (ولكن) لا أرى كيف يمكن أن نختزل في النهاية القوة المثلى لحملاته الناجعة المتمردة في إفريقيا الجنوبية وفي الهند. ويبدو لي أن قيمتها المثلى تكمن في ما يلي:كون هذه الحملات لم تحقّق – في ظروف ملائمة مرة أخرى : فأنقلترا لم تكن النازية- الحضور الرمزي للغايات الإنسانوية فحسب، إنما أيضا مصالحة فعلية لهذه الحملات مع وسائل تشبهها؛ فمن المستبعد إذن أن يبعِد اللاعنيف الغايات خارج التاريخ ويهجر مخطط الوسائل التي قد يدعها على دنسها،إنه يتمرن على ضمّها إلى عمل سيكون بعمق روحية ما وتقنية.

      ويبدو أن اللاعنف لم يكن، من جهة، في نظر غاندي سوى جزء من نظام روحي شامل إلى جانب الحقيقة والفقر والعدالة وطهارة النفس، والصبر والشجاعة، وكره الموت والخشوع،الخ. بل إنه لمن الرائع حتى، أنه قد وضع على قمة هذا الصرح الحقيقة “ساتياقراها”satyagraha الحضن السرمدي للحقيقة”.” إني نحتّ عبارة ساتياقراها في جنوب إفريقيا للتعبير عن القوة التي استخدمها الهنود في هذا البلد طيلة ثمانية سنوات كاملة…إن قوة الحقيقة هي أيضا قوة الحب”(3).وقد كان اللاعنف عند غاندي من جهة أخرى منهجا بل تقنية مفصًلة للمقاومة والعصيان. ولابد أن نعترف بكوننا مجرّدين من مثل هذه التقنية وأننا على جهل بها؛ وقد أخطأنا بعدم دراسة آلية حملاته في إفريقيا الجنوبية وفي الهند،(هذه الآلية) المصمّمة ببرودة والمطبّقة بعناية فائقة؛ فنحن نلاحظ فيها دلالة حادّة لأفعال الجماعة، في الانضباط، والتصميم وخاصة في الغياب الكلي للخوف تجاه السجن والموت؛ هنا ينبثق الطابع الفعّال لللاعنف : فالاستسلام الحقيقي في نظر غاندي هو العنف؛ به استسلم للمحرّض، للقائد؛ و القوة لديه هي اللاعنف.

    إنها هذه القوة التي تختصر الغاية والوسائل في تجربة تاريخية فريدة. فالعنف التقدمي، ذاك الذي يزعم أنه سيزول بالسير نحو الغايات الإنسانوية للتاريخ، هو فن المواربة( الخداع) المغالطة: مواربة الحيلة والكذب والعنف؛ فجميع هيئات الأركان العسكرية والمدنية تمارسه:إنه تقنية الوطنية والثورة؛ يجيب اللاعنيف عن السؤال المطروح عليه حول نجاعته بسؤال آخر: ألا تحتمل ممارسة “المواربة” خطر تأبيد العنف؟ ألا يحتاج العمل السياسي- الوطني أو الثوري- كحضور ( متّهم)ملام،كدعوة وديّة إلى هذه الحركات الرمزية وإلى هذه الأعمال الناجحة جزئيا حيث تكون الغايات هي الوسائل.

          ” المقاومات غير العنيفة” و” العنف التقدمي”

         ولكن هل يمكن أن يكون اللاعنف كل شيء؟ أي أكثر من حركة رمزية، من نجاح تاريخي محدود ونادر؟ هل يمكن له أن يصنع البديل الكلي للعنف، هل يمكن له أن يصنع التاريخ؟

      يستوجب اللاعنف ـ على ما يبدو ـ حدودا غير مؤقتة، حتى في حال الارتقاء به من الامتناع إلى المقاومة.

    1. ليس من قبيل الصدفة أن شعار اللاعنف سلبي: لا تقتل. فقد كانت مسيرته، مسيرة رفض: عدم تعاون، امتناع عن أداء الواجب العسكري، الخ.وحتى عبارة مقاومة تحتفظ بشحنة سلبية: لا نطيع سلطة لا نمارسها. إني أعتقد في نجاعة ضروب الرفض هذه بما هي رفض: ولكن ألا تنبثق نجاعتها عن تمفصلها مع نشاطات إيجابية بنّاءة؟ عندما نمرّ من : لن تقتل، إلى أَحبَّ، من رفض الحرب إلى بناء السلام، فإني ألج دورة الأعمال التي أقوم بها: عندئذ أبدأ من جديد في القمع؛ وألج انفصال الوسائل والغايات بالمشاركة في مشاريع حيث الأعمال الإنسانية ليست” كشيء ممكن معا”compossibles “، وحيث أعاني من شرّ التاريخ مع نجاعة التاريخ.
    2. يبدو أيضا أن اللاعنف من جنس المنفصل: أعمال رفض ظرفية، حملات عصيان، إّنه من جنس السلوك. إنها هذه السلوكيات التي تشهد بتناوب على المطالب الفوق- إنسانية التي تثقل كاهل التاريخ وتدعو الإنسان بالفعل إلى إنسانيته. غير أن هذه السلوكيات تظهر وجوب العثور على ما يكمّلها في أعمال طويلة المدى، في حركات التاريخ، شأنها في ذلك شأن انتصار الدولة الحديثة على الإقطاعيات،في الحركة البروليتارية، وفي الصراع ضد الاستعمار، الخ.
    3. 3-            ، يرد العنف،باتساع أكثر، على وضعيات عينية، على أوامر الدولة التي تأثّر فيّ شخصيا؛ غير أن العمل السياسي يردٌ على ” التحديات”( كي نستعمل العبارة السعيدة لتوينبي) التي تنبثق عن البنى التالية: الاستعمار، الإجارة، والوضع البروليتاري، والخطر النووي؛ إنها تشتغل إذن، على صعيد المجرد، والمعتاد والمؤسسيّ، على صعيد ” التأملات” غير المعروفة بين الإنسان والإنسان.

      يبدو لي اليوم أنه على القائلين باللاعنف أن يكونوا النواة التنبؤية للحركات السياسية تحديدا، أي المتمحورة حول تقنية الثورة، والإصلاح أو السلطة. وخارج هذه المهام المؤسسيّة يجازف العلم الروحاني اللاعنيف بالانزياح إلى كارثية بلا أمل، لكأنما زمن المصائب والاضطهاد هو الفرصة الأخيرة للتاريخ، كأنه بقى علينا أن نمنح حياتنا لزمان حيث تكون الأفعال المخلصة بلا صدى، مخفية من طرف الجميع، بلا أثر تاريخي. قد يأتي هذا الزمان ومعه نظام، هو من اللاإنسانية بمكان، بحيث لا يترك مخرجا آخر سوى لاءات بلا صدى خارج جدران السجون. ما يزال زمان اللانجاعة يتسكع على أبواب التاريخ؛ يجب أن نكون على استعداد لاستقبال الليل.غير أن هذه الفكرة المسبقة لا يمكن أن تكون فكرة مستقبل، فكرة عمل وبناء. وقبل هذا الزمان ـ إذا كان لابد أن يأتي ـ ومادام الوقت نهارا، علينا أن نعمل وفق توقّع، وفق مخطط وبرنامج؛ هناك مهمة تاريخية وهذه المهمة هي بصدد الانجاز في التاريخ.  ولكن، ألا يجب إذن على اللاعنف التنبؤيّ، المنبثق عن انتصار الوعي على قانون التاريخ القاسي، أن يستثمر هذا التاريخ لصالح علاقة درامية يرعاها مع عنف متبقٍ، عنف تقدمي، في حين يستمد هذا العنف التقدمي فرصته الروحية من وعد ولطافة فعل غير عنيف؟

      غير أن هذا الفهم لجدلية لا عنف تنبؤي وعنف تقدمي داخل النجاعة بالذات،لا يمكن أن يكون إلا نظرة مؤرخ. فبالنسبة إلى من يحيا، ومن يفعل، ليس هناك تنازل ولا تأليف، إنما هناك اختيار.إن دغمائية الخلط هو روح اللاعنف ذاته؛ وإذا لم يكن الإيمان تاما، فإنه يتنكّر لنفسه؛ وإذا كان اللاعنف دعوة البعض، وجب أن تبدو لهم كواجب للجميع؛ يريد اللاعنف بالنسبة إلى من يحياه و يمتنع عن مشاهدته أن يكون كل العمل، وأن يصنع التاريخ.

