كيف نعزز “الشوشين” – كريستان غاريت/ ترجمة: مريم الصحبي

كيف نعزز “الشوشين” – كريستان غاريت/ ترجمة: مريم الصحبي

من السهل على العقل أن ينغلق أمام الأفكار الجديدة. إن تنمية عقل المبتدئ تساعدنا على اكتشاف متعة التعلم.

الحاجة إلى المعرفة

يُترجم مصطلح شوشين الياباني المأخوذ من المذهب البوذي إلى “عقل مبتدئ”، ويُشير إلى المفارقة التي تقول بأنه كلما عرفت أكثر عن موضوع ما، كلما أغفلت عقلك عن تعلم المزيد. وكما قال الراهب البوذي شونريو سوزوكي في كتابه العقل الهادئ، عقل المبتدئ (1970): “هناك العديد من الاحتمالات في عقل المبتدئ بينما في العقل الخبير فهناك القليل منها”.

تبيّن العديد من الأمثلة التاريخية كيف يُمكن لعقل الخبير (أو العقل المشابه للخبير) أن يؤدي إلى انغلاق الفكروعرقلة التقدم العلمي. على سبيل المثال، في عام 1912 عندما طرح العالم والمستكشف الألماني ألفريد فيغنر نظريته -على عكس الحكمة المتلقاة اليوم- أن الأرض تتكون من صفائح قارية متحركة، سخر منه الجيولوجيون الخبراء في جميع أنحاء العالم. ونسب زملاؤه الألمان ذلك إلى هذيانه، بينما اتهمه الخبراء في الولايات المتحدة بنشر العلوم الزائفة. سوف يستغرق الأمر عقوداً قبل أن ينقلب الرأي ويتم الاعتراف بدقة نظريته.

قصص كثيرة مماثلة. في اختصاصي مجال علم الأعصاب، مثلاً، الإيمان “بالمعتقد القاسي” لعالم الأعصاب الأسباني الأسطورة سانتياغو رامون إي كاجال بأن جسد الإنسان البالغ غير قادر على زراعة خلايا عصبية جديدة، استمر لعقود في مواجهة أدلة متناقضة متزايدة.

الغطرسة الفكرية لا تؤثرعلى الخبراء العلميين فقط. إن الحصول على شهادة علمية في موضوع ما يمكن أن يدفع الناس إلى المبالغة الشديدة في تقدير معرفتهم. وفي دراسة ذات صلة بهذا الموضوع في عام 2015، طلب باحثون في جامعة يال من الخريجين تقدير معرفتهم في مواضيع مختلفة ذات صلة بشهاداتهم، ثم اختبروا قدرتهم الفعلية على شرح تلك المواضيع. يبالغ المشاركون في كثير من الأحيان في تقدير مستوى فهمهم، وعلى مايبدو بأنهم اخطأوا في تقدير ذروة معرفتهم في الوقت الذي درسوه في الجامعة بمعرفتهم الحالية الأكثر تواضعاً مما كانوا عليه.

ولسوء الحظ، تماماً كما كتب سوزوكي وكما تظهر الحكايات التاريخية، هناك أدلة بحثية تثبت أن مجرد الشعور كالعقل الخبير يسبب انغلاق الفكر. وشملت دراسة أخرى إعطاء الناس انطباعاً بأنهم خبراء نسبياً في موضوع ما (كإعطائهم درجات عالية في اختبار المعرفة السياسية)، مما جعلهم أقل رغبة في معرفة وجهات النظر السياسية الأخرى. وهي ظاهرة يسميها الباحثون “التأثير الدوغماتي المكتسب”.

ويمكن رؤية نتائج الثقة الفكرية المفرطة في المناقشات المحيطة بالقضايا المعاصرة المثيرة للجدل. فلنأخذ مسألة الأغذية المعدلة وراثياً، والتي تعتبر على أساس المعرفة العلمية الحالية في الغالب آمنة. أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يمتلكون أقوى الحجج ضد الأغذية المعدلة وراثياً باعتبارهم أنها مضرة، هم الأكثر ميلاً إلى المبالغة في تقدير معرفتهم بهذا الموضوع. ­

ويمكن أن يساعد التعامل مع القضايا بعقل المبتدئ أو أخذ جرعة صحية من التواضع الفكري على مواجهة عيوب الغطرسة الفكرية. في الواقع، إن الأشخاص ذوي التواضع الفكري هم من يعرفون أكثر، ويفترض ذلك لأنهم أكثر تقبلاً للمعلومات الجديدة. وعلى نحو مماثل، يرتبط التواضع الفكري بالانفتاح والرغبة بشكل أكبر في الاستجابة لمنظورات الآخرين، ويمكن القول بإنه مجرد منشط يحتاج إليه عالمنا المحموم سياسياً اليوم.

