كانط والكانطية الجديدة – محمد لمعمر

كانط والكانطية الجديدة – محمد لمعمر


” إن كانط يعبر عن العالم الحديث ضمن صرح عقلي. وذلك يعني فقط أن الملامح الجوهرية للعصر، إنما تنعكس كما في مرآة ضمن الفلسفة الكانطية، وذلك دون أن يفهم كانط الحداثة بما هي كذلك. إن كانط، لهذا السبب، يجهل الحاجة التى تظهر عقب عمليات الفصل التى يفترضها مبدأ الذاتية” –  يورغن هابرماس


ومضة استهلال:

      “إيمانويل كانط” (1804-1724)، الفيلسوف المهووس بالبحث في مسألة الحدود والنهايات، حدود العقل [1]، والبحث في شروط إمكان تحقق المعرفة، وأن الانسان متناه، نظرا لتناه العقل، لكنه، أنتج في الحقيقة، صخورا صلبة، وفكرا وتصورات لا محدودة، منفلتة، عصية على الفهم والتحديد، لأنه، كان يفكر بلا حدود، وما أجمل أن تفكر وفق ذلك، لأن الحدود سجن العقل، وتسييج المعرفة، بسياج إسمنتي صلب، حيث تنعدم أفاق المعرفة.  إن كانط، يجوب بعقله دروب المعرفة، متطلعا إلى بناء نظريات أنطولوجية وإبستمولوجية وأكسيولوجية، وسياسية حقوقية وقانونية، الامر الذي جعل فلسفته خصبة وغنية بالأفكار والتصورات، فكانط لا يتوقف عن إعادة النظر في الفلسفة، وحدودها، ودورها في مجال المعرفة النظرية والتطبيقية، إلى جانب المعرفة الاخلاقية، إنه شبيه بالرحالة الذي لا يتوطن، ولا يعرف معنى الإقامة الدائمة، يطارد الوجود الغني الذي يجود بالجود، وأكثر من ذلك، أن تصوراته لا توحي برغبته في تأسيس تقليد فلسفي نقدي، يتخذ شكل مدرسة حيث الإتباع، وإهمال الإبداع، فأفق كانط ترسيخ القدرة على التفلسف على نحو منفتح.

     إن ظهور فلسفة كانط، غيرت طبيعة الفلسفة الحديثة جذريا، وأثرت في الفلسفة المعاصرة، أحدثت ما سماه الفلاسفة، الثورة الكوبيرنيكية في مجال المعرفة، سواء على مستوى المنهج أو التصور أو المضامين والنتائج، ففلسفته إتسمت بالنقد، نقد العقل، وتبيان حدوده، ونقد المعرفة، بإبراز شروط إمكان تحققها، إنتقد الخلط بين مجال المعرفة النظرية والتطبيقية، حيث العلوم الطبيعية، ومجال الديني- الاخلاقي، دافع باستماتة عن العقل الأنواري المنفتح، فضح تناقضات الفكر الميتافيزيقي، كاشفا عيوبه وأوهامه وتهافته، واصفا الميتافيزيقا بالعجوز الشمطاء التى كانت تتباهى بجمالها، وقد صارت الأن منعزلة عن العلوم، تئن في صمت، بينما العلوم الطبيعية تتقد وتتقدم بشكل رهيب، إنتقد كانط الأخلاق السائدة، هدفه إعادة فهم وتأويل علاقة الدين بالفلسفة، والدين بالانسان، منتقدا الممارسة الدينية الجوفاء، ساعيا إلى إعادة تأسيس الدين على ضوء مبادئ الأخلاق العملية، حيث العقل العملي والإرادة الخيرة والأوامر الاخلاقية المطلقة والغير المشروطة بمنفعة ذاتية أو غيرية، هذه الطريقة النقدية المنهجية طبقها في مجال السياسة، لكن، بشكل ملتبس، التباسا لذيذا، خصوصا عندما يزيل الحدود الفاصلة بين المجالين (السياسي- الحقوقي- القانوني) بالمجال الأخلاقي، حيث يسود الغموض والحيرة في بعض الأحيان، كما سنوضح ذلك في مكانه، وانطلاقا من تصورات الكانطية الجديدة، لمفاهيم كانط، كالدولة وفلسفة الحق والقانون والعدالة، الأمر الذي كانط رمز الحداثة والتنوير والتثويرالفكري في بلاد الغرب.” أما داخل ميتافيزيقا الحق، فقد عمل على تأسيس مفاهيم الحقوق البشرية والدولة والسلطة السياسية داخل العقل أيضا باعتباره مشرعا لكل إستعمال للحرية”[2].

ومضة إستشكالات:

      ولنا أن نتساءل هنا: ما هي الأسباب المعرفية والسياسية الحقيقية التى جعلت فلاسفة ومفكري الزمن المعاصر يهتمون وينجدبون الى فلسفة كانط؟ لماذا يجعل الفلاسفة الكانطيون من أسئلة كانط المعرفية والاخلاقية والسياسية أسئلتهم الراهنة؟ وهل زمننا الفلسفي بحاجة الى فلسفة كانط، خاصة في شقها ألاخلاقي وألسياسي وألقانوني؟ هل الأزمة، أزمة وعي إنساني أم نظام سياسي أم إنهيار لمنظومة القيم الأخلاقية الحديثة؟

     لذلك، فبحثنا هذا، الذي عنوناه، بكانط والكانطية الجديدة، سعينا من خلاله  إلى إعادة التفكير  في أهمية فلسفة كانط الحقوقية والقانونية، وقد قسمناه، الى أربعة محاور كبرى، بعد المقدمة، التى أردنا، ان نبين فيها موقع فلسفة كانط في الفلسفة الحديثة بنوع من الشجن، ودور النقد في مجال المعرفة، وقد خصصنا، المحور الأول لمعنى الكانطية الجديدة، وذلك بالنبش والتنقيب والحفر في مدلولها المعرفي والسياسي، وربطها بالسياق التاريخي الذي ساعد على نشأتها، مستحضرين أهم المدارس التى تشكل فكرها وتصوراتها إنطلاقا من فلسفة كانط، خاصة مدرستي، “بادن، وماربورغ”، بينما المحور الثاني خصص للحديث عن أهم الاسباب الفكرية والسياسية والدينية والتاريخية التى ساعدت على بزوغ فجر الكانطية الجديدة الى الوجود، وأما المحور الرابع، فقد فصلنا فيه القول، عن تجليات الكانطية الجديدة خاصة في تاريخنا الفلسفي المعاصر، بحيث إستحضرنا مجموعة من الفلاسفة الذين حاورو كانط في أفق  فهم بعض قضايا العصر، كيورغن هابرماس، وجون راولز، ومشيل فوكو. فما معنى الكانطية الجديدة؟ وما هي أسباب ظهورها؟ وما هي تجلياتها على المستوى الفلسفي والحقوقي والقانوني؟ وهل بإمكان فلسفة كانط القانونية والسياسية والأخلاقية أن تمد العقل لقانوني الحداثي المعاصر بالأليات الضرورية لفهم وتفكيك معضلات العصر؟

  المحور الأول: الكانطية الجديدة، دلالة عبارة.  

