مجلة حكمة
فقدان فرويد

فقدان فرويد – طارق العريس / ترجمة: منيرة الغدير

بلا شك، فرويد يطاردنا. ولكن في الوقت الذي يتم فيه إعادة التفكير في المعْتَمَد الأدبي ويتم التشكيك في الأنساب الفكرية (بما في ذلك علم الهونتولوجيا ومطاردة الأطياف)، ما مدى أهمية البحث عن فرويد والتحليل النفسي بشكل عام؟ هل هو القيام بنوع من طرد الأرواح الشريرة من فضاء تماهينا النقدي وإسقاطاتنا وتعلقنا بأعماله؟ ربما يوجد أسلوب لقراءة نص فرويد وعلاقتنا به ليس من أجل الكشف عن الحقيقة الفرويدية أو التعبير عن الولاء لأطروحات فرويد وإرثه. هناك طريقة، بلا شك، للدخول إلى نص فرويد ليس من أجل البحث عنه ومن ثم العثور عليه في نهاية الأمر، ولكن لكي نفقده ونقلب تلك القراءات التي تُعيد فرويد حصريًا إلى شجرة أنساب محددة للفلسفة والنظرية الغربية.

بصفتي باحثًا في النظرية، تشغلني هذه الأسئلة طوال الوقت، مدركًا أن أصوات المفكرين الذين نَدرُسُهم لها صدى عميق في داخلنا وتردد صداها مجدداً في أعمالنا. بالتحديد، يدلنا التحليل النفسي إلى النص ويمنحنا وعداً بإلقاء الضوء على العلاقة بين الذات والآخر، وفهم آلية عمل الرغبة والخيال وطرق الاعتراف. سرعان ما ندرك أن قدر هذا الفهم يتم تأجيله باستمرار؛ وما يتم اكتسابه بدلاً من ذلك، هو تذوق لممارسة القراءة التي تقتفي أثر الخفي والسري وتلك الروابط الجامحة التي لا تندمج مع بعضها أبدًا. أشير إلى هذه القراءة بالذات في صف “النظرية الأدبية” الذي أقوم بتدريسه في الأدب المقارن. قبل أن نبدأ بقراءة كتاب “تفسير الأحلام” لفرويد (١٨٩٩)، أطلب من الطلاب الانتباه إلى أن فرويد قارئ للنصوص بغض النظر عن تفسيره النهائي وتشخيصاته. أدعوهم إلى تأمل اقترابه من الرهافة والتأثر- على الرغم من فشل المحاولة وفقًا لمنافسه الفرنسي، لاكان وآخرين – وذلك من خلال السماح لنفسه بالتداعي بينما هو يتذكر حلم إيرما ثم يفسره. إن طريقة تداعي فرويد الحر، التي تنكشف عبر مختلف الأساطير والتقاليد والنظريات والفرضيات التأويلية، هي ما يثير اهتمامي كباحث في الأدب المقارن. هذه الوشائج من الارتباطات التي تنعطف وتتعرج هي أيضًا ممارسة قراءة تتعرف على الحوارات وتكشف العلاقات وتُفعّل الأطر المقارنة التي لم يكن من الممكن تصورها حتى الآن. في النهاية، يجب أن يكون هناك نهج لتحويل العمل النظري إلى عمل متخيل، وهو بالتحديد ما تقدمه الأكاديميتان اللتان سأتحدث عنهما هنا.

إعادة إنتاج الحوارات وتتبع العلاقات بلا أمل في الوصول إلى معنى نهائي أو تعرف على الآخر هي السمات الرئيسية لكتاب أمنية الشاكري “فرويد العربي” وكتاب سارة بينتو “الدكتور والسيدة أ.” تدخل هاتان الأكاديميتان من خلال بوابة التحليل النفسي ولكن ينتهي بهما الأمر إلى الالتقاء بالأدب والصوفية؛ ابن عربي وماهاباراتا، نصوص خيالية هندوسية اشتراكية نشرت في مجلات البنجاب في الأربعينات من القرن الماضي؛ يقابلها في الجهة الأخرى ما نشر في مصر في نفس الحقبة بما له علاقة بعلم الجريمة وعلم النفس والذي تناولته الشاكري. كل من الأكاديميتين على طريقتها الخاصة، تحدد الأنساب والنصوص الفكرية الجديدة التي لم تُقرأ من قبل أو لم تُتناول بهذا الأسلوب. في الواقع، إنهما بعد البحث، وجدتا هذه النصوص وطورتا قراءات مغايرة لها والتي لا يمكن اختزالها في تضمينها أو مقاومتها للمفاهيم والأساليب الغربية أو في إعادتها إلى مكان المعرفة الحديثة في مخيال ما بعد الاستعمار. هذه القراءة والممارسة النقدية، كما يتم التعبير عنها وتخيلها في أعمال بينتو والشاكري، تنشئ مواضيع ومجالات دراسة جديدة تربط الفترات الزمنية والأمكنة، وهكذا تعيد كتابة تاريخ الحداثة من منظور الجنوب العالمي. وعلى وجه التحديد، يكتشف القارئ خطاباً عن الذاتية يستقي على الفلسفة الإسلامية والتصوف والأساطير السنسكريتية والأدب. التحليل النفسي، في النهاية، لا يتم التعرف عليه. يكشف هذا المدخل الذي تدلف من خلاله الأكاديميتان عن أرض العجائب الفكرية حيث يصبح فرويد نفسه وقراءاته المشفرة من ضمن أنساب معينة متعذر إيجادها أو استيعابها بوعي أو لا وعي من خلال الدراسات النفسية والوطنية والأدبية التي تربط مصر بالهند وما وراءهما.

في كتاب سارة بينتو لا توجد كتابة ذات أخلاقية بل ذات خيالية، لتتنقل الذات بين النص الفرويدي وأريكة التحليل النفسي وبين الأساطير السنسكريتية واقتباساتها الشعبية. وهكذا لا تتشكل ذات أخلاقية بل متخلية. كمتخصصة في الأنثروبولوجيا الثقافية، تحكي بينتو قصة السيدة أ. والدكتور ساتيا ناند، وهو محلل نفسي متخرج من بريطانيا.  تصف لقاءً بين المُحَلِل والمُحَلَل حيث لم تعد الرغبة في المعرفة ومالك المعرفة التي تم تقديمها في نظرية لاكان مركزية. يُشار إلى المُحَلِل الذي قام بتسجيل جلساته مع السيدة أ. وإخفاء هويتها على أنه “مؤرشف” و “متعاون” أعاد إنتاج محادثة تفتح بدورها عالماً من العلاقات والأخيلة واليوتوبيا السياسية. يتراوح كل من السيدة أ. والدكتور ناند لإعتلاء منصب السلطة والتخيل الإبداعي أثناء الكلام. فيتم استدعاء القارئ إلى هذا الحوار للاستماع والاكتشاف والربط بطرق جديدة.

كان الدكتور ساتيا ناند يحاول تطوير نموذج علاجي لا يتكيف فقط مع السياق الهندي ولكنه عالمي. بطلة كتابه، (المنهج الموضوعي) الصادر في ١٩٤٧ تُعرف فقط بالسيدة أ. وهي امرأة من الطبقة العليا في أوائل العشرينات من عمرها، تتحدث

 السيدة أ. عن زواجها غير السعيد الذي بدون إنجاب أطفال، ومكائد بيت العائلة؛ وتناقش المثلية الجنسية وتعدد الأزواج، وتعبر عن الإعجاب بنهرو والاشتراكية. من خلال سل خيوط نص الدكتور ناند، لا تكشف بينتو عن دراسة حالة تشبه دورا لدى فرويد “أو محاولة إيجاد وتسمية أو علاج حالة مرضية، ولكن تبلور طريقة جديدة للكلام عن التفكير والتفكير في الكلام. إنه سجل لحوار، وترجمة الدكتور ساتيا ناند لكلمات السيدة أ. لتضمينها في منهجه بطريقة واضحة مثل الإيحاءات الصغيرة والحميمة التي حدثت في الغرفة التي تحدثا فيها.”[1]  ومن خلال دخولها إلى نص الدكتور ناند، تحول بينتو انتباه القارئ من نماذج لقاء التحليل النفسي للكلام والاستماع في سياق علاجي إلى نوع من التبادل يتم من خلاله الكشف عن تاريخ الاشتراكية الهندوسية ونظريات الذات الكلية التي تستدعي ماهاباراتا والتأثيرات الثقافية الأخرى. يتغير اتجاه الخطاب الموجه من المحلل النفسي عن الكشف عن حقيقة الذات لكي يتم تقديم نوع جديد من ممارسة السرد والاستماع والقراءة. تدل بينتو القارئ إلى سماع أشياء أخرى بشكل مختلف وإيجاد معنى جديد.

تفقد أحلام اليقظة وتخيلات السيدة أ. التي جُمعت في كتاب الدكتور ناند الذات الفرويدية نفسها، مما يجعلها خيالًا يتحرك ويربط الدلالات بطريقة مقارنة بين تقاليد ثقافية متعددة. “فيما يتعلق بالهندوسية والتحليل النفسي، وبعد عقود وعقود مما يحب المفكرون تسميته بالتلاقح المتبادل، وبإعتبار التاريخ المسبق المتشابك بوساطة الأفكار والقصص المرتحلة، هل من المنطقي حتى التفكير في هذه المجالات على أنها تلتقي ببعضها البعض صدفة، الآن في سنة ١٩٤٧؟ … التحدث، كما فعل ساتيا ناند، من عالم الآداب والأمكنة والمُعْتَمَد الأدبي فيها، ومصطلحاتها وتقاليدها الفكرية، ناهيك عن الأساطير، يطرح طرقًا إبداعية للتفكير تخترق الحدود الرهيفة بين تفاصيل مواقع (الإثنوغرافيا) والمفاهيم التي قد توجهها.”[2] وبالتالي، فإن عمل بينتو يكسر معقل خطية التخصص مقترحاً طرقاً متعددة ومتفاوتة للقراءة. ما تم الكشف عنه في الجلسات يسمح لنا بتخيل فهم مختلف للحداثة والذي هو في نفس الوقت أدبي وسياسي، يتم تمثيله في خزانة الدكتور ناند ولكن أيضًا في قرى وأسر البنجاب في سنة ١٩٤٧.

وبالمثل، فإن كتاب أمنية الشاكري “فرويد العربي” يكسر ذات القراءة الخطية للتأثير والمقاومة أمام المعرفة الغربية، “يرسم خارطة الذات الحديثة وملامحها الأخلاقية والمعرفية في مصر ما بعد الحرب، لأتساءل: ماذا يعني التفكير من خلال التحليل النفسي والإسلام معًا، ليس كـ “مشكلة” بل كإلتقاء إبداعي للالتزام الأخلاقي؟ بدلاً من النظر إلى الخطابات الإسلامية على أنها منغلقة فلسفياً على ذاتها، أو تدور في التقاربات الثنائية بين الشرق والغرب، يركز هذا الكتاب على نقاط التقاطع والتعبير والتناسب بين الخطابات الإسلامية والفكر العلمي الاجتماعي الحديث، وبين الأخلاق الدينية والعلمانية.”[3]  تبين الشاكري كيف أدى الإلتقاء بفكر ونصوص التحليل النفسي إلى إعادة التفكير في التصوف الإسلامي وتشكيل الذات في مصر ما بعد الحرب. منتقلاً من القلق من التأثير إلى أخلاقيات الإلتقاء– استدعي هنا إدوارد جليسان – يتيح لنا عمل الشاكري المكوث مع المفاهيم والتقاليد والمشاركة في الانشغال بتطويرها وفقًا لسياقاتها الخاصة.

كمؤرخة في الفكر الحديث، تهدف الشاكري إلى “فهم التحليل النفسي إثنوغرافيًا، ليس فقط من خلال أقلمة الأصل الأوروبي للتحليل النفسي، ولكن من خلال إظهار التقاليد غير الغربية والأفراد الذين ساهموا في التحليل النفسي كجزء من المعرفة التي كانت دائمًا مهجنة بالفعل مع خطاب الآخر.” [4] بدلاً من تطبيق التحليل النفسي على الإسلام أو فحص تأثير واستقبال التحليل النفسي وعمل فرويد على وجه التحديد، تسرد الشاكري قصة تفاعل وتبادل أثرت وشكلت تقاليد متعددة. من خلال تناول شخصيات مثل ابن عربي والتفتازاني، تقرأ الشاكري التحليل النفسي من خلال التصوف الإسلامي والتصوف الإسلامي من خلال التحليل النفسي. يُصطَحب القارئ إلى “السر” المقارن للتحليل التاريخي والنظري. يشعر القارئ في بعض الأحيان بالارتباك، ويُوجه بشكل إبداعي لاستكشاف انقسام الذات في التقليد الصوفي، ويفقد رؤية فرويد ولاكان، ثم يعود إليهما، ويرتبط بهما، ثم يغوص مرة أخرى في رحلة استكشاف ويأخذهما في طواف بالقرب من علاقات مختلفة. الكتابة ليست مباشرة مطلقاً. تدور وتلف ثم ترتفع وتهبط متبعة إيقاع النَّفَسُ (النَّفَسُ ولكن النًّفْسُ أيضًا)، تتعرج في أعماقه على أمل كشف أسراره.

تمامًا مثلما دلفت سارة بينتو من الباب الذي فتحه الدكتور ناند من خلال تاريخه مع السيدة أ.، تدخل الشاكري من باب يوسف مراد، محرر “مجلة علم النفس،” كان مراد شخصية رئيسية في علم النفس (خاصة الجشطالتية) والتحليل النفسي في مصر ما بعد الحرب. استمرارًا لتقليد مفكري النهضة مثل أحمد فارس الشدياق،[5] “لاحظ المحرر يوسف مراد في قاموسه في منتصف القرن أنه غالبًا ما كان يعود إلى النصوص العربية الكلاسيكية من أجل إنشاء ترجمات جديدة للكلمات ومعانٍ واضحة ودقيقة ورحبة.”[6] الترجمة والتفاعل اللذان بدأهما مراد، لهما مكانهما في التاريخ الأكبر للتحليل النفسي وليست فقط في موضع التلقي. تشرح الشاكري بالتفصيل إنشغال مراد الدقيق والمتعدد الأوجه بعلم النفس والفلسفة والذي لا يمنع فقط أنواع الاختزال الذي تفترضه القراءات المحدودة من خلال تصوير المواطن الأصلي كمتلقي غير متفاعل مع الفكر الأوروبي والمعرفة. بدلاً من ذلك، تصور مراد كمترجم ومحلل لتلك النظريات بالذات لأنه يساهم في وقد يزعزع أنسابها الغربية. يكشف عمل الشاكري عن القراءات السطحية للمعرفة الغربية وتأثيراتها على السياقات المحلية في الشرق الأوسط وإفريقيا ومناطق أخرى، حيث يصور عملها بدلاً من ذلك ترجمات فكرية تفاعلية ونقدية وفي هذه الحالة نماذج علاجية. من خلال المشاركة في تقصي الأسئلة الاجتماعية من خلال الظاهراتية والجشطالت، يعتمد مراد على الإرث الغني للتصوف الإسلامي بما في ذلك الرازي وابن عربي للتفكير بالتحليل النفسي حول الأنا واللغة والحب والذاتية.

تتبع أطروحة الشاكري مسار دراسات النهضة النقدية. النهضة المرتبطة بمشروع الحداثة الثقافية والسياسية العربية من القرن التاسع عشر وما بعده، تتناول في نفس الوقت المعارف والممارسات العالمية. في هذا السياق، تقدم “مجلة علم النفس” ومحررها يوسف مراد إطار النهضة لهذه الترجمة والتفاعل والنقد. في نهاية المطاف، تحاجج الشاكري بأن “الأمر لا يتعلق بالوجود الحديث المزعوم أو غياب التقليد الباطني للقرون الوسطى، ولا بسرد بسيط لادعاء الحداثة بالاستقلالية الفردية في مواجهة استقلالية القرون الوسطى. بالأحرى، ما يجده المرء في العصر الحديث هو التعايش بين الاستقلالية والتغاير، والممارسة التقليدية للتناغم الذاتي الأخلاقي “تهذيب النفس” و”علم النفس الحديث.”[7]

يتردد صدى عمل الشاكري مع قراءتي للجنون ولكن أيضًا كويرية الجندر واللبس في كتابي “محن الحداثة العربية”[8]، وتناولي تقليد الأخبار كجزء لا يتجزأ من فهم عالم التدوين العربي في تسريبات، هاك، وفضائح.”[9] الحداثة ليست نفيًا لما سبقها، ولا تشكل انقطاعًا معرفيًا تاريخيًا كما يراها فوكو. في الواقع، تستمر الخطابات المتعددة في التفاعل داخل الحداثة. يوجد في كل من كتابيّ الشاكري وبينتو تفكيك دقيق للتكوينات المعرفية التي تنتمي للبنى ونماذج القراءة المهيمنة وبالأخص في خطاب التحليل النفسي. في كتابيهما، تنبثق الذات الفرويدية من خلال “نًّفْس” ابن عربي و”نَّفَس” شاكونتالا من المهاباراتا.

التحليل النفسي كما تحاجج الشاكري، وأيضاً منيرة الغدير[10]، هو بالفعل في حوار مع التراث العربي الإسلامي، من التفات لاكان لابن عربي في ندوته الأولى، إلى المناخوليا لدى فرويد والتي يمكن اعادتها إلى السويداء في كتاب ابن سينا ​​(قانون في الطب). هذا المسار المقارن الذي تتبناه الشاكري وكذلك أكاديميين مثل سحر عامر[11]، ويواف دي كابوا[12]، وآخرين، يتتبع الالتقاءات والحوارات التي تقودنا إلى إعادة التفكير في معنى النظرية. هذا عمل يشبه النقاش الذي قدمتُه في قراءتي للحداثة العربية كحالة نفس-جسدية في آن واحد، حيث قدمت الطهطاوي وبنيامين وكأنهما في محادثة، وقراءة الطهطاوي من خلال بنيامين وبنيامين من خلال الطهطاوي. كشفتْ هذه القراءة أن العصر الحديث يمكن إرجاعه أيضًا إلى مقهى في مرسيليا قبل حوالي ثلاثين عامًا وقبل قصيدة بودلير “إلى عابرة سبيل” حيث يتصدى إمام مصري حالة التشظي بلجوئه إلى الشعر.[13] تفكيك الاستعمار في التحليل النفسي أو النظرية بشكل عام لا يعني إخراجه أو إلغائه في بحث غير مجدٍ عن الأصالة الثقافية أو الأدبية، بل بالأحرى عن طريق أخذه في رحلة تجعله يفقد نفسه، ولا يدركها بالمعنى المزدوج للمصطلح. يتسع الإطار المقارن في طرح الشاكري ليشمل التداعيات النقدية. هذا التكاثر يخلق الروابط كما لم يكن متوقعًا ويمكّن العمل التفكيكي من أن يصبح بالفعل توليديًا، وبالفعل تفكيكاً للاستعمار. والهدف، في النهاية، أن نتساءل/ هل نحن بصحبة فرويد أم أمام ابن عربي؟

هذا الإطار المقارن الذي لا يمكن أبدًا أن يقلل من علاقة معقدة ومتعددة الأوجه بين التقاليد العربية الإسلامية والأوروبية يتيح لنا إعادة التفكير في مسألة الحداثة. تاريخ الذات ومحاولاتها وانهياراتها عند تقاطع الأدب والسياسة، الشرق والغرب، الكلاسيكي والحديث، حاضر أيضًا في أعمال الشاكري وبينتو. الحداثة في نظامها الغربي الذي يشمل الذات والرواية والدولة القومية على سبيل المثال لا الحصر، لم يتم إنتاجها في أوروبا ومن ثم استيرادها إلى الجنوب العالمي، بل تظهر في الوسط، وتُقرأ من منظور قرية سودانية وابنها الضال الذي عاد بعد رحلة طويلة.[14] الانخراط في هذا الإرث يستدعي النظر إلى الذات وتطورها من خلال الحكايات والأجناس الأدبية التي تولدها.

