صمويل بيكيت من البداية إلى نهاية اللعبة – ريبيكا ستيفنز / ترجمة: حمزة زكي

صمويل بيكيت من البداية إلى نهاية اللعبة – ريبيكا ستيفنز / ترجمة: حمزة زكي


في منتصف مسرحية صمويل بيكيت، يقول هام لمونت : ” يبدو أن الطبيعية قد تجاهلتنا ” وعقّب خادمه كلوڤ مصححا :  ” لا تجد هناك طبيعة بعد الآن. ” كان هذان الرجلان يتوجدان في غرفة ضيقة تحميهم من العالم الخارجي، يعيشون في عالم حيث لا شيء يتحرك أو يتنفس. وكان كلوڤ ينظر باستمرار من خلال منظاره باحثا عن الأفق فقط كي يكرر ” لاشيء .. لاشيء .. لاشيء.”  إن بيكيت قد اعتمد في بناء هذا المشهد بالاستغناء عن – المكان والأشياء بل وحتى اللغة عن طريق الإقتضاب – حتى بدا عالم المسرحية فارغا تماما. الشيء الذي جعل الجمهور والدارسين على حد سواء، يحاولون تأويل ذلك كله؛ المكان الكئيب والمنفر على أنه اسقاطات لحال الأرض الخربة ما بعد التجربة الذرية أو إعلان عن بيان للعدمية. ولئن شاء المرء فك شفرات العالم المحدود الذي تعيش فيه هاتان الشخصيتان الخاصمتان على الدوام، فدائما يصتدم باستعصاء تلك المهمة التأويلية وكم هي خائبة وعديمة جدوى، إذ كيف بمستطاع المرء أن يجد المعنى في عالم مُصاغ من اللاشيء؟ وبيكيت نفسه كان دائم التحفظ بإزاء الفكرة التي تقول بأن البحث عن المعنى خفي في مسرحياته أمر ضروري «  وحين سئل ذات مرة، أتت إجابته على نحو موجز، وقال : ” إن مسرحياتي حقا تعني ما تطرحه من أمور ” ». ومع ذلك فمن تأمل تطورات حياة في السنوات التي انشغل فيها بتأليف ” نهاية اللعبة ” سيجد مدى الأثر الذي خلفته فيه تجاربه وما عايشه من أحداث وانعطافات كي يصوغ ذلك المشهد على ذلك النحو. إن من دون الحرب العالمية الثانية، لربما ما كان لتظهر أي من نتاجات صمويل بيكيت سواء الروائية أو المسرحية في الواقع. فقد انتجت أهم أعماله ” نهاية اللعبة ” و ” في انتظار غادو ” على التوالي لأول مرة في 1957 و 1953، وذلك بعد انتهاء الحرب بعقد من الزمان. بعد الحرب، كان قد انتقل للعيش في باريس، حيث عمل مساعدا لرفيقه الكاتب الأيرلندي جيمس جويس في كتابة عملين وهما ” جنازة فينيغان” و ” أهالي دبلن “. وقد ذكر كاتب سيرته الذاتية ديردري بير : ” إنه لشيء مثير للإهتمام أن نخمن أي نوع من الكتاب كان سيغدوه بيكيت لو لم يكن كاتب حرب؛ فإنه من خلال المراسلات والمحاورات، اتضح أنه لمن المرجّح أن بيكيت كان سيتجه للنقد أوالتدقيق كأكثر مجالان موازيان لاهتماماته، وقد ينقلب للشعر وكتابة القصة في أوقات فراغه”. ولكن ها هي ذي الحرب تضع أوزارها، وبينما هي تقترب من عتبة بيكيت بباريس حيث يقيم، يختار هو البقاء في فرنسا – وذلك أولاً للشكوك التي كانت تساوره حيال الصراع القادم وأخيراً لأنه أصبح عالقٌ هناك ولم يكون بمقدوره المغادرة. وفور اقتحام النازيين للمدينة، تمكن من الفرار مخافة النتائجة الوخيمة التي قد تترتب عن ضبطه هناك، نظرا لكونه لا يتمتع بالجنسية وكما أن وضعيته كمهاجر لم تسو بعد، إذ لم يكن بحوزته أي أوراقٍ ثبوتية. كان يتجول لحوالي شهر على متن القطار أو مشيا على الأقدام متجنّبا نقط التفتيش. كان يقضى اليال نائم على الأرض المتسخة، وكان يفتش في أكياس القمامة بحثا عن الطعام. وفي الأخير عاد أدرجه إلى باريس،  وانظم إلى جماعة غير منظمة منتسب للمقاومة الفرنسية تدعى ” فليدغلين “. وأثناء تلك الفترة  قام بترجمة مكروفيلم يحوي رسائل صارخة ضد العدو الالماني وتفرغ للنضال ولم يستخدم شقته إلا كماؤى يوفر له للإختباء والنوم. وبعدها تكررت مداهمات حملات تفتيش له بسبب الوشاية، وتمكن من الفرار مع رفيقته سوزان ديشيفو دومسنيل قبيل ساعات من وصول الألمان إلى مكان إقامته. إن من هذه الأحداث التي مر بها بيكيت، بمقدور المرء أن يفهم ماذا كان  يقصد هام حين كان ينصح كلوڤ بأن لا يغادر المخبأ ويردد : ” لا يوجد خارج هذه الجدران إلا الموت “، إذ أصبح العالم مقلوب رأس على عقب حد انه صار شحيح من موارد العيش  ومليء بالخوف والشك والأحاسيس البغيظة والأنظار المتجسس. هرب بيكيت إلى مقاطعة روسيون، واستقر بضيعة  في منطقة جبلية بالجنوب الشرقي لفرنسا، التي كانت تعد من إحدى المناطق التي لم يصل إليها الاحتلال الألماني. وهناك انتظر إعلان نهاية الحرب. في البداية كان القرية بمثابة جنّة انفتحت أبوابها في وجهه بيكيت بعد كل ذلك الذعر والكر والفر الذي مر بهم في باريس، ولكن بعد ذلك بمدة قصيرة استحالة تلك القرية المرحبة سجنا لا يتحمل، إذ عانى من تدهور صحي، تمثل في أمراض نفسية وجسدية، منها سعال شديد وهيجان عصبي كما أنه كان يعاني من هلاوس بسبب نوبات الأرق التي كانت تنتابه وقتها. حتى أن اعتلالات بيكيت الجسدية كانت تبدو ملفت حين تقارن بأحوال تلك الشخصيات التي أبدعها في أعماله. حيث كان كلوڤ، الخادم في نهاية اللعبة يتنقل من مكان إلى آخر مترنحا بمشقة ولا يقوى على الجلوس. وقد اتضح أن بيكيت هو الآخر كان يعاني مشاكل على مستوى الساق والتي جعلت منه يمشي بعرج وتورم في الشرج “، ورغم أن شخصياته كانت لا تعكس دائما مشاكله الصحية على نحو قريب، إلا أن انصراف تفكيره إلى حقيقة تدهور الجسد كان يغني أعماله، وذلك لم يتكرر في شكل كفاحه ضد مشاكله الصحية والنفسية، بل أيضا في احتكاكه القريب مع أمراض الآخرين المزمنة. فقد اشتغل في الصليب الأحمر الإيرلندي وذلك مباشرة بعد الحرب، حين تخلت زوجة أخيه المتوفى الممرضة، عن منصبها لصالحه عندما شعرت انها لم تعد تتحمل ظروف العمل. عند عودته مرة أخرى باريس ما بعد الحرب، اكتشف أنها قد تغيرت عن شكلها القديم. حياتها الليلة توقفت واقتصادها قد صار خرائب، ومواطنها كانوا مرعوبون ومشوشون إثر ست سنوات من الحرب المدمرة. رغم التقاطعات الحاصلة بين زمن الحرب في أوروبا والمسرحية الكئيبة التي ألفها عنها عقاب نهايتها، بدا جليا ان بيكيت كان يقاوم ذلك النوع من التوازي. لقد عاش بيكيت عمليا معنى ذعر ان يكون المرء غريبا في دولة محتلة، لقد كافح ضد ديكتاتور شرٍ مُكسح، ونجى فارضاً نفسه كسجين في قرية صغيرة. لا بل، كان طوال ذلك الوقت يجازف بحياته باستمرار حين انظم إلى حركة المقاومة من أجل مساعدة الآخرين. قال : ” كنت أقاتل ضد الألمان، الذين كانوا يجعلون الحياة تبدو جحيما لأصدقائي،” وقد عبر عن ذلك في غير ما مناسبة. وهناك هوة بين التجارب التي خاضها ومواقفه كانت تنطوي على اودواجية  تظهر بشدة في ” نهاية اللعبة ” تحديدا.  وكان الإيمان الجوهري عنده هو أن الإنسانية تستحق أن يكافح من أجلها ضد هذا العالم الكئيب الذي تتطاحن فس أثونه، وهي ذات الفكرة التي يعتقد بها كلوڤ، إذ يقول ” لابد أن ينتهي هذا كله قريباً. ” رغم ان الحرب قد خلّفت في نفسه أثراً بالغاً لا يمكن نكرانه، إلا إنه لم يعترف يوما بذلك. كان متوتراً ومُحبطاً من عدم الامبالاة الذي قُبلت به رواياته ومن النقد الذي كان ينهل عليه باستمرار، إذا كان النقاد يدعونه للكتابة بوضوح والكف عن اصطناع الغموض والتنكر وراء ذكراياته عن زمن الحرب “. كان لا يؤمن بأنه يصور عن قصد مناظر للعالم أثناء أو بعد الحرب. حين أحس بأنه لم يعد قادرا على تحمل الإستمرار في كتابة الرواية، استبد به يأس شديد وانزلق مجددا إلى عادة الافراط في الشرب، الشيء الذي طبع مراحل من حياته بعد الحرب. وأملا في أن ينتشل نفسه مما يعتبر في مسيرته – المأزق الإبداعي- ، قرر أن يجرب حظه مع تاليف المسرحيات. قال ذات مرة ” لقد عاودت الكتابة المسرحية بوجه الخصوص، لكي اتخفّف من وطأة الاكتئاب الرهيب الذي قادني إليه النثر “،  و أضاف : ” لقد بدت لي الحياة وقتها جد متطلبة وفظيعة إلى حد كبير وفكرت وأن المسرح قد يشكل انفراجا ما بالنسبة لي. ” رغم أنه قدم نفسه كروائي في البداية، إلا أنه وجد الكتابة المسرحية كتمرين مبهج، لعبة حيت بإمكانه تأليب الممثلين وسلوكاتهم ضد بعضهم البعض. كثيرا ما شبه تلك المكائد المتعمدة بلعبة الشطرنج، التي كانت أفضل وسائله لقتل الوقت حينها. والتي كان يكن إعجاباً شديداً لأحد ألمع لاعبيها، وهو الرسام وبطل اللعبة مارسيل دوشامب. وأهمية ذلك قد تجلى صداها في العنوان ” نهاية اللعبة ” الذي اختاره لمسرحيته، وفي المرحلة الثالثة والنهائية، حيث يقوم الممثلون بحركتهم الأخير نحو خاتمة محتومة. لقد وجد بيكيت في الكتابة المسرحية من الجمهور المهتم بأعماله ما لم يجده من قراء لأعماله الروائية. وإن جزء من تميز بيكيت كمسرحي  يكمن في المناظر التي يبدعها لمسرحياته، فقد كان من أوائل المساهمين في إيجاد شكل لم يكون قد تبلور بعد وقت دخوله عالم الكتابة. لقد انتج حالات وحوار مدموغ بتميز مدرك وبأسلوب غير مغرق في الفصحة يستحيل انتزعها من سياقها. إن المشاهد من اعمال بيكيت وكذا أبطاله  التي صورها  داخلها، لا تحتاج لفهم شخصية الكاتب ولا مواقفه ولا ظروفه كيما يندمج المشاهد معها. بل إن بيكيت يعتقد أن كل من هام وكلوڤ ” لم يكونان نموذجان لحالتين عامتين، بل هما مجرد شخصيتان تتفاعلان في إطار حدث محلي محدد. ” وفقا لهذا فهو لم يكن يحاول صياغة أبطال يعكسوا على نحو واسع أي من الفترات الزمانية التي عاشها، أو صراعاته الشخصية. وإنما شخصيات مختلفة تتناسبة مع البيئة والعلاقات التي نسجها لها. وفقط من خلال فهم لتاريخ بيكيت، يمكن للمرء أن يهتدي إلى المغزى من رسمه منظر قاحل كهذا. وإذا لم يجد ذلك كافيا، وحاول التنقيب عن الأسباب التي دفعته إلى ذلك. فإن قصة أربعة اشخاص تمكنوا من النجاة في ذلك المشهد الخرب تبدو حقا لقصة مثيرة.

المصدر