  الفلسفة الالمانية تطورت إلى أشكال فلسفية متعددة، وذلك بسبب غنى التساؤلات المطروحة وكثرة المواضيع المثارة أمام العقل، فقد إنقسمت إلى تيارات متعددة، أهمها بروز الفلسفة الكانطية الجديد، وبداية الفلسفة التحليلية والفلسفة الظواهرية، والهدف ترسيخ دور الفلسفة في الفضاء الفكري والمعرفي، والوعي بأهمية العقل الفلسفي في مواجهة المشكلات السياسية والحقوقية والقانونية المطروحة، خاصة علاقة الفلسفة بالعلوم الطبيعية، فما حدث، تم كرد فعل اتجاه فلسفة هيغل التى جسدت معنى كون الفلسفة هي التجسيد لروح العصر، وأنها وصف منهجي نهائي لعلاقة العقل بالعلم.

    الكانطية الجديدة تعزيز لمكانة الفلسفة عامة، وفلسفة كانط خاصة، وترسيخ دورها المعرفي والعلمي والسياسي، لمواكبة مستجدات العصر، وما يفرضه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية وقانونية، وهذا ما يفسر العودة إلى فلسفة كانط، أوبة أملتها أزمة الأسس الابستمولوجية، وأزمة أسس أهداف الحياة الحديثة، وأزمة كونية تجلت في الانزياح عن العقل الانواري وميلاد اللاعقل. حقا، إن بزوغ فجر الكانطية الجديدة، تعبير عن أزمة حقيقية واجهت الفكر الالماني، حيث السباحة والاستغراق في المثالية الموروثة، خاصة مثالية شلينغ وفخته وهيغل، والسعي لإعادة النظر في علاقة العلوم الطبيعية بالفكر المثالي، بمعنى؛ أن الكانطية الجديدة هي ردة فعل اتجاه عداء دائرة فيينا للفكر المثالي، والتمركز حول الفكر الوضعي، بمختلف أبعاده السياسية والقانونية، تحديات استوجبت الرجوع إلى كانط في أفق استثمار تصوراته العلمية والفلسفية، ورؤيته لعلاقة الفلسفة بالدين، وذلك بعقلنته.

      فمعرفيا، هدف الكانطية الجديدة، بناء نظرية معرفية ابستمولوجية، تستلهم من روح كانط بعض افكارها، وهذا ما يفسر إهتمام كارل ياسبرز بنظرية المعرفية الكانطية. وأن تراجع المثالية التأملية وخفوت بريقها وإشعاعها، دفع العقل إلى الرجوع إلى نقدية كانط، بغية إخراج الفلسفة من وضعيتها الصعبة والحرجة والمتأزمة، وهنا، لا بد من لفتة تأملية، وهي أن الرجوع إلى كانط، ليس رجوعا لفلسفته الصعبة والمعقدة والخالصة في كليتها وشموليتها ونسقيتها، وإنما إلى النتائج التى وصلت اليها، لفتح مداخيل ومسارب ودروب عديدة، لإغناء التفكير الفلسفي، دون إغفال أن للأزمات السياسية المتعاقبة التى شهدتها ألمانيا دور في استلهام فلسفة كانط التى هي في الحقيقة عودة إلى فلسفة الأنوار والتنوير الذاتي، فلسفة تحرير الذات.

      لا يوجد تعريف موحد جامع مانع، للكانطية الجديدة، وذلك بسبب كثرة مدارسها وتوجهاتها العلمية والفلسفية والحقوقية والاخلاقية والبيئية، فأول صعوبة تواجه الباحث، هي مسألة البدايات، فليس هناك إتفاق حول نقطة البداية، وصعوبة التمييز بينها وبين التيارات التى كانت سائدة، كالهيغيلية والفينومينولوجية والفلسفة التحليلية، (تطلق عبارة الكانطية الجديدة بصفة عامة على المواقف أو الإتجاهات الفلسفية التى تعتبر منتمية لكانط بطريقة مباشرة، وتعبر عن ذلك صراحة) [3]. وشيء طبيعي أن يأتي في مقدمة المتأثرين بالكانطية الجديدة، تلامذة كانط، والفلاسفة الذين اهتموا بكثافة بفلسفة كانط سواء على مستوى المنهج أو التصورات أو الأسئلة المطروحة أو المضامين الفكرية والمعرفية، حتى وإن اختلفوا مع كانط في بعض توجهاته، إضافة الى الكانطيون الجدد للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهناك ( النقديون، إما أنهم كانوا في صفوف الكانطية الجديدة، واستقلوا عنها، أو اشتغلوا باستقلال عنها منذ البداية)[4]، وهناك الباحثون المعاصرون الذين يرجعون إلى فلسفة كانط بصفة عامة، أو إلى بعض أطروحاته التى بسطها للبحث والنقاش، مثل: جون راولز، ومشيل فوكو، ويورغن هابرماس، وحنة أرندت.

   ويمكن القول، (أنه بدأ تداول مصطلح الكانطية الجديدة في ألمانيا منذ حوالي 1875، وعرفت منذ بداياتها اتجاهات متعددة، ما يجمعها هو رجوعها كلها للإرث الفلسفي الكانطي الكبير، لا لإحيائه والمحافظة عليه، بل، لدراسته ونقده، ولربما لتطويره. لم تتطلع أبدا إلى شيء أكثر من العودة الى روح كانط، ولم تسع على الاطلاق إلى إحياء نسقه الفلسفي برمته) [5]. بل، أكثر من ذلك، هناك من يعتبر أن الدرس ألافتتاحي الذي ألقاه إدوارد تسلر( 1814-1908)، الاعلان الرسمي لميلاد الكانطية الجديدة، وذلك بالعودة إلى فلسفة كانط، فقد قام تسلر بتشريح وضعية الفلسفة، ووصل إلى خلاصة مفادها؛ أن الفلسفة تعيش منعطفا خطيرا، فإما إلى الإنحلال والإضمحلال، وإما أنها مطالبة بتجديد نفسها، والحل بالنسبة إليه يكمن في ضرورة التخلي عن التأويل الهيغلي للتاريخ والدين، واستلهام نظرية المعرفة الكانطية لتجديد الروح الفلسفية [6]، بمعنى أدق؛ ضرورة العودة إلى بداية الفلسفة الألمانية المعاصرة، والوقوف عند أسئلة الفيلسوف كانط، بغية فحصها ونقدها والبناء عليها، تبعا لمقومات الروح النقدية الكانطية. وهنا، نلاحظ، أن العودة إلى فلسفة كانط، كانت بهدف إعادة النظر في وضعية الفلسفة عامة، والسياسية خصوصا، والتى صارت هشة مقارنة مع بقية العلوم الطبيعية، فهي عودة لإستلهام، إما منهج كانط في مجال المعرفة، أو بحث مسألة المقولات، أو ألأفكار السياسية والحقوقية والأخلاقية أو الأسئلة الكانطية العملية لمواجهة متغيرات العصر.

  المحور الثاني: الكانطية الجديدة، مدارس وتوجهات

    هناك مداخل أو مسارب للتوغل في الكانطية الجديدة، ومعرفة مختلف مدارسها وروادها وتوجهاتها، انطلاقا من ضرورة معرفة السياق التاريخي، والأسباب التى أدت إلى نشأتها وانتشارها في ألمانيا وأوربا وبقية بقاع العالم، فهناك مدخل نظرية المعرفة، والفلسفة السياسية وألأخلاقية، وفلسفة القانون، فلسفة الدين، تاريخ الفلسفة، الفلسفة السياسية والأخلاقية وفلسفة القانون بالخصوص، بالبحث وتحليل بعض القضايا التى نوقشت في هذا البحر الهائل، أعني فلسفة كانط من جهة، والكانطية الجديدة من جهة ثانية. فما هي أهم المدارس الكانطية الجديدة؟ وما أهم روادها؟

1الكانطية الجديدة، معرفيا وعلميا

مدرسة بادن، أو مدرسة المانيا الجنوبية الشرقية، إهتمت بفلسفة كانط بدءا من 1890، وأهم روادها فيلهلم فيندلباند(1848-1915)، وتلميذه هاينريك ريكرت( 1863-1939)، حيث تم التركيز على مسالة القيم، وأن الفلسفة دراسة للقيم المتعارف عليها عموما، وإثارة مشكلة الحقيقة، وأن الخير في الإرداة والسلوك، والجمال في الإحساس [7]، إضافة إلى ذلك فقد إهتمت مدرسة بادن بالبحث في الطرق والمناهج المساعدة على  إكتشاف القوانين العامة للطبيعة، وتحديد دور العلوم الانسانية، حيث تحليل وفهم سلوك الافراد والجماعات، إنها الروح النقدية الكانطية، خاصة في شقها  العملي الاخلاقي، وأن الإرادة الخيرة هي المسؤولة عن كل فعل وسلوك إنساني، في أفق  التأصيل لنظرية أخلاقية كونية، تفضي إلى المحبة والتسامح وإحترام الأخرين، والنظر إليهم كغاية، وليس مجرد وسيلة[8]، دون إغفال النظرية الكانطية في مجال المعرفة، حيث العلوم الطبيعية والعقل النظري المؤدي إلى اكتشاف القوانين الطبيعية، وأهم ما ميز مدرسة بادن، أنها بررت التناقض بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، وهو في الحقيقة تمييز كانط بين العقل النظري والعقل العملي، واستحالة دراسة الظواهر الاجتماعية وفق الأسس العلمية المتعارف عليها في العلوم الطبيعية، مدرسة أكدت على أهمية المنهج التاريخي المفضي إلى معرفة الفرد.

     إن كانط يميز بين ميدان الواقع أو الوجود، الذي تتم معرفته عن طريق شروط معرفية علمية واقعية، وبين ميدان الفعل الذي يمكن معرفته من خلال شروط فاعلة، هذا التمييز، قوبل بالرفض من طرف لوتسا هرمان، الذي اعتبر أن الميدانين غير منفصلين، وأن بينهما علاقة متبادلة، وهو نفس توجه فيدلباند الذي سبقت الإشارة إليه، حيث أكد على أن كل حقيقة واقعية مرتبطة مسبقا بحكم عقلي سابق، لكن، هذا لم يمنعه من رسم الحدود الفاصلة بين ألعلوم الطبيعية، حيث إستخدام المنهج أو الطريقة العلمية التجريبية، والعلوم الإنسانية أو المعيارية. وبالتالي، فمدرسة بادن خاصة مع هاينريك ريكرت (1863-1939)، تسعى إلى تجاوز الأخلاق الكانطية مع الاحتفاظ بالمبدأ النقدي [9].

 لذلك، (شكلت الكانطية الجديدة أرضية فلسفية مهمة بالنسبة لماكس فيبر، لبناء تصوراته وأفكاره، فيما يخص المناهج المرتبطة بالتاريخ والاقتصاد والاجتماع، كما أنها شكلت الخلفية لموضوعه الجوهري المتعلق بالعقلنة، إلى درجة أنه، لا يمكن فهم فيبر إلا من خلال التفكير الكانطي، وما لحقه من تصورات الكانطية الجديدة) [10]. فقد صار للعقل مكانة متميزة في مجال المعرفة، نظرا لقدرته على تجميع المعارف التاريخية المشتتة في إطار ما يسمى بالنموذج المثالي، بغية عقلنة المعطيات والمعارف، فالعقل الفيبري (نسبة الى ماكس فيبر)، يبحث عن الوحدة داخل التعدد، ومهمة العقل محاولة تشكيل وتنميط العالم عن طريق الفهم [11].

مدرسة ماربورغ، من روادها فريديريك ألبرت، وأوطو ليبمان، وهرمان كوهين (1848-1918)، وارنست كاسيرر (1945-1874)، (الذي نادى بضرورة العودة الى كانط ورفض الوثوقية أو الدوغمائية والأنساق الفلسفية) [12]. فمدرسة ماربورغ، حركة فكرية، ذات توجه علمي، عارضت التفسيرات الخاطئة التى تعرض لها كانط، وقد ظهرت في سنة 1871، ساعية إلى تقديم تفسير جديد حول إشكالية القبلي، إنتقدت النزعة السيكولوجية على طريقة كانط، وأن المعرفة يجب أن ترتبط بالأسس المنطقية، أي أن مدرسة ماربورغ إستلهمت تصوراتها من فلسفة كانط، لكنها تجاوزت بعض المفاهيم الكانطية، كمفهوم الشيء في ذاته، والتمثلات المستقلة عن الادراك [13]، اقتبست المنهج الترنسندنتالي، بهدف تفسير أفلاطون وعلم النفس ومناهج البحث في العلوم الدقيقة.

     والحديث عن مدرسة ماربورغ، يقتضي الحديث عن الفيلسوف ارنست كاسيرر، الذي يعد من رواد مدرسة ماربوغ، إختص في فلسفة اللغة، وإشكالية المعنى، والأشكال الرمزية، مؤكدا، أن هناك عدة أشكال رمزية بإمكانها أن تربط الذات بالعالم، وتساعد على تقديم تفسير لوجودنا الانساني والطبيعي، كاللغة، والدين، والفن والتقنية والتاريخ والقانون، ففي كتابه، ” فلسفة الأشكال الرمزية”، سعى إلى  تتميم وتغيير وتجاوز أفكار كانط، مع إبرازه للطرق المختلفة التى تسمح بمعرفة العالم، وذلك عن طريق الأشكال الرمزية السالفة الذكر، وما يميز كاسيرر، أنه رفض مفهوم القبلي المرتبط بالحواس لتأسيس المعرفة النظرية والتجريبية، على إعتبار أن المكان والزمان كإطارين قبليان لم يعودا قبليين، بل، أصبحا تمثلين، معترفا بالقبلي المرتبط بالعقل، كالسببية، كونها مبدأ تنطيمي للمعرفة، وهنا نلاحظ، تجاوز كاسيرر لثنائية الحساسية والفهم، خصوصا، وأن فهم العالم من وجهة نظره، لم يعد متوقفا على المفاهيم والتصورات العقلية القبلية، وإنما على أشكال رمزية أخرى، فرؤية كاسيرر سيكون لها تأثير على من جاء بعده، خاصة موريس ميرلوبونتي[14].

2- الكانطية الجديدة، سياسيا وقانونيا.

          اما بخصوص فلسفة القانون، فقد اهتمت الكانطية الجديدة بمفهوم علم القانون، وفلسفة القانون وشرعيته، (فالقانون هو الواقع في خدمة العدل)، بمعنى، أن القانون هو الذي يربط الوجود بالواجب، وهذا الاخير هو المساواة، لذلك، فطاعة الاوامر النازية استوجبت إعادة النظر في القانون الوضعي، وتمييزه عن القانون العادل، فليس كل قانون وضعي هو عادل بالضرورة، خاصة مع هانس كلسن [15]. والحديث عن هانس كلسن، مدخل للحديث عن  كارل يوليوس شتاملر( 1856-1939)، درس القانون، وأسس مجلة تهتم بفلسفة القانون سنة 1913، عرف بكونه مؤسس فلسفة القانون للكانطية الجديدة، معتبرا، أن أساس الحياة الاجتماعية، يتمثل في الاقتصاد، وطبيعة القانون المطبق في الحياة السياسية والاجتماعية، مشددا، على ضرورة تحديد القانون بطريقة صحيحة وسليمة، بغية تنظيم وجودنا الاجتماعي على نحو معقول، لم يرفض القانون الطبيعي المرتبط بالعدالة والأخلاق، لكنه، أكد على أهمية الشروط الاجتماعية لمعرفة كيفية حصول التغير الاجتماعي والسياسي[16]، عارض الطريقة الوضعية التى يدار بها القانون ويفهم ويطبق، مقترحا فهما جديدا للقانون، لخصة في عبارة “القانون الصحيح”، وأن تشريع القانون يجب أن يرتبط ضرورة بالنظام الروحي الناتج عن الارادة الانسانية، وهنا، نلمس الأثر الكانطي في هذه التصورات، حيث تصبح الذات، لها دور في عملية التشريع لذاتها وللمجتمع، والقانون يجب أن يرتبط بالبعد الأخلاقي، حيث الارادة الخيرة، والقانون الاخلاقي، وإخراج العقل من وضعه النظري المجرد، ليصبح عقلا أخلاقيا عمليا[17]. فشتاملر، حاول إيجاد علاقة بين الإرادة والعدل، وعلاقة القانون بالإقتصاد، وهي تصورات أدت إلى خلق جدالات فلسفية وقانونية، عكست روح وطبيعة العقل الألماني الميال إلى الإبداع.

      كما أن “فالتر أدريان شوكين” (1935-1875)، أثرى المجال السياسي والقانوني في ألمانيا، منطلقا من البعد السياسي الليبرالي، وما ساعده على ذلك، تخصصه في القانون الدولي، وأنه من دعاة السلم، فضل الكانطية الجديدة على القانون المحافظ الذي كان سائدا، فأهله ذلك للإنخراط في العمل السياسي، حيث أصبح معارضا شرسا، لا يشق له غبار، تجل ذلك، في نقده ومعارضته للحكومة البروسية [18].  مطالبا البروسيين (بالمرور إلى نظام برلماني، وبحقوق المرأة، وفصل الدولة عن الكنيسة، والتوازن بين الرأسمالية والاشتراكية، والصلح بين القومية والعالمية وإدماج الديموقراطيين الاشتراكيين في الدولة) [19].

   دون نسيان، “إريك كوفمان” ( 1972-1880) الذي عكف على دراسة فلسفة القانون للكانطية الجديدة، فتخصصه في مجال القانون، منحه الجرأة والشجاعة، على الدفاع عن الحق والقانون الطبيعي، وعلى المنهج الأنطولوجي والميتافيزيقي [20]، وعرف عنه أنه انتقد الكانطية الجديدة، ذات التوجه الوضعي في القانون، مؤكدا على وجود القانون الطبيعي، فنقده للإتجاه الوضعي في القانون، تم على أساس غياب المعنى الحقيقي للعدالة، خصوصا، وأن الوضعية، تربط العدالة بمبدأ التبادلية، بحيث تضيع الأشكال ألأخرى للعدالة؛ كالتوزيعية والانتقائية[21]، كما انتقد النزعة العقلانية التى إختزلت المجتمع في مجموعة من ألأفراد، ونسيان المؤسسات والأهداف والإنجازات الإنسانية المشتركة، مؤكدا على ضرورة تجديد دور المؤسسات، لتتماشى مع التحولات السياسية والاجتماعية والقانونية.”كما أنه يؤاخذ الوضعية على إضافة عنصر أساسي في إنحطاط العدالة، وهو إعطاؤها إجابة شكلية على إشكالية ماهي العدالة؟ وفي هيجان نقده يعتبر القانون الوضعي بمثابة عاهرة تقدم نفسها لكل من هب ودب” [22].

     لكن، المشكل في تصورإريك كوفمان لمسألة العدالة في علاقتها بالقانون، أنه رغم إنتقاده لمعنى العدالة في الفكر القانوني الوضعي، إلا أنه لم يعطي بديلا وإضافة نوعية حول معنى العدالة، حيث اكتف بأن الإنسان لا يستطيع أن يعطي للعدالة دلالة محددة، داعيا إلى البحث عن مضمونها في الواقع، ومعتبرا أن الله هو وحده يدرك المعرفة الكاملة والشاملة للعدالة [23]، عكس الانسان الذي يمنح العدالة دلالات أخلاقية وسياسية وقانونية فضفاضة وعامة، نسبية وتقريبية، تنقصها الدقة اللازمة.

         المحور الثالث: أسباب ظهور الكانطية الجديدة

     إن تقدم العلوم الطبيعية، صاحبه أفول نجم الفلسفة وتراجعها إلى الوراء، خاصة الفلسفة الهيغلية، لذلك، إشتدت الرغبة في إعادة الفلسفة إلى مكانتها الطبيعية، كونها نظرية في المعرفة، بعدما تخلت عن ذلك لصالح العلم، وتحولها إلى نظريات مثالية حول الذات والموضوع، والهدف دمج الفلسفة في روح نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين، ويمكن القول هنا، أن هناك عدة اسباب أدت إلى ميلاد الكانطية الجديدة، فهناك أسباب سياسية، تجلت في إخفاق ثورة 1848، حيث تم إبعاد القضايا السياسية والاجتماعية من مقررات الجامعات، وتضييق الخناق على الفكر الفلسفي، وما صاحب ذلك، من إعتراف بالمسيحية كإديولوجيا مؤسسية للدولة، مع ضرورة التصريح العلني بالانتماء إلى إحدى المذاهب المادية، إنها التحولات التى أدت إلى إعادة ربط الصلة بفلسفة كانط خصوصا في الشق المتعلق بالدين، لأن كانط لا يعادي الدين، وإنما يدعوا إلى إصلاحه، وجعله تابعا للأخلاق، وتلك هي الحداثة الدينية بالنسبة لكانط (حداثة تنقلنا من دين الاستبداد الروحاني القائم على الأوهام الدينية من جنس الحماسة والخرافة والإشراق والخوارق، إلى دين الجماعة الإتيقية الكونية القائم على العقل الأخلاقي المحض وعلى حسن تدبير للحرية الأصلية في الإنسان نفسه)[24].

      فالرجوع إلى كانط، تم بسبب موقفه الايجابي من العلوم الطبيعية عكس هيغل الذي شيد فلسفة مثالية طبيعية تأملية تتماشى وروح العصر، حيث سيادة الرومانسية المثالية خاصة مع فخته وشلينغ، صحيح. فكانط مؤسس نظرية معرفية في العلوم، وبإمكانها أن تقدم تفسيرا للكون على أسس علمية، ووفق المقولات القبلية، حيث يوضع كل شيء في إطاري الزمان والمكان، علما أن كانط يبين أن الفلسفة النظرية والتطبيقية لا تستطيع فهم السلوك الاخلاقي من موقع العلوم الطبيعية، وهو الأمر الذي جعله يميز بين ميدان المعرفة النظرية حيث الحساسية والفهم، وميدان الدين والاخلاق، بمعنى؛ أن كانط إستطاع أن يفصل بين شروط إمكان تحقق المعرفة النظرية والتطبيقية عن طريق العلوم الطبيعية، وإستبعاد تحقق ذلك في ميدان الديني- الاخلاقي.  وزيادة في التوضيح، يمكن القول، أن كانط استطاع أن يؤزم العقل النظري بإيصاله إلى حدوده القصوى، حيث استنفذ ما لديه من قدرات على الفهم، وأنه لا يستطيع التفكير إلا في الظواهر التي تتعين في الزمكان (عالم الفينومين)، أما المواضيع التي تنتمي إلى مجال الديني- الأخلاقي (عالم النومين) فيصعب على العقل إنتاج معرفة حولها، فهي من اختصاص العقل العملي [25].

      الكانطية الجديدة كانت واضحة في مسألة الدين المؤسساتي، بمعنى أنها انتقدت الدين الرسمي للدولة، لأنه يقدم تصورات جوفاء وشمولية حول العالم، وأن رغبة رجال الدين في التحكم في العلم، ليس في صالح العلم أو الدين، فالدين المؤسساتي يحتكر النص الديني ويؤوله لتحقيق أغراض سياسية، تتماشى ومنطق السلطة الحاكمة، فأصعب فعل سياسي، هو إحتكار الدين، واستثماره لتحقيق أهداف سياسوية، بعيدة عن جوهره. مع ضرورة تفسير الطبيعة وفق منطق العلوم الطبيعية والتجريبية، وذلك، بإبعاد التصورات الميتافيزيقية، حيث السباحة في المثالية والتجريد الفارغ، وتلك هي  الروح الكانطية، وموقفه من الميتافيزيقا [26]، علما أن الكانطيين الجدد كانوا متدينين وليبراليون، ودافعوا عن فكرة، الفصل بين الكنسية والدولة، بحيث انتقدوا التعليم الكاثوليكي السياسي، الذي يؤثر على الناشئة، وذلك بشحن الأذهان، بأفكار وتصورات تقليدية، بعيدة عن روح العصر.

   المحور الرابع: الكانطيون الجدد في الفكر الحقوقي والسياسي والقانوني المعاصر.

        فلسفة كانط إنبنت على التأصيل والنقد، نقد العقل كألة منتجة للمعرفة، والتأصيل لشروط إمكان المعرفة، وهو ما جعل بعض الفلاسفة أوفياء لروح الفلسفة الكانطية النقدية،  بالرجوع إلى كانط، وفهم فلسفته النقدية بشكل أعمق في أفق تجاوزها، باستثمار تصوراته لتفكيك وتحليل مشكلات العصر، السياسية والاجتماعية وألأخلاقية، فهم كانط أولا، واستيعاب الفلسفة النقدية، خاصة في شقها الحقوقي- القانوني ثانيا، وتجاوزه ثالثا، وأبرز مثال على ذلك، ما فعله رتشارد رورتي، الذي فهم كانط واستوعبه، لكنه تجاوزه، معتبرا أن الديموقراطية كنظام سياسي واجتماعي بحاجة إلى مفاهيم أخرى جديدة، كالرغبة والخيال، أكثر من حاجتها إلى العقل والفلسفة، والقوانين ألأخلاقية الصارمة،لأن الفلسفة تطرح الاسئلة الميتافيزيقية التى لا تستطيع الاجابة عنها.

      نلمس الروح النقدية الكانطية، حيث نقد وتقويض الميتافيزيقا، خاصة ميتافيزيقا الذاتية، أي أن هناك عودة إلى روح الفلسفة النقدية، فمن منتقد لها، وساع إلى تجاوزها، إلى معجب بها، ومستثمر لمنطقها ومفاهيمها. وبالنسبة للفكر الفلسفي السياسي والحقوقي المعاصر، يمكن القول أن هناك تيارين رئيسيين، يشتركان في نقد كانط، وهما: تيار يمثله يورغن هابرماس، الذي ظل وفيا لروح فلسفة الأنوار ومبادئها، ساعيا إلى تطويرها وتوسيع أفقها على ضوء التحديات الجديدة المطروحة، وتيار ثان، ينتفض ضد فكر الأنوار، معتبرا إياه عصر الترويج لأوهام العقل، ومقولات الذات الحداثية، معتبرا فلسفة ألأنوار غير قادرة على جعل الذات تتحرر من ذاتها، والتخلص من غلوها النظري وتجريدها العقلي، تيار هدفه تقويض مقولات العقل الكانطية والهيغلية لصالح شبكة من المعتقدات والتصورات، التى تجد إرتكازها في الخيال، والانفعال، والرغبة، وعلى الطريقة النيتشوية. وإجمالا، أنه تيار يسعى إلى تفكيك وهدم وتقويض جميع المتعاليات الميتافيزيقية، بما في ذلك، تقويض أسس ميتافيزيقا الذاتية. ذلك هو تيار ما بعد الحداثة، أو الحداثة البعدية، بتعبير المفكر محمد سبيلا. لكن، هل تستطيع فلسفة كانط السياسية والحقوقية والقانونية، أن تمد تاريخنا السياسي والحقوقي والقانوني المعاصر المليء بالمشكلات، بالأليات الضرورية لفهم ومواجهة تحديات العصر؟

      الهدف من هذا المحور، ليس الوقوف على مجمل الفكر السياسي والحقوق والقانوني للكانطيون الجدد، وإنما أن نفتح دروبا ومسارب، تفضي إلى  معرفة أسباب بروز إهتمام الفلاسفة المعاصرون بفلسفة كانط الحقوقية والقانونية، حيث ضرورة الحديث عن جملة من المفاهيم السياسية والقانونية، كالعدالة، والانصاف والمساواة والقانون، والفضاء العمومي، وهي مفاهيم، تبرز محاورة ونقد كانط، خاصة مع، يورغن هابرماس، وجون راولز، وريتشارد رورتي، وحنة أرندت، والكسندر كويري ومشيل فوكو، ونظرا لضيق المقام، فإننا سنتقتصر تصريحا وتلمحيا ليورغن هابرماس وجون راولز.

     هناك علاقة وطيدة بين فلسفة كانط الاخلاقية، وفلسفة الحق والقانون لديه، علاقة مغرية بالنسبة لبعض الفلاسفة، خاصة في وقتنا الراهن، حيث تضخمت الانانية والفردانية، واشتدت النزاعات بين بيني البشر، ألامر الذي استوجب التفكير في ميثاق أخلاقي، يفضي إلى الاحترام والتعايش السلمي، على أسس متينة، لذلك، وجد بعض الفلاسفة، السند في فلسفة كانط الحقوقية والقانونية، فاستلهموا من فلسفته جملة من المفاهيم والتصورات، كالإرادة الانسانية الحرة، والعقل الاخلاقي العملي، وإستقلالية الذات، وقدرتها على أن تسن لذاتها مبادئها وأوامرها التى توجه تصرفاتها، أو ما يصطلح عليه بالقانون الاخلاقي، ومفهوم الغاية لا الوسيلة، هذه العلاقة الاخلاقية- القانونية، هي الجسر الرابط بين فلسفة كانط وبعض الفلاسفة المعاصرين، خاصة يورغن هابرماس وجون راولز كما سنرى.

     إن مشروع كانط الاخلاقي- الحقوقي والقانوني، شكل مرجعا للإجابة عن المشكلات المطروحة، خصوصا في ما يتعلق بإعادة فهم وتنوير وتثوير العلاقات الانسانية على ضوء ثقافة حقوق الانسان، وما يجب على الذوات القيام به، إنطلاقا من القوانين الأخلاقية التى تفضي إلى ترسيخ قواعد للسلوك الفردي والجماعي، قوانين تحدد طبيعة الذات، كونها حرة، لا يجب استعبادها أو اعتبارها بمثابة ألة، ذات قادرة على إحترام ذاتها والاخرين، والتعامل معهم كغاية وليس مجرد وسيلة أو بضاعة تقوم بسعر،( ليكن فعلك مستندا فقط على القاعدة التى تجعلك تريد منه أن يصبح قانونا كونيا) [27].

     لا تظن أيها الناظر الممعن في متن كانط الأخلاقي، أن فلسفة كانط الاخلاقية، مجردة وبعيدة عن أرض البشر، ومنفصلة عن وجودهم الاجتماعي والسياسي والقانوني، ولكنها مرتبطة، بشكل خفي وعميق، يستدعي إعمال العقل لإيجاد تلك الروابط، خاصة الفلسفة السياسية عند كانط، والتى تعالج إشكالية الحق والقانون، وإستحضار مفاهيم سياسية كالدولة والقانون والعدالة العمومية والسلم، أي أن ارتباط السياسة بالأخلاق هو الذي ألهم بعض المفكرين المعاصرين للإهتمام بفلسفته، لعلها تساعد على الاجابة عن مشكلات العصر، كإشكالية ، الأزمة الإيكولوجية المتمثلة في ظاهرة الاحتباس الحراري،  وحقوق الانسان التي يتحدث فيها  كانط برؤية كونية عالمية، حيث تطمح البشرية إلى بناء نظام عالمي يسوده الحق والعدل والاحترام، وتخف حدة النزاعات على خيرات الأرض، وتقل أو تختفي مظاهر العبودية. صحيح، تلك التصورات قد تبدوا للعقل مثالية ومجردة، وذات طبيعية ميتافيزيقية، رغم إنتقاد كانط للميتافيزيقا، لكن، يمكنها أن تصبح واقعا معيشا، خصوصا وأنها إشارات التقطها بعض الفلاسفة، وأسسوا عن طريقها نظريات جديدة، كنظرية الفعل التواصلي، والعقل التواصلي، والفضاء العمومي المشترك عند هابرماس.

    وإذا كانت إرادة التشريع الذاتي تتم حسب كانط وفق الإرادة الحرة والخيرة، فإن هذة الارادة إنتقلت من مجال التشريع الاخلاقي الذاتي الخالص، إلى مجال التشريع العام، حيث العقد الاجتماعي والمصلحة العامة[28]، فلنتأمل، أهمية فلسفة كانط الاخلاقية، بمعنى أخر، لكي تكون الذات قادرة الاندماج في فضائها العمومي، وإغناء وجودها الجماعي، يجب أن تكون مؤهلة لخوض غمار التأسيس لذاتها أولا، بحيث يعامل ذاته باحترام وتقدير، لينعكس ذلك على تعامله مع الاخرين، هو ذا، جوهر العلاقة بين الاخلاقي والسياسي في فلسفة كانط، وغياب تلك العلاقة، يجعل تصورات كانط الاخلاقية محض أوهام ميتافيزيقة، يحكيها مخبول العقل.

    للذات القدرة على التشريع، ليس في مجال الاخلاق وحسب، وإنما في مجال الحق والقانون، فلكي يكون للإنسان رأي سياسي، يجب أن يتحقق أولا الوعي الذاتي، والقدرة على التشريع، وغياب ذلك، يجعل الفعل السياسى بدون جدوى، فهذه ثورة جديدة في مجال العلاقة بين الاخلاقي- والحقوقي القانوني، فقد كان التشريع ينبني على عناصر تجريبية وموضوعية وتاريخية وثقافية ودينية، غيرأن كانط ذهب عكس ذلك، وأسس نظريته في الحق والسياسة والاجتماع الانساني على عناصر أخلاقية مطلقة، بحيث لم يعد المقصود هو ذات محددة، وفاعل متعين في الزمكان، وإنما صارت الانسانية هي الغاية، إنسانية تتصرف وفق مبدأ الغاية والمسؤولية الجماعية، بهذا الفهم، يكون كانط قد فتح الطريق للمفكرين المعاصرين الذين استلهموا روح فلسفته الاخلاقية للتأصيل لمفهوم الحق الذي يتأسس على الاخلاقي- القانوني، ووفق  مقاربة أخلاقية، فيها من الجدة والفرادة الشيء الكثير، إنه إدخال لنظرية فلسفة الحق الى الحداثة الحقوقية والقانونية.

    إن ربط تشريع الذات بالعقل النظري المجرد والصارم المتطلع إلى النتائج، قد يؤدي إلى السقوط في النزعة النفعية، حيث الاساءة الى  الذوات ألأخرى، واتخاذهم وسيلة لا غاية، غير أن الارتباط بالجانب ألأخلاقي قد يفضي إلى التخفيف من النزعة التشييئة، وعدم إسقاط أهواء ورغبات الذات على الأخرين، إنه مشروع أخلاقي- سياسي- حقوقي طموح، غيرأنه يحتاج إلى وعي عميق، وتجديد الرؤية للأفق الاجتماعي، وهذا، ما فعله يورغن هابرماس، الذي أسس مفهوم الفعل التواصلي، والفضاء العمومي من أجل التمهيد لتوطين المفاهيم الكانطية، ووفق مقاربة جديدة، تدمج بين الاخلاقي والحقوقي والقانوني،( إن التأويل الذي يخضع له هابرماس مفهوم الفضاء العمومي لدى كانط ينبني على مسلمة أساسية، تفيد أن الدولة الحديثة لا تحكم باسم سلطة دينية أو قبلية أو باسم إيديولوجية معينة. فهي تلتزم الحياد السياسي، ما دام دورها ينحصر في القدرة على التسيير والتدبير والحكامة الجيدة. فهي دولة تدير ولا تحكم، معنى ذلك، أن تسيير الدولة لا يخضع بعد اليوم للسلطة السياسية، بل لضوابط أخلاقية تعوض القانون الطبيعي للسلطة بسلطة قوانين الحق) [29]. لكن، لماذا هذا الحرص على البعد الأخلاقي؟ هل الأزمة هنا، أزمة وعي إنساني أم أزمة فلسفة قانونية وأخلاقية؟

      الإنسان ميال بطبعه إلى الاجتماع مع الأخرين، حسب أفلاطون وارسطو وبن خلدون، بهدف تكوين مجتمع أو دولة، غير أن كينونة الكائن، تتضمن بعض العناصر التى يمكن أن تفسد ذلك الاجتماع، فينعدم التعاون، لذا، يقترح كانط ضرورة بناء الذات على أسس أخلاقية بهدف تأهيلها لتكون مستعدة لخوض غمار التفكير والاندماج في الفضاء العمومي، إنها رؤية جديدة تسعى إلى النهل من فلسفة كانط الاخلاقية لتأسيس الحقوقي والسياسي والقانوني، ولا تناقض بينهما، هذا المشروع الطموح قد لا يتحقق أنيا، ولكن، يمكن أن يتحقق في يوم من ألايام، وعلى نحو واقعي، فالمسألة هنا، مرتبطة بصيرورة العقل في التاريخ. ولهذا الأخير، عقل يمكر بالناس.

        إنها الاشارة التى التقطها جون راولز، مؤكدا على أن المجتمع/ الفضاء العمومي هو الاطار والمرجع الذي ينظر بموجبه إلى العدالة، باعتبارها تصورا فلسفيا وسياسيا، يجب أن يترسخ في أرض البشر، وداخل الفضاء العمومي، فالجمع بين المجتمع والعدالة، بإمكانهما  مساعدة العقل على إيجاد قواعد ومبادئ سياسية وأخلاقية، لجعل الناس متصالحين مع عالمهم الاجتماعي، لمواجهة وتجاوز التصورات والمواقف الليبرالية الجديدة التى تنطلق من الفردانية والأنانية، وخلق مجتمع هو عبارة عن ذوات أو ذرات منفصلة عن بعضها البعض[30]، فالأفق، خلق مجتمع متضامن ومتعاون بإنصاف، ووفق رؤية تشاركية تجعل الجميع يحرص بوعي على توفير العدالة للجميع، خصوصا الفقراء، وأيضا في سبيل الوصول إلى مجتمع مرض، بحيث يتم التغلب على مظاهر الفساد الاجتماعي والسياسي، والتقليل أو القضاء على جميع أشكال الظلم والتفاوتات الحادة، الناتجة عن مخلفات النزعة الفردانية، وألأنانية المفرطة، ولن يتحقق ذلك إلا بمقاربة كلية، أخلاقية واجتماعية وقانونية  وحقوقية، بما في ذلك النهل من فلسفة كانط الأخلاقية، التى تتأسس على قواعد أخلاقية صارمة تجعل من الذات الحرة والواعية والمسؤولة غاية في ذاتها وليس مجرد وسيلة أو أداة أو سلعة تقوم بسعر، بمعنى أخر، وهذا هو الأهم هنا، أن التصور الراولزي يقرأ في سياق سياسي إجتماعي جديد، وضمن الخط الكانطي الأخلاقي، حيث الواجب الاخلاقي، والانفلات من قبضة المنفعة، فالأولوية هنا، للواجب ألأخلاقي والعدل، وليس الخير بمفهمومه العام الذي يتخذ شكل منفعة تفضي إلى السقوط في نزعة تشييئ الانسان، فلابد، من ” توفير أساس فلسفي أخلاقي مقبول للمؤسسات الديموقراطية، وبالتالي التوجه إلى السؤال عن كيفية فهم دعاوى الحرية والمساواة”[31].

   وعليه، هناك أسباب متعددة، إجتماعية وسياسية وأخلاقية، هي التى تفسر سر إلتقاء فكر كانط الأخلاقي بفكر جون راولز الاجتماعي والحقوقي، حيث صبغ راولز مفاهيم كانط الأخلاقية بصبغة إجتماعية، وأبعاد إقتصادية ليبرالية، في أفق تطوير رؤية إجتماعية تأخذ بعين الاعتبار البعد الأخلاقي، إنه تأويل إيجابي خلاق، على أساسه، يتم منح الأولوية للعدل والعدالة كإنصاف، وتعزيز مكانة النقاش العمومي النقدي لراولز، فهدف راولز، تعريف الخير بانفصال عن العدل، لأن العدل مجرد وسيلة لتحقيق أكبر نسبة من الخير، وهنا، يصبح كل فعل يقوم إنطلاقا من جانب المنفعة والنتائج المحصلة، وهذا هو تصور المذاهب النفعية والبرغماتية، بمعنى أخر، أن راولز يؤكد على ضرورة إرتباط الفعل بالقناعات الذاتية، بغض النظر عن الجوانب النفعية، فالعدالة عند راولز تتخذ صبغة أخلاقية كانطية.

      إن كانط أعطى الشيء الكثير لفلسفة الحق والقانون، في ثوبها الاخلاقي المجرد، وهو الأمر الذي جعل جميع التصورات تتخذ من كانط مرجعا لها، من أجل تطوير وتنوير وتثوير الفكر الحقوقي والسياسي والاجتماعي، ومجابهة المعضلات البشرية، وإنطلاقا من التساؤلات الاشكالية التالية: هل البشرية تنزع بطبيعتها إلى السلام والتعايش والمشاركة والتضامن أم أنها مجبولة على النزاع وافتعال الأزمات المؤدية إلى الاحتراب والصراع؟ وهل يمكن للتصورات الكانطية أن تصمد في وجه المتغيرات الكونية الجديدة، خاصة في زمن عولمة الاقتصاد، والمنفعة، وسيادة ثقافة السوق الحرة، والربح السريع؟

       إنها التحديات الجديدة المطروحة على العقل الحداثي، الذي أدرك أهمية العودة إلى كانط، بغية فهم ونقد أليات عولمة الاقتصاد والتجارة، والشركات العابرة للحدود والقارات، وتدفق أنظمة المعلومات، التى يصعب التحكم فيها، أو إخضاعها لمنطق أخلاقي، كما أن تجذر ثقافة حقوق الانسان، أفضت إلى  التنظير القانوني والأخلاقي لحق السفر والهجرة وطلب اللجوء السياسي، والرغبة في إزالة الحواجز، وإقفال الحدود أمام حرية تنقل البشر، أضف إلى ذلك، إنتشار البطالة والفقر وإستشراء الفساد بمختلف ألوانه، وسيادة ألانظمة الاستبدادية، أمثلة من أخرى، تؤكد ضرورة حضور المقاربة الاخلاقية، بما في ذلك، النهل من مملكة كانط الاخلاقية، ففي عالم العولمة، صار كل شيء يقاس بمعيار التسليع، بما في ذلك التراث الانساني الذي تحول إلى سلعة تقوم بسعر، و خاضعة لقانون الطلب والعرض، ولنا في غزو العراق ونهب المتاحف من قبل جنود أمريكا، مثال أوضح، على رغبة الهمجية العدوانية، في طمس معالم الحضارات السابقة. دون أن ننسنى الثورات العلمية، خاصة في مجال علوم الطب والصحة، والهندسة الوراثية، وعلم الاجنة، وبيع بنوك المني التى إرتبطت بمنطق الشركات الرأسمالية، التي تسعى إلى الاحتكار وجني الثروة، ولو على حساب الانسانية وألأدمية والبيئة.

ومضة ختام:

     بناء على ما سبق، يمكن القول، إن الكانطية، توجهات ومذاهب متعددة، بحيث نجد إختلاف التصورات من مفكر إلى أخر داخل المدرسة الواحدة، فيمكن أن نقول، أن هناك كانطية بادن، وكانطية ماربورغ، وكل كانطية تختلف عن الأخرى، خاصة في طبيعة المعالجة، وأليات التعاطي مع فلسفة كانط السياسية والحقوقية والقانونية، إختلاف، يفضي إلى القول، بأنه لا يمكن إختزال الكانطيون الجدد في النص الحرفي الكانطي، بل، هناك وعي عميق، لفلسفة كانط، وسعي لتجاوزه، في بعض ألأفكار والتصورات والنتائج، وبالتالي، يجب إعمال العقل لفرز وتمييز كل كانطية عن أخرى، فالإنتماء إلى قلعة كانط، وأرضه الفلسفية، لا يعني إنتماء إلى معبد مقدس وثابت، حيث الطاعة العمياء، والولاء المطلق، وإنما إنتماء حيرة وقلق وشك ونقد وإستشكال، ورغبة في الفهم والتجاوز.

  حقا، فبفضل فلسفة كانط السياسية والحقوقية والقانونية، أصبحت مفاهيم مثل الديموقراطية وحقوق الانسان، واستقلالية الذات، والكرامة الانسانية، والمسؤولية الذاتية، والحرية السياسية، تشق طريقها في النقاشات العمومية، خاصة الاشكالات الأخلاقية- القانونية، وهي إشكاليات تطرح من جديد، لتعمق النقاش حول ثنائية السياسة والدين، القانون وألأخلاق، الحق والواجب، العدالة الظلم، بمعنى أعمق، أن ما طرحه كانط من تصورات وأفكار حول علاقة الاخلاق بالسياسة والحقوق والقانون، له أهميته التاريخية والسياسية والحقوقية والقانونية، لكن، المشكل، كيف لفيلسوف مثل كانط الذي نادى بحقوق الانسان، وضرورة إحترام الاخرين، وعدم النظر اليهم كوسيلة، وإنما كغاية، أن لا يعطي للضعفاء حق مقاومة الظلم والطغيان والاستبداد؟ وهو الحق الصادر عن الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواطنة بعد الثورة الفرنسية، وقد كان كانط لا يزال على قيد الحياة، بل، أكثر من ذلك فقد ندد بهذا الحق وأدانه علانية، واعتبره جريمة يعاقب عليها القانون المدني، في حين أنه حق من الحقوق الطبيعية للدفاع عن النفس، لمواجهة القوانين الجائرة، هنا يظهر وجه التناقض والمفارقة التى تصل إلى حد الفاجعة بين النظامين ألأخلاقي من جهة والحقوقي – السياسي من جهة ثانية، في فلسفة كانط. وإبرازا لتلك المفارقة بشكل أوضح، لنتأمل قول كانط التالي:” إن بلوغ الأنوار هو خروج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه، والذي عجزه عن إستعمال عقله دون إرشاد الغير. وإن المرء نفسه مسؤول عن حالة القصور هذه عندما يكون السبب في ذلك ليس نقصا في العقل، بل نقصا في الحزم والشجاعة في استعماله دون إرشاد الغير. تجرأ على أن تعرف، كن جريئا في استعمال عقلك؟ ذاك شعار الأنوار” [32].


الهوامش:

[1] “إن النقد في معناه الكانطي، لا يعني مطلقا الرقابة ولا التمحيص والتحقق. كما لا يمكننا أن نؤكد أبدا أنه يعني وضع النقط النهائية للعقل، إنه بالعكس يعيد العقل الى حدوده، ولا تعني كلمة حدود هنا، المكان حيث تنتهي حركة وتصرفات العقل، فالحد هنا، معناه، التجميع وليس التفريق. انطلاقا من الحد يمكن للشيء ان يبدأ في الانتشار، ذلك أن ما وراء الحد لا يهمه المطلق. ابتداء من الحدود وداخل المساحة المخصصة للعقل، ينفتح الشيء ويتبدى ويفصح عن نفسه. إن النقد يعني هنا، المساحة أو الفضاء، حيث يمكن للعقل ان يتجلى”.

موليم لعروسي، “كانط مؤسسا لعلم الجمال”، التأصيل النقدي للحداثة وما بعدها (قراءة في الفلسفة الكانطية)، ضمن منشورات كلية الأداب والعلوم الانسانية بالرباط، العدد 128، الطبعة الأولى 2005، ص. 157.

[2] عبد الحق منصف، ” ميتافيزيقا الحق وتأصيل السياسي داخل الحداثة”، التأصيل النقدي للحداثة وما بعدها (قراءة في الفلسفة الكانطية)، ضمن منشورات كلية الأداب والعلوم الانسانية بالرباط، العدد 128، الطبعة الأولى 2005، ص. 84.

[3] حميد لشهب، الكانطية الجديدة، رؤية تحليلية نقدية لمفهومها ومدارسها، الطبعة الأولى، منشورات المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية، بيروت 2019، ص، 26. كتاب أخذ من:

https://www.iicss.iq/files/files/5b5aht7.pdf ، دراسة عميقة تحليلية للكانطية الجديدة، سياسيا وقانونيا ومعرفيا، لأبراز أهمية فلسفة كانط المعرفية والسياسية، وأسباب العودة الى كانط.

[4] نفسه، ص، 26.

[5] نفسه، ص، 27.

[6] نفسه، ص، 27. تم الرجوع واعتماد مقالة الاستاذ فؤاد مخوخ، ” كانط والكانطيون الجدد”. يقول الاستاذ مخوخ” إن رفع الكانطيين الجدد شعار العودة الى كانط، يدل في عمقه على محاولتهم الدفاع عن أسس الفلسفة الكانطية وراهنيتها من ناحية، وعن قابليتها للتطور وقدرتها على الاجابة عن الأسئلة الفلسفية المعاصرة رغم المسافة الفاصلة بين كانط والفلاسفة اللاحقين عليه من ناحية ثانية، فالنسق الكانطي يتميز بكونه غير منغلق على نفسه، ومن طبيعته أنه، نسق مفتوح”. رابط:

https://bookstore.dohainstitute.org/p-693.aspx، علما أن الاستاذ فؤاد مخوخ، تحدث عن الجانب المعرفي والعلمي للكانطية الجديدة، وغياب البعد السياسي والحقوقي والقانوني في المقالة.

[7] نفسه، ص، 43.

[8] ابراهيم زكريا، المشكلة الخلقية، (دون ذكر الطبعة)، دار مصر للطباعة، (دون تاريخ النشر)، ص.165-166.

[9] الكانطية الجديدة، مرجع سابق، ص، 44.

[10] نفسه، ص،53.

[11] نفسه، ص،53.

[12] الزواوي بغورة، ” الأصول الكانطية للأنطولوجية التاريخية”، التأصيل النقدي للحداثة وما بعدها (قراءة في الفلسفة الكانطية)، ضمن منشورات كلية الأداب والعلوم الانسانية بالرباط، العدد128، الطبعة الأولى 2005، ص. 141. وأيضا يمكن الرجوه الى مقالة الأستاذ فؤاد مخوخ ” كانط والكانطيون الجدد”، رابط:

https://bookstore.dohainstitute.org/p-693.aspx، خصوصا الجانب العلمي والمعرفي.

[13] لشهب، الكانطية الجديدة، مرجع سابق، ص، 54.

[14] الزواوي بغورة، ص، 142. وقد اعتمدنا هنا على مقالة فؤاد مخوخ حول “كانط الكانطيون الجدد”. رابط:

https://bookstore.dohainstitute.org/p-693.aspx، خاصة في نظرية المعرفة.

[15] لشهب، الكانطية الجديدة، ص،56.

[16] نفسه، ص،92.

[17] إيمانويل كانط، أسس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة، عبد الغفار مكاوي، الطبعة الثانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980، ص، 107.

[18] لشهب، الكانطية الجديدة، مرجع سابق، ص 94.

[19] نفسه، ص، 95.

[20] نفسه، ص، 109.

[21] نفسه، ص،109.

[22] نفسه، ص،109.

[24] أم الزين بن الشيخة، ” كانط والحداثة الدينية”، (روح الحداثة، مجلة مقدمات)، المجلة المغاربية للكتاب، العدد 31، خريف 2004.

[25] الكانطية الجديدة، مرجع سابق، ص، 15.

[26] نفسه، ص، 16.

[27] أسس ميتافيزيقا الأخلاق، مرجع سابق، ص، 61-90.

[28] عبد الرزاق الدواي،”إشكالية العلاقة بين الأخلاق وفلسفة الحق عند كانط “، (فلسفة الحق، كانط والفلسفة المعاصرة الكانطية)، ضمن منشورات كلية الأداب والعلوم الانسانية بالرباط، العدد 143، الطبعة الأولى 2007، ص. 16.

[29] عز العرب لحكيم بناني،” مفهوم الفضاء العمومي بين كانط وهابرماس”، (فلسفة الحق، كانط والفلسفة المعاصرة الكانطية)، ضمن منشورات كلية الأداب والعلوم الانسانية بالرباط، العدد 143، الطبعة الأولى 2007، ص. 97.

[30] جون راولز، العدالة كإنصاف، ترجمة، حيدر الحاج إسماعيل، مراجعة، ربيع شلهوب، (بدون طبعة)، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2009، بيروت، ص، 89.

[31] العدالة كإنصاف، مرجع نفسه، ص، 90.

[32] ما التنوير، إيمانويل كانط، ترجمة مصطفى لعريصة، (روح الحداثة، مجلة مقدمات، المجلة المغربية للكتاب، العدد 31، خريق 2004.