وبالتالي، فإن تعزيز عقلك المبتدئ سوف يساعدك على أن تصبح أكثر دراية وأقل ثقة مفرطة وأكثر استعداداً للانخراط مع الآخرين، وهي السمات التي يبحث عنها أصحاب العمل بشكل متزايد. ومن خلال التدرب على المرونة بدلاً من التعصب وأكثر تواضعاً وأقل وقاحة، ستكون حساساً لوجهات نظر الآخرين واحتياجاتهم، مما يجعلك أختاً وأخاً وأباً وأماً وشريكاً وصديقاً أفضل. من السهل كثيراً التمتع بعجائب العالم، والنضج والتعلم والاستمتاع بعينين وعقل منفتح.

ما العمل

الخطوة الأولى المهمة نحو إمتلاك عقل أكثر انفتاحاً هي إنشاء شعور واقعي بمعرفتك. عدد لا يُحصى من الدارسات أظهرت أن معظمنا نبالغ في فهمنا لمواضيع مختلفة. في كل شيء من كيفية عمل المكنسة الكهربائية إلى تفاصيل السياسات السياسية، وهي ظاهرة تسمى “وهم العمق التفسيري”. لحسن الحظ هناك طريقة بسيطة جداً لمعالجة هذا النموذج الفكري المفرط، وهو بذل الجهد في شرح قضية أو موضوع لنفسك أو إلى أي شخص آخر بالتفصيل، إما بصوت عال أو كتابياً. هذا التمرين يجعل الفجوات في معرفتنا أكثر وضوحاً ويفجر وهم الخبرة.

وإذا كان الشروع في تفسير كامل يبدو غير عملي أو شاق للغاية، فهناك نسخة مختصرة يمكنك تجربتها. في عام 2016، أظهر علماء النفس في جامعة واشنطن ولي في فيرجينيا أن نفس التأثير المفيد يمكن تحقيقه ببساطة من خلال قضاء بضع ثوان في التفكير في قدرتك على شرح قضية معينة لخبير حقيقي خطوة بخطوة بطريقة متصلة سببياً مع عدم وجود أي ثغرات في قصتك.

وهناك عقبة رئيسية أخرى تحول دون الانفتاح وهي أننا نميل بشكل طبيعي إلى البحث عن المعلومات التي تدعم آرائنا ومعتقداتنا الحالية، وهي عقيدة إنسانية تعرف باسم “الانحياز التأكيدي”. وهذا يديم العقل المنغلق ويجعلنا أكثر ثقة بمعرفتنا.

لمحاربة الانحياز التأكيدي، كن على علم به. وذكر نفسك باستمرار أنه موجود، واتخذ خطوات نشطة للعمل ضده وذلك عن طريق البحث عن معلومات ووجهات نظر تتعارض مع موقفك الحالي. أشارت دراسة نشرت عام 1980 إلى أن تحدي نفسك بنشاط بهذه الطريقة يمكن أن يكون مفيداً. في هذه الدراسة طرح على المتطوعين أسئلة تافهة، مثل “كانت سابين جزء من (أ) الهند القديمة أو (ب) روما القديمة”، ثم طلب منهم تقييم احتمالات صحة إجاباتهم. وكما هو متوقع، كان المتطوعون يميلون إلى الثقة المفرطة في دقة أجابتهم. ومع ذلك، وجد الباحثون أنه من الممكن الحد من هذه الثقة المفرطة ببساطة من خلال سؤال المتطوعين بإدراج سبب واحد يوضح لماذا قد تكون إجاباتهم خاطئة. وكتب الباحثون: ” الأشخاص المهتمون بالتقييم الصحيح لمعرفتهم يجب أن يعملوا بجد أكبر في توظيف الحجج وتقييمها”. ومع ذلك فمن المرجح أن يكون هذا الجهد الإضافي قليل الفائدة ما لم يكن موجهاً نحو توظيف أسباب متناقضة.

الطريقة التي تفكر بها في الذكاء والخبرة متعلقة أيضاً بأن تكون أكثر انفتاحاً. تجادل “نظرية عقلية النمو” أنه إذا رأينا القدرات قابلة للطرق بدلاً من كونها ثابتة، فيمكننا التعلم بشكل أفضل. وعلى الرغم من أن تنفيذ هذه النظرية في التعليم الرسمي قد تعرض لبعض الانتقادات في الآونة الأخيرة، إلا أن الكثيرين لا يزالون يرون قيمة هذا المفهوم. وهناك منطق مقنع لفكرة أن منظور الناس حول طبيعة الذكاء من المرجح أن يشجع على تواضعهم الفكري.

دعمت سلسلة من الدراسات التي نشرت في عام 2018 هذا الرأي، حيث أظهرت أن الأشخاص الذين كانوا أكثر تواضعاً من الناحية الفكرية يميلون أيضاً إلى “عقلية النمو” تجاه الذكاء.  ويبدو هذا منطقياً – إذا كنت تعتقد أن الذكاء هو شيء إما أن تنعم به أو لا، فأنت تعترف (أو تسعى بنشاط لتكشف) الفجوات في معرفتك وحكمتك والتي قد تكون تهديداً وبمثابة دليل واضح على دونيتك الفكرية.  وعلى نقيض ذلك، إذا كنت ترى الذكاء كشيء يمكن تطويره، فإن العثور على ثقوب في معرفتك لا يشكل تهديداً، بل يفتح فرصاً جديدة ومثيرة للتعلم.

ومما يدعو إلى التفاؤل أن نفس الدراسة في عام 2018 أظهرت أنه قد يكون من الممكن تعزيز التواضع الفكري من خلال تشجيع عقلية النمو. أدى طلب المتطوعين لقراءة مقال علمي عن مرونة الذكاء إلى تحقيق درجة أعلى من مقياس التواضع الفكري وأن يكونوا أكثر انفتاحاً على وجهات النظر الأخرى، مقارنةً مع مجموعة المراقبة. وقال الباحثون ” تشير هذه الدراسة إلى أنه يمكن تعزيز التواضع الفكري ولو بشكل مؤقت، وتشير إلى عقلية النمو كمجموعة من المعتقدات التي تبدو قادرة على القيام بذلك”.

الخطوة الأخيرة الأكثر متعة التي يمكنك اتخاذها لزيادة تواضعك الفكري تأتي في شكل استحضار متعمد لنفسك عاطفة الرهبة. وقد أظهرت عدة دراسات أن الرهبة تهدئ الأنا وتحث على الانفتاح المعرفي، وأي رغبة أكبر في النظر إلى الأمور بشكل مختلف والاعتراف بالفجوات في المعرفة. ويبدو أن العاطفة تقلل أيضا من حاجة الناس إلى أن تكون راضية عن طريق حجج محددة ومغلقة.

فلنأخذ بعين الاعتبار سلسلة من الدراسات المنشورة عام 2019 والتي تضمنت متطوعين يشاهدون مقاطع فيديو مهيبة للطبيعة أو سماء الليل. أدى بهم ذلك إلى حمل اعتقادات بشأن عقوبة الإعدام بأقل قدر من الإدانة، ورؤية النقاشات السياسية أقل استقطاباً، والرغبة في التعامل مع من لديهم وجهات نظر معارضة بشأن الهجرة. دراسة أخرى نشرت في نفس العام، حيث استخدموا فيها فيديوهات للطبيعة وتجربة الواقع الافتراضي للشفق القطبي لإثارة الرهبة، ووجدوا أن العاطفة دفعت المتطوعين إلى أن يكونوا أكثر وعياً بالفجوات في معرفتهم، والاهتمام الشديد بالعلم. وكإعادة صياغة مقولة ألبرت أينشتاين، كتب الباحثون ” أن الشخص الذي لا يختبر الإثارة أبداً يتوقف عن الاكتشاف”. الرسالة بسيطة: لزيادة انفتاح عقلك، حاول أن تأخذ الوقت الكافي للنظر بتعجب في النجوم.

النقاط الرئيسية

  • اشرح نظرية أو فكرة لنفسك أو لشخص آخر. الثقة المفرطة في معرفتك وخبرتك تؤجج الانغلاق العقلي. بمحاولة شرح فكرة أو حجة لشخص آخر، سيكون لديك شعور أكثر واقعية بما تفعله وما لا تعرفه.

  • تجادل مع نفسك. جزء أساسي من علم النفس البشري أننا نميل إلى البحث عن المعرفة والمعلومات التي تتوافق مع آرائنا ومعتقداتنا. حاول أن تكون أكثر وعيا من هذا ” الانحياز التأكيدي”، وقم بمقاومته عمداً من خلال المناقشة مع نفسك. وابحث عن أدلة أو حجج تتعارض مع وجهة نظرك الحالية.

  • اعلم بأن الذكاء ليس ثابتاً ولكنه يتزايد من خلال السعي وراء المعرفة. وإذا كنت تؤمن بمرونة العقل فإن هذا يعرف بامتلاك ” عقلية النمو” (وعلى نقيض ذلك، إذا كنت ترى الأشخاص من الأساس إما أذكياء أو جهلاء فأنت تملك عقلية ثابتة). بتذكير نفسك دورياً أن الخبرة هي شيء يتراكم من خلال الدراسة والجهد، فأنت أكثر عرضة لتطوير عقلية النمو، وهذا بدوره سيساعدك على أن تكون أكثر انفتاحاً.

