الجماعاتية فكرة مفادها أن الهويات البشرية تشكلها إلى حد كبير أنواع مختلفة من الجماعات التكوينية (أو العلاقات الاجتماعية)، وأن هذا الفهم للطبيعة البشرية ينبغي أن يشكّل أحكامنا الأخلاقية والسياسية وكذلك سياساتنا ومؤسساتنا. فنحن نعيش معظم حياتنا في جماعات، كالأسود التي تعيش في مجموعات اجتماعية وليس كالنمور الانفرادية التي تعيش بمفردها معظم الوقت. تشكل هذه الجماعات، وينبغي أن تشكل، أحكامنا الأخلاقية والسياسية، ولدينا التزام قوي بدعم الجماعات الاستثنائية التي تضفي معنى على حياتنا ورعايتها، والتي لولاها لكنا مشوشين ووحيدين للغاية وغير قادرين على إصدار أحكام أخلاقية وسياسية واعية.
| الكاتب | دانييل بيل |
| ترجمة | هويدا الشوفي |
أفكار الجماعاتية لها تاريخ طويل في الغرب والصين وأماكن أخرى، لكن الجماعاتية المعاصرة بدأت في الأوساط الأكاديمية الأنجلو-أميركية في صورة رد فعل نقدي على كتاب جون رولز John Rawls البارز الصادر عام 1971 بعنوان نظرية العدالة A Theory of Justice (رولز 1971). إذ عارض فلاسفة سياسيون مثل ألَسدير مكنتاير Alasdair MacIntyre ومايكل ساندل Michael Sandel وتشارلز تايلور Charles Taylor ومايكل والتزر Michael Walzer افتراض رولز القائل إن المهمة الأساسية للحكومة تكمن في تأمين الحريات والموارد الاقتصادية التي يحتاجها الأفراد وتوزيعها بعدل كي يعيشوا حياة يختارونها بحرية، معتمدين في ذلك بصورة أساسية على رؤى هيغل وأرسطو. لم يعرّف هؤلاء النقاد للنظرية الليبرالية أنفسهم مطلقاً على أنهم من أنصار الحركة الجماعاتية (بل ألصق بهم نقاد آخرون تسمية جماعاتيين)[1]، كما أنهم لم يقدموا نظرية جماعية شاملة كبديل منهجي لليبرالية. ومع ذلك، تتكرر في أعمال المنظرين الأربع المذكورين أعلاه مجادلات جوهرية تعارض تقليل الليبرالية من قيمة الجماعة ( أفينيري ودي شاليت Avineri & de-Shalit 1992، وبيل Bell 1993، وبيرتِن وآخرون Berten et al 1997، ومولهل وسويفت Mulhall & Swift 1996، وراسموسن Rasmussen 1990). ولأغراض الوضوح، يمكن للمرء أن يميز بين ثلاثة أنواع من الادعاءات: الادعاءات المنهجية حول أهمية التقاليد والسياق الاجتماعي للاستدلال الأخلاقي والسياسي، والادعاءات الوجودية أو الميتافيزيقية حول الطبيعة الاجتماعية للنفس، والادعاءات المعيارية حول قيمة الجماعة[2].
لذلك، قُسمت هذه المقالة إلى ثلاثة أجزاء، وسأقدم في كل جزء الادعاءات الجماعاتية الأساسية، تليها مجادلة (في كل جزء) مفادها أن الاهتمامات الفلسفية في ثمانينيات القرن الماضي مهدت الطريق إلى حد كبير أمام الاهتمامات السياسية التي حفزت قدراً كبيراً من النقد الجماعاتي في المقام الأول.
1. الشمولية مقابل الخصوصية في الجماعاتية
سعى الجماعاتيون إلى تقويض الادعاءات الشمولية للنظرية الليبرالية. واستهدفوا بصورة أساسية توصيف رولز للموقف الأصلي على أنه “نقطة ارتكاز” يمكن من خلالها تقييم بنية النظام الاجتماعي، وهو موقف له ميزة خاصة تتمثل في سماحها لنا بالنظر إلى الحالة الإنسانية “من منظور الأبدية”[3]، ومن جميع وجهات النظر الاجتماعية والزمنية. وبينما بدا أن رولز يقدم نظريته للعدالة كحقيقة شمولية، جادل الجماعاتيون بأن معايير العدالة يجب أن تُستمد من أشكال الحياة وتقاليد المجتمعات الخاصة، ويمكن بالتالي أن تختلف من سياق إلى آخر. وجادل ألَسدير مكنتاير وتشارلز تايلور بأن الحكم الأخلاقي والسياسي يعتمد على لغة العقل والإطار التأويلي الذي يرى الفاعلون من خلاله عالمهم، وبالتالي لا معنى لبدء مشروع سياسي باستخلاص الأبعاد التفسيرية للمعتقدات والممارسات والمؤسسات الإنسانية (تايلور 1985، الفصل الأول؛ ماكنتاير 1978 الفصول 8-22 و1988 الفصل الأول؛ بن حبيب 1992، ص 23-38، 89N4). كما طوّر مايكل والتزر حجة إضافية مفادها أن النقد الاجتماعي الفعال ينبغي أن ينبع من عادات وتقاليد أشخاص فعليين يعيشون في أوقات وأماكن محددة وأن يكون له صدى في تلك العادات والتقاليد. حتى لو لم يكن هناك أي إشكالية في اتخاذ إجراء رسمي لقابلية التعميم الهادف إلى إنتاج مجموعة محددة من الخيرات والقيم الإنسانية، فإن “أي مجموعة من هذا القبيل يجب أن يُنظر إليها بمصطلحات مجردة للغاية بحيث لا تكون لها فائدة تُذكر عند التفكير في توزيعات معينة” (والترز 1983، 8؛ يونغ 1990، 4). باختصار، الليبراليون الذين يطلبون العدالة من خلال استخلاص سياقات اجتماعية محددة محكوم عليهم بعدم الاتساق الفلسفي، والمنظّرون الليبراليون الذين يتبنون هذه الطريقة لإقناع الناس بالقيام بما هو عادل محكوم عليهم باللاجدوى السياسية.
حاول رولز منذ ذلك الحين استبعاد الافتراضات المسبقة للشموليين من نظريته. فهو يجادل، في كتابه الليبرالية السياسية Political Liberalism (رولز 1993)، بلهجة جماعاتية بأن فهمه للفرد كمواطن محايد يقدم الوصف الأمثل للثقافة السياسية الليبروديمقراطية، وأن هدفه السياسي يقتصر على وضع قواعد للتوافق في الجماعات السياسية بحيث يكون الأشخاص مستعدون للسعي إلى التوافق. وفي كتابه قانون الشعوب Law of Peoples (رولز 1999)، يأخذ في اعتباره صراحة إمكانية ألّا تكون الليبرالية قابلة للتصدير في كل زمان ومكان، ويرسم رؤية لـ”مجتمع لائق ومنظم جيداً” يجب على المجتمعات الليبرالية قبوله على الصعيد الدولي. ويجادل بأنه لا يُشترط في مثل هكذا مجتمع أن يكون ديمقراطياً، بل يجب ألا يكون عدائياً تجاه الجماعات الأخرى، وأن يتمتع داخلياً بـ”فهم عام جيد للعدالة”، و”تسلسل هرمي معقول للتشاور”، وأن يضمن حقوق الإنسان الأساسية. ومع ذلك، لا يزال المرء يشعر بأن الرؤية الليبرالية الواردة في كتاب نظرية العدالة هي أفضل مثال سياسي ممكن، وهي رؤية يريدها جميع الأفراد العقلانيين إذا أُتيحت لهم فرصة الاختيار بين البدائل السياسية المتاحة. ربما هناك أنظمة غير ليبرالية يمكن تبريرها، لكن يجب أن يُنظر إليها كثاني أفضل مثال يمكن التسامح معه وربما احترامه، لكن ليس اتخاذه كمثال أو محاكاته.
اتخذ منظرون ليبراليون آخرون موفقاً أكثر تشدداً ضد التنازلات الجماعاتية، مجادلين بأن النظرية الليبرالية يمكن وينبغي أن تقدم نفسها كمثال شمولي صالح. فبريان باري Brian Barry، على سبيل المثال، يفتتح كتابه الشهير العدالة كحياد Justice as Impartiality بتأكيد جريء على شمولية نظريته، إذ يقول: “مازلت أؤمن بإمكانية طرح قضية صالحة عالمياً لصالح مبادئ المساواة الليبرالية” (باري 1995، 3). ويقرّ بأن نظرية العدالة يجب أن ترتكز على اعتبارات أخلاقية جوهرية، لكن يبدو أن رؤيته المعيارية لا تقتصر سوى على قيم المجتمعات الغربية الليبرالية وممارساتها. ويبدو كأنه لا يهتم إطلاقاً بتعلم أي شيء ذي قيمة من التقاليد السياسية غير الغربية: فعلى سبيل المثال، يقتصر نقاشه حول الأمور الصينية على انتقادات موجزة للثورة الثقافية وممارسة ربط الأقدام التقليدية. قد يفكر المرء في رد الفعل على مفكر صيني يطرح نظرية شمولية للعدالة تستلهم أفكارها من التقاليد السياسية الصينية وتتجاهل تماماً التاريخ والجدل الأخلاقي في المجتمعات الغربية، باستثناء انتقادات موجزة للعبودية والامبريالية.
مع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن منظري الجماعاتية في ثمانينيات القرن العشرين لم ينجحوا تماماً في طرح رؤى جذابة لمجتمعات غير ليبرالية. فربما يكون استخدامهم لأمثلة (مضادة) قد قوّض عن غير قصد قضيتهم الجماعاتية الداعية للتعددية التي تنادي باحترام المجتمعات غير الليبرالية وربما التعلم منها، والتي قد تكون بجودة مجتمعات الغرب الليبرالية، إن لم تكن أفضل منها. دافع أَلسدير ماكنتاير في كتابه في إثر الفضيلة After Virtue عن المثال الأرسطي للجماعة المحلية الحميمية القائمة على التبادل والغايات المشتركة، ويتولى الأفراد فيها ببساطة أدواراً معطاة اجتماعياً (ماكنتاير 1984). لكن يبدو أن هذا الفهم النسيجي ما قبل الحداثي للجماعة الشاملة لكل شيء، التي يؤيدها الأفراد بدون تفكير، غير مناسب تماماً للمجتمعات الصناعية واسعة النطاق المعقدة والمليئة بالنزاعات. ذكر مايكل والترز في كتابه فضاءات العدالة Spheres of Justice النظام الطبقي الهندي، “الذي تتداخل فيه المعاني الاجتماعية والتسلسل الهرمي”، كمثال على مجتمع غير ليبرالي قد يكون عادلاً وفقاً لمعاييره الخاصة. وليس من المستغرب أن القليل من القراء يستلهمون هذا المثال للعدالة غير الليبرالية (ناهيك عن حقيقة أن العديد من المفكرين الهنود المعاصرين ينظرون إلى النظام الطبقي على أنه إرث مؤسف من الماضي يجب على الهنود السعي جاهدين للتغلب عليه). باختصار، ربما يعزز هذا الاستخدام للأمثلة غير المدروسة عن غير قصد وجهة النظر القائلة بوجود عدد قليل من بدائل الليبرالية القابلة للتبرير في المجتمعات الحديثة، إن وُجدت أصلاً. صحيح أن الجماعاتيين تمكنوا من تحقيق بعض النقاط النظرية عن طريق حث المفكرين الليبراليين على الحذر حيال تطوير حجج شمولية تقوم حصرياً على الجدال الأخلاقي والخبرة السياسية للمجتمعات الليبرالية الغربية، لكن قلة من المفكرين كانوا ليفكروا فعلياً في إمكانية وجود ممارسات غير ليبرالية مناسبة للعالم الحديث طالما أن بدائل الليبرالية اقتصرت على العصر الذهبي أو المجتمعات الطبقية أو الفاشية أو الشيوعية القائمة بالفعل. ولكي يكتسب النقد الجماعاتي للشمولية الليبرالية أي مصداقية دائمة، يحتاج المفكرون إلى تقديم أمثلة مضادة للأنظمة الديمقراطية الليبرالية المعاصرة تكون مقنعة، وهذا ما فشل فيه جماعاتيو ثمانينات القرن الماضي.
بحلول تسعينيات القرن الماضي، تلاشت الخلافات المنهجية المجردة نسبياً حول الشمولية مقابل الخصوصية من الساحة الأكاديمية، ويتركز النقاش حالياً على نظرية حقوق الإنسان العالمية وممارستها. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى تزايد الأهمية السياسية لحقوق الإنسان منذ انهيار الشيوعية في الكتلة السوفييتية السابقة. على الجانب الليبرالي، مثّل أمثال فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama الأصوات الجديدة الأكثر ميلاً للسياسة والمنادية بالشمولية الليبرالية، إذ أثار فوكوياما جدلاً واسعاً بإطلاقه فرضيته الشهيرة بأن انتصار الديمقراطية الليبرالية على منافسيها يشير إلى نهاية التاريخ (فوكوياما 1992). كما أحيت وجهة النظر هذه (وأثارت) الموجة الثانية من النقد الجماعاتي للشمولية الليبرالية وأصبح النقاش أكثر واقعية وسياسية في توجهه.
غني عن القول إن لحظة النشوة الليبرالية الوجيزة التي أعقبت انهيار الشيوعية في الكتلة السوفييتية مهدت الطريق أمام إجراء تقييم حصيف لصعوبات تطبيق الممارسات الليبرالية خارج العالم الغربي. وبات من المسلم به على نطاق واسع اليوم أن بعض أوضح المشاكل التي ابتلت بها الدول النامية، مثل الحرب العرقية الوحشية والفقر المدقع والتدهور البيئي والفساد المستشري، على سبيل المثال لا الحصر، تشكل عقبات خطيرة أمام تأسيس ترتيبات سياسية ديمقراطية ليبرالية وترسيخها بنجاح. إلا أن هذه العقبات نُظر إليها على أنها ابتلاءات مؤسفة (نأمل أنها مؤقتة) قد تؤخّر لحظة نهاية التاريخ التي ستنتصر الديمقراطية الليبرالية في النهاية على منافسيها. ولم يُقصد بها أن تشكل تحدياً لمثاليات الديمقراطية الليبرالية. بل كثيراً ما اُفترض أن الديمقراطية الليبرالية هي النظام الذي سيختاره كل عاقل لو أُتيحت له الفرصة.
