هل النقد علماني؟ التجديف والإساءة وحرية التعبير (مقدمة المترجم)

غلاف كتاب (هل النقد علماني؟ التجديف والإساءة وحرية التعبير)

غلاف كتاب (هل النقد علماني؟ التجديف والإساءة وحرية التعبير)

يمكنك شراء نسخة كندل من كتاب (هل النقد علماني؟) عبر هذا الرابط


تبرز مفاهيم الحرية والعلمانية والنقد وحرية التعبير باعتبارها مفاهيم مركزية في الفكر الإنساني، وفي العصر الحديث تحديدًا، حيث دار حولها نقاش طويل وجدال متواصل، ورغم هذا فما تزال هذه المفاهيم ملتبسة وباعثة لكثير من الجدل حول ماهيتها وتطبيقاتها وتمظهراتها في الحياة اليومية. يشكّل كتاب هل النقد علماني (Is Critique Secular) ضمن هذا السياق، أحد الكتب بالغة الأهمية التي تنشغل بهذه المفاهيم من خلال مساءلةِ علمانية النقد المفترضة، ومناقشة قضايا تتصل اتصالًا وثيقًا بالإسلام والعلمانية والتعددية الثقافية والعلاقة بين الغرب والمجتمعات الإسلامية.

هل النقد علماني؟

تتخذ مقالات الكتاب من قضية الرسوم الدنماركية المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وردة فعل المسلمين – والغرب – عليها، نقطة انطلاق لها. إلا أنَّها تركّز على مسألة حرية التعبير وقيودها، والعلاقة بين النقد والعلمانية والدين، متخذة من حادثة الرسوم سبيلًا لاستقراء الأطر التي تُفهم من خلالها هذه المسألة، ولإبراز الصراع بين الرؤيتين الدينية (الإسلامية) والعلمانية (الغربية). ولعلّ إحدى القضايا المهمة في هذا الكتاب، هي مساءلة الإطار العلماني (الغربي) الذي تُحاكم الظواهر من خلاله وبه، والمدفوع بنزعة الهيمنة الغربية باعتبارها إطارًا كونيًا. يعيد الكتاب النظر في أسس هذا الإطار الذي تتشكل ضمنه العلاقة بين النقد والعلمانية، مثيرًا العديد من الإشكالات؛ فهل يلزم للنقد أن يكون علمانيًا؟ وهل العلمانية نقدية لا محالة؛ بحيث تميّز نفسها بكونها ناقدة لذاتها وعقلانية، في مقابل الدين الذي يبدو جازمًا واثقًا، يستلزم الإيمان والتصديق والاتّباع؟ ويبيّن الكتاب كيف أنَّ التفسيرات الطاغية في الغرب لسؤال الرسوم والتجديف، قد موضَعَتْ هذا الصراع ضمن ثنائية النقد الغربي العلماني المرتبط بالعقل والحرية، والتقييد الإسلامي المرتبط بالإكراه والتشدد وانعدام التسامح. ويتبع هذا ثنائياتٌ تقابل بين الدين والعلمانية، يظهر الإسلام ضمنها باعتباره ممثلًا لنقيض الغرب العلماني الليبرالي الديمقراطي.

ورغم مرور أكثر من عقد على نشرها أول مرة، ما تزال الرسوم قضية بالغة التعقيد والحساسية والحضور؛ فقد عادت الأسئلة نفسها إلى الواجهة مرة أخرى، بعد ما قامت صحيفة شارلي إبدو الفرنسية بنشر رسوم مسيئة في سنوات لاحقة، ثم في عام 2015 بعد الهجوم الدموي الذي أودى بحياة اثني عشر فردًا من صحفييها وأثار عاصفة من ردود الأفعال، برزت فيه الصحيفة باعتبارها رمزًا لحرية التعبير. ومرة أخرى صُوّرت القضية بأنها صراع بين إسلام غاضب غير متسامح، وبين حرية تعبير غربية ترتبط بقيم الحرية والديمقراطية والعلمانية، رغم أنَّ الحادثة استهجنتها الجمعيات الإسلامية والشعوب المسلمة كما استهجنت الرسوم عند نشرها.

وكان أصل هذا الكتاب نتيجة لمبادرة علمية في النظرية النقدية نشأت في جامعة كاليفورنيا في بيركلي في عام 2005، نوقشت فيها أعمال كانط وهيجل مرورًا بأدورنو وبينيامين من بين آخرين، ثم تولَّدت عنها ندوة علمية عام 2007، قُدّمت فيها الأعمال الواردة في هذا الكتاب، وبالعنوان نفسه[1]، ثم صدرت في كتاب عام 2009. يساهم في هذا الكتاب أربعة من الباحثين المعاصرين المرموقين؛ حيث يبدأ بمقدمة لويندي براون، متبوعة بمقالتين بحثيتين مطوّلتين لطلال أسد وصبا محمود، ثمّ بتعقيب لجوديث بتلر على مقالتيهما، يليه ردّ كل منهما على التعقيب؛ حيث يوضحان بعض آرائهما ويردان على بعض ما طرحته بتلر. وهذا الأسلوب الحواري السجالي، يمنح للباحثين إمكانية بلورة آرائهم ومراجعتها، وللقارئ فرصة تجلية الآراء المطروحة ومساءلتها.

تنبع أهمية هذا الكتاب للمكتبة العربية، من كون الأسئلة التي يعالجها هؤلاء الباحثون جوهرية في العصر الحديث؛ في ظل الصراع بين القيم الدينية والعلمانية، وبين الشرق والغرب. وهذه المقالات البحثية رغم هذا، لا تقدّم إجابة بنعم أو لا عن السؤال المعنون به الكتاب، ولا تأتي بالضرورة معززة لرؤيةٍ أو معارضة لأخرى؛ بل مثيرة للتفكير ومحرضة على إعادة النظر في كثير من المسلمات. وكذلك فإنها تمثل محاولة للفهم منطلقةً من مساءلة الأسس التي تقوم عليها مثل هذه الاتجاهات والرؤى، ومناقشة لسياقها التاريخي ومآلاتها المعرفية والسياسية والاجتماعية في عصرنا الحاضر؛ مما يجعل الكتاب بالغ الأهمية في ظل الظروف المعاصرة التي تتجه فيها العلاقة بين الشعوب المسلمة والغرب لمزيدٍ من التطرف، عوضًا عن التفاهم والتقبل.

والكتاب مهم كذلك بالنظر إلى أسماء المساهمين فيه؛ فطلال أسد، الباحث الرصين في أنثربولوجيا الدين، قد ساهم إسهامات عميقة في دراساته للعلمانية والدين، وعلاقة الغرب بغيره من الشعوب، من خلال مساءلة افتراضاته المعرفية وتجلياتها المعاصرة، وكذلك قدمت صبا محمود دراسات قيّمة فيما يتصل بالمرأة المسلمة والجماعات الإسلامية والعلمانية والأقليات، ومن أهمها كتاب The Politics of Piety: The Islamic Revival and the Feminist Subject، والذي سيصدر مترجمًا إلى العربية قريبًا حسب علمي، والفيلسوفة الأميركية البارزة جوديث بتلر، ساهمت مساهمة نظرية أساسية ومؤثرة، خصوصًا فيما يتعلق بالجندر والنسوية، ومن كتبها بالغة الأثر Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity، وكذلك Bodies That Matter: On the Discursive Limits of Sex. ما يجمع بين هؤلاء الباحثين هو قلة المترجم من أعمالهم رغم أهمية ما يطرحون وبالغ أثره في الدراسات الغربية في هذا المجال، ورغم صلته بقضايا تستدعي اهتمام القارئ العربي وتتصل بقضاياه، والأمل أن تكون هذه الترجمة مساهمة في هذا الباب.

سعيت في تقديمي لهذه الترجمة أن أتوخى الغاية في الدقة والإتقان لتتحقق الفائدة من نقل الكتاب إلى العربية، وهو أمر لا يخلو من تحدّيات شتى. ولعل من المعضلات الأساسية التي يواجهها المترجمون مشكلة المصطلحات، فمحاولة تعريبها بكلمة مألوفة تخفق في أحيان كثيرة في نقل الثقل المعرفي للمصطلح في سياقه، في حين أنَّ استخدام المصطلح غير العربي قد تزيد النص غموضًا، ناهيك عن عدم استقرار ترجمة المصطلحات وتعدد الكلمات العربية للمصطلح الأجنبي الواحد. حاولت في ظل هذه الإشكاليات، قدر استطاعتي، استخدام المقابل العربي الأوسع انتشارًا والأدق، مع حرصي كذلك على كتابة المصطلح بحروفه الإنكليزية بين قوسين لتوضيح المراد؛ وهو ما يشير في الوقت ذاته إلى أنَّ المصطلح مُحمَّل بتاريخ وبتعقيد معرفي. وإلى ذلك، فقد يكون من شأن هذه الطريقة في التعامل مع المصطلح، أن تحفّز القارئ نحو مزيد من البحث والاطّلاع، لإدراك دلالاته وإشكالاته.

ويبرز في هذا السياق مصطلحا criticism وcritique، واللذان يترجمان غالبًا بكلمة واحدة هي (النقد)؛ رغم أنَّ الأول يرتبط عادة بنقد الأعمال الأدبية، في حين أنَّ الثاني انتقل إلى اللغة الإنكليزية من الفرنسية في القرن السابع عشر[2]، وأصبح يتصل بالنقد الفاحص والمتأمل والمشحون معرفيًا بمشاريع التنوير وبماركس وفوكو وغيرهما، والقائم على التحليل المتبصّر ومساءلة الأسس والحدود النظرية والفلسفية والبحث عن الحقيقة، وغير المقتصر بالضرورة على الأعمال الأدبية، ويرتبط مصطلح criticism كذلك بالنقد السلبي الباحث عن الأخطاء وبإصدار الأحكام أكثر من [3]critique.

ورغم أن بعض الباحثين حاول التمييز بينهما – على سبيل المثال اقترح كمال أبو ديب مصطلح (التنقيد) في مقابل critique، و(النقد) مقابل [4]criticism – فقد ارتأيت هنا أن أبقي (النقد) مقابلًا لهما، مع ذكر المصطلح الإنكليزي بين قوسين متى ما كان هذا مقصودًا ومؤثرًا في المعنى؛ فالمصطلحان، ورغم أنَّ البعض يفرّق بينهما كما أشرت، وكما يتضح في مساهمتي ويندي براون وجوديث بتلر، إلا أنهما متداخلان تداخلًا واسعًا في اللغة الإنكليزية، وكثيرًا ما يعامَلان باعتبارهما مترادفين – كما نجد ذلك عند طلال أسد في مساهمته في هذا الكتاب – حيث تُعامل critique باعتبارها المقابل الفرنسي لكلمة criticism. اعتمدت هذا الأسلوب أيضًا تحاشيًا لتشتيت القارئ؛ لعدم استقرار ما يقابلهما في اللغة العربية.

وختامًا أوجّه شكري لأسرتي العزيزة لصبرها ودعمها المستمر، وللصديق يوسف الصمعان لمتابعته لهذه الترجمة منذ أن كانت فكرة، وأرجو أن أكون قد وفقت في نقل ما أراده الكتَّاب وأن يكون هذا الكتاب مُثريًا للحركة الفكرية العربية.


الهوامش:

[1]     http://townsendcenter.berkeley.edu/programs/critical-theory

[2]     كما يشير معجم أكسفورد في تتبعه لتاريخ الكلمة تحت مادة

 http://www.oed.com/ (critique)

[3]     انظر:

        Chris Baldick‏, The Oxford Dictionary of Literary Terms, 5th ed (Oxford: Oxford University Press, 2015), pp. 79 – 80

       وكذلك مناقشة ريموند وليامز لمصطلح criticism

Raymond Williams, Keywords: A Vocabulary of Culture and Society (New      York: Oxford University Press, 1976), p. 84.

       أو ترجمته العربية: ريموند وليامز، الكلمات المفاتيح، ترجمة: نعيمان عثمان (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص 114، ولاحظ أيضًا مناقشة ويندي براون وطلال أسد وجوديث بتلر للمصطلحين ومقارباتهم المتباينة.

[4]     إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب (بيروت: دار الآداب، 2014).