تثير كتابات الشاكري وبينتو مسألة النظرية وتطبيقها أو تاريخها خارج السياق الغربي. بدت قراءة النظرية أو تطبيقها على أعمال غير غربية – بالتحديد- سواء كان ذلك عملاً أدبيًا أو سياقًا ثقافيًا أو فترة زمنية. جاء فهم النظرية أيضًا على أنها بنية مهيمنة تحيد أو على الأقل تعيد تشكيل صورتها الخاصة في أعمال خارج سياقها. قلة هم هؤلاء النقاد القادرون على تفعيل هذه الأنواع من الحوارات التي تتداخل حقًا مع الأنساب النظرية، وتبحث عن الروابط والمغامرات التي يتردد صداها إلى ما وراء المسارات المعينة التي ترتبط بها النظرية في سياقها الأوروبي الأمريكي. هذا هو العمل الذي تقوم به الشاكري وبينتو وآخرون. من المفترض أن يفضح ويقلب ويتخيل مسارات فكرية وممارسات قراءة جديدة. على وجه التحديد تقودنا هذه الممارسات إلى التفكير بشكل أعمق في معنى قراءات ما بعد الاستعمار، والتي غالبًا ما تؤخذ على أنها تعني إخراج الأجنبي وتأطير وجوده على أنه بنى مهيمنة داخل دراسات علم النفس، الجنون والجنس. هذه الممارسة هي أيضًا نظرية، لكنها ليست متعرجة وليس فيها تداعٍ حر. لا يوجد في هذه النظرية حالة الرهافة والتأثر، ولا حتى محاولة الوصول لها كما في “تفسير الأحلام” لفرويد.

في الوقت الذي تزداد فيه الدعوات المطالبة بالنقاء بجميع أشكاله مطلقة العنان لعبثية عنيفة وطوباوية تسعى إلى الانقسام والإنفصال، يرسم كتابا الشاكري وبينتو وجهة نحو مشاريع فكرية ومداخلات سياسية ذات رصانة وعمق.


[1]Sarah Pinto, The Doctor and Mrs. A.: Ethics and Counter-Ethics in an Indian Dream Analysis (New York: Fordham University Press, 2019), 8.

[2] Ibid., 127.

[3] Omnia El Shakry, The Arabic Freud: Psychoanalysis and Islam in Modern Egypt (Princeton, NJ: Princeton University, 2017), 2.

[4] Ibid., 11.

[5] Tarek El-Ariss, “On Cooks and Crooks: Aḥmad Fāris al-Shidyāq and the Orientalists in England and France (1840s-1850s),” in The Muslim Reception of European Orientalism: Reversing the Gaze. Eds. Susannah Heschel and Umar Ryad (New York: Routledge, 2018), 14-38.

[6] El Shakry, The Arabic Freud, 65.

[7] Ibid., 60.

[8] Tarek El-Ariss, Trials of Arab Modernity: Literary Affects and the New Political (New York: Fordham University Press, 2013).

[9] Tarek El-Ariss, Leaks, Hacks, and Scandals: Arab Culture in the Digital Age (Princeton: Princeton University Press, 2019), Ch. 3.

[10] Moneera al-Ghadeer, Desert Voices: Bedouin Women’s Poetry in Saudi Arabia (London: Tauris, 2009)

[11] Sahar Amer, Crossing Borders: Love Between Women in Medieval French and Arabic Literatures (Philadelphia: University of Pennsyl­vania Press, 2008)

[12] Yoav Di-Capua. No Exit: Arab Existentialism, Jean-Paul Sartre, and Decolonization (The University of Chicago Press, 2018).

[13] El-Ariss, Trials, 34-38.

[14] Ibid., Ch. 4.