برز التحدي الأعمق للديمقراطية الليبرالية الغربية من منطقة شرق آسيا[4]. ففي تسعينيات القرن الماضي، دار النقاش حول مفهوم “القيم الآسيوية”، وهو مصطلح ابتكره عدد من المسؤولين الآسيويين وأنصارهم بهدف تحدي الحريات المدنية والسياسية ذات الطراز الغربي. يدّعي هؤلاء أن الآسيويون يولون أهمية خاصة للتناغم الأسري والاجتماعي، في إشارة ضمنية إلى أنه يجب على أولئك الذين يعيشون في مجتمعات الغرب الفوضوية والمتداعية أن يفكروا ملياً قبل التدخل في شؤون آسيا بهدف تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية. وكما قال لي كوان يو Lee Kuan Yew السنغافوري: ليس لدى الآسيويين “أدنى شك بأن المجتمع ذي قيم جماعاتية الذي تتفوق فيه مصالح المجتمع على مصالح الفرد يناسبهم أكثر من النزعة الفردية الأميركية”[5]. جذبت مثل هذه الادعاءات اهتماماً دولياً بسبب ما بدا على الأخص ترؤس قادة شرق آسيا لما وصفه تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية بأنه “معجزة التنمية المستدامة الأعظم والأوسع انتشاراً في القرن العشرين، وربما في التاريخ كله”[6]. إلا أنه بدا، في عامي 1997 و1998 أن الأعجوبة شرق الآسيوية تنهار. ويبدو أن القيم الآسيوية كانت إحدى ضحايا الأزمة.
مع ذلك، لا تزال العوامل السياسية التي ركزت الانتباه على التحدي الذي تواجهه شرق آسيا قائمة. فقد تعافت اقتصادات شرق آسيا في نهاية المطاف. ويبدو أن الصين تحديداً مهيأة لأن تصبح قوة ذات وزن اقتصادي وسياسي قادرة على تحدى هيمنة القيم الديمقراطية الليبرالية الغربية في المحافل الدولية بصورة جدية (انظر بيل 2015). ولذلك نسمع دعوات متكررة لحوار ثقافي بين الغرب والشرق يهدف إلى فهم الجانب الآخر وربما التعلم منه. يُنذر الإخفاق قي أخذ المنظورات السياسية شرق الآسيوية على محمل الجد بتفاقم سوء الفهم، ويمهد الطريق لعداءات كان يمكن تجنبها.
غير أنه من الناحية النظرية، يجب الإقرار بأن النقاش الرسمي حول القيم الآسيوية لم يشكل تحدياً كبيراً للتوجهات السياسية الغربية المهيمنة. فالمشكلة الرئيسية تتمثل في أن هذا النقاش قاده زعماء آسيويين تبدو دوافعهم سياسية بالدرجة الأولى، وليست نابعة من رغبة صادقة في تقديم مساهمة بناءة في النقاش الدائر حول الشمولية مقابل الخصوصية. بالتالي، كان من السهل رفض التحدي الآسيوي -وهو أمر محق في معظم الحالات- باعتباره مجرد ذريعة يقدمها قادة الحكومات لتبرير حكمهم الاستبدادي في مواجهة المطالب المتزايدة بالديمقراطية في الداخل والخارج.
مع ذلك، من الخطأ الافتراض أنه لم يظهر أي أمر مهم من الناحية النظرية في شرق آسيا. فقد دفع النقاش حول القيم الآسيوية أيضاً المفكرين النقاد في المنطقة إلى التفكير في كيفية تحديد موقعهم في النقاش حول حقوق الإنسان والديمقراطية، والذي لم يسبق لهم أن لعبوا فيه دوراً محورياً. يعتمد هؤلاء المثقفين، الذين لا يرفضون تماماً القيم والممارسات التي عادة ما يحققها النظام الليبرالي الديمقراطي السياسي ولا يؤيدونها تماماً، على تقاليدهم الثقافية ويستكشفون مواطن التشابه والاختلاف مع الغرب. على الرغم من أن وجهات نظر شرق الآسيويين غير الرسميين غالباً ما تكون أقل استفزازاً من وجهات نظر حكوماتهم، بمعنى أن القلة منهم يجادلون بالرفض الكامل للديمقراطية الليبرالية على الطراز الغربي واستبدالها ببديل شرق آسيوي، إلا أنها قد توفر مساهمات أكثر ديمومة في النقاش. اسمحوا لي أن أشير (بإيجاز) إلى ثلاث حجج شرق آسيوية مقنعة نسبياً حول الخصوصية الثقافية، والتي تتناقض مع الحجج الغربية التقليدية المؤيدة للشمولية الليبرالية (انظر بيل 2006، الفصل 3):
- يمكن للعوامل الثقافية أن تؤثر في ترتيب أولويات الحقوق، ويكتسب هذا الأمر أهمية عند تعارض الحقوق ويجب عندها تقرير أي الحقوق سيتعين التضحية بها. بكلمات أخرى، من الممكن أن تصنف المجتمعات المختلفة الحقوق بصورة مختلفة، وحتى في حال واجهت مجموعة متشابهة من الظروف غير المواتية، فقد تتوصل إلى استنتاجات مختلفة حيال الحق الذي يجب تقييده. على سبيل المثال، ربما يكون المواطنون الأميركيون أكثر استعداداً للتضحية بحق اجتماعي أو اقتصادي عند تعارضه مع حق مدني أو سياسي؛ فإذا لم يدعم الدستور أو أغلبية الممثلين المنتخبين ديمقراطياً الوصول الشامل إلى الرعاية الصحية، عندها يمكن تقييد حق الرعاية الصحية بغض النظر عن الدخل. في المقابل، ربما يكون الصينيون أكثر استعداداً للتضحية بالحرية المدنية أو السياسية في الحالات التي تتعارض فيها مع حق اجتماعي أو اقتصادي؛ فمن الممكن أن يحظى تقييد حق تشكيل جمعيات عمالية مستقلة بدعم واسع إذا كانت هذه الخطوة ضرورية لتوفير شروط التنمية الاقتصادية. كما يمكن أن يكون لاختلاف الأولويات الممنوحة للحقوق تأثيراً عندما يجب تقرير كيفية إنفاق الموارد الشحيحة. على سبيل المثال، ستولي المجتمعات شرق الآسيوية ذات الإرث الكونفوشيوسي أهمية كبيرة لقيمة العلم، وقد يساعد ذلك في شرح مقدار الإنفاق الكبير على التعليم مقارنة بغيرها من المجتمعات الأخرى ذات المستويات المشابهة من التنمية الاقتصادية.
- يمكن أن تؤثر العوامل الثقافية كذلك على تبرير الحقوق. فتماشياً مع مجادلات الجماعاتيين في ثمانينيات القرن الماضي مثل مايكل والتزر، ثار جدال بأنه لا ينبغي أن تستند تبريرات ممارسات معينة، يقدرها ديمقراطيون ليبراليون على الطراز الغربي، إلى الشمولية المجردة وغير التاريخية التي غالباً ما تعيق الديمقراطيين الليبراليين الغربيين. بل ينبغي أن تُستمد من الداخل، عبر أمثلة محددة واستراتيجيات جدالية يستخدمها سكان شرق آسيا أنفسهم في نقاشهم الأخلاقي والسياسي اليومي. على سبيل المثال، تميل اللغة الأخلاقية (التي يتشاركها حتى بعض النقاد المحليين لللسلطوية) إلى الاستناد إلى قيمة الجماعة في شرق آسيا، وهذا الأمر ذو صلة بالنقاد الاجتماعيين المهتمين بالتأثير العملي. تقول إحدى هذه المجادلات بأنه يمكن تبرير الحقوق الديمقراطية في سنغافورة على أساس أنها تُسهم في تقوية الروابط مع جماعات مثل الأسرة والأمة (انظر القسم الثالث أدناه).
- يمكن للعوامل الثقافية أن توفر أسساً أخلاقية لممارسات ومؤسسات سياسية مميزة (أو على الأقل مختلفة عن تلك الموجودة في الديمقراطيات الليبرالية على الطراز الغربي). مثلاً، في مجتمعات شرق آسيا المتأثرة بالكونفوشيوسية، يُعتقد على نطاق واسع بأنه يقع على عاتق الأطفال واجب عميق يتمثل في الاعتناء بأهلهم المسنين، وهو واجب لا يُتخلى عنه إلا في أقصى الظروف الاستثنائية[7]. وهذا يعني في الممارسة السياسية، أن الحكومات في شرق آسيا ملزمة بتوفير الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تسهّل تحقيق هذا الواجب. يميل النقاش السياسي إلى التركيز على مسألة ما إذا كان التحقيق الأفضل لحق بر الوالدين يكون عبر فرض قانون يلزم الأطفال بتقديم الدعم المالي لوالديهم المسنين كما هو الحال في الصين القارية واليابان وسنغافورة، أم يتعين على الدولة زيادة الاعتماد على أساليب غير مباشرة مثل الإعفاءات الضريبية وإعانات الإسكان التي تسهل رعاية المسنين في المنزل، كما هو حال كوريا وهونغ كونغ. أما الجدال بوجود حاجة ملحة لتأمين هذا الواجب ليس موضع خلاف سياسي.
كما دعا مفكرون متأثرون بالتقاليد الثقافية شرق الآسيوية مثل الكونفوشيوسية إلى ممارسات ومؤسسات سياسية مميزة لم تتحقق بعد، تستمد الإلهام من القيم الثقافية السائدة. على سبيل المثال، دعا المفكر الصيني جيانغ كينغ Jiang Qing إلى هيئة تشريعية ثلاثية تناسب السياق الصيني، تتضمن “مجلس الشخصيات المثالية” القائم على الجدارة و”مجلس الاستمرارية الثقافية” اللذان يكملان الهيئة التشريعية الديمقراطية ويوازناها (جيانغ 2012). ويجادل الباحثان الكوريان هام تشايهارك Hahm Chaihark وجونغرين مو Jongryn Mo بضرورة إحياء مؤسسات سلالة تشوسون مثل المحاضرات المتعلقة بالسياسة والرقابة الكونفوشوسية وتكييفها مع العصر الحديث، إذ لعبت هذه المؤسسات التقليدية دوراً في توجيه تعاملات الامبراطور، (هام (تشايهارك) 2003، مو 20003، بيل 2000، الفصل الخامس).
على عكس مفكري الجماعاتية في ثمانينيات القرن الماضي، نجح النقاد شرق الآسيويين الذين ينتقدون الشمولية الليبرالية في الإشارة إلى ممارسات ومؤسسات محددة غير ليبرالية ممكن أن تناسب العالم المعاصر. ربما بعضها لا يلائم سوى المجتمعات ذات التراث الكونفوشيوسي، وقد يقدم بعضها الآخر كذلك رؤى لتخفيف تجاوزات الحداثة الليبرالية في الغرب. ما لا يمكن إنكاره هو أنهم دفعوا النقاش إلى أبعد من البدائل غير المعقولة لليبرالية التي طرحها مفكري الجماعاتية في ثمانينيات القرن الماضي.
مع ذلك، يجدر التأكيد على أن الجماعاتيين المعاصرين لم يكتفوا بالدفاع عن انتماءات ضيقة لأخلاقيات لا ليبرالية معينة. فبدلاً من المجادلة بوجوب استبدال كامل الخطاب الشمولي لحقوق الإنسان بلغة سياسية خاصة مراعية للتقاليد، انتقدوا الليبراليين لعدم أخذهم الشمولية على محمل الجد، ولفشلهم في القيام بما يتوجب عليهم القيام به لجعل حقوق الإنسان مثالاً شمولياً حقيقياً. واقترح هؤلاء الجماعاتيون -دعونا نطلق عليهم اسم “النقاد الأمميون للشمولية الليبرالية”- وسائل متنوعة لتحسين التماسك الفلسفي لحقوق الإنسان والإقبال السياسي عليه.
في الواقع، لم يعد يدور سوى القليل من النقاش حول مجموعة أساسية من حقوق الإنسان، مثل حظر العبودية والإبادة الجماعية والقتل والتعذيب والاعتقال التعسفي المطوّل والتمييز العنصري الممنهج. فقد أصبحت هذه الحقوق جزءاً من القانون العرفي الدولي، ولم تعد موضع نزاع في الخطاب العام للمجتمع الدولي. بالطبع، يحدث العديد من الانتهاكات الجسيمة التي لا يُصرّح بها، ويقع على عاتق مجموعات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية مهمة فضح الفجوة بين الالتزام العلني بحقوق الإنسان والواقع المؤلم للانتهاكات المستمرة. ومع ذلك، هذا إجراء عملي إلى حد كبير. فلا جدوى تُرجى من الكتابة حول جدارة الممارسات التي يدينها الجميع على مستوى المبدأ، أو تداولها.
