خرافة التقدم – ديفيد ديداو / ترجمة: طريف بالسليطي

خرافة التقدم – ديفيد ديداو / ترجمة: طريف بالسليطي


” نرغب جميعا بالتقدم, لكن إذا كنت تسير في الطريق الخاطئ, فإن التقدم يعني أن تستدير لتجد الطريق الصحيح؛ وفي هذه الحالة فإن الشخص الذي يعود أسرع من غيره سيصبح الأكثر تقدماَ”

كلايف لويس

 

لدينا ميل للاعتقاد بأن الأشياء ستغدو أحسن مما كانت, وأن البشرية في رحلة نحو ضربٍ من الكمال الذي يقهر الجنون. يشكل هذا الاعتقاد – ويشوّه أيضاً – طريقتنا في التفكير. وعادةً ما تُفهم نظرية دارون التطورية عن الانتخاب الطبيعي بأنها ” طفرة ” تتوارثها الأنواع اللاحقة, وأنها الأنسب للنوع والسياق الذي يجد نفسه فيه, وأنها بذلك تسعى لتحقيق الهدف الأسمى (التقدم). لكن ليس هذا هو الأمر. فلو قبلنا نظرية دارون, علينا أن نقبل بأن وجودنا ليس إلا صدفة, وأننا مجرد ضربة حظ !

فكر كارل بوبر بأمر شبيه يخص عالم الأفكار, ووجد أن نمو المعرفة نتيجة عمليات مضنية تشبه الانتخاب الطبيعي, وأن ” معرفتنا الحالية تتكون من فرضيات نجحت في إثبات وجودها حتى الآن, وكافحت في الصراع ضد أفكار أخرى فشلت في التكيف وأزيلت من الوجود “.

حتى بنظرة سطحية تجاه تاريخ الأفكار نجد الأمر صحيحاً, وأن التقدم يسير ببطء مٌستفز. ففي التعليم وحده ثمة فرضيات كثيرة غير مناسبة ومع ذلك نجحت في البقاء. لعله من الأنسب أن نفهم انتشار الأفكار بمنظور رتشارد دوكنز عن التطور الحاصل مع ” تقليد الأفكار “. في كتابه ( الجين الأناني ) يقول إن الجينات تندفع نحو عملية التناسخ من خلال الانتخاب الطبيعي, فالأفكار والصور والأصوات تنسخ بعضها بشكل أناني للغاية. وفي التحولات الثقافية من جيل لآخر, تنشر الأفكار نفسها من شخص لآخر, ومن وعي لوعي, بغض النظر عن كونها أفكارا جيدة أو سيئة.

وبالطبع فإن بعض الأفكار مفيدة أو براقة جدا, كنظرية الحد المركزي في علم الاحتمالات, ومسرحية الملك لير, ونظرية النمو العقلي (لكارول دويك) وفكرة المصباح الكهربائي, بل وفكرة التعلّم نفسها, كلها أفكار مثمرة, لكن البقية ليست كذلك. إذ يظهر لنا أن كل ما تحتاجه الفكرة لكي تنجح هو أن يُنادى بها عالياً ثم تصبح مقبولة ولا تخضع للسؤال. عندما يحدث ذلك, تدخل هذه الأفكار في إطار الحكمة التقليدية؛ أي أفكار واضحة بذاتها لا تقبل الشك, ونجاحها مضمون على الدوام, أو كما كتب جون ماينارد كينيز: ” إن قوة المصالح ورسوخها, أكثر فاعلية, ويُبالغ بأهمية ما يخدمها, مُقارنة مع أهمية التقدم التدريجي للأفكار “.

تخدعنا معتقداتنا الضمنية بالتقدم, وتدفعنا للقول بأن التقدم سارٍ, ونتائجه متطورة. في هذه الأثناء علينا أن نستحضر القانون الثاني للديناميكا الحرارية: كل شيء يتحرك حتماً نحو الفوضى والقصور (فالفوضى في نظام معزول وغير متوازن تزداد, لأن النظم المعزولة تتطور دوماً نحو توازن حراري, وهي حالة القصور الأعلى) وكل حس معاصر نحو التقدم ليس إلا وهماً مُخادعاً, مجرد فكرة مبنية على مصلحة شخصية, تُنسخ من شخص لآخر.

ولنعد إلى التقدم. هل يُمكننا القول بأن الطلاب قادرون على تطوير تعلمهم في فترة وجيزة أو بمعدل كبير, لفترة طويلة؟

(شكل 1: هكذا نتصور التقدم)

أجدني مخالفاً لهذا القول. بالطبع يُمكن أن نحقق قفزات كبرى, لكن بشكل نادر, فالقفزات الكبرى المُفاجئة عادةُ ما تكون وليدة التسارع الثابت في الفهم عبر مدة من الزمن, والقول بأن ذلك يحدث بسرعة لهو أمر مُضلل. عليك أن تختار بين تطور دائم أو سريع, وبالنسبة لي فاختياري يذهب للديمومة لا السرعة. وأيا ما كان الأمر, فإن التقدم الذي لا يدوم ليس تقدماً بأي حال.. أليس كذلك؟ أما الفكرة القائلة بأن التقدم متسارع فقادتنا للاعتقاد بأن التقدم المثمر يحدث في المحاضرات والدروس الفردية, وذو مسار خطي أنيق. وأن الأطفال لا يعرفون شيئاً, ثم يعرفون بعض الشيء, ثم يعرفون الكثير, بطريقة سهلة وميسورة, وبنتائج متوقعة وآمنة. وهذا كله واضح البطلان, للدرجة التي يمكن لاختبار سطحي عن منجزات الطلاب أن يكشف هذا الزيف إذا ما دُرِسَت منجزاتهم خلال فترة زمنية معلومة. إن التقدم لو فرضنا وجوده, فله صفة الانقطاع, والإحباط, والمفاجأة. والأفضل أن ننظر للتعليم بصورة تكاملية, وتحويلية, وتأسيسية, أما التصور المجازي الذي يتصور التقدم في سيرورة من ” ألف ” إلى ” ياء ” فغير ناجع, فهذا الخط لا يذهب بعيداً, ومعظم الطلاب في هذا الخط التقدمي يطورون علاقتهم بأشياء ومواضيع يعرفونها سلفاً.

(شكل 2: هذا ما يبدو عليه التقدم في الواقع)

ليس التقدم سوى مجاز. إنه لا يعكس حقيقة موضوعية وواقعية؛ فهو يمنحنا خيالاً مُريحاً لنُخفي عبثية الحياة. لا نستطيع التخلي عن المجازات والرموز أثناء توصيفنا للتعلم, لأننا لا نعرف على وجه التحقيق كيف يبدو. ومع أن المجازات هي مقاربات غير دقيقة, إلا إنها ذات أهمية بالغة, حيث تتغلغل في نسغ تفكيرنا. وما أكثر ما يتم إدراك التعليم بأنه سُلَّم يصعده الطالب بثبات. وقد سيطرت أفكار العالِم النفساني جان بياجيه حول نظرية ” المراحل” stage  [1] على تصوراتنا عن العملية  الغامضة للتعليم. ولعلنا ندرك من خلال رحلتنا الفوضوية في الحياة أننا نضطر حيناً للتراجع للخلف, أو التوقف على جانبي الطريق, بنفس المدى الذي نمضي فيه للأمام. ثمة مجاز آخر نستطيع استخدامه, يقترحه عالم النفس الإدراكي روبرت سيجلر, الذي طور النظرية القائلة بأن التعلم ” موجات متداخلة “. لقد وجد بياجيه في التعلم تقدماً منظماً, يشبه صعود السلالم, فالأطفال يتقنون المرحلة ” 1 ” ويصعدون بعدها للمرحلة ” 2 ” ثم ” 3 ” وهلم جراً. عوضاً عن ذلك, يجد سيجلر في التعلم ” انحساراً مُتدرجاً, وتدفقاً في التيارات البديلة لطرق التفكير, مع مسارات جديدة تضاف للتفكير, وأخرى قديمة تُحذف “. يقترح سيجلر أننا كلما واجهنا قواعد, أو استراتيجيات, أو نظريات وطرائق جديدة في التفكير, فإنها تغمر عقولنا كالأمواج, وفي بعض الأحيان تطمس ما سبقها من أفكار, مندفعة بشكل مفاجئ وعنيف.

ربما هذه هي الطريقة الأفضل لتأطير نظرتنا تجاه التقدم. إن صورة سيجلر نحو مد موجات الأفكار وانحسارها, تساعدنا في شرح ما يبدو لنا وكأنه تراجع عشوائي في التعلم, أو تضخم مفاجئ, مما نمر به ونعيشه في التعلم, فنحن نكافح لاكتساب مهارات جديدة أو مفاهيم مراوغة تستعصي على أفهامنا, وبدلاً من الشعور بالخجل إزاء ” الانزواء للخلف ” لأنماط تفكيرنا القديمة ونصطنع نضوجنا تجاهها؛ يجدر بنا خلاف ذلك, أن ننظر لها بصفتها حلقات طبيعية, مجرد مد وجزر في عملية التعلم, فالتراجع للخلف له دوره المحوري في استدماج معضلات جديدة ومُرهِقة, واقتناصها في شباك الوعي.

 


[1] نظرية المراحل الإدراكية أو المعرفية عند جان بياجيه, العالم السويسري المشهور والذي أثر تأثيراً هائلاً في الدراسات النفسية والتربوية. تقترح هذه النظرية مرور الطفل بأربع مراحل إدراكية تحدث تباعاً. مرحلة حس حركية, مرحلة ماقبل عملية, مرحلة الإدراك المادي, ومرحلة الإدراك التجريدي. ينتقد الكاتب ديداو هذا الترتيب الصارم ويتبنى نظرية روبرت سيجلر حول تداخل موجات التعلّم, حيث تشير هذه الأخيرة إلى تداخل العمليات الإدراكية بصورة معقدة لا تقتضي بالضرورة تقدماً حتمياً, بل تشمل التراجع وحتى العشوائية ضمن صيرورة التعلم (المُترجم).

*ديفيد ديداو. مؤلف تربوي إنجليزي

المصدر

error: