القيمة الإبستمولوجية: كيف تكون المعرفة ذات قيمة إبستمولوجية مميزة؟ – جون توري، ومارك ألفانو، وجون غريكو


القيمة الإبستمولوجية

  • مقدمة

 يستمد إبستمولوجيي الفضيلة الإلهام من العديد من الفلاسفة التاريخيّين المُهمّين، بما في ذلك أفلاطون (Zagzebski 1996: 139))، وأرسطو (Greco 2002: 311؛ Sosa 2009: 187؛ Zagzebski 1996، passim)، الأكويني (Roberts & Wood 2007: 69–70; Zagzebski 1996، passim)، ديكارت (Sosa، 2007: الفصل 6)، كيركجارد (Roberts & Wood 2007: 29–30)، نيتشه (Alfano 2013a)، وبيرس (Hookway 2000). هيوم (1748)، ريد (1785)، راسل (1948)، وسيلارز (1956)، إذ جميعها محمّلة بتلميحات لإبستمولوجيا الفضيلة. تقدم الفلسفة الإسلامية بوادر لإبستمولوجيا الفضيلة المعاصرة، مثل المناقشات حول القيمة الإبستمولوجية للخيال في الكندي والفارابي (Adamson 2015)، والإبستمولوجيا الاجتماعية المتطورة/ المحنكة لـ ابن سينا ​​للشهادة الموثوقة وغير الموثوقة (Black، 2013).

.

  • طبيعة القيمة الإبستمولوجية

ما طبيعة القيمة الإبستمولوجية، وكيف تكون المعرفة ذات قيمة إبستمولوجية مميزة؟ لماذا تعد المعرفة أكثر قيمة من مجرد الاعتقاد الحقيقي، خاصة إذا كان الاعتقاد الحقيقي ناجعاً في توجيه العمل؟ احتلت مثل هذه الأسئلة مركز الصدارة في الإبستمولوجيا الحديثة، وتعود على الأقل إلى Plato’s Meno[i] (انظر Pritchard & Turri 2014). يعتقد عديد من إبستمولوجيي الفضيلة أن نهجهم ملائم بشكل فريد لتقديم إجابات شافية عن هذه الأسئلة.

 تجادل Zagzebski (2003) بأن حسابًا مناسبًا للمعرفة يجب أن يفسر: لماذا تكون المعرفة أكثر قيمة من مجرد الاعتقاد الحقيقي، يُعْرَف هذا باسم “إشكالية القيمة”. وتقرر بأن إبستمولوجيا الفضيلة بمقدروها معالجتها، لأن المعالجة الناجعة يجب أن يساعدنا على رؤية: كيف تمتلك المعرفة القيمة بشكل مستقل عن أي شيء “خارجي” لإنتاجها؟ فنجان القهوة الجيد ليس أفضل لأنه ببساطة صُنع بواسطة آلة قهوة جيدة وموثوقة. وبالمثل، فإن الاعتقاد الحقيقي ليس بأفضل لأنه تكوِّن بطريقة موثوقة. يتعين أن تنبع القيمة المضافة من شيء “داخلي” ما. النظر إلى المعرفة على أنها حالة جديرة بالثقة للفاعل هو الحل، حيث تنتجها أو تدعمها قوته الفاضلة.

 غريكو (2009، 2012) وسوسا (2003، 2007) يؤكدان أنَّ المعرفة هي نوع من الإنجاز – النجاح الفكري من خلال القدرة، التي يتوفر عبرها العارفُ على المصداقية والثقة. وبشكل عام، فإنَّ النجاح عبر الفضيلة هو أكثر قيمة من مجرد النجاح، وخاصة النجاح العرضي. مما يوصل لاستنتاج، أن المعرفة أكثر قيمة من الاعتقاد الحقيقي. يضع ريجز (2009: 342) النقطة بإيجاز:

 السبب في أن وجهات نظر جدارة المصداقية والثقة للمعرفة يمكن أن تعالج إشكالية القيمة هي أنها تقدم مُتجهًا vector جديدًا للقيمة: الثقة. . . إذا كانت معرفة أن (ب) تستلزم دائمًا أن المرء يستحق الثقة لاعتناقه اعتقادًا حقيقيًّا، فإن هذا يقدم شيئًا إلى جانب الاعتقاد الحقيقي ذي القيمة (Riggs 1998 & 2002 يقدم الحجة الأساسية ذاتها). يقترح كارتر وجارفيس وروبين (2015) تصنيفًا لانواع الإنجاز الذهني بناءً على الأوزان النسبية المعطاة لتحقيق النجاح مقابل تجنب الإخفاق؛ فعلى سبيل المثال: وجود شك في أن (ب) هي محاولة ذهنية  تزيد أهمية تحقيق النجاح، في حين أن اليقين الديكارتي بأن ب هي محاولة ذهنية لإيلاء أهمية خاصة بتجنب الإخفاق.

