العدمية: إن كنت تعتقد بالعدمية، فهل تعتقد بأي شيء؟ – نولان جيرتز / ترجمة: فراس حمدان

العدمية: إن كنت تعتقد بالعدمية، فهل تعتقد بأي شيء؟ – نولان جيرتز / ترجمة: فراس حمدان


يكمن خطر العدمية في أنها تغرّبنا عن أي شيء خيّرٍ أو حقيقي. لكن من الممكن أن يكون لعدم التصديق أو الاعتقادِ بأي شيء احتمالات إيجابية.

العدمية تهديدٌ مطّرد، كما أقرّت بذلك فيلسوفة القرن العشرين حنّة أرندت، فالفهم الأفضل لها ليس باعتبارها مجموعةً من “الأفكار الخطيرة”، بل فهمها على أنها خطر متأصل في فعل التفكير الأساسي نفسه. إذا أعملنا فكرنا وتأملنا أيّ فكرة معيّنة لمدة كافية، كيفما كانت تبدو قويّةً للوهلة الأولى أو مهما كانت واسعة القبول، فسنبدأ التشكيك في حقيقتها. وقد نبدأ بالشك أيضاً فيما إن كان هؤلاء الذين يقبلون الفكرة يعرفون أو (يهتمون) حقاً إن كانت الفكرة حقيقيًةً أم لا. يجعلنا هذا الشك على عتبة التفكير في الإجماع القليل حول العديد من القضايا، ولماذا يبدو الآخرون متيقنين مما يبدو لك الآن غير أكيد. عند هذه النقطة، وعلى شفير العدمية ، لديك خياران أحلاهما مرّ: فإما أن تستمر بالتفكير وتخاطر بتغريب نفسك عن المجتمع، وإما أن تتوقف عن التفكير وتخاطر بتغريب نفسك عن الواقع أو الحقيقة.

يصف لنا نيتشه قبل قرنٍ من أرندت في ملاحظاته ضمن مؤلَّفه “إرادة القوة” الذي نشرته أخته بعيد وفاته، خياراً بين العدمية “الفاعلة” و العدمية “الخاملة” active and passive nihilism . واحدٌ من أقواله المأثورة عن العدمية هو أنها نتاج تخفيض القيم السامية العليا لقيمتها الذاتية بنفسها. فقد لا تبدو قيمٌ مثل الحقيقة والعدالة مجرّد أفكار، بل تبدو وكأنّ لها بعض القوى الخارقة، خصوصاً عندما نقول: “ستحررك الحقيقة” أو “ستأخذ العدالة مجراها”. فعندما يتضح أن هذه القيم لا تملك القوى المعزوّة إليها، وعندما يتبين لنا أن ليس للحقيقة طابعٌ تحريري، وألا عدالة ستتحقق ذاتياً، نصاب بالخذلان وينقشع عنا الوهم. ولكن بدلاً من أن نلوم أنفسنا لأننا آمنّا إيماناً كبيراً في مثل هذه القيم، نذهب إلى لوم تلك القيم لأنها لم ترقى إلى مستوى تطلعاتنا وآمالنا.

حسب نيتشه، نستطيع عند لحظة التحرر من الوهم تلك أن نصبح عدميين “فاعلين” ونرفض القيَم التي يصدّرها لنا الآخرون ونشيّد ونقيم قيَمنا الخاصة. أو نستطيع أن نصبح عدميين “خاملين” ونستمر في الاعتقاد والتصديق بالقيم التقليدية، رغم شكوكنا في القيمة الحقيقية لهذه القيم. يدمّر العدمي الفاعل تلك القيَم بغية إيجاد أو خلق قيمٍ تستحق الإيمان بها. ما ينفذُ من التدمير يجعلنا أقوى. تشارك نيتشه ومجموعة الروس الذين عاصروه في القرن التاسع عشر والذين يعرّفون أنفسهم بأنهم عدميّون هذه النظرة. لكن لا يريد العدمي “الخامل” المخاطرة بخوض التدمير الذاتي، بل يتشبث بأمان المعتقدات التقليدية. يجادل نيتشه بأن حماية الذات هذه أكثر خطراً من تدميرها. يقود الاعتقاد بشيء ما فقط من أجل الاعتقاد بشيء ما إلى وجودٍ سطحيّ، إلى القبول القانع بالاعتقاد بأي شيء يعتقده الآخرون، فالعدميّ الخامل يرى في الاعتقاد بشيء ما (حتى إذا انقلب ليصبح شيئاً ليس ذا قيمة ليُعتَقَد به) خيراً أكثر من خطر عدم الاعتقاد بشيء على الإطلاق، من خطر التحديق في الهاوية – قول مأثور عن العدمية يرِدُ بشكلٍ متكرر في عمل نيتشه.

أصبحت العدمية اليوم طريقة رائجة وعلى نحوٍ متزايد لوصف سلوك شائع إزاء الوضع الحاليّ للعالم. لكن نادراً ما يُعرَّف هذا المصطلح عندما يُستخدم في المحادثات وعناوين الجرائد ومهاترات ومشاحنات التواصل الاجتماعيّ، كما لو أن الجميع يعرفون جيداً ما تعني العدمية ويتشاركون في نفس التعريف لهذا المفهوم. لكن كما رأينا فيمكن للعدمية أن تكون فاعلةً أو خاملة. وإن كُنا نصبو لفهمٍ أفضل لما تعنيه العدمية المعاصرة، فلزامٌ علينا أن نبيّن ونعرّف كيف نشأت العدمية وتطوّرت في الإبستيمولوجيا والإيتيقا (الأخلاق) والميتافيزيقا، وكيف وجدت لنفسها تعبيراً في شتى نواحي الحياة، مثل إنكار الذات وإنكار الحياة وإنكار العالم.

غالباً ما تُرى العدمية في الإبستيمولوجيا (نظرية المعرفة) على أنها إنكار إمكانية المعرفة، على أنها الموقف القائل بأن أكثر الاعتقادات التي نثمنها ونقدّرها لا أساس لها على الإطلاق. ترتكز فكرة العدمية الإبستيمولوجية على الفكرة القائلة بأن المعرفة تتطلب “شيئاً ما أكثر” من مجرّد عارفٍ ومعروف. بالمجمل، يُرى هذا “الشيء” بأنه هو ما يجعل المعرفة موضوعية، بوصفه القابلية للإشارة إلى شيء خارج الذات وخبرتها الخاصة، وهو ما يفصل الحقيقة عن مجرد كونها رأياً.

لكن بالنسبة للعدمية الإبستيمولوجية فلا يوجد معيار ولا أساس ولا أرضية يبني عليها المرء ادعاءاته المعرفية، ولا يوجد ما يسوّغ اعتقادنا بأن أي مزعمٍ معرفيٍّ معيّن صحيح أو حقيقي. وكل التماسات الموضوعية محض وهم من منظور العدمية الإبستيمولوجية. نحن نخلق انطباع المعرفة لنخفي حقيقةَ أن ليس هنالك حقيقة. فعلى سبيل المثال وكما حاجج توماس كون في كتابه “بنية الثورات العلمية” (١٩٦٢)، فنحن قادرون بلا ريبٍ على تطوير نماذج ناجحةٍ ومعقدةٍ جداً لوصف الواقع الحقيقيّ، والتي باستطاعتنا من خلالها استكشاف ثروةٍ من الحقائق الجديدة، لكننا غير قادرون إطلاقاً على إثبات أن تلك النماذج تماثل الواقعي الحقيقي، بل من الممكن أن تكون هذه النماذج ببساطة مستقاةً من نموذجنا الخاص عن الواقع الحقيقي.

إذا زُعم أن شيئاً ما حقيقي اعتماداً على تجربةٍ سابقة، ستظهر عندئذٍ “مشكلة الاستقراء”: فلا يستلزم حدوث شيءٍ ما حدوثه مرةً أخرى. وإذا زُعم أن شيئاً ما حقيقي اعتماداً على دليلٍ علمي فستظهر عندئذٍ مشكلة “التوسّلِ بالمرجعية” أو “الاحتكام للمرجعية”. يُنظر إلى هذا الميل للاحتكام في المنطق على أنه ارتكابٌ لمغالطة، حيث لا تعتبر مزاعم الآخرين، حتى مزاعم ذوي الخبرة، أساساً للحقيقة. بعبارةٍ أخرى، حتى ذوو الخبرة يمكن أن يكونوا منحازين ويرتكبون الأخطاء. علاوةً على ذلك، فبما أن مزاعم العلماء معتمدةٌ على أعمال العلماء السابقين عليهم، بالتالي يمكن رؤيتهم أيضا كمحتكمين للمرجعية متوسّلين بها. سيقود هذا إلى مشكلةٍ أخرى ألا وهيَ مشكلة التسلسل اللانهائي. حيث أن أي زعمٍ للمعرفة يرتكز على أساسٍ يقود حتماً إلى أسئلةٍ حول أساس هذا الأساس، ومن ثم أساس ذلك الأساس، وهكذا وهكذا وهكذا.

بتتفيه الشكوك التي تدور حول المعرفة، يتفّه العدميّ الخامل السعي نحو المعرفة.

 

عند هذه النقطة، قد تبدو ما أدعوها بـ”العدمية الإبستيمولوجية” غير مختلفة عن الشكوكيّة. فالشكّاك بالمثل يُسائل الأساسات التي تقوم عليها المزاعم والادعاءات المعرفية ويشكّك أبداً في إمكانية أن تجد المعرفة أرضيةً صلبةً تقوم عليها. من المفيد هنا العودة إلى تمييز نيتشه بين العدميَّين الخامل والفاعل. فبينما قد يكون العدميّ الفاعل مشابهاً للريبيّ الراديكالي، فالعدمي الخامل لا يكون كذلك. يَعي العدميّ الخامل بأن المساءلات الشكيّة مطروحةٌ حول المعرفة، لكن بدلاً من التشكيك في المعرفة يستمر هذا العدميّ الخامل في الاعتقاد بها. بالتالي فبالنسبة للعدميّ الخامل فالمعرفة موجودة، لكن وجودها مؤسسٌ على الإيمان.

وعليه فـ العدمية ليست حكراً على الشخص الذي يرفض مزاعم المعرفة وادعاءاتها لافتقارها لأساس مثبت غير مشكوكٍ فيه. بل الشخص الذي يعي الشكوك المحيطة بالمعرفة ويستمر مع ذلك في التصرف كما لو أن تلك الشكوك غير مهمة هو أيضاً عدميّ.

قد تُبنى النظريات العلمية على احتكامات لنظريات أخرى، والتي بدورها أيضاً محتكمة إلى نظرياتٍ أخرى، قد تكون أيّ منها مبنيةً على خطأ. لكن ما دامت هذه النظريات العلمية مستمرة في إصدار النتائج – وخصوصاً تلك النتائج التي على شاكلة التقدم التكنولوجي – ستبدو تلك الشكوك حول الحقيقة النهائية لهذه النظريات عندئذٍ تافهة. وبتتفيه الشكوك التي تدور حول المعرفة، يتفّه العدميّ الخامل السعي نحو المعرفة.

بعبارةٍ أخرى، فالمعرفة غير مهمّةٍ بالنسبة للعدميّ الخامل. فقط فكّر كيف تُستخدم كلمات مثل “معرفة” و “يقين” مراراً وبشكل اعتباطيّ متوافَقٍ عليه في الحياة اليومية. يقول أحدهم بأنه يعرف أن القطار قادم، وسواءٌ سألناه كيف عرف ذلك أم لم نسأله، فسنواجَه بالأساس المطلق للمعرفة في الحياة المعاصرة: لأن هاتفه الذكي قال ذلك. قد يكون الهاتف محقّاً، وفي هذه الحالة يُحفظ مزعمُ سلطته. وقد لا يكون محقّاً، وفي هذه الحالة سنذهب على الأرجح إلى لومِ القطار لا الهاتف. وبما أن الهاتف أصبح ضامننا الأساسيّ الأوليّ للمعرفة، فالإقرار بإمكانية خطئه هو ذاته المخاطرة بوجوب الإقرار بإمكانية بطلان مزاعمنا المعرفية المعتمدة على الهاتف، وليس ذلك فقط، وإنما كل مزاعمنا المعرفية قد تكون باطلة أيضاً. وفي النهاية، وكما هو الحال مع الهاتف، فنحن ننزع إلى عدم التساؤل عن سبب اعتقادنا بمعرفة ما نظن أنفسنا نعرفه. بهذا المعنى، تُصبح العدمية الخاملة جزءاً من الحياة اليومية العادية بدلاً من أن تكون موقفاً من المواقف الراديكالية الما بعد الحداثية.

يُنظر للعدمية في الفلسفة الأخلاقية على أنها إنكارٌ لوجود الأخلاق. يُمكن رؤية العدمية الأخلاقية كصيرورةٍ للعدمية المعرفية كما يحاجج دونالد أ كروسبي في كتابه “شبح العدمية” “The Spector of Absurd” (١٩٨٨). فإذا لم يكن هناك مرجعية تدعم مزاعمَ موضوعية حول المعرفة والحقيقة، فلن يكون هناك مرجعية تدعم أي مَزعمٍ موضوعيّ لما هو صحيح وما هو خاطئ. بعبارةٍ أخرى، فما نعتبره أخلاقياً ما هو إلا ما يُعتقد أنه صحيح – سواءٌ كان هذا الاعتقاد تابعاً لحقبةٍ زمنية معينة، أو لثقافة بعينها، أو تابعاً لرؤية الفرد الأخلاقية – وليس ما هو صحيح حقاً.

إنّ ادعاءَ أن شيئاً ما صحيح قد تم إرساؤه تاريخياً على أساسٍ مثل الله أو السعادة أو العقل. وبسبب رؤية هذه الأساسات كأساسات تنطبق كونيّاً – أي تنطبق على كل الناس وفي كل الأوقات والأمكنة – فهي بالتالي ضروريّةُ لجعل الأخلاق ذات طابعٍ كوني شامل.

أدرك الفيلسوف الأخلاقي إيمانويل كانط في القرن الثامن عشر خطر وضع الله أو السعادة كأسس للأخلاق، لأن هذه الأسس ستقود إلى الريبيّة الأخلاقية. سيبعث الاعتقاد بالله الناس على التصرف بأخلاقية، لكن هذا التصرف الأخلاقي ما هو إلا وسيلة لينتهي بهم الحال في الجنة لا في الجحيم. وبإمكان السعي إلى السعادة حثّ الناس على الفعل الأخلاقي، لكن ليس بالإمكان التيّقن سلفاً من الفعل الذي سيجعلهم سعداء. وكردٍّ على ذلك، نادى كانط بأخلاقٍ معتمدةٍ على العقل بدلاً من الله والسعادة. حسب ما ينادي به، فإن كان الأساس الكوني هو ما تحتاجه الأخلاق، بالتالي يجب علينا ببساطة اتخاذ القرارات وفقاً لمنطق “القابلية الكونية” “universalisability”. بتحديد ما نبتغي الوصول إليه من خلال أي فعل، وبتحويل تلك النيّة إلى قانون يجب على كل الكائنات العاقلة إطاعته، فبإمكاننا استخدام العقل لتحديد الإمكانية المنطقية للفعل في أن يغدوَ كونيّاَ شاملاً. بالتالي يستطيع العقل – بدلاً من الله والرغبة – أن يخبرنا إن كان الفعل المَنْوِيُّ فعله صحيحاً (كونياً شاملاً معمّماً) أو خاطئاً (غير كونيّ وغير شامل وليس معمّماً).

هنالك عدة مشاكل، رغم ذلك، في محاولة قَوعدة الأخلاق على العقل. إحدى هذه المشاكل هي ما أشار إليه جاك لاكان في مقاله (كانط وساد) (١٩٨٩)، فاعتماد القابلية الكونيّة كمعيار لتحديد الصواب والخطأ قد يسمح لأشخاصٍ أذكياء (كالماركيز دو ساد) بتبرير أفعالهم، التي تبدو أنها مروّعةٌ رهيبة، إن أمكنهم إظهار قدرة هذه الأفعال على تجاوز اختبار المنطق الكانطيّ فعلاً. مُشكلة أخرى أُشير إليها في كتاب “النفعية” لجون ستيوارت ميل (١٨٦١)، وهي أن البشر عقلانيون، لكن العلانية ليست كلّ ما نملك، فبالتالي سيرغمنا اتباع الأخلاقيّة الكانطية على العيش كروبوتات غير مبالية بدلاً من العيش كبشرٍ عاديين.

هنالك مشكلة أخرى أشار إليها نيتشه، وهي أن العقل ليس ما يدعّيه كانط، ومن المحتمل جداً ألّا يكون أساساً أقوى من أساس الله أو السعادة. وقد جادل نيتشه بشأن ذلك في كتابه (جينيالوجيا الأخلاق) (١٨٨٧) بقوله أن العقل ليس مطلقاً أو كليّاً، بل هو شيءٌ نشأ وتطوّر عبر الزمن وأصبح جزءاً من الحياة البشرية.

وبطريقة مشابهة جداً لتلك التي بواسطتها يُعلّم الفأر في مختبر التجارب كيف يُصبح عقلانياً، فالشكر الجزيل لقرون طويلة من التجارب الأخلاقية والدينية والسياسية التي دربت الناس على أن يكونوا عقلانيين. وبالتالي لا يجب أن يُرى العقل كأساس صلب للأخلاق طالما أن أساساته أصلاً قابلة للخضوع للمساءلة والاستجواب.

يفضّل العدميّ الخامل الإبحار مستعيناً ببوصلة معيوبة على المخاطرة بالشعور بالتيه والضياع

 

نستطيع هنا مجدداً إيجاد تمييز مهم بين العدميَّين الفاعل والخامل في كيفية استجابتهما لمثل هذه الريبية الشكيّة. فالقدرة على التشكيك في مشروعية أي أساسٍ محتمل للأخلاق بإمكانها أن تقود العدميّ الفاعل إما إلى إعادة تعريف الأخلاق أو رفض الأخلاق بشكلٍ تام. في الحالة الأولى، يمكن أن تُحاكم الأفعال وفق مبادئ أخلاقية، لكن العدميّ الفاعل هو من يحدد هذه المبادئ. لكن ما يبدو أنه من ابتكارنا وإبداعنا قد لا يكون في الحقيقة إلا مشتقاً من شيء آخر، كصعوبة التمييز بين ما نفكر فيه معتمدين على أنفسنا بدون الآخر وما نفكر فيه حسب ومن خلال ما تربينا عليه.

لذلك، فالأكثر ترجيحاً أن يذهب العدميّ الفاعل ببساطة إلى رفض الأخلاق بالمجمل بدلاً من الذهاب إلى هذه الأنويّة الأخلاقية. وبدلاً عنها سيتم الحكم على الأفعال وفق الشروط العملية الواقعية، أي ما هو أكثر أو أقل جدوى وفاعلية للوصول إلى النهاية والغاية المرغوبة. يستتلي ذلك رؤية عدم الاختلاف بين أفعال البشر وأفعال الحيوانات والآلات. فإن كان من الخطأ القول أن الحيوانات شريرة لأنها تأكل بعضها بعضاً عندما تكون جائعة، فسيقول العدميّ الفاعل بالمثل، بأنه من الخطأ القول بأن البشر أشرار لأنهم يسرقون من إنسانٍ آخر عندما يكونون جائعين.

ليس للمفاهيم مثل السرقة والمُلكية والحقوق أي اعتبار بدون الأخلاق، إلا الاعتبار القانوني. قد تُرى الأفعال مثل السرقة كجرائم، لكنها ليست لا أخلاقية. قد يُرى السفسطائي اليوناني القديم ثريسيماخوس كمثالٍ على هذه العدمية الفاعلة. فهو يُجادل في كتاب الجمهورية لأفلاطون بأن العدل مجرّد بروباجاندا يستخدمها القويّ للجور على الضعيف، بخداعه لقبول هذا الجور على أنه عدل.

على الكفة الأخرى، لا يرفض العدميّ الخامل الأخلاق التقليدية لأن مشروعيّتها يُمكن أن تُساءل. بل هو يرفض فكرة أن مشروعية الأخلاق مهمة أساساً. لا يُطيع العدميّ الخامل الأخلاق من أجل الأخلاق، بل يطيعها من أجل الطاعة والانقياد. فالعدميّ الخامل يرى العيش وفق ما يعتقد الآخرون أنه صواب أو خطأ، وما يعتقدونه خيراً أو شراً، أفضل من الإرغام على عيش يفتقر إلى معايير أخلاقية تقود عملية اتخاذ القرار. تُقدّم لنا المعايير الأخلاقية بوصلة للإبحار، ويفضل العدمي الخامل الإبحار في هذه الحياة مستخدماً بوصلة معيوبة على المخاطرة بخوض حياةٍ يشعر فيها بالتيه والضياع.

توفر المعايير الأخلاقية أيضاً شعور الانتماء للمجتمع المحلّي. فالاشتراك في المعايير والقيم مهم كما أهمية الاشتراك في اللغة للتشارك في نفس طريقة الحياة. بالتالي فبرفضه للأخلاق، فإن العدميّ الفاعل يرفض فكرة المجتمع المحلّي. لكن العدميّ الخامل لا ينوي المخاطرة بالبقاء وحيداً تماما في هذا العالم. لذا برفضه للشرعيّة الأخلاقية، فإن العدميّ الخامل يتّبع المجتمع ويتبنى ما يعتقده أفراده. وعلى هذا فلا يهتم العدميّ الخامل ما إذا كان المزعم الأخلاقي حقيقياً أم لا، بل اهتمامه هو في كون هذا المزعم الأخلاقي شعبياً أم ليس كذلك.

يعني هذا أن الأخلاق غير مهمة بالنسبة للعدميّ الخامل. فهو يقيّم الأخلاق من ناحية أنها ذريعة للوصول إلى غاية ما، وليس بكونها غايةً في حد ذاتها. لأن رغبته في الانتماء والانقياد تفوق رغبته في أن يكون لديه يقينٌ أخلاقي، لذا فما يهمه فقط هو الشعور بالانتماء للمجتمع المحلّي والشعور بالاتجاه (أن يكون لديه رؤية واضحة لما يُريد أن يفعل)، اللذين يتأتيان نتيجة قبول نظام أخلاقيٍّ ما. إن العدميّ الخامل هو مثل مشاهد لحدث رياضيّ يشجّع ويدعم الفريق المحلي لأن الجميع يفعلون ذلك. وهو يدعم المعايير الأخلاقية فقط لأن المجتمع الذي يريد الانتماء إليه يقبلها ويؤيدها.

كما أدت العدمية الإبستيمولوجية إلى العدمية الأخلاقية، فإن الأخيرة بدورها ستؤدي إلى العدمية السياسية. تُفهم العدمية السياسية بالمُجمل على أنها رفضٌ للسلطة. كانت هذه هي الحال مع الروس المذكورين أعلاه، الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم عدميون في روسيا القرن التاسع عشر، والذين نجحوا في نهاية المطاف باغتيال القيصر ألكسندر الثاني. مع ذلك، لا يصوّر هذا الشكل الثوري للعدمية السياسية، والذي يمكن أن نُعرّف به العدمية الفاعلة، الشكل الخامل للعدمية السياسية.

يأتي خطر العدمية الفاعلة من استعدادها الفوضوي (الأناركي) لتدمير المجتمع ككل، بكل اختلافاته، بغيةَ نيل الحرية. ويأتي خطر العدمية الخاملة من استعدادها للانصياع والامتثال للتقاليد والأعراف، بغية تدمير الحرية من أجل الحفاظ على المجتمع ككل. وكما رأينا سابقاً، فإن العدمي الخامل يستغل المعرفة والأخلاق ويتعامل معهما كلتيهما على أنهما أداتان مهمتان فقط إن كانتا تخدمان غايات الرخاء والراحة والأمان. لذا ما يقود العدميّ الخامل في النهاية لأن يصبح ذا سمةٍ أكثر تدميريًةً من العدمي الفاعل هو شعوره بالحاجة إلى أن يكون محمياً من إزعاج وقلق الشك، وأن يكون محمياً من عدم “الثقة والقلق” التي يسببها التقلقل.

يكمن الخطر هنا في أن العدمي الخامل سيرى أن الأنظمة السياسية والأخلاقية التي تروّج للتسليم الدوغمائي بالتقاليد والطاعة العمياء للسلطة مرغوبةٌ أكثر من تلك الأنظمة السياسية والأخلاقية التي تروّج للحرية والاستقلالية. وهَب أننا قد قلنا بأننا نريد أن نكون أحراراً ومستقلين، فإن هذا التحرر سيُشعرنا بوجود عبءٍ رهيب على كواهلنا. على سبيل المثال، يُعبَّر عن هذا العبء بواسطة سورين كيركجارد في كتابه “مفهوم القلق”، عندما وصف القلق على أنه “دوَارُ الحريّة” الذي ينشأ عندما ننظر للأسفل، إلى ما يتمظهر لنا أنه “هاوية” الاحتمال اللامتناهي. فقط فكر في تلك المرات الكثيرة التي تُقدَّم فيها لائحة الطعام المليئة بالخيارات، وكيف تقود هذه الكثرة في الخيارات مرتادي المطعم إلى طلب توصية النادل.  وكيف انتقلت نيتفليكس من ترويج مكتبة أفلامها الضخمة لك لتختار منها إلى ترويج خوارزميتها التي ستدعك “تسترخي” بينما تختار هي لك ما تشاهده.

يمكن أن يُرَوَّج للعدمية بواسطة أولئك الذين لهم سلطة والذين يستفيدون من مثل هذه الأزمة

 

كان نيتشه مهموماً بما رآه من قبول متزايد لإنكار الذات في سبيل المجتمع والتضحية بالنفس وإنكارها، بوصفها مُثلاً أخلاقية. وقد رأى بعينه أن مُثُل نفي الذات هذه دليلٌ على انتشار العدمية الخاملة كداءٍ يجتاح أوروبا القرن التاسع عشر. وقد إهتمَّ (من الهم وليس الاهتمام) إيريك فروم في القرن العشرين في كتابه (الهروب من الحريّة) (١٩٤١) بما وصفه بـ”الخوف من الحرية” الذي انتشر في أوروبا. كان هذا الهم هو الذي حفّز أعمال التابعين لمدرسة فرانكفورت في ألمانيا وأعمال الوجوديين الفرنسيين.

حذّرت أرندت، من أننا لا يجب علينا التفكير في العدمية على أنها مجرد أزمة عدم يقينٍ شخصية. بل يجب علينا أن ندرك أن العدمية أزمةٌ سياسية. ويمكن أن يُرَوَّج للعدمية بواسطة أولئك الذين لهم سلطة والذين يستفيدون من مثل هذه الأزمة. وعليه فحتى العدمية الميتافيزيقية قد يكون لها ثقلٌ أو وزنٌ سياسي. قبول أن الكون بلا معنى قد يتأتى عنه النظر إلى قضايا مثل الاضطهاد والحرب والبيئة على أنها قضايا بلا معنى أيضاً. ولهذا السبب، فليس السياسيون وحدهم من يستفيد من العدمية .

حسب سيمون دي بوفوار في كتابها (أخلاقيات الغموض) (١٩٤٨)، فإن إحدى الهيئات التي قد تتخذها العدمية هي هيئة الحنين – الرغبة في العودة بالزمن لنشعر مرة أخرى بالحرية التي كنا نتمتع فيها ونحن أطفال قبل أن نكتشف ونحن ناضجون المسؤولية التي تستلزم عن الحرية. بالتالي يمكن للشركات الاستفادة من ترويج العدمية عبر بيعنا إياها على هيئة الحنين وطرقٍ أخرى كي نُلهي أنفسنا عن الحقيقة والواقع. ولهذا يجب ألا نميّز العدمية في أنفسنا فقط، بل أن نميّزها أيضاً في العالم المحيط بنا، وأن نتبيّن ونحدد مصادر تلك العدمية . وبدل أن نسلّم أنفسنا للشعور بالخَوَر والوهن في عالمٍ لم يعد يهتم، يجب أن نسأل من أين تأتي تلك الرؤى العدمية للعالم، ومن يستفيد من رؤيتنا للعالم بهذه الطريقة.

المصدر

error: