ثيودور فيزنغراد أدورنو – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: سعود بن ضعيان، مراجعة: سيرين الحاج حسين

ثيودور فيزنغراد أدورنو – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: سعود بن ضعيان، مراجعة: سيرين الحاج حسين


حول سيرة ثيودور فيزنغراد أدورنو وفلسفته في جدلية التنوير، ونظريته في نقد المجتمع؛ نص مترجم ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


كان أدورنو أحد أهم فلاسفة ونقاد علم الاجتماع في فترة ما بعد الحرب العالمیة الثانیة في ألمانیا. صحيح أنه لا یمكن مقارنة شهرته بفلاسفة الإنجليز ممن عاصروه مثل هانز جورج غادامیر، إلا أن أثره كان أكبر على الباحثین والمثقفین في ألمانیا تلك الفترة. ففي ستینیات القرن العشرین، كان قد اعتبر المنازع الأبرز لفلسفتي العلم والوجود للسیر كارل بوبر ومارتن هایدغر. كما تتلمذ یورغن هابرماس على یدیه وعمل كمساعد له، ثم أصبح في مقدمة فلاسفة العلوم الإجتماعیة في ألمانیا بعد 1970.

یمتد أثر عالم الاجتماع على كتابات مدرسة فرانكفورت حیث كان ینتمي، وذلك لسمة التداخل بین الموضوعات التي كانت مدار أبحاثه. كما یرجع ذلك الأثر إلى سرعة استنتاجاته حول تراث الفلسفة الغربیة، خصوصاً كانط والفلاسفة من بعده، وجذریة نقده لموضوعات المجتمع الغربي الذي عاصره. فقد كان فیلسوف سوسيولوجي أصيل، وعضوًا رائدًا من أوائل رواد جیل النظریة النقدیة.

يرجع تأخر وصول كتاباته إلى البلدان المتحدثة للإنجلیزیة للترجمات الغیر معتمدة. إلى أن تقدمت حركة الترجمة في تسعینیات القرن العشرین، حین نشرت العدید من محاضراته والعدید من أعماله التي زاد تداولها وانتشارها بعد وفاته. لم تسهم تلك الأعمال في تسهیل ظهور تقییم أعماله حول نظریة المعرفة والاخلاق فحسب، بل زادت الإقبال على أعماله حول مواضیع الجمالیات ونظریة الثقافة.

 

  1. سيرته الذاتية

  2. جدلية التنوير

  3. النظرية النقدية للمجتمع

  4. نظرية الجمال

  5. الجدلية السلبية

  6. المیتافیزیقا والأخلاق بعد أوشفيتز

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة

 

 

 

1– سیرته الذاتیة

ولد ثیودور لودفیغ فیزنغراند أدورنو في الحادي عشر من سبتمبر لسنة 1903 في مدینة فرانكفورت حیث عاش أول ثلاثة عقود من حیاته، وآخر عقدین فیها (Müller-Doohm 2005, Claussen 2008). كان الأبن الوحید لأب تاجر يعمل في بیع النبیذ الألماني، منحدر من عائلة یهودیة، وموسيقي ناجح من الكورسيكية الكاثولیكیة. درس الفلسفة مع هانز كورنیلیوس (من مجددي كانط)  والتألیف الموسیقي مع ألبن بیرغ. ثم قدم رسالة الماجستیر في موضوع فلسفة الجمال لدى كیركجارد سنة 1931 تحت إشراف الاشتراكي المسیحي بول تیلیتش. بعد سنتین من عمله كمحاضر تم فصله من قبل النازیین مع جملة من الأساتذة ذوي الأصول الیهودیة أو الاتّجاهات الیساریة. بعد سنوات قلیلة رجع بعد أن تبنى اسم “أدورنو” وهو اسم الأخیر لعائلة أمه لیعرف بعد ذلك به.

غادر أدورنو ألمانیا في ربیع 1934 خلال الحقبة النازیة نازحاً إلى أوكسفورد، نیویورك، وكالیفورنیا الجنوبیة، حیث قام بتألیف العدید من كتبه والتي أسفرت بعد ذلك عن شهرته، منها “جدلیة التنویر” مشتركاً في كتابته مع ماكس هوركهایمر، “فلسفة الموسیقى الجدیدة”، و”الشخصیة الشمولیة” كمشروع مشترك، والأخلاقيات الدنيا(Manima Moralia).

من تلك السنوات بدأ أدورنو بتأطیر نزعته النقدیة للثقافة الجمعیة والصناعة الثقافیة. عائداً إلى فرانكفورت سنة 1949، لیتولى بعدها موقعه في قسم الفلسفة، قام أدورنو بتأسیس نفسه رائداً ثقافیا ألمانیاً،  وشخصیة أساسیة في معهد الدراسات الإجتماعیة، والذي تأسس كمركز مستقل للأبحاث الماركسیة، وقام ماكس هوركهایمر برئاسته منذ 1930. كان المركز سبباً في ما یسمى بعد ذلك بمدرسة فرانكفورت في 1958.

ومنذ بدایة الخمسینات كتب أدورنو “في البحث عن فاغنر” وهي رسالة نقد أیدیولوجي حول الموسیقي المفضل للحزب النازي، ثم “المنشورات” وهي مجموعة من الدراسات الثقافیة والاجتماعیة، وعمله “ضد نظریة المعرفة” المناوئ للمؤسسية والناقد لفينومينولوجية هوسرل، كما كتب “رسائل حول الأدب” وهي مجموعة مقالات في النقد الأدبي.

تمیز العقد الأخیر من حیاة أدورنو بالصراع والعزاءات. كشخصیة بارزة في “النزاع الوضعي” في علم الاجتماع الألماني؛ لعب دورا هاما في العدید من المناظرات حول إعادة تأسیس الجامعات الألمانیة، فكان شعلة متقدة لكلّ من تلامیذه ونقاده من اليمينيين حينها. لم تمنع تلك المناظرات المثیرة للجدل أدورنو من نشر الكثیر من المجلدات: منها النقد الموسیقي، ومجلدین “رسائل حول الأدب”، كما نشر كتباً حول هیغل والفلسفة الوجودیة، ومجموعة مقالات علم الاجتماع والجمالیات. ثم جاء عمله الأعظم “الجدلیة السلبیة” حول نظریة المعرفة والمیتافیزیقیا في عام 1966، إلى جانب عمله النفيس أيضًا “نظریة الجمال”، والذي كتبه خلال الستينات ونشره في 1970. استمر كل ذلك إلى أن توفي إثر أزمة قلبیة في السادس من أغسطس عام 1969 قبیل شهر من اكتمال ربیعه السادس والستین.

 

2– جدلیة التنویر

اشترك أدورنو مع هوركهایمر في كتابة واحدة من أهم أعمالهما المصنفة ضمن اتجاه المثقفین الأوروبیین التقدمي في نقد الحداثة قبل ظهور “ما بعد الحداثة”، والتي أصبحت من “الاتّجاهات” الثقافیة. كتب الاثنان “جدلیة التنویر” بینما كانا منفیین أثناء الحرب نتيجةً لها. في البدایة ظهرت كمیموغراف تحت عنوان “شذرات فلسفیة” عام 1944، حیث أصبحت العنوان الفرعي للكتاب في 1947. یشرع الكتاب في البدء بتقییم وصفي كئیب للحالة الراهنة لما علیه الغرب الحدیث قائلاً: “یُفهم التنویر على أنه التقدم الفكري بأوسع تعریفاته، فلطالما كان شأنه تسیید الإنسان بنزع مخاوفه وتحریره. إلا أن تنویر هذا الكوكب أسفر عن انتصار اشتعاله على تنویره”. ثم یتساءل الكاتب أنّى ذلك. كیف أنتج لنا التقدم في مجالات كالطب والعلوم الحدیثة والصناعات التي نذرت تحریرنا من أغلال الجهل والأمراض، والوظائف المضنیة ذهنیاً، أن یساعد على ظهور عالم یكون فیه الإنسان في رضوخ مبني على قبول الفاشیة، الممارسة المتعمدة في العلن للمجازر وتطویر أسلحة الدمار الشامل بكل ما وجد من طاقة؟

العقلانیة، یجیب الاثنان، تحولت للاعقلانیة.

على الرغم من إدراج الاثنین لاسم فرانسیس بیكون كشخصیة للحديث عن العقل الأداتي وتحوّله إلى اللاعقلانیة، إلا أن أدورنو وهوركهایمر لا یعتقدان بأن الوضعیة العلمیة والعلوم الحدیثة هي الجاني الوحيد. تبدأ مرحلة تحول العقلانیة إلى ضدها في وقت يسبق ذلك بكثیر. فقد استشهد الاثنان بالفعل بالمخطوطات العبریة والفلاسفة الإغریق في نزوعهم للرجعية. إن صحّت حجة أدورنو وهوركهیامر، فإن نقد الحداثة يجب أن یكون نقداً لما قبل الحداثة، وبأن التحول لما بعد الحداثة ببساطة لا يمكنه أن يكون رجوعا لما قبل الحداثة. وإلا فإن المحاولت الفاشلة للحداثة ستستمر بهيئتها الجدیدة مع نفس الظروف المعاصرة. یحتاج المجتمع ككل إلى التحول.

یعتقد هوركهایمر وأدورنو أن المجتمع والثقافة یشكلان وحدة تاریخیة، بحیث أي سعي خلف الحریة في المجتمع هو بالضرورة سعي خلف التنویر في الثقافة (DE xvi). یوجد جانب آخر لذلك هو النفي. بحیث أي فقدان أو نقص في الحریة المجتمعیة، في الجوانب السیاسیة والاقتصادیة والبنى القانونیة المعاش داخلها؛ تعطي مؤشر لفشل كبیر في التنویر الثقافي، الجوانب الفلسفیة، في الفنون والدین وما نحوه. فالمخیمات النازیة لم تكن انحراف أو تصویر للقطات سینمائیة لغرض متعة بریئة. بل كانت مؤشراً لخللٍ جذري في الغرب الحدیث.

مصدر كوارث عصرنا كما یراها أدورنو وتلمیذه هو السیطرة وبأي ثمن على الثلاث أشیاء التالیة: السیطرة على الطبیعة من قبل البشر، سیطرة البشر على طبائعهم البشریة في أنفسهم، وفي كلّ من شكلی السیطرة تلك یوجد الشكل الثالث، وهو سیطرة البشر على بشر آخرین.

ما یحفز وجود هذا الحب للسیطرة هو الخوف اللاعقلاني من المجهول فیقول: “یعتقد الإنسان أنه حر من كل مخاوفه، حالما یعرف كل مجهول مما یجعل من تفكیك الخرافة والأساطیر أمر ضروري . . . . فالتنویر اجتثاث لتلك الأساطیر من جذورها”(DE 11)، فالمجتمع المهتم بالسعي خلف ركب التقدم لكنه غیر حر سیعرّف كل ما هو مختلف عنه، سواء بشر أو غیر بشري بأنه “الآخر”، ومن ثم یدفع به جانباً إما بالاستغلال أو التدمیر.

في المجتمعات الغربیة الحدیثة قد لا یختلف ذلك الدفع والإقصاء إلا بمستوى تعقید وسائل التدمیر لا أكثر، والاستغلال قد یكون بطریقة غیر مباشرة عند مقارنته بالعبودیة، لكن الثابت هو السیطرة العمیاء الموجهه بالخوف النفسي، والاختلاف في وسائل والعواقب العالمیة المتزایدة. خلف كل ذلك یقوم الاقتصاد الرأسمالي بقیادة عملیة الاستغلال المتزاید، مزوداً بكل الوسائل التكنولوجیة والابحاث العلمیة.

على العكس من بعض التفسیرات، فإن أدورنو وهوركهایمر لا ينكران التنویر في القرن الثامن عشر. ولم یقم أي منهما بنقد یدعي “علویته” على أفكار التنویر لتبيين الانحدار التاریخي العالمي. بل اعتمدوا على عدة أمور:

الجدل الفلسفي مع انعكاسات الاجتماعیة والتعلیق على الإنتاج الأدبي والثقافي، فنظروا للنظم التاریخیة في الغرب الحدیث من “منظور ثنائي”(Jarvis 1998, 23). ویلخص كلا منهما ذلك المنظور الثنائي باحتوائه على طرح متداخل: “الاسطورة هي في الأساس تنویر، والتنویر هو إعادة ممارسة للأسطورة” (DE xviii) . هذه الأطروحة، تفتح المجال لاقتراح كون التداخل بین الخرافة والممارسة التعبدیة من قبل البشر في الطقوس القدیمة، والأدیان والفلسفات، قد یكون من أفسح المجالات لعملیة التنویر وقد یملك الكثیر لیقدمه إلى یومنا هذا. أما الأطروحة الثانیة فتسمح بالتعرض لنزعات التدمیر والأدلجة داخل قوى العلمنة، لكن دون إنكار بأن تلك القوى هي قوى تنویر أو تقدم، أو بأن الأفكار القدیمة التي أخذت مكان ما بعدها قد احتوت على نزعات تدمیر وأدلجة.

 خطأ أساسي یقع فیه قراء كتاب “جدلیة التنویر” هو أخذ تلك الأطروحات على أنها تعریفات نظریة لاصطلاحات لا تتغير، عوضاً عن كونها أحكام نقدیة حول نزعات تاریخیة. في الواقع  لم یذكر الكتاب أن الأسطورة هي “في طبیعتها” قوة من قوى التنویر. ولم یدّع الكتاب أن التنویر “حتماً” سیؤدي لصناعة الخرافة. على العكس، ما یفنده الكتاب هو وجود الخرافة في الأساطیر والتنویر، مما یجعل من التغییر الجذري مهمة مستحیلة. نجد الاستحالة قدیما في الخرافات القدیمة، وفي الحاضر عند تعاملنا من الحقائق.

عند تألیفهما لجدلیة التنویر؛ تناول المؤلّفان التنویر بطریقة لیست مختلفة عن جدلیة التنویر لدى “فینومینولوجیا العقل” لهیجل. فقد وظف الكتاب فكرتین كان مصدرهما هیجل: الحتمیة السلبیة، والانعكاس النفسي الفكري. الحتمیة السلبیة تعني الانتقال الحتمي نحو تخلیص الحقیقة من العقیدة الأیدیولوجیة. بالتالي تطبیق جدلیة التنویر على عملیة التنویر هي “المضي بعیداً عن صور الأشیاء، باعتبارها لیس إلا صور لنص له سرد معین. ونتعلم منها البنیة فقط لقراءة ما یبین دلائل التخطئة، وذلك بدوره یسلب قوة السرد، فیقوم بتسلیمه حقائق” (DE 18). فيما يتعدى السلب الحتمي؛ تقوم جدلیة التنویر للتنویر باستدعاء أصول وأهداف الفكر نفسه، هذا التجمیع والتكتل هو ما يسمَى انعكاس النفس على الفكر.(der Begriff als Selbstbesinnung des Denkens​, DE 32) یكشف الانعكاس النفسي الفكري بأن الفكر یصدر عن نفس الحاجات والرغبات المادیة التي تنسى حین یصبح الفكر وسیلة لغایة حفظ النفس البشریة، كما یبيّن بأن هدف الفكر لیس إكمال عملیة حفظ النفس بالسیطرة العمیاء على الطبیعة والبشر، بل الإشارة نحو نقاط التصالح بینهما. یقوم أدورنو بشرح تفاصیل تلك الأفكار في محاضراته حول كانط  (KC)، الأخلاق (PMP)، والمیتافیزیقا (MCP)، وفي كتبه حول هوسرل (AE) هیجل (H) وهایدجر(JA) . وأكثر مقالاته ربطاً لأفكارهم كانت في عمل “الجدلیة السلبیة” وسيُتناول لاحقاً.

 

3– النظریة النقدیة للمجتمع

تفترض “جدلیة التنویر” نظریة اجتماعية نقدية مشتقة من كارل ماركس. فقد قرأ أدورنو كارل ماركس بصفته مادي هیغلي ینسب جمیع أسباب نقده للرأسمالیة بالضرورة للأفكار الأیدیولوجیة التي تتطلبها الرأسمالية لتتواجد وتستمر. وأكثر أفكار ماركس أهمیة في طرح أدورنو هو “تقديس السلع”، حیث وجه ماركس نقده لعلماء اجتماع الطبقة البرجوازیة، الذين وصفوا النظام الاقتصادي الرأسمالي ببساطة، الا أنهم أخطأوا في وصفه، مشكّلين رؤیة اجتماعیة خاطئة. إذ بالنسبة لماركس، الاقتصادیون البرجوازیون یتجاهلون بالضرورة الجوهر الاستغلالي لعملیة إنتاج رأس المال. فأولئك الاقتصادیون، مثل أي منتجین ومستهلكین تحت ظروف العملیة الرأسمالیة؛ یتعاملون مع السلع بهوس، أي بصفتها شيء منفصل بذاته، محاید، ذو علاقة مباشرة مع السلع الأخرى، مستقلاً عن أي تفاعل بشري خلف عملیة استمرار وجود تلك السلع. على العكس من ذلك، یناقش ماركس كیف أن أي سلعة لم تكن لتنتج لولا رجوعها لحاجات ورغبات الإنسان، بمعنى أن أي سلعة لن یكون لها “قیمة استخدامیة” لو لم تسعف رغبات الإنسان، ولا “قیمة تبادلیة” لو لم یكن لأحد

أن یستبدلها بسلعة أخرى. كما أن قیمتها التبادلیة لن یتم حسابها اذا لم تشترك مع السلع الاخرى في نفس “القیمة” والتي تكونت بعد عمل قوى عاملة بشریة، والذي یقاس بمتوسط وقت العمل الضروري اجتماعیاً لإنتاج سلع بأنواع مختلفة.

تحاول نظریة أدورنو في النقد الاجتماعي أن تجعل نظریة ماركس ذات اتساق تطبیقي مع “رأسمالیة الطور الأخیر”. فعلى الرغم من اتفاق أدورنو مع تحلیل ماركس للسلعة، إلا أنه یعتقد بأن “تقديس السلع” عند ماركس قد اقتصر على أشیاء دون أشیاء. ویبرر ذلك كون الرأسمالیة مرت بتغیرات كثیرة عقب كارل ماركس. مما یتطلب مراجعات لعدة عناوین. أولها: الجدلیة بین قوى الانتاج وعلاقات الانتاج. وجدلیة العلاقات بین الدولة والاقتصاد. وجدلیة علم اجتماع الطبقات والوعي الطبقي، والطبیعة والوظیفة الأیدیولوجیة، ودور مجالات الخبرة؛ كالفنون الحديثة والنظریة الاجتماعیة في نقد الرأسمالیة والنداء لتغییر المجتمع برمته.

جاءت اللمحات التي أثارت تلك المراجعات لماركس من عالم الاجتماع الهنغاري جورج لوكاكس في نظریة التشیؤ عشرینیات القرن العشرین، ومن المشروعات المتظافرة، والمناظرات بین أعضاء معهد علوم الاجتماع في ثلاثینیات واربعینیات نفس القرن. بناءً على نظریة الترشید لماكس فیبر، یناقش لوكاكس بأن النظام الرأسمالي لم یعد ذلك الجانب المنعزل عن بقیة المجتمع كما كان، بل أصبح توزع السلع عالما تدخل في جمیع قطاعات المجتمع نفس النظام. وقد سمح هذا للسعار السلعي بالانتشار لیصیب كل مؤسسات المجتمع (من صحافة وإدارة، وقانون إلخ..) كما تسلل لجمیع المباحث الأكادیمیة بما فیها الفلسفة. یعرف لوكاكس “التشیؤ” بأنه: “العملیة البنیویة التي بواسطتها تتخلل السلعة حیاة المجتمع الرأسمالي”. كان جل اهتمام لوكاكس في كیفية جعل التشیؤ من البشر “یبدون كمجرد أشیاء قائمة على طاعة قوانین السوق المجحفة” (Zuidervaart 1991, 76).

یتفق أدورنو مع لوكاكس مبدئیا، عدا أنه لا ینافس لوكاكس في ثقته بالطبقة العاملة في التغلب على ذلك التشیؤ. فقد قام لاحقاً بتسمیة ظاهرة تشیؤ الوعي بالـ”epiphenomenon” ویعني التشیؤ الثانوي. ما تحتاج النظریة النقدیة للمجتمع دراسته هو لماذا يستمر الفقر والجوع والأشكال الاخرى للمعاناة الإنسانیة، على الرغم من الإمكانیات التقنیة والعلمیة لمعالجتها أو لإزالتها. یجیب أدورنو على ذلك بأن السبب الجذري هو كون علاقات الإنتاج الرأسمالیة جاءت لتسیطر على المجتمع بالكامل لتؤدي إلى تركز الثروة والسلطة في أیدي القلة بشكل غیر مباشر (ND 189–92). أصبح المجتمع منظماً حول إنتاج القیم المقایضة. والذي بالطبع یتطلب وجود انتقال صامت لفائض القیمة. یسمي أدورنو هذه الرابطة من الإنتاج والقوة “مبدأ المقایضة” (Tauschprinzip). في مجتمع حيث هذه الرابطة ترجّح كفة “المجتمع التبادلي” (Tauschgesellschaft).

یتكون تشخیص أدورنو لمجتمع التبادل على ثلاثة مستویات:  مستوى سیاسي-اقتصادي، اجتماعي-نفسي ومستوى ثالث ثقافي. جاء المستوى الأول كاستجابة لنظریة رأسمالیة الدولة للاقتصادي المتدرب فریدریك بولوك خلال سنوات الحرب. كان فریدریك مطالبا بالمساهمة في كتاب “جدلیة التنویر” لكن لم یحصل ذلك (Wiggershaus, 1994: 19-313). قال بولوك أن في حالات فترة الحكم النازي لألمانیا والاتحاد السوفییتي والصفقة الجدیدة في الثلاثینیات الأمریكیة كانت الدولة هي المسیطر على القوى الاقتصادیة السیاسیة، فقام بتسمیة هذه الحالة بالـ”دولة الرأسمالیة”.  

بینما اتفق أدورنو مع بولوك بأن المجال الاقتصادي كان متداخلا في هذه الحالة مع السیاسي، إلا أنه لا یعتقد بأن ذلك یغیر واقع الاستغلال الرأسمالي للإنسان. بل یرى أن هذا الشكل یقوم على وضع الاستغلال في حالة من التجرید الذي یساعد على استمراره بفعالیة ومرونة أكثر في الهروب.

یهدف المستوى الاجتماعي النفسي إلى الإشارة إلى تلك الفعالیة والمرونة في الهروب لدى الرأسمالیة المتأخرة. وتخلص دراساته الأمریكیة في معاداة السامیة و”الشخصیة السلطویة” إلا أن تلك الظواهر هي امتداد مرضي لـ”منطق الرأسمالیة المتأخرة وما یتعلق بها من جدلیة التنویر”. فالمعادون للسامیة والفاشیة یمیلون إلى إسقاط مخاوفهم من السیطرة المعنویة على وسطاء الرأسمالیة، بینما وفي نفس الوقت یرفضون “جمیع ادعاءات الاختلافات النوعیة المتجاوزة للقیمة التبادلیة” كأي نخبوي (Jarvis 1998, 63).

تظهر دراسات أدورنو الاجتماعیة بأن تلك الطریقة في الربط المنطقي لها ما یشابهها في التلفاز والأفلام والصناعة التسجیلیة. كان أدورنو في الواقع أول من اكتشف التحرك البنیوي للرأسمالیة المتأخرة من خلال عمله مع عالم الاجتماع بول لازارسفیلد في مشروع الأبحاث التابع لرادیو برینستون. فقام بكتابة ذلك الاكتشاف في المقالة واسعة الانتشار “مقالة في الشخصیة المصابة بالهوس في  الموسیقى والتخلف السمعي” (1938). وفي “صناعة الثقافة”، وهو القسم من كتاب “جدلیة التنویر”. یناقش أدورنو فیها أن صناعة الثقافة تتأثر باختلاف السلعة الفنیة، بحیث تكون شخصیة تلك السلعة مفروضة عمداً على المجتمع ودعوى كونها فناً یزید استقلالیتها (DE 127). وتركزها على عامل التسویق، تقوم الصناعة الثقافیة بإبعاد الفن عن مبدأ الـ”غائیة الفنیة” والذي كان أساس الاستقلال الفني. وما أن یكون الطلب حصراً على التسویق، حتى تتغیر أماكن البنى الداخلیة للسلع الثقافیة، فعوضاً عن إنتاج ما هو معاكس لما یظن المجتمع فائدته، وبالتالي انتاج ماله قیمة استعمالیة أصیلة محفزة للاستمتاع، یستبدل ذلك بالقیمة الاستبدالیة بمعنى أن كل ماله قیمة له قیمة طالما یمكننا استبداله، لا بسبب قیمته الذاتیة الجوهریة. فعند المستهلك يكون التقییم المجتمعي  للفن[gesellschaftliche Schätzung] في الهوس، وذلك الهوس الذي یظن مستهلكیه بأن ممارستهم له تكون بسبب عمل فني حقیقي، حيث تنتقل القیمة من الفن إلى الهوس، لیصبح هو مصدر المتعة الفنیة (DE 128). فتكون صناعة الثقافة بذلك قد أحلت “شخصیة السلعة الحقیقیة” والتي كانت ملكاً للعمل الفني، محل ذلك الهوس، حین كانت القیمة التبادلیة في مكان القیمة الاستخدامیة (DE 129–30). وبذلك تكون النقطة الأساسیة هنا هي أن التضخم التجاري للثقافة الفنیة یدل على تغییر في البنى الداخلیة للسلع جميعها، و بالتالي یؤثر على بنى الرأسمالیة نفسها. من المقبول هنا القول بأن هذه النقطة قد أُهمِلت من قبل نقاد أدورنو من البلدان المتحدثة بالإنجلیزیة حول الصناعة الثقافیة، وذلك بسبب نقص الخلفیة في النظریة الماركسیة، بالإضافة إلى الرغبة في الدفاع عما یسمى بثقافة الـ”بوب” أو الفن الشامل.

 

4– نظریة الجمال

 تحتوي أكثر من نصف مجموعة أعمال أدورنو (Gesammelte Schriften) على دراسات الجانب الفلسفي والاجتماعي في الفنون والأعمال الأدبیة، حیث كتبت أغلب ادعاءاته وفرضیاته في النظریة الاجتماعیة . إلا أن “الكتابات الجمالیة” لم تكن ببساطة “تطبیقات” أو “حالات تجریبیة” تم تطویرها في كتب غیر متعلقة بالجمالیات. فیرفض أدورنو أي فصل بین المنهجیة العلمیة وكل أقسام الفلسفة وتقسیمها إلى أقسام تخصص فرعیة. وهذه أحد أسباب صعوبة قراءة كتبه من قبل أكادیمیين متخصصين، لیس فقط من موسیقیین ونقاد أدبیین، بل من متخصصي علم الجمال ونظریة المعرفة أيضًا. فقد ساهمت كتابات أدورنو في فلسفة علم الاجتماع بشكل موسع ومتداخل (Zuidervaart 2007).

نشر كتاب “نظریة الجمال” لأول مرة بعد وفاة أدورنو بسنة، وهو التتویج الغیر مكتمل للعدید من آراءه في الجمال. یلقي الكتاب بظلاله على كل ما قیل خلال مسیرته في الجمال، كما یأتي قریبا من نموذج  “الاستعراض النظیري”  والذي تبناه أدورنو متأثراً بوالتر بنیامین مبرراً ذلك لمناسبة فلسفته الأطلسیة. فمن خلال إعادة تشكیل حركة الفن الحدیث بطریقة جدلیة من منظور الجمالیات الفلسفیة، یعید الآن في نفس الوقت تشكیل تلك الجمالیات الفلسفیة لدى كانط وهیغل خصوصاً من منظور الفن الحدیث، یقوم كتاب “نظریة الجمال” بتتبع الدوائر المشتركة بلا كلل أو ملل.

یحاول أدورنو من الجانبین تبیین الأهمیة الاجتماعیة  التاریخیة للفن والفلسفة. ترتكز ادعاءات أدورنو حول الفن بشكل عام من إعادة تشكیله لحركة الفنون. لذا كي تلخص فلسفته في الفن نلزم وضع قوسین بین كلمة “حدیث”. یبدأ الكتاب كما ینتهي بعرض آراء حول شخصیة الفن في العصر (الحدیث)، لیبرز موضوعان بين تلك الآراء: الأول هو إعادة السؤال الهیجلي هل یمكن للفن أن یصمد أمام موجة الرأسمالیة المتأخرة. والثاني إعادة لسؤال الماركسي هل یمكن للفن أن یسهم في تغییر العالم. عند محاولة الإجابة على هذین السؤالین، یقوم أدورنو باستعارة لفكرة الفن من كانط (و یقصد ماهیة الفن الجمیل —schöne Kunst— إن استخدمنا مفردات كانط)، والتي یمیزها أولا الاستقلال البيّن عن غیره. الا أن أدورنو یجمع بین هذا والفكرة الهیغلیة للاستیراد الفكري (geistiger Gehalt) وتأكید ماركس على أثر التكوین الاجتماعي على الفنون ككل. لتكون النتیجة بعد ذلك هي تركیب مكون من الضرورة العفویة، مع الزیف الاستقلالي للأعمال الفنیة. فمع الضرورة والزیف الاستقلالي للعمل الفني یكون للفن (الحدیث) شخصیة اجتماعیة، نعني “النقیض الاجتماعي للمجتمع” (AT 8).

یعتبر أدورنو الأعمال الأصیلة للفن (الحدیث) جزءاً لا یتجزء من وحدات المجتمع. ما تحویه من توترات ضروریة الوجود تعبرعن صراعات هي أیضا ضروریة الوجود في العملیة التاریخیة الاجتماعیة الأشمل، والتي هي بذرة النشأة والانتماء. تدخل تلك التوترات إلى العمل الفني من صراع الفنان مع المواد المحملة تاریخیا واجتماعیاً، والتي تستدعي تفسیرات متضاربة بسبب سوء قراءة إما لتلك التوترات الداخلیة أو لاتصالها مع المجتمع ككل. فیرى أدورنو أن تلك التوترات والصراعات كـ”تناقضات” مطروحة للنقاش ومن ثم الحل. لحلها بالكامل، یتطلب ذلك تغییر اجتماعي كامل، وذلك یعتبر مستبعداً وفقاً لنظریته الاجتماعیة.

تتمیز كتابات أدورنو النقدیة وتعلیقاته على الجمالیات بالتعقید والعمق في التتبع والبحث عن العلاقات بین التوترات الداخلیة والصراعات الاجتماعیة التاریخیة، كما هو واضح في كتاب “نظریة الجمال”، حیث یكمل الكتاب مستویات الـ “انطباعات الثالثة” وهي انطباعات حول التصنیفات التي تم توظیفها للتعلیق والنقد، مع معاینة لصلاحیة التعبیر الفني والتبعات الاجتماعیة. وكعادته یسهب في الحدیث عن التصنیفات كونها أقطاب أو ثنائیات جدلیة.

واحدة من تلك الأقطاب المركزیة في النظریة الفنیة لأدورنو كوحدة أساسیة تقع بین قسمي الإیراد (Gehalt) والوظیفة (Funktion). تشرح كتاباته حول تلك الأقسام علم اجتماع الفن وكیف تختلف عن الطریقتین الامبریقیة والتأویلیة الهرمنوطیقیة. تحاول الطریقة التأویلیة عدم التعرض لوظیفة العمل الفني السیاسیة والاقتصادیة، وتؤكد على المعنى الجوهري للعمل أو القیمة الثقافیة. على عكس الطریقة الامبریقیة التي تهدف للتحقق من العلاقات الاعتیادیة بین العمل الفني والعوامل الاجتماعیة المتعددة، بدون طرح اسئلة تأویلیة حول المعنى الجوهري والغرض.

على النقیض من ذلك كله، یقوم أدورنو بعرض كیفیة لزوم الوظیفة والإیراد لفهم أحدهما كظواهر وأقسام. فمن جانب، قد تتعارض إیرادات العمل الفني ووظائفه في المجتمع بشكل تام. وعلى الجانب الآخر لا یستطیع أحدنا شرح وظائف اجتماعیة لعمل فني إذا لم یطرح الشارح أسئلة ذات علاقة إیرادیة حول الغرض منها. لذا یقوم إیراد العمل الفني بتجسید الوظائف الاجتماعیة للعمل، كما له قدر من الملاءمة للعدید من السیاقات الاجتماعیة. إلا أن أدورنو وبشكل عام في معرض نقده للوضعیة والمنطق العملي یعطي الأولویة للإیراد بصفته وسیط لفهم المجتمع ومعناه الجوهري. الوظائف المؤكد علیها في تعلیقاته ونقده هي وظائف فكریة أولاً، إذ لیست سیاسیة ولا اقتصادیة.

وهذا یتسق مع النسخة المبالغة من الادعاء بأن الفن (الحدیث) هو الأطروحة الاجتماعیة النقیضة للمجتمع لیقول: “إلى هذه اللحظة، لا یمكن القول بوجود وظیفة اجتماعیة تبنى على الأعمال الفنیة سوى لا وظیفیتها” (AT 227).

كما یتضح موقف أدورنو من الفن والسیاسة من تولیة أدورنو الإیراد موقع الأولویة، والتي عرفت ذلك الموقع من مناظراته مع لوكاكس، بینیامین، وبیرتلورت بریخت في عقد 1930 (Lunn 1982; Zuidervaart 1991,

43–28). یشكك أدورنو في كل من فاعلیة ومشروعیة الفن ذي الطابع التحریضي المضمر، والهادف إلى زیادة الوعي، وذلك بسبب التغییر الذي حصل لبنیة الرأسمالیة، وبسبب تأكید أدورنو المركب على استقلالیة الفن (الحدیث). إلا أنه لا یمانع رؤیة الفن المشتبك مع السیاسة كتصحیح جزئي لحالة الإفلاس الجمالي في الفن السائد، فأفضل الفنون والأكثر أثراً سیاسیاً في ظل الرأسمالیة المتأخرة، هو ما یعمل بسرعة على تحریك التناقضات الداخلیة حتى لا یعود من الممكن إهمالها. كانت مسرحیات سامویل بیكیت، والتي كرّس أدورنو كتاب نظریة الجمال لها، من الأعمال الفنیة الأكثر صدقاً في هذا الصدد.

ما یسمى “حقیقة المحتوى” (Wahrheitsgehalt) هو الجوهر الأهم نظريا، والذي تتمحور حوله كل انعطافات أدورنو الفكریة في نظریة الجمال. (Zuidervaart 1991; Wellmer 1991, 1–35 ; Jarvis 1998, 90–123). للدخول لذلك المركز، یجب علینا تعطیل النظریات القیاسیة حول طبیعة الحقیقة مؤقتاً (سواءً كان سبب تلك الحقیقة التشابه، أو الترابط المنطقي، أو التتابع البراجماتي)، والسماح للحقیقة الجمالیة الخوض في تجربة كشفیة، وجدلیة وبلا افتراضات مسبقة. بالنسبة إلیه لدى كل عمل فني إیراد خاص (Gehalt) یتكون عن طریق الجدلیة الداخلیة بین المحتوى (​Inhalt​)  والشكل(Form). ذلك الایراد هو ما یستدعي الحكم النقدي حول صدق أو زیف العمل فنيا. ولتحقیق التوازن بین العمل الفنّي والایراد ینبغي على الأحكام النقدیة فهم الدینامیكیة لكلاً من: الحركة المركبة للبنیة الداخلیة للعمل الفني، والحركة الشاملة للتاریخ الاجتماعي المصدر والذي ینتمي إلیه العمل.

للعمل الفني شروط مصداقية داخلیة، الى الحد الذي یجعل الإیراد قد یقیم مصداقیته أو زیفه من بنیته الداخلیة أو من الخارج. ولا یكون لذلك المحتوى فكرةً میتافیزیقیة، أو جوهر خارج العمل الفني. لكنه تاریخي، لا اعتباطي، وبلا افتراضات مسبقة حال إنتاجه، إلا أنه یستدعي افتراضات وادعاءات حوله، كما یهدف إلى الانتشار الواسع لملامسة الجمیع، وفي نفس الوقت مرتبط بالحالات المجتمعیة الخاصة. فعمله خارج حدود الاصطلاحات المجتمعیة.

یتحدى العمل الفني الوضع الراهن بصدق محتواه، ویقترح طرقًا لتغییر ذلك الوضع، لكنه یترك الوضع الراهن كما هو عملیاً؛ “كما أن للحقیقة شكل، للفن معیار مصداقیة” (AT 132).

 

  1. 5. الجدلیة السلبیة

 في كتابة الموسوم بنفس العنوان، یقرر أدورنو قیام فكرة المحتوى الحقیقي للجمال على افتراضات میتافیزیقیة ومعرفیة قبلیة، بالمقابل، تقوم تلك الافتراضات بتدعیم وتقویة الجدل المبني على التصور التاریخي والنظریة

الاجتماعیة، فكما یوضح سایمون جارفیس بأن الجدلیة السلبیة تحاول تشكیل “مادیة فلسفیة” تاریخیة نقدیة لا دوغمائیة. وقد یقوم أحدنا بوصف الكتاب كونه نقد فوقي للفلسفة المثالیة. خصوصاً فلسفتي كانط وهیجل (Jarvis 1998, 148–74; O’Connor 2004). یقول أدورنو نفسه بأن الكتاب یهدف لإكمال مهمته الأبدیة كفیلسوف وهي “استخدام قوة النظرة الذاتیة (المعرفیة [epistemic]) لاختراق زیف [Trug] الذاتیة المتشكلة” (ND xx).

یحدث ذلك في كتابه  على أربعة مراحل. أولاً المقدمة الطویلة (ND 1–57) حیث  كتب عن كیفیة تشكل “التجربة الفلسفیة” متحدیاً الفرق الكانطي بین الظاهرة في نفسها كما هي noumena، والظاهرة في مختبرها phenomena، ورافضاً العقل المطلق لهیجل. ثم في الباب الأول  (ND 59–131) ینقي مشروعه من “الوجودیة الأصولیة” لهایدغر في كتابه الوجود والزمن. ثم في الجزء الثاني (ND 133–207) یقوم بسرد أفكاره كبدیل بعد إعادة تعریف أقسام المثالیة الألمانیة، وشغل القسم الثالث نصف الكتاب لسرد “النماذج” الفلسفیة.(ND 209–408).

تقوم الأقسام الثلاثة على تطبيق الجدلیة السلبیة مع مراعاة الأفكار القیمیة الفلسفیة للحریة، وفلسفة التاریخ (“التاریخ الطبیعي” و”روح العالم”) والمیتافیزیقیات. یقول أدورنو في النموذج الأخیر المخصص لسؤال المیتافیزیقا، “كان الهدف هو إعطاء الثورة الكوبرنیكیة دور محوري عن طریق تقییم النفس النقدي” (ND xx) راجعا للتعبیر الكانطي حیث وصف محاولته بـ”الثورة الكوبرنیكیة الثانیة”، یقوم أدورنو باستخدام نفس التشبیه لوصف جهده في اختراق زیف الذاتیة التشكیلیة. وكهیجل، ینتقد أدورنو المقارنة الكانطیة بین الظاهرة في نفسها والظاهرة في مختبرها بالقول أن الحالات الترانسندنتالیة (الاختبار الذاتي) لا یمكن إلا أن یعتمد كلاهما على الآخر، على عكس ادعاء كانط. فالأفكار التصنیفیة القبلیة (Verstand) على سبیل المثال لا فهم لها إذا لم تكن لأشیاء حسیة ابتداءً؛ أفكار نقیة ظاهريا عن الحس؛ كالزمان والمكان لا نقدر على فهمها كأفكار فحسب. وبالمقابل لا وجود لفیلسوف ترنسندنتالي مهما بلغ في انكماشه وابتعاده عن الحس باستطاعته التفكیر فیهما بهذا المستوى من التجرید، فلا استغناء لجانب عن الآخر. فالاختبار الأصیل لأي تجربة لا تكون ببساطة عن طریق فرض التخیل العقلي للأشكال القبلیة على الحس. بل تصبح التجربة الأصيلة ممكنة بتجاوز الحس والتفكیر المحض. لا یدعو أدورنو ذلك التجاوز “الشيء في نفسه” فذلك سیكون مبنیاً على الإيطار المعرفي الكانطي، بل على العكس یسمیها “اللاتماثلیة” (das Nichtidentische).

بالمقابل، فإن فكرة اللاتماثلیة أصبحت هي الفرق البیّن بین مادیة أدورنو ومثالیة هیجل، على الرغم من مشاركته هیجل التأكید على الطبیعة التساؤلیة بین ثنائیات الفكر والوجود، النسبي والموضوعي، وبین العقلانیة والواقعیة.

فینكر أدورنو أن الهویة تحققت بطریقة إیجابیة، بل على العكس یرى أنها تحققت سلباً. أي أن الفكر الإنساني قام بفرض نفسه على الأشیاء ضارباً بالاختلافات والتنوع عرض الحائط في سبیل تحقیق الوحدة والهویة. حصل ذلك الفرض بتوجیه من التشكل الاجتماعي، بمبدأ التبادل الذي یطلب التساوي  القیمي (قیمة التبادل) مع ما هو غیر مساوي جوهریاً (القیمة الاستعمالیة) بینما تتطلع الهویة لدى هیجل للمنطقة الرمادیة بین الهویة واللاهویة. ولهذا نادى أدورنو ب”الجدلیة السلبیة” رافضاً بذلك خاصیة الثبات في جدلیة هیجل. (ND 143–61)

یجب ذكر أن أدورنو لا یرفض بذلك ضرورة وجود الهویة الفكریة، كما أن فلسفته لا تدعي طرق الوصول إلى اللاتماثلیة عن طریقها. إذ تحت الظروف الاجتماعیة الراهنة؛ یكون الفكر قادرًا على الوصول لها عن طریق المحاولات النقدیة للهویات الزائفة. ویجب أن تكون تلك النقود “تفكیك محدد” مشیرة بذلك إلى تناقضات معینة بین ما یدعیه الفكر وبین ماهیته الحقیقیة. تقوم النقود في “التفكیك المحدد” بإعادة تشكیل سمات الشيء على حقیقته بطریقة غیر مباشرة.

كان حافز أدورنو للجدل السلبي لیس مفاهیمیاً. كما لم تكن مصادره الفكریة،  كانت نظریته المعرفیة مادية في الحالتین، وبحسبه فقد كانت معاناة الجنس البشري متمثلةً في حقیقة اللاعقلانیة، بمقابل “حقیقة العقلانیة” الكانطیة. المعاناة هي الأثر المتبقي عقب جسد القربان الاجتماعي وهو الشيء الذي یقوم علیه الوعي البشري: “الحاجة لاستنطاق المعاناة هي أعلى الحقائق صدقاً، فبها یوزن النسبي المتغیر بالموضوعي المطلق . . .” (ND17-18) ، ویقوي ما قیل فلسفیاً حول تلك المصادر الـ”تعبیریة” والبعد الـ”محاكاتي” في اللغة، حيث يتنازع “العادي” (المقبول اجتماعیاً) مع النحو وعلم دراسة المعاني. في الفلسفة، یتطلب التشدید على “العرض” (Darstellung) حیث تتقاطع الصرامة المنطقیة، مع المرونة التعبیریة (ND 18–19, 52–53). هناك مصدر آخر یقع على عاتق العلاقات الغیر منتظمة بین الأفكار. فبأخذ تلك الأفكار من سياقاتها المقولبة وبإعادة تشكیلها في “مجموعات” حول موضوع ما، تستطیع الفلسفة الدخول إلى الدینامیكیة التاریخیة المختبئة خلف الأشیاء، والتي تتجاوز هویتها التصنیفات المفروضة علیها (ND 52–53, 162–66).

ما یوحد كل تلك التشظیات، وما یبین تمیُّز المادیة المعرفیة لدى أدورنو عن مثالیة كانط وهیجل هو إصراره على “أولویة الموضوع” (Vorrang des Objekts​, ND 183–97). ما یعتبره أدورنو “مثالیاً” هو أي فلسفة تؤكد على هویة بین النسبي والموضوعي، وبالتالي تضع أولویة للبناء الاجتماعي النسبي. بتعیین الأولویة للموضوع یوجه أدورنو باستمرار ثلاث ادّعاءات: أولاً، أن النسبیة المعرفیة هي في نفسها تم تشكلیلها اجتماعیاً حیث تنتمي، وبدونها لن یوجد صاحبها. ثانیاً، أن الموضوع لن یعرف بالكامل إذا ما درس بأدوات التفكیر الهویاتي. ثالثاً، أن الهدف من الفكر نفسه هو وضع الضغوطات الاجتماعیة بمعزل عن هویتها، لابتعادها عن رغبات الحجر العقلي علیها، وفي معرض نقده للامبریقیة، یقول أدورنو عن ضرورة اتخاذ الموضوعیة كموقف حازم غیر مساوم علیه، وذلك بسبب أن التناول الموضوعي لا یتم إلا بقرار من قبل صاحب الذات، ولأن المتناول تاریخي وفي تغیر محتمل.

الطریق الوحید تحت طائلة الوضع الراهن للفلسفة لإعطاء الأولویة للموضوع هو بالجدل. فیعرف أدورنو الجدل بمحاولة التعرف على حالة اللاهویة بین الفكر والموضوع، في حال استمرار مشروع التعرف الفكري. فالجدل هو “الوعي المستمر لحالة اللاهویة” والتناقض، كونه العنصر المركزي، هو “حالة اللاهویة تحت مظلة الهویة”. یقوي الفكر نفسه ذلك التأكید الواقع على التناقض، فیكمل لیقول أن تفكر هو أن تنسب شيء لهویة، وأن الفكر لا یمكن أن یصل للحقیقة ما لم یعرف هویته. لذا فتشكل (Schein) الفكر ككل، هي عملیة موجودة في الفكر نفسه، مختلطةً بحقیقة الفكر (Wahrheit). والطریق الأوحد لكسرِ جدار ذلك التشكُّل يكون من خلاله.

معنى ذلك أن كل ما كان مختلف نوعیاً، ثم أصبح عصیاً على التشكل كفكرة، فهو تناقض. “التناقض هو حدوث اللاهویة تحت مظلة الهویة (الفكریة)؛ فأولویة مبدأ التناقض في الجدل تختبر المتماهي بناءً على الجسم الكلي للفكر [Einheitsdenken]. فبالتصادم بین التناقض وجدار وجوده [Grenze]، یقوم الجسم الكلي للفكر بتجاوز نفسه.

الجدل هو الوعي المستمر لحالة اللاهویة” (ND 5). لكن التفكیر بتناقض  عملیة مفروضة على الفلسفة من المجتمع نفسه، كونه یعج بالأضداد، والذي طبقاً لمبدأ التبادل، یجد نفسه في عباءة الهویة الاجتماعیة. والطریقة الوحیدة لفضح تلك الأضداد حینها هي القدرة على الإشارة إلیها بصفتها كذلك، وهي بالتفكیر بما هو غیر فكري، بعبارة أخرى التفكیر بطرق التناقض. بهذه الطریقة، لا یمكن إرجاع “التناقض” لا إلى الفكر، ولا إلى الواقع. عوضا عن ذلك، یرجع إلى كونه “عنصر تأملي” (Reflexionskategorie)، مُمكّناً للمواجهة الفكریة بین الفكرة والموضوع (Sache) “أن تستمر جدلیاً یعني أن تفكر بالتناقضات، لأجل ما یختبر في الموضوع من تناقض، وضد ذلك التناقض. فالتناقض في الواقع هو تناقض مع الواقع نفسه” (ND 144–45) . الهدف من التفكیر بتناقض لیس بالضرورة أمراً سلبیاً. فهو له أفق تحولي هش، لكنه یحول المجتمع إلى بیئة تنفر منه. فهو تفكیر یخلص المجتمع من طرقه القهریة عند فرض الفكر ذو الهویة، ویزهر الموضوعیة بعینها. بسبب ثقة أدورنو أن المجتمعات المعاصرة قادرة على الفكاك من قیود معاناتها الذاتیة، مما یجعل لجدلیته سطوةً طوباویة: “في عرض الحدیث عن إمكانیة الطوباویة، تعبر الجدلیة عن وجود حالة الزیف. الظاهرة الحقیقیة تكون متحررة من العملیة الجدلیة…”(ND 11). تكون الظاهرة الحقیقیة على علاقة تصالحیة بین الطبیعة والبشر، والطبیعة البشریة ذاتها، وبین البشر أنفسهم. تأتي فكرة التصالح تلك منقذةً لمشروع أدورنو في المیتافیزیقا والأخلاق.

 

6– المیتافیزیقا والأخلاق بعد أوشفيتز

تشتق فلسفة أدورنو نفسها، حالها كحال المعرفة، من النقد الفوقي المادي للمثالیة الألمانیة. فنموذج “الحریة” على سبیل المثال في كتابه النقد السلبي (ND211-99) یستخدم نفس الآلیة للتعرض لفلسفة كانط في نقد العقل المحض. ویستخدم أدورنو في نموذجه النقدي حول كتاب “روح العالم والتاریخ الطبیعي”(ND 300–60) ذات الآلیة لنقد فلسفة التاریخ عند هیغل، في النموذجین النقدیین یضع أدورنو الأسس لأرضیة مشتركة للمناظرة مع التراث الماركسي، وفیها یعود أدورنو مستحوذاً على “الفلسفة العملیة” لكانط وهیغل.

یشیر القسم الأول من المقدمة كتاب “الجدل السلبي” إلى منهج أدورنو في الاستحواذ (ND 3–4) . ففیه یسأل إذا ما كانت الفلسفة لا زالت ممكنة، وعن كیفیة ذلك، رداً على “مقال حول فویرباخ”  لكارل ماركس، والذي فیه أعلن أن مهمة الفلسفة هي تغییر العالم. عن طریق رسم الملامح بین المادیة التاریخیة والحاسة التاریخیة لدى لودفغ فویرباخ، یعتبر ماركس أن البشر نظم منتجة وسیاسیة أولاً، وأن علاقاتها المتداخلة لیست شخصیة فقط، لكن اجتماعیة و تاریخیة. یأخذ تأكید ماركس بعد إذ على الاجتماعي والسیاسي والتاریخي، كل ما هو معرفي ینحى به منحىً براغماتي، لتصبح بذلك “الحقیقة” لیست الاستجابة التجریدیة للعلاقة بین الفكر والواقع، وبین الافتراض والحقائق، بل للنجاعة السیاسیة والاجتماعیة والتاریخیة للعملیة الفكریة.  

على الرغم من اشتراك أدورنو لماركس في الحدس الانثروبولوجي، إلا أنه یرى أن ثمار الترادف الماركسي بین”الحقیقة” والعملیة الفكریة، خلَّف آثاراً كارثیة على القرن العشرین، على جانبي الستار الحدیدي في أوروبا.

تشرع المقدمة في كتابه بإدعاءین اثنین: الأول، على الرغم من كونه موضوعُ ثابت، إلا أن الفلسفة تبقى ضروریة بسببِ وجود الرأسمالیة. الادعاء الثاني أن تفسیر ماركس للمجتمع الرأسمالي غیر مكتمل وخارج سیاقه التاریخي.

لذا، فإن التطبیق لم یعد یخدم كدعامة مناسبة لتحدي النظریة (فلسفیاً). بل الممارسة تخدم فقط كسیاق أرضي للحلول دون أي نقد نظري قد یخدم الممارسة التحولیة. في حال التفریط في فرصة إنزالها على أرض الواقع (من خلال ثورة الطبقة العاملة، طبقاً لكتابات ماركس الأولى) على الفلسفة الیوم أن تنقد نفسها، ومتبعیها الاجتماعیین، وتراثها الثقافي وعجزها عن العمل في مجتمع الرأسمالیة المتأخرة الصناعي. بینمنا تدعي اتساعها لكل شيء، یظهر فشل الفلسفة حین رجوعها سریعاً للاعتماد على المجتمع بشكل كامل، من أبسط مواضیعها، إلى “الحقائق الجوهریة”(ND 4).

كما یجب على الفلسفة إظهار تلك الحالة من السذاجة الذاتیة لدیها، بأن تطرح نفس تساؤل كانط عن المیتافیزیقا بعد نقد هیوم للعقلانیة: ما مدى إمكانیة وجود الفلسفة؟ یعني بذلك، كیف یكون وجودها ممكناً بعد انهیار الفكر الهیجلي؟ ما مدى قدرة الجهد الجدلي على التجرید؟- والذي انصب ماركس للاجابة عنه- وكیف لها بعد ذلك أن تستمر؟

بالاضافة للنقد الذاتي للعلاقة بین النظریة والممارسة كمصدر أساسي لتأملات أدورنو عن الأخلاق والمیتافیزیقا، خلفت أحداث القرن العشرین الكارثیة أثراً بالغا لرؤى مختلفة للوصول لعالم أكثر إنسانیه (Bernstein 2001, 371–414; Zuidervaart 2007, 48–76). یرى أدورنو أن بربریة هتلر استطاعت أن تفرض “واجباً أخلاقیا” في حال انعدام الحریة لدى البشر؛ لكي لا یتكرر معتقل أوشفيتز مرة أخرى (ND 365). فیجب على الفلاسفة میتافیزیقیاً أن یجدوا طرقاً تاریخیةً مناسبةً للحدیث عن المعنى والحقیقة والمعاناة بحیث لا تنكر ولا تتفق مع العالم الحدیث كما نختبره الیوم. فكما أن إنكار ذلك العالم سیقمع محاولات التخلص من معاناته، سیؤدي الاتفاق مع وجود عالم طوباوي لإیقاف نقد العالم المعاصر، ولإسكات نداءات المطالبة بتغییره.

أساس خطة أدورنو لا يلتبس بلباس الانطولوجیا كما یظن البعض، بل أساسها هو التجربة “المیتفازیقیة” أو الـ”تحقیقیة”. یلتمس أدورنو للتجربة أن الفكر الذي “لا یوقف نفسه” یسري في فكرة أن العالم حیث “لا تتحطم المعاناة الموجودة فقط، بل تُرفَض المعاناة مجملاً” (403) . لیس بمقدور أتباع الفلسفة الوضعیة بجهودهم اللا میتافیزیقیة، ولا بأتباع هایدجر الغارقین فیها إیفاء تلك التجربة حقها.

یقدم أدورنو بدیله لكل من التراث المیتافیزیقي وللفكر المضاد التجریبي، في أسطر جمعت تأریخه وتنظیره الاجتماعي وفلسفته الجمالیة وجدلیته السلبیة. لتكون جنبا إلى جنب مع النقد الذاتي الممتاز بالصرامة والأمل الشغوف.

“الفكر الذي لا یفسر سوء الوجود، یبقى ظالماً لتسمیته، فالحقیقة تكون لا حقیقة، والفلسفة عبثاً. ومع ذلك على الفلسفة ألا تستسلم، وإلا كان النصر للعبث اللاعقلاني [Widervernunft]. ذلك لأن العبث هو الحقیقة في شكل مقبول للبشر في أي مكان وزمان متى ما توارت الحقیقة باستسلامهم. حتى في ذروته، یبقى الفن محاكاة، إلا أنه یستقبل محاكاته من اللامحاكاة [vom Scheinlosen] … فلا سطوع لنور على الأشیاء والأشخاص یبقى غیر مخلفاً علمیة ترانسندنتالیة [widerschiene]. وتبقى العین الطامحة لرؤیة العالم بألوانه الحقیقیة هي المقاومة العنیدة ضد تعفن العالم، وفي اللامحاكاة یكمن الوعد بالمحاكاة (ND 404–5).

الإقبال على نصوص كهذه مهم جدا لتقییم فلسفة ثیودور أدورنو.

 

 

 


المراجع

القسم الأول عني بقائمة كتب أدورنو باللغة الانجلیزیة، مشتملا على العدید مما اشترك في كتابته، بالترتیب طبقاً لرموز الاختصار. القسم الثاني عني ببعض كتابات أدورنو باللغة الإنجلیزیة. الكتب في القسم الأول بلا اختصارات هي المنشورة باللغة الانجلیزیة في الاساس، عداها كان قد نشر باللألمانیة. التاریخ بین القوسین بعد العناوین یشیر إلى أول نسخة ألمانیة أو فیما یتعلق بالمنشورات الضخمة تاریخ المحاضرة الأصلیة. كانت الترجمات المقتبسة بالأعلى قد عدلت بدون اشارة. تدل العلامات “GS” أو  “NS”  بعد مدخل في الهامش على مكان المنشور في كتابات ادورنو، “GS” تدل على كتابات نشرت خلال حیاته وجمعت في 20 مجلدا Gesammelte Schriften, منقحة من رولف تایدمن.

 

or more extensive Adorno bibliographies, see Huhn 2004, Müller-Doohm 2005, and Zuidervaart 2014, an annotated bibliography.

Primary Literature

AT

Aesthetic Theory (1970), trans. R. Hullot-Kentor, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1997. (GS 7)

AE

Against Epistemology: A Metacritique; Studies in Husserl and the Phenomenological Antinomies (1956), trans. W. Domingo, Cambridge, Mass.: MIT Press, 1982. (GS 5)

The Authoritarian Personality, T. W. Adorno, et al., New York: Harper & Brothers, 1950. (GS 9.1)

B

Alban Berg: Master of the Smallest Link (1968), trans. J. Brand and C. Hailey, New York: Cambridge University Press, 1991. (GS 13)

BPM

Beethoven: The Philosophy of Music; Fragments and Texts (1993), ed. R. Tiedemann, trans. E. Jephcott, Cambridge: Polity Press, 1998. (NS I.1)

CC

The Complete Correspondence, 19281940 (1994), T. W. Adorno and W. Benjamin, ed. H. Lonitz, trans. N. Walker, Cambridge: Polity Press, 1999.

CM

Critical Models: Interventions and Catchwords (1963, 1969), trans. H. W. Pickford, New York: Columbia University Press, 1998. (GS 10.2)

DE

Dialectic of Enlightenment: Philosophical Fragments (1947), M. Horkheimer and T. W. Adorno, ed. G. S. Noerr, trans. E. Jephcott, Stanford: Stanford University Press, 2002. (GS 3)

H

Hegel: Three Studies (1963), trans. S. Weber Nicholsen, Cambridge, Mass.: MIT Press, 1993. (GS 5)

HF

History and Freedom: Lectures 1964-1965, trans. R. Livingstone, Cambridge, Mass.: Polity, 2006.

IS

Introduction to Sociology (1968), ed. C. Gödde, trans. E. Jephcott, Stanford: Stanford University Press, 2000. (NS IV.15)

JA

The Jargon of Authenticity (1964), trans. K. Tarnowski and F. Will, London: Routledge & Kegan Paul, 1973. (GS 6)

KC

Kant’s Critique of Pure Reason (1959), ed. R. Tiedemann, trans. R. Livingstone, Stanford: Stanford University Press, 2001. (NS IV.4)

KCA

Kierkegaard: Construction of the Aesthetic (1933), trans. R. Hullot-Kentor, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989. (GS 2)

LND

Lectures on Negative Dialectics: Fragments of a Lecture Course 1965/1966, ed. R. Tiedemann, trans. R. Livingstone, Cambridge: Polity, 2008. (NS IV.16)

M

Mahler: A Musical Physiognomy (1960), trans. E. Jephcott, Chicago: University of Chicago Press, 1988. (GS 13)

MCP

Metaphysics: Concept and Problems (1965), ed. R. Tiedemann, trans. E. Jephcott, Stanford University Press, 2000. (NS IV.14)

MM

Minima Moralia: Reflections from Damaged Life (1951), trans. E. F. N. Jephcott, London: NLB, 1974. (GS 4)

ND

Negative Dialectics (1966), trans. E. B. Ashton, New York: Seabury Press, 1973. (GS 6)

NL

Notes to Literature (1958, 1961, 1965, 1974), 2 vols., ed. R. Tiedemann, trans. S. Weber Nicholsen, New York: Columbia University Press, 1991, 1992. (GS 11)

P

Prisms (1955), trans. S. Weber and S. Weber, London: Neville Spearman, 1967; Cambridge, Mass.: MIT Press, 1981. (GS 10.1)

PM

Philosophy of New Music (1949), trans., ed., and with an introduction by R. Hullot-Kentor, Minneapolis: University of Minnesota Press, 2006. (GS 12)

PMP

Problems of Moral Philosophy (1963), ed. T. Schröder, trans. R. Livingstone, University Press, 2000. (NS IV.10)

PS

The Positivist Dispute in German Sociology (1969), T. W. Adorno, et al., trans. G. Adey and D. Frisby, London: Heinemann, 1976. (GS 8)

W

In Search of Wagner (1952), trans. R. Livingstone, London: NLB, 1981. (GS 13)

2. Adorno Anthologies

  • The Adorno Reader, ed. B. O’Connor, Oxford: Blackwell, 2000.
  • Can One Live after Auschwitz?: A Philosophical Reader, ed. R. Tiedemann, trans. R. Livingstone et al., Stanford: Stanford University Press, 2003.
  • The Culture Industry: Selected Essays on Mass Culture, ed. J. M. Bernstein, London: Routledge, 1991.
  • Essays on Music: Theodor W. Adorno, ed. R. D. Leppert, trans. S. H. Gillespie et al., Berkeley: University of California Press, 2002.

3. Secondary Literature

  • Benhabib, S., 1986,Critique, Norm, and Utopia: A Study of the Foundations of Critical Theory, New York: Colombia University Press.
  • Benzer, M., 2011,The Sociology of Theodor Adorno, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Bernstein, J. M., 1992,The Fate of Art: Aesthetic Alienation from Kant to Derrida and Adorno, University Park: Pennsylvania State University Press.
  • –––, 2001,Adorno: Disenchantment and Ethics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • ––– (ed.), 2010,Art and Aesthetics after Adorno, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Boucher, G., 2013,Adorno Reframed: Interpreting Key Thinkers for the Arts, London: I. B. Tauris.
  • Bowie, A., 2013,Adorno and the Ends of Philosophy, Cambridge, Mass.: Polity.
  • Brittain, C. C., 2010,Adorno and Theology, London: T. & T. Clark.
  • Brunkhorst, H., 1999,Adorno and Critical Theory, Cardiff: University of Wales Press.
  • Buck-Morss, S., 1977,The Origin of Negative Dialectics; Theodor W. Adorno, Walter Benjamin and the Frankfurt Institute, New York: Free Press.
  • Bürger, P., 1984,Theory of the Avant Garde, trans. M. Shaw, Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • Burke, D. A., et al. (eds.), 2007,Adorno and the Need in Thinking: New Critical Essays, Toronto: University of Toronto Press.
  • Claussen, D., 2008,Theodor W. Adorno: One Last Genius, trans. R. Livingstone, Cambridge, Mass.: Harvard University Press.
  • Cook, D., 2004,Adorno, Habermas, and the Search for a Rational Society, New York: Routledge.
  • –––, 2011,Adorno on Nature, Durham, UK: Acumen.
  • ––– (ed.), 2008,Theodor Adorno: Key Concepts, Durham, UK: Acumen.
  • de Vries, H., 2005,Minimal Theologies: Critiques of Secular Reason in Adorno and Levinas, trans. G. Hale, Baltimore: Johns Hopkins University Press.
  • Foster, R., 2007,Adorno: The Recovery of Experience, Albany: State University of New York Press.
  • Frankfurter Adorno Blätter, 1992–2003, ed. Theodor W. Adorno Archiv, Munich: Edition Text + Kritik. (Published annually, more or less.)
  • Freyenhagen, F., 2013,Adornos Practical Philosophy: Living Less Wrongly, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Gibson, N. C., and A. Rubin, (eds.), 2002,Adorno: A Critical Reader, Oxford: Blackwell.
  • Geuss, R., 2005,Outside Ethics, Princeton: Princeton University Press.
  • Habermas, J., 1987,The Philosophical Discourse of Modernity: Twelve Lectures,  F. Lawrence, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • Hammer, E., 2005,Adorno and the Political, New York: Routledge.
  • –––, 2015,Adornos Modernism: Art, Experience, and Catastrophe, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hansen, M. B., 2012,Cinema and Experience: Siegfried Kracauer, Walter Benjamin, and Theodor W. Adorno, Berkeley: University of California Press.
  • Heberle, R. J. (ed.), 2006,Feminist Interpretations of Theodor Adorno. University Park: Pennsylvania State University Press.
  • Hellings, J., 2014,Adorno and Art: Aesthetic Theory contra Critical Theory, Houndmills, Basingstoke, Hampshire: Palgrave Macmillan.
  • Hohendahl, P. U., 1995,Prismatic Thought: Theodor W. Adorno, Lincoln: University of Nebraska Press.
  • –––, 2013,The Fleeting Promise of Art: Adornos Aesthetic Theory Revisited, Ithaca, N. Y.: Cornell University Press.
  • Honneth, Axel, 1991,The Critique of Power: Reflective Stages in a Critical Social Theory, trans. K. Baynes, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • –––, 2009,Pathologies of Reason: On the Legacy of Critical Theory, trans. J. Ingram et al., New York: Columbia University Press.
  • Huhn, T., and L. Zuidervaart (eds.), 1997,The Semblance of Subjectivity: Essays in Adorno’s Aesthetic Theory, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • Huhn, T. (ed.), 2004,The Cambridge Companion to Adorno, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hullot-Kentor, R., 2006,Things beyond Resemblance: Collected Essays on Theodor W. Adorno, New York: Columbia University Press.
  • Jäger, L., 2004,Adorno: A Political Biography, trans. S. Spencer, New Haven, Conn.: Yale University Press.
  • Jameson, F. 1990,Late Marxism: Adorno, or, The Persistence of the Dialectic, London; New York: Verso.
  • Jarvis, S., 1998,Adorno: A Critical Introduction, New York: Routledge.
  • ––– (ed.), 2006,Theodor Adorno, 4 vols., London: Routledge.
  • Jay, M., 1984,Adorno, Cambridge, Mass.: Harvard University Press.
  • –––, 1996,The Dialectical Imagination, 2d ed., Berkeley: University of California Press.
  • Jenemann, D., 2007,Adorno in America, Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • Krakauer, E. L., 1998,The Disposition of the Subject: Reading Adorno’s Dialectic of Technology, Evanston, Ill.: Northwestern University Press.
  • Lee, L. Y., 2005,Dialectics of the Body: Corporeality in the Philosophy of T. W. Adorno, New York: Routledge.
  • Lunn, E., 1982,Marxism and Modernism: An Historical Study of Lukács, Brecht, Benjamin, and Adorno, Berkeley: University of California Press.
  • Macdonald, I. and K. Ziarek (eds.), 2008,Adorno and Heidegger: Philosophical Questions, Stanford: Stanford University Press.
  • Martinson, M., 2000,Perseverance without Doctrine: Adorno, Self-Critique, and the Ends of Academic Theology, Frankfurt am Main: Peter Lang.
  • McArthur, J., 2013,Rethinking Knowledge within Higher Education: Adorno and Social Justice, New York: Bloomsbury Academic.
  • Menke, C., 1998,The Sovereignty of Art: Aesthetic Negativity in Adorno and Derrida, trans. N. Solomon, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • Morgan, A., 2007,Adornos Concept of Life, New York: Continuum.
  • Morris, M., 2001.Rethinking the Communicative Turn: Adorno, Habermas, and the Problem of Communicative Freedom, Albany: State University of New York Press.
  • Müller-Doohm, S., 2005,Adorno: A Biography, trans. Rodney Livingstone, Cambridge: Polity Press.
  • Nicholsen, S. W., 1997,Exact Imagination, Late Work: On Adorno’s Aesthetics, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • O’Connor, B., 2004,Adorno’s Negative Dialectic: Philosophy and the Possibility of Critical Rationality, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • –––, 2013,Adorno, London: Routledge.
  • Paddison, M., 1993,Adorno’s Aesthetics of Music, New York: Cambridge University Press.
  • Pensky, M., (ed.), 1997,The Actuality of Adorno: Critical Essays on Adorno and the Postmodern, Albany: State University of New York Press.
  • Rensmann, L., and S. Gandesha (eds.), 2012,Arendt and Adorno: Political and Philosophical Investigations, Stanford, Calif.: Stanford University Press.
  • Rose, G., 1978,The Melancholy Science: An Introduction to the Thought of Theodor W. Adorno, London: Macmillan Press.
  • Ross, N. (ed.), 2015,The Aesthetic Ground of Critical Theory: New Readings of Benjamin and Adorno, Lanham, MD: Rowman & Littlefield.
  • Schweppenhäuser, G., 2009,Theodor W. Adorno: An Introduction, Durham: Duke University Press.
  • Sherman, D., 2007,Sartre and Adorno: The Dialectics of Subjectivity, Albany: State University of New York Press.
  • Sherratt, Y., 2002,Adorno’s Positive Dialectic, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Shuster, M., 2014,Autonomy after Auschwitz: Adorno, German Idealism, and Modernity, Chicago: The University of Chicago Press.
  • Vogel, S., 1996,Against Nature: The Concept of Nature in Critical Theory, Albany: State University of New York Press.
  • Vries, H. de, 2005,Minimal Theologies: Critiques of Secular Reason in Adorno and Levinas, trans. G. Hale., Baltimore: Johns Hopkins University Press.
  • Wellmer, A., 1991,The Persistence of Modernity: Essays on Aesthetics, Ethics, and Postmodernism, trans. D. Midgley, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • –––, 1998,Endgames: The Irreconcilable Nature of Modernity; Essays and Lectures, trans. D. Midgley, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • Whitebook, J., 1995,Perversion and Utopia: A Study in Psychoanalysis and Critical Theory, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • Wiggershaus, R., 1994,The Frankfurt School: Its History, Theories, and Political Significance, trans. M. Robertson, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • Witkin, R. W., 2003,Adorno on Popular Culture, New York: Routledge.
  • Zuidervaart, L., 1991,Adorno’s Aesthetic Theory: The Redemption of Illusion, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • Zuidervaart, L., et al., 1998, “Adorno, Theodor Wiesengrund,” Encyclopedia of Aesthetics, Vol. 1, pp. 16–32, ed. M. Kelly, New York: Oxford University Press; second edition, 2014.
  • Zuidervaart, L., 2007,Social Philosophy after Adorno, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Zuidervaart, L., 2014, “Theodor Adorno,” Oxford Bibliographies in Philosophy, ed. D. Pritchard, Oxford: Oxford University Press,abridged version available online

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

Benjamin, Walter | contradiction | critical theory | domination | Enlightenment | Habermas, Jürgen | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich: dialectics | Heidegger, Martin | Horkheimer, Max | Husserl, Edmund | identity | Kant, Immanuel | Lukács, Georg [György] | Marx, Karl | Popper, Karl | postmodernism | rationality | truth | Weber, Max


[1] Zuidervaart, Lambert, “Theodor W. Adorno”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2015 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2015/entries/adorno/>.