نحو التوفيق بين بطلين: هيغل وهابرماس – روبرت براندوم / ترجمة: علي الرواحي

نحو التوفيق بين بطلين: هيغل وهابرماس – روبرت براندوم / ترجمة: علي الرواحي


ملخص:

أصف هنا انخراطي مع أفكار هابرماس، ورسم طريقة لقراءة هيغل التي أتخذها لتكون منسجمة مع أعمق الدروس التي تعلمتها من هابرماس. قرأت أن هيغل لديه نظرية اجتماعية ولغوية للمعيارية، ومفهوم رجعي حصري للتقدم والشعور الذي يعرض فيه التاريخ الغائي للمعيارية.


الجزء الأول:

سمعت لأول مرة اسم يورغن هابرماس منذ أكثر من 30 عامًا، وتحديدا ً في ربيع عام 1979م، عندما كنت قد وصلت للتو إلى جامعة بيتسبرغ كأستاذ مساعد جديد. أولئك الذين يعرفون مشرف الدكتوراة Doktorvater الخاص بي ريتشارد رورتي Richard Rorty لن يفاجأوا بسماع ذلك، على الرغم من ظهور تحفته الخاصة “الفلسفة ومرآة الطبيعة” Philosophy and the Mirror of Nature، بدلاً من الحديث عن ذلك، في ذلك الوقت كان مهتما ً أكثر بكثير بنقل حماسه تجاه هابرماس، وتحديدا ً كتاب المعرفة والمصلحة البشرية Knowledge and Human Interests. بعد توصيته تلك، قرأت هذا العمل – بحماس متزايد. لقد فعل أشياء رائعة ومبتكرة مع خطوط فكرية لطالما كنت مهتما ً بها، لكنني لم أر أبدًا كيفية الاندماج مع اهتمامي المركزي بطبيعة اللغة ودورها في حياتنا. لقد كان قادرًا على القيام بذلك جزئيًا من خلال تقديم قراءة لمساحات كبيرة من التقليد الفلسفي منذ كانط Kant. كما كان الطموح والقوة المطلقة للعمل مبهجين وألهماني في ذلك الوقت كثيرا ً كما يفعلان اليوم. أعتقد أكثر من أي شيء آخر، أن هذا العمل كان الحافز المنشط لطريقة جديدة للتفكير حول كيف يمكن اعتبار فلسفة اللغة بشكل شرعي “فلسفة أولى”، و هو الذي جذب مخيلتي.

نقطة البداية المألوفة هي الاقتناع بأن أهم حدث في تاريخ البشرية، أو بكل بساطة أكبر شيء حدث لنا على الإطلاق (أو، بدلاً من ذلك، فعلناه على الإطلاق)، هو الانتقال المتداول والمستمر من التقليدي إلى الحديث، في المجتمعات والممارسات وأنماط التفكير. (فإذا كان شخص ما يريد استمرار استعراض هذا الانتقال بدلاً من ذلك، لمعرفة تجليات الظهور السابق للحضارة، نجده في: المدن الكبيرة، والزراعة المنظمة، والتخصص المصاحب وتقسيم العمل، جنبا ً إلى جنب مع استنباط فائض العمالة لمتطلبات الكفاف – لن أصر على ذلك للاختيار بين هذه العوامل المتنافسة.) حيث ساهم الفلاسفة الأوائل المحدثون من ديكارت Descartes إلى كانط جميعا ً في تطوير الإيمان النضالي النظري الأيديولوجي للحداثة. لكن لم يأخذ أحد قبل هيغل صراحةً ذلك التحول العملاق ووحدة جوانبه المختلفة كموضوع فلسفي منظم له([1]).

لم يكن الهدف الرئيسي لعصر التنوير هو البدء في صياغة نوع جديد من الفهم الذي يميز الحداثة فحسب، بل كان أيضا ً تحديد سبب كون العمل بشكل ٍ عام، أو على الأقل سيكون، على وجه العموم، شيئا ً جيدا ً، أو خطوة تقدمية لتطوير أعمالنا. في هذا الصدد، كان التقليد الفلسفي التحليلي الناطق بالإنجليزية، في توجهه، وريثا ً مخُلصا ً لعصر التنوير: مشجع للحداثة، على الأقل في مظهرها الفكري كعلم تجريبي (طبيعي نموذجي)، و(على الرغم من أنه ربما بدرجة أقل ) مظهرها السياسي كديمقراطية سياسية ليبرالية. أو شيئ كهذا كما يقول هيغل. لكنه اتخذ اتجاها ً مختلفا ً من المسارات التي تتباعد هنا. لأنه يأخذ على محمل الجد ليس التنوير فقط، ولكن أيضًا منتقديه الرومانسيين. (في رسالة مكتوبة عندما كان لا يزال طالبًا في كنسية توبنغن Tübingen Stift، أعرب عن تأييده الحماسي لكتاب كانط الدين في حدود العقل، والذي قرأه للتو هو وهولدرلين Hölderlin، وشيلينج Schelling، لكنه أنهى روايته بحذر، عندما قال: “ومع ذلك، لا يجب إبعاد الخيال، القلب، والرغبات الشهوانية”.) بالطبع لا يتوق، كما فعل الرومانسيون، إلى العودة إلى أساليب الحياة لما قبل الحداثة (على الرغم من إعجابه بالأخلاق اليونانية Sittlichkeit). حيث تمثل الحداثة بالنسبة له دائما ً السبيل الوحيد للمضي قُدما ً.كما كان ناقدا ً شرسًا للجانب المعادي للفكر في الرومانسية. لقد كان، إذا أردت، عقلانيا ً رومانسيا ً، لكنه مع ذلك كان عقلانيا ً. كان على عقلانيته المُركبة أن تجد مكانًا للفن، وكذلك العلم، للرغبة والشعور والقوة، فضلاً عن العقل، لقيمة الفردية بالإضافة إلى قيمة العالمية. لكنه لا يمكن أن يسمح باستبدال الفكر لصالح “ضباب دافئ من البخور ودق الأجراس من بعيد”، كما رأى الرومانسيون على أنهم ميالون للقيام بذلك. في النهاية، بالنسبة له، “على من ينظر إلى العالم بعقلانية ، فإن العالم ينظر إليه بعقلانية أيضا ً.”

هناك أربعة التزامات ذات صلة تميز الطريق التي طورها هيغل، من الطريق الذي قادها تنوير كانط إلى طريق برتراند راسل Russell، وكارناب Carnap، وكواين Quine. أولاً ، كان عازما ً على فهم الوحدة التي تنبثق من العلاقات المتبادلة بين مختلف جوانب الحداثة الناشئة: ليس فقط الأبعاد الفكرية (بما في ذلك العلمية)، ولكن أيضا ً الأبعاد الاقتصادية والسياسية والبيروقراطية والمؤسسية والمدنية والأدبية والفنية. ثانيا ً، كان مقتنعا ً بأن للفلسفة شيئا ً خاصا ً لتقوله عن الوحدة التي تقدمها عملية الحداثة عبر تلك الجوانب المختلفة. ثالثا ً، كان مهتما ً أيضا ً بفهم الظلال التي ألقى بها حديثا ً ضوء الفجر على الحداثة، والتي رأى الرومانسيون بعضا ً منها بالفعل، وإن كان غير واضح. حيث جاءت التفاحة الجديدة اللامعة كاملة بالديدان، ولم تكن الديدان مجرد حشرات متطفلة، بل كانت جزءا ً لا يتجزأ من بيئة التفاح. رابعا ً، تبنى التحدي المتمثل في وصف اللعب الأساسي للضوء والظلام في تدرجات الحداثة بين الضوء والظلال، لتشخيص الأمراض التي لا مفر منها التي رافقت مسارها الجديد، بطريقة تجعل العلاج ممُكنا ً. هذا هو التحدي المتمثل في تحديد شكل التحول التدريجي الثاني، من المجتمع والفكر التقليدي بنفس القدر إلى الحديث.حيث أن التحدي المتمثل في إبراز الخطوط العريضة لعصر ثالث ما بعد حديث، تم صياغته على أثر نيران الدروس المستفادة مما تم اكتسابه وما فقده في الانتقال إلى المرحلة الثانية. (رفض اللاعقلاني الرجعي بعض خيوط الرومانسية التي تقول لا للتنوير، بينما يقبل العديد من الانتقادات الإيجابية المصاحبة لها، حيث يرى هيغل أن المهمة تتطلب رؤية لما بعد الحداثة التي هي أيضا ً رؤية لما بعد الرومانسية – وهو معيار ملائم كما فعل هايدجر Heidegger، ودريدا Derrida اللاحقان، على سبيل المثال، قد يؤخذ على انه ليس كذلك.) لا يجد أي من هذه المشاريع والالتزامات مكانا ً في السمة الإشكالية الفلسفية للفلسفة التحليلية في القرن العشرين. (“فالحداثة” ليست من مفرداتها).

في المعرفة والمصلحة البشرية، أظهر هابرماس بالفعل، كما بدا لي، السبيل إلى التوفيق بين هذه التقاليد. حيث طور هابرماس هناك فكرتين تعتبران بمثابة المفتاح الرئيسي. الأولى هو الفكرة القائلة بأن الشكل الحديث المميز للسلطة يتألف من هياكل مشوهة بشكل منهجي للتواصل والتفكير، وهي الممارسات الخطابية التي من خلالها نعبّر عن فهمنا لذاتنا ونشّرع ونقيّم ممارساتنا ومؤسساتنا. والثانية،  هي الفكرة القائلة بأن مثل هذه التشوهات حدثت بشكل ٍ تدريجي، صميمي intimate، وبشكل عكسي، وغير مرئي، لممارسات العطاء وطلب الأسباب، وهي مع ذلك تفتح إمكانية أشكال جديدة من معارضة السلطة المشفرة على هذا النحو. لأنها تفسح المجال للخطابات النقدية ذات الإمكانات التحررية. هذه هي المصطلحات أو المفردات التي توضح الالتزامات، والرُخص، والمحظورات الضمنية (بما في ذلك الاستدلالات، على سبيل المثال لا الحصر) التي تعطي القوة المعيارية، والعقلانية المزعومة، لهياكل السلطة المختلفة.تظهر تلك الالتزامات والرُخص والمحظورات من الخلفية الغامضة إلى الضوء العقلاني للوقت الحاضر، كادعاءات صريحة، حيث يمكن الطعن فيها، كما تحتاج إلى الدفاع عنها – حيث يمكن البحث عن أسبابها وعرضها وتقييمها. تدل الخطابات النقدية التحررية على احتمالية إعطاء محتوى ملموس، وقوة حقيقية للأمر الكتابي/ التوراتي biblical:”اعرف الحقيقة، والحقيقة ستحررك”.

ابتكر هيغل فكرة (وإن لم يكن مصطلحًا) “الأيديولوجيا” التي تبدأ هذا التقليد. في الفينومينولوجيا أو الظاهراتية على وجه الخصوص، يستكشف التفاعل بين العلاقات الاعترافية غير المتكافئة المثقلة بعلاقات السلطة التي توضح مختلف الممارسات الاجتماعية الحديثة (الهياكل المتبقية للتفوق، والطموح إلى الاستقلال، أو ما نستطيع تسميتها بالسلطة، دون الاعتماد المتبادل، وهو ما يعني المسؤولية)، من ناحية، وأوجه القصور التعبيرية للمفاهيم الأساسية التي يفهم منها الأفراد الواعون بذواتهم والذين يقفون في مثل هذه العلاقات التمييزية، وينشرون بنفسهم تلك المفاهيم و الممارسات والمؤسسات، من ناحية أخرى. فالعظماء الآخرون للقرن التاسع عشر الذين استطاعوا رؤية ذلك، من بينهم ماركس، نيتشه، وفرويد بشكل ٍ أساسي، بنى على أفكاره لفضح المدى الذي وصلت إليه الحداثة، التي تحول تصورها الذاتي لوضع العقل بشكل أساسي في مكان كانت فيه السيطرة، تماما ً كما عبرت عن نفسها بشكل أساسي من خلال صنع الأسباب التي يمكن أن تتخذها القوة المجردة: فهو أضحى القناع الحديث الذي ترتديه الحداثة.

أحد الردود الطبيعية على مثل هذه الخطابات النقدية هو العثور فيها على أسباب للشك في مفهوم “العقل” الذي وضعه التنوير في مركز الأيديولوجيا التي صاغها لمشروع الحداثة. ربما يكون التمييز الأفلاطوني بين الإقناع والإكراه اللفظي – فكرة “القوة الفُضلى لمعيارية العقل” التي يجب تمييزها من حيث المبدأ عن الأشكال الخطابية المتدنية التي تهدف للحث على الاقتناع – هو في حد ذاته وهم. ربما ما يسعدنا أن نسميه “العقل” هو مجرد الشكل الحديث المميز لعلاقات القوة: مؤدب، ولكن ليس بشكل ٍ قسري، وكلاهما صادقان بنسبة قليلة (في إنكار أن القوة تُستعمل بشكل ٍ عام) وأكثر شمولية (لأن الاختراق والتغلغل في الجوهر الخطابي لما تسمى بالذات الحديثة الواعية، تخضع بالذات لتلك القوة) من أشكال ما قبل الحداثة. حيث يمكن قراءة قدر كبير من عمل فوكو على أنه يطور مثل هذا الخط الفكري([2]). وبهذه الطريقة، يظهر تشخيص الوظائف الأيديولوجية لمختلف الخطابات والممارسات والمؤسسات الحديثة كشكل مميز للنقد الرومانسي لعقلانية التنوير.

 إلى جانب هذا الاستخدام الرومانسي لفكرة “الإيديولوجيا”، هناك أيضًا استخدام عقلاني لما بعد الرومانسية لها. حيث قدم أدورنو Adorno، وهوركهايمر Horkheimer، على سبيل المثال، وصفا ً للعواقب الأيديولوجية الحديثة التي تنجم عن حصر العقل تحديدا ً في جانبه الآلي أو الوظيفي. ذلك أن المشكلة لا تكمن في العقل بحد ذاته، بل في التصور القاصر، والواهن عنه. لقد أسس هذا التفكير بدوره منعطفا ً مهُما ً، يمكن من خلاله أن يأمل المرء في المضي قدما ً في رؤية التنوير للعقل كقوة موازية للقوة المُجردة، وبالتالي ليس مجرد شكل آخر من بين أشكال مختلفة يمكن أن تتخذه مثل هذه القوة، شريطة أن تكون غنية وشاملة بما فيه الكفاية. حيث يمكن صياغة مفهوم “العقل”. هذه هي الأرض البِكر التي كرس هابرماس جهوده لتحسينها، والتي أقام فيها صرحه النظري.

أحد الأعمدة المركزية لهذا الصرح هو نقله للقضية التي أثارها الذين أزالوا الأقنعة الإيديولوجية إلى مفتاح لغوي شامل. ( حيث سُمي القرن العشرون بحق قرن اللغة في الفلسفة – ليس أقل من ذلك في الفلسفة القارية كما هو الحال في التقليد التحليلي). كما أصبح تقييم وإضفاء الشرعية على الممارسات والمؤسسات الاجتماعية في العصر الحديث شأنًا خطابيا ً بالكامل. يستلزم ذلك أن الكشف عن أيديولوجيا ما هي مسألة تتعلق بما وراء الخطابات metadiscursive لتشخيص التشوهات المنهجية في الهياكل الخطابية: التي من الممكن وصفها بأنها تشوهات الفعل التواصلي. سيكون لهذه، بالتأكيد، مظاهر براغماتية على نطاق واسع بالإضافة إلى مظاهر دلالية ضيقة. ولكن الأمر يتعلق أساسا ً باللغة التي نتحدث بها، والمفاهيم التي نستخدمها، والسياق الاجتماعي-العملي الذي نقوم فيه بذلك، حيث يجب أن نتطلع إلى فهم الأشكال الحديثة المتمايزة من القيود، وكذلك الأدوات اللازمة لمكافحتها. يبدو لي أن إحدى مساهمات هابرماس الأساسية هي فكرته أن هذه البصيرة تقدم نقطة اتصال بين هذه القضايا الثقافية الكبيرة الواسعة، ونوع العمل التفصيلي والمضني في فلسفة اللغة الذي سعى له بمفرده، والدقة المدروسة للتقليد التحليلي. هنا، يمكن متابعة المخاوف الأساسية، من النوع الذي يحتوي على معايير واضحة نسبيا ً للنجاح والفشل، عن طريق اتباع وسائل تقنية للتوقعات الواقعية التي تُمكنهم من القيام بعمل مهم (بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث تعطي الفيزياء معنى لهذا المصطلح، كما يلي: القوة المطبقة من خلال المسافة) في معالجة الاهتمامات الفلسفية الواسعة والمخاوف الثقافية على نطاق أوسع. إذا كان فهم العلاقات بين العقل والأيديولوجيا هو أحد المهام الفلسفية الرئيسية في عصرنا، فهناك بالفعل قضية يجب طرحها لفلسفة اللغة الموسعة بشكل مناسب (خاصة على طول البعد العملي) باعتبارها “فلسفة أولى”. وهي قضية مختلفة تماما ً عن الدفاع الضيق الذي يقدمه مايكل دوميت Michael Dummett لهذا الادعاء وأكثر شمولاً([3]). ففي حين أن المخُتصر الذي يقدمه دوميت موجه حصريا ً للباحثين الفلسفيين، فإن هابرماس يقدم ادعاءا ً للمثقفين المعاصرين بشكل عام.

يوفر هذا النهج جسرا ً تشتد الحاجة إليه بين التقاليد التي تحركها تصورات مختلفة للقضايا الفلسفية الرئيسية، والتي تركز على فهمنا كحيوانات عقلانية([4]). حيث ركز التقليد التحليلي بشكل كبير – قد يقول البعض إنه مهووس – على قضية الطبيعانية naturalism: العلاقات بين الأسباب والعلِل، بين القواعد العقلانية والإكراه السببي. كما أن التقليد الذي بدأه هيغل كان مُهتما ً بدلاً من ذلك (من بين أمور أخرى، للتأكيد) بشأن قضية الأيديولوجيا: أي ما إذا كان هناك تمييز ممكن بين المعايير العقلانية الحقيقية وتلك التي تعبر عن علاقات القوة المختلفة تحت ستار تلك العقلانية؟ وكيف يمكن التمييز بين العقل والمصالح، بين الإقناع العقلاني والتلاعب الاستراتيجي. حيث يهتم التقليد الأول بفهم العقل logos من خلال علاقته بالمفهوم، بينما يهتم الآخر بفهم العقلlogos من خلال علاقته بالأساطير([5]).(وضع الأشياء بهذه الطريقة يؤكد، كما آمل، أنه لا توجد ضرورة مفاهيمية أساسية للاختيار بين نوع الإضاءة التي يمكن اكتسابها من النظر إلى الاختلاف الأول، وتلك التي يمكن اكتسابها من خلال النظر إلى الآخر.)

كان لدى كانط فكرة (وتبعه هيغل في هذا الطريق) أن المفهوم ما بعد اللاهوتيposttheological للعقل له أخلاقية مختلفة، كما يمكن أن يُبنى من فكرة أن (لوضع النقطة في مصطلحاتي بدلا ً من مبادئه) توضيح مبادئ معينة للسلوك، في شكل من القواعد والالتزامات المعيارية المتضمنة في انخراطنا في الممارسات الخطابية بشكل ٍ عام – ببساطة في حديثنا وتفكيرنا، والحكم، أو التصرف عن قصد. ذلك إن الارتباط بأي التزامات يُكتشف أنها تتمتع بهذا الوضع، ستكون غير مشروطة بالنسبة لنا، بصفتنا من يحكم ويتصرف. (بالطبع، بمعنى آخر، هذه التزامات افتراضية، مجرد التزامات عرضية، حيث يمكننا التخلي عن خطابنا والعودة إلى المشاعر الحيوانية المجردة. وكما يقول سيلارزSellars: “يمكن دائما ً، بالطبع، ألا يتكلم ببساطة – ولكن هذا يعتبر مكُلفا ً. “انتحار العاقل”Sapience، ليس لأسباب عميقة من دلالات الألفاظ في نهاية المطاف، كما أنه ليس خيارا ً يمكن للمرء أن يكون لديه سبب لتبنيه.) إحدى الأفكار المركزية التي تربط بين المثاليين الألمان المتعددين معا ً هي الالتزامات البنيوية الضمنية التي تشكل الخلفية الضرورية التي يمكن على أساسها اتخاذ أي التزامات مهمة على المستوى الأرضي (سواء كانت معرفية أو عملية)، والتي تُشكل من حيث المبدأ أساسًا للأخلاق الفلسفية والسياسة المقابلة. لقد كانت إحدى مهام هابرماس في عصرنا نقل هذا الفكر إلى مفتاح لغوي، وتطويره في ضوء نتائج افتتان الفلسفة باللغة لأكثر من قرن. هذه هي أخلاقيات خطابه، وفكرته في تأسيس نظرية سياسية على حساب طبيعة الفعل التواصلي.

في السبعينيات، إذن، رأيت هابرماس يضع على الطاولة ثلاث أفكار كبيرة ومتشابكة زادت بشكل كبير من المخاطر الفلسفية والمكاسب المحتملة، ووضعت معايير جديدة جوهرية لملاءمة فلسفة اللغة كما تم اتباعها في اللغة الإنجليزية لدوائر تحليلية. وهذه هي كما يلي:

  • إن الفكرة القائلة بأن الحداثة تسلط الضوء بشكل ٍ صريح على قضية الحاجة إلى ادعاءات شرعية للسلطة في الوقت نفسه، كما أنها رائدة في شكل حديث مميز للسلطة – والذي يتم ممارسته بدقة من خلال هياكل مشوهة منهجيا ً للتواصل والشرعية. حيث تكشف سلاسل الجينالوجيا هذه التشوهات، التي تشرح مواقفنا من حيث العٍلل التي لا تقدم أسبابا ً لها.

  • الفكرة القائلة بأنه في حين أن إدراك هذه الحقيقة يقوض بعض ادعاءات التنوير لإمكانية تحقيق الحرية من خلال العقل، فإنه ليس من الضروري، التسرع في الاستنتاجات التي توصلت إليها الرومانسية، والتي تُفهم على أنها تُظهر هذه الفكرة على أنها أصل وفرع خاطئين. فعندما تتبنى علاقات القوة والسيطرة ذلك المظهر الجديد الأكثر سحرية، فإنها تصبح عرضة لأشكال جديدة من المقاومة، من خلال تطوير الخطابات النقدية التحررية. و

  • فكرة أخلاقيات الخطاب ونوع من النظرية السياسية مشتق من التفكير فينا ككائنات خطابية بالأساس.

الموضوع الذي أريد أن أتناوله الآن في بقية هذه الورقة هو هذا. بمجرد أن منحني هابرماس العيون لأرى هذه الأفكار، جئت لرؤيتها قبل كل شيء في هيغل. فقط ثلث هذه الأفكار بدا حاضرا ً بالفعل لدى كانط، وهناك بدون ارتباط حاسم بالممارسة اللغوية التي قدمها هيغل واستغلها. ومع ذلك ، فإن هابرماس نفسه يحافظ على مسافة متحفظة، وحذرة من هيغل عام 1806م وما بعده، وهو أكثر راحة بكثير من ربط نفسه بكانط عندما طرح السؤال “كانط أو هيغل؟””Kant oder Hegel?”. هذه قضية تحدثنا عنها وكتبنا القليل عنها، وقد بدا لي أن اختلافاتنا هنا تدور حول الاختلافات في كيفية قراءة هيغل أكثر مما تفعل في الأفكار الفلسفية التي نعتقد أنها تستحق المتابعة وأيها لا. لذلك أريد أن أقول شيئا ً عن قضايا التأويل هذه.