لكن يمكن للمفكرين والناشطين السياسيين في جميع أنحاء العالم أن يختلفوا، بل هم يختلفون فعلاً، في موافقهم حول العديد من القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان الملحة الواقعة خارج نطاق ما وصفه والتزر بـ”المدونة الأخلاقية المصغرة والشمولية” (والتزر 1987،24؛ والزر 1994). تتضمن هذ المنطقة الرمادية من النقاش قانون الجريمة وقانون الأسرة وحقوق المرأة والحقوق الاجتماعية والاقتصادية وحقوق الشعوب الأصلية ومحاولة تعميم الممارسات الديمقراطية ذات الطراز الغربي. والسؤال هو: كيف يمكن توسيع القائمة الحالية المحدودة لحقوق الإنسان العالمية لتشمل بعض هذه الحقوق الخلافية؟
قدم تشارلز تايلور الاقتراح التالي (تايلور 1999). فهو يتخيل حواراً عابراً للثقافات بين ممثلي التقاليد المختلفة. لكنه يقترح أنه يجب على المشاركين السماح بإمكانية وجود خطأ في معتقداتهم، بدلاً من الجدال بالشرعية العالمية لوجهات نظرهم. بهذه الطريقة، يمكن للمشاركين التعلم من “العالم الأخلاقي” لبعضهم البعض. ومع ذلك، سنصل إلى مرحلة لا يمكن التوفيق فيها بين الاختلافات. يدرك تايلور صراحة أنه لا تتوافق وجهات نظر مختلف المجموعات والبلدان والجماعات الأصلية والحضارات الأساسية حول اللاهوت والميتافيزيقا والطبيعة البشرية. رداً على ذلك، يجادل تايلور بأنه لا يمكن أن يتحقق “إجماع حقيقي وغير قسري” على معايير حقوق الإنسان إلا إذا سمحنا بالاختلاف حول المبررات النهائية لتلك المعايير. فبدلاً من الدفاع عن القيم الأساسية موضع الخلاف عند مواجهتنا نقاط مقاومة (وبالتالي إدانة القيم التي لا تعجبنا في المجتمعات الأخرى)، يجب علينا محاولة استخلاص تلك المعتقدات لغرض استنباط “إجماع متداخل” (استعرناه من اصطلاحات رولز عام 1993) حول معايير حقوق الإنسان. وكما يقول تايلور، “سنتفق على المعايير في حين لا نتفق على سبب كونها المعايير الصحيحة، وسنرضى بالعيش في هذا الإجماع، لا تقلقنا اختلافات المعتقد الأساسي العميق” (تايلور 1999، 124).
بينما يُسهم اقتراح تايلور في دفع النقاش المتعلق بحقوق الإنسان العالمية قُدماً، إلا أنه لا يزال يواجه بعض الصعوبات. فمن ناحية، ربما لا يكون من الواقعي توقع جاهزية الأشخاص لاستخلاص القيم التي يهتمون بها اهتماماً بالغاً خلال جلسة نقاش عالمي حول تلك الحقوق. وحتى لو اتفقوا على استخلاص طرق ثقافية محددة لتبرير المعايير وتنفيذها، فإن النتيجة المحتملة هي التراجع إلى نطاق اتفاق عام ومجرد للغاية يفشل في حل الخلافات الفعلية حول الحقوق موضع الخلاف. على سبيل المثال، يمكن أن يتفق المشاركون في حوار عابر للثقافات على الحق في عدم الخضوع لعقوبات قاسية وغير مألوفة في حين يختلفوا اختلافاً جذرياً حول ما يعنيه هذا عملياً؛ إذ يمكن أن يوافق مسلم ملتزم على إمكانية تبرير معاقبة السرقة بقطع اليد اليمنى[8]، في حين سيرغب الليبرالي الغربي في وصف هذا كمثال على عقوبة قاسية وغير مألوفة.
كما رأينا، انتقل النقاش حول الشمولية مقابل الخصوصية من خلافات منهجية تجريدية نوعاً ما بين الفلاسفة الأنجلو-أميركيين إلى خلافات سياسية ملموسة نسبياً بين الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمسؤولين الحكوميين ونشطاء المنظمات غير الحكومية. تميزت المساهمة الجماعاتية بالتشكيك في النظريات الشمولية المرتكزة حصرياً على أخلاقيات العالم الغربي الليبرالية، بحجة أنه يجب على الخصوصية الثقافية أن تجعل المرء منفتحاً على إمكانية وجود مجالات اختلاف مبررة بين الغرب وباقي دول العالم، وعلى الحاجة إلى المزيد من الحوار العابر للثقافات بغرض تحسين نظام حقوق الإنسان الحالي الهش. وأضفت مساهمات متنوعة من شرق آسيا وغيرها معنى على هذه التحديات التي تواجهها الشمولية الليبرالية. على أي حال، دعونا ننتقل الآن إلى المجال الرئيسي الثاني للجدل الدائر بين الليبراليين والجماعاتيين؛ وهو النقاش حول الذات والذي انتقل بدوره من الفلسفة إلى السياسة.
2. النقاش حول الذات في الجماعاتية
جادل المفكرون الجماعاتيون في ثمانينات القرن الماضي، أمثال مايكل ساندل وتشارلز تايلور، بأن الليبرالية الرولزية ترتكز على فهم فرداني مفرط للذات. فبينما يجادل رولز بأن لدينا مصلحة عليا في تشكيل مخططات حياتنا الخاصة والسعي لتحقيقها ومراجعتها، يتجاهل واقع أن ذواتنا تميل إلى أن تعرّفها أو تشكلها ارتباطات جماعية متنوعة وثيقة الصلة بنا (مثل الروابط الأسرية أو التقليد الديني) بحيث لا يمكن التخلي عنها إلا بتكلفة باهظة، إن أمكننا ذلك أصلاً. قادت هذه الرؤية إلى وجهة النظر القائلة إنه لا يجب أن ينصب اهتمام السياسة على تأمين الظروف التي تمكّن الأفراد من ممارسة قدرتهم على الاختيار المستقل فقط، بل نحتاج كذلك إلى الحفاظ على الارتباطات الاجتماعية الضرورية لإحساسنا بالرفاهية والاحترام وتعزيزها، والتي اكتسبنا العديد منها لا إرادياً خلال فترة تنشئتنا. ولكن لنراجع، أولاً، النقاش الأنطولوجي (الوجودي) أو الميتافيزيقي حول الذات والذي أدى إلى هذه النتيجة السياسية.
اعترض تشارلز تايلور، في مقالة مؤثرة بعنوان “المذهب الذري”، على وجهة النظر الليبرالية القائلة إن “الناس يستطيعون الاستغناء عن المجتمع” (تايلور 1985، 2000). فهو يدافع، بدلاً من ذلك، عن وجهة النظر الأرسطية القائلة إن “الإنسان حيوان اجتماعي، وفي الواقع حيوان سياسي، لأنه ليس مكتفياً ذاتياً لوحده، وبمعنى مهم ليس مكتفياً ذاتياً خارج إطار المدينة-الدولة (البوليس)” (تايلور 1985، 190). علاوة على ذلك، قد تقوّض وجهة النظر الذرية هذه عن الذات المجتمع الليبرالي، لأنها لا تدرك إلى أي مدى يفترض المذهب الليبرالي سياقاً يكون الأفراد فيه أعضاء في مجتمع يعزز قيماً معينة مثل الحرية والتنوع الفردي ويلتزم بها. ولحسن الحظ، لا ينظر معظم الناس في المجتمعات الليبرالية إلى أنفسهم على أنهم ذوات ذرية منعزلة.
لكن هل يدافع المفكرون الليبراليون فعلاً عن فكرة أن الذات تُخلق من العدم خارج أي سياق اجتماعي، وأنه يمكن للبشر أن يوجَدوا (ويزدهروا) بمعزل عن جميع السياقات الاجتماعية؟ في الواقع، كانت مقالة تايلور موجهة للمفكر الليبرالي روبرت نوزيك Robert Nozick. وكما يتضح، لم ينطبق النقد الجماعاتي للذات الذرية على الليبرالية الرولزية؛ إذ يولي رولز، في الجزء الثالث من كتاب نظرية العدالة، اهتماماً بالغاً بالظروف النفسية والاجتماعية التي تسهّل تشكيل ذوات ليبرالية ملتزمة بالعدالة (ليفيفري 2024). إلا أن القليل من القراء وصلوا إلى الجزء الثالث من مجلد رولز الضخم، لذا حصل الجماعاتيون على قدر لا بأس به من المنفعة من نقدهم للمذهب الذري الليبرالي. ومع ذلك، لم يثبت هذا الاتهام.
على الرغم من أن الليبراليين لم يدّعوا أن الأفراد قادرون على التحرر تماماً من سياقهم الاجتماعي، إلا أن التقييم الليبرالي لمبدأ الاختيار ظل يوحي بصورة لذاتٍ تفرض إرادتها على العالم[9]. جادل الجماعاتيون، مستندين إلى رؤى هايدغر Heidegger وفيتجنشتاين Wittgenstein، بأن وجهة النظر هذه تتجاهل حقيقة أن الأفراد فاعلون متجسدون في هذا العالم. في الواقع، وبعيداً عن التصرف بطرق مصممة لتحقيق خطة حياة وضعها الأفراد بصورة مستقلة، فإن هناك أنماط روتينية وعادات غير مختارة تظل تعمل كخلفية تنظم سلوكنا وتتحكم في معظم جوانب حياتنا. فغالباً ما نتصرف، عندما نمشي أو نلبس أو نلعب أو نتحدث، إلى ما هناك من التصرفات، بطرق تحددها خلفيتنا الاجتماعية بدون أن نكون قد صغنا أهدافاً أو اتخذنا خيارات. وفقط عندما تخرج الأمور عن مسارها اليومي المألوف غير المختار، نبدأ في النظر إلى ذواتنا على أننا فاعلون نتعامل مع العالم الخارجي، ومتمرسون على صياغة عدة طرق لتنفيذ أهدافنا، والاختيار من بين تلك الطرق، وتحمّل المسؤولية عن نتائج تصرفاتنا. بكلمات أخرى، لا تظهر القصدية التقليدية إلا عندما تصبح طرقنا المعتادة في التعامل مع الأمور غير كافية. لذا، نمط التعطل هذا هو ما نميل إلى ملاحظته، ولهذا يجادل الفلاسفة بأن معظم تصرفاتنا تنتج عن عمليات تأملية. التقط الليبراليون هذا الافتراض الخاطئ، فطرحوا فكرة تتمحور حول ذات تسعى إلى تحقيق خطة حياة وضعتها بصورة مستقلة، متناسين أن التفكير النقدي في أهداف المرء ما هو إلا إمكانية واحدة تنشأ عندما تعجز الطرق الاعتيادية في التعامل مع الأمور عن إنجاز ما نريد.
رد بعض الليبراليين بالاعتراف بأن معظم جوانب حياتنا تحكمها عادات وأنماط روتينية غير مختارة، وأن نمط الذات القائمة على الخيارات المدروسة التي تتطلب جهداً قد يكون استثناءً وليس القاعدة. ومع ذلك، يؤكدون على أن المبرر الأساسي للسياسات الليبرالية المهتمة بصورة أساسية بتأمين الظروف المناسبة للأفراد ليعيشوا حياة مستقلة يرتكز على إمكانية تقرير المصير المعياري ومرغوبيته، أي على أهمية اتخاذ القرارات فيما يتعلق بالأمور التي نقدّرها (دوبيلت Doppelt 1989). صحيح أن هناك بعض الممارسات الجماعية التي غالباً ما توجه سلوكنا دون علمنا، إلا أن ذلك لا يعني وجوب تقدير تلك الممارسات أو تأييدها بوعي في لحظات حياتنا غير الاعتيادية، ناهيك عن أنه يجب على الحكومة تعزيز هذه الممارسات بطريقة أو بأخرى. وما يهم الليبراليين في النهاية هو توفير الحقوق والصلاحيات والفرص التي يحتاجها الأفراد لتطوير تصوراتهم الخاصة عن الحياة الجيدة وتحقيقها.
مع ذلك، يبدو أن هذه الرؤية المشروطة عن الذات الليبرالية لا تزال تلمّح إلى أن وجهات النظر الأخلاقية هي نتاج الخيار الفردي، أو يجب أن تكون كذلك. يمكن أن يجيب الجماعاتيون بأن عالم الفرد الاجتماعي لا يقدم مجرد ممارسات اجتماعية غير متعلقة بالأخلاق مثل آداب المائدة ومعايير النطق السليم؛ بل يوفر كذلك نوعاً من التوجيه في الفضاء الأخلاقي. فلا يمكننا فهم معنى تجربتنا الأخلاقية إلا إذا وضعنا أنفسنا ضمن هذا الفضاء الأخلاقي المعطى، وضمن الآفاق الأخلاقية المسيطرة. ما يدعوه تشارلز تايلور “المصالح العليا الأكثر تقديراً” (تايلور 1989) -أي المصالح التي يجب أن نشعر بالالتزام تجاهها، والتي تولّد فينا التزامات أخلاقية تجاهها بغض النظر عن تفضيلاتنا الفعلية- ليست من ابتكار الأفراد بأي شكل، بل هي متوضعة ضمن العالم الاجتماعي الذي يقدم للفرد إطاراً للتمييز بين المصالح العليا والدنيا. بالتالي، لا يستطيع المثال الليبرالي عن ذات تبتكر بحرية وجهة نظرها الأخلاقية الخاصة بها أو فهمها الخاص للمصالح، أن ينصف تجربتنا الأخلاقية الفعلية.
لكن، مرة أخرى، لا يحتاج الليبراليون إلى إنكار افتراض أن عالمنا الاجتماعي يقدم إطاراً للتمييز بين المصالح العليا والدنيا، ولا ينبغي افتراض أننا مضطرين إلى اعتبار وجهة نظرنا الأخلاقية الخاصة بنا كابتكار حر. على سبيل المثال، يعترف ويل كيمليكا Will Kymlicka صراحة أن الأمور تكتسب قيمتها بالنسبة لنا بقدر ما تمنحها ثقافتنا أهمية، وبقدر ما تتلاءم مع نمط النشاطات التي يعترف بها أولئك الذين يتشاركون شكلاً معيناً من الحياة كطريقة لعيش حياة جيدة (كيمليكا 1989، 166). مع ذلك، لا يقوّض كون عالم المرء الاجتماعي يقدم مساحة من الأمور التي تستحق القيام بها أو تحقيقها أو وجودها التأكيد الليبرالي على الاستقلالية، لأنه لا يزال هناك حيز كبير للخيار الفردي ضمن هذا الإطار. ولا تزال أفضل حياة هي التي يختار الفرد فيها ما يستحق القيام به أو تحقيقه أو وجوده، على الرغم من أن هذا الخيار قد يتوجب اتخاذه ضمن إطار معين يكون هو نفسه غير مختار.
يمكن أن يرد الجماعاتيون بطرح الشكوك حول وجهة النظر القائلة إن الخيار قيّم بذاته، أي أن بروز أهمية مبدأ أخلاقي ما أو ارتباط جماعي معين يكون ببساطة نتيجة وقوع اختيار الذات الفردية عليه بعد تأمل البدائل المتاحة. إذا كان لنا اهتمام عالي المستوى في اختيار مشاريعنا المركزية وخطط حياتنا، بغض النظر عما اخترناه، سيترتب على ذلك وجود خلل جوهري في الارتباطات والمشاريع التي لم يقع اختيارنا عليها. إلا أن هذه النظرة تتعارض مع فهمنا الفعلي لأنفسنا. إذ يقول مايكل ساندل: عادة ما نفكر في أنفسنا “كأعضاء في هذه العائلة أو الجماعة أو الأمة أو الشعب، وكحاملي هذا التاريخ، وكأبناء أو بنات تلك الثورة، وكمواطنين في هذه الجمهورية” (ساندل 1981، 179)، وهي ارتباطات اجتماعية غالباً ما نكتسبها لا إرادياً خلال فترة تنشئتنا، ولا يلعب الخيار العقلاني أي دور فيها على الإطلاق. فأنا لم أختر أن أحب أمي وأبي، أو أن أهتم بالحي الذي نشأت فيه، أو أن أكن مشاعر خاصة لأبناء بلدي، ومن الصعب فهم لماذا يعتقد الآخرون أني اخترت هذه الارتباطات، أو أنني كان يجب على القيام بهذا الاختيار. في الواقع، قد يكون هناك شيء من الاستهجان حيال شخص يشكك بأمور يهتم بها بعمق؛ بالتأكيد، لا يدوم الزواج طويلاً في حال كانت المفاهيم الأساسية المتعلقة بالحب والثقة مطروحة للنقاش باستمرار! كما أنه ليس من الواضح، على سبيل المثال، أن يكون شخص ما يقوم بعمل صالح بعد حساب مطول للمزايا والعيوب أرفع أخلاقياً من شخص على شاكلة الأم تيريزا، يعمل بصورة تلقائية وغير متكلفة من أجل مصلحة الآخرين.
يمكن أن يرد الليبراليين بأن القضية الحقيقة لا تكمن في مرغوبية الخيار، بل في إمكانية اتخاذه. ربما يكون هناك بعض الارتباطات غير المختارة التي لا تحتاج إلى التفكير النقدي فيها أو تأييدها، وربما يصل الأمر إلى أنه يمكن أن يؤدي في المبالغة في التفكير في الأمور التي نهتم بها أحياناً إلى نتائج عكسية. إلا أن بعض غاياتنا قد تكون إشكالية، ولهذا السبب لدينا مصلحة أساسية في أن نكون قادرين على التشكيك فيها ومراجعتها. الأهم ليس اختيار خطة حياتنا الخاصة بنا؛ بل إن الليبرالية المؤسسة على قيمة تقرير المصير تتطلب أن نكون قادرين على تقييم غاياتنا نقدياً إن دعت الحاجة، وبالتالي “لا يوجد هدف أو غاية في مأمن من إعادة التفحص المحتملة” (كيمليكا 1989، 52؛ دوركن 1989، 489؛ ماسيدو1990، 247). على سبيل المثال، يوجد لدى المرأة المضطهدة مصلحة أساسية في أن تكون قادرة على التفكير النقدي في الفهم التقليدي لما تعنيه أن تكون زوجة وأم صالحة، وسيكون من الظلم تقييد حريتها في المراجعة الجذرية لخططها.
لكن هذا الرد لا يزال يترك الباب مفتوحاً أمام تحد عميق للأسس الليبرالية. ربما نستطيع إعادة تفحص بعض الارتباطات، لكن مشكلة الليبرالية تكمن في وجود ارتباطات أخرى جوهرية في هويتنا لا يمكن تجاهلها، وأن أي محاولة للقيام بذلك ستتسبب بضرر نفسي جسيم ربما لا يمكن إصلاحه. في الواقع، لا يتطلب هذا التحدي الموجّه لليبرالية سوى أن يكون الجماعاتيون قادرين على تحديد إحدى الغايات أو الارتباطات الاجتماعية التي تشكل جزءاً تأسيسياً من هوية المرء لدرجة أنها لا يمكن مراجعتها أو رفضها. على سبيل المثال، ربما يريد أحد المحللين النفسيين المجادلة بأنه من المستحيل اختيار (على الأقل في بعض الحالات) التخلي عن الارتباط الذي يشعر به الفرد نحو والدته، وأن المحاولة قد تقود إلى عواقب معاكسة وغير مقصودة. وربما تشير إحدى المنظرات النسويات إلى العلاقة بين الأم والطفل كمثال على الميزة التأسيسية لهوية الشخص وتجادل بأن أي محاولة لإنكار هذا ستفشل في مراعاة احتياجات النساء وتجاربها الخاصة (فريزر ولاسي Frazer & Lacey 1993، 53-60). وربما يجادل خبير بعالم الإنسان (عالم أنثروبولوجيا)، استناداً إلى ملاحظات ميدانية، بأنه من المستحيل لشخص من شعب الإنويت Inuit القاطن أقصى شمال كندا أن يقرر فجأة التخلي عن هويته الإنويتية، والرد المنطقي الوحيد هو الاعتراف بهذه الميزة التأسيسية لهويته وقبولها. أو ربما يدّعي ناشط في مجال تحرر المثليين بأنه من المستحيل وغير المرغوب به بالنسبة إلى المثليين أن يكبتوا هويتهم الجنسية الممنوحة بيولوجياً. هذه الحجج ليست غير قابلة للتصديق، ويبدو أنها تتحدى وجهة النظر الليبرالية القائلة بأنه لا ينبغي أن تكون هناك غاية أو التزام محدد بعيداً عن التفكير النقدي وخارج إطار المراجعة.
لنفترض أننا نستطيع تحديد ارتباط معين راسخ الجذور لدرجة يستحيل معها فعلاً إدراكه بوعي كامل، وفي نفس الوقت بالغ الأهمية لسلامة الفرد لدرجة أن التخلي عن الالتزام بصالحه لا يكون إلا على حساب إصابته باضطراب نفسي خطير. هذه الغاية تتجاوز حدود التغيير الإرادي، ومن يتخلّ عن الالتزام بها يدفع الثمن غرقاً في حالة من التشتت يعجز فيها عن اتخاذ موقف حيال العديد من الأمور المهمة (تايلور 1989، 26-7). هل هذا يهدد فعلاً السياسة الليبرالية؟ ربما، في حال كانت السياسة الليبرالية تعتمد فعلاً على الذات الليبرالية. لحسن الحظ، هذا ليس واقع الحال. إذ يبدو للعيان، عند إعادة قراءة بعض النصوص الجماعاتية من ثمانينيات القرن العشرين، انتشار افتراض بأنه بمجرد اكتشافك الأسس الخاطئة المتعلقة بالذات الليبرالية، فإن الصرح الليبرالي سينهار بأكمله. فالمهمة إذاً هي نقد الفلسفة الكامنة وراء الذات، وكسب الأشخاص إلى جانبك، وعندها يمكنك الانتقال إلى مجتمع جماعاتي جديد تماماً لا يدين بأي شيء إلى التقليد الليبرالي. لا بد أن ذلك كان وقتاً مبهجاً للثوريين الطامحين، لكن سرعان ما أدرك الجماعاتيون الأكثر حصافة أن الإطاحة بالحقوق الليبرالية لم تكن مطلقاً جزءاً من جدول أعمالهم. فحتى لو أخطأ الليبراليون بإنكارهم وجود غايات تأسيسية -وحتى لو كانت التبريرات الفلسفية لشكل التنظيم الاجتماعي الليبرالي القائم على قيمة الخيار التأملي متعفنة حتى النخاع- لا يزال هناك أسباب عملية نسبياً للاهتمام بالحقوق في العالم الحديث. من بين بعض أبرز منافع الحقوق الليبرالية، أنها غالباً ما تسهم في بسط الأمن والاستقرار السياسي والتحديث الاقتصادي.
باختصار، يبدو أن النقاش حول الذات برمته كان خاطئاً إلى حد ما. فالليبراليين أخطأوا في اعتقادهم بأنهم بحاجة إلى تقديم فلسفات راسخة عن الذات لتبرير السياسة الليبرالية، وأخطأ الجماعاتيون في اعتقادهم بأن تحدي تلك الأسس كاف لتقويضها. وليس من المستغرب أن كلا الجانبين سرعان ما تعبا من نقاش محاسن ومساوئ الذات الليبرالية. بحلول أوائل تسعينيات القرن العشرين، تلاشى هذا النقاش بين الليبراليين والجماعاتيين حول الذات فعلياً عن الأنظار في الفلسفة الأنجلو-أميركية[10].
إذن، ما الذي تبقّى من الفهم الجماعاتي للذات؟ ربما ما يميز الجماعاتيين هو أنهم أكثر ميلاً إلى الجدال بأن للأفراد مصلحة حيوية في عيش حياة كريمة، مع ما تنطوي عليه سياسياً من ضرورة دعم الارتباطات الجماعية الضرورية لشعورنا بالرفاهية وتعزيزيها. وهذا لا يعني بالضرورة تحدي وجهة النظر الليبرالية القائلة إنه يمكن أن تكون بعض ارتباطاتنا الجماعية إشكالية وربما تحتاج إلى تغيير، وبالتالي فإن على الدولة حماية قدراتنا على تشكيل خطط حياتنا والسعي لتحقيقها ومراجعتها. إلا أن مصلحتنا في الجماعة قد تتعارض أحياناً مع مصلحتنا الحيوية الأخرى في عيش حياتنا التي نختارها بحرية، والرؤية الجماعاتية تقول إن المصلحة الأخيرة لا تتفوق تلقائياً على المصلحة الأولى في حالات التعارض. في المسار المستمر بين الحرية والجماعة، يميل الجماعاتيون أكثر إلى وضع حد فاصل لصالح المصلحة الأخيرة.
غير أن حل هذه التعارضات لا يتأتى من الحل النظري وحده. فالحسم مرهون بالتحليل التجريبي للسياسات الفعلية؛ فإلى أي مدى تهدد السياسات الليبرالية المفرطة فعلاً مصالحنا في الجماعة، وإلى أي مدى يمكن للدولة أن تلعب دوراً في معالجة الوضع، وإلى أي مدى يجب ترك مهمة تعزيز الروابط الجماعاتية إلى المجتمع المدني، وغيرها من التساؤلات. هذا ما سلط الجماعاتيون السياسيون الضوء عليه في العقد الماضي. دعونا نتحول الآن إلى سياسات الجماعة، التي تشكل المحور الثالث الرئيسي للفكر الجماعاتي.
3. سياسات الجماعاتية
بالنظر إلى الماضي، يبدو من الواضح أن المشاغل الفلسفية لم تحفز النقد الجماعاتي للمذهب الليبرالي بقدر ما حفزتهم المشاغل السياسية الضاغطة، وتحديداً الآثار الاجتماعية والنفسية السلبية المرتبطة بالتوجهات الذرية في المجتمعات الليبرالية الحديثة. بكلمات أخرى، مهما كان صواب المبادئ الليبرالية، فالحقيقة تبقى أنه يبدو أن العديد من الجماعاتيين قلقين من تصور أن المؤسسات والممارسات الليبرالية التقليدية ساهمت في نشوء ظواهر حديثة مثل العزوف عن العملية السياسية والجشع الجامح والشعور بالوحدة والجريمة الحضرية وارتفاع معدلات الطلاق، أو على الأقل لم تكن على قدر تحمل مسؤولية التعامل معها. ونظراً إلى خطورة هذه المشكلات في الولايات المتحدة، ربما كان من المحتم أن تتحول الموجة الثانية من جماعاتيي تسعينيات القرن العشرين، أمثال أميتاي إتزيوني Amitai Etzioni (1929-2023) وويليام غالستون William Galston، إلى مجال سياسي أكثر عملية عبر التأكيد على المسؤولية الاجتماعية وتعزيز السياسات الهادفة إلى وقف تراجع الحياة الجماعية في مجتمع يزداد تشرذمه باستمرار[11]. نُشر كثير من هذا الفكر في الدورية الجماعاتية الرائدة، الجماعة المنفتحة The Responsive Community، التي حررها أميتاي إتزيوني وتضمنت مساهمات مجموعة نخبوية من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وصناع السياسة العامة [ولكن للأسف، أوقفت هذه الدورية عملها في عام 2004 لأسباب مالية]. كما كان إتزيوني مديراً لمركز أبحاث معهد دراسات السياسية الجماعاتية Institute for Communitarian Policy Studies، الذي يصدر أوراق بحثية ويقدم الاستشارات للمسؤولين الحكوميين في واشنطن[12].
يلوم هؤلاء الجماعاتيون السياسيون كل من اليسار واليمين على ضائقتنا الحالية. فاليسار السياسي ملام بسبب دعمه لحقوق الرعاية غير المستدامة اقتصادياً في عصر النمو البطيء والشيخوخة السكانية، وكذلك بسبب تحويله السلطة بعيداً عن الجماعات المحلية والمؤسسات الديمقراطية نحو بنى بيروقراطية مركزية ذات قدرة أفضل على إدارة توزيع عادل ومتساو للمنافع، مما أدى بالتالي إلى تنامي الشعور بالعجز والعزوف عن العملية السياسية. علاوة على ذلك، تقوّض دولة الرعاية الحديثة، بمنطقها الشمولي في الحقوق والاستحقاقات، الروابط الأسرية والاجتماعية عبر جعل الالتزامات تجاه الجماعات المحلية غير ضرورية، وعبر تثبيط الجهود الخاصة لمساعدة الآخرين (مثل قوانين النقابات والأنظمة الصارمة في السويد التي تمنع الأهل من المساعدة طوعياً في إدارة بعض مراكز الحضانة النهارية التي يرسلون أطفالهم إليها)، بل وعبر تقديم حوافز تثبط تشكيل الأسر (على سبيل المثال، تُقتطع مدفوعات الرعاية في العديد من الولايات الأميركية من حساب المستفيد في حال تزوجه من شخص عامل)، وتشجع تفكك الأسر (على سبيل المثال، غالباً ما يكون الطلاق بالتراضي في الولايات المتحدة مجزياً مالياً للوالد غير الحاضن، وعادة ما يكون الوالد).
ساهمت الحلول الليبرالية التي يفضلها اليمين السياسي على نحو مباشر أكثر في تراجع المسؤوليات الاجتماعية وأشكال الحياة الجماعية القيّمة، وخاصة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. فبدلاً من أن تسفر الحلول السياسية عن عواقب جماعية نفعية، نجد أن اليد الخفية لرأسمالية السوق الحرة غير المنتظمة تقوّض الأسرة (مثال على ذلك، قلة من الشركات تقدم إجازات كافية للوالدين عند قدوم مولود جديد)، وتعطل الجماعات المحلية (مثال على ذلك، بعد إغلاق المصانع أو نقل المقرات الرئيسية للشركات)، وتفسد العملية السياسية (مثال على ذلك، غالباً ما يعتمد السياسيون الأميركيون على مجموعات المصالح الاقتصادية لضمان بقائهم السياسي، مما يترتب عليه أنهم لم يعودوا يمثلون الجماعة ككل). علاوة على ذلك، برّر تثمين الجشع في عهد تاتشر وريغان توسع الاعتبارات العملية التي تحكم العلاقات في السوق إلى مجالات كانت تدار سابقاً بمبدأ التبادل غير المحسوب والالتزام المدني. وتعزَّز هذا التوجه مع تصاعد العولمة، التي تضغط على الدول للتقيد بإملاءات السوق العالمية.
وفي السياق الأميركي تحديداً، يدين مفكرون جماعاتيون مثل ماري آن غليندون Mary Ann Glendon نسخة جديدة من الخطاب الحقوقي هيمنت مؤخراً (غليندون 1991). فبينما كانت المطالبة بالحقوق تقتصر سابقاً على قضايا تتعلق بالمصلحة الإنسانية الجوهرية، سيطر خطاب الحقوق الصارم على الخطاب السياسي المعاصر، ما أدى إلى تضييق مساحة النقاش والتسويات العقلانية، وتبرير إهمال المسؤوليات الاجتماعية التي بدونها لن يكون للمجتمع وظيفة، وإضعاف جميع المطالبات بالحقوق في نهاية المطاف عبر تقليص قيمة الحقوق المهمة فعلاً.
لمعالجة هذا الخلل بين الحقوق والمسؤوليات في الولايات المتحدة، اقترح الجماعاتيون السياسيون إجراء تجميد مؤقت لإنتاج حقوق جديدة وتغيير “عاداتنا المحببة” من التركيز المفرط على تحقيق الذات نحو الاهتمام بتعزيز الأُسر والمدارس والأحياء والحياة السياسية الوطنية، وأن تدعم هذا التغيير بعض السياسات العامة. لاحِظ أن هذا الاقتراح يسلم جدلاً بوجود الحريات المدنية والسياسية الأساسية فعلاً، مما يخفف من القلق الناجم عن الاعتقاد بأن الجماعاتيين ينزلقون نحو الاستبدادية. مع ذلك، تراجع المفكرون الجماعاتيون رويداً رويداً عن المطالبة بالتجميد المؤقت لإصدار حقوق جديدة، وربما ذلك بسبب الإجماع المتزايد بأن المجموعات المهمشة، مثل الأزواج المثليين الساعين إلى الحصول على حق الزواج المعترف به قانونياً، لديهم حق مشروع في المطالبة بحقوق جديدة (ماسيدو، 2015)، وأنهم سيدفعون ثمن تجاوزات الآخرين إذا وُضع التجميد المؤقت قيد التنفيذ.
لكن الأمر الأخطر من وجهة نظر أولئك المتعاطفين عموماً مع المطامح الجماعاتية هو التساؤل حول ما علاقة كل هذا تحديداً بالجماعة. فمن جهة، سعى إتزيوني نفسه إلى تبرير سياسته بالإشارة إلى ضرورة الحفاظ على التوازن بين النظام الاجتماعي والحرية، (إتزيوني 1996) بدلاً من الاحتكام إلى أهمية الجماعة. لكن لا يتميز الجماعاتيون عن غيرهم بالانشغال بالنظام الاجتماعي، فقد أكد الليبراليون مثل جون ستيوارت ميل John Stuart Mill والمحافظين البوركينيين Burkean على الحاجة إلى النظام. وعندما يستخدم الجماعاتيون السياسيون مصطلح الجماعة، يبدو أنه يعني أي شيء يريدونه. والأسوأ، حسب ما تجادل إليزابيث فريزر Elizabeth Frazer، هو أنه غالباً ما يُستخدم لتبرير الترتيبات الهرمية ونزع الشرعية عن مناطق النزاع والتنافس في المجتمعات الحديثة (فريزر 1999).
مع ذلك، من الممكن فهم مصطلح الجماعة كمثال معياري[13]. فالجماعاتيين ينطلقون من افتراض الحاجة إلى اختبار حياتنا بوصفها مترابطة مع صالح الجماعات التي تشكلت منها هوياتنا. هذا يستثني الارتباطات العرضية مثل عضوية نادي الغولف، التي لا تؤثر عادة على شعور الفرد بهويته ورفاهيته (يستخدم مؤلفو كتاب عادات محببة (بيلا وآخرون، 1985) مصطلح “معاقل أنماط الحياة” لوصف هذه الارتباطات). لكن وعلى عكس المدافعين ما قبل الحداثيين عن الجماعة العضوية، يفترض الجماعاتيون أن هناك العديد من أشكال الحياة الاجتماعية القيّمة في العالم الحديث. إذاً، يتمثل المشروع السياسي الجماعاتي المميز في تحديد الأشكال الجماعية القيّمة وصياغة سياسة تهدف إلى حمايتها وتعزيزها، دون التضحية بالكثير من الحرية. عادة ما يستحضر الجماعاتيون الأنماط التالية من الجماعات:
- جماعات المكان، أو الجماعات القائمة على الموقع الجغرافي. ربما هذا المعنى هو الأكثر شيوعاً لكلمة جماعة. فالجماعة ترتبط ضمن هذا الإطار بالمكانية، بالمعنى المادي والجغرافي للجماعة التي تموضعت في مكان ما. وبمكن أن تشير إلى قرية صغيرة أو مدينة كبيرة. كما أن لجماعة المكان بعداً عاطفياً؛ فهي تشير إلى المكان الذي يدعوه المرء بـ”الوطن” وهو غالباً ما يكون المكان الذي وُلد فيه المرء وترعرع، والمكان الذي يرغب أن يقصي بقية حياته فيه حتى لو غادره وهو بالغ. على أقل تقدير، يفترض الجماعاتيون وجود مصلحة في التماهي مع محيطهم المألوف.
من حيث الآثار السياسية، هذا يعني على سبيل المثال، أن على السلطات السياسية أن تأخذ في عين الاعتبار الطابع القائم للجماعة المحلية عند النظر في خطط التنمية؛ وثّقت جين جاكوبز Gane Jacobs بصورة بارزة الآثار السلبية لهدم المباني المتهالكة بدلاً من ترميمها، واستبدالها بمجمعات سكنية لذوي الدخل المحدود ملائمة وظيفياً ولكنها تفتقر إلى الطابع المميز (جاكوبز 1965). حتى المدن الكبرى يمكنها، ويجب عليها، أن تسعى إلى الحفاظ على روح الجماعة المميزة وتعزيزها (بيل ودي شاليت Bell and de-Shalit 2011). تتضمن الاقتراحات الأخرى لحماية جماعات المكان ما يلي: منح مجالس الجماعات حق النقض تجاه مشاريع البناء التي تفشل في احترام الأنماط المعمارية الموجودة؛ وسن قوانين تنظم إغلاق المصانع لحماية الجماعات المحلية من آثار حركة رأس المال السريعة والتغير الصناعي المفاجئ، وتشجيع الملكية المحلية للشركات (شومان Shumman 1999)؛ وفرض شروط على منافذ الخصم واسعة النطاق مثل وولمارت التي تهدد بإغلاق محلات التجزئة المتفرقة والمتنوعة المملوكة عائلياً ومحلياً.
- جماعات الذاكرة، أو مجموعات الغرباء الذين يتشاركون تاريخاً ذا دلالة أخلاقية. يشير هذا المصطلح، الذي استخدمه أول مرة مؤلف كتاب عادات محببة، إلى جماعات متخيلة لها تاريخ مشترك يمتد إلى عدة أجيال. تحولنا هذه الجماعات نحو المستقبل، إلى جانب ربطنا بالماضي؛ إذ يسعى الأعضاء إلى تحقيق المثاليات والطموحات المتأصلة في التجارب السابقة لتلك الجماعات، ويعتبرون جهودهم المبذولة، جزئياً، مساهمات في الصالح العام. وهم يوفرون مصدراً للمعنى والأمل في حياة الناس. بعض الأمثلة النموذجية على جماعة الذاكرة، الأمة والمجموعات العرقية والثقافية القائمة على اللغة.
يُترجم هذا عادة في الديمقراطيات الليبرالية الغربية في صورة ممارسات متنوعة لبناء الأمة تهدف إلى تعزيز أواصر القواسم المشتركة التي تربط الأشخاص بأممهم، مثل الخدمة الوطنية ودروس التاريخ الوطني في المناهج المدرسية. يشدد من يطلقون على أنفسهم الجمهوريين، أمثال مايكل ساندل، على الجماعة السياسية الوطنية، ويدعون إلى اتخاذ تدابير تزيد من المشاركة المدنية والروح الوطنية (ساندل 1996). مع ذلك، هناك اعتراف متزايد بالطبيعة متعددة الأمم للدول الحديثة، ويجب على الدول الغربية الحديثة أن تحاول كذلك إفساح المجال أمام الحقوق السياسية للمجموعات الأقليات. نوقشت هذه التدابير السياسية على نطاق واسع في الأدبيات الحديثة عن القومية والمواطنة والتعددية الثقافية (كيمليكا 1995، وميلر 1995، وماسيدو 2000، وتامر 1993).
- الجماعات النفسية، أو جماعات التفاعل الشخصي المباشر التي تحكمها مشاعر الثقة والتعاون والإيثار. يشير هذا إلى مجموعة من الأشخاص الذين يتشاركون نشاط مشترك ويختبرون شعور التكاتف النفسي في أثناء سعيهم إلى تحقيق غايات مشتركة. مثل هذه الجماعات، القائمة على التفاعل المباشر، تحكمها مشاعر الثقة والتعاون والإيثار، بمعنى أن أعضائها المكونين يضعون صالح المجموعة نصب أعينهم ويتصرفون بما يخدم مصلحتها. تختلف هذه الجماعات عن جماعات المكان بأنها لا تُعرّف بالضرورة بالمكانية أو التقاربية. وتختلف عن جماعات الذاكرة بأنها “حقيقية” أكثر، فهي تقوم عادة على التفاعل الاجتماعي المباشر في فترة زمنية محددة، وبالتالي تميل إلى أن تكون محدودة الحجم[14]. تعد الأسرة المثال النموذجي عليها. ومن الأمثلة الأخرى نذكر بيئات العمل أو الدراسة ضيق النطاق القائمة على الثقة والتعاون الاجتماعي.
يميل الجماعاتيون إلى تفضيل السياسات المعدة لحماية روابط العائلة والمجموعات الشبيهة بها وتعزيزها. وهذا يشمل تدابير مثل تشجيع الزواج وتعقيد إجراءات الطلاق القانونية. وتُدعم هذه السياسات بأدلة تجريبية تشير إلى المنافع النفسية والاجتماعية للزواج (ويت Waite 1966). كما يفضل الجماعاتيون التشريعات السياسية التي يمكن أن تساعد في إعادة هيكلة التعليم بطريقة تُصقل فيها عند الصغار أعمق احتياجات الأشخاص المتمثلة في الانتماء والمساهمة في الجماعات النفسية. يمكن أن يكون نظام المدرسة الابتدائية في اليابان، حيث يتعلم الطلاب التعاون الجماعي وتخصص الجوائز والمكافآت للصف بأكمله وليس للطلاب منفردين، نموذجاً مفيداً (ريد Reid 1999).
ما يميز المشروع السياسي الجماعاتي هو أنه يتضمن تعزيز أشكال الحياة الجماعية الثلاثة القيّمة. إلا أن هذا يثير القلق حول أن السعي لتحقيق صالح الجماعات المتنوعة قد يتعارض في الممارسة. على سبيل المثال، دعا إتزيوني إلى مجموعة واسعة من التدابير الداعمة للأسرة؛ مثل أنه ينبغي على الآباء والأمهات تكريس مزيد من الوقت والجهد لتربية الأبناء (نظراً لقصور معظم مراكز الرعاية في رعايتهم)، كما ينبغي على النقابات العمالية وأصحاب العمل تسهيل عمل الوالدين من المنزل، ويجب على الحكومة إجبار الشركات تقديم إجازة أمومة ستة شهور مدفوعة الأجر وسنة غير مدفوعة الأجر (إتزيوني 1993، الفصل الثاني وإتزيوني 1996، الفصل السادس). ومن المرجح أن يتجلى التأثير المشترك لهذه التغييرات في القناعات الشخصية والسياسات العامة في تحويل المواطنين إلى أشخاص منغمسين في شؤونهم الخاصة، وتركيزهم منصب على الأسرة.
ولكن إتزيوني جادل كذلك بأن النظام السياسي الأميركي فاسد حتى النخاع، وخلص إلى أن انخراط المواطنين الصالحين الواسع في الشؤون العامة هو السبيل الوحيد لإصلاح الوضع: “بمجرد أن يصبح المواطنون على دراية بالحقائق، يتعين عليهم أن يجعلوا من واجبهم المدني تنظيم الآخرين محلياً وإقليمياً ووطنياً للعمل وفق فهمهم لما يتطلبه الأمر لتطهير الحياة العامة في أميركا” (إتزيوني 1993، 2449). لكن القلة من الأشخاص قادرين على توفير الوقت والجهد الكافيين لتكريس أنفسهم بالكامل للحياة الأسرية والشؤون العامة، ومن المرجح أن يؤدي تفضيل أحد المثالين إلى تقويض الآخر. بالتأكيد ليس من قبيل الصدفة أن أميركا الجمهورية في عهد جيفرسون اعتمدت على مدنيين ذكور نشطاء ذوي حس عال بالمسؤوليات العامة ومتحررين إلى حد كبير من المسؤوليات الأسرية. في المقابل، تميل المجتمعات التي ينعم أفرادها بحياة أسرية غنية ومرضية (مثل مجتمع سنغافورة المعاصرة) إلى أن يحكمها طغاة أبويون يمكنهم الاعتماد على شعب مطيع وغير مبال سياسياً.
كما يواجه الجماعاتيون الذين يدافعون عن زيادة الالتزام بالشأن العام وتقوية الروابط بالعمل (لدرجة أن تصبح جماعة نفسية) مشكلة تَعارُض الالتزامات. على سبيل المثال، يُشيد مايكل ساندل بـ”الحرفيين الفخورين” في عهد جاكسون وبفكرة لويس برانديز Louis Brandeis حول “الديمقراطية الصناعية”، التي يساهم فيها العمال في الإدارة ويتقاسمون مسؤوليات تسيير العمل” (ساندل 1996، 170، 213). يُقال إن التماهي مع العمل والديمقراطية الصناعية يحسنان مقدرات العمال المدنية، ولكن قد لا يكون هذا الحال دوماً. فكما أن الانخراط الواسع في الحياة الأسرية قد يتعارض مع الالتزامات تجاه الحياة العامة، فإن قلة من الأشخاص سيجدون الوقت والجهد الكافيين للمشاركة الواسعة في كل من العمل والشأن العام. ولنتذكر أن المجتمع الجمهوري في أثينا القديمة اعتمد على الذكور النشطين ذوي الحس العالي بالمسؤولية العامة والمتحررين من عبء العمل (لأن العبيد كانوا يقومون بمعظم الأعمال الشاقة).
من الجدير بالذكر كذلك أن التفاني في العمل يمكن أن يقوّض الحياة الأسرية. فكما يشير تاتسو إينوي Tatsuo Inoue من جامعة طوكيو، ممكن أن تقود الجماعاتية اليابانية -وهي هوية جماعية قوية ترتكز على العمل- إلى الإصابة أحياناً بمرض “كاروشي karoshi” (أي الموت من الإجهاد المفرط في العمل) وأن تحرم العمال في كثير من الأحيان من “حق الجلوس مع عائلاتهم إلى مائدة العشاء” (إينوي 1993). وكما يضطر الليبراليون (الذين يسيرون على خطا رونالد دوركين Ronald Dworkin) إلى الاختيار أحياناً بين المثاليات (على سبيل المثال، بين الحرية والمساواة) المتعارضة مع بعضها البعض في حال بُذل جهد حقيقي لتحقيق أي منها بالكامل، فقد يضطر الجماعاتيون كذلك إلى اتخاذ خيارات صعبة بين أشكال الحياة الجماعية القيّمة.
مع ذلك، ربما توجد سيناريوهات فعلية أو محتملة لتحقيق منفعة متبادلة، إذ يمكن لتعزيز شكل محدد من الحياة الجماعية أن يعزز أشكال أخرى، بدلاً من تقويضها؛ وطبعاً سيفضل الجماعاتيون السياسيون هذا النوع من التغيير. على سبيل المثال، اعترض النقاد على جمعيات الأحياء السكنية، أو “الجماعات المسوّرة”، بحجة أنها تقوّض الارتباط بنظام الحكم بالكامل وتضعف التماسك الاجتماعي والثقة الضروريين لتعزيز العدالة الاجتماعية والحفاظ على العملية الديمقراطية (ماكنزي Mckenzie 1994)[15]. فهل من الممكن إذاً إعادة تشكيل التخطيط الحضري بحيث يتمكن الناس من رعاية جماعات محلية قوية بدون تقويض الارتباط بالجماعة الوطنية، بل وربما تعزيز أشكال أوسع من الروح الوطنية؟ قُدمت العديد من الاقتراحات العملية في هذا الصدد. فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة، افترض المعماريون والمخططون الحضريون، والمعروفون بالحضريين الجدد، تدابير متنوعة لتعزيز بناء الجماعة -كالسكن الميسور والنقل العام والبيئات التي تركز على المشاة والمساحات العامة كجزء أساسي من الأحياء- دون أن تؤدي إلى عواقب “الخصخصة” التي تميز الجماعات المغلقة. تكمن المشكلة، كما يشير جيرالد فروغ Gerald Frug، في أن “تقريباً كل ما يريدون فعله هو الآن غير قانوني. يجب على المدن، من أجل تعزيز الرؤية الحضرية الحديثة من التصميم الحضري، أن تراجع قوانين تقسيم المناطق المحلية وسياسات التنمية من القمة إلى القاعدة”[16]. يشير هذا إلى ضرورة تقديم توصيات تتعلق بالسياسة العامة مصممة خصيصاً لدعم أشكال مكملة من الارتباطات الجماعية.
مثلما من الخاطئ الافتراض أن الأهداف الجماعاتية متعارضة دوماً، ينبغي كذلك الأخذ بعين الاعتبار إمكانية تعايش الحقوق الفردية والأهداف الجماعاتية وتكاملها مع بعضها البعض[17]. ففي سنغافورة على سبيل المثال، يمكن القول إنه كلما كانت الحقوق الديمقراطية أكثر أمناً كلما تعزز الالتزام بالصالح الوطني المشترك[18]. لم تُخفِ الحكومة السنغافورية حقيقة أنها صعّبت الأمور على العديد من السياسيين الذين طمحوا إلى دخول المعترك السياسي في صفوف الأحزاب المعارِضة؛ فوفقاً للمدعي العام تشان سيك كيونغ Chan Sek Keong، بين عامي 1971 و1993، أعلن أحد عشر سياسياً معارضاً إفلاسهم (وبالتالي أصبحوا غير مؤهلين للترشح في الانتخابات)[19]. ترسل مثل هذه التصرفات، سواء أكانت مقصودة أم لا، رسالة غير وطنية إلى الجماعة بأكملها؛ وهي أن السياسة لعبة خطيرة لمن لم تباركهم القيادة العليا في النظام الحاكم، لذا يجب أن يلتفتوا لشؤونهم الخاصة. وكما قال الصحفي السنغافوري شيريان جورج Cherian George، لا يمكن للمرء لوم الأشخاص على إهمالهم لالتزاماتهم الاجتماعية والسياسية “عند سماعهم العديد من الحكايات التحذيرية: عن سنغافوريين انتهت مسيرتهم المهنية مبكراً بعد تعبيرهم عن معارضتهم؛ وعن نقاد خضعوا للتحقيق؛ وعن أفراد سُجنوا دون محاكمة رغم أنهم لا يشكلون أي خطر حقيقي؛ وعن هواتف مراقَبة ورسائل مفتوحة”. العبرة من هذه القصص، أنه من الأفضل في سنغافورة أن تلتفت إلى عملك الخاص وتجمع الأموال وتترك السياسة للسياسيين[20]. بعبارة أخرى، إذا كان الهدف ضمان الارتباط بالمجتمع المحلي ككل، فإن إجراء انتخابات تنافسية حقيقية، وضمان حرية ترشُّح المعارضة دون الخوف من الانتقام[21]، يعد خطوة أولى جريئة (انظر كذلك تشان 2014). تكتسب الحجة الجماعاتية لانتخابات ديمقراطية قوة خاصة في الجماعات الصغيرة التي يكون من السهل فيها ترسيخ الشعور بالتضامن الجماعي (قد تسهم الانتخابات في الجماعات السياسية الأكبر، مثل الصين، في إثارة الخلافات؛ انظر بيل 2015، الفصلين الأول والرابع).
مع ذلك، تشير الحالة السنغافورية إلى بعد آخر من أبعاد سياسات الجماعة التي تعيدنا إلى الدفاع الجماعاتي عن الخصوصية الثقافية. فعادة ما ينظر الإصلاحيون الديمقراطيون في سنغافورة إلى الديمقراطية على أنها انتخابات تنافسية حرة ونزيهة، والتي غالباً ما يطلق عليها المحللون الغربيون “الديمقراطية الصغرى”. الوضع مشابه في هونغ كونغ؛ إذ يبدو أن تطلّع النقاد الاجتماعيون إلى الديمقراطية “الكاملة” اُختزل إلى انتخاب مجلس تشريعي ورئيس تنفيذي. بعبارة أخرى، من اللافت أن التقليد الجمهوري في الفكر الجماعاتي، المتمثل في رؤيته للديمقراطية القوية المدعومة بمواطنين فاعلين وملتزمين بالصالح العام ويشاركون في صنع القرار وتحديد شكل التوجه المستقبلي لمجتمعهم عبر النقاش السياسي، يبدو غائباً إلى حد كبير عن الخطاب السياسي في سنغافورة وهونغ كونغ، وربما في شرق آسيا عموماً. فالعديد من شرق الآسيويين يجعجعون مطالبين بحقوق ديمقراطية آمنة، ولكن هذا نادراً ما يُترجم إلى المطالبة بضرورة التزام جميع المواطنين بالسياسة بصورة مستمرة، أو إلى تبني وجهة النظر التي طرحها ديفيد ميلر David Miller، “السياسة بالفعل جزء ضروري من الحياة الجيدة” (ميلر 2000). يمكن تفسير الغياب النسبي للمثاليات الجمهورية، من جهة، بحقيقة أنه لا يوجد نظراء لأرسطو وجان جاك روسو في الفلسفة شرق الآسيوية. ويمكن الجدال كذلك بأن النزعة الجمهورية لا تلقى صدى لأن شرق الآسيويين عادة ما يولون اهتماماً أكبر لأشكال أخرى من الحياة الجماعية؛ إذ تعد الأسرة تحديداً محوراً هاماً في النظرية والممارسة الأخلاقية الكونفوشيوسية (مقارنة بالفلسفة الغربية). باختصار، بقدر ما يمكن أن تتعارض الأشكال المختلفة من الحياة الجماعية عملياً، فإن الثقافات المختلفة ترسم حدوداً مختلفة في مواضع مختلفة.
لكن هذا لا يعني أن كل جماعة ترسم حدودها بطريقتها الخاصة، وأنه لم يعد هناك مجال للنقاش الأخلاقي أو النقد الاجتماعي. فعلى الرغم من احتمال وجود حجة قوية لتأييد “الطريقة التي تجري فيها الأمور” إذا توافقت التفاهمات المشتركة مع وجهات نظر مؤيدي ومعارضي الوضع السياسي الراهن، إلا أنه في الغالب سينتقد النقاد التجاوزات الجماعاتية في مجتمعات معينة. على سبيل المثال، يجادل تشانغ كيونغ سوب Chang Kyung-Sup بأن “النزعة الأسرية” الكورية تضر بالأفراد وتشكل عقبة خطيرة أمام إرساء نظام سياسي ديمقراطي في كوريا (انظر تشانغ 2004). ضمن هذا السياق، ربما سيؤدي التركيز القوي على الخصائص الأسرية إلى نتائج عكسية[22]. لكن المجتمعات الأخرى -المجتمعات الفردانية نسبياً التي تعاني من العواقب الاجتماعية غير المرغوب فيها للطلاق والأسر ذات المعيل الواحد أو المجتمعات الجماعاتية التي تبرر التضحية بالأسر لصالح العمل- قد تحتاج إلى تجديد الحياة الأسرية وربما تستلهم أفكارها من “النزعة الأسرية” الكورية. بكلمات أخرى، ما يبدو أنه تجاوز جماعاتي في أحد المجتمعات يمكن أن يكون مصدراً للإثراء في مجتمع آخر.
الخلاصة، إذاً هي، نعم، الجماعة ذات قيمة؛ على الأقل لا تقل قيمة عن الحاجة إلى الحرية، إن لم تكن أكثر[23]. ميّز الجماعاتيون، على نحو مجد، بين أشكال الجماعات القيّمة، ووضع الجماعاتيون السياسيون الأنجلو-أميركيون قوائم خيارات سياسية متنوعة لتعزيز تلك الأشكال من الجماعات. كما توفر السياسات الجماعاتية المتنوعة في شرق آسيا مزيداً من الإمكانيات. بيد أن تحديد أي شكل جماعي يُركَّز عليه وأيها يُهمش يعتمد على احتياجات المجتمعات المعينة ومشكلاتها. باختصار، تعتمد الآثار السياسية للجماعاتية على الآفاق الثقافية والأولويات الاجتماعية في سياقات محددة[24].