        بول ريكور ” الحقيقة والتاريخ” نشر ” سيراس” تونس- seuil 1995 – ص 262-273

    ــــــــــــــــــــــــــ

    -هوامش:

    *عظة الجبل: موعظة المسيح على الجبل العظة على الجبل أو عظة الجبل الموعظة على الجبل، وتعرف أيضًا باسم شريعة العهد الجديد، طرح فيها المسيح، إحدى وعشرين قضية تنظيمية تشكل لب الإنجيل والعهد الجديد، موضحًا نقاطًا في شريعة موسى، وملقيًا عددًا من الإرشادات التي يلتزم بها المسيحيون. تدعى العظة، عظة الجبل، أن المسيح ألقاها من على جبل، لعله أحد جبال الجليل بالقرب من كفر ناحوم. الشرّاح والمفسرين، يرون في عظة الجبل لبًا لمواعظ المسيح جميعها، وقد يكون أعاد جزءًا منها في مواضع أخرى من بشارته خارج كفر ناحوم، ولعلها استغرقت عدة أيام، وهي تشكل ثلاث فصول كاملة من إنجيل متى. (من ويكيبيديا، الموسوعة) المترجم

    1- أريد فعلا أن نآخذ هذه الدراسة على الضمني التي تفترضه والذي أصوغه في مرحلة ما قبل-نقدية: ولكن من يباشر تحليلا دون افتراض ولا حكم مسبق؟ إن المشكل دوما في معرفة إلى أي مدى يمكن أن نتقدم بعد ذلك في طريق الصدق. إلى أي حد يبنى الضمني نقديا، ويندمج في بحث مشترك، يجابه النقاش، وباختصار، يستوضح على صعيد خطاب متعدد.

    2- قول مقتطف من “تقرير المؤتمر الهندي “،مجلد1 1920( ترجمة لويس ماسينيون في مجلة العالم الإسلامي(أفريل جوان 1920).أب سيروسول مؤسس المصلحة المدنية التطوعية العالمية سأل غاندي عن إمكانية نقل اللاعنف إلى أوروبا فأجابه:”هل أنت متيقن من أن الشعب ليس جاهزا؟ وألا تعتقد أنكم تفتقرون لزعيم؟ يجب أن يكون الزعيم إنجازا إلهيا، في كل دقيقة من ساعات اليوم 24. يجب أن يسيطر على كل شيء في نفسه، وأن يجهل الخوف.يجب أن تنسى نفسك ولا تنساق للذات المأكل والمتع الجنسية. فإذا تطهرت نفسك حصلت على المتعة، لا متعتك أنت، إنما متعة الإله. فيم تتمثل القوة؟ إن صبي ال15سنة يمكن له أن يسقطني. أنا لاشيء، غير أنني حُررت من الرغبة والخوف، أعرف قوة الإله”. أنظر خلاصة سيرته الذاتية تحت عنوان”تجاربي مع الحقيقة

    3- محاضرة حول”الإنسانوية والرعب”لمارلوبني، الروح، فيفري 1949،- ” اليوغي، الواعظ والنبي”.المسيحية الاجتماعية، جانفي 1949.

  • العنف والعنف – جان لوك نانسي / ترجمة: وليم العوطة

    العنف والعنف – جان لوك نانسي / ترجمة: وليم العوطة

    1. أدوّن هنا ما بإمكانيَ استرجاعه، بمساعدة ملاحظاتي، من المداخلة الموجزة التي طُلبَت مني في اختتام ندوة “المائدة الفلسفية المستديرة”. يبدو لي أنّه من المستحسن أن أبقى قريبًا قدر الإمكان ممّا قيل بالفعل حينها. سأضيف إليه فقط لأختتم، بطريقة مميّزة الوضوح (تحت رقم 7)، ببعض المؤشرات عن الموضوع الّذي كنت سأحاول تطويره لو سمحت الظروف بذلك (بينما من  الواضح أنّ فحواه لا يمكنه أن يغيب عن مداخلتي).
    2. عند الاستماع إلى شركائي في هذه المائدة المستديرة، أدهشني عددٌ معين من أوجه التقارب، والجدير بالملاحظةِ أنّ هذه الأوجه لم تعكس اتفّاقًا مسبقًا. مع كونها، بلا شكٍّ، شكليةً، إلى حدٍّ ما (ولكن فقط إلى حدّ ما)، لم توفّر هذه التقاربات، مع ذلك، إشارةً في اتّجاه ما يشبه “سمة العصر”. ولكن، وعلى الرغم من إنّها لن تخلقَ “عصرًا” بالمعنى القويّ للكلمة، ولكنّ “سمات العصرِ” تكشف عن بعضِ ضروراتِ الفكر.

    فلنصف الوضع الّذي ساقنا إلى هذه السمة: ندوة مكرسة للـ”عنف”، وقبل كلّ شيء، من زاويةٍ اجتماعية وسياسوية. ويوضّح برنامجها أنّها ستتناول، في المقام الأوّل، تحليلَ شروط العنف الاجتماعيّ، وأسبابه، وأشكاله، من أجل تظهيرٍ أفضلٍ لإدانته، واستخلاصٍ أحسن لطرق مقاومته أو تقليصه.

    دعيَت مجموعةٌ متنوّعة جدًا من الفلاسفة، وبدا أنّ الجميع قد استعدّ مسبقًا، لا للمشاركةِ البسيطةِ، من منظورٍ فلسفيّ، في تحليلٍ نقديّ للعنفِ فحسب، بل لاقتراح تحليلِ تعقّدٍ analyse d’une complexité، أو حتّى تضاربٍ جوهريّ لموضوعِ العنفِ ذاته. إذا اعترفنا بأنّ الأمر لا يتّصل بمتلازمةٍ مبتذلةٍ من المماحكةِ “المتفلسفة”، وليس أيضًا بنزوعٍ (سيّىءٍ) مخفيّ من أجل شرعنةِ العنف (هذا الشيطان القديم للـ”توتاليتاريا الفلسفية”)، فيجب أن نأخذ بالاعتبار ما يلي: تتوفرّ أمامنا، اليوم، مسألةٌ عن العنفِ، وهي ليست خارجيّةً فقط (تنفتحُ على المقاومةِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ للعنوفِ[1] الفعلية – وهذه المقاومة لا تكوّن، في نهايةِ المطاف، مسألةً، بل إجماعًا غالبًا ما يقترنُ بالعجزِ)، بل تكون داخليّةً أيضًا.

    وعلى وجهِ التحديد: يتجاوزُ التفكيرُ في شيءٍ ما في العنفِ، أو مّما يوضع، على وجهِ السرعةِ، تحت خانةِ المصطلح الفريد للـ”عنفِ”، إدانتَه البديهية. لا شكّ أنّ “ماهية” العنفِ لم يستنفدها شجبُه، وربّما لن تكون معالجة مسألةِ “الماهية” هذه (و\أو المفهوم، و\أو تاريخ المفاهيم والماهيات نفسها) من دون أثرٍ على التحديداتِ الأخلاقية والسياسيةِ الّتي نحتاجها. يبقى أن نفكّر -أو هذا ما يتبادر اليوم إلى الذهن- بما هو من نمطِ تنوعٍ للـ”عنوف”، وربّما “طيّةٍ” داخليةٍ للـ”عنف”.

    لهذا السبب، عنونتُ هذه الملاحظات بـ”العنف والعنف”، لا بقصدِ أن أعنيَ بذلك المكان topos “عنفٌ وعنفٌ” (الشرعيّ واللاشرعيّ، الجيّد والسيّىء، الثوريّ والرجعيّ…إلخ)، وهو الّذي استُنفِدَت سرديته أيضًا(مع المشاكل المرتبطة اليوم بعنوفِ الدولةِ، والعنوفِ الثورية، وبـ”الدفاع المشروع” في كافّةِ حالاته، وبالحربِ “العادلة”، وعقوبة الموت…إلخ.)

    ما يبرِزُ، بالإضافة إلى ذلك، سمةَ العصر كما هي، أي الحضور الجليَّ، والمتصدّر للأحاديث المدلى بها في الندوة، لما يمكن تسميته بحقّ التقاليد الفلسفية الحديثة والمتعددة لتعقيد complexification أو لتفكيكِ مفهوم “العنف” أو مفهوماته، وهو ما سأعود إليه.

    • بدا لي أنّه يمكن رسم التقارب بين تصريحاتِ الفلاسفة في الندوةِ، وهو، مرةً أخرى، أقلُّ من التفاوت بينهم، في ثلاث نقاط:
    • يوجد ما هو أوليّ وتكوينيّ في العنف، ويرتبطُ بالغيرية altérité، وبالعلاقة بصفتها كذلك(لكنّه، في هذه الحقيقة بالذات، يختلفُ عن دافع “العدوانية الطبيعية”)
    • على الرغم من ضرورته، يشكّل القانون وحده ردًّا غير كافٍ(وليس فقط لأنّه سيفتقر، في حدّ ذاته، إلى القوّة)
    • لا يمكن لآخرِ العنفِ أن يكون لاعنفًا محضًا وبسيطًا، بل يتطلّب “عنفًا مضادًا”.

    اعرِضُ عن هذا الترسيم الثلاثي، وعن أسئلةٍ لا حصر لها يثيرها. ليس لي أن أطوّره من وجهةِ نظرِ المتحدّثين الآخرين، بافتراض أنّهم يقبلونه كما هو. من ناحيتي، حاولت التعليق عليه من المنظور التالي:

    • بادئ ذي بدء، وبطريقةٍ بسيطةٍ للغاية، يوجدُ اعتبارٌ تاريخيّ: يتوفرُّ في الحداثة كلّها، وبلا شكّ كواحدةٍ من أكثر سماتها تحدّدًا، موضوعٌ متكررٌ للالتباسِ والازدواجية، وحتى لانعدام قدرةِ البرهنةِ على العنف. هي مسألة موضَعة [من موضوع]، وليس استخداماتٍ متعدّدةٍ للعنف، ولا حتّى لعنوفٍ من طبائع مختلفة، بل بالأحرى مسألة تكوينٍ ملتبسٍ جوهريًا للعنف – وهذا الأخير، علاوة على ذلك، ربّما لم يُعثَر عليه إلاّ في هذا التطوّر التاريخيّ للمفهوم و/أو المسألة الّتي تعنينا.

    لا أريد تعقّبَ هذا التاريخ، بل سأكتفي بسلسلةٍ من الأسماء التي سيكون لها بذاتها، ومن دون شكٍّ، بلاغةٌ خاصّة: هيجل، وشوبنهاور، وماركس، ونيتشه، وسوريل، و[والتر]بنيامين، وباتاي، وهايدغر، وسارتر، ودريدا، و[رينيه]جيرار، على الأقل. (عند تقاطعِ هذه النصوص كلّها ، ليس كموضوعٍ فحسب، بل بالمعنى التاريخيّ الدقيق لكلمة “تقاطع”، ينبغي، بلا شكٍّ، إعادة تفحّصِ نصّ بنيامين في هذا الصدد).

    لن أتعقّبَ هذا التاريخ، لكنني مقتنع بأنّ إعادة بنائه بدقّةٍ، بحسبِ تكوّنٍ حقيقيٍّ للعنف كخاصيةٍ للحداثة، ستكون حجر الزاوية في عملية البناء. في هذه الأثناء، أودّ ببساطة اقتراحَ التالي: الخيط الأساسيّ لهذا التاريخ يقوم، مع الحداثة وكواحدة من آياتها، على أنّ العنف ولجَ الكائنَ ذاتَه(هذا لا يستبعدُ إرجاعُ “الحداثة”، هنا كما في أيّ مكانٍ آخر، إلى كلّ “عصورها القديمة”، حتّى على نطاق أوسع.

    لكنني لن أعيد تنشيط النقاش برمّته حول مفهوم “الغرب” في هذه النقطة، على الرغم من أنّ اللافت للنظر أنّ “العنف” يشغلُ، بلا شكٍّ، في هذه الإشكالية، مقامًا -هل يجب أن نقول “للأسف”؟ – متميّزًا). تعني عبارة “ولجَ العنفُ الكائنَ ذاته”: أنّه لم يعد من الممكن تمثيله آويًا إلى “طبيعةٍ” خارجيةٍ، أو، على نفس المنوال، مستوعَبًا في “الثقافة” (وهي نفسها تتصوَّر، بالعمقِ، أنّه هو من يوجّهها). يجب أن يُفكّر بـ”الثقافة” نفسها (و/ أو “الذات”) وفقًا للعنف، وفقًا لعنفٍ أو لـ “طيّةِ” العنف – وهو “عنفٌ” يكوّن، من ثمَّ، “الذاتية” نفسَها .

    • . (أعرض هنا ملاحظة تخطرُ لي: يتشارك العنف “في الكائن” مع عنفٍ في اللّغة – بل بتفكيرٍ في اللغة وفقًا للعنف. من دلالةٍ عنيفةٍ إلى عنفٍ دالٍ، مرورًا باغتصابٍ للّغة، سيتوفرّ لنا مسارٌ للحداثة نميّز فيه أسماء هيجل، وهوغو، وبودلير، ومالارمي، ورامبو، وبروست، وباوند، وسيلين، وجويس، وبيكيت، وسيلان، وأولئك الّذين أنساهم والعديد من المقلّدين. لن نتخلّصَ من تحليلٍ للعنف إذا لم نمر بهذه الحالات كلّها. وبكافةِ المعاني الممكنة، سيلزمنا هذا التعليقُ من هذا الشطر لبيسوا: “كلماتكِ تنكّلُ بي”. علاقة عنيفة باللغةِ، واللغة – واللّغات في ما بينها أيضًا – كعلاقٍة عنيفة. ها هو جزءٌ أساسي من تراثنا.)
    • هذا الظهور للـ”عنف” في الكائنِ واللّغة (بل، ككائنٍ وكلغةٍ، وأيضًا كعلاقةٍ بين الكائنِ واللغة) يرتبطُ بظهورِ مسألة العلاقة، على هذا النحو وعلى نحوٍ مطلق – وبالعلاقةِ الأونطولوجية أو بأونطولوجيا العلاقةِ كحالةٍ أخيرةٍ حقيقيةٍ، بالأونطولوجيا بما هي كذلك. يسرّني أن أقول: بتَّت هذه القضية مع روسو). لكن، هذا لا يعني أن العلاقةَ ستستلزم، وباستمرارٍ، العنفَ ذلك لأنّه يحيل، قبل كلّ شيءٍ، إلى السلطة. فالسلطة نفسها، مع عنفها الخاصّ، لاحقةٌ للعلاقة. (هذا ما سعى روسو، على نحوٍ مبهمٍ، إلى التفكير فيه. لكن تبقى صورة العقد نفسها لاحقةً للعلاقة في حدّ ذاتها.)

    بالمقابل، سيكون من الضروري التفكير في آنٍ واحد:

    • بأنّ العلاقةَ تعاصرُ حدودها وتتمادى [من امتداد] معها. هذا ما بدأ مع هيجل ويستمر معنا، بدون أن تجد هذه التعاصرية contemporanéité والامتدادية للعلاقة وحدودها طريقها لتتمفصَل خاصّةً على هذا النحو (وربما لا تتوفرّ على تمفصلٍ “خاصّ” بما هي كذلك…). يفكَّر دائمًا بالعلاقةِ على أنّها “من واحدٍ إلى آخر”، بينما لا يمكن أن يوجد “الواحد” و”الآخر” إلاّ عبرها، أي أنّ كلّ “واحدٍ” هو “آخر”. لم تُستوعَب بعدُ العلاقةُ بما هي “جماعة” communauté للآخريةِ (مثل “مشتركٍ” بالقوّة الكاملة للمعنى المزدوج للكلمة)، لأنه يُعتقد أنّها تطرأ على الواحدِ وعلى الآخر، ومن ثمَّ، كالتياثٍ altération للواحدِ والآخر، بدلاً من أن تكون غيريةً أصلية. هذا ما يمكن أن أسمّيه التعاليَ المطلق للـ في جماعيّ en-commun (حيث تشير الـ “في” en بدقة شديدة إلى لاجوهرية ولاهوية الـ”جماعيّ” على هذا النحو ، أو الكائن-في-الجماعيّ).
    • بأنّ العلاقة، وعبر هذه الحقيقة بالذات وهذه الحقيقة وحدها، وبفعلِ التعالي المطلق لما هو جماعيّ، هي تمزّقٌ لتكامليةِ المتجانسِ (أيا كان: تجانسُ أحدهم، أو تجانس آخرٍ، أو جماعتهما). العلاقة تمزّقٌ للمتجانس، والمستمرّ، وللجوهريّ، أو انسحابٌ أصليٌ منه (أو، إذا أردنا القول، انسحابٌ من الكائنِ: الكائنُ- في- الجماعيّ كسرٌ للكائنِ). هكذا، يوجد عنف أرشي Archie أو عنفٌ متعالٍ مطلقٌ للعلاقة، عنفٌ بتمثلُّ تحديدًا في لاجوهريته أو في لاماهويته، أو للدقّةِ، في ماهويةِ لاماهويته. وبالمثل، عند هيجل، وكصنفٍ من نموذجٍ أوّل للعلاقة، فإن عنفّ القوّة هو ما يحدث للجوهر من حيث هو محايثٌ مجرّد، والأخير، على هذا النحو، “لا يلقى سوى ما يستحقّه”. لدينا هنا، في الواقع، إحدى حالات “السالبية المردودة إلى الذات”، أيّ أننا في قلب الديالكتيك.

    لن أذهب هنا أبعد من ذلك، أي إلى التحليل الذي ينبغي إجراؤه في إطار الديالكتيك الهيغلي- الذي يمكن لـ”قلبه” أن يكون فكرًا “عنيفًا” مثل الفعل المتعاليّ للعلاقة. أودُّ القول ببساطة: هي ليست مسألة أنّ “العلاقةَ عنيفةٌ”، بل بالأحرى إنّ “العنف علاقة”.

    • لكنّني أرغب بالإشارة إلى التالي: يتبقّى ما لم يُفكّر فيه إلاّ قليلاً، وهو أنّ هذا “العنف” “الأصليّ” للعلاقة بما هي كذلك، أي “تمزّق” المتجانسِ، واللا-اختلاف، [أي] التفاضلية بصفتها هذه، والّتي يوجد “الواحد” و”الآخر” عبرها، والواحد مثل الآخر، بكل معاني التعبير(في هذا الصدد ، يجب أن نعيد قراءة “Violence et métaphysique” لـ دريدا)

    هذا “العنف” ليس عنفًا يمارس ضدّ ذاتٍ ما، أو عليها، طالما لا توجدُ ذاتٌ تسبقه، وأنّ “ذاتًا” ما لا توجد إلاّ منه. يمكن أيضًا أن يقال عنه إنّه “لا-عنف” (وهذا ما يفعله دريدا). ومع ذلك، هذا لا يكفي، بل قد يكون من الخطورة  أن يفقد [العنف] قوّته في الاقتحام، وقوّته في استئناف تاريخٍ وتشييدِ تناهٍ – [أي] قوّته في الحدث.