لكن قبل أن أنتقل إلى هذا الموضوع، لا يمكنني مقاومة القيام بنزهة حول الأفكار الثلاثة الأولى التي طرحتها للتو. أشك في أنني أستطيع أن أنقل بشكل كافٍ مدى الإثارة والتنوير بالنسبة لي لقراءة ما قام هابرماس مما قاله لاكان Lacan عن فرويد، في المعرفة والمصلحة البشرية. فالنقطة التأويلية الرئيسية التي ينسبها هابرماس إلى لاكان هي أن “اللاوعي” عند فرويد يشير إلى جوانب اللغة التي يتحدث عنها المرء و لا يدركها – أو كما سأقول: الالتزامات الضمنية فيما يقوله المرء والتي لا يستطيع حاليا ً توضيحها في شكل ادعاءات يؤيدها. حيث يركز لاكان عن طريق فرويد على الالتزامات التي تنشأ من تجارب الطفولة لدى المرء، والتي لا تتخذ شكل المطالبات التي قد يؤيدها المرء إذا واجهته بشأن هذه المسألة أو تلك، بل على شكل نزعات للتحدث بطريقة دون أخرى. لا يتجلى العصابNeurosis في نفسه فحسب، بل يتألف في الواقع من تمرد مثل هذه النزعات إلى المواجهة العقلانية من خلال الالتزامات التي يميل المرء صراحة إلى الاعتراف بها والاصرار عليها. (على الرغم من أن هابرماس كان مهذبا ً للغاية بحيث لا يستطيع قول هذا، فإن عصاب لاكان، بهذا المعنى التقني، يجعل من التحدي التأويلي استخلاص هذه الرؤية من أسلوبه الرفيع – لكن هذا يؤكد فقط الإنجاز التأويلي لهابرماس هنا.) وقد ميز الفلاسفة التحليليون ما أسماه دينيتDennett( 1983م)، “سمتان معياريتان للإجابة على الاعتقاد”، أي أن تلك القواعد التي تميل إلى الاعتراف صراحة، وتلك التي تتجلى ضمنيا ً، في ما يفعله المرء، وليس فيما يقوله. هذه ليست رؤية فرويدية على وجه التحديد.ولكي تكون قادرا ً على التحدث بشكل ٍ عام، يجب على المرء أن يميز بين هذين النوعين المختلفين من الاعتبارات المتضمنة في إسناد الالتزامات([6]).حيث تظهر الحركية النفسية الميكانيكيةhydraulic psychokinetics الفريدة لفرويد، وأكثر من ذلك، الآليات النفسية للعائلة الرومانسية التي هي متوافقة معها في بعض النقاط، كنظريات تأملية لبعض أنماط التفاوت الفردي بين طرق تقديم هذين النوعين من الأدلة. فالاقتراح الذي أخذته من توصيف هابرماس لما قدمه لاكان عن فرويد هو أن الموضوع المناسب لفلسفة اللغة (في شكلها الأوسع) هو فئة أنماط التباين الفردية، الممتدة نسبيا ً على المدى الطويل بين الالتزامات الصريحة، تلك المتضمنة، والمعُترف بها فقط في ما يفعله المرء (بما في ذلك ما يقره المرء أيضًا) والتي يمكن معالجتها كأهداف تفسيرية من خلال النظريات النفسية (على سبيل المثال مراحل التطور والتشخيص النباتيbotanizations لأنواع الاضطراب وعواقبها). حيث لم أر قط مفردات التحليل النفسي بهذا الوضوح من قبل. بدت لي إمكانية رواية مثل هذه القصة في ذلك الوقت كنموذج لكيفية إجراء البحث في منطقة ضيقة نسبيًا (الفلسفة التحليلية للغة) لخدمة اهتمامات ثقافية وفكرية عامة.

الجزء الثاني:

ينقلب المسار الذي يؤسسه هابرماس من نظرية الفعل التواصلي بشكل عام إلى النظرية السياسية، للتأكيد داخل تلك النظرية الأساسية على وجود صلة ضرورية وجوهرية بين المغزى الخطابي، وتأسيس ادعاءات الصحة التي يجب في ظل ظروف مختلفة استردادها أو إثباتها أو تسويغها أو تبريرها، للتأكد أو معرفة آثارها. يأتي النوع المميز من ادعاءات أفعال خطاب السلطة مع مسؤولية تبرير مترابطة.فالفكرة هي أن مفهوم “المعنى” الذي هو موضوع رئيسي للدلالات لا يمكن فهمه بعيدا ً ممارسات التسويغ المختلفة، وطلب، وتقديم التبريرات أو الأسباب، والتي هي موضوع رئيسي للبراغماتية. على الرغم من أنني لست متأكدًا من مدى ارتياح هابرماس لهذه الطريقة في وضع الأشياء، فقد نفكر في المضامين الدلالية أو المعاني على النحو المفروض نظريا ً من أجل شرح، أو على الأقل تنظيم، جوانب مختلفة، ومتنوعة من ممارسات استرداد وتحدي ادعاءات الصحة التي يتم اتخاذها باستخدام التعبيرات التي تحتوي أو تعبر عن تلك المضامين أو المعاني لأداء مختلف أفعال الكلام. سيكون لمثل هذا النهج ميزة التأكيد على الدور المركزي الذي تلعبه فكرة هابرماس في تنظيم توجه معين لاستخدام اللغة (“الفعل التواصلي”) حول مفهوم “ادعاء الصحة” داخل نظامه العام.

أظهر هابرماس مقدار ما يمكن فعله بهاتين الفكرتين: التفكير في الممارسة الخطابية من منظور نوع مميز من الأهمية العملية المعيارية المميزة لأفعال الكلام على هذا النحو، والتفكير منهجيا ً في الدلالات كنوع من المساندة التأويلية في خدمة خصائص استخدام التعبيرات اللغوية البراغماتية. (لقد أطلقت على هذا النوع الأخير من الالتزام “البراغماتية المنهجيةmethodological pragmatism “). تنشأ هذه النقاط بشكل طبيعي في نظرية الخطاب. لكن هابرماس أظهر أن لها صدى وعواقب تتجاوز ذلك المجال المحدود.

على الرغم من أنه لا يؤكد على هذه النقطة، أعتقد أنه من المهم أن ندرك أن النقطة الأولى هي درس ندين به في النهاية لكانط. أعمق فكرة كانط وأكثرها أصالة هي أن ما يميز الحكم والفعل القصدي عن أنشطة الكائنات غير العاقلة لا يتمثل في أنها تنطوي على نوع خاص من العمليات العقلية، لكنهم يعرفون الأشياء والأفراد المسؤولون عنها بطريقة مميزة. فالحكم والفعل ينطويان على التزامات. إنها موافقات لممارسة السلطة. “المسؤولية”، “الالتزام”، “التأييد”، “السلطة” – هذه كلها مفاهيم معيارية. الأحكام والإجراءات تجعل المعرفة والأفراد عرضة لأنواع مميزة من التقييم المعياري. الفكرة الأساسية لكانط هي أن المخلوقات الذهنية يجب تمييزها عن تلك غير المهتمة بالعقل ليس من خلال التمييز الوجودي الواقعي (وجود الأشياء الذهنية)، ولكن من خلال التمييز الأخلاقي المعياري. هذا هو توصيفه المعياري للعقلية.

تتمثل حريتنا بالنسبة لكانط في سلطتنا في جعل أنفسنا مسؤولين عن الأحكام والأفعال (الأفكار والأفعال)، حيث أن هذا توصيف معياري للحرية. لقد فهم التقليد الفلسفي، ولا سيما جانبه التجريبي، القضايا المجتمعة حول مفهوم “حرية الإنسان” في المصطلحات الوسيطة الأخلاقية. أكدت الحتمية على ضرورة الأداء المتعمد ، بالنظر إلى الظروف السابقة المحددة بشكل غير مقصود. كما تم التفكير في حرية الفعل المقصود من حيث إمكانية قيام الفاعل بخلاف ذلك. كان السؤال هو كيفية تفسير إخضاع السلوك البشري لقوانين من النوع الذي يحكم العالم الطبيعي. بالنسبة إلى كانط، على الرغم من ذلك، تنطبق هذه الفئات على الجانب الموضوعي من العلاقة المقصودة: مجال المواضيع الممثلة. الحرية العملية هي أحد جوانب عفوية النشاط الخطابي على الجانب الذاتي: أي مجال تمثيل الموضوعات. فالطريقة التي تميز هذا البعد وتوضحه ليست أخلاقية بل واجبةalethic.

 إن نوع المسؤولية التي تجعلنا نتمتع بسلطة تحّملها كمعلمين وأفراد هي مسؤولية عقلانية مميزة، وبهذا المعنى فإن الحكم والفعل قدرات عقلانية. فالعقلانية بهذا المعنى لا تتكون من العلماء والأفراد بشكل عام، أو حتى في كثير من الأحيان، لديهم أسباب وجيهة لما يؤمنون به ويفعلونه. فهي تتألف بالأحرى من الوجود في فضاء العقل، بمعنى أن العارفين والأفراد يعتبرون كذلك بقدر ما يمارسون سلطتهم المعيارية في إلزام أنفسهم بالمعايير، والاضطلاع بالالتزامات والمسؤوليات الخطابية، وبالتالي يجعلون أنفسهم عرضة لأنواع مميزة من التقييم المعياري. على وجه الخصوص، هم مسؤولون عن تقييم مدى ملاءمة أسبابهم لممارسة سلطتهم كما يفعلون، لتحمل تلك الالتزامات والمسؤوليات المحددة. مهما كانت السوابق السببية الفعلية لأحكامهم وأفعالهم المتعمدة، فإن المعرفة والأفراد الكانطيون ملزمون (ملتزمون) بالحصول على أسباب لأحكامهم وأفعالهم.

كل هذا يعني أن كانط يؤيد بالفعل الالتزامين النظريين الرئيسيين اللذين يقفان في أساس صرح هابرماس الفلسفي المنهجي: التوصيف المعياري للنشاط الخطابي من حيث ادعاءات الصحة، والاستراتيجية المنهجية البراغماتية لفهم المحتوى الدلالي من حيث ما نحن نفعل عندما نستخدم اللغة (أي نطبق المفاهيم). يوضح تحديد التأثير المشترك لكانط أنه ليس من قبيل المصادفة السعيدة أن تكون هذه الادعاءات الهابرماسية الأساسية أيضا ً في قلب تفسير الممارسة الخطابية والمحتوى الدلالي الذي تم تطويره في كتابي”جعله صريحًا”. أعتقد أن هناك أسبابا ً وجيهة – وهي الأسباب التي أعتبرتها أنا وهابرماس  التي أتفق معها إلى حد كبير، على الرغم من أنه لم يستخلص هذا الاستنتاج – لتفضيل الطريقة الهيغلية على الطريقة الكانطية في صياغة هذه الأفكار.

 أولا ً، يعتبر هيغل أن الأوضاع المعيارية مثل السلطة والمسؤولية (ما يظهر في الفينومينولوجيا مثل “الاستقلال” و”التبعية”) هي أوضاع مؤسسة اجتماعيا ً.فالمواقف والممارسات التي تؤسسها هي مواقف وممارسات معرفية: أخذ أو معاملة بعضها البعض في الممارسة العملية على أنها موثوقة ومسؤولة. علاوة على ذلك، يتم تنسيق السلطة والمسؤولية لتتناسب مع الأوضاع.فالسلطة والمسؤولية يجتمعان. (لا يوجد استقلال لا يتضمن لحظة من التبعية بشكل أساسي، وليس مجرد صدفة.) بالنسبة للسياق الذي يتم فيه إنشاء مثل هذه الحالات بشكل غير معيب، فهو عبارة عن اعتراف متبادل أو مشترك[gegenseitig]. كل محاولة لممارسة السلطة هي في نفس الوقت التماسا ًضمنيا ً للاعتراف بها على أنها صالحة أو شرعية أو مضمونة، أو اعتبارها تضمن تخويل شخص ما. وهذا يعني أن محاولة ممارسة السلطة تجعل المرء دائما ً مسؤولا ً تجاه أولئك الذين يعتبرهم الشخص مفوضا ً لهم (مخولا ً، وربما ملزما ً) للتحقق من صحتها من خلال الاعتراف بها بدوره أيضا ً. في المقابل، فإن محاولة جعل المرء نفسه مسؤولاً، حتى في الحكم والفعل القصدي، هو السماح للآخرين بتحميل شخص ما المسؤولية. فكرة هيغل الأساسية أن الأفراد الواعين بذواتهم ومجتمعاتهم (“أي بالجوهر الاجتماعي”) يتم توليفهم على حد سواء من خلال الاعتراف المتبادل. هذه هي طريقة هيغل لفهم العلاقة بين أفعال الكلام ذات المعنى وادعاءات الصحة، بين السلطة الخطابية والمسؤولية الخطابية التي تقع في صميم تفسير هابرماس للفعل التواصلي والممارسة الخطابية. وبالعكس، فإن نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس هي وصفه للممارسات التي يتحدث عنها هيغل تحت عنوان “الاعتراف المتبادل”.

في الروح الهيغلية Hegelian Geist  يعتبر المجال المعياري هو المجال لجميع عوالمنا وممارساتنا ومؤسساتنا المؤسسة بشكل معياري، وهو كل ما يجعلها ممكنة وتجعلها ممكنة. (هذا هو المعنى الذي تكون فيه الطبيعة واضحة كجسم Geist.) حيث يتم تأسيسها اجتماعيا ً من خلال الاعتراف المتبادل. في حالات معينة، تكون العلاقات التمييزية غير المتكافئة مفهومة: يمكنني التعرف على شخص ما لديه مجموعة مميزة من السلطات والمسؤوليات المميزة للسفير دون أن أكون معترفا ً به بنفس الاحترام. لكن هذه من حيث المبدأ حالات ثانويةderivative، طفيلية على الوسيط المعياري العالمي للممارسات الخطابية. يقول هيغل “Sprache is the Dasein of Geist” (1807: § 652) في الفينومينولوجيا “اللغة هي دزاين الروح”.هذا هو الوسيط الذي يعطي الشكل المفاهيمي لمعاييرنا، مما يجعل الحكم والفعل ممكنين في المقام الأول. وهذا الشكل المفاهيمي هو شكل عقلاني، لأن علاقات السلطة والمسؤولية العقلانية هي التي تعبر عنه. فهي علاقات معيارية عقلانية نظرا ً لكيفية اعتمادها على العلاقات التسويغية والاستنتاجية بين المضامين المفاهيمية، فإن المواقف والأوضاع يمكن فهمها على أنها تمتلك وتعبِّر عن نفسها، فقط من حيث المكانة في تلك العلاقات الاستنتاجية مع بعضها البعض وفي مختلف المواقف والأداء غير اللغوي. هذا العالم الخطابي المعياري الذي نعيش فيه ونتحرك ونحصل على كياننا فيه هو نفسه مؤسس من خلال علاقات إدراكية متبادلة ومشتركة ومتماثلة. فالمقيمون في هذا المجال، المتحدثون والفاعلون الذين هم المرشحون الوحيدون لعرض أوضاع معيارية أكثر تخصصية، بشكل ٍ ثانوي، ومؤسسي، هم، مرة أخرى، عقلانيون بالمعنى المعياري لممارسة السلطة العقلانية وتحمل المسؤولية العقلانية – كونهم عرضة بشكل دائم لتمييز أنواع التقييم والتقدير – وليس بالمعنى الوصفي الذي يتناول مدى جودة قيامهم بما هم مسؤولون عن القيام به أو الدفاع عن أنواع السلطة التي يدعونها.

عندما يتم وصفها بهذه المصطلحات، آمل أن يكون واضحا ً أن هابرماس هو أهم مُنظِّر معاصر للروح الهيغلية Hegelian Geist، وهو الشخص الذي علمنا أكثر عن بنيته الرفيعة، والمنظر الذي وجد أفضل مصطلحات لتوضيح الالتزامات المتضمنة في كوننا مخلوقات خطابية، ومعيارية. إذن، ما الذي لا يعجبك في نسخة هيغل من هذه الأفكار؟ هناك الكثير من الإجابات المحتملة على هذا السؤال، ولا يمكنني تناول سوى مصدر مقلق واحد محتمل هنا.

تنشأ قضية واحدة مما أعتبره قراءة خاطئة لهيغل واضحة في بعض التفسيرات الألمانية الحديثة التي تفهم الروح الهيغلية على أنها نوع من العقل الإلهيdivine mind، وهو موضوع اجتماعي واعٍ بذاته في شيء مثل المعنى الديكارتي. إنه تطور للصورة الهيغلية اليمينية للمطلق كنوع من الفرد المفكر الفائق (تأويل طرحه بالفعل جابلرGabler طالب هيغل). كانت هذه القراءة مؤثرة للغاية بالنسبة للمثاليين البريطانيين المعجبين بهيغل، ولا تزال جزءا ً من المفهوم الشائع لفكر هيغل بين غير الفلاسفة. يبدو أن بعض طلاب هنريشHenrich  (كرامرKramer، ودوسينغDüsing) قد توصلوا إلى استنتاج من قراءته الرائعة لفيخته أن هيغل يجب أن يتخذها كموضوع مركزي، للبنية التأملية الذاتية للوعي الفردي. لكن إحدى رؤى هيغل الحاسمة يتم التعبير عنها في مفهومه المعياري غير العقلي، بل وغير النفسي في الواقع، للوعي الذاتي باعتباره إنجازًا اجتماعيًا يحدث إلى حد كبير خارج جمجمة الكائن الحي المعين الذي يصبح فردا ً واعيا ًبذاته من خلال الدخول في علاقات تمييزية مع الآخرين. الذين تعتبر مواقفهم العملية أساسية بنفس القدر لمؤسسات ذلك الوضع. (في العشرينات من القرن الماضي، أكد هارتمانHartmann الكانطي الجديد (1974: 364) أن “الحدس التأسيسي للمثالية الألمانية هو:” المطلق هو العقل. وهو ليس الوعي([7])”) هذا هيغل بنفس هابرماسي؛ هيغل الذي هو “فيلسوف الوعي” بمعنى “الذاتية المطلقة” لفيخته، و شيلينغSchelling  ليس كذلك.

غير أن الشكوى الرئيسية هنا هي أن هيغل يقدم لنا صورة غائيةteleological، والتي بموجبها يتم تحديد نهاية تطورنا المفاهيمي مسبقا ً، بغض النظر عن قراراتنا ونشاطنا.حيث يُنظر إلى التاريخ على أنه عملية تتكشف وفقًا لضرورة صلبة، وتنتقل إلى نهايتها المحددة مسبقا ً لإكمالها. يذهب هيغل، بالطبع، لبعض الأشياء التي تستدعي مثل هذه القراءة – على الرغم من أنه لا يزال مدينا ً لما صنعه بعض الماركسيين أكثر من نصوص هيغل الخاصة. أعتقد أن وجهة النظر هذه تعتمد على خطأين. أولاً، يجب على المرء أن يميز وجهات نظر هيغل حول المفاهيم التأملية والفلسفية والمنطقية، من ناحية، من وجهة نظره حول المفاهيم التجريبية والعملية العادية على المستوى الأساسي، من ناحية أخرى. كما أفهمهم، فإن الهدف من الأول هو توفير الأدوات التعبيرية اللازمة لتوضيح ما هو ضمني في عملية تطوير الأخير. يعتقد هيغل أنه يمكن أن تكون هناك مجموعة نهائية مناسبة تماما ًمن المفاهيم المنطقية والدلالات العلُيا metasemantic والميتافيزيقية – والتي تعُتبر جُزء من نوع مميز من الوعي الذاتي الفلسفي الذي يسمح لنا أن نقول ونفكر فيما نفعله عندما نقول أو نفكر في أي شيء عن أنفسنا وعالمنا. لكنه لا يعتقد أن طرح هذه المفاهيم التي تحدد الأنشطة والهياكل في وضح النهار – تحقيق حالة “المعرفة المطلقة” التي تحمل عنوانا ًمثيرا ًللقلق والتي تهدف كل من الفينومينولوجيا وعلم المنطق إلى إنتاجها – والتي تُحدد مفاهيم المستوى الأرضي التي يجب أن تكون لدينا، أو الالتزامات المفاهيمية، النظرية والعملية، التي يجب أن نتبناها. يجب أن يستمر الاستفسار والمداولات كما كان من قبل، مع الاختلاف الوحيد أننا نعرف الآن ما الذي نقوم به عندما نستفسر ونتداول. بشكل صريح، هذا هو المفهوم، فهم الطريقة التي نطور بها مفاهيمنا ونحدد أنفسنا بشكل متبادل من خلال أنشطة وممارسات استخدام المفاهيم هو نوع فريد وقيِّم من الوعي الذاتي، فهو يأتي تتويجا ً لعملية تطورية مميزة. لكنه لا يعفينا على الإطلاق من مسؤولية التعامل مع حالات الطوارئ، المستجدة، وغير المتوقعة حيث نكتشف المزيد عن عالمنا ونتداول حول ما يجب علينا فعله ومن يجب أن نكون.

في الواقع، و كما قرأته، أنكر هيغل وضوح فكرة مجموعة من المفاهيم المحددة (أي، مفاهيم المستوى التحتي التي نطبقها في الحكم التجريبي والعملي) التي تكون مناسبة في النهاية؛ بمعنى أنه من خلال تطبيق هذه المفاهيم بشكل صحيح لن يتم دفع المرء إلى الالتزامات التي لا تتوافق مع مضامين تلك المفاهيم. هذا الادعاء حول عدم الاستقرار من حيث المبدأ للمفاهيم المحددة، والطريقة التي يجب أن تدمج بها بشكل جماعي القوى التي تتطلب تغييرها وتطويرها، هو الشكل الجديد جذريا ً الذي يعطيه هيغل لفكرة عدم الاستنفاد المفاهيمي للحس المباشر. لا يقتصر الأمر على عدم وجود “نهاية للتاريخ” محددة مسبقا ً فيما يتعلق بتطبيق المفهوم العادي في مداولاتنا المعرفية والعملية، ذلك أن الفكرة القائلة بأن مثل هذا الشيء منطقي هي بالنسبة لهيغل من بقايا التفكير وفقًا للفئات التصنيفية من الفهم Verstand بدلاً من العقل ([8]) Vernunft. حيث أن كل ما يعتقده هو أن نظام المفاهيم المنطقية التي كشفها وشرحها، فإنه قام بها للسماح لنا بمواصلة القيام به في العلن، في ضوء كامل من الصراحة الواعية التي تتيح لنا قول ما نفعله، وما كنا عليه. دون أن تكون قادرًا على قول ما هو ضمني في تلك الأعمال.

الخطأ الآخر الذي أراه في إسناد هذا النوع من النظرة الغائية إلى هيغل يتعلق بسوء فهم لمفهوم “الضرورة”necessity” الذي يبدو لي أنه يعتمد عليه. من أجل هذا الرأي، تُفهم الضرورة الهيغلية على أنها محُتملة، والطريقة التي ينطوي عليها الأمر على أنها منطقية. وأعتقد أن مفهومه هو في الأساس يتطلع للوراءretrospective، والطريقة التي ينطوي عليها الأمر تُحيل للواجب أو الجانب المعياري. هنا أيضا ً، أعتقد أن وجهة النظر التي أعتبر أن هيغل يطورها هي وجهة نظر يجب أن تكون متوافقة تماما ً مع هابرماس. في النقطة الأولى، “بومة مينيرفا تطير عند حلول الغسق فقط.” بالنسبة لنا “أن ننظر بعقلانية إلى العالم”، يُعتبر شرط “للنظر العقلاني للعالم في المقابل”، الذي يُعتبر أحد الالتزامات التي يتبين أنها ضمنية في أنشطتنا المنطقية عموما ً، وهو التزام يشكل “مسيرة العقل عبر التاريخ”، و”هو الالتزام بـ” إعطاء الاحتمالات والمستجدات شكل الضرورة “. فالطريقة التي نفعل بها ذلك هي أن ننظر إلى الوراء في العملية التي تطورت من خلالها مفاهيمنا (سواء كانت فلسفية تجريبية أو فلسفية منطقية)، ونختار بأثر رجعي مسارا ً تقدميا ًصريحا ً يبلغ ذروته في موقفنا الحالي. حيث يُظهر هذا النوع من إعادة البناء العقلاني للتقاليد كل التطورات التي يركز عليها كإعلان صريح للالتزامات التي يمكن بعد ذلك النظر إليها بأثر رجعي على أنها كانت ضمنية طوال الوقت في الممارسة السابقة. هذا هو التمييز في كل نقطة لقاعدة من شأنها أن تبرر تطبيقات المفاهيم التي تم إجراؤها بالفعل على طول المسار الذي تم اقتطاعه مما حدث بالفعل.

لقد جادلت على أن النموذج الجيد للعملية التي يهتم هيغل بتنظيرها هي العملية التي يتم من خلالها تطوير وتحديد مضامين مفاهيم القانون العام في الفقه الأنجلو أمريكي. على النقيض من القانون التشريعي، فإن المصدر الوحيد لمضامين هذه المفاهيم القانونية هو قرارات القضاة، الذين يطبقونها في القضايا الخاصة التي تنشأ بشكل طارئ. فالقانون العام هو قانون صنعه القاضي. حيث شكل الأساس المنطقي لقرار معين هو استخراج مبدأ من حادثة سابقة وممارسة سابقة.فالقاضي الحالي يضع قاعدة صريحة يدعي أنها ضمنية في القرارات السابقة التي يختارها باعتبارها موثوقة. كما أن التفسيرات الجينالوجية لتلك القرارات متاحة دائما ً من حيث المبدأ. أي أنه يمكن للمرء أن يجد تفسيرات سببية لا تستشهد بالمعايير أو القواعد أو المبادئ، وتُراعي بدلاً من ذلك “ما أكله القاضي على الإفطار” في الاختصار الفقهي لعوامل مثل الاهتمامات السياسية الجانبية، أو مستجدات الخلفية الطبقية أو التدريب في مدرسة بدلاً من أخرى، وما إلى ذلك. ولكن إذا وجد القاضي اللاحق مبدأ ضمنيا ً في قرارات سابقة تم إبرازها في ضوء النهار لمزيد من التنقيح عن طريق القرار، حيث يمكن مع ذلك اعتبار هذا القرار محكوما ًبتلك القاعدة الرسمية. “فالضروري” [notwendig] بالنسبة لهيغل، كما هو الحال بالنسبة لكانط، يعني “وفقًا لقاعدة أو مبدأ.” إن وضع قرار سابق كحلقة في تقليد السوابق المعاد بناؤه عقلانيا ً والذي يكون تقدميا ً بشكل صريح في الحصول على شكل الوضوح التدريجي لمبدأ يمكن رؤيته يظهر على مدار تطور هذا التقليد، عن طريق تحول الوضع في الماضي، وإعطاء الطوارئ أو المستجدات شكل الضرورة.

لا يوجد اعتقاد بأن أي تطور معين ضروري بالمعنى الأخلاقي لكونه حتميا ً أو لا مفر منه، أو حتى يمكن التنبؤ به.إنه بالأحرى بمجرد حدوثه، يمكننا عرضه بأثر رجعي على أنه مناسب، كتطور كان يجب أن يحدث، لأنه التطبيق الصحيح لتحديد القاعدة المفاهيمية التي يمكننا رؤيتها الآن، من وجهة نظرنا الحالية، حيث كنا طوال الوقت جزءا ًمما التزمنا به ضمنيا ً بقرارات سابقة. هذا النوع المعياري من الضرورة لا يتوافق فقط مع الحرية، بل هو مكون لها. هذا هو ما يميز المفهوم المعياري لـ “الحرية” الذي يقدمه كانط عن المفهوم الأخلاقي المراوغ الذي كان هيوم قلقا ً بشأنه.فالالتزام بنوع من إعادة البناء العقلاني بأثر رجعي، يجد القواعد التي تحكم التطبيقات المشروطة للمفاهيم (عملية العقل) والتي تبين أنه ضمني، في الانخراط في الممارسات الخطابية بشكل ٍ عام لأنه فقط في سياق تمييز مثل هذه التقاليد التقدمية الصريحة حيث تكون المفاهيم مفهومة كوجود مضامين محددة لها. ولإدراك ذلك، وعن طريق الاعتراف صراحةً بالالتزام، الذي يُعتبر عاملا ً مُهما ً في مسيرة العقل عبر التاريخ، وذلك لتحقيق النوع المميز من الوعي الذاتي الذي يسميه هيغل “المعرفة المطلقة”.

بالطبع، لا يمكن لأي قصة بأثر رجعي يرويها المرء أن تنجح في تبرير جميع التطبيقات المحتملة الفعلية للمفاهيم المحددة التي نرثها. (هذا هو الشكل النهائي للاعتراف المتبادل، يجب أن نعترف به، ونثق في أن القضاة / المطالبين بالمفهوم اللاحقين يمكن أن يغفروا لناforgive us، من خلال إيجاد الخط الذي رسمناه بين ما يمكن وما لا يمكن تبريره على أنه التعبير الصحيح، الذي لا يعتبر هذه القصة نهائية، لأن المعايير التي تميزها يجب أن تؤدي حتما ً، عند تطبيقها بشكل صحيح، إلى التزامات غير متوافقة، والتي لا يمكن التوفيق بينها إلا من خلال إسناد مضامين مختلفة إلى المفاهيم. فالقيام بذلك يعني سرد ​​قصة استعادية مختلفة، ورسم خطا ً مُختلفا ً بين التطبيقات السابقة للمفهوم التي كانت صحيحة سابقا ً، وتلك التي كانت غير صحيحة وغير تقدمية بشكل واضح. لذا فإن مضمون المفاهيم على المستوى التحتي يتطور ويتحدد ليس فقط وفقا ً لكل ذكر بأثر رجعي [Erinnerung] له([9])، ولكن أيضا ً بين القصص المتتالية.

هذا النوع من السرديات التذكيرية التقدمية الصريحة، هي التي تشكل الخلفية اللازمة لتشخيص التشوهات المنهجية في الممارسات الخطابية. حيث لم يتم العثور على مثل هذه التشوهات بالمقارنة مع بعض المثالية المجردة والطوباوية، ولكن تم اكتشافه بمبدأ أنه جوهري في التقليد. ما كنت أوجزه هو طريقة هيغل في توصيف العملية التي نميز من خلالها القواعد التأسيسية للعقل عن المعايير العرضية أو الطارئة، أو الاستراتيجية فحسب، ومن ثم نميز الشعارات عن الأساطير، والعقل الحقيقي عن الالتزامات الأيديولوجية التي تتنكر تحت ستار العقل.

ضع في اعتبارك الدروس التي قد نستخلصها من النظر بأثر رجعي إلى تاريخ تمديد حق التصويت في العصر الحديث. يمكن تمييز مسار تقدمي، يتم فيه التخلص تدريجيا ً من العديد من المؤهلات المفترضة الأساسية: الولادة النبيلة، وتملك الممتلكات، وكونك رب الأسرة، وليس فردا ًمن أقلية محتقرة…قد نفسر هذا التقليد على أنه الظهور التدريجي للوضوح، ولمبدأ أن أولئك الذين يخضعون (مسؤولون) للقوانين يجب أن يمارسوا بعض السلطة في تحديد مضامينهم. ولكن إذا كان هذا هو المعيار المتضمن في هذا التطور، فيبدو أن ممارساتنا الحالية لا تزال مجرد تعبيرات مشوهة عنها. هل نحن على يقين من أن استبعاد المراهقين أو المقيمين الأجانب، أو المجرمين السابقين ليست قيودا ً تنتمي إلى الصندوق الذي يستبعد النساء أو السود أو أولئك الذين لا يمتلكون عقارات؟ إن إعادة بناء التقليد حول مسار تقدمي صريح ومحاولة صياغة مبدأ يوضح المعيار المتضمن فيه يمنحنا سيطرة نقدية على ما نحن عليه الآن. فهو يفتح إمكانية رؤية أنفسنا على أننا ما زلنا نرتكب نسخا ً من الأخطاء القديمة. تؤكد هذه البنية الهيغلية لـ “مسيرة العقل عبر التاريخ” نصيحة رورتي الحكيمة (إذا كانت مثيرة) بأنه من الأفضل لنا أن نكون مدفوعين سياسيًا بالخوف بدلاً من الأمل – الخوف من ارتكاب نُسخا ًجديدة من الأخطاء القديمة، بدلاً من الآمال الطوباوية غير المتجذرة في قراءة التقليد.

كل هذا يعني أن إعادة سرد أجزاء من تاريخنا “متقلب” Whiggishly” – كقصة تقدمية حول الكشف التدريجي، من خلال التجربة الملموسة، لمضامين المعايير التي يمكن أن نرى بعد ذلك أننا ملتزمون ضمنيا ً بها طوال الوقت – عن طريق اتباع الوسائل التي لها نتائج محافظة. على العكس من ذلك، فهو محرك النقد، وبالتالي الانعتاق من تشويه تصوراتنا لمضامين الالتزامات التي نعترف بها على أننا تعهدنا بها. لاحظ أيضًا أنه في هذا المثال جزء تقدمي مهم مما نراه في مفاهيم مثل “المواطنة” و “حق التصويت”، والتي هي عبارة عن حزم من أنواع المسؤولية والسلطة التي يتم تأسيسها اجتماعيا ً، وهذا، مثل “الملكية” ليس لديك وحدة طبيعية أو نزاهة يجب علينا احترامها. وهذا يفتح لنا إعادة تجميع تلك الأنواع من السلطة والمسؤولية وفقا ً لأفضل الدروس التي يمكننا استخلاصها من التاريخ والتقاليد التي يمكننا تمييزها. هذا مثال على الدرس الهيغلي الأساسي حول الطابع الاجتماعي النهائي للأوضاع المعيارية، والتي تُفهم على أنها مؤسسة من خلال ممارسات معرفية ومفصلة من خلال العلاقات التمييزية. حيث تمثل هذه البصيرة تقدما ًجوهريا ً على فهم كانط للمعيارية التي رآها بحق على أنها مكونة لعقلنا. وهي نظرة ثاقبة أساسية لفكر هابرماس كما هي لبصيرة هيغل.

في هذه الورقة، بدأت في الإشارة إلى بعض الموضوعات التي، كما يبدو لي، ربطت في قضية مشتركة، اثنين من أعظم أبطالي الفكريين وإلهاماتي الفلسفية: هابرماس وهيغل. قرأت أن هيغل استحوذ على نظرية كانط المعيارية للنشاط المفاهيمي واعطاها منعطفا ً اجتماعيا ً ولغويا ً في النهاية.فالطريقة الخاصة التي يفهم بها المواقف المعيارية المنطقية باعتبارها أوضاعا ًاجتماعية، أي من حيث ممارسات الاعتراف المتبادل، تقدم توجها ً للعلاقة المفاهيمية العميقة بين المطالبة بالسلطة المنطقية المكونة لأفعال الكلام، والمسؤولية التبريرية المقابلة لها. عندما يتم الجمع بين هذا الرأي والنظام البراغماتي للتفسير الدلالي – وهو النظام الذي يناشد ميزات الممارسة المنطقية لشرح المضمون المفاهيمي والمعرفي والخطابي – تكون النتيجة تأييدًا دقيقًا للرابط الأساسي بين ادعاءات المعنى والصلاحية التي تقف عند مركز صرح هابرماس المنهجي. عندما قرأت هيغل، قدم نموذجا ً قويا ً للطريقة التي تتطور بها مضامين مفاهيم المستوى الأرضي ويتم تحديدها تدريجيا ً من خلال دمج الحالات المستجدة التي يتم تبريرها بأثر رجعي. فبالنظر إلى المستقبل، يتم عمل المضامين المفاهيمية؛ عند النظر إليها بأثر رجعي ، كما تم العثور عليها. فكلا المنظورين الزمنيين ضروريان لفهم كل من المعنى الذي تحدده المعايير المفاهيمية، والأحاسيس الذي تكون فيه عقلانية.فالطريقة التي يدمج بها هذا التفسير المعقد الاعتراف بالمعنى الذي تكون فيه الممارسات المنطقية في أساس الممارسات العقلانية من حيث المبدأ، والمعنى الذي يتم فيه تشويهها بشكل لا مفر منه في التعبير أيضا ًعن المصالح غير العقلانية والمستجدات (فالرواسب في كل تمييز استعادي للتقليد يبدو لي أنه لا يمكن إعادة بنائه عقلانيا ً باعتباره تقدميا ً صريحا ً) ذا قيمة في حد ذاته وبصورة كلية في روح نهج هابرماس للفعل التواصلي. حيث أن الكثير من أعمالي تجري على خلفية محادثة بين هذين الشخصين الشاهقين، ويسعدني جدا ً أن أتيحت لي هذه الفرصة للبدء في إجراء بعض منها بشكل علني.

المصدر


المراجع:

Brandom, R.B. 1998, Making It Explicit: Reasoning, Representing and Discursive Commitment,

Cambridge, MA: Harvard University Press.

Brandom, R.B. 2000, Articulating Reasons: An Introduction to Inferentialism, Cambridge,

MA: Harvard University Press.

Brandom, R.B. 2005, “Sketch of a Program for a Critical Reading of Hegel: Comparing

empirical and logical concepts”, Internationales Jahrbuch des deutschen Idealismus.

International Yearbook of German Idealism 3, 131-161.

Brandom, R.B. 2009, Reason in Philosophy: Animating Ideas, Cambridge, MA: Harvard

University Press.

Dennett, D.C. 1983, “Beyond Belief”, in Woodfield A. (ed.), Thought and Object, Oxford:

Oxford University Press, 1-95.

Dummett, M. 1973, Frege: Philosophy of Language, New York: Harper and Row.

Habermas, J. 1968, Erkenntnis und Interesse, Berlin: Suhrkamp Verlag (translated by J.

Shapiro, Knowledge and Human Interests, Boston: Beacon Press, 1971).

Hartmann, N. 1974, Die Philosophie des deutschen Idealismus, Berlin: Walter de Gruyter.

Hegel, G.W.F. 1807, Phenomenology of Spirit, translated by A.V. Miller, Oxford: Oxford

University Press, 1977.

Hegel, G.W.F. 1831, Hegel’s Science of Logic, translated by A.V. Miller, New York:

Humanities Press International, 1969.

Kant, I. 1793-1794, Die Religion innerhalb der Grenzen der bloßen Vernunft, Königsberg:

Friedrich Ricolovius.

Pippin, R. 1997, Idealism as Modernism: Hegelian Variations, Cambridge: Cambridge

University Press.

Rorty, R. 1979, Philosophy and the Mirror of Nature, Princeton: Princeton University Press.


 [1])  لهذا الموضوع، أنظر: Pippin 1997م.

[2]) أعتقد أن هناك سببا ً للاعتقاد بأنه بحلول نهاية حياته، توصل فوكو إلى الاعتراف بأنه، على الرغم من كل عيوبه، فإن الشكل الحديث للسلطة الذي يتنكر في شكل العقل لا يزال يمثل تقدما ً بارزا ً في أشكال ما قبل الحداثة.

[3]) في الأصل، في Dummett 1973.

[4]) الموضوع تناوله براندوم 2009.

[5]) هذه الطريقة في رسم التمييز اقترحها لي جيل بوش Gilles Bouche.

[6]( كما أزعم بوضوح في الفصل الثامن من براندوم 1998 والفصل الخامس من براندوم 2000.

[7]) ملاحظاتي في هذه الفقرة مستوحاة من مناقشة رائعة (ومعقدة جدا ً) غير منشورة لفرانز كنابيك Franz Knappik، وأنا مدين لها.

[8]) لقد تابعت هذا الخط الفكري بتفصيل أكبر في Brandom 2005.

[9]) راجع هيغل 1807: §808.