نظرية لماذا نحن غرباء جداً؟ أغرب الناس في العالم كيف أصبح الغرب غريباً نفسياً ومزدهراً بشكل خاص – جوزيف هينريتش / ترجمة: نوره العمرو

نظرية لماذا نحن غرباء جداً؟ أغرب الناس في العالم كيف أصبح الغرب غريباً نفسياً ومزدهراً بشكل خاص – جوزيف هينريتش / ترجمة: نوره العمرو


لماذا نحن غرباء ؟

وفقاً لنسخ من بعض النصوص القديمة، نجد أن بيثاغوراس قبل ما يقارب الخمس مائة عام قبل الميلاد حث أتباعه على عدم أكل الفاصوليا! لا أحد يستطيع أن يجزم لماذا أُصدر هذا الحظر (اعتقد أرسطو أنه كان يعرف)، ولكنه لم يعط الأمر تلك الأهمية البالغة لأن الفكرة لم تنتشر علناً بعد.

ووفقًا لجوزيف هينريتش، فقد أصدر بعض آباء الكنيسة الأوائل الغير معروفين بعد حوالي ألف عام المرسوم التالي: “لا تتزوجوا بنات عمكم”. ولكن لماذا أصدروا هذا القرار؟ أيضاً غير معروف، ولكن إذا كان هينريتش محقاً ـ وقد طور قضية رائعة تعج بالأدلة ـ فقد غير هذا الحظر وجه العالم، من خلال خلق مجتمعات وأفراداً WEIRD “أشخاص غربيين متعلمين وصناعيين وأثرياء وديمقراطيين”.

في النقاشات\الحجج المطروحة في هذا الكتاب الرائع، أدت هذه القاعدة البسيطة إلى سلسلة من التغييرات، فخلقت دولاً لتحل محل القبائل، وعلوماً لتحل محل التقاليد، وقانوناً ليحل محل الأعراف. فإذا كنت تقرأ هذا فأنت على الأرجح تعتبر WEIRD “غربي، متعلم، صناعي، ثري، ديموقراطي”، وكذلك جميع أصدقاؤك وزملاؤك، ولكننا نختلف في العديد من المقاييس النفسية.

هناك مليارات من الناس في العالم اليوم يمتلكون عقول تختلف تماما عن عقولنا. وتقريباً، نحن غريبو الأطوار الذين نتصف بالفردية نفكر بشكل تحليلي، نؤمن بالإرادة الحرة، نتحمل المسؤولية الشخصية، نشعر بالذنب عندما نسيء التصرف ونرى ضرورة قمع محاباة الأقارب بل واعتبارها سلوك خارج عن القانون. أليس كذلك؟ والأغلبية من الأشخاص non-WEIRD ينخرطون بشكل أكبر مع الأسرة والقبيلة والعشيرة والمجموعة العرقية،

غلاف الكتاب

ويفكرون بشكل أكثر “شمولية”، ويتحملون المسؤولية عما تقوم به مجموعتهم (ويعاقبون علناً أولئك الذين يدنسون شرف المجموعة)، ويشعرون بالخزي ـ وليس بالذنب ـ عندما يسيئون التصرف وينظرون لمحاباة الأقارب باعتبارها واجباً طبيعيا.

تظهر هذه الاختلافات وغيرها في استطلاعات الرأي والعديد من مصادر البيانات الأخرى، وبدرجة لافتة للنظر في مئات التجارب النفسية، لكن الخط الفاصل بين ما هو “WEIRD” و ” non-WEIRD” ليس واضحاً كما هو الحال في جميع الخطوط في التطور. فهناك كل أشكال التهجين والمواد الوسيطة والاختلافات الغير قابلة للتصنيف ولكن كان هناك أيضاً قوى كانت تميل إلى تصنيف الناس إلى هذين النوعين، اللذين لا يمكن تمييزهم وراثياً ولكن يمكن تمييز الاختلاف النفسي العميق بينهما.

مجتمعات ال WEIRD هي المجتمعات الأكثر تطور وحداثة والتي نشأت من ابتكار الزراعة منذ حوالي عشرة آلاف عام، وولادة الدول والأديان المنظمة منذ حوالي ثلاثة آلاف عام، ثم أصبح هناك (proto-WEIRD) على مدى ١٥٠٠ عام الماضية (بفضل الحظر المفروض على الزواج من الاقارب). وبلغت ذروتها في سرعة الوصول بيولوجيًا للعلم والصناعة والعالم “الحديث” خلال الـ ٥٠٠ عام الماضية أو نحو ذلك. تطورت أفكار الـ WEIRD بفعل الانتقاء الطبيعي وليس الانتقاء الجيني، فقد تطورت بفعل الانتقاء الطبيعي للممارسات الثقافية وغيرها من العناصر المنقولة ثقافيا.

هينريتش عالم أنثروبولوجي في هارفارد. وصف هو وزملاؤه لأول مرة العقول\أفكار الـ WEIRD بنقد لجميع الأعمال في علم النفس البشري (والعلوم الاجتماعية عموماً) والذي بني على مواضيع تجريبية تكاد تقتصر على الخريجين الجامعيين ــ أو أبناء الأكاديميين وغيرهم ممن يعيشون بالقرب من الجامعات. وكان كل الباحثين تقريباً يفترضون أن النتائج التي تم التوصل إليها استناداً إلى هذه المجموعة من الأشخاص “العاديين” هي سمات عالمية للطبيعة والمخ والنظام العاطفي البشري. ولكن عندما جرت محاولات لتكرار هذه التجارب مع أشخاص في بلدان أخرى، ليس فقط مع الصيادين الأميين ومزارعي الكفاف بل وأيضاً مع نخبة من البلدان الآسيوية على سبيل المثال، وقد تبين في حالات كثيرة أن موضوع العمل الاصلي كان متحيزا بدرجة كبيرة منذ البداية.

من بين أول الدروس التي لابد وأن نتعلمها من هذا الكتاب أن العقول\أفكار الـ WEIRD حقيقية، وأن كل التحقيقات المستقبلية في “الطبيعة البشرية” يجن أن تكون معقدة من خلال طرح شبكة أوسع للمواضيع، ويتعين علينا أن نكف عن افتراض أن طرقنا “عالمية”. ومن غير الممكن أن أفكر في العديد من الباحثين الذين لم يتبعوا ضمنياً بعض الافتراضات العالمية الغامضة. لا شك أنني أملك هذا. وسوف يكون لزاماً علينا جميعاً أن نغير وجهة نظرنا.

ويُظهِر هينريتش أن العديد من أساليب التفكير لدى الـ WEIRD كانت نتيجة للاختلافات الثقافية وليس الاختلافات الجينية. وهذا درس آخر يقوله الكتاب إن علم الأحياء ليس مجرد جينات. فاللغة على سبيل المثال، لم تُختَرَع بل تطورت. وكذلك هو الحال في الأديان والموسيقى والفنون وطرق الصيد والزراعة وقواعد السلوك والمواقف حول الصلة العائلية التي تترك اختلافات قابلة للقياس في علم النفس لدينا وحتى في أدمغتنا.

وبالإشارة إلى مثال واحد فقط، فمن المعتاد وليس من الغريب: يستخدم الناس نصفي كرة المخ (النصف الأيسر والأيمن) من أدمغتهم بشكل متساوٍ للتعرف على ملامح الوجه، لكن بالنسبة لنا نحن الأشخاص الـ WEIRD فقد اخترنا مناطق نصف الكرة الأيسر لأداء المهام اللغوية، لذلك نحن أسوأ بكثير في التعرف على الوجوه من الأشخاص العاديين. وحتى وقت قريب كان قلة من الباحثين يتصورون أن النشأة في ثقافة معينة يمكن أن تخلف مثل هذا التأثير على التشريح العصبي الوظيفي.

إن محور نظرية هينريتش يتلخص في الدور الذي يلعبه ما يسمى ببرنامج الزواج والأسرة للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، والذي يتضمن حظر تعدد الزوجات والطلاق والزواج من الأقارب وحتى من أقارب الدم البعيدين مثل أبناء العمومة من الجد السادس، وعدم تشجيع التبني والزواج المدبر من العائلة وقواعد الميراث الصارمة التي سادت في الأسر والعشائر والقبائل الممتدة. “كانت العبقرية العرضية للمسيحية الغربية تتلخص في “التوصل إلى” كيفية تفكيك المؤسسات القائمة على الأقارب وفي الوقت نفسه تحفيز انتشار المسيحية”.

وفقاً لهينريتش، كانت العبقرية محض صدفة، لأن سلطات الكنيسة التي وضعت القوانين لم يكن لديها سوى القليل من المعلومات أو لم يكن لديه أي فكرة عما كانوا يشرعون فيه، بصرف النظر عن ملاحظة أن الكنيسة أصبحت غنية من خلال إضعاف روابط القرابة التقليدية. ومن بين أهداف هينريتش، هدف التقليل من الآثار المتبقية من تاريخ “الرجل العظيم”،

لذلك سيكون مترددًا في الاعتماد على أي وثائق قديمة ظهرت في العلن لتسرد الأسباب “الحقيقية” لموقف الكنيسة المحاصر بشأن هذه القضايا. وبصفته من دعاة التطور يمكنه القول: ” تميزت تلك الكنيسة عن غيرها بأنها كانت الكنيسة الوحيدة التي نجحت في دمج معتقداتها مع ممارساتها الخارقة للطبيعة”. ولكن فيما يتعلق بالسبب الذي جعل آباء الكنيسة يطبقون هذه المحظورات بإصرار ضد المقاومة على مر القرون، فإنه لا يزال غامضًا بعض الشيء.

وفي مختلف أنحاء العالم اليوم لا يزال هناك تباين كبير في المجتمعات، فبعضها يُسمح فيها بزواج الأقارب بل ويُشجعه، وهناك مجتمعات قد يكون فيها هذا النوع من الزواج أشبه بالمحظور. وهناك أسباب وجيهة تجعلنا نفترض أن أسلافنا الأوائل قد تم تنظيمهم لعشرات الآلاف من السنين من خلال علاقات القرابة الوثيقة، والتي لا تزال تزدهر حتى اليوم في معظم المجتمعات. وعلى هذا فإن ما حدث في أوروبا بداية من منتصف الألفية الأولى كان بمثابة تطور كبير يقتصر إلى حد كبير على ثقافات معينة أو يتركز فيها على الأقل، حيث كانت ردود الفعل الإيجابية تحول الميول الصغيرة إلى اختلافات ضخمة حولت بعد ذلك المزيد من الاختلافات إلى ميلاد أفكار وثقافة الـ WEIRD.

هذا الكتاب ذو طموح عال، على غرار كتاب جاريد دايموند “أسلحة جراثيم وفولاذ”، والذي حصل على ذِكر موجز ومحترم، ولكنه يذهب أبعد من ذلك بكثير، فيدعم الحجج بالأدلة التي تم جمعها من قبل مختبر هينريتش ومعه العشرات من المتعاونين، ومن خلال استخدام نقاط البيانات المستمدة من تاريخ العالم وعلم الإنسان والاقتصاد ونظرية الألعاب وعلم النفس وعلم الأحياء أصبحت كل هذه النقاط متماسكة مع “الإنبهار\الإبهار الإحصائي” حين تعجز بقية الإحصائيات اليومية عن التمييز بين الإشارة والضوضاء. تتناول التعليقات الختامية والببليوغرافية أكثر من ١٥٠ صفحة وتتضمن مجموعة رائعة من المناقشات.

والواقع أن الكتاب يعج بالاعتذارات لعدم جمع ما يكفي من البيانات حول العديد من التساؤلات، وبالتالي فإنه يشير إلى فرضيات مؤقتة بعض الشيء، وتحذيرات بشأن عدم الخلط بين الارتباط والسببية، مثل “بعض المنتقدين سوف يتجاهلون هذه النقاط ويتظاهرون بأنني لم أقدمها قط”. يمكن للمرء في كثير من الأحيان اكتشاف الكثير عن الحيوانات المفترسة للكائن الحي من خلال رؤية الدفاعات التي وضعها في مكانه. يتوقع هينريتش وقوع معركة وقد تكون كذلك.

لطالما كان هناك فجوة عدائية بين علماء الأنثروبولوجيا الفيزيائية، الذين لديهم مختبرات ويدرسون أحافير عظام أسلاف الإنسان على سبيل المثال، وبين علماء الأنثروبولوجيا الثقافية الذين يقضون عدة مواسم في الغابة يتعلمون لغة وطرق القناصين والانسان البدائي على سبيل المثال، أما اليوم، فهم يقضون مواسم عدة في دراسة الطرق الشعبية والعادات والتقاليد لتجار الأسهم أو خبراء صناعة القهوة. إن هينريتش عالم أنثروبولوجيا ثقافي لكنه يريد أن يقوم بذلك على نحو سليم من خلال فرض الضوابط والتجارب والإحصاءات والادعاءات الواقعية التي يمكن إثبات صحتها أو خطؤها. في عام ١٩٦٠م ولِد مجال علم التاريخ الاقتصادي، وسجله التاريخ بالاستعانة بمجموعات ضخمة من البيانات والإحصاءات، ويريد هينريتش أن يُظهِر إلى أي مدى يمكن دفع هذا النهج. سيرى المؤرخون التقليديون وعلماء الأنثروبولوجيا الثقافية الغير رسمية أنفسهم في مواجهة منهجية لا يستخدمها إلا القليل منهم ويواجهون تحدياً للدفاع عن فرضياتهم الانطباعية ضد النتائج المختبرية التي توصل إليها.

يتم عرض فضائل وجود نظرية لتوجيه التحقيق بوضوح. فمن كان ليتصور ويتساءل عما إذا كان انتشار حقول الأرز في مناطق صغيرة مختلفة من الصين قد لعب نفس الدور السببي الذي لعبته المسافات في أوروبا؟ أو لماذا انخفضت التبرعات بالدم بشكل ملحوظ في جنوب إيطاليا مقارنةً بشمال إيطاليا اليوم. أو كيف تختلف مستويات هرمون التستوستيرون بشكل كبير خلال تاريخ حياة الرجال من مجتمعات الـ WEIRD”مجتمعات غربية متعلمة صناعية غنية ديموقراطية ” والرجال من المجتمعات كثيفة الأقارب. لقد وجد هينريتش عشرات الطرق لاختبار جوانب نظريته، وقد صمدت بشكل جيد للغاية مما أسفر عن العديد من التنبؤات المفاجئة التي وجدت مصادر متعددة للتأكيد ولكنها ليست كافية.

يعترف هينريتش بأن بحثه ما زال يتجاهل أجزاء كبيرة من سكان العالم، وعندما يحسب المجتمعات بدلاً من الناس لكي يحصل على قياسه فيما يتعلق بمدى شذوذ مجتمعات الـ WEIRD بين الناس، فبوسع المرء أن يتساءل عن النسبة المئوية من سكان العالم الذين أصبحوا WEIRD اليوم. في حالات كبيرة بدأت تتحول الأعراف إلى مجتمعات WEIRD، ولا أحد تقريباً يسير في الاتجاه المعاكس، لذا إن لم نكن نحن الـ WEIRD نشكل الأغلبية حتى الآن، فسوف نكون كذلك قريباً نظراً لأن المجتمعات ذات مؤشرات كثافة القرابة العالية تتطور أو تنقرض بسرعة لا تقل عن سرعة الآلاف من اللغات التي لا تزال قائمة.

وينبغي لخبير إحصائي جيد (وأنا لست كذلك) أن يدقق في الاستخدامات العديدة للإحصاءات التي يقدمها هينريتش وفريقه. من المحتمل أن تكون جميعها سليمة ولكنه يريد أن يتم فحصها بدقة من قبل الخبراء. هذا علم. إن الخبراء الذين لا يملكون الأدوات التقنية ـ المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجيا بصورة خاصة ـ يلعبون دورًا مهمًا أيضًا، كما يجب عليهم أن يفتشوا بين خبايا الكتاب ليستخرجوا بالمناقيش ما دُسّ من الحقائق المزعجة. وقد يكون هذا التحرك بريئاً، حيث أن هينريتش ذاته على الرغم من اتساع نطاق دراسته المذهلة إلا أنه ليس خبيراً في كل هذه المجالات وقد يكون ببساطة جاهلاً بالاستثناءات المهمة الغير معروفة لتعميماته. إن نقله الشديد التفصيل والثقة عن الحقائق التاريخية والأنثروبولوجية يثير إعجابي، ولكن ماذا أعرف؟ لا يمكنك ملاحظة ما لم يتم ذكره ما لم تكن خبيراً.

يدعو هذا الكتاب إلى إجراء تدقيق قاس من جميع النواحي، وما لا يحتاج إليه ولا ينبغي أن يثيره هو الإدانات الإيديولوجية أو الاقتباسات من مقاطع رائعة من قبل السلطات المقدسة. هل يصل المؤرخون وخبراء الاقتصاد وعلماء الأنثروبولوجيا إلى مستوى المهمة؟ سيكون من المدهش أن نرى هذا.

المصدر