كيف نتعامل مع عنصرية كانط، داخل القاعة الدراسية وخارجها – فيكتور أبونديز-غويرا / ترجمة: فاطمة مصطفى، مراجعة وتدقيق: دليلة ميمون

كيف نتعامل مع عنصرية كانط، داخل القاعة الدراسية وخارجها – فيكتور أبونديز-غويرا / ترجمة: فاطمة مصطفى، مراجعة وتدقيق: دليلة ميمون

  1. عنصرية كانط

    إيمانويل كانط ، فيلسوف ألماني عنصرية كانط


    عنصرية كانط (المقدمة):

     حظي الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط بالكثير من الاهتمام في العقود الأخيرة بصفته أحد أكبر الفلاسفة المؤثرين في القرن الواحد والعشرين. كانت فلسفة كانط الأخلاقية موضوعًا لغالبية مصادر المعلومات ومراجعها، وأساسًا ثابتًا في غالبية الفصول التمهيدية في المجال الفلسفي. بالرغم من أن فلسفته العرقية لم تتلقى نفس القدر من الشهرة، إلا أن الاهتمام بها قد زاد بشكلٍ ملحوظ في السنوات الأخيرة. والفضل يعود لفلاسفة مثل تشارلز ميلز، وإيمانويل إيز، ولوشيوس أوتلو لما قاموا به من جهود لرفعها من القاع وتسليط الضوء عليها. حفزت مؤلفاتهم الكثير من المناقشات حول طرق تفسير فلسفته العرقية وما إن كان بينها وبين فلسفته الأخلاقية علاقةً أو رابطًا يجمعهما.

 

عنصرية كانط , و تشارلز ميلز

تشارلز ميلز ، سوسيولوجي أمريكي

    قد يتساءل القارئ عن مدى أهمية أفكار كانط العرقية مقارنةً بفلسفته الأخلاقية الواسعة، وفي حال كان القارئ غير مطلع مسبقًا على أفكار كانط العرقية فقد يتساءل ما إن كان لديه ما يستحق القول أو إضافة مهمة في موضوع العرق من الأساس، لكن النقطة المركزية لهذه النقاشات هي محاضرات كانط عن الجغرافيا والأنثروبولوجيا، وقد حاضر كانط في هذين المجالين بصورة مكثفة لمدة أربعين عامًا، منذ 1776 حتى 1796. قدم كانط اثنين وسبعين فصلًا في كلًا من الأنثروبولجيا والجغرافيا الطبيعية، بينما قدم ثمانية وعشرين فصلًا في الفلسفة الأخلاقية[1]. كان كانط يعتبر هذين المجالين كالتوأمين يسيران جنبًا إلى جنب؛ فالجغرافيا تدرس الجوانب الخارجية لحياة الإنسان، بينما تدرس الأنثروبولجيا الجوانب الداخلية والسيكولوجية لحياة الإنسان.

     قال كانط أنه يمكن تناول الأنثروبولوجيا بأسلوب سيكولوجي وأسلوب براغماتي. يعنى الجانب البراغماتي بـ “اكتشاف ما يجعل المرء قادرًا على التصرف بحرية”[2]. ومن خلال هذه المحاضرات يستطيع القارئ أن يجد أفكار كانط العرقية، وعبر شرحه المسهب يزودنا بواجهة متكاملة لفلسفته العرقية التي تجعلنا نتساءل عن مدى تأثيرها العام.

    سأبدأ هذه المناظرة بتناول سؤالٍ غليظ يتكرر كثيرًا في مجال الفلسفة، ألا وهو: “كيف يجب على المرء أن يتصرف تجاه التصريحات المتعصبة لفيلسوفٍ ما؟”

     ستركز هذه الأطروحة على كانط ونظرته تجاه العرق، وأريد أن أوضح أن هذه المشكلة لا تخص كانط فقط أو الفلسفة.[3] المؤلفات والنصوص المتعصبة ليست مشكلة خاصة بالفلسفة، فلذا أيًا يكن الموقف الذي نتخذه تجاه كانط يمكننا اعتباره بطريقة ما الموقف النموذجي الذي سنتبناه في مواجهة أي مشكلة مشابهة عمومًا.

     أفكار كانط عن العرق قد تكون أفضل ممثلٍ للأيدولوجيات في عصر التنوير، حيث أنه بدأ ينشر مؤلفاته في نفس الوقت الذي ظهرت فيه المعارضة الدينية والفلسفية للعبودية.

     أفتتح هذا البحث من خلال إلقاء نظرةٍ سريعة على آراء كانط وكتاباته عن العرق. سأتمعن بعد ذلك في المواقف العديدة التي قد يتخذها القارئ لمواجهة مؤلفات كانط، وسأشير إلى ما يتضمنه كل موقف من عيوبٍ أخلاقية وتربوية، والعوائق التي قد تواجه الطالب داخل القاعة الدراسية وخارجها.
ونهايةً أؤكد على أن الموقف الذي يتوجب علينا اتخاذه لابد أن يكون مبنيًا على معرفة عميقة، تشمل الاعتراف بثلاثة أمور:

أ) إدراك أن أفكار كانط العرقية تعكس طبيعة شخصيته

ب) إدراك أن كانط مسؤولٌ عن العنصرية التي تتضمنها مؤلفاته

ج) أن يضع القارئ احتمال كون أفكار كانط العرقية ليست مثبتة فقط، ولكن تؤثر أيضًا على عقيدته وفلسفته الأخلاقية بدرجة عالية، ونتيجة لذلك قد نحتاج لمراجعة الطريقة التي نفسر بها فلسفته الأخلاقية.

  1. أفكار كانط العرقية (عنصرية كانط):

     إن أول الأشياء التي قد يلاحظها القارئ في أفكار كانط العرقية هو الهرم العرقي المتدرج، حيث يضع كانط في قمة الهرم العرق الأبيض بصفته الأعلى والأفضل وتليه بدرجات متفاوتة بقية الأعراق.

على الأرجح أن هذا الهرم العرقي هو أوضع جانب في أفكار كانط عن العرق، وبالرغم من غموض نوايا كانط لتصميم هذا الهرم وإطلاقه إلا أن أحدًا لا يمكنه أن ينكر حقيقة أن هذا الهرم ينهض بالأفضلية للعرق الأبيض.

     نستطيع أن نبدأ بإلقاء نظرةٍ سريعة على مقال كانط “حول الأعراق المختلفة” المنشور عام 1775م، حيث أكّد كانط في هذا المقال على ثبوت وديمومة العرق، ووضّح كيفية اختلافه مع مفكرين آخرين مثل فولتير، إذ كان فولتير يعتقد في تعددية الجينات، وهذه النظرية باتت محل شكٍ لدى غالبية العلماء في عصرنا الحالي.

ويرجع هذا الاختلاف لكون كانط رجل مسيحي وبذلك متمسكٌ بالنظرية الأحادية للجينات، فيخبرنا كانط: “كل البشر من كل مكانٍ في العالم يرجعون (ينتمون) لأصلٍ واحد طبيعي، من خلال هذا الاتحاد للأنواع في الطبيعة -الذي يوازن بين قوته وتأثيره على الأجيال عامةً- يمكننا أن نقدم دليلًا واحدًا يفسر كيف ينتمي كل البشر لنفس الجذور الأحادية.”[4]

     كل شيء جيد حتى الآن، لكن سرعان ما تزداد المسألة تعقيدًا فور دخول عنصر شائك كمسألة العرق في الأمر، فبالرغم من اعتراف كانط أن “الزنوج والبيض ليسا نوعين مختلفين من البشر”[5] بما أنهم ينتمون لنفس الجذور، إلا أنهم يتألفون من أعراق مختلفة ومتباينة؛ وبذلك يؤدي هذا إلى انقسام رباعي من نوع الإنسان: ” البيض، والزنوج، الهونية (المنغول وكلكماش)، الهندوش أو الهندوستانيش.”[6] تكونت هذه الأعراق نتيجة لتجمعٍ البذور والجراثيم، فتطورت بطرق مختلفة حسب الطبيعة الجغرافية للمكان، وحالما تتطور هذه الجرثومة في مناخٍ مستمر عبر عددٍ من الأجيال؛ لتصبح ثابتة وغير قابلة للتغيير.[7]

وصولًا لهذه النقطة يبدو أن كانط بنى نظريته على نهج العلوم الزائفة، التي تحاول فصل الإنسان وتقسيمه لمجموعات بيولوجية مختلفة، ولو كان هذا الاتهام في محله؛ فإن نظرية كانط العرقية يمكن تجاهلها كهرطقات من العلوم الزائفة، ضعيفة الأصل ولا دخل لها بفلسفته الأخلاقية، لكن للأسف أن تنتمي لأحد مجموعات كانط البيولوجية لا يخبرنا هذا عن تاريخ نسبك الجغرافي فحسب بل يحدد أيضًا طبيعتك الشخصية وقيمتك الذاتية من المنظور الأخلاقي. تم تحديد التفاوت بين طبقات هرم كانط العرقي بحسب المواهب الفطرية لكل عرق، ويشرح إيز هذه النقطة جيدًا فيقول:

“الموهبة حسب المفاهيم الكانطية في العرق والأخلاق هي عنصر تضمنه الطبيعة للعرق الأبيض؛ فهم الأعلى مراتبًا فوق كل الأنواع البشرية والمخلوقات الأخرى، يليهم بعد ذلك “الصُّفر”، ثم “السُّود”، وأخيرًا “الحُمر”. يمثل لون البشرة عند كانط العامل الفارق الذي سيحدد ما إن كان العرق مستقرًا في درجة عليا أو دنيا، ويحدد كذلك الموهبة من انعدامها، وأيضًا القدرة على استيعاب المنطق وإدراك الفكر الأخلاقي. لذلك لا يمكن القول بأن لون البشرة عند كانط ما هو سوى مجرد جزء بسيط يشكل المظهر الخارجي، بل العرق بالنسبة إليه بمثابة الدليل لمثلٍ أخلاقية ثابتة وغير قابلة للتغيير، قد يُحرم الإنسان الأسود على سبيل المثال من وصفه كـ”إنسان كامل” بما أن الإنسانية الكاملة لدى كانط تنطبق فقط على الأوروبيين البيض.”[8]

يصرّح كانط بذلك في كتابه “الجغرافيا الطبيعية” حين يقول:

“تتجلى الإنسانية بشكلها الأمثل في العرق الأبيض. الهنود الصُّفر لديهم قدر أقل من الموهبة، والزّنوج أقل من الصُّفر منزلة، والأدنى مستوىً بينهم هم الأمريكيون.”[9]

يظهر هذا الأمر في جوانب كثيرة من مؤلفات كانط الأخرى، فمثلًا، كشف كانط عن اتفاقه مع آراء ديفيد هيوم ونظرته للأفريقيين عام 1764م في كتابه “ملاحظات”:

“زنوج القارة الأفريقية بطبيعتهم لا يملكون إحساسا يدفعهم للارتقاء فوق التفاهة والوضاعة. السيد هيوم يتحدى أن يأتي أحد بمثالٍ واحد على زنجيٍ أظهر أدنى قدر من الموهبة، كما أنه يؤكد أن من بين مئات الألوف من السود الذين انتقلوا من مواطنهم (وبالرغم من أن الكثير منهم قد تحرر من العبودية) لم يبرز أيٌ منهم، ولو فردًا واحدًا، أو يطرح ما فيه منفعة للمجال العلمي أو الفني، أو متضمنًا لما يستحق الإشادة به. وبالرغم من أن الكثير من البيض كانوا من طبقاتٍ فقيرة، فإنه من خلال مواهبهم الفذة نالوا مكانةً محترمة في العالم.”[10]

قد يصر القارئ أن كانط لم يقم إلا باستعراض آراء هيوم الخبيثة، لكن للأسف كانط لا يتوقف عند هذا الحد، فيكمل الفقرة السابقة بإعطاء بعض النصائح:

“الفروقات بين العروق المختلفة ] الأبيض والأسود[ أساسية، ويظهر الفرق الكبير بوضوح في تفاوت القدرات العقلية بقدر ما هو واضح في لون البشرة.” وبذلك ” عبارة مثل (هذا الرجل أسود من رأسه لأخمص قدميه) تعطي تفسيرًا منطقيًا لِمَ نعتنا ما قاله الرجل الأسود بالغباء أو الجهل.”[11]

نصائح كانط لا تنتهي هنا، بل يتمادى بطرح اقتراحات حول الكيفية الصحيحة التي يجب أن يُجلد بها السود “استخدام عصا البامبو أفضل من السوط، حتى يعاني الزنجي آلامًا مضاعفة، فجلد الزنوج سميك ولن تضنيه ضربات السوط الخفيفة، والحرص واجب في حال استخدام البامبو حتى لا يموت.”[12]

من خلال هذه التعليقات العنصرية والمريعة يتضح أن كانط لا يرى أن كل البشر سواسية، لكن ماهي المقومات التي تجعل البيض أعلى مرتبةً في نظره؟ يبدو أن الإجابة تكمن في العقلانية، أو فضلًا عن ذلك العقلانية الناقصة.

فعندما يتحدث كانط عن أعراقٍ أخرى نلاحظ فورًا اعتقاده أن مَلكة العقل لديهم ناقصة بطريقةٍ أو بأخرى، ونطرح هنا اقتباس آخر من كتاب الجغرافيا الطبيعية، يقول فيه كانط:

“تثقيف الأمريكيين وتعليمهم أمرٌ مستحيل؛ فهم لا يملكون دوافع تحفيزية، إذ تنقصهم العاطفة والشغف. لا يقعون في الحب وبذلك لا يشعرون بالخوف أيضًا، لا يلاطفون بعضهم البعض، وكلامهم قليل جدًا، لا يهتمون بأي شيء، وهم بطبيعتهم كسالى.”[13]

بعد ذلك يتطرق كانط لوصف السود، ويتحول أسلوبه للتفاؤل إذ يرى أنهم قابلين “للترويض” (غالبًا عن طريق التعذيب الجسدي):

“يستطيع المرء أن يصف الزنوج بأنهم عكس الأمريكيين تمامًا؛ إنهم عطوفون وشغوفون، حيويّون جدًا، ويتحدثون كثيرًا. تعليمهم أمرٌ قابل للتحقيق، لكن كخدم وعبيد فقط. هناك مجالٌ لترويضهم وتدريبهم، فهم يملكون دوافع تحفيزية كما أنهم حساسون للغاية، ولأن لديهم حِسٌ بالكرامة والشرف فهم يخافون الجَلد.”[14]

أما بالنسبة للهندوسيين، يقول كانط أن طبيعتهم تتقارب كثيرًا من طبيعة البيض، لكن حدودهم تظهر عندما تأتي المسألة لتعلم العلوم. فيصفهم كانط كالتالي:

“دوافعهم التحفيزية قوية لكنهم يقفون عند حد معين من الكمون. جميعهم يبدون كالفلاسفة، ومع ذلك يمكن القول أنهم ميّالون لمشاعر الغضب والحب، وهذا سبب تفوقهم في التعليم بدرجاتٍ عالية، لكن تفوقهم يقتصر على مجالاتٍ معينة كالفنون، أما إجادة العلوم فليست من مميزاتهم، فقدراتهم لا تسع لفهم النظريات والأفكار المجردة. الرجل الهندوستاني الناجح هو من وَصلَ لمنزلة رفيعة في الفنون المضللة وحصل على ثروة طائلة، وعلى الرغم من بدء تعليمهم مبكرًا إلا أنهم دائمًا ما يبقون على حالهم، فيصلون لمرحلة محدودة من التقدم ليقفوا عندها.”[15]

سرعان ما سيلاحظ القارئ عدم إدراج كل الأعراق تحت تصنيفات كانط الثلاث: الهندوس، والزنوج، والأمريكيين. لكنني أشك أن لديه رأيًا مغايرًا عنهم، فحتمًا ستكون نظرته دونية. عندما تحدث عن جزيرة تاهيتي قال كانط: “لم يقم سكان تاهيتي بزيارة مناطق أخرى أكثر تحضرًا، وهكذا مقدرٌ لهم أن يعيشوا في خمولهم لآلافٍ من القرون. لا يستطيع أي شخص أن يقدم إجابة مرضية للسؤال (لِمَ هم موجودين في الأساس؟) فالحال لن يتغير سواء كانوا سكان هذه الجزيرة مجموعة من الخراف والماشية أو رجالٌ منشغلون بالمتعة فقط.”[16]

على ما يبدو أن العرق الوحيد القادر على استحواذ الملكة الكلية للعقل والثقافة في نظر كانط هو العرق الأبيض. يخبرنا كانط “العرق الأبيض بطبيعته يمتلك كل المواهب والدوافع، لذلك هو يستحق المعاينة والدراسة عن كثب أكثر من غيره.”[17]

بعد أن ذكرنا كل ما سبق قد يجيب من يدافع عن كانط على أنه بالرغم من وجود تفاوت في المواهب والقدرات الذهنية بين الأعراق فإنهم لا يزالون بشرًا وبذلك يستحقون اعتبارًا عادلًا أمام القانون الأخلاقي. رغم كون السود كسالى وأضعف ذهنيًا حسب رأي كانط، فإنه في نفس الوقت عندما نقارن بين عبقريٍ أبيض وقريب له أقل منه في المستوى الفكري لا يُهاجم هذا القريب على مستواه الأدنى، ولا يزال يتساوى مع العبقري أمام القانون. هذا ردٌ مقبول، لكني غير متأكد إن كان ما طرحُه سيثبت أي شيء في حال التطبيق الفعلي، فهنالك اختلافٌ بين كونك تستحق اعتبارًا عادلًا أمام القانون وبينما أن تتم معاملتك بتمييزٍ فور تطبيق هذا القانون العادل. يقول كانط عندما يناقش الفرق بين الواجبات لغيرك من البشر، وبين واجبك تجاه الآخرين حسب اختلاف حالاتهم:

“لا تحتاج واجبات الفضيلة لفصل خاص بها في نظام الأخلاق؛ بما أن الفضيلة لا تتضمن أي إلزامٍ أخلاقي بالكيفية التي بها يعامل البشر بعضهم البعض، فتلك الأخلاقيات ما هي إلا مجرد قواعد محسنة وجدت طبقًا لاختلاف الحالات التي يطبق عليها مبدأ الفضيلة، وهذه الحالات تروى عن تجارب واقعية مما يجعل لتطبيق مبدأ الواجبات الفضيلة نتائجٌ مخطط لها، وتقدم كأخلاقيات عملية جاهزة للإستعمال. كيف على المرء أن يتصرف تجاه الشخص الصالح أو الفاسق؟ تجاه المثقف أو المتخلف؟ كيف يجب أن يُعامَل الناس حسب تفاوت منازلهم سواء كان من ناحية جنسية أو عمرية أو الثراء أو الفقر…إلخ. هذا النوع من الأسئلة لا يجعلنا نتوسع في الأنواع المختلفة للإلزامات الأخلاقية (فهي في الأساس نوعٌ واحد ألا وهو الفضيلة)، وإنما يوضح لنا فقط الأساليب التطبيقية لها”[18]

أتشارك مع توماس مكارثي في شكوكه حول هذه الحالات المختلفة التي تطبق عليها نظريته تدخل فيها مسألة العرق أساسًا، فهذه الحالات إما تجعل التعامل مع العرق كقضية خاصة أو يدرجها تحت حالة أخرى، فيعاملها كصفات مثل التخلف والفساد الأخلاقي.[19] ولستُ أرى أي قيمة في الحرص على التأكيد أن الأعراق (غير البيض) يستحقون اعتبارًا أخلاقيًا عادلًا، خاصةً عندما يُطبَّق هذا القانون من خلال عملية مخططة النتائج.

بعد أن قمنا بمعاينة آراء كانط حول العرق بوسعنا الآن أن نعاين المواقف المختلفة التي قد يتخذها القارئ للتعامل مع هذه الأفكار كجزء من سياق فلسفة كانط، حيث سنبدأ بذكر المواقف الشائكة انتقالًا إلى أخرى ثابتة الحكم، وننظر في تلك الإشكاليات من وجهة نظر أخلاقية وتربوية.

  1. الإنكار: انعدام التوافق بين الفلسفة الأخلاقية والشخصية في عنصرية كانط

الموقف الأول الذي قد يتخذه القارئ تجاه آراء كانط العرقية هو إنكار كونها تعكس جانبًا من شخصيته. قد يفترض القارئ بالطبع أن كانط كتب الكثير من الهراء والهرطقات، لكن لا يمكن وصفه بالعنصرية. بمعنىً ما، ينكر أصحاب هذا الموقف عنصرية كانط من الأساس بسبب كونه فيلسوفًا أخلاقيًا؛ فهذا عمل يضمن نزاهة وصدق صاحبه، وهذه صفات لا تنطبق على العنصريين.

من ناحية نظرية، لا يوجد أيُّ فرصة لكانط أن يتسم بالعنصرية في ظل فلسفته التي وضعها. مَن يتخذ هذا الموقف قد يشير إلى مساهمات كانط في المناهضة بحق الإنسان أو ما قاله عن التفرقة بين الإنسان والجماد، الاهتمام الكبير الذي أولاه للأخير على وجه التحديد. على سبيل المثال، في كتاب الأنثروبولوجيا من وجهة نظر براغماتية يقول لنا كانط:

“حقيقة أن المرء واعٍ بفكرة الأنا ترفعه فورًا فوق كل المخلوقات الأخرى. فهذا ما يجعله إنسانا. ومن فضائل هذا الوجود الواعي يبقى الإنسان نفس الشخص مهما تكن التقلبات التي تلم به. فهو ذاتٌ مدركة بسبب كرامته وتفوقه، استحواذه على مجموعٍ من الصفات هو ما يجعله قادر على تطويع الحيوان الغير عاقل ليفرض سلطانه عليه ويحكمه.”[20]

باختصار، ما يقوله أصحاب هذا الموقف هو أن كل المؤلفات والأقاويل العنصرية التي وردت عن كانط تسقط أمام فلسفته الأخلاقية، فلا يُعقل أن نتوقع أن يثبت الفيلسوف دون زلة أو تناقض في كل مؤلفاته. لذلك علينا أن نعيّن أقاويل كانط العنصرية كأخطاء أو انحرافات لابد من تجاهلها أمام فلسفته. علاوةً على ذلك، عندما ننظر لشخصية كانط نرى أنها تعكس فلسفته الأخلاقية وليس فكره العرقي، وهذا ما يجب أخذه بعين الاعتبار.

أولًا، هناك مشكلتين في هذا الموقف وفي الحجج التي يذرع بها، فبدايةً كانت معظم محاضرات كانط عن الأنثروبولوجيا والجغرافيا أكثر منها عن الفلسفة، ولهذا السبب ليس واضحًا لِمَ يجدر بنا أن نعتبر أفكار كانط العرقية كـ”انحرافات” لا تتناسب مع نظرياته الأخلاقية. نستطيع أن نطرح هنا سؤالًا مهمًا: هل نملك أي سبب يدفعنا لتجاهل اعتبار العكس؟ وأن نظريات كانط الأخلاقية ماهي إلا انحرافات لا تتناسب مع أفكاره العنصرية؟

ثانيًا، قراءة مؤلفات كانط والإصرار على استحالة كونه متعصبًا لمجرد قوله أن كل الناس يستحقون الاحترام والمساواة يُعتبر تجاهلٌ تام لمقصد الحديث هنا، فإن المقصد هو على الأرجح أن كانط لا يعتبر مَن يعيش خارج المجتمعات الأوروبية بشريًّا أصلًا. دايفيد ليفنجتون سميث يعلق على هذه النقطة بقوله أن المركزية العرقية قد تؤدي إلى حصر تصنيف المرء لما يعتبر إنسانا، نظرًا لأن ليفنجتون يعيش في مجتمع مشابه لكانط:

“من التعابير المتطرفة عن التعصب أو المركزية العرقية هو الاعتقاد بأن أبناء ثقافتك ومجتمعك هم البشر الوحيدون. فرانتز بوس -الذي ينسب له تأسيس الأنثربوبولجيا الثقافية المعاصرة- لاحَظَ أنه من بين الجماعات البدائية لا يُكَرم أحد بمسمى البشر إلا أبناء القبائل.”

من خلال فحصٍ سريع للقبائل الأمريكية نفهم ما يرمي إليه بوس. الكثير من تلك القبائل بمن فيهم إنويت، تاناينا، تشيبوان، نافاجو، كوتشين، إنو، كلاماث، أباش، ماندان، كومانش، أوت، هورك، شيين (Inuit, Tanaina, Chipewyan, Navajo, Kutchin, InnuKlamath, Apache, Mandan, Comanche, Ute, Hurrok, and Cheyenne) يُسمون أنفسهم “البشر”، كما يفعل الألمان المعاصرين؛ فكلمة (Deutsch) ترجع للغات الهندوأوروبية ومعناها “البشر”.[21]

اعتبارًا بتلك المعلومة فنحن نرجح احتماليّة أن كانط كان يقصد الرجال الأوروبيون الأغنياء ملّاك الأراضي[22] حين قال: “كل البشر مكرّمين”. فكانط لم يغادر حدود كوينزبيرج طوال حياته وقد يكون هذا عاملًا مؤثر في نظرته لمن يُعدُّ إنسانا.[23]

قد يهتم القارئ بمعرفة أن المفكرين من المذهب المساوي (المفكرون المساويون) في الولايات المتحدة الأمريكية لازالوا متسامحين مع العنصرية، وهذه الحقيقة تضعف الموقف لدرجةٍ أعمق؛ فعلى سبيل المثال، توماس جيفرسون أحد مؤسسي الولايات المتحدة، ادعى المساواة للجميع في وثيقة الاستقلال ثم تشوهت سمعته بعد أن ظهر للعلن أنه يمتلك مزارع قائمة بشكلٍ كامل على عمالة العبيد. تخلى العديد من المبطلين عن استيراد العبيد من أفريقيا خوفًا من احتمال “إغماق أمريكا”. اعترض بينجامين فرانكلين -أحد أوائل المبطلين في تاريخ الولايات المتحدة- على التجارة بالعبيد واستيرادهم لدرجة أنه ذهب لقول “لماذا نزيد عدد بني أفريقيا بتأصيلهم في أمريكا؟ بينما أمامنا الفرصة لإبعاد كل السود والثيوان خارج البلاد، فتزداد نسبة البيض والحمر.”[24] إن كنا نعتقد العنصرية في هؤلاء المفكرين المشهورين، فبمقدورنا أن نعتقد بالمثل في حالة كانط.

في النهاية، المشكلة الأساسية في هذا الموقف تتمثل في تغاضيه عن مؤلفات كانط التي تتضمن أفكاره ونظرياته العرقية؛ فذلك استغفالٌ غشيم ولا يصدق، ولو كانت عنصرية كانط محدودة في بضعة تعليقاتٍ عرضية قد يستطيع القارئ حينها القول بأن كانط لم يكن عنصريًّا مناضلًا على الأقل.

لكن كما ذكرنا، عنصرية كانط منهجية، وقد تكون الأشد تعصبًا قبل ظهور العلوم العنصرية التي تبلورت في منتصف القرن التاسع عشر. إذ وصل تعصب كانط لدرجة أصبح فيها عنصرًا مؤثرًا على فريدريك بلومينباخ الذي غالبًا ما يعتبر كواضع لمفهوم العرق في المجال البيولوجي.[25]

أخيرًا، يقترح أصحاب هذا الموقف أن نضع مسألة ما إن كانت آراء كانط المتعصبة تعكس شخصيته أم لا، فهذا أمر لا دخل له بالموضوع. ما يجب على الفيلسوف أو المفكر التركيز فيه هو ما إن كانت هذه العنصرية المزعومة تؤثر في فلسفته الأخلاقية وليس في شخصيته وسلوكه.

لدي ردان على هذا الاقتراح، أولهما:- علينا أن نلغي من الأساس فكرة أن شخصية كانط لا دخل لها بفلسفته، والسكوت عن هذه الفكرة قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة. إن كان القارئ يرى أن شخصية كانط لا علاقة لها بنظرياته، فلن يكون هناك داعٍ لطرحها أو التطرق لها في الدراسات الأكاديمية، ومع ذلك فإن هذا النقص في الدافع يحمل إقحامات تربوية. خاصةً أنه قد يؤدي إلى اعتقاد الطلاب أن كانط لم يكن عنصريًا، وفي النهاية سيخالج الطلاب شعورًا بالخيانة والخيبة بعد أن يكتشفوا حقيقة كانط خارج المنهج الدراسي.

ثانيهما:- لا أعتقد أنه من الحكمة تطبيق مقولة “مات المؤلف”[26] بحذافيرها، فيجدر بنا بدلًا عن ذلك أن نأخذ بنصيحة نيتشه ونعامل ما كتبه المؤلف كسيرة ذاتية مستلهمة من قيمه ومبادئه الخاصة.[27] حقيقة وجود جانب عنصري من شخصية كانط من شأنها تعميق معرفتنا بفلسفته الأخلاقية وليس على القارئ أن يتجاهلها متسرعًا كمسألة لا علاقة لها بالموضوع. لا أقصد بقولي أنه واجبٌ علينا محو فلسفة كانط لمجرد كونه عنصريًا، ولا أعني أيضًا أن عنصرية كانط هي العامل الذي يحدد قيمة فلسفته الأخلاقية بالعكس، فإن معيار الحكم هنا هو تأكيد قدرتنا كقرّاء على توظيف شخصية الكاتب كالدليل المرشد للإتيان بالتفسيرات المتوقعة حسب نية الكاتب، وبهذه الطريقة تصبح شخصية المؤلف المرشد الأساسي لمبادئ فكره.

  1. الإعتذار عن الإخفاقات التاريخية (عنصرية كانط):

موقفٌ آخر متاح أمام القارئ هو الاعتراف بـ عنصرية كانط كانعكاسٍ لشخصيته، ولا ننكر تعصبه فقط بل نصرُّ أيضًا على مسامحته وألا نحمّله مسؤولية شناعة أقواله.[28] هذا الموقف يتضمن تبريرًا لكانط، أيّ أنه مثل كثُرَ في ذاك الوقت، مجرد نتاجٍ لطبيعة الظروف التي عايشها؛ فلقد كان مقدرٌ له أن يتبنى هذه الأفكار الماحقة بطريقةٍ ما بأي حالٍ من الأحوال؛ ففي آخر المطاف كل ما عرفه كانط وكثر من أمثاله عن الأعراق وقتها مستقى من منشورات الرحلات المضللة، فكيف لهم أن يكوّنوا صورة ذهنية أخرى تقف في وجه الأنماط السطحية؟[29] فمن الظلم أن نحمله كامل مسؤولية أفكاره العنصرية، كون ذلك يُعدُّ إجحافًا في حق رجل مفكر وبارع، يجب أن يُنظر لفلسفته العرقية كتفاصيلٍ بسيطة قد تطرَّق لها في حياته ولا يجب أن نوليها أدنى اهتمام.

أرى الضعف في هذا الموقف من نواحٍ عدة؛ فبدايةً، تذهب توقعاتنا في كثيرٍ من الأحيان أن يرتقي الفلاسفة بفكرهم ويتخطوا حدود زمانهم والتعصبات الرائجة فيه، فنحن نتوقع الأفضل من هؤلاء المفكرين -أو الفلاسفة الأخلاقيين على وجه الخصوص- أكثر من الشخص العادي.

أحد أهم الأفكار التي تناولها فلاسفة عصر التنوير هي أن الإنسان قادر على تخطي حدود زمانه عَبر التفكير والتأمل، سواء كانت المعايير التي وضعانها للفلاسفة الأخلاقيين أعلى من معاييرنا للشخص العادي عملٌ مبررٌ له أم لا، وهذا سؤال مفتوح الإجابة وقابل للنقاش، لكن كانط يجيب بنفسه عن مدى قدرتنا على تخطي الحدود الفكرية للوقت الذي نعايشه، ويقدم وعدًا يتفق مع سائر ذويه التنويريين:

“الاستنارة هي تجلي المرء عن فجاجته. قلة النضج هي عدم قدرة المرء على استخدام مفاهيمه الخاصة دون إرشاد من الآخرين. هذه الفجاجة سببها الشخص نفسه، لأنها ليست منطلقة من قل فهم، بل منطلقة من نقصٍ في التصميم. وهذا النقص يحول بين المرء وبين التحلي بالشجاعة اللازمة لاستخدام المفاهيم التي قام بتكوينها دون إرشادٍ خارجي. فشعار مفكري عصر التنوير هو “تجرأ وكن حكيمًا” تحلى بالشجاعة الكافية لاستخدام عقلك.”[30]

أصحاب هذا الموقف يعترضون بنفس أسلوب سابقيهم حول مسألة ما إن كان كانط مسؤول عن عنصريته أم لا، وتلك قضية لا علاقة لها بفلسفته الأخلاقية. هذا الاعتراض يصفح عن التوسط في الالتزام بالأخلاقيات، حتى وإن كان التوسط في الأخلاق يتعارض بوضوح مع مؤلفات الفيلسوف نفسه. وهذا فشلٌ أخلاقيٌ وتربوي للحفاظ على المعايير الأخلاقية وتعميمها على جميع الفلاسفة، ويعطي طلاب الفلسفة الجدد انطباعًا بأن هذا النوع من الأخطاء مغفورٌ له ومقبول كليًا.

هناك أيضًا تقصيرٌ في الإشارة لمحدودية مصادر كانط الذي كان يكتفي بمنشورات السفر التي عُرفت بنمطيتها منذ ذاك الوقت لدرجة أن كانط نفسه اعترف بضعف دقتها، إذ يقول مكارثي:

“كان كانط يتكالب على قراءة تقارير الرحلات كافة، سواء كانت مكتوبة من قبل مستكشفين، أو تجار، أو مبشرين، أو مستوطنين، أو مَن كان على اتصال مباشر مع نفوذٍ من خارج البلاد. كانت هذه التقارير حينها المصدر الأساسي في أوروبا لمعرفة طبيعة البلدان الواقعة وراء البحر. وقد حذّر كانط مرارًا من ضعفها، إلا أنه استند إليها في أفكاره العرقية.”[31]

ولسوء حظ باقي الأعراق لم يتورع كانط عن الاستفادة من منشورات السفر عندما أجرى دراساته عنهم، بل كانت المصدر الرئيسي لها. قال كارل فون زيدليتز، وزير التعليم آنذاك وأحد معجبي كانط:

“مما لا شك فيه أن الاستنتاجات السيئة أفضل من عدم الاستنتاج على الإطلاق، والأساتذة إن كانوا حكيمين بما يكفي، فلا بد أن يطوروا ويحسنوا من أقوال المؤلف بقدر استطاعتهم. لكن أن يلقي الأساتذة محاضرات قطع كما وردت ما هو غير نشاط يجب إيقافه، ونستثني من القاعدة الأستاذ كانط ومحاضراته في الجغرافيا الطبيعية، نظرًا لعدم وجود كتب منهجية لهذه المادة.”[32]

كانت حقيقة وجود الكثير من الاعتراضات حينها على آراء كانط المتعصبة هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

أولئك الذين اعترضوا لم يتذرعوا بظروف وقتهم عكس ما يفعل أصحاب هذا الموقف لكانط. يستطيع القارئ مثلًا أن يعتبر أعمال جورج فوستر -عالم في الأعراق ورحالة حقيقي نقيض كانط- في كتابه “أعمال” بأنه أنهى نقاشه عن نظرية كانط بدعوةٍ أخلاقية، يخاطب فيها كل البيض مباشرة قائلًا إن كانوا يروا في أنفسهم استحقاقًا جديرًا بالمنزلة العليا فعليهم إذًا أن يزودوا الإفريقيين بالمناهج العلمية وتطوراتها بدلًا من تدمير فكرهم بإحالتهم لمملكة الحيوان.[33]

اعترض أيضًا العالم اللاهوتي فريدريك شليرمانتشر على آراء كانط ووصف كتابه الأنثروبولوجي من وجهة نظر براغماتية “مجموعة تفاهات محقونة بالصور النمطية.”[34]

هناك أمثلة أخرى لشخصياتٍ تاريخية من عهد “اكتشاف أمريكا” كبارتلوم دو لاكازاس الذي أبدى اعتراضًا في كتابه “مذابح الهنود الحمر”[35] على فاتحي أمريكا ومعاملتهم التي خلت من الرحمة تجاه الهنود الحمر، وفي بداية القرن العشرين ظهر مارك تواين الذي لم يخفي اختلافه مع الإمبريالية الغربية، وعلى وجه الخصوص الاستعمار الأمريكي في حربهم في الفلبين، بل ساهم أيضًا من خلال الكتابة للحزب المضاد للإمبريالية.[36]

وجود عددٌ من الشخصيات الذين لم يجعلوا من امتيازاتهم حدًا لفكرهم كفيلٌ بأن يردعنا من تبني آراء تعذّر لشخصيات مثل كانط، فهذه حجج واهنة ولا يمكنها الدفاع عنه.

  1. التعقيــم (عنصرية كانط):

يتضمن هذا الموقف كلاً من الاعتراف بـ عنصرية كانط وإدراكها كانعكاس لشخصيته، وتحميله كامل مسؤوليتها. لكن هذا الاعتراف بالتعصب يليه عملية من شأنها تصفية الفلسفة الأخلاقية؛ فعلى متخذ هذا الموقف المحاولة تعقيم كتابات كانط بطريقةٍ ما. يرى أصحاب موقف التعقيم أن لدى الفلاسفة الأخلاقيين أفكارًا جيدة وأخرى سيئة، ولا يجب أن ندع الأفكار السيئة تعرقل الاستفادة من الأفكار الجيدة.

باختصار، يطلب منا هذا الموقف أن نقف في وجه مبدأ “الشرُّ يعم”، ونعزل عوضًا عن ذلك الأفكار السيئة وإيضاح مواطن بطلانها.

لكن كيف ستبدو آلية تطبيق هذا في حالة كانط؟ قد يعتقد القارئ أن عنصرية كانط ببساطة تنطلق من اعتقاده أن الآدمية توجد في العرق الأبيض فقط أما باقي الأعراق فلا. إن كان هذا الرأي صائبًا فإن الحل البسيط سيكون توسعة مفردة “المرء” وجعلها أشمل حتى تضم جميع الأعراق. لم يواكب كانط مُثل عصر التنوير كالمساواة، لأنه حصر الإنسانية والكرامة للعرق الأبيض دون سواه. لكن هذا لا يعني أننا سنخطو خطاه في هذا الموقف.

يستطيع أصحاب هذا الموقف أن يطرحوا حجة إدراكنا المسبق أنه لا جدال في حقيقة تساوي الجميع، وإنما يكمن الخطأ في الاعتقاد أن ليس الكل يندرج تحت مسمى الـ”إنسان” ويعتبر هذا اعتقادًا بعديًّا خاطئًا، وبهذه الطريقة نكون صُنّا الجوهر بعيدًا عن الآراء الخبيثة.

الدعوى الأساسية لفلسفة كانط: العلم المسبق أن الكل يستحق الاحترام.

الدعوى الجانبية لفلسفة كانط: العلم البَعدي أن كل شخص لا ينتمي للعرق الأبيض لا يعتبر “إنسانا”.

بعد أن وضحنا الغرض الجوهري والغرض الجانبي من فلسفة كانط الأخلاقية، نبقي على الأول ونقصي الأخير باعتباره دعوى غير ضرورية، كما أن الاعتقاد الخاطئ لا يُستنتج بالعقل، بل يظل معتقدًا في القلب بسبب الجهل، وهكذا ننتهي بنسخة معقمة من كانط بحفاظنا على قلب فلسفته الأخلاقية، بالإضافة إلى أن هذا الحل فيه ميزة الاعتقاد بأن تعصبات كانط لا تَمس الجوهر الأساسي لفلسفته.

أظن أن هذا الموقف سيلاقي وقعًا بين الكثير من الناس، إلا أنه لا يخلو من الثغرات والأخطاء.

يقول تشارلز ميلز أن هذا الحل الذي يتضمن فصل الجوهري عن الهامشي في حالة كانط يجعلنا نحسّن ونقلم كانط لدرجة تجعل من تسمية ما انتهينا معه “نظرية كانط” أمر غير منطقي. لا يصح أن ندعوها بـ “نظرية كانط” أو “آراء كانطية” وفي الوقت نفسه نكون قد أقصينا عنها الأفكار العرقية التي لعبت دورًا كبيرًا في حياة كانط؛ فإن استخلاص جزء كبير من نظرية فيلسوفٍ ما لا يُعَد تعقيمًا بل نكون أسسنا نظرية مختلفة تمامًا.

ومع ذلك قد يصر البعض على تسمية النسخة المعقمة بـ “نظرية كانط المعاصرة” أو “نظرية مستلهمة من مبادئ كانطية” وأظن أنه لا ضرر في ذلك، لكن الخوض في جدال عن التسمية سيخرج بنا لعلم الدلالات والألفاظ.

لكني أعتقد أيضًا أن الاستمرار في الإشارة إليها كـ “نظرية كانط المعاصرة” فيه عيب؛ ألا وهو أن بإمكانه تضليل الفلاسفة الجدد للاعتقاد أن كانط كان فعلًا يعتقد بالمساواة للجميع؛ فتصبح هذه التسمية مضللة في أحسن الحالات، وخطأ لفظيًّا مخاتلًا في أسوأها.

أما المشكلة الثانية في هذا الموقف، يشير إليها أيضًا تشارلز ميلز، في أنه يفترض تأسيسنا طريقة متفق عليها لنفصل بها الأساسي عن الجانبي في أي مسألة، قد يعتقد المدافعين عن كانط أننا نفعل ذلك من خلال تصنيف المعرفة المسبقة كأساس والمعرفة البَعدية كادعاءات هامشية.

تتضح لنا أهمية المعرفة البعدية وتساوي أهميتها بالجوهر عندما نأتي لتطبيق نظرية كانط في كلا المجالين السياسي والاجتماعي، ففي هذه الجوانب يتبين لنا من هم مستحقي لقب “أفراد المجتمع”.

كانط نفسه لا يوضح ما إن كانت المعرفة التي وصفناها بالهامشية أقل أهمية أم لا، وعدم إيضاحه لهذه النقطة يعود بنا للمشكلة الأولى  لنتساءل : لم قد نسمي هذه النسخة المعقمة “نظرية كانط”؟

والأهم من ذلك أن متخذي هذا الموقف يفترضون أنه بمقدورهم أن يأخذوا أفكارًا ويصفوها حسب مبادئهم دون أن يؤثر ذلك على الفلسفة كلها، فهم لا يرون رابطًا بين فلسفة كانط الأخلاقية وفلسفته العرقية لدرجة تسمح لهم بحذف أفكار معينة دون أن تخل إحداهن بأخرى ،ولا ينتبهون لاحتمال كون فلسفة كانط العرقية ثابتة ومتينة على مدى فلسفته الأخلاقية وترتبط بها لدرجة عميقة، وتجاهل هذا الاحتمال يجعل موقف التعقيم ضعيفًا في نقده، وتغاضيه عن هذه المسألة يترك جزءًا كبيرًا من مؤلفات كانط، التي تتضمن روابطًا من شأنها توضيح العلاقة بين فلسفته العرقية وفلسفته الأخلاقية.

موقف التعقيم يستخدم منهجًا واهنًا في طرح نقده، ويتخيّر فيما يعتبره فلسفة كانط وما يجب التخلص منه، لكن نحن معشر الفلاسفة تهمنا الحقيقة، وبذلك علينا أن نلتزم بنقل الحقائق التاريخية كاملةً دون تصفية أو حذف.

كما قلنا سابقًا، إسقاط أفكار كانط العرقية خطوة تعود بنا للوراء نظرًا لكون ذلك الأسلوب مضللًا -ومخادعًا أيضًا لدرجة ما- لكن بالنسبة للفلاسفة، الذين دخلوا المجال واستثمروا حياتهم فيه، يبدو أن حذف أفكار كانط العرقية أقرب للإحباط للقيم من كونه مخادعة للنفس.

  1. الإقرار الحقيقي (عنصرية كانط):

ها قد وصلنا للموقف الأخير، والذي أعتبره الموقف الصحيح لمواجهة عنصرية كانط ، ففيه الإقرار الصحيح والحقيقي، وما أعنيه بالإقرار هو الإدراك والفهم لنظرية كانط بثلاث طرائق، وهي: إدراك أن أفكار كانط العرقية تعكس طبيعة شخصيته، وإدراك أن كانط مسؤولٌ عن العنصرية التي تتضمنها مؤلفاته، وأن يضع القارئ احتمال كون أفكار كانط العرقية ليست مثبتة فقط، ولكن تؤثر أيضًا على عقيدته وفلسفته الأخلاقية بدرجة كبيرة، ونتيجة لذلك قد نحتاج لمراجعة الطريقة التي نفسر بها فلسفته الأخلاقية.

كل المواقف التي سبق أن ناقشناها تنقصها النقطة الثالثة، ونتيجة هذا الإقرار يصبح تركيز هذا الموقف مُنصبٌ في مدى تأثير نظرية كانط العرقية على مفهومه للحقوق العالمية، والكرامة الإنسانية، والشخصية،  ويتضح عمق هذا الموقف منذ البداية، عكس المواقف الأخرى التي يمكن وصفها بالسطحية لرفضها مراجعة التفاسير التقليدية لمؤلفات كانط.

هناك الكثير من الفلاسفة المعاصرين ممن تبنوا هذا الموقف، وأشهرهم هو تشارلز ميلز. ميلز على سبيل المثال قام بمراجعة التفسيرات التقليدية لشخصية كانط، حاول أن يوضح نظرية كانط وأن يجعلها تبدو منطقية، يقول ميلز أن كانط لم يكتفي بتوضيح معنى الهوية البشرية فقط، بل طرح وفسر أيضًا مفهوم الهوية البشرية المثالية.[37] يرى ميلز أن الموضوع العام لمؤلفات كانط لم يكن عقلانية العرق الأبيض وجهل سواهم كأمرٌ حدث بمحض الصدفة؛ فالعقلانية هي التي تضمن للمرء هويته وكرامته، وهكذا يصبح النقص والجهل في بقية الأعراق ما يجعلهم “دون كرامة”. العقلانية واللاعقلانية، الهوية البشرية وانعدامها في آخر المطاف وجهان لعملة واحدة، كلاهما يحددان تعريف نقيضيهما؛ فمن منظورٍ كانطي تعتبر “الهوية البشرية” مرادفًا للرجل الأبيض، بينما “الإنسان الثانوي” مرادفًا للنساء وكل الأعراق الأخرى.

قد يرد القارئ على ميلز بأن مفهوم الإنسان الثانوي لدى كانط ليس أساسي لفلسفته الأخلاقية، وعلى هذا الاعتراض المجحف أوضحت لِمَ يعد تصنيف فلسفة كانط لأفكار جوهرية وأفكار هامشية عملٌ مضلل في الجزئية السابقة، ومع ذلك بوسعنا أن نضيف نقطة هنا، ألا وهي: بالرغم من أن كانط لم يتطرق أبدًا لأفكاره العرقية حين طرح فلسفته الأخلاقية، إلا أن تأثيرها لا يزال مستمرًا، ويتضح ذلك من خلال تطرقه لمفهوم الإنسان الثانوي في فلسفته الأخلاقية. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكننا من فهم أعمال كانط كافة. يقول تشارلز ميلز أن القراءة عن مفهوم الإنسان الثانوي بمثابة:

“إعادة تشكيل المنطق المعياري للإخضاع العرقي والجنسي في آراء كانط هو أمرٌ لا يظهر بوضوح من مجرد فحص للتعبيرات في المعجم أو القاموس الكانطي ومع ذلك أزعمُ أن الطريقة الوحيدة التي نفهم بها منطق مؤلفاته هو أن نتناولها كوحدةٍ كاملة، ونستوعب التصريحات العنصرية والتي تتضمن تمييزًا بين الجنسين بأسلوب هادئ وأعقل من الأسلوب الأرثوذكسي. لاحظ أن التفسيرات الأرثوذكسية تتخذ منهجًا فَرضيًا وكأنهم يقترحون احتمال أن النساء و باقي الأعراق أناسٌ بعقلٍ وكيانٍ كاملين. كما أنهم يفترضون أيضًا أنه بوسع كانط أن يقول ما يشاء عنهم.”[38]

يرى ميلز أنه من خلال مفهوم الإنسان الثانوي تتبين متانة نظرية كانط العرقية وارتباطها بفلسفته الأخلاقية. علاوةً على ذلك، إذا اعترف القارئ أن فكرة الإنسان الثانوي تلعبُ دورًا كبيرًا في أفكار كانط كافة سرعان ما سيرى مدى ارتباط فلسفة كانط العرقية بفلسفته الأخلاقية؛ والسبب يكمن في وضوح من المقصود بالإنسان الثانوي في نظريته العرقية وكيف يتباين مع الإنسان الكامل.

من الجيد أيضًا أن ننظر لأعمال إيز لكي نرى كيف طبق موقف الإقرار. ذكرنا سابقًا أن إيز أسهب في شرح فكرة كانط عن “الموهبة العرقية” والتي انتهت بهرمٍ عرقي ينصب العرق الأبيض في قمته، وبنى إيز مقاله “لون المنطق” بثيماتٍ مشابهة منوّهًا عن أن كانط توصل لنظرياته العرقية عبر اهتمامه العميق بالجغرافيا فتتآلف بذلك مع فلسفته التجاوزية[39] وهكذا يقرُّ إيز أن نظرية كانط العرقية متأصلة ومتداخلة بانسجام مع كافة أفكاره الأخرى. فيما يتعلق بالاقتباس الذي ذكرناه في القسم الثاني، عندما ذكر كانط تحدي هيوم ” أن يأتي أحد بمثالٍ واحد على زنجيٍ أظهر أدنى قدر من الموهبة” فيرد إيز:

“بالرغم من أن كانط يستخدم تحدي هيوم كدليلٍ مؤكد وقوي لدعم نظريته عن العرق الأسود، فقراءة شديدة الحذر لما قاله كانط ستظهر محاولته لشرح ما قاله هيوم بالفلسفة، فتتضح محاولات كانط في الرفع من قدر هيوم ومؤلفاته وآراءه السياسية عن “الزنوج”، كما أنه يقدم تبريرات تجاوزية لهذه الآراء. فمثلًا، عندما قال هيوم أن السود بطبيعتهم أدنى من البيض، فهو لا يعقب تصريحه بشرحٍ لما قاده لهذا الاستنتاج. بينما يذهب كانط لملء الفراغ الذي تركه هيوم، فيقدم كانط شرحه باستخدام مصطلح “طبيعة الإنسان”. فالطبيعة الإنسانية بالنسبة لكانط تتكون من أنماطٍ ثابتة من “الطبقية النوعية”، فيصبح التباين العرقي مبنيًا على حججٍ من منظور العلوم الطبيعية، وفي نهاية المطاف يصبح تفوق العرق الأبيض أمر مسلم به.”[40]

طبقًا لما قاله إيز، العرق بالنسبة لكانط هو مسألة تجاوزية حسب الحقائق الكونية الثابتة، وهكذا يعلم كل من يبحث في الأعراق بصورة مباشرة وبديهية أن الرجل الأسود أو الأمريكي لن يحملا ذرة موهبة حتى قبل أن نخضعهم للاختبار.

إن مسألة التعامل مع العرق تجاوزية تسمح لإيز إبراز متانة وتناسق فلسفة كانط الأخلاقية مع العرقية. وتتيح له استخلاص ما يعتبره المفكرون التنويريون روح الإنسان، وهو العنصر المهم في فلسفة كانط الأخلاقية، ولهذه الروح لون معين: “من الواضح أن كانط استقرَّ على وجهٍ محدد لروح الإنسان. امتلاكك لهذا الوجه أمرٌ ضروري لإكسابك حق الكرامة والتسمية الإنسانية، وهو أن تكون تمامًا مثل كانط: رجل أوروبي أبيض.[41]

لاحظ عزيزي القارئ أن طرح هذه التفسيرات هو بمثابة الأمثلة على كيفية تطبيق الموقف الإقرار بـ عنصرية كانط ، ولا أعني بهذا أنه على القارئ أن يتوصل لنفس الاستنتاج، وأن يتبنى رأي كون فلسفة كانط العرقية متأصلة في جذور فلسفته الأخلاقية؛ فمقصدي متواضعٌ أكثر …، أقوم فقط بالتأكيد أن القارئ عليه أن يأخذ في الاعتبار احتمال صحة هذا الرأي، ومع ذلك، فشل القارئ في اعتبار هذا الرأي لا ينم عن فشلٍ في التأويل، وإنما ينم عن اختلال في ميزانه الأخلاقي والتربوي، وقد ذكرت في أقسامٍ سابقة إخفاقات مشابهة لتلك من الناحية الأخلاقية والتربوية.

سأضيف هنا إخفاق آخر يدفع القارئ بعيدًا عن تبني هذا الموقف، ونكرر القول هنا أن موقف التعقيم قاصرٌ في تجاهله احتمال وجوب إعادة النظر في الأسلوب الذي نفسر به أعمال كانط، ولهذا السبب بالذات يصبح منهجه النقدي واهن. وأصرُّ على القول أن هذا الضعف ليس مجرد إخفاقٌ إدراكي، بل إخفاق أخلاقي كذلك. إذا كانت سلسلة المفاهيم تلك تلعبُ دورًا كبيرًا في مواجهة الصور النمطية التي ساعد كانط في نشرها، فإن القارئ أصمٌ في عدم قدرته على الإنصات لمعاناة الملايين من الناس لعقود طوال؛ ففي النهاية لا يجدر بأي أحدٍ أن يفخر بوقوفه بجانب هذا الدفاع الأخلاقي.

والآن، ماهي المزايا التي يتمتع بها موقف الإقرار الحقيقي؟ بدايةً، يظهر موقف الإقرار احترامًا للأعراق كافة، خاصةً من كان منهم طلابًا في التخصصات الفلسفية، والمواقف السابقة كلها تنتهج أساليب من شأنها تضليل الطلاب الجدد.

يتطرق ميلز لهذه النقطة عندما ناقش الطريقة التي تتجاهل بها الفلسفة الغربية كل المشاكل التاريخية العرقية لصالح نشر مفاهيم مثل “الإشهار الليبرالي للمساواة العالمية”. عندما يقبل طالب من عرق ما (غير الأبيض) على دراسة الفلسفة، وقد واجه مسبقًا نوعًا من التمييز وسط المجتمع الغربي، قد يخيب ظنه سريعًا ويفكر “ها هم البيض يكررون فعلتهم”.[42]

يقول تشارلز ميلز في تصريحٍ جريء يخاطب فيه كل من تعرض للتهميش:

“لا أتورع عن قول هذا بصريح العبارة، قد يعتريك إحساس غريب عندما تفكر مليًا في الأمر وتجد أن معظم الفلسفة تبدو كمجرد كلام رجالٍ بيض توصلوا إليه وهم يستمنون… نفاد الصبر واللامبالاة التي لاحظتهما على الطلاب السود ناتجة عن إحساسهم بالغرابة تجاه قضاء فصلٍ دراسي كامل وهم يحاولون فهم منطق المثل الأخلاقية لفيلسوفٍ ما دون أن يذكر الأستاذ أنها تنتهك حقوق السود في منهجها.”[43]

في حال تطبيق هذا موقف الإقرار، سيحل مشكلة الشعور بالخيانة عندما يكتشف الطالب أخيرًا عنصرية كانط وتعصبه (ثق بي سيكتشفها في نهاية المطاف). هذا الإحساس بالخيانة يشبه إحساس مَن اكتشف أن هيدجر ينتمي للحزب النازي، إذ يصف جوشوا روثمانز في مقالٍ نشره في مجلة النيويوركر خيبته عندما سمع بيتر تراوني يتحدث عن كتاب “ملاحظات سوداء” لهيدجر:

“وضع أخطاء هيدجر جانبًا أمرٌ مستحيل، ولا يمكن لأحدٍ أن يمنع آثامه من تثبيط حماسة القرّاء للارتباط به وبأفكاره… وكتاب الملاحظات السوداء يخون حماسة معجبي هيدجر. حتى وإن لم تمس أفكاره النازية فلسفته، فعلاقتنا به تغيّرت بعد معرفتنا بها.”[44]

قد يعترض بعض القراء أنه لا يجب علينا أن نتعمق في كل التفاصيل التاريخية عند دراسة فيلسوف ما، ففي النهاية موضوعنا الرئيس هو الفلسفة وليس التاريخ، والتركيز على الأحداث التاريخية قد يلهينها عما هو أهم.

وعلى هذه النظرة المشوبة أردُّ أنه لا وجود لسبب واحد يجعلنا نرى عنصرية كانط كجزء من التاريخ فقط، وليست جزء من فلسفته أيضًا. أصحاب هذا الرأي يفترضون أن فلسفة كانط هي الموضوع الأهم بالنسبة للجميع في القاعة الدراسية، لكني شبه متأكد أن ماهية الموضوع الأهم ستتباين بين الطلاب حسب اهتماماتهم وطبيعة منشأهم وما إلى ذلك. إذا أصرَّ القارئ على أن التركيز في عنصرية كانط انغماس في التاريخ لا ضرورة له، فالعيب في هذا الانغماس غير واضح في ذاته ولا يضر التعليم بأي شكلٍ من الأشكال؛ وعيٌ بسيط بالسياق التاريخي سيساعد الطلاب الوافدين على رؤية أهمية بعض الأفكار المعينة من خلال فهم السياق الذي وردت فيه.

استكمالًا لحديثنا عن احترام موقف الإقرار لكل الأعراق، ميزة أخرى لهذا الاحترام أنه لا يتوقف عند طلاب الفلسفة بل يشمل من هم خارج المجال الفلسفي أيضًا. ذكرت قبل قليل أن موقف التعقيم يجازف بثبات أخلاقياته بتجاهله معاناة الآخرين، وأرغب في انشاء رابط بين هذه النقطة وبين ما قاله هابرماس عن “سياسة الذكرة” في “مناظرة لتاريخ ألمانيا”، كان المحور الرئيسي لهذه المناظرة السؤال التالي: هل حان الوقت لتتخطى ألمانيا تاريخها النازي؟ فيرد هابرماس مجيبًا:

“هناك التزام ضروري يقع على عاتقنا نحن الألمانيون، حيث يجب علينا إحياء التاريخ الحقيقي دون تشويه أو تحريف، وليس من مجال الأدب فقط، بل ذكرى معاناة الذين خضبت دماؤهم أيدي الألمانيين لا تنسى. إن وضعنا هذا التراث جانبًا سيشعر المواطنون اليهود أن العيش في هذا البلاد غير ممكن.”[45]

بابلو دي جريف -ناشط حقوقي من كولومبيا- لديه وجهة نظر مشابهة لهابرماس، فقال مخاطبًا كل الناس خارج ألمانيا: “حريٌ بنا أن نتذكر ما لا يستطيع إخواننا المواطنون نسيانه.”[46] الإقرار الحقيقي، عكس الإقرار السطحي، يحترم مَن تعرض للتهميش من أنظمة وأفكار نظيرة لآراء كانط العرقية، كما أنه يوضح دلالاتها الكامنة ولا يكتفي بتفسير الظاهر فقط.

يتجنب موقف الإقرار ضعضعة اهتمامنا بالحقيقة القيّمة، ويبلّغ الحقائق التاريخية دون حذف. إذا نقلنا أفكار كانط العرقية كأساس يساعدنا على فهم فلسفته الأخلاقية تصبح احتمالية نسيان أو حذف هذه الأفكار أقل. أخيرًا، إقرار عميق بفلسفة كانط لن يساعدنا فقط في فهم كيف تطورت الفلسفة العرقية في التقاليد الغربية، بل يعطينا فرصة لفحص لأخطاء كانط جيدًا لئلا تكرر في المستقبل. الحقيقة بسيطة؛ فلسفة كانط لا تتعارض بالضرورة مع فكرة أفضلية العرق الأبيض -كما قال ميلز وإيز وآخرين- وهذه حقيقة لا يجدر بها أن تؤرقنا كفلاسفة مهتمين بحقوق الإنسان. إن أردنا فعلًا الوصول لفلسفة أخلاقية مساوية وعادلة علينا إذًا أن نعبّر بصراحة أن فلسفتنا لا تمشي جنبًا إلى جنب مع أي هرم عرقي، أو إثني، أو جنسي، أو ديني بأي شكل من الأشكال، يجب ألا نترك المجال لأي تلميح أو لبس.

  1. اقتراحات تربوية (عنصرية كانط):

إذًا، كيف سيبدو تطبيق موقف الإقرار العميق في القاعة الدراسية في المؤسسات التعليمية؟

أرى أنه دورنا كمعلمين يسمح لنا بالتحقيق الإقرار في كلًا من الفصول الأخلاقية للطلاب الجامعيين وفي فصول الدراسات العليا؛ فيتم تناول كلاهما كموضوع دراسة ويناقشوها من عدة جوانب. أحرّض المعلمين ألا ينتظروا حتى يأتيهم الطالب بالسؤال أو المواجهة بما اكتشفوا عن عنصرية كانط ، يجدر بنا وضع عنصرية كانط في المقدمة ونأتي على ذكرها منذ البداية، ونحرص على إعلام الطلاب وتحذيرهم بأن هذا المحتوى المتعصب يعكس شخصية كانط وأفكاره، وأنه لا يوجد مبرر أخلاقي لما قاله، وأن هذا المحتوى يتآلف فلسفته الأخلاقية وثابتٌ على مداها.

بهذه الطريقة يصبح الطالب على علم بـ عنصرية كانط وتكون لديه مطلق الحرية في بناء آراءه الخاصة تجاهها.

قد يساور بعض المعلمين قلق حول موضوع طرح عنصرية كانط وشرح ثباتها للطلاب المستجدين، وأن الإتيان على ذكرها وكشف الستار عنها قد يحبط من عزيمة الطلاب ويدفعهم لتجاهل فلسفة كانط برمتها؛ فإن فكرنا في الموضوع مليًا سنتساءل فيمن قد يرغب بتكريس وقته لدراسة متعصبٍ عنصري؟ موقفي منقسم تجاه هذا القلق، فمن ناحية أتفهمه وأتعاطف مع مخاوفه، ومن ناحية أخرى أرى فيه تعسفًا.

إن كان قلق المعلم نابعًا من خوفٍ تجاه منزلة الفيلسوف الكبير إيمانويل كانط التي ستتزعزع وتضاؤل عدد معجبيه، وقد كرّس هذا المعلم نصف حياته الأكاديمية في دراسته وفهم فلسفته، فلست أرى سببًا يدعوه للتعاطف في هذه الحالة. فكل منابع القلق هنا لا تبدو أخلاقية من الأساس؛ فهي أقرب للاهتمام بالسمعة والخوف من تشويهها مما يؤدي إلى تجاهلٍ كبير لمنشورات أولئك الأكاديميين عن كانط، لكن لابد للمبادئ الأخلاقية والمبادئ التربوية التغلب على هذا الاهتمام المجرد بالصورة في نهاية المطاف.

ومع ذلك إن كان القلق نابعًا من أن مهمتنا كمعلمين تتمثل في واجبنا بإظهار حماسة للمجال الذي ندرس فيه، ونحاول في نفس الوقت بث هذه الحماسة في الطلاب الجدد؛ فسوف تجدني متعاطفًا في هذه الحالة.

مما لا شك فيه أن الهدف الأول للمعلمين هو تدريس الطلاب وتثقيفهم، وتدريس طلاب متحمسين لتعلم المادة المطروحة أسهل بكثير. الكشف عن عنصرية كانط قد يؤثر على الطلاب واهتمامهم بفلسفته، فتتأثر بذلك عملية تعليمهم. إليزابيث باركلي- مؤلفة كتاب تقنيات التواصل مع الطلاب، والحاصلة على العديد من الجوائز في التعليم- ناقشت في كتابها موضوعًا مشابهًا عن تحفيز الطلاب، فتقول باركلي:

“كل ما اكتشفه العلماء عن تحفيز الطلاب يمكن حصره في معادلة؛ الناتج المتوقع من العملية التعليمية ضرب القيمة. يشير هذا النموذج إلى أن مستوى الجهد الذي يبذله الشخص لأداء مهمةٍ ما يحدده مدى توقعه لأن يؤدي المهمة بنجاح، ومدى القيمة المحصلة من أداء هذه المهمة.”[47]

     بصفتنا معلمين نستطيع أن نعرّف ونكوّن قيمة جديدة من دراسة كانط؛ فعوضًا عن التأكيد على أهمية دراسة كانط بغض النظر عن عنصريته، نؤكد على أهمية دراسة عنصرية كانط أيضًا. إن قلنا للطلاب أن دراسة كانط قيمة بالرغم من عنصريته فمسألة التحفيز وبث الحماس ستكون أصعب علينا، وإن بقينا على هذا المنول ستظل فلسفة كانط العرقية منفصلة وغريبة عن فلسفته الأخلاقية، في حين يساعدنا أسلوب الإقرار على رؤية القضية كاملة وبوضوح، يساعدنا كذلك في فهم ارتباط فلسقته العرقية بفلسفته الأخلاقية.

     هذا الأسلوب في تفسير عنصرية كانط يضفي عليها قيمة جديدة، تتحدد في قدرتها على الإجابة عن هذا السؤال “كيف استطاعت المؤسسات الغربية أن تدعو للمساواة بين الجميع، وفي نفس الوقت تظل منهجيتها تقهر وتهمش مجموعات كبيرة من الناس؟” عندما يتعلق الأمر ببحاثين مثل كانط قد تتمثل الإجابة في المفاهيم والنظريات التي نستخدمها للتخفيف من التوتر الذي تخلقه. تفسير عنصرية كانط بهذا الأسلوب لا يعطيها فقط قيمةً تاريخية -إذ امتد أثر عنصريته ليصل لبلومنباخ- بل تأثيرٌ فلسفي كذلك.

     فهم الإجابات المحتملة عن هذا السؤال هو موضوع الذي يركز عليه أغلب فلاسفة العرق، والباحثين في النقد العرقي، والفلاسفة النسويات، وكل من كانت لديه شكوك بالتزام الغربيين بالمثل التنويرية.[48]

  1. خاتمة (عنصرية كانط):

     ذكرتُ في بداية البحث أنه أيًا كان الموقف الذي قد نتخذه لمواجهة عنصرية كانط يمكننا أن نعتبره الموقف النموذجي لاتخاذه عندما نواجه أيَّ مشكلة مشابهة مع المفكرين عمومًا.

بطريقةً ما، أرى أن هذا البحث يناقش نظرية “موت المؤلف”، ويحمل بتواضعٍ اهتماما بالتاريخ؛ فإن المبالغة في الاهتمام بالتاريخ قد تودي بنا إلى العفو عن آثام الشخصيات التاريخية، وعدم الاكتراث بالتاريخ سيجعلنا نتجاهل السياق التاريخي برمته.

     يجب أن نعمم الاهتمام المتواضع بالتاريخ على مفكرين آخرين حتى مع هذا التعميم، سيتباين مستوى الاهتمام بالتاريخ حسب القضية المتناولة، ولكن أرى أهميةً مميزة في عنصرية كانط نظرًا لكونها منهجية. عندما نفحص أعمال مفكرين وباحثين أُخر سنلاحظ في بعض الحالات أن أفكارهم المتعصبة عبارة عن مجرد تعليقاتٍ عابرة وليست مترسخةً في منهجهم؛ وقد يتضاءل مستوى الاهتمام بالتاريخ في هذه الحالة.

     هناك المزيد من الجهود التي يجب أن نبذلها لإعادة النظر في مؤلفات مفكرين مثل هيدجر، وهيجل، وروسو، لنرى كيف يشوب التعصب فكرهم الأخلاقي.

 

المصدر: عنصرية كانط


قائمة المراجع:

Barkley, Elizabeth. (2010). Student Engagement Techniques: A Handbook for College Faculty.

Jossey-Bass. San Francisco, CA. Print.

Bernasconi, Robert. (2002). Kant as an Unfamiliar Source of Racism. “Philosophers on Race:

Critical Essays” ed. Julie K. Ward and Tommy L. Lott. Malden, Massachusetts: Blackwell

Publishing. Pp145-66.

Eze, Emmanuel Chuckwudi. (1997). The Color of Reason: The Idea of “Race” in Kant’s

Anthropology . “Postcolonial African Philosophy: A Critical Reader.” Ed. Emmanuel

Chuckwudi Eze. Lewisburg, PA. Blackwell Publishing. Print. pp103- 140.

Hill, Thomas and Bernard Boxill. (2001). Kant and Race. “ Race and Racism.” Oxford: Oxford

University Press. Print. Pp448- 472.

Kant, Immanuel. (2013). On the Different Human Races. “Kant and the Concept of

Race: Late 18 th Century Writings.” Trans. and ed. by Jon M. Mikkelsen. Albany: State

University of New York Press. Print.

Kant, Immanuel. (1978). Anthropology from a Pragmatic Point of View, trans. Victor Lyle

Dowdell. Carbondale, IL.

Kant, Immanuel. (1960). Observations on the feeling of the Beautiful and the Sublime,

trans. John T. Goldthwait. Berkeley: University of California Press. Print.

Kant, Immanuel. Kant’s Menschenkunde: Oder Philosophisce Anthropologie. (1831). Ed.

Friedrich Christian Starke. Kessinger Publishing. Print.

Kleingeld, Pauline. (2007). Kant’s Second Thoughts on Race. “The Philosophical Quarterly.”

Vol.

57, No. 229. Pp573-592.

McCarthy, Thomas. (2010). Race, Empire and the Idea of Human Development. Cambridge:

Cambridge UP. Print.

Mills, Charles W. Kant’s Untermenschen. (2002) (n.d.): 1-34. Web. November 19 th ,

  1. <http://www.unc.edu/~gsmunc/Colloquium2002/mills.pdf>

Mills, Charles W. (1997). The Racial Contract. Ithaca: Cornell UP. Print.

Neugebauer, Christian. The Racism of Kant and Hegel. “Sage Philosophy: Indigenous Thinkers and Modern Debate on African Philosophy” ed. H. Odera Oruka. Brill, New

York, 1990. pp 259-272.

Serequeberhan, Tsenay. (1997). The Critique of Eurocentrism and the Practice of African

Philosophy. “Postcolonial African Philosophy: A Critical Reader.” Ed. Emmanuel

Chuckwudi Eze. Lewisburg, PA. Blackwell Publishing. Pp 141 -161.

Sullivan, Roger J. Immanuel Kant’s Moral Theory. New York: Cambridge University

Press. 1989.


[1] Eze, p. 107.

[2] Eze, p.104.

[3] يناقش الفلاسفة من فترة لأخرى انتماء هيدجر للحزب النازي، ومع ذلك يمكننا النظر لفلاسفة آخرين بوجهات نظر متعصبة، هيجل على سبيل المثال قال أنه لا تاريخ للأفريقيين ولم تتطور أخلاقهم إلا من خلال الاستعباد. (Introduction to The Philosophy of History, trans. John Sibree (New York: Dover, 1956)). أو إصرار جون ستيورات ميل على أن “الاستبداد أسلوب متاح شرعيًا أمام الحكومة في حال التعامل مع البربر ]سكان أمريكا الأصليين[ لأن المراد من هذا الاستبداد هو تطويرهم”. ( On Liberty and Other Writings, ed. Stefan Collini (Cambridge: Cambridge University Press, 1989) p. 13. وأخيرًا ادعاء روسو أن “همج أمريكا لم يعرفوا الزراعة ولا علم المعادن، ولهذا السبب بقوا همج.” (Rousseau, Discourse on Inequality , p 116.) -وهذا ادعاء باطل-. هناك الكثير من المفكرين ذوي الآراء المتعصبة خارج المجال الفلسفي، ومنهم مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية، مثل توماس جيفرسون الذي وصف الأمريكيين بـ “حفنة من الهنود الهمج منعدمي الرحمة” في وثيقة الاستقلال. (Richard Drinnon, Facing West: The Metaphysics of Indian Hating and Empire Building New York: Meridian, 1980), p.332). وفي العلوم الغربية يخبرنا توماس مكارثي عن تشارلز داروين :” المدافعين عن داروين ينسبون سوء أفكاره عن الأعراق والنساء للأيدولوجيات الجاهلة في المجال البيولوجيي.” (McCarthy, Race, Empire, and the Idea of Human Development. (UK: University Press Cambridge, 2010), p. 75).

 

[4] Kant, On the Different Human Races. p46.

[5] Ibid.

[6] Ibid. 47

[7] Ibid. 49-54.

[8] Eze, 119.

[9] لاحظ أن “الأمريكيون” لا ينتمون كليًا لتقسيمات كانط الأربعة للعرق، وهذا قد يعود للحدس وللتحيزات المتبعة لتقسيم العرق. ومع ذلك، يقول كانط في كتابه العروق المختلفة للإنسان ص46 أنهم “هون لم يتأقلموا بعد مع بيئتهم الحالية.” هناك احتمالٌ آخر، أن تقسيمات كانط قد تغيرت كما يحدث لكثيرٍ من التصنيفات العرقية. حدد تقسيماته الأربعة عام 1775م، وعام 1802م وضع الأمريكيين في المنزلة الأخيرة.

[10] Kant, Observations on the feeling of the Beautiful and the Sublime, p111-113.

[11] Ibid.

[12] Kant’s Physische Geographie in The Racism of Kant and Hegel, p264 .Translated by Emmanuel Eze.

[13] Kant’s philosophishe Anthropologie: Nach handschriften Vorsleungen from Kant’s Physische Geographie, p353. Translated by Emmanuel Eze.

[14] Ibid. Translated by Emmanuel Eze.

[15] Ibid. pp353-54. Translated by Emmanuel Eze.

[16] Beck, Lewis. “Kant on History.” Reviews on Herder’s Ideas for a philosophy of the history of mankind. Bobb-Merrill Publishing, Indianapolis. (1963) pp 50-51.

[17] Quoted by Starke in Kant’s philosophishe Anthropologie: Nach handschriften Vorsleungen from Kant’s Physische Geographie, p353. Translated by Emmanuel Eze.

[18] Kant, The Metaphysics of Morals. §45.

[19] McCarthy. P46.

[20] Kant, Anthropology from a Pragmatic Point of View, p9. Hereafter cited as Anthropology.

[21] Smith, p. 58. F. Boas, “Individual, Family, Population and Race,” Proceedings of the American Philosophical Society. vol. 87, no 2 (1943): 161.

[22] قد يعترض البعض ويقول أنه بالنسبة لكانط ليس كل الرجال الأوربيون ملّاك الأراضي متسواين. تتضح رؤية كانط السلبية لبعض الأوربيين في كتابه ملاحظات حين قال: “اليهود، والأتراك، والأسبان جاهلون بالدين؛ وهم أيضًا غدّارين إن خافوا وطغاة في حكمهم. الهولنديين يتكبرون لثراءهم، والإنجليز مهوسوون بالسلطة والحرية. اغترار هذه الأمم بسلطانها العظيم الذي أدى إلى الكبرياء…الكثير منهم ينتمي لطبقة النبلاء ويجدون من يطيعهم من الناس، وقد يكون سبب الطاعة الجهل والتملق معًا. والحال نفسه ينطبق على البولنديين.” (20:116

[23] تفسر هانا أريندت قلة سفر كانط أنه أمر إيجابي بطريقةٍ ما “تتضح عزيمة كانط في توسعة إدراكه من اجتهاده في تعليم الجغرافيا الطبيعية في الجامعة. كان يقرأ بنهمٍ كل تقارير الرحلات والسفر، ومنها عرَف طرق وشوارع لندن وإيطاليا؛ يقول كانط أن لا وقت لديه للسفر لأنه أراد أن يقرأ كثيرًا عن مختلف البلدان.” (Arendt, Hannah. Lectures on Kant’s Political Philosophy. Chicago, The Harvester Press. (1992) P, 44).

[24] Franklin. Observations Concerning the Increase of Mankind. (1751), quoted in Jordan, White over Black, p.143.

[25] للاطلاع على تأثير كانط على بلومنباخ انظر في J.H. Zammito, “Policing Polygeneticism In Germany, 1775”, and Bernasconi, “Kant on Blumenbach’s Polyps”, both in Larrimore (ed.) The German Invention of Race, pp. 35-54 and 73-90

 

 

[26] هذه الفكرة مأخوذة عن رولاند باذرز من مقاله “موت المؤلف” حيث ناقش فكرة فصل نوايا المؤلف عن عمله. Barthes, Roland. Image, Music, Text. Hill and Wang Publishing, (1977). Pp 142-149

[27] Nietzsche, Frederich. Beyond Good and Evil (§6). trans. Walter Kaufman. See also, William Earle,

“Philosophy as Autobiography,” Public Sorrows and Private Pleasures, Indiana University Press, (1976).

[28] أعي أن هناك أكثر من سبب “لئلا نحمله المسؤولية” وأن وراءه عوامل عديدة من شأنها أن تمنعنا من نسبها لكانط. كانط بالطبع ليس حي اليوم، وعدم تحميله أيُّ مسؤولية سيجعل من عنصريته معلقةً في التاريخ دون مدان.

[29] See footnote 21. Kant was an avid reader of travel brochures.

[30] Kant, Immanuel. An Answer to the Question: “What is Enlightenment?” London, Penguin Books.

(2009). P. 1.

[31] McCarthy p. 49.

[32] May, J.A. Kant’s Concept of Geography and its Relation to Recent Geographical Thought. Department

of Geographical Research Publications. University of Toronto Press. (1971)

[33] Kleingeld 103 citing MR 8:155

[34] “Rezension” in his Kritische Gesamtausgabe at 1.2:365-366, trans. Wellmon, 196-7.

[35] يصف لاكازاس أن المستعمرين الإسبانيين لم يستخدموا البوصلة في سفرهم للجزر الهندية الغربية “أخبرني أسبانيٌ مرة أنه بإمكانك السفر في تلك المناطق بدون بوصلة يمكنك أن تجد طريقك من خلال اتباع المسافة بين الجزر وهيسبانولا، تقدر هذه المسافة بين ستين أو سبعين فرسخ. ظهرت على السطح جثث الكثير من الهنود بالقرب من السفن الأولى.” للمزيد انظر في de las Casas, Barolome. Trans.

Herma Biffault. The Devastation of the Indies: A Brief Account. Baltimore, John Hopkins UP. (1992). p.

98

[36] See Zwick, Jim. Confronting Imperialism: Essays on Mark Twain and the Anti-Imperialist League. West

Conshohoken, Infinity Publishing. (2007).

[37] Mills, (2002).

[38] Mills, (2002).

[39] Eze, (1997). P. 130.

[40] Eze, (1997). P. 122.

[41] Eze, (1997). P. 130.

[42] Mills, (1998). P. 4.

[43]Ibid.

[44] Rothman, Joshua. Is Heidegger Contaminated by Nazism? “ The New Yorker.” (2014, April 28 th ). Last

accessed April 17th, 2017.

http://www.newyorker.com/books/page-turner/is-heidegger-contaminated-by-nazism

[45] Habermas, Jürgen. On the Public Use of History. “The New Conservatism.” (1987). P. 233.

[46] De Greiff, Pablo. El Deber de Recordar. “Razones de la Justicia.” Ciudad Universitaria, Mexico. Universidad Nacional Autónoma de Mexico. (2005). Pp 191-222. Translation is by Thomas McCarthy.

[47] Barkley, p. 11.

[48] “كيف للإنسان أن يجرّد الآخرين من إنسانيتهم؟” يعتبر هذا السؤال المحرك لأغلب أعمال الأدب التي تتناول مواضيع التجريد من الإنسانية. مثل كتاب دايفيد ليفينغتون سميث، Less Than Human: Why We Demean, Enslave, and Exterminate

Others. St. Martin’s Press (2004). See also Raimond Gaita’s, Racism: The Denial of a Common

Humanity. Humanity,” in “A Common Humanity: Thinking About Love and Truth and Justice.” New York:

Routledge (1998), pp. 57- 72. Also consider seeing, Kate Manne’s Humanism: A Critique. “Social Theory

and Practice”, Vol. 42, No. 2, Special Issue: Dominating Speech (April 2016), pp. 389-415.