“ربما سيصبح العصر في يوم من الأيام ، عصرا دولوزيا.” تعود نبوءة فوكو هذه إلى عام 1969، وقد قالها بمناسبة صدور كتابي اختلاف وتكرار ومنطق المعنى 1. لقد لمّحتْ إلى أن كل أولئك الذين قام فيلسوف مسالك الليل الضيقة بمجادلتهم، وحده جيل دولوز Gilles Deleuze) ( سيكون له الشرف في يوم من الأيام ، ليس ولوج مقبرة العظماء أو أن تكون له ذرية ، بل أن يكون حاملا لتجديد الفلسفة التي قد يجعله من كبار المجددين .
ملتزم بأفكار اليسار التزاما قويا ، لم يسبق له أبدا أن كان ظاهراتيا ولا قارئا ناقدا لعمل هايديغر ، فقد كان دولوز أيضا الوحيد ، من بين الستة الذين سوف أتطرق إلى مصيرهم ، الذي لم يكن تلميذا من تلاميذ المدرسة العليا للأساتذة ، بل كان مجرد أستاذ للفلسفة 2 : بثانوية أميان وأورليان ، ثم بباريس ، بثانوية لويس الكبير وبالسوربون ، وبليون لاحقا ، وأخيرا ، بعد ماي 1968 ، أستاذا بجامعة باريس الثامنة المتواجدة آنئذ ببلدية فانسين وهناك ” ابتكر ” من يوم إلى آخر ، أمام طلبة مندهشين ، وبمشاركة فيليكس غواتاري Félix Guattari) ( ، كتابه الأكثر تحطيما للأيقونات : أوديب مضادا .
| الكاتب | إليزابيث رودانيسكو |
| ترجمة | الحسن علاج |
حريصا على شرح نصوص القدماء ، فقد منح نفسه ، بادئ ذي بدء ، صفة مؤرخ للفلسفة ، إذا جاز التعبير ، منتقدا فكرة أن تدريس تاريخ الفلسفة كان بمستطاعه أن يقف حجر عثرة في وجه ابتكار المفاهيم . إلا أنه كان يتصور نفسه منتميا إلى جيل تم اغتياله تماما مع تاريخ الفلسفة : ” ومع ذلك فلن تمتلك الجرأة على الكلام باسمك طالما أنك لن تقرأ هذا أو ذاك ، وذاك بخصوص هذا وهذا بخصوص ذلك 3 . “
منذ سنين عديدة ، كانت طريقته في تصور وتدريس تاريخ الفلسفة أشبه ما تكون بالنسبة إليه بـ” مماحكات ، أو حبل بلا خطيئة أصلية ، على حد سواء ” . كان يتخيل نفسه ” خلسة، يسلك سلوكا من دون علم مؤلف ما ، وضدا على إرادته ، فينجب منه طفلا سيكون طفله ، والذي سيكون طفلا شنيعا ” 4 . ثم قراءة عمل نيتشه وأيضا نسج علاقة استثنائية مع النصوص الأدبية ، الأفلام ، الأغاني الشعبية ، فن التصوير جعله يتطور في اتجاه تشكيك ، ليس تدميريا ، بل نقديا ، إن لم يكن تفكيكيا ، لكافة المعارف التي تم تكوينها . ” مما لاريب فيه سيظل دولوز بالرغم من الكثير من الاختلافات ، يقول دريدا ، الذي لطالما اعتبرته الأكثر قربا من بين مفكري هذا ” الجيل ” 5 . “
شأنه في ذلك شأن دريدا وفوكو ، فقد كان دولوز مكروها . مُتهما ، مثل سقراط ، الذي أفسد أخلاق الشباب بدروسه ، فقد تمت مؤاخذته لحبه المفرط للمخدرات والكحول . وقد تم تشبيهه ، عند إصدار كتاب أوديب مضادا بالمنحط الذي قام ” بتسويغ الفساد والانحلال في أقصى درجاته 6 ” . وفي الأخير ، فقد اتهم بمعاداة السامية لتظاهره ضد منع فيلم ، أصدر القرار في حقه ، من قبل وزير الثقافة ، ثم أزيل من الملصق . وفي الواقع ، وضد هذه الرقابة ، فقد وضع دولوز جميع الجمعيات التي تستأثر لنفسها بالحق في إصدار حكم على محتوى عمل فني ، حتى وإن كان عملا إشكاليا ، من دون مناقشته ، ودون امتلاك القدرة على مناقشته 7 .
وفي الواقع ، فقد كان يزعج محاوريه وقرائه بواسطة سلوك مفارق كان يبدو على الدوام سلوكا يسير ضد تيار الخطاب العقلاني .
لقد كان دولوز فيلسوف الحدود القصوى والضحك ، المثير للضحك والرائع ، فيلسوف الحلم والرغبة . في غياب تام لأي رومانسية ، فقد كان مدفوعا بشغف متوهج من أجل العبقرية الخلاقة التي كانت تجعله مفرط الحساسية تجاه التعبيرات الأكثر طوباوية لكن أيضا الأكثر تبصرا للفن ، الشعر ، الأدب .
لم يكن يتردد ، مثلا ، في الثناء على مادية ميكانيكية مركزة على فكرة وجود اتصال قوي بين النشاط النفسي والنشاط الدماغي . على خلاف كانغيلام Canguilhem) ( ، الذي كان أستاذا له والذي كان معجبا به ، فقد تصور أنه في يوم من الأيام سوف تسمح العلوم ـ من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ ـ بالبرهنة على أن الدماغ يكون قادرا ـ بصفته هذه ومن دون علم أي ذاتية ـ على ابتكار مفاهيم وأعمالا فنية . لكن وبالرغم من ذلك ، فهو لم ينخرط أبدا في المقاربات التبسيطية لمناصري العلموية ، النزعة الإدراكية وعلم نفس الدماغ ، معتبرا ، علاوة على ذلك ، أن أي مقارنة بين السلوك البشري والسلوك الحيواني كانت منذورة للفاشية . ولتقويض فكرة مقاربة مماثلة ، فقد كان يؤكد عن طيب خاطر ، أن هذا الضرب من العلاقة البشرية بالحيوان ، كان يسبب له رعبا ، وأن ما يعد ذا أهمية ، في تصوره ، هو الصيرورة الحيوانية للإنسان ، إذ يبرهن هذا الأخير على قدرته في التفكير في الحيوان ، فيما يخص البهيمية كي يعرض نفسه لما يتجاوزه 8 .
ولأن دولوز ، شأنه في ذلك شأن صديقه فوكو ، فقد كان يزدري السلطة الطبية ، يكره كل شكل ديني للعلم و مثل كانغيلام ، فقد كان يعتبر علم النفس المعياري مثل فرع معرفي همجي . لم يكن ليتحمل فكرة ـ مهيمنة في الوقت الحالي ـ أن إنسانا يمكن أن يتم “تقييمـ”ـه ، يستخدم كأداة ، أن يختزل إلى شيء ، إلى الإنسان الأخير ، و ، الأسوأ من ذلك ، إلى شيء غاية في التطرف : مادة خاملة ، مادة خاملة ، إلى قمامة . وهو المسلول ، الذي كان خاضعا للمراقبة باستمرار ، فقد كان يتصور أن كل فرد كان يتوجب عليه أن يستهلك بحرية مخدرات وعقاقير تحت إشراف طبيبه ـ وليس تحت هيمنة سلطة مستلبة . لكل فرد ، كان يقول ، له الحق في اختيار مصيره ، حتى لو كان ذلك يعرض حياته للخطر . ليست الذات ذاتا إلا لأنها أولا لاـ ذات ، بمعنى تفرد متعدد ومتحرر على الدوام من الحدود .
لقد كان دولوز ، في آخر المطاف ، الفيلسوف الأكثر ” تهديدا للأمن ” الذي يمكن للمرء أن يتخيل ذلك ، الأكثر مقاومة للأعراف ، الأكثر إزعاجا ، الأكثر تمردا على كل محاولات تدمير ( الثقافة ، الطبيعة والبشر ) التي تحولت إلى مصير مشترك لحقبتنا ـ حقبة توقع مجيئها . كما أعجب أيضا بالقوة التدميرية إلى أقصى درجة للخطاب السارتري : فقد قال : ” إن سارتر مُجادل شرس … فلا عبقرية بدون سخرية ذاتية . لكن ما هي السخرية الفضلى ؟ هل هي أن يصبح المرء شيخا متأقلما ، سلطة روحية مغناجة ؟ أو أن يرغب في أن يكون غبيا للتحرر ؟ أن يتصور نفسه كأكاديمي أو يتخيل نفسه مقاوما فنزويليا 9 ؟ “
وبالرغم من ذلك ، فلم يكن عبدا للمتع اللامحدودة ـ دائما ما تكون مدمرة ، كما قال ـ فقد كان يلذ لدولوز التشديد على أن الفلسفة لم يكن ينبغي عليها أبدا أن تسمح لنفسها بأن تُستغل لأهداف تخريبية لمذهب من خلال مذهب آخر : ” لا مقاومة حتى الموت بل ضرورة الصراع والبحث عما يمكن أن يكون أكثر خلافيا في ذاته ولدى الآخرين .
وضمن ذات المنظور ، فقد أكد أن تناول المخدرات ينبغي أن يتوقف بمجرد ما تتحول الذات إلى حطام عاجز عن العمل . لقد شكل ذلك عتبة لا يمكن تجاوزها . وبالتالي ، فهو لم يكن يتردد ، كأخلاقي جيد ، في الدعوة إلى التعفف ومراقبة الذات . وفي نفس السياق ، فإن دولوز انتقد ممثلي السلطة الطبية ـ وعلى الخصوص أطباء الأمراض العقلية ـ بتحضير وصفات سخيفة ومبالغ فيها ، في المستشفى ، ومن خلال الخضوع إلى إكراه نفسي مفروض ، فإن أمراضا عقلية حقيقية يتم تجريدها من جنونها ” الحقيقي ” .
وبناء على ذلك ، فقد رفض ، ليس العلوم الطبية في حد ذاتها ، وليس المقاربة البيولوجية للحياة النفسية ، بل رفض كل شكل من أشكال تطبيب الوجود . وفي جميع الأحوال ، فلم يقم إطلاقا بترويج دعاية المواد الخطيرة ، ولم يشجع بتاتا تلامذته على تعاطي المخدرات .
وبإمكاني تقديم شهادة على ذلك بما إنني كنت تلميذة له ، ولم أكن أشاطره مواقفه . لم يحاكم ولم يطبع . فما كان يهمه في الحب ، في الصداقة والتدريس الذي حرره ، هو فهم الجانب المظلم وعديم التجانس الخاص بكل فردية ، جانبه الجموح . كان دولوز يعتقد أنه وحده تمرين تبدد الشخصية ، وبعبارة أخرى الانفتاح على التعدديات ، يسمح لكل واحد بالكلام باسمه .
وفي هذا الصدد ، فقد انخرط في تقليد سبينوزي وإثيقي في نفس الوقت ، ممتثلا إلى أقصى درجة لمعاناة كافة ال” أقليين ” : الحمقى ، المتشردون ، المهمشون ، المثليون . وفي بعض النواحي ، فإن هذا الفيلسوف العظيم ، لوقت مبكر ،فيلسوف الألياف ولامركزية الأنظمة الرمزية ، أعاد ربط الاتصال مع التقليد الهوغولي الجميل للرحمة تُجاه الفقراء والمحرومين ، لكن أيضا تجاه أولئك الذين كانوا ، على مر العصور ، ضحايا الاضطهادات الاجتماعية ، السياسية ، العرقية ، الجنسية : الضحايا ال” مهانون ” ، الذين يتم تحويلهم إلى نفايات .
ووفقا لما كتبه ديدييه إريبونDidier Eribon) ( ، وهو دولوزي على اطلاع ، إذ يتم العثور على شهادات مؤثرة للغاية عما يمكن أن تكونه تلك الشتائم الحقيرة التي يمقتها دولوز أكثر . على النقيض من الشتائم المؤسسة أو مرخص لها من قبل الأنظمة القمعية ، فإن تلك الشتائم تختفي ، في قلب مجتمعات ديموقراطية ، تحت ستار وضع طبيعي أكبر : تصرف عاد ، تستحيل مقاومته . ” لقد بقينا بعض اللحظات على الرصيف ، يروي إريبون ، أمام باب [حانة مثليين] ، مترددين في الدخول . تأتي سيارة منخفضةٌ نوافذُها : أربعة صبية أو خمسة بداخلها كانوا يصرخون فينا بالشتائم : ” شواذ ، شواذ …” […] . توقفت السيارة فبصق أحد الركاب علي دون أن يكون لي وقت للتراجع . شكلت خيوط اللّعاب نجمة فضية على قميصي الأزرق الداكن . انتابني نوع من الغثيان والقرف ، وكنت على وشك التقيؤ […] . وتذكرت ما رواه لي جورج دوميزيل Georges Dumézil) ( ، يوم قام بزيارة لمعلمه وصديقه مارسيل موس Marcel Mauss) ( أثناء الحرب ، فقد شاهد ولأول مرة النجمة الصفراء وهي تعلق بسترته . لم يقدر على صرف نظره عن وصمة العار البغيضة تلك . قال له عالم الاجتماع الكبير : ” انظر إلى بصقتي ” . لطالما فهمت تلك الجملة بطريقة بسيطة للغاية : كان موس يرغب في القول ، أنه يعتبر هذه القطعة من القماش الأصفر مثل قذارة ، نفاية تم رميه بها على وجهه . لكن فيما يبدو ، أكد لي أحدهم أنني ارتكبت خطأ : يقينا أن موس استعمل لفظة ” بصقة ” بمعنى ” زينة ” . وفي الواقع ، وضمن معنى من المعاني ، قديم وشعبي ، للعبارة ، فإن البصقة تعتبر شارة ، وساما ، زينة 10 . “
مسكونا بجرح داخلي ، لم يتحدث عنه أبدا ، بمعاداة كل اختزال للحياة إلى ” مسألة صغيرة خاصة ” ، أعلن دولوز عن مجيء عالم ذي بعد واحد بلا ثقافة وبلا روح ، خاضع تماما إلى قوانين السوق وسياسة الأشياء 11 . أشبه ما يكون بمعمل لصناعة البؤساء : آل كوزيت Cosette) ( ، آل جان فالجان (des Jean valjean) ، آل ثيناردييه Thénardier) ( ، آل جافيرJavert) ( .
فحتى قبل أن يضع تصورا لتلك العبارة ، فقد أدرك قوتها المعبرة ، حينما شاهد ، وهو في الحادية عشر من عمره ، في صيف 1936 ، في حضن عائلته ، الهلع الكبير الذي اجتاح البورجوازيين أمام انبثاق غير متوقع لآلاف الرجال والنساء ، عمال مصانع ، وهم يجتاحون ، ولأول مرة ، إقليمـ”ـهم” : شواطئ ، سواحل ، أنهار ، طرقات ، حقول ، فضاءات متعددة وشاسعة ، أمكنة لامحدودة للرحلات الطويلة على الدراجة .
لقد احتفظ عبر هذا المشهد الانتهاكي ، بذكرى فرنسا منقسمة إلى قسمين . إحداهما رجعية ، أبوية ، عائلية ، إقليمية ، والتي لطالما أرعبته والتي كان يعرف أنها لن تغفر أبدا لل”يهودي ” ليون بلوم (Léon Blumm) الذي ألحق الأذى بامتيازاتها الجغرافية ، وأخرى جذمورية ، ميكانيكية ،لا مؤرضنة ، والتي سرعان ما امتلك الرغبة في التماهي معها ، وهو يشاهد بفرحة غامرة ، أفلام جان رونوار (Jean Renoir) ، أو مستمعا إلى أغاني شارل ترونيهCharles Trenet) ( وإديت بياف . فيما بعد ، فقد أصبح قارئا حذرا لبروست ، ساشير مازوخ ، لويس كارول وآخرين كثر أيضا .
المصنع مقابل المسرح ، القطيع مقابل المجال المغلق لحديقة الحيوان الإيكولوجية ، ذات الصلة بالأنا الأعلى ، القارات مقابل الأمم ، تخريب التدفقات مقابل الأسلاك أو الحدود ، تفاهة الطيّة ، دائمة الحركة ، ضد ثبات نسيج ناعم ومكوي تماما : هكذا كانت ثمار الابتكار الرائع للمصنع الدولوزي . فجر فيلسوف الجذمور التصورات الكلاسيكية الخاصة بالخطاب الفلسفي ، مفضلا شق طريقه في كواليس مشهد بدائي ، آلة حقيقية لصناعة المفاهيم ، بدلا من إعادة ابتكار بلا توقف ، بفضل الشروحات ، جنيالوجيا هامليت ، أنتيغونا أو أوديب .
لم يعشق دولوز لا التراجيدي ، ولا مسرحته ، ولا مدارس الفكر ـ سواء أكانت سقراطية ، أرسطية ، فيتغنشتاينية أو فرويدية ـ لأنها كانت تهدد دائما ، كما قال ، باغتيال الإبداعية وذلك باختزال التفردات إلى عائلات ، إلى مجتمعات منظمة . لم يكن يعتقد أن الرغبة بإمكانها أن ” تتحرر ” بالفعل العفوي . بل فقد كان يؤكد ، بطريقة راقية ، بأن الرغبة تشكل هي ذاتها عملا لللاشعور ، لاشعور يُدرك مثل تنظيم لأقاليم حيوانية وموسيقية 12 ، وليس مثل مسرح أو أي ” مشهد آخر ” .
كما أنه احتفظ من قراءته للعمل النيتشوي بفكرة ضرورة قلب الأفلاطونية من أجل العثور ، خلف سيمولاكر أفكار وتكرارات أفكار ، ، العثور على شواش ديونيزوسي ، مكون من الألم ، المرح والفوضى ، الشواش الاحتفالي ، السابق لأوانه : ” لا تتبلور الفلسفة في الغابات الكبرى ولا في الدروب ، بل في المدن والطرقات ، بما في ذلك ما هو أكثر زيغا بداخلها 13 . ” لقد حاول من خلال هذه الخطوة ، وصل أونطولوجيا التعدد بسياسة للحدث 14 ، فإلى هيراقليطس سيحيل كي يبرز أن لاشيء يكرر نفسه طبق الأصل ـ نحن لا نسبح في ذات النهر مرتين ـ ثم إن كافة الظواهر متعددة على الدوام شأنها في ذلك شأن تدفقات غير قابلة للاختزال إلى وحدانية 15 .
وبالنسبة لكل أولئك الذين تعرفوا فليكس غواتاري Félix Guattari) ( ، مثلي ، وحضروا الحلقة الدراسية المبهرة ، التي قدمها دولوز بجامعة فانسين بين 1969 و1972 ، فإن كتاب أوديب مضادا يعتبر كتابا عظيما . فضلا عن ذلك ، فهو يقدم شهادة عما يتم التعبير به ، بشكل بسيط ومفهوم ، عن إرادتهما المشتركة في قلب المعتقدات ، لقد وهب الصديقان للامتثالية التحليل نفسية ، في ذلك العهد ، درسا في الاستمتاع ، التمرد والحرية التي كان يُطمح إلى أن تستعيد حيويتها من جديد في الوقت الراهن ـ بصيغ أخرى ، بطبيعة الحال .
لقد كان يدور بخلد دولوز ، في ذلك التاريخ ، ” الآلات الراغبة” الشهيرة . وبالنسبة لغواتاري ، على النقيض من فوكو ، فقد كان يفكر ، شأنه في ذلك شأن المناهضين للطب النفسي من الإنجليز والإيطاليين ، لكن عبر خاصية مفاهيمية مغايرة ، بطرح ، وربما تقديم حل ، لمشكلة طبيعة الجنون . هل هو مرض عقلي أم تمرد متفرد يهدف إلى قلب النظام القائم ؟
عندئذ شرع الصديقان في تأليف كتاب أوديب مضادا مثل تأليف أوبرا . بفضل تبادل رسائلي تسوده كياسة الاحترام ، وعبر كتابة طويلة المدى تهيمن عليها بلاغة جذمورية ، كان المؤلَّف يعترض ، حتى في شكله ، على إمبريالية الواحد ـ بمعنى البنية أو النظام الرمزي ـ جوهر ميكانيكي ومتعدد للرغبة ، معمل للغرائز والاستيهامات ، وحده القادر على تقويض المثل العليا لسيادة أوديبية وأبوية .
بين جيل دولوز وفيليكس غواتاري ، بين من كان يمتلك ، مثل سقراط مقيما ونيتشويا ، إتقانا رائعا للغة والفكر ، بين من كان في سفر دائم ومشتت ، يستقر بشكل متزامن في أمكنة كثيرة ومتعددة ، لقد كان الاقتران مفيدا طالما أنه أفضى إلى ظهور هذا العمل ، الذي تمت قراءته وترجمته في العالم قاطبة ، ولطالما تم التعليق عليه أيضا ، حتى وإن كان ظل تأليفه ، رغم كل شيء ، ملغزا ( ومع ذلك ، فمن المعروف في الوقت الراهن ، أن دولوز ضمن إنجازه ، وأكد دائما أنه لولا غواتاري لما تمت كتابته أبدا ، ولا حتى أعمالهما المشتركة الأخرى ) . ” كونوا نمرا ورديا ، قال المؤلفان ، وليكن حبكم مثل الزنبور وزهرة الأوركيد ، القطة وقرد البابون 16 . “
في كل أسبوع ، كان دولوز يحكي أمام طلبته ، بجامعة فانسين ، عن مغامرات كتاب حيث كان ثمة انطباع أنه يكتب نفسه بنفسه أثناء كلام محموم ومفتوح . كان كتاب أوديب مضادا هناك ، في وسط القاعة ، اشبه ما يكون بإله متعدد كان يبوح بمكنوناته إلى كل واحد من أبطاله المفتونين بالغناء الدولوزي ، عبر نبرة صوت فريد من نوعه .
كان فيلسوف الجماعات والتعدد يؤكد رغبته في إعادة التفكير في تاريخ المجتمعات البشرية ، انطلاقا من مسلمة مفادها أن الرأسمالية ، الطغيان والاستبداد كانت تعثر على جذورها في الآلات الراغبة لفصام “ناجح ” ، بمعنى متحرر من كل هيمنة للخطاب الطب عقلي : جنون في وضع حر ، متحرر من الاستلاب . ففي ذلك التوقيت بالذات انتشر النقد الكبير للتحليل النفسي ، الهجومي ضد التحفة الأكثر اختزالا للصرح الفرويدي ، عقدة أوديب ، التي تحولت في كتابات ورثة فرويد ، ليست تلك التراجيديا العتيقة التي أعيدت قراءتها ، بل آلة لجعل الليبيدو طبيعيا وصناعة مثال عائلي رجعي 17 .
وللانفلات من إضفاء الطابع النفسي على الوجود ،فقد دعا المؤلفان إلى استبدال كافة النظريات البنائية ، الرمزية والدالة ، القادمة من التحليل النفسي ، بمفهومية متعددة الاستخدامات ، قادرة على ترجمة الجوهر الآلي لرغبة متعددة . لقد عارض دولوز إمبريالية الدال الفريد ، ومعارضة الأوديب الشامل ، بفصام تحليلي مؤسس على طب نفسي مسمى طبا ماديا مستوحى من الماركسية : ” الطب العقلي هو الذي يدرج الإنتاج في الرغبة ، والعكس بالعكس الرغبة في الإنتاج . لا يركز الهذيان على الأب ولا على اسم الأب أيضا ، إنه يركز على اسم التاريخ . إنه أشبه ما يكون بمحايثة الآلات الراغبة في الآلات الاجتماعية الضخمة 18 . “
ولأنه كان يتطلع إلى تركيب كبير لمُثُل التحرر العليا ، منطقيا ، اتخذ المُؤلَّف الامتثالية التحليل نفسية في ذلك العهد كهدف رئيس ( لاسيما الدوغمائية اللاكانية ) إلى جانب تعليمات علم النفس الأوديبي . على أنه بالنظر إلى انتماء غواتاري إلى الجمعية اللاكانية وإلى التقليد الطب نفسي المتحدر من العلاج النفسي المؤسساتي والديناميكي ، فهو لم يقم بإحداث أي ثورة في المقاربة السريرية للذهانات .
في المقابل ، لقد تم تلقيه مثل كتاب مجدِّد من قبل كل أولئك الذين كانوا يعتقدون ، أن الحياة ذاتها لم تكن شيئا آخر غير عبور لتجربة مضطربة . لأن دولوز كان يهاجم كافة إيديولوجيات نهاية التاريخ ونهاية الإنسان ، بهدف إدانة عدميتها وخاصيتها الرجعية . فقد تكلم في صلب الموضوع ، بأنه يتوجب على الحيوان الإنساني مواجهة ما يتجاوزه ـ مواجهة أهوائه ورغباته الأشد تطرفا ـ بمعنى مواجهة المتعدد وصخب الكينونة ، مخافة السقوط في براثن شكل جديد من العبودية : الفاشية اللامرئية الجديدة للواحد ، التي لطالما تشتغل بدون توقف في المجتمعات الأكثر ديموقراطية ظاهريا 19 .