ميز أرسطو بين تحقيق غاية ما عن طريق الحظ أو الصدفة، وتحقيقها عبر ممارسة قدرات المرء أو فضائله. ويجادل بأن هذا النوع الأخير هو وحده العمل ذو القيمة الجوهرية، ويشكّل الازدهار البشري. إنه يقرر بأن “خير الإنسانية” “يتبين أنه نشاط إظهار التميز للروح” (Nicomachean Ethics 1098a15-16; ; تُرجم بواسطة W. D. Ross 1984، p. 1735). إن الممارسة الناجحة للفضائل المعرفية للفرد تكون جوهريًّا جيدة ومؤسسِة للازدهار البشري. هذا يتعلق بالفضيلة الأخلاقية والإبستمولوجية. بافتراض أن خط إبستمولوجيا الفضيلة الأساسي للمعرفة صحيح، نحصل على معالجة مباشرة لإشكالية القيمة.

.

  • الاعتمادية

مثلما عرضنا في الأقسام المتعلقة بالمعرفة والقيمة الإبستمولوجية، ثمة أطروحة شائعة جدًا في إبستمولوجيا الفضيلة تقرر أن المعرفة هي جديرة بالثقة للفاعل. يسعك أن تعرف فقط إذا كنت مستحقاً للثقة باعتقادك بالحقيقة. نسمي هذا “أطروحة الثقة”، تساعد هذه الأطروحة على تفسير قيمة المعرفة. كما أنها تظهر بشكل بارز في محاولات معالجة إشكالية جيتييه وتجلية الحظ الإبستمولوجي.

 جنيفر لاكي (2007) تجادل بأننا لا نستحق الثقة على كل ما نعرفه، لذا (أ) تعريفات إبستمولوجيا الفضيلة المعيارية للمعرفة خاطئة، و(ب) إبستمولوجيا الفضيلة ليست مناسبة بشكل مثالي لشرح قيمة المعرفة، حيث تقدم أمثلة مضادة تشمل المعرفة الفطرية والشهادة. بحسب فهم لاكي، لكي تكسب الفضل في الاعتقاد الحقيقي، يجب أن تكون “قدراتك الذهنية الموثوقة” “الجزء الأكثر بروزًا” في تفسير سبب اعتقادك بالحقيقة (Lackey 2007: 351؛ انظر أيضًا Greco 2003: 130). وتجادل في أن القدرات  الذهنية لا يمكن أن تكون مجرد أجزاء ضرورية أو مهمَّة من التفسير، لأن حالة جيتييه ستنشأ على الفور (Lackey 2007: 347–8).

سنورد صيغة قريبة لإحدى حالات لاكي (Lackey 2007: 352)، حيث وصفتها لاحقًا (2009) بـ “زائر شيكاغو”: وصل موريس لتوّه إلى محطة قطار شيكاغو، ويريد الاتجاهات إلى برج سيرز. يقترب من أول عابر سبيل يراه (“عابر سبيل”) ويسأل عن الاتجاهات. يعرف العابر المدينة بشكل جيد للغاية، ويقدم بوضوح اتجاهات لا يعكرها تيه: البرج على بعد كتلتين شرق المحطة. على هذا الأساس يشكل موريس الاعتقاد الحقيقي المقابل دون تردد.

أسباب لاكي على النحو الآتي: من الواضح أن موريس يكتسب معرفة بموقع البرج. لكن إسهام العابر هو الأكثر بروزًا في تفسير سبب معرفة موريس للحقيقة، في حين يتضاءل إسهام موريس في العملية. إن القدرات الذهنية الموثوقة لـ موريس ليست الجزء الأكثر بروزًا في تفسير سبب اعتقاده بالحقيقة؛ لذلك لا يستحق الثقة، لكنه يعرف مع ذلك. إذن، يمكن التقرير بأن أطروحة الثقة خاطئة.

يطلب منا لاكي أيضًا التفكير في “إمكانية المعرفة الفطرية الطبيعية” (Lackey 2007: 358). من المؤكد أن مثل هذه المعرفة ممكنة، لذلك يجب أن تستوعب الإبستمولوجيا المناسبة الاحتمال. ولكن “يبدو أنه من غير المرجح أن يستحق موضوعٌ ما الفضل في مثل هذه المعرفة”. بالنسبة لأصل المعتقد، “مثل الانتقاء الطبيعي أو بعض الآليات التطورية الأخرى”، سيكون الجزء الأكثر بروزًا في تفسير سبب امتلاكك للاعتقاد الحقيقي. لذا فإن أطروحة الثقة خاطئة.

غريكو (2007) يجيب بأن موريس ما يزال مستحقاً للإشادة فيما يخص تعلم الحقيقة. يمكن أن يعود الفضل في النجاح التعاوني إلى العديد من الأفراد، حتى أولئك الذين يسهمون أقل من الآخرين. يتطلب الأمر بوجه عام فقط “إشراكًا مناسبًا” لـ “جهودك وقدراتك في النجاح (Greco 2007: 65). لنفترض أننا نلعب هوكي الجليد، وقمتَ بتنفيذ لعبة رائعة غير اعتيادية لتجعلني أهدِّف. يتمدد حارس المرمى خارج منطقته، يتشوش المدافعون ويعلوهم الارتباك خلف الشبكة، أنا ببساطة أضغط على الصولجان. إسهامك يُقزِّمني، بيد أنني لا زلت مستحقاً للإشادة بخصوص الهدف. وبالمثل، يقوم العابر بمعظم العمل، لكن موريس لا يزال يعمل شيئاً؛ لأن قدراته الفكرية كانت مشاركة في عملية المعرفة بشكل مناسب. تسلط أمثلة كهذه الضوء على صعوبة تقسيم المسؤولية عن الإنجازات التعاونية، كما لو كان يجب أن تصل إلى 100 بالمائة. تتحدى الفردية في هذا الافتراض التلخيصي الحجج الحديثة للمعرفة الضمنية والمدعومة والممتدة.

يرد سوسا (2007: 95) بأن موريس هو مستحق مع ذلك لـ “حظوة جزئية”، على الرغم من أن نجاحه في الاعتقاد بالحقيقة يعزى في المقام الأول إلى “الكفاية الاجتماعية” المتجسدة في الأشخاص المشاركين في سلسلة الشهادات. هذا يكفي لاعتقاده أن يكون مناسبًا، ولذلك يُعَدُّ معرفةً. هذه الحظوة الجزئية المتجذرة حول الأداء المناسب هي ظاهرة عامة تمامًا، كما هو شائع في الرياضات الجماعية، كما في الشهادة.

القيمة الإبستمولوجية

إن تمريرة لاعب الوسط مستمدة من كفايته، لكن نجاحه الكبير كونها تمريرة ضربة جزاء يظهر بشكل أنجع كفاية الفريق.

 ريجز (2009: 209) يرد بأنه ليس من الواضح ما إذا كان موريس يعرف مكان البرج. لسنا مجبرين على اعتبار كل ” قبول عرضي وغير عاكس للشهادة ” معرفةً (Riggs 2009: 214). ولاحظ أنه إذا واصلنا القصة من خلال وجود شخص ما بعد ذلك بوقت قصير يسأل موريس عن مكان البرج، فسيكون خارج الخط ليؤكد ببساطة، “أنه على بعد كتلتين بهذا الطريق”، مما يشير إلى أنه لا يعرف بعدُ تماماً كلَ شيء  (Riggs 2009: 210–11). أبعد من ذلك، يميز ريجز بين معنيين من الثقة: استحقاقية الثناء والعزو. تتطلب المعرفة أن يُنسب اعتقادك الحقيقي إليك بصفتك فاعلاً، بيد أن ذلك لا يعني ذلك أنك تستحق الثناء عليه. يدعي ريجز أن اعتراضات لاكي تفترض خطأً أن المدافعين عن أطروحة الثقة يعتقدون أن المعرفة تتطلب استحقاقية الثناء، وأنهم مرتبطون ارتباطًا وثيقًا بمنظار غريكو Greco الخاص للثقة (مع تركيزه على البروز التوضيحي)، كما يتجاهلون إمكانية “جهد المجموعة” في الإنجازات.

 ترد لاكي  (2009) على غريكو وريجز وسوسا. بقالب خفي متعدد الأبعاد، لكن محوره يمثل معضلة لأطروحة الثقة في إبستمولوجيا الفضيلة. إما أن فكرة إبستمولوجيا الفضيلة حول استحقاقية الثناء كبيرة بما يكفي لاستبعاد الثقة بموضوعات أكثر جاذبية، وإمَّا أنها ليست كذلك. إذا كانت كبيرة بما يكفي، فإنها تستبعد الكثير من المعرفة عبر الشهادة، وفي هذه الحالة تفشل. إذا لم تكن كبيرة بما فيه الكفاية، فإن ذلك يستلزم دحضًا وفق منظور جيتييه، مما يعني إخفاقاً مستمراً. في كلتا الحالتين، ثمة فشل. (قارن Kvanvig 2003; Pritchard 2008b).

.

  • القيمة الإبستمولوجية: خاتمة

 في مدونته، كتب عالم النفس الاجتماعي مايكل إنزليخت (2016، انظر موارد الإنترنت الأخرى) أنه على الرغم من كونه يكنّ:

 حباً لعلم النفس الاجتماعي [. . . ]، لدي الكثير من المشاعر حيال الموقف الذي نحن فيه، وأحيانًا يكسر قلبي ثقله. [. . . ] فقط عندما نشعر بالسوء، وعندما نعترف ونحزن على الأمس، يمكننا استقبال غد أفضل.

وتابع قائلًا،

“هذا مخيف تمامًا”، و”أنا في مكان مظلم. أشعر أن الأرض تموج من تحتي، ولم أعد أعرف ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي “. قد يكون إبستمولوجيو الفضيلة في وضع يمكنهم من تقديم المساعدة والراحة للعلماء المنكوبين، أو في الأقل تقديم وصف دقيق لما يعانون منه.

القيمة الإبستمولوجية