    ربما تكون المسألة على وجه التحديد أن نفكّر في الحدث-التفاضليّ، والزمنيّ، والتاريخيّ، والمتناهي، بصفته كذلك، وربما تكمن هذه الـ “بصفته كذلك”، وقبل كلّ شيء، في قوّةٍ تخريبيةٍ- تخريبيةٍ للاشيء، ولكنّها تخريبية على نحوٍ فعّال (وحتّى الفعّالية نفسها.) إذن، لا يوجدُ عنفٌ ولا يوجد لاعنفٌ، [بل]ما يمكن أن أسميه ربّما، ولكن مؤقتًا، الانفجار، انفجار وتفجّر العلاقةِ التي يوجد بها أحدٌ وآخرٌ، في فجوةٍ مضطربةٍ.

    يمكن القول: إنّ الانفجار جوانيّةُ البرّانية على هذا النحو، ولا يعود “إليـ”ـها بذاتها، بل ينكشفُ كذاته، مثل “الخارج” بلا “داخل”، ولكنّه خارج علاقةٍ، ما يجعل العلاقة، بما في ذلك وقبل كل شيء، علاقةً بالذات.

    إذاً، فالعنفُ “بالمعنى الصحيح” سيكون ما ينشأ عمّا لا يطيق هذ الانفجار وهذا التفجّر في الأصل. قد يكون العنف عنيفًا بقدر ما لا يطيق التقاسم العنيف للأصل. هو لا يطيقه لأنّه ملتزمٌ بتمثيلٍ لذاتٍ مسبقةٍ، لمتجانسٍ يطرأ الانفجار عليه.العنف: السخطُ ضد الانفجار.

    هكذا، فالعنف مزدوجٌ بهذا المعنى – وهي الازدواجية التي يمكن، بلا شكّ، أن نجدها في نتاجِ سلسلةٍ من النصوص الحديثة المذكورة سابقًا. لا ريب أنّ هذه النصوص كلّها كان يطاردها حسٌّ بالضرورةِ: أن تقف قبالةِ العنف، وليس اللاعنف، ولكن ما أراد بنيامين أن يسميه “العنف الإلهي”، مقابل “العنف الأسطوري”.

    بقولنا هذا، لا نقول شيئًا أصليًا للغاية. ونذكر، مرة أخرى، أنّ العنف سخطُ الاختزالِ إلى الهوويّ l’identique. لكن ربّما ما يهمّنا وما ينقصنا حتى الآن في خطابنا وممارساتنا أمام العنف، هو أن نعير اهتمامًا كافيًا إلى أنّ العنف هو بالضبط  الوجهُ الآخر للانفجار في الأصل، أو هو الانفجار وقد أصبح لا يطيق نفسه، وهو الّذي ينتهكُ واقع العلاقة لمخيالِ تكامليةٍ بلا علاقات.

    على هذا النحو، نكتسب هذا على الأقلّ: انفجارُ الأصل لا يطاق بالفعل، ومهمة الوجود – مهمّة الإحساس المحدود للوجود – هي، حقيقةً، مهمّة صعبة تتناسبُ وقساوة الانفجار. لذلك لا يكفي معارضة العنف بإدانةٍ أخلاقيةٍ تستند في حدّ ذاتها إلى الافتراض المسبق لسلامٍ آمنٍ، للاعنفٍ بمثابةِ تسكينٍ لكلّ انفجار. لا شيء يمكنه معارضةَ العنف إذا لم تتضمّن إيماءة المعارضة، وفي الآن عينه، إشارةً إلى الانفجار المضطرب، وبالنتيجةِ، إلى “العنف” المطلوب أيضًا من أجل تعميده بالفاعلية والرهان.

    لا يمكننا نبذ (أو العدول عن) العنف بالدعوة إلى الحبّ أو باستدعاء القانون. هذا هو، في الواقع، التاريخ الحديث والمخيف لما يمكن أن نطلق عليه “الديموقراطية المسيحية” بمحاباةٍ ميتاسياسيةٍ للمصطلح: ليس فقط بسبب إخفاقاتها المدويّة، بل، وقبل كلّ شيء، بسبب تواطئها في تعيين أصلٍ ووجودٍ لن يكون انفجارهما لا يطاق، وسيتحمّلانه كما هو. (ومع ذلك، لا ينبغي لـ “طيقَ ما لا يطاق” أن يكون قضيةً بطولةٍ يسندها عنفٌ أصمّ يكون قادرًا، بدوره، على [فعل] الأسوأ. وربّما تكون هذه هي النقطة الأصعب.)

    على العكس من ذلك، وإن ظلّ يتعيّن علينا أن نساءل صيغة المستحيل تلك الّتي أرادت كلّ ثقافةٍ العثور على إمكانية وجودها، لا يمكن بلوغ “الحبّ” أو “القانون” – أو “قانون الحبّ”، إلا بشروط عنفٍ أو انفجار. ما نحتاجه هو توضيح هذه الشروط والتعبير عنها.


    المصدر:

    Jean-Luc Nancy, Violence Et Violence, Éditions Hazan , « Lignes »,1995/2 N° 25 | Pages 293 À 298, Article Disponible En Ligne À L’adresse :

    [1]  نقترح عنوف صيغةَ جمعٍ لعنف.

  • العنف بين البشر في ضوء صراع الإنسان وعدوانه – باس دو قي فورتمان / ترجمة: رزان التركي

    العنف بين البشر في ضوء صراع الإنسان وعدوانه – باس دو قي فورتمان / ترجمة: رزان التركي


    منذ حوالي سبع سنوات، كرست «ديدالوس»، وهي المجلة الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، عدد الربيع بالكامل للدماغ. تم اعتبار هذا الحدث، كما تؤكد المقدمة، احتفالًا بإنجاز لا جدال فيه: “التقدم غير العادي الذي تم إحرازه … في دراسة أكثر الأجهزة تعقيدًا بين جميع الأعضاء، وهو الدماغ”. في الورقة الأخيرة من العدد، بعنوان من الواضح أنه جذب انتباه العديد من علماء الاجتماع في المقام الأول : «حيث يتعارض الدماغ والجسم والعالم»، يخبرنا «أندي كلارك» بما أنجزه دماغنا على وجه التحديد عندما ننهي ورقة أكاديمية:

    يدعم الدماغ قراءة بعض النصوص والمواد والملاحظات القديمة. في حين نعيد قراءة هذه الأفكار، يستجيب بتوليد بعض الأفكار والانتقادات المجزأة. ثم يتم تخزين هذه الأفكار والانتقادات على أنها علامات على الورق، أو على الهامش، أو على أقراص الكمبيوتر، أو بعض وسائل التسجيل الأخرى. ثم يلعب الدماغ دورًا في إعادة تنظيم هذه البيانات على أوراق نظيفة، مضيفًا ردود فعل وأفكارًا جديدة. تتكرر دورة القراءة والاستجابة وإعادة التنظيم الخارجي مرارًا وتكرارًا. أخيرًا، هناك قصة أو حجة أو نظرية للمنتج. (1998, 271).

    عندما قرأت هذا النص، كان لدي ارتباط اعتبرته وثيق الصلة بالورقة الحالية، لكنني لم أقم بتدوينه. أثناء الاستمرار في قراءة نص «كلارك»، تبادر إلى ذهني فجأة أنني نسيت اقتباسي المتصل. ثم أعدت قراءة هذه الجمل نفسها وتذكرته: ملاحظة من «هيدلي بول» في عمله حول النظام والاضطراب في عالم الدول القومية (1977).  بشكل ملفت، يقول:

    “العالم أكثر تعقيدًا من حججنا بشكل لا نهائي”.

    بداية وقبل كل شيء، هذه الطريقة المذهلة لاستعادة الذاكرة: يبدو أن دماغنا يرتبط بطريقة منظمة. وبالفعل، فإن معظمنا الذين هم أكبر سناً  يعلمون أنه عندما ينسى المرء شيئًا ما، اسم على سبيل المثال، فإن الطريقة لاستعادة تلك المعرفة هي وضع الاستعلام خارج عقلك أولاً ثم العودة مرة أخرى، بالاقتران مع سياق مرتبط. بمعنى آخر، بغض النظر عن جميع الأبحاث العلمية المذهلة التي يقوم بها علماء الأعصاب، فهناك بعض الفهم السليم لعقلنا أثناء العمل. ولكن اسمحوا لي أن أقاوم أي إغراء نحو مزيد من الخوض في منطقي العصبي العلمي المشترك والعودة إلى «آندي كلارك»:

    لكن هذا المنتج الفكري (ورقتنا الأكاديمية) يدين بالكثير لتلك الحلقات المتكررة في البيئة. يرجع الفضل إلى الوكيل في العالم. العقل البيولوجي هو مجرد جزء (وإن كان جزءًا مهمًا وخاصًا) من عملية ممتدة من الناحية المكانية والزمانية، تتضمن الكثير من العمليات الخارجية، التي يخلق عملها المشترك المنتج الفكري. وبالتالي، هناك شعور حقيقي … حيث تكون فكرة “محرك حل المشكلات” هي في الحقيقة فكرة المجموعة كاملة، الدماغ والجسم اللذان يعملان في إطار بيئي. (1998, 271-272).

    سياق هذه الإشارة إلى العالم الخارجي بسيط إلى حد ما: كتابة ورقة أكاديمية. إن العنف بوصفه مظهراً من مظاهر العدوان الناجم عن الإحباط أكثر تعقيداً، وإلى حد بعيد، فإذا كان ذلك وحده لوجود عنصر من عدم الفهم هناك: فانظر، على سبيل المثال، إلى طريقة الإبادة الجماعية الرواندية التي قتل فيها الرجال والنساء جيرانهم، بما في ذلك كبار السن وكذلك الأطفال. هذا هو في الواقع أحد الأسباب وراء عدم استهدافنا في العلوم الاجتماعية أبدًا لنموذج «أشعيا برلين» في العلوم الطبيعية: “نظام من المقترحات عام جدًا، واضح جدًا، وشامل جدًا، مرتبط مع بعضه البعض بروابط منطقية لا لبس فيها ومباشرة، حيث أن النتيجة تشبه بشكل متقارب نظام استنتاجي، حيث يمكن للمرء أن يسافر على طول طرق موثوقة بالكامل من أي نقطة على النظام إلى أي نقطة أخرى (1997 ، 21).» «لا أحد يتصور أن علم الأعصاب يشكل مثل هذا النظام بعد”، يعلّق «فيرنون ماونكاسل» “لكن التقدم الذي تحقق في نصف القرن الماضي في الأساليب والمفاهيم، وتراكم الحقائق عن الدماغ وكيف يتحكم بالسلوك، جلبت العديد من المبادئ العامة في مجال اللعب. يمكن للمرء أن يتصور، ولو بشكل خافت، مثل هذا النظام من المقترحات – عامٌ جدًا، وواضح جدًا – الذي يميز الحالة الراهنة لعلوم الدماغ (Mountcastle، 1997، 2). “

    ومع ذلك، فإن هذا «الأستاذ الفخري في علم الأعصاب» يشير أيضًا إلى “وجود فجوة تفسيرية كبيرة بين عمليات الدماغ وعمليات العقل التي تنتجها. (ماونت كاسل ، 1997 ، 1). ” إذن، يبدو أن «الوعي» هي الكلمة الأساسية في جدول أعماله البحثي، ويقترح البحث عن تفسير لأحد أبسط مستويات الوعي أولاً. حسنًا، في الواقع، عندما يتعلق الأمر بظواهر مثل العدوان والإدمان، توجد حدود معينة لبناء نماذج استنتاجية واضحة وعامة تتجلى بوضوح. اسمحوا لي أن آخذ مثالاً من عمل «إيمانويل كانت» الذي لفتت «سوزان نيمان» انتباهنا إليه في محاضرتها الأخيرة «توماس مور».   يؤكد رجل بأنه في كل مرة يمر فيها منزل ذو سمعة معينة، يغمره إغراء الدخول إليه من أجل العثور على ارتياحه. في الواقع، قد يكون على دراية ببيئة معيارية معينة تسجل فيها اللياقة الإنسانية والإخلاص درجة عالية، لكن عليه ببساطة أن ينحني إلى ميوله المباشرة. مدمن للجنس، كما نطلق عليه اليوم. لكن الآن تخيل، كما يضيف «كانت»، أنه أمام مثل بيوت الدعارة هذه قد تم بناء مشانق ضخمة حيث يتم شنق الزوار فيها بمجرد مغادرتهم لتلك الأماكن. هل ما يزال صديقنا غير قادر على مقاومة إغراءاته؟ بالطبع لا، يبدو أن هناك عالمًا خارجيًا يمارس تأثيرًا لا يمكن إنكاره على العالم الداخلي للمخ والعقل والوعي والسلوك. هذا هو العالم الخارجي الذي يتم بناء كل من ما يسمى بمتاجر المتعة والمشنقة فيه.

    اسمحوا لي بملاحظة جانبية هنا، بخصوص علم الأدوية العصبي بشكل عام. هناك بحث تجريبي وفير يوضح الآثار المترتبة على إخضاع بعض الأدوية الطبية فيما يتعلق بالإدمان و/أو العدوان، ويفترض عن طريق تخفيف الخوف كقوة دافعة. إنه، على وجه الخصوص، في خلفية وراثية واضحة، يعتبر هذا الدواء ذا أهمية أساسية في الجهود المبذولة للتأثير على سلوك الإنسان بطريقة مفيدة، سواء من منظور الفرد أو من زاوية اجتماعية. ومع ذلك، قد تكون هناك عوامل فردية على المحك أيضًا، والتي من شأنها أن تحفز أيضًا على العلاج النفسي، كما لاحظت «برونوين دي غاي فورتمان» (ابنتي التي تعمل معالجة نفسية في ديفينتر، في هولندا) عندما ناقشت موضوع هذه الندوة معها. ومع ذلك، فمن الواضح أن الأحداث غير المفهومة في حالات الإبادة الجماعية تتجاوز أي تصور دوائي.

    نتحدث في القانون الدولي عن جرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك، يبدو أن الأعمال التي تعتبر من زاوية معيارية غير إنسانية، يرتكبها البشر على أي حال. على هذا النحو، فهم يقعون ضمن المهمة البحثية للعلوم الاجتماعية، حيث إن كلاً من الأجسام المضادة – الشيء العملي لدراستنا – والوضع القائم، هو المنظور الأساسي الذي نأخذه.  اسمحوا لي أن أن أتكلم عن الجزء الأول بداية.  في العلوم الاجتماعية، على عكس العلوم الطبيعية، يجب علينا أن نقبل عدم وجود حقائق حقيقية من شأنها أن تسمح لنا بتأسيس حقائق لا يمكن إنكارها مثل تحديد الماء بأنه H2O. العنف الجماعي الذي يلاحظ في السودان مختلف عن العنف في العراق أو في بوليفيا أو في أي مكان. ما يمكننا إثباته هو مجرد “حقائق منمقة” بمعنى أن الصراع العنيف كظاهرة منمقة يميل إلى الحدوث في بيئة محددة، تتميز، على سبيل المثال ،بالضغط الشديد على الموارد، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية الضخمة، و/أو عدم وجود عقد اجتماعي. قد يخدم المصطلح الأخير في زيادة توضيح النقص العام في الدقة في العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية: ما يشير إليه عدم وجود عقد اجتماعي هو نقص معين في العلاقات بين الدولة والمواطن.

    يواجه جنسنا البشري سلوكًا عنيفًا بالفعل، ليس فقط على المستوى الفردي ولكن بين الشعوب أيضًا. في حين أن الأخير قد يأخذ تعبيرات غير مفهومة بالكامل، إلا أننا نلاحظ أيضًا بعض الإعدادات التجريبية المحددة التي تميل إلى الحدوث. هناك اقتصادي واحد على وجه الخصوص أخذ النظرية الاجتماعية والنفسية كنقطة انطلاق للتحليلات في هذا الصدد: «ثيودور روبرت غور» (1970). لماذا تعتمد لعبة «Men Rebel» على ما تقوم عليه فرضية الإحباط والعدوان التي قدمها Dollard و Doob و Miller و Mowrer و Sears في دراسة مكتوبة عام 1939.  جادل «غور» بأن الإحباط الجماعي، الموجود في جذور العنف الجماعي كما هو، ينبع من الحرمان النسبي، مما يعني وجود تباين ملحوظ بين “توقعات القيمة” بمعنى السلع وظروف الحياة التي يعتقد الناس أنهم يستحقونها ، و “قدراتهم القيمة” التي تشير إلى البضائع والظروف التي يعتقدون أنهم قادرون على الحصول عليها والحفاظ عليها. أساس نظريته إذن، هو أن احتمالات العنف الجماعي تختلف بشدة مع قوة ونطاق الحرمان النسبي (غور ، 1970 ، 24 ؛ دوغان 2003).

    الآن قبل أن نذهب إلى أبعد من ذلك في نظرية الحرمان النسبية لجور، والانتقال من هناك إلى قضايا العنف والظلم، دعونا نحاول أولاً فهم فرضية الإحباط والعدوان. وهو يتألف من هدف ذو شقين: (1) “حدوث السلوك العدواني يفترض دائمًا وجود الإحباط” ؛ و (2) “يؤدي الإحباط دائمًا إلى شكل من أشكال العدوان (Dollard et al. ، 1939 ، 8).” في حين أنه (1) ما يزال مقبولًا بشكل عام، (2) لم يعد يُنظر إليه على أنه افتراض صحيح. لفهم ذلك، علينا أن ننظر أولاً إلى المفاهيم ذاتها.