طبعا ، فإن البرنامج الأوديبي المضاد لم يتحقق أبدا . وبدلا من الاعتراض على النظام الأسري ، فإن كل أولئك الذين استبعدوا منه ـ المثليين على الخصوص ـ كانوا يسعون إلى الاندماج فيه بهدف تغييره من الداخل ، وابتكار سياسة جديدة للرغبة . وبالنسبة للمجانين ، الذين كان كل من دولوز وغواتاري ، تحدوهما الرغبة في تحريرهم من قبضة الخطاب الأوديبي ، فلم يصبحوا أبدا أبطال تخريب اجتماعي . يُعالج المجانين بالأدوية كما يخضعون لتصنيفات تبسيطية للنظام الطبي النفسي الجديد ، وهم في الوقت الراهن يصنفون في بادئ الأمر مثل مرضى عقليين ونادرا ما يتم النظر إليهم مثل مسافرين على طريقة رامبو بحثا عن قارات متعددة .
كان لايزال يافعا بانخراطه في مقاومة النازية ، تكَوّن دولوز في الفلسفة الكلاسيكية مع إعجابه بـ سارتر ، شخصية شهيرة في مقاومة الاستعمار ، ومن ثم التقاطع مع المعارك الفوكوية الكبرى لصالح الأقليات والمقصيين . وبفضل اتصاله فقد فهم فيلسوف المسارات الليلية كيف كان يمكن للأودبة المضادة anti-oedipianisme) ( أن تصبح ، فيما وراء كل نقد للتحليل النفسي ، أداة محلوما بها لتفكيك الأشكال المدهشة لوجود بشري ، متفرد وجماعي .
وفي هذا الشأن ، ولا ريب أنه كان على صواب في إثبات أنه في يوم من الأيام ، سوف يكون العصر عصرا دولوزيا ، لأنه في يوم من الأيام ، ربما كان العصر سيشبه كابوسا تصوره دولوز : إقامة فاشية مألوفة ، ليست الفاشية التاريخية لموسوليني وهتلر ـ الذي أجاد تجييش رغبات الجماهير ـ لكن أولا وقبل كل شيء ” الفاشية التي هي بداخلنا جميعا ، والتي تطارد عقولنا وسلوكاتنا اليومية ، الفاشية التي تجعلنا نحب السلطة ، الرغبة في هذا الشيء ذاته الذي يهيمن علينا ويستغلنا 20 ” .
المراجع
1 ـ ميشال فوكو ، حوارات ومحاضرات ومقالات) Dits et écrits ( ، مرجع سابق الذكر ، جزء 2 ، ص 75 . جيل دولوز ، اختلاف وتكرار ، باريس ، بوف ، 1969 ؛ منطق المعنى ، باريس ، مينوي ، 1969 .
2 ـ قام جيل دولوز بتدريس الفلسفة طيلة أربعين عاما . راجع ألف باء جيل دولوز ، فيلم وثائقي يستغرق ثماني ساعات ، مع كلير بارني Claire Parnet) ( . أخرجه بيار أندريه بوتان (Pierre-André Boutang) ، دور نشر مونبارناس .
3 ـ جيل دولوز ، محادثات ، باريس ، مينوي ، 1990 .
4 ـ نفس المرجع ، ص 15 .
5ـ جاك دريدا ، في كل مرة مميزة ، نهاية العالم ، مرجع سابق الذكر ، ص 236 .
6 ـ برنار هنري ليفي ، البربرية ذات توجه بشري ، باريس ، غراسي ، 1977 .
7 ـ جيل دولوز ، ” اليهودي الثري ” ( 18 فبراير 1977 ) ، ضمن كتاب نظاما مجانين . نصوص وحوارات 1975 ـ 1995 ، طبعة أعدها دافيد لابوجاد David Lapoujade) ( ، باريس ، مينوي ، 2003 ، ص 122 ـ 126 . كان يتعلق الأمر بفيلم لدانيال شميد Daniel Schmid) ( ظل الملائكة ، وسيناريو راينر فرنر فاسبيندر (Rainer Werner Fassbinder) ، وفيه قام ما يناهز خمسين شخصية بتوقيع عريضة احتجاج من أجل ” مناهضة عدم المسؤولية التي تكمن في عدم تحليل بنية فيلم ما ” ، و ” ضد أعمال العنف التي تحظر مشاهدة فيلم ما ” .
8 ـ جيل دولوز ، الأف باء ، مرجع سبق ذكره . وأيضا ” بعد ثماني سنوات . حوار مع كاترين كليمون ” ، ضمن نظاما مجانين ، مرجع مذكور ، ص 165 .
9 ـ جيل دولوز ، ” لقد كان معلما لي ” ، ضمن كتاب جزيرة مهجورة ونصوص أخرى . نصوص وحوارات 1953 ـ 1974 . طبعة أعدها للنشر دافيد لابوجاد ، باريس ، مينوي ، 2002 ، ص 113 .
10 ـ ديدييه إريبون (Didier Eribon) ، حول تلك اللحظة الهشة . دفاتر ، يناير ـ غشت 2004 ،باريس، فايار، 2004 ، ص 186 ـ 187 . انظر أيضا ، تأملات حول مسألة المثلية ، باريس ، فايار ، 1999 ، وأخلاق أقلية . متغيرات حول ثيمة جان جونيه ، باريس ، فايار ، 2001 .
11 ـ انظر جان كلود ملينر (Jean-Claude Milner) ، سياسة الأشياء ، باريس ، نافاران ، 2005 .
12 ـ جيل دولوز وفيليكس غواتاري ، كتاب ألف هضبة ، باريس ، مينوي ، 1980 : ” بعد ثماني سنوات . حوار مع كاترين كليمون ” ، ضمن كتاب نظاما مجانين ، مرجع سابق الذكر ، ص 162 ـ 166 .
13 ـ جيل دولوز ، منطق المعنى ، مرجع آنف الذكر ، ص 306 .
14 ـ باتريس منغلييه (Patrice Maniglier) ودافيد رابوان ، ” أية سياسة ؟ ” ، المجلة الأدبية الفرنسية Magazine Littéraire) ( ، عدد 406 ، فبراير 2002 ، ص 53 . فضمن هذا الإرث لابد من موضعة مواقف توني نيغري Toni Negri) ( وميشال هارت Michel Hardt) ( في كتاب إمبراطورية ، باريس 2001 Exils.
15 ـ انظر فريدريك ستريشر Fréderic Streicher) ( ، ” بشأن اختلاف وتكرار ” ، مجلة علوم إنسانية Sciences Humaines) ( ، عدد 3 ، ماي ـ يونيو 2005 .
16 ـ فيليكس غواتاري ، كتابات بخصوص أوديب مضادا ، نصوص من إعداد ستيفان نادو (Stéphane Nadeaud) ، باريس Lignes et Manifestes,2005 .
17 ـ بخصوص ضرورة استعادة الخاصية التراجيدية لأوديب الفرويدي بهدف ” نزع المظهر السيكولوجي ” ، انظر إليزابيث رودانيسكو ، العائلة في حالة فوضى ، باريس ، فايار ، 2002 .
18 ـ لقد عبر جيل دولوز وفيليكس غواتاري في كتاب مباحثات ( مرجع سابق ) بشكل أفضل بخصوص أوديب مضادا وكتاب ألف هضبة ( باريس ، مينوي ، 1980 ) . وبشكل خاص في حوارات أنجزها روبير ماجيوري Robert Maggiori) ( وديدييه إريبون .
19 ـ ” نعم ، سيشكل دولوز أعظم فيزيائي لنا ، سيتأمل من أجلنا ضوء النجوم ، يسبر الشواش ، يقيس الحياة العضوية […] . سوف يكون ذلك الذي لا يتحمل فكرة ” موت الوثنية العظيمة ” ( آلان باديو ، دولوز ، باريس ، هاشيت ، 1997 ، ص 150 ) .
20 ـ ميشال فوكو ، ” تقديم الطبعة الأمريكية لكتاب أوديب مضادا ” ، حوارات ومحاضرات ومقالات ، الجزء الثالث ، مرجع مذكور ، ص 134 .
إليزابيث رودانيسكو (Elisabeth Roudinesco) مزدادة بتاريخ 10 شتنبر 1944 بمدينة باريس ، أستاذة جامعية ، مؤرخة للتحليل النفسي ، وهي من أصول فرنسية . كاتبة سيرة كل من جاك لاكان وسيغموند فرويد ، كما ساهمت مع ميشال بلون في تأليف معجم التحليل النفسي .
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