دعني أختم بسؤال عن السبب الذي يوجب شرق الآسيويين التوجه نحو الجماعاتية في حين يمكنهم الاعتماد على التقليد الكوفوشيوسي الغني والمتنوع للتعبير عن القيم الجماعاتية. ففي نهاية المطاف، هناك تداخل كبير بين الفلسفتين -كلاهما تركزان على قيمة العلاقات في عيش حياة كريمة وتشددان على أهمية التعليم وأساليب التربية الأخلاقية غير القسرية، وتعتبران الحقوق الشرعية آليات احتياطية يُلجأ إليها أخيراً (انظر بيل 2008، الفصل التاسع)- فلماذا لا يلتزمون بالفلسفة الكونفوشوسية “المحلية”؟ يبدو من الغريب، في السياق شرق الآسيوي، تعزيز الفلسفة الجماعاتية التي شكّلتها مخاوف تتعلق بالتجاوزات الفردانية في البلدان الغربية في حين أن التقليد الكونفوشيوسي يواصل تشكيل القيم وتغذية “العادات المحببة” (انظر صن Sun 2013؛ وهاموند وريتشي Hammond and Richey 2015؛ وبيليود ثورافل Billioud and Thoravel 2015). وما يزال الجدال قائماً حول ما إذا كانت الجماعاتية تعتبر فلسفة أو تقليداً قائماً بذاته، بدلاً من أن تكون امتداداً نقدياً للتقليد الليبرالي. لكن لا أحد يشك بأن الكونفوشوسية تشكل تقليدها الخاص بها. فما هو السبب الذي يجعل شرق الآسيويين يتماهون مع الجماعاتية بدلاً من الكونفوشيوسية؟
أحد الردود على ذلك أن الكونفوشيوسية بُغضت بسبب تأييدها الظاهر لممارسات غير أخلاقية، كالقيم الأبوية التي ساهمت في إخضاع المرأة ومعاناتها. إلا أن المنظرات النسويات المعاصرات أعدن تفسير الكونفوشيوسية لجعلها أكثر توافقاً مع القيم الحديثة وحافظن في الوقت نفسه على الالتزام بالقيم الكونفوشيوسية الجوهرية (انظر على سبيل المثال، تشان 2007). ربما تكون تلك القيم الكونفوشيوسية الأساسية -مثل الالتزام بالأسرة والرفاهية المادية للشعب والطقوس (لي) والإنسانية (رين) والتنوع في تناغم (هي) والرؤى الدنيوية- أكثر ملاءمة في الواقع للمجتمعات الحديثة من العديد من الفلسفات الأخرى (خذ بعين الاعتبار حقيقة أنه في القرون السابقة للقرن العشرين، قلل معظم الفلاسفة الغربيين من شأن الأسرة). يجادل باي تونغدونغ Bai Tongdong، على سبيل المثال، بأن اعتماد شكل حديث من القيم الكونفوشيوسية الأساسية من شأنه أن يلهم الحكم الإنساني على المستويين الداخلي والخارجي (باي 2019).
في السياق شرق الآسيوي، ما تستطيع الجماعاتية فعله هو المساعدة في معالجة عيوب الكونفوشيوسية. على سبيل المثال، ثمة توتر بين الدوافع الكونفوشيوسية المبكرة للعولمة -إذ لم ينظر كونفوشيوس ومينسيوس في إمكانية وجود بدائل شرعية أخلاقياً لقيمهما- وبين التعددية الأخلاقية التي تميل إلى تمييز العالم الحديث. يمكن للجماعاتيين تذكير الكونفوشيوسيين بأن فلسفتهم ربما تكون أنسب في سياقات معينة دون غيرها، وأنه ينبغي عليهم السماح بإمكانية وجود بدائل شرعية أخلاقياً في سياقات أخرى. يبدو من الغريب، مثلاً، أن يعتقد الكونفوشيوسيون بأنه ينبغي على المؤمنين المسيحيين تغيير ولائهم الديني الرئيسي من الله إلى الأسلاف العائلية (تماماً مثلما يبدو من الغريب أن يطلب المسيحيون من الكونفوشيوسيين فعل العكس).
يمكن أن تساعد الرؤى الجماعاتية حول المجتمع المدني، بوصفه بيئة للتربية الأخلاقية، في معالجة التركيز الكونفوشيوسي على الأسرة بوصفها المنطلق الوحيد (أو الأساسي) للتعلم الأخلاقي. لطالما جادل الكونفوشيوسيون بإمكانية ومرغوبية امتداد القيم الأسرية إلى خارج حدود الأسرة، إلا أن الواقع المتمركز على الأسرة في معظم مجتمعات شرق آسيا بتراثها الكونفوشيوسي يشير إلى أن الكونفوشيوسية ربما لا تكون كافية. لقد أُجريت بعض الدراسات لاستكشاف “الروابط الوسيطة” في الكونفوشيوسية (انظر على سبيل المثال دي باري de Bary 1998)، لكن ربما توفر نقاشات الجماعاتيون في الغرب رؤي أشمل في هذا الخصوص. كما أن تركيز الكونفوشيوسية على الحكم القائم على جدارة بعض أعضاء الجماعة الأكثر موهبة وفضيلة قد يكرس السلبية السياسية المفرطة لدى الأعضاء العاديين. مرة أخرى، يمكن أن يتمعن ااكونفوشيوسيين في الجماعاتية (والنقاشات المعاصرة حول الديمقراطية التداولية) من أجل استنباط رؤى حول القيم والممارسات التي تتيح للمواطنين العاديين المشاركة الفعالة في العملية السياسية، حتى في سياقات سياسية لا تُجرى فيها انتخابات ديمقراطية لاختيار كبار القادة (مثل الصين). يمكن القول إن التربية الديمقراطية ليست، على الأقل، أولوية كونفوشيوسية. باختصار، يمكن للرؤى الجماعاتية أن تكمّل القيم الكونفوشيوسية في السياق شرق الآسيوي على نحو مفيد، تماماً كما يمكنها تكملة القيم الليبرالية في المجتمعات الغربية.
عموماً، ورغم ذلك، يجب التسليم بأن الجماعاتية خسرت أهميتها كمثال سياسي محفز في شرق آسيا والغرب. هل لدينا سبب للاعتقاد بإمكانية إحيائها؟ يمكننا التوقع أنه في شرق آسيا ستواصل الموضوعات الجماعاتية اتخاذها شكل القيم الكونفوشيوسية. أما في الغرب، فيمكن القول إن تجاوزات الشعبوية قد تفسح المجال أمام الناشطين السياسيين المستلهمين من الجماعاتية. ويمكن القول إن الشعبوية رد فعل على تراجع على أشكال الجماعة القيّمة. يلوم أصحاب النفوذ أمثال دونالد ترامب النخب ويعدون الأفراد المهمشين والمسحوقين باستعادة المصادر التقليدية للمعنى. لكن ليست المشكلة في النخبوية أو التسلسل الهرمي في حد ذاته. فكل مجتمع حديث يحتاج إلى تسلسلات هرمية، وتتمثل المهمة في التمييز بين أشكال التسلسل الهرمي السيئة التي تنفع السلطة وتضطهد الضعفاء وأشكال التسلسل الهرمي الجيدة التي تعبر عن قيم مبررة أخلاقياً (بيل ووانغ Bell and Wang 2020). يمكن إعادة تفسير الأشكال التسلسلية الهرمية للحياة الجماعية وتحديثها لتوائم القيم التقدمية. ما ينقصنا فهو حركة اجتماعية وسياسية يمكنها استعادة أشكال الحياة الجماعية المناسبة للعالم الحديث وإعادة تفسيرها.
المراجع
- An-Naim, A., 1992, “Toward a Cross-Cultural Approach to Defining International Standards of Human Rights: The Meaning of Cruel, Inhuman, or Degrading Treatment or Punishment”, in Human Rights in Cross-Cultural Perspectives: A Quest for Consensus, A. An-Naim (ed.), Philadelphia: University of Pennsylvania Press.
- Avineri, S., and de-Shalit, A., (eds), 1992, Communitarianism and Individualism, Oxford: Clarendon Press.
- Bai, T., 2019, Against Political Equality: The Confucian Case, Princeton: Princeton University Press.
- Barry, B., 1995, Justice as Impartiality, Oxford: Clarendon Press.
- Bell, D., 2015, The China Model: Political Meritocracy and the Limits of Democracy, Princeton: Princeton University Press.
- –––, 2008, China’s New Confucianism: Politics and Everyday Life in a Changing Society, Princeton: Princeton University Press.
- –––, 2006, Beyond Liberal Democracy: Political Thinking for an East Asian Context, Princeton: Princeton University Press.
- –––, 2000, East Meets West: Human Rights and Democracy in East Asia, Princeton: Princeton University Press.
- –––, 1995, “A Communitarian Critique of Authoritarianism”, Society, 32(5): 38–43.
- –––, 1993, Communitarianism and Its Critics, Oxford: Clarendon Press.
- Bell, D., and de-Shalit, A., 2011, The Spirit of Cities: Why the Identity of a City Matters in a Global Age, Princeton: Princeton University Press.
- Bell, D. and Wang, P., 2020, Just Hierarchy: Why Social Hierarchies Matter in China and the Rest of the World, Princeton: Princeton University Press.
- Bellah, R., et al., 1985, Habits of the Heart, Berkeley: University of California Press.
- Benhabib, S., 1992, Situating the Self: Gender, Community and Postmodernism in Contemporary Ethics, Cambridge: Polity Press.
- Berten, A., da Silveira, P., and Pourtois, H., (eds), 1997, Liberaux et Communautariens, Paris: Presses Universitaires de France.
- Billioud, S., and Thoravel, J., 2015, The Sage and the People: The Confucian Revival in China, Oxford: Oxford University Press.
- Caney, S., 1992, “Liberalism and Communitarianism: A Misconceived Debate”, Political Studies, 40: 273–90.
- Chan, J., 2014, Confucian Perfectionism: A Political Philosophy for Modern Times, Princeton: Princeton University Press.
- –––, 1999, “A Confucian Perspective on Human Rights for Contemporary China”, in The East Asian Challenge for Human Rights, J. Bauer and D. Bell (eds.), New York: Cambridge University Press.
- Chan, S.-Y., 2007, “Gender and Relationship Roles in the Analects and the Mencius”, in Confucian Political Ethics, D. Bell (ed.), Princeton: Princeton University Press.
- Chang, K.-S., 2004, “The Anti-communitarian Family? Everyday Conditions of Authoritarian Politics in South Korea”, in Communitarian Politics in Asia, Chua Beng-Huat (ed.), London: Routledge.
- Chua, B.-H., 1995, Communitarian Ideology and Democracy in Singapore, London: Routledge.
- de Bary, T.-Wm., 1998, Asian Values and Human Rights: A Confucian Communitarian Perspective, Cambridge, MA: Harvard University Press.
- Doppelt, G, 1989, “Is Rawls Kantian Liberalism Coherent and Defensible?”, Ethics, 99(4): 815–851.
- Dworkin, R., 1989, “Liberal Community”, California Law Review, 77: 479–504.
- Ehrenhalt, A., 1999, “Community and the Corner Store: Retrieving Human-Scale Commerce”, The Responsive Community, 9(4): 30–39.
- Etzioni, A., 2001, The Monochrome Society, Princeton: Princeton University Press.
- –––, 1998, The Essential Communitarian Reader, Lanham: Rowman & Littlefield.
- –––, 1996, The New Golden Rule, New York: Basic Books.
- –––, 1995a, New Communitarian Thinking, Charlottesville: University of Virginia Press.
- –––, 1995b, Rights and the Common Good: The Communitarian Perspective, New York: St. Martins Press.
- –––, 1993, The Spirit of Community, New York: Crown Publishers.
- Frazer, E., 1999, The Problems of Communitarian Politics, Oxford: Oxford University Press.
- Frazer, E., and Lacey, N., 1993, The Politics of Community: A feminist critique of the liberal-communitarian debate, Hemel Hempstead: Harvester Wheatsheaf.
- Fukuyama, F., 1992, The End of History and the Last Man, New York: Free Press.
- Frug, G., 1999, City Making: Building Communities Without Building Walls, Princeton: Princeton University Press.
- Glendon, M.-A., 1991, Rights Talk: The Impoverishment of Political Discourse, New York: The Free Press.
- Gutmann, A. (ed.), 1992, Multiculturalism and “The Politics of Recognition”, Princeton: Princeton University Press.
- Hahm, Chaihark, 2003, “Constitutionalism, Confucian Civic Virtue, and Ritual Propriety”, in Confucianism for the Modern World, D. Bell and Hahm Chaibong (eds.), New York: Cambridge University Press, pp. 31–53.
- Hahm, Chaibong, 2003, “Family Versus the Individual: The Politics of Marriage Laws in Korea”, in Confucianism for the Modern World, D. Bell and Hahm Chaibong (eds.), New York: Cambridge University Press, pp. 334–360.
- Hammond, K., and J. Richey (eds.), 2015, The Sage Returns: Confucian Revival in Contemporary China, Albany: State University of New York Press.
- Helgesen, G. 2003, “The Case for Moral Education”, in Confucianism for the Modern World, D. Bell and Hahm Chaibong (eds.), New York: Cambridge University Press.
- Inoue, T., 1993, “The Poverty of Rights-Blind Communality: Looking Through the Window of Japan”, Brigham Young University Law Review, 1993(2): 517–551.
- Jacobs, J., 1965, The Death and Life of American Cities, New York: Random House.
- Jiang, Q., 2012, A Confucian Constitutional Order: How China’s Ancient Past Can Shape Its Political Future, Princeton: Princeton University Press.
- Krieger, M. 2002, Selznick’s Subjects, in Legality and Community: On the Intellectual Legacy of Philip Selznick, R. Kagan/M. Krieger/K.Winston, Lanham: Rowman and Littlefield Publishers.
- Kymlicka, W., 1995, Multicultural Citizenship, Oxford: Clarendon Press.
- –––, 1989, Liberalism, Community and Culture, Oxford: Clarendon Press.
- Lefebvre, A., 2024, Liberalism as a Way of Life, Princeton: Princeton University Press.
- Macedo, S., 2015, Just Married: Same-Sex Couples, Monogamy, and the Future of Marriage, Princeton: Princeton University Press.
- –––, 2000, Diversity and Distrust, Cambridge, MA: Harvard University Press.
- –––, 1990, Liberal Virtues: Citizenship, Virtue and Community in Liberal Constitutionalism, Oxford: Clarendon Press.
- MacIntyre, A., 1991, “Letter”, in The Responsive Community, Summer 1991.
- –––, 1988, Whose Justice? Which Rationality?, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
- –––, 1984, After Virtue, Notre-Dame: University of Notre Dame Press, 2nd edition.
- –––, 1978, Against the Self-Images of the Age, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
- Mason, A., 2000, Community, Solidarity and Belonging: Levels of Community and their Normative Significance, Cambridge: Cambridge University Press.
- McKenzie, E., 1994, Privatopia, New Haven: Yale University Press.
- Miller, D., 2000, Citizenship and National Identity, Cambridge: Polity Press.
- –––, 1995, On Nationality, Oxford: Clarendon Press.
- Mo, J., 2003, “The Challenge of Accountability: Implications of the Censorate”, in Confucianism for the Modern World, D. Bell and Hahm Chaibong (eds.), New York: Cambridge University Press.
- Mulhall, S., and Swift, A., 1996, Liberals and Communitarians, Oxford: Blackwell, 2nd edition.
- Qiang, L., 1998, Ziyouzhuyi (Liberalism), Beijing: Zhonguo Shehui Kexue Chubanshe.
- Rawls, J., 1999, The Law of Peoples; with The Idea of Public Reason Revisited, Cambridge, MA: Harvard University Press.
- –––, 1993, Political Liberalism, New York: Columbia University Press.
- –––, 1971, A Theory of Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.
- Rasmussen, D., (ed.), 1990, Universalism vs. Communitarianism, Cambridge, MA: MIT Press.
- Reid, T. R., 1999, Confucius Lives Next Door, New York: Random House.
- Rosenblum, N., 1998, Membership and Morals, Princeton: Princeton University Press.
- Sandel, M., 1998, Liberalism and the Limits of Justice, Cambridge: Cambridge University Press, 2nd edition.
- –––, 1996, Democracy’s Discontent, Cambridge, MA: Harvard University Press.
- –––, 1981, Liberalism and the Limits of Justice, Cambridge: Cambridge University Press.
- Shuman, M. H., 1999, “Community Corporations: Engines for a New Place-Based Economics”, The Responsive Community, 9(3): 48–57.
- Sun, A., 2013, Confucianism as a World Religion: Contested Histories and Contemporary Realities, Princeton: Princeton University Press.
- Tamir, Y., 1993, Liberal Nationalism, Princeton: Princeton University Press.
- Tams, H., 1998, Communitarianism: A New Agenda for Politics and Citizenship, Basingstoke: Macmillan.
- Taylor, C., 1999, “Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights”, in The East Asian Challenge for Human Rights, J. R. Bauer and D. Bell (eds.), New York: Cambridge University Press.
- –––, 1989, Sources of the Self: The Making of the Modern Identity, Cambridge: Cambridge University Press.
- –––, 1985, Philosophy and the Human Sciences: Philosophical Papers 2, Cambridge: Cambridge University Press.
- Waite, L., 1996, “Social Science Finds: ‘Marriage Matters’”, Twenty-First Century Series in Communitarian Studies, Washington: Institute for Communitarian Policy Studies.
- Walzer, M., 1994, Thick and Thin, Notre-Dame: University of Notre Dame Press.
- –––, 1987, Interpretation and Social Criticism, Cambridge, MA: Harvard University Press.
- –––, 1983, Spheres of Justice, Oxford: Blackwell.
- Young, I. M., 1990, Justice and the Politics of Difference, Princeton: Princeton University Press.
أدوات أكاديمية
| How to cite this entry. | |
| Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society. | |
| Look up topics and thinkers related to this entry at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO). | |
| Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database. |
مصادر أخرى على الإنترنت
- D’Antonio, M., 1994, “The High-Rise Village: Public Housing Creates a Community in Harlem”, Washington: The Communitarian Network.
- Communitarianism, entry in Britannica, primary contribution by Amitai Etzioni.
- Communitarianism, entry in the Civic Dictionary at the Civic Practices Network (CPN), prepared by Carmen Sirianni and Lewis Friedland.
- The ABCs of Communitarianism, article by Fareed Zakaria at Slate.
- What the Communitarians Stand For, compiled by Niki Raapana.
مداخل ذات صلة
autonomy: in moral and political philosophy | citizenship | civic humanism | democracy | egalitarianism | globalization | liberalism | nationalism
شكر وتقدير
يود المحررون شكر جينتاوتاس ميلياوسكاس (من جامعة فيلنيوس) ونيكولوس جول على ملاحظتمها بخصوص بعض الأخطاء المطبعية في هذه المدونة
Bell, Daniel, “Communitarianism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2024 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2024/entries/communitarianism/>.
الهوامش
[1] يعرف تايلور ووالتزر نفسيهما كليبراليين في غوتمان (1992). يقول ماكنتاير (1991)” “أنا لست جماعياً، ولن أمون مطلقاً كذلك، على الرغم من الشائعات التي تخلف ذلك”. ويستخدم ساندل (1998) تسمية جمهوري بدلاً من جماعاتي.
[2] تستند هذه المقالة إلى التمييز الثلاثي لدى بيل 1993. للاطلاع على تمييز ثلاثي مماثل، انظر كاني 1992. أما للاطلاع على تصنيف خماسي موسع للمجادلات، فانظر مولهال وسويفت 1996.
[3] هذه هي اللغة التي يستخدمها رولز في الصفحة الأخيرة من الطبعة الأولى لكتابه 1971.
[4] يستند هذا القسم إلى مقدمة بيل 2000. وشكلت الحضارة الإسلامية تحدياً آخر للديمقراطية الليبرالية على النمط الغربي، على الرغم من أن الدول الإسلامية لم تحقق نجاحاً اقتصادياً وسياسياً مماثلاً (مقارنة شرق آسيا)، وبالتالي هي لا تشكل تحدياً كبيراً لمزاعم الديمقراطيين الغربيين بأن الرأسمالية والديمقراطية هما النظامان الوحيدان القادران على تلبية متطلبات الحداثة.
[5] وردت هذه المعلومة في صحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيون، 9و10 نوفمبر 1991.
[6] وردت هذه المعلومة في مقال باربرا كروسيت، “مسح للأمم المتحدة يكشف اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء”، نيويورك تايمز، 15 يوليو 1996.
[7] من المثير للاهتمام أن هذه النظرة الأخلاقية لا تزال تؤثر على ممارسات المهاجرين الآسيويين في المجتمعات الأخرى. فبحسب صحيفة نيويورك تايمز (11 يوليو 2001)، فإن أقل من واحد من كل خمسة بيض في الولايات المتحدة يقدمون الرعاية أو الدعم المالي لوالديهم أو أصهارهم أو أقربائهم الآخرين، مقارنة ب28% من الأميركيين من أصل أفريقي، و34% من الأميركيين من أصل إسباني، 43% من الأميركيين من أصل آسيوي. كما أن أولئك الذين يقدمون أكبر قدر من الرعاية يشعرون بأكبر قدر من الذنب لعدم بذلهم ما يكفي. ويقول ما يقرب من ثلاثة أرباع الأميركيين من أصل آسيوي إنه ينبغي عليهم بذل المزيد من الجهد من أجل والديهم، مقارنو بثلثي الأميركيين من أصل إسباني، وأكثر بقليل من نصف الأميركيين من أصل أفريقي، وأقل من نصف البيض.
[8] مع ذلك، ووفقاً لعبد الله النعيم (1992، صفحة 34)، فإن الشروط المسبقة لتنفيذ هذه العقوبة بالغة الصعوبة في التطبيق العملي، ومن غير المرجح أن تتحقق قي أي دولة إسلامية في المدى المنظور.
[9] يستند هذا القسم إلى القانونين الأوب والثالث من قانون بيل 1993.
[10] برز النقاش بين الليبرالي والجماعاتي حول الذات في المنشورات غير الناطقة بالإنجليزية، انظر على سبيل المثال، تشيانغ 1998، الفصلين الخامس والسادس. من الجدير بالذكر كذلك أن أنصار الكونفوشيوسية قدموا مؤخراً مجادلات ضد الأسس الليبرالية، مشابهة لمزاعم الجماعاتيين في ثمانينيات القرن الماضي، بهدف واضح هو تقويض أسس الحقوق الليبرالية. يستعرض جوزيف تشان (1999) هذه المجادلات ويجدها قاصرة، مع التنويه إلى أن فهم الكونفوشيوسية لحيز الحقوق ومبرراتها يختلف عن المنظورات الغربية القائمة على الحقوق.
[11] للاطلاع على دراسات مطولة حول السياسة الجماعاتية في الولايات المتحدة، انظر: إتزيوني 1993، 1996، 2001. وللاطلاع على كتاب يستند صورة كبيرة إلى السياق البريطاني، انظر: تام 1998، وانظر كذلك كتب إتزيوني المحررة 1991أ، و1995ب، 1998.
[12] أبدى كل من الديمقراطيين والجمهوريين تقبلاً للأفكار السياسية الجماعاتية. كان المنظر السياسي ويليم غالستون، المحرر المشارك لكتاب الجماعة المستجيبة ومؤلف كتاب الأهداف الليبرالية (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 1991)، مستشاراً للسياسة الداخلية الرئيس كلينتون. كشف الرئيس بوش، بعد توليه منصبه بفترة وجيزة، عن مشروع “جماعات الرمز” الذي استمر أربع سنوات، والذي طُور بعد مشاورات مع إتزيوني (واشنطن بوست، 29 يوليو 2001). انظر كذلك: دانا ميلبانك، “هل بوش من دعاة العمل الجماعي؟”، مجلة “الجماعة المستجيبة” (ربيع عام 2001)، الصفحات 4-7.
بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، ألغت إدارة بوش هذه المبادرة بحجة أنها لم تعد ضرورية، إذ كان من المفترض أن يكون الأميركيون قد “أعادوا اكتشاف” القيم المدنية. إلا أنه بعد سنوات، أدى تبني إدارة بوس رؤية “الأمن أولاً” الأكثر تشاؤماً إلى تعليق أي مبادرات جماعية. غالباً ما تُنتقد إدارة بوش لتقويضها حسن النية الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر، ولكن يمكن القول إنها فعلت الأمر نفسه مع القيم المدنية في الداخل. لعل إدارة مستقبلية تبذل المزيد من الجهود لإحياء القيم المدنية.
[13] يستند هذا القسم إلى أعمال الرسل من الثالث إلى الخامس (بيل ،1993). انظر كذلك (ماسون، 2000). يفرق ماسون بثورة مفيدة بين مستويات وأنواع الجماعات المختلفة، مع أنه يمكم التشكيك في حجته القائلة بأن مُثل الجماعة العالمية متماسكة من حيث المبدأ ومفيدة من حيث التطبيق (في رأيي، الجماعات ذات طبيعة خاصة وتفترض وجود تمييز بين الداخل والخارج). حتى لو كانت مُثل ماسون متماسكة، فمن غير الواضح إلى أي مدى تفيد مثال الجماعة المدافعين عن المبادئ الليبرالية العالمية والمؤسسات العالمية.
[14] على الرغم من أن مفاهيم الأسرة قد تتضمن كذلك عنصراً متخيلاً، على سبيل المثال، فإن الممارسة الواسعة لعبادة الأسلاف في المجتمعات شرق الآسيوية ذات التراث الكونفوشيوسي تشير إلى أن الأسلاف (المتوفين) يُعتبرون مشاركين مستمرين في صالح الأسرة.
[15] للاطلاع على رواية مغايرة، انظر (روزنبلوم، 1998)، الفصل الرابع.
[16] فروغ 1999، صفحة 152-153. للاطلاع على مثال واقعي لمشروع إسكان حضري متنوع الدخل والأعراق، يتناقض مع الجماعات السكنية المتجانسة ذات الطبقة العليا المحاطة بالأسوار، انظر دانتونيو 1994، في مصادر الإنترنت الأخرى.
[17] انظر بيل 1995، للاطلاع على نقد لافتراض إتزيوني الواضح بأن الحقوق والالتزامات الجماعية الخاصة تتعارض دوماً.
[18] طُورت هذه الحجة بالتفصيل في بيل 2000، الفصل الرابع. وفي السياق نفسه، انظر تشوا 1995، وخاصة الفصل التاسع.
[19] استمرت هذه التوجهات، إن لم تكن قد تفاقمت. في عام 2001، أُعلن عن إفلاس زعيم لمعارضة المخضرم جي. بي. جيراتنام، واضطر إلى التنازل عن مقعده البرلماني.
[20] صحيفة ستريتس تايمز (سنغافورة)، 11 يوليو 1993.
[21] لا بد من الإشارة إلى أن دولة سنغافورة تلجا إلى أساليب مبتكرة لا حصر لها لكبح جماح محاولات المعارضة التواصل مع الناخبين وإيصال أفكار وسياسات بديلة. فقد أبلغت شرطة سنغافورة الحزب الديمقراطي السنغافوري المعارض بضرورة توظيف 13 ضابطاً لضبط الحشود خلال مسيرو وطنية مُخطط لها في 26 أغسطس 2001، بتكلفة تقدر بآلاف الدولارات. ويتساءل المرء عما إذا كان حزب العمل الشعبي الحاكم ملزماً بدفع تكاليف أمنه الخاص في مسيراته (ناهيك عن مسالة من يدفع رواتب الضباط السريين في مسيرات المعارضة).
[22] للاطلاع على آراء أكثر إيجابية حول دور الأسرة في المجتمع الكوري المعاصر، يرجى مراجعة هام (تشايبونغ) 200 وهيلغيسن 2003.
[23] يمكن القول إن الحاجة إلى الحرية ذات قيمة نفعية فقط: فبقدر ما نحتاج إلى الحرية، تصبح وسيلة لتحقيق ما يهمنا حقاً. إن روابطنا بالعائلة والأصدقاء والوطن والدين هي في الغالب ما يهم الناس حقاً، وهي غايات تعتبر أساسية لازدهار الإنسان، وليست قيمتها مجرد وسيلة لتحقيق غايات أخرى. وبهذا المعنى، فإن الحاجة إلى الانتماء إلى الجماعة أهم من الحاجة إلى الحرية.
[24] كما يشير عمل فيليب سيلزنيك على أهمية السياق في التفكير المعياري: انظر كريجير 2002.
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