    العدوان هو شكل من أشكال السلوك، يهدف إلى إلحاق الأذى بأولئك الذين يتم توجيههم نحوه. وتكمن الفرضية وراء ذلك، في حالة ذهنية تتميز بعدم الرضا عن الأهداف التي لم تتحقق، “التدخل في حدوث استجابة الهدف المستحث في الوقت المناسب في التسلسل السلوكي” في المصطلحات المستفادة من «دولارد كم سويس» (دولارد وآخرون، 1939 ، 7). هذا هو السبب وراء هذا التدخل الذي يدفع “غريزة القتال في الوحش والإنسان الموجهة ضد أفراد من نفس النوع (1966 ، 20)”. كما قال «لورنتز» بصراحة.

    من الواضح أننا نجد أنفسنا هنا في واجهة الدماغ، والعقل، والوعي من جهة – المحرك الداخلي – بالإضافة إلى العوامل الهيكلية وراء العنف بين الشعوب من ناحية أخرى – المحرك الخارجي. هذا، وقبل كل شيء، مجال أولئك الذين يدرسون السلوك الإنساني كمسألة غرائز ومحركات، بعبارة أخرى هيمنة علماء النفس.   كان «فرويد» هو الذي اقترح التعامل مع العدوان باعتباره غريزة كبرى مستمدَّة مما يسميه «ثاناتوس»: الدافع الفطري الموجه ضد الذات. عندما يفوز «إيروس» عادة ، الدافع الرئيسي الآخر، الذي يوجهنا نحو الحياة، فإننا نحول عدواننا إلى الخارج. من خلال ما يسميه «فرويد» التنفيس – كمراقبين للعنف، على سبيل المثال، أو إيجاد منفذ في المظاهر الأكثر اعتدالا من الغضب – قد تتضاءل الرغبة العدوانية في حالات ذهنية مطهرة وعاطفية مهدئة (Dugan 2003؛ Campbell 1993). في مثل هذه الطرق يتم تجنب العنف اللانهائي بين البشر.

    ومع ذلك، ففي حين أن أولئك الذين يعتبرون العدوان كمسألة طبيعية في الأساس يميلون إلى إحداث تأثير فاضح للتعبير الأكثر اعتدالا للغريزة، فإن البحث التجريبي لا يثبت هذا الافتراض، كما لاحظ «دوغان». من الواضح أن الأزواج الذين يتشاجرون أكثر من غيرهم هم الأكثر عرضة للانخراط في العنف الجسدي، و “إن أفضل مؤشر على احتمالية تعرض الفرد للعنف الإجرامي هذا العام هو عنفه الإجرامي في العام الماضي (Dugan 2003، 2). والجدير بالذكر أن هذه الملاحظة تتوافق تمامًا مع الارتباط الإيجابي بين الحرب الأهلية في الماضي والحاضر. وهكذا، فإن اندلاع العنف الجماعي في الماضي بين الصرب والكروات، لذكر  مثال محدد فقط، لم يلقن هؤلاء الناس درسًا في صنع السلام، بل خلقوا أرضًا خصبة لاستمرار أعمال العدوان ضد بعضهم البعض.

    ولكن لحسن الحظ، فإن القضية ليست مجرد مسألة ذات طبيعة إنسانية مطهرة أو غير ذلك. في الواقع، بجانب أولئك الذين يعتبرون العدوان أساسًا مسألة غريزية، توجد مدرستان فكريتان أخريان فيما يتعلق بالعدوان: أولئك الذين يرون أنه يتم تحفيزه خارجيًا، وأولئك الذين يركزون على العدوان المستفاد. بطبيعة الحال، تأتي التخصصات الأخرى إلى الواجهة هنا (Dugan 2003، 1). في الواقع، يتم فرض فرضية الإحباط والعدوان، كما علق المؤلف المشارك «نيل ميلر» (1941) بعد عامين من نشر الدراسة التي أطلقتها، من الملاحظة المنطقية، ومن دراسات الحالة السريرية، ومن بعض الدراسات التجريبية، ومن الدراسات الاجتماعية، ومن نتائج العمل الميداني الأنثروبولوجي. ليس من المستغرب إذن أن يكون «ميلر» نفسه قد أكد بالفعل على أن وجود الإحباط يؤدي دائمًا إلى شكل من أشكال العدوان.

    مؤسف من وجهة نظر اثنتين. في المقام الأول، فإنه يشير إلى، على الرغم من أنه لا يتطلب بأي حال من الأحوال منطقية، أن الإحباط ليس له عواقب أخرى غير العدوان. … الاعتراض الثاني على التأكيد المذكور هو أنه يفشل في التمييز بين التحريض على العدوان وحدوث العدوان الفعلي (ص .377).

    النقطة الأخيرة تناولها «بيركوفيتش». يجادل بأن “كل إحباط يزيد من التحريض على العدوان، ولكن هذا التحريض يطلق عليه هنا غضب (1980 ، 136).” الغضب، في هذا المشهد، لا يؤدي إلى العدوان إلا عندما يكون “هناك إشارات أو محررات مناسبة (ص .122)”. النقطة المهمة هي أنه بين الغضب الناجم عن الإحباط والعدوان، يبدو أن هناك متغيرًا آخر يلعب دوره: تفسير عدم الارتياح من جانب الشخص فيما يتعلق بالاستجابة الفعلية. اسمحوا لي أن أحاول توضيح هذه اللغة المجردة إلى حد ما مع مثال ملموس. لقد اشتريت تذكرة قطار في يوم ما دون ذكر استحقاقي العام لخصم. عندما سمعت سعر التذكرة المذكورة، يسترجع ذهني، كانت هناك إشارة “مرتفعة للغاية”. سبب عدم استجابتي لهذه الإشارة قد يُفسر من خلال عجلتي للحاق على القطار. بعد أجلست في مقعدي في ذلك القطار، أدركت على الفور خطئي، نظرت إلى تذكرتي وفكرت: “لماذا لم يسألني هذا الشخص الذي يقف خلف الشباك عما إن كان يحق لي الحصول على خصم، كما يفعل هؤلاء الأشخاص عادةً، مع الأخذ في الاعتبار الانتشار الشائع لبطاقات الخصم”. إحباط، بعبارة أخرى، وهنا توجهت إلى المرأة التي باعت لي تذكرة. لو كنت لا أزال في مكتب التذاكر ورفض هذا الشخص استبدال تذكرتي بأخرى يشملها الخصم، فقد يتحوّل الإحباط إلى بعض الاعتداءات اللفظية. ولكن جلوسي في القطار، مع علمي بأن شيئًا لن يتغيّر، التفتت إلى نفسي، وقلت لها إن هذا كان درسًا لا ينبغي أن أنساه أبدًا: عندما تشتري تذكرة قطار، قل دائمًا “مع الخصم” أولاً. هذا في الواقع يتوافق مع وجهة نظر «بيركوفيتش» المتمثلة في أن الأفراد قد يتعلمون الاستجابة للإحباط والغضب بطرق غير عدوانية.

    من الواضح أن الطرق البديلة للتعامل مع المخالفات يمكن تعلمها من خلال الخبرة، بالإضافة إلى نقل الوصفات والقيم من قبل أولئك الذين يمارسون التأثير على العمليات المستمرة لتشكيل الشخصية. ليست الطبيعة فحسب، بل التربية أيضًا تلعب دورًا هنا. وبالتالي، في حين أن التركيز في العدوان الإنساني قد يكمن في الواقع في المحفزات الخارجية، فقد يكتشف الأشخاص أيضًا طرقًا أكثر إبداعًا في التعامل مع عدم رضاهم عن مجرد استجابة عدوانية. وعلى العكس من ذلك، فإن السلوك العدواني أيضًا قد يتم تعليمه ، كما استنتج «إريك فروم» (1973)، من جانب واحد، من دراسات ما يسمى بالمجتمعات البدائية. في المجتمعات ذات المؤشرات الخارجية المماثلة “اتسم البعض بـ العنف بين الأشخاص والتدمير والعدوان والقسوة”، بينما يُنظر إلى الأغلبية على أنها مجتمعات مؤيدة للحياة “فيها حد متدني من العداء أو العنف أو القسوة بين الناس، لا يوجد معاملة قاسية، بالكاد يكون هناك جريمة، ومؤسسة الحرب غائبة أو تلعب دورًا صغيرًا للغاية (ص 17) “. هذا في الواقع من شأنه تقديم تفسير للعلاقة التي سبق ذكرها بين الصراع العنيف في الماضي والحرب الأهلية اليوم: لقد تعلمت تلك الشعوب الرد بقوة على مشاعر الإحباط والغضب.

    من الواضح أنه يجب النظر إلى المناهج الثلاثة على أنها ليست مدارس فكرية متميزة بقدر ما هي وجهات نظر مختلفة. العدوان المدفوع بالإحباط، بمعنى آخر هو مسألة طبيعية (غريزة)، وتربية (محفزات خارجية)، وثقافة (عدوانية مستفادة ولكن أيضًا طرق مستفادة للتعامل معها). لكن نكتفي الآن من تحليل الإحباط والعدوان؛ دعونا ننتقل إلى العنف كمنفذ له، مع التركيز على العنف الجماعي. إن القضية التي لفت «جور» (1970) الانتباه إليها، كما رأينا فعلًا، تتعلق بالتناقضات الملحوظة بين توقعات قيمية وبين قدراتها القيمية. وهذا يقوده إلى أن الفرضية القائلة بأن احتمال العنف الجماعي يختلف بشدة مع قوة ونطاق الحرمان النسبي بين أفراد الجماعة.  في عملي الخاص، ركزت هذا النوع من التحليل على فكرتين أساسيتين: الإدراك والاستحقاق.  قد يعمل الشكل على توضيح العوامل المختلفة الكامنة وراء الفشل العام للناس في الحصول على سبل عيشهم اليومية، التي يُنظر إليها على أنها مستحقة لهم.

    العنف صرا البشر شكب 1
    شكل 1. فشل الاكتساب

    هنا أحد العوامل الأساسية الذي صدمني بشكل حاسم في اكتساب مزيد من التبصر في السياق الذي يتحول فيه الناس إلى العنف الجماعي: دور الدولة كأساس لاقتصاد جيد الأداء وتحقيق العدالة في التوزيع. لكن في هذه المرحلة، دعنا نتعمّق في  طبيعة العنف .

    «تأملات حول العنف» هو عنوان المقال الجميل لـ «حنه أرندت» في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، والتي نُشرت كملحق في عام 1969 بعد تمرد الطلاب في أوروبا والولايات المتحدة والتمجيد المصاحب للعنف من قِبل المؤلفين المؤثرين مثل «جان بول سارتر». استنادًا إلى قوة ما كتبه «فرانز فانون» : « (The Wretched of the Earth)» (1961)، أكد اعتقاده بأن العنف “مثل رم «أخيل» يمكنه أن يشفي الجروح التي تسبب بها (اقتبسته «أرندت» ، 1969 ، 22).” “لو كان هذا صحيحًا” ، تعلق «آرندت»، “سيكون الانتقام هو العلاج لجميع أمراضنا” ، وتكمل:

    هذه الأسطورة هي أكثر تجردًا، أبعد عن الواقع من أسطورة «سوريل» عن الإضراب العام. إنه بنفس مستوى السوء لتجاوزات «فانون» الخطابية، مثل “الجوع بكرامة أفضل من الخبز الذي يتم تناوله في الرق”. لا حاجة لأي تاريخ أو نظرية لدحض هذا البيان؛ المراقب الأكثر سطحية للعمليات في جسم الإنسان يعرف كذبها. لكن لو قال إن الخبز الذي يتم تناوله بكرامة هو الأفضل من الكعكة التي يتم تناولها في الرق، لكانت النقطة الخطابية قد ضاعت (ص 3).

    حسنًا، يجب أن أضيف، إم كان هراء مثل هذه التصريحات حول الجوع واضحًا بالفعل لأكبر المطلعين على عمليات جسم الإنسان سطحية، فذلك ينطبق على أكبر المراقبين تطوراً في الدماغ البشري. في الواقع، ترى «أرندت» أن تمجيد العنف يكون مشحونًا بالكراهية العميقة للمجتمع البرجوازي. تظهر أبرز ميزاته الجذابة في العنف الجماعي، حيث أن ذلك يعتمد على نوع من الترابط الجماعي، وممارسة جماعية للعنف، والتي كما قال «فانون» : “تربط الرجال معًا ككل، حيث أ كل فرد على حدة يشكّل حلقة عنيفة في السلسلة الكبيرة، وهي جزء من الكائن الحي الكبير للعنف الذي ارتفع إلى أعلى (ص 22) “.

    في الواقع، لدى «حنه أرندت» الكثير لتخبرنا به، وهي تعارض بشدة وصف العنف باعتباره جوهر الحكومة:

    السلطة هي جوهر كل الحكومات، وليس العنف . العنف بطبيعته فعال، مثل جميع الوسائل، فهو يحتاج دائمًا إلى التوجيه والتبرير حتى النهاية. وما يحتاج إلى التبرير في كل شيء، لا يمكن أن يكون جوهرًا لأي شيء. نهاية الحرب هي السلام. ولكن على السؤال ، ما هي نهاية السلام؟ ، لا توجد إجابة. السلام مطلق، على الرغم من أن فترات الحرب في التاريخ المسجل كانت دائما قد تفوقت على فترات السلام. السلطة موجودة في نفس الفئة؛ إنها كما يقول المثل : “غاية في حد ذاتها (صفحة 14).”

    تشير «أرندت» هنا إلى تشكيل السلطة، وهو أمر متأصل في وجود المجتمعات السياسية ذاتها: السلطة “تنبثق عندما يجتمع الناس ويتصرفون بشكل جماعي، لكنها تستمد شرعيتها من التجمع الأولي بدلاً من أي عمل قد يتبعه” ولكن في حين أن العقد الاجتماعي المبدئي قد يظل مشروعًا، يحتاج العنف إلى تبرير مستمر في الوقت الحاضر. من الأمثلة على هذا السبب الذي يضفي الشرعية على الفور، هو الدفاع عن النفس “لأن الخطر ليس واضحًا فحسب، بل هو موجود أيضًا، ونهاية تبرير الوسائل فورية (الصفحة 14).”

    ومع ذلك، إنه من الصحيح أن العنف يمكن أن يهزم السلطة ولكن بثمن مرتفع:

    لا يوجد عامل  لانتصار العنف على السلطة أكثر وضوحًا من استخدام الإرهاب للحفاظ على الهيمنة، الإرهاب يختلف عن العنف . فهو شكل من أشكال الحكومة التي تنشأ، بعد تدمير السلطة، عندما لا يترك العنف؛ بل يظل تحت السيطرة الكاملة (Arendt ، 1969 ، 20).

    والجدير بالذكر أن عكس العنف ليس اللاعنف بل القوة: القوة و العنف متضادتين؛ فبينما إحداهما تعني أن يحكم المرء بشكل مطلق، تكون الأخرى غائبة”. في الواقع، لا ينطلق العنف أبداً من السلطة، ولكنه ينطلق غالبًا من الغضب، وهو الغضب المجنون باعتباره غريزة جماعية أشار إليها «سارتر»، والتي عبرت عن نفسها في ثورات العبيد وتمرد المقهورين. ومع ذلك، تعلّق «أرندت» :

    الغضب ليس بأي حال رد فعل تلقائي للبؤس والمعاناة؛ لا أحد يتفاعل مع الغضب تجاه مرض يتجاوز صلاحيات الطب أو الزلزال، أو في هذا الصدد، للظروف الاجتماعية التي يبدو أنها غير قابلة للتغيير. فقط عندما يكون هناك سبب للاشتباه في إمكانية تغيير الظروف وعدم حدوثها، ينشأ الغضب. فقط عندما يتعرض شعورنا بالعدالة للإهانة نتفاعل مع الغضب. النقطة المهمة هي أن العنف ، الذي يتصرف دون جدال أو خطاب ودون حساب العواقب، في ظل ظروف معينة، هو الإمكانية الوحيدة لتحديد مقاييس العدالة مرة أخرى. (- ظل «بيلي بود» يضرب الرجل الميت الذي شهد شهادة زور ضده – هو مثال كلاسيكي). وبهذا المعنى، فإن الغضب و العنف اللذين يصاحبهما أحيانًا، ليس دائمًا، ينتميان إلى المشاعر “الطبيعية”، ولا يعني علاجهما إزالتهما (صفحة 20).

    هذا الخطاب المنير يقودنا إلى تركيزنا النهائي: موازين العدالة. بناءً على خبرته العملية في نشر السلام، يتحدث «جون بول ليدراتش» من «برنامج تحويل النزاعات» في الولايات المتحدة عن وجود فجوة في العدالة (1999). هذه هي نتيجة الجهود غير الكافية لوضع إطار لنشر السلام، والذي لا يقلل من العنف المباشر فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية. النقطة المهمة هي أنه في جميع حالات الصراع العنيف، هناك مظالم أصلية تكمن في جذورها. السبب الرئيسي وراء وقف الأعمال الحربية في النهاية، هو أن المشاركين في هذا الحادث يدركون أن عنف الحرب أسوأ من الظلم الأصلي. لكنهم في الوقت نفسه، يتوقعون معالجة هذه المظالم الأصلية بعد وقف الأعمال العدائية. ترتفع التوقعات بأن الحياة لن تكون كما كانت عليه، ولكن سيكون هناك تحسن، كطريق عام نحو العدالة. والجدير بالذكر أن العدالة لها علاقة كبيرة بنتيجة استخدام السلطة، وبالتالي مع سبل العيش اليومية، مع احتياجات الناس والاعتراف بها. «الصراع الجذري» ضمن مصطلحات «يوهان غالتونغ» (1998)، لابد من طرحه.

    إن العدالة معيارية وجذابة: فهي تشير إلى ما هو صواب من هذا المنظور وإلى حد أنه يجب إنفاذه. غالبًا ما يُنظر إليها على أنها نموذج مثالي، فعلى سبيل المثال؛ هي مجموعة من القيم التي توفر التوجيه للسياسات العامة. ولكن في سياق حجتنا اليوم، ما أود أن ألفت انتباهكم إليه هو العدالة كاحتياج إنساني. اسمحوا لي أن أبدأ بمثال بسيط من أعمال «إدوارد شيلبيككس» – عالم لاهوت منهجي شهير. تخيل ثلاثة أشخاص، ضابط، وجندي، ومواطن بريء. الضابط يأمر الجندي بإعدام المواطن. هذا الأخير يرفض. “حسنًا”،  يجيب الضابط، “في هذه الحالة سأقتله بنفسي وسأقتلك أنت أيضًا”. من منظور الاختيار العقلاني، المسألة واضحة: موت بريء واحد، مقابل اثنين. ومع ذلك، يأمل معظمنا في أن نجد في دور الجندي الشجاعة للرفض.

     أقدم هذه الحالة لطلابي من أجل تقديم مناقشة حول الأخلاقيات والقيم: أخلاقيات عقلية أو سلوكية، مقابل الأخلاقيات الغائية (الموجهة نحو الهدف). ومع ذلك، فإن محاضرة «توماس مور» التي أعدتها «سوزان نيمان» كشفت لي طريقتين. أولاً، أصبح من الواضح أن القضية الوهمية القادمة من «كانت»، هي في الواقع امتداد لقضية الزائر المدمن لبيوت الدعارة. الآن يواجه الرجل نفسه المشنقة كعقوبة على فعل العدالة بدلاً من سلوكه غير اللائق. ثم لم يعد رده واضحًا بالطبع. لكن الأهم من ذلك أن «نيمان» يستخدم المثال لإظهار أن العدالة حاجة إنسانية، بل إنها بالفعل ذات طابع أساسي. العدالة كاحتياج أساسي؛ قد يبدو ذلك عاملاً يتم تجاهله عمومًا في التعامل مع الإحباط الإنساني والغرائز العدوانية.

    هناك نظرة مرتبطة أعتبرها وثيقة الصلة في سياقنا هنا: العدالة كضرورة وظيفية، مرة أخرى بدلاً من دورها المثالي. أشير هنا إلى عمل «دوركهايم» منذ أكثر من قرن على تقسيم العمل في المجتمع (1893). في الآونة الأخيرة، ألقت «آن راولز» (2003) ضوءًا بسيطًا وجديدًا على تفكيره.  بدلاً من مجرد الدعوة إلى الإجماع الاجتماعي والسياسي على أنه ضد التركيز الماركسي على الصراع الناشئ عن التناقضات الداخلية في المجتمع، «دوركهايم» يشدد على الصراع كأساس للإجماع. وهكذا، في مجتمع متقدم  أي مجتمع قائم على التخصص في الإنتاج وتقسيم حديث للعمل، فإن العدالة هي أساس ما يبقي المجتمع السياسي العام معًا. مهمة جدًا في وضع تحقيقاتنا عن العنف في ضوء الإحباط والعدوان البشري هي وجهة نظره أن الأشخاص في تقسيم المجتمع العمالي لهم الحق ليس فقط في النزاع، ولكن في القتال، من أجل الحفاظ على مصالحهم.. إن كان حق القتال مقيدًا لصالح توافق الآراء، وتم القضاء على النزاع بالقوة، فسيكون المجتمع، وفقًا لما يقوله «دوركهايم»، في حالة قيد تنتهك شروط التضامن في تقسيم العمل، مما يخلق تناقض داخلي عميق ويعرّض بقاءها للخطر.

    الضروري هو أن أعضاء المجتمع، من خلال ممارسة الحق في النزاع، والمشاركة في تجربة ذاتية التنظيم، يحققون، من لحظة إلى أخرى، الإجماع الذي يحتاجون إليه للاستمرار (Rawls ، 2003 ، 298).

    أود أن أضيف أن هذا الحق في الصراع قد يكون بمثابة اعتراف تجريدي بمصالح الفرد الأساسية. إن الاعتراف بالمصالح الأساسية وحمايتها هو المصطلح الرئيسي، أو بعبارة أخرى، حقوق الإنسان. وبالتالي، حيث لم يتم إنشاء آليات أساسية لإعمال حقوق الإنسان، سيتم تفعيل حق الناس في القتال. والجدير بالذكر أن هذا يختلف تمامًا عن “الحق في العنف”. من الواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك أي حق لأن سبب حماية كرامة الإنسان يستثني الحق في استخدام القوة. في الواقع، التمييز بين الصراع و العنف أمر أساسي للغاية.

    إذن، ما هي الآثار المترتبة على موضوعنا الحالي؟ حسنًا، إن العدالة كحاجة أساسية، وكحق في النزاع الذي يكون فعالًا من خلال إهمال المصالح الأساسية، تعني إطارًا من الإحباط والعدوان البشري له سمات معيارية معينة. وبالتالي، ما إذا كان ينبغي قمع الإدمان والعدوان عن طريق الطب أم لا، ليست قضية محددة سلفا. في الواقع، قد ينظر علماء الأعصاب أيضًا إلى الأشخاص كأفراد في سياق اجتماعي تدعم حق «دوركهايم» في الصراع.

    في الخاتمة. نأمل، عند الاستماع إلى هذا التمرين معممًا، أن يخلق عقلك كل أنواع الجمعيات الإبداعية. قد تكون واجهت أيضًا كل من الألغاز الحالية والجديدة، بما في ذلك التناقضات المعيارية مثل القتلة “المؤيدين للحياة” الذين يرغبون في تدمير حياة أولئك الذين يديرون عيادات الإجهاض. ماذا يحدث في أدمغة الأشخاص ذو الآفاق الضيقة، وكيف يمكنهم “حماية” أنفسهم من الجمعيات التي قد يأخذها الناس “بشكل طبيعي”؟ هل الآفاق الضيقة مسألة تخص علماء النفس والأطباء النفسيين فقط أم هل سيكون لها مكان في أجندة أبحاث علماء الأعصاب أيضًا؟ تتبادر إلى أذهاننا العديد من الأسئلة، ولكن بغض النظر عن كل هذه الجمعيات العلمية العصبية، فإن الارتباط الرئيسي في ذهني يظل جاذبية للتواضع الأكاديمي الذي يتردد في كلمات «هيدلي بول» :

    العالم أكثر تعقيدًا بشكل لا نهائي من حججنا.

     

    المصدر


     المراجع

    أرندت ، هانا ، 1969. ملحق خاص: تأملات في العنف . نيويورك ريف

    كتب 12.

    Berkowitz, L., 1980. فرضية الإحباط والعدوان.  في: فالك ، آر. ، كيم ، إس.

    (محرران) ، نظام الحرب: نهج متعدد التخصصات.  ويستفيو برس

    بولدر ، CO.

    برلين ، أشعيا ، 1997. شعور الواقع: دراسات في الأفكار وتاريخهم. فارار،

    شتراوس ، وجيرو ، نيويورك ، نيويورك.

    بول ، هيدلي ، 1977.  المجتمع الأناركي. مطبعة جامعة كولومبيا ، نيويورك ،

    NY.

    كامبل ، آن ، 1993. الرجال والنساء ، والعدوان. الكتب الأساسية ، نيويورك ، نيويورك.

    كلارك ، آندي ، 1998. حيث يتعارض الدماغ والجسم والعالم.  دايدولوس 127 ، 257-280.

    Dollard, J., Doob, L.W., Miller, N.E., Mowrer, O.H., Sears, R.R., 1939. الإحباط و

    العدوان. مطبعة جامعة ييل ، نيو هافن ، ط م.

    Dugan, Máire, 2003. العدوان. [المادة على الانترنت]. تم الوصول إليه في 7 يونيو 2005.  متاح من:

    http://www.beyondintractability.org/m/aggression.jsp.  الانترنت.

    فروم ، إريك ، 1973. تشريح التدمير البشري.  فوسيت كريست ،

    غرينتش ، ط م.

    غالتونغ ، يوهان ، 1998. تحول الصراع بالوسائل السلمية ، (تجاوز)

    طريقة). [دليل أعده برنامج التدريب على إدارة الكوارث التابع للأمم المتحدة] نيويورك ، نيويورك.

    جور ، ثيودور روبرت ، 1970. لماذا الرجال متمردين.  مطبعة جامعة برينستون ،

    برينستون ، نيويورك.

    ليدراتش ، جون بول ، 1999. Justpeace – تحدي القرن الحادي والعشرين.

    في: الناس يبنون السلام. 35 قصص ملهمة من جميع أنحاء العالم.

    المركز الأوروبي لمنع النزاعات ، أوتريخت ، هولندا.

    Lorentz, Konrad, 1966. في العدوان.  هاركورت ، بريس ، والعالم ، نيويورك ،

    NY.

    ميلر ، نيل إي ، 1941. فرضية الإحباط والعدوان [1]. Psychol Rev 48 ،

    337-342.

    Mountcastle, Vernon, 1998. علوم الدماغ في قرن «إب».  دايدولوس 127

    1-36.

    رولز ، آن ، 2003. الصراع كأساس للتوافق: تناقضات الرأسمالية الصناعية في كتاب «دوركهايم» الثالث «تقسيم العمل»  Crit Soc 29، 295-335.