  • انظر إلى النجوم، انظر إلى سماء الليل. امشي في الطبيعة أو استمع إلى سيمفونية مثيرة. وأي أنشطة تستحضر فيك مشاعر الرهبة والإثارة (اندهش من ضخامة العالم وجماله) ستزيد من شعورك بالتواضع وستلهمك منظوراً أكثر انفتاحاً.

تعلم المزيد

إن تعزيز “شوشين” أو “عقل المبتدئ” ليس محاولة فردية بحتة. هناك أيضاً بُعد اجتماعي وشخصي هام لزراعة الانفتاح والتواضع. ويعتقد أن الغطرسة الفكرية أو العقول المنغلقة تنبع جزئياً من شكل من أشكال الدفاع عن الذات. فنحن لا نحب أن نكتشف (أو ندع الآخرين يعرفون) أننا مخطئون أو جاهلون لأنه يضر احترامنا لذاتنا.  في بيئة نشعر فيها بالاحترام والأمان، يتضاءل هذا الخوف ونكون على استعداد لكشف أنفسنا لخطر عدم اليقين والاعتراف بما لا نعرفه. وهذا يشير إلى أنه إذا وعندما تشعر بالدعم والرعاية، فستكون أكثر ميلاً إلى الاعتراف بقلة علمك وأخطائك.

اختبر الباحثون هذا في سلسلة من الدراسات التي نشرت عام 2018، ووجدوا أن الأشخاص الذين شعروا بأن شريكهم أو أصدقائهم كانوا أكثر استجابة (أي في اللطف والفهم) يميلون أيضاً إلى أن يكونوا أكثر تواضعاً وانفتاحاً على وجهات النظر الأخرى. ووجدت دراسة مماثلةعام 2017 أن الأشخاص الذين يملكون نمط علاقة أكثر أماناً (يشعرون بالثقة في علاقاتهم) كانوا أكثر انفتاحاً للنظر في وجهات النظر المعاكسة لمعتقداتهم.

هذه الدراسة تذكرنا بأن التواضع الفكري لا يحدث في فراغ، وأن علاقاتنا يمكن أن تشكل مدى دفاعنا عن معرفتنا ومعتقداتنا. ولكي تكون أكثر انفتاحاً، فإن هذا يساعدك على الشعور بالحب والاحترام. وبالطبع، فهذا يعمل أيضاً بشكل عكسي. وإذا كنت ترغب في أن يكون من حولك أكثر انفتاحاً، فانظر إذا ما كنت تقدم لهم الاحترام والتفاهم ليتخلوا عن دفاعاتهم. يمكن للأشخاص المسؤولين عن المؤسسات، مثل مديري الشركات أو مديري المدارس النظر فيما إذا كانوا يفعلون ما يكفي لتعزيز ثقافة يتمتع فيها الناس بالثقة للاعتراف بما لا يعرفونه وتغيير آرائهم.

شيء آخر يجب أخذه في الاعتبار، وهو أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن التواضع الفكري – شوشين أو نهج المبتدئين في الحياة- هو حالة أكثر من كونه ميزة. وهذا يعني أنه يتفاوت بين الأفراد من حالة لأخرى. أكثر من أنه يتفاوت بين الأشخاص باعتباره جانباً أكثر استقراراً في الشخصية. وهذا يشير إلى أن السعي إلى التواضع والانفتاح هو شاغل مستمر، وليس هدفاً يمكن غض الطرف عنه واعتباره مكتمل. بمعنى آخر، لا تنس أن تكون متواضعاً بشأن تواضعك الفكري.


المصدر: https://psyche.co/guides/how-to-cultivate-shoshin-or-a-beginners-mind

المراجع والكتب:

  • The British Psychological Society provides information on a shorthand technique called ‘Reflection on Explanatory Ability’ that can help you more realistically assess your current state of understanding about a given topic or issue.
  • There are myriad books that explore in great detail the foibles of the human mind and why it makes sense to be intellectually humble. Two of my favourites are Intuition: Its Powers and Perils (2004) by David Myers and, more recently, The Intelligence Trap: Revolutionise your Thinking and Make Wiser Decisions (2019) by David Robson.
  • The You Are Not So Smart podcast presented by David McRaney covers similar territory.
  • The Moral Maze from BBC Radio 4 presents diverse perspectives on difficult issues.
  • Each episode of the Changed My Mind podcast invites guests to tell the story of a substantive issue they’ve changed their mind on, why – and what they have learned from it.
  • Mindset (2007) by Carol Dweck is the seminal book on her theory, though for a critical counterpoint check out this 2019 Aeon essay by Carl Hendrick.
  • For a shot of awe from the comfort of your living room, try Planet Earth from the BBC, Our Planet from Netflix, or watch the Aeon Video channel.

error: