الفلسفة المحافظة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مصطفى شلش

الفلسفة المحافظة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مصطفى شلش


مدخل حول مفهوم الفلسفة المحافظة conservatism، اتساعها وضيقها وردود الفعل علبيها، ونقد الفلسفة المحافظة؛ نص مترجم لد. أندي هاميلتون، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


تُعد الفلسفة المحافظة ونقيضها من الفلسفات الليبرالية والاشتراكية والحداثية ومناهضي التقليدوية أكثر الفلسفات السياسية والأيديولوجيات تأثيراً في عصر ما بعد التنوير. ينتقد المحافظون منافسيهم بسبب الإيمان الطوباوي بقوة العقل النظري والكمال البشري. بينما يستند المحافظون على المُجرب وليس على الحدس، فالنظرية والتطبيق في فلسفتهم لا ينفصلان. بالرغم مِن اهتمام فلسفة المحافظة لعرض وجهة نظر السلطة والنظام الأبوي، بدلًا مِن الحريات، لكن يظن البعض أن المحافظة فلسفة سياسية حديثة، كما كتب جون جراي، على الرغم مِن أن الليبرالية هي النظرية السياسية المهيمنة على العصر الحديث، فإن المحافظة، على الرغم من انجذابها للتقاليد، هي أيضًا استجابة لتحديات الحداثة. (Gray 1995: 78).

هناك جدل بين الجمهور والسياسيين، وبين الفلاسفة والمنظرين السياسيين الذين يركز عليهم هذا المقال حول ماهية فلسفة المحافظة، وما يمكن أن تكون عليه أو يجب أن تكون عليه. عمومًا، “المحافظ” مصطلح عام لوجهة نظر يمينية يتخذها طيف سياسي بين الليبرالية والفاشية. لكن يعرفها الفلاسفة بشكل أكثر دقة، بوصفها فلسفة تُشكك في التفكير المجرد بالسياسة، وتناشد بدلاً من ذلك بإحياء التقاليد، مما يسمح بإمكانية الإصلاح السياسي المحدود. ووفقًا لهذا التعريف فإن فلسفة المُحافظين ليست رد فعل دوغماتي، ولا هي الراديكالية اليمينية لمارجريت تاتشر، ولا تمثل الفلسفة الأمريكية المعاصرة للمحافظين الجدد. بينما البعض الآخر، يدرس التباينات بين المحافظة البراغماتية و المحافظة العقلانية الكونية التي لا تشك في العقل، وتعتبر المجتمع ذي التسلسل الهرمي للسلطة هو الأكثر ملاءمة لرفاهية الإنسان. (Skorupski 2015).

تعرضت فلسفة المحافظة للتهميش بالمقارنة مع الليبرالية والاشتراكية (Broad 1913: 396–7). لا يعتبر الكثير المحافظة فلسفة سياسية، ولا أيديولوجيا، بل يتم اعتبارها نزعة نظرية ما دون إيديولوجية تحاول تجنب أخطاء الأيديولوجيات. (Graham 1986: 172; in contrast, Nisbet 1986). لكن، ما هي فلسفة المحافظة، هل موقف قديم، أم موقف تطور كرد فعل لعقلانية التنوير ومنتجاته السياسية والليبرالية والاشتراكية؟ ما علاقتها بـ “المحافظين الجدد” المعاصرين؟ هل هي فلسفة شاملة، أم أنها، كما يُجادل الكثيرون، تفشل في التمييز بين ما يستحق الحفاظ عليه وما لا يستحق؟ هذه بعض الأسئلة التي تُطرح بشكل شائع حول المحافظة، وسيتم محاولة الإجابة عليها في هذا المقال.

 

  1. مفهوم الفلسفة المحافظة

1.1 ضيق واتساع المعنى

1.2 المعنى الضيق أو محافظة إدموند بيرك والتشكيك في العقل

1.3 المحافظة مقابل رد الفعل

1.4 الإجراءات الرسمية مقابل القواعد الموضوعية للمحافظة؛ على النقيض من المحافظين الجدد والليبرالية

1.5 المحافظة والليبرالية: وجهة نظر الحرية مقابل وجهة نظر الأبوية

2.   تطور الفكر المحافظ

2.1         استخدام مصطلح المحافظ

2.2        بوادر المحافظة في فكر إدموند بيرك

2.3        الفلسفة المحافظة لإدموند بيرك

2.4        العقلانية أو المثالية المحافظة

2.5        تقاليد أمريكا الشمالية

2.6        المحافظة الحديثة

  1. نقد فلسفة المحافظين

3.1       ما التقليد؟ الفلسفة الجماعانية

3.2          النقد الليبرالي

3.3           نقد اليسار

3.4       التماسك لمنطقية الشك الاصطفائية (particularist scepticism)

  1. المحافظة الثقافية والتحفظ

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مداخل ذات صلة


        

  1. مفهوم الفلسفة المحافظة

1.1       ضيق واتساع المعنى

بالمعنى الواسع، كانت المحافظة حاضرة دائمًا كموقف اجتماعي، كغريزة يعبر عنها الخوف البشري من التغيير المفاجئ، كاطمئنان إلى الفعل المُعتاد. على سبيل المثال، اللورد وصاحب السمو الملكي والمناهض للشعبوية، والذي كتب تاريخ الحرب الأهلية الإنجليزية في القرن السابع عشر بعد فترة وجيزة من وقوعها روبرت سيسيل، شبه فلسفة المحافظة بطبيعة الإنسان المحافظة التي نشئ بها وأعتمد عليها، والتي توجد في كل عقل بشري تقريبًا.  (Cecil, 1912: 8). كان لورد سيسل محافظًا بشكل غريزي، دون وعي ذاتي، مُحافظ بالمعنى الأوسع.

وهكذا يقارن بيسر “المحافظة التي كانت موجودة دائمًا في ألمانيا كموقف اجتماعي، مع النزعة المحافظة الواعية التي تطورت كقوة اجتماعية في تسعينيات القرن التاسع عشر، كردة فعل على التنوير، والثورة الفرنسية (Beiser 1992: 281). “الوعي بالذات” هنا لا يعني فقط ضمنيًا السلوك/ رد الفعل، ولكن يعني الاعتراف به بوعي، والإشارة إلى أصحابه. ولهذا المعنى الضيق للفلسفة المحافظة الواعية، المشككة في قوة العقل في الحقل السياسي، هو النسخة الأكثر تميزًا والأكثر أهمية من الناحية التاريخية.

هناك اختلافات حول بوادر ظهور النزعة المحافظة الواعية (فلسفة المحافظة). وغالبًا ما يُشار لأرسطو، لأنه يعتقد أن الأخلاق والسياسة – على عكس العلوم الطبيعية – تفتقر إلى خبراء متخصصين، وأن الخبرة البشرية عبر الأجيال هي المصدر الرئيسي للمعرفة في هذه المجالات. لكن كونفوشيوس هو قاعدة إنطلاق محتملة أيضًا. فقد أبدى قلقه من انهيار المؤسسات السياسية في عصره إلى نظرة سياسية حذرة ومحافظة، بالإضافة إلى تشديده على السلطة والتسلسل الهرمي وكلها تمثل موضوعات مركزية في الفلسفة المحافظة. وما قبل التنوير، فإن مفهوم القانون العام الإنجليزي المرجعي، الذي طوره إدوارد كوك (1552-1634)، كان له تأثير واضح على فلسفة المحافظة (Pocock 1989).

[في إنجلترا] تسعينيات القرن التاسع عشر والثامن عشر الميلادي، وبفضل التقليدي، أو ما يُطلق عليه الآن اسم “المحافظ”، ظل الفكر السياسي فعال، ويعمل كما يجب … [كتب] توماس شيرلوك في عام 1704، “الحفاظ على الشكل المؤسسي للحكومة، هو أول وأعلى واجبات الرجال في المجتمع .” (Hoppit 2000: 196)

ويعتبر ديفيد هيوم (1711-1776) أحيانًا محافظًا. فقد كان متشككًا في التفكير المنطقي فيما يتعلق بالغايات مقابل الوسائل، لكنه لم يعش ليرى الثورة الفرنسية والحجج التي تقوم عليها؛ بينما كتب صمويل جونسون، أحد المُحافظين بحق، أنه كان “محافظًا بالصدفة” (reported by Boswell, in Fieser ed. 2005: 290).

انطلاقًا من وجهة نظر الوعي بالذات، فـ المحافظون الأوائل كانوا فطريين سذج، ومن المقبول عمومًا أن نربط ظهور الفلسفة المحافظة الواعية بذاتها مع أو بعد نقد إدموند بيرك للثورة الفرنسية (Kirk 1954: 5; Honderich 2005: 6; Nisbet 1986; Claeys 2007: 11–34). وفي القرن الثامن عشر، هدف التنوير الأوروبي إلى تحسين الوضع البشري من خلال إصلاح المؤسسات السياسية. وهدف مفكروه إلى تأسيس مبادئ أخلاقية وسياسية تناشد العقل “أخلاقيات عالمية مستقلة عن التقليد العرضي تاريخيًا” بدلاً من السلطة أو التقاليد الراسخة (Beveridge and Turnbull 1997: 124).  وأعطت الثورة الفرنسية دفعة قوية لتيار التنوير، وسرعان ما عززته الثورة الصناعية ونمو الرأسمالية. وما تلاها من ثورة تصنيعية هائلة أدت إلى عملية العولمة الثقافية  (see Bayly 2004: Part I) فرض نمط الحياة اليومي الجديد، المشروط بنشر السلع والأفكار، توحيدًا عالميًا متزايدًا للتعبير الثقافي. وفي القرن التاسع عشر، أدى تطور الاتصالات من خلال اختراع التلغراف، ونمو وسائل الإعلام والثقافة الشعبية والسفر عبر البلدان، إلى زيادة التجانس الثقافي وظهور وجهات نظر أخلاقية عالمية.

بقدر ما يتعلق الأمر بتطور المحافظة، كانت الثورة الفرنسية أساسية. بالنسبة للعديد من الكتاب المعاصرين، كانت تلك الثورة تحررًا للروح الإنسانية، وتأكيدًا للعقل ضد السلطة الإقطاعية غير العقلانية. عكست الثورة موقف التنوير تجاه التاريخ، والذي لم تعتبره حتمية لمخطط إلهي، ولكن مسار مفتوح للإصلاح الاجتماعي والتعليمي للعقل المستنير. وعلى الرغم من معارضة المفكرين المحافظين للثورة الفرنسية، إلا أن موقفهم من التنوير يبقى محل نقاش. كما سنرى المفكر المحافظ الرائد إدموند بيرك، الذي غالبًا ما يرتبط أسمه بما أطلق عليه أشعيا برلين “مكافحة التنوير”، ولكن يُنظر إليه أيضًا على أنه “شخصية مستنيرة، حيث وجد نفسه يدافع عن أوروبا المستنيرة ضد جمعية الأداب الفرنسية وخلفائها الثوريين” – كان تنوير في صراع ضد تنوير آخر” (Pocock 1999: 7)؛ “كان بيرك ابن عصر التنوير، لكنه رأى في الثورة الفرنسية التهديد المطلق لقيم الحديثة والعقلانية والتحررية والمستنيرة التي تأثر بها مِن حزب الأحرار البريطاني.” (Clark 2001: 108).

لذا غير صحيح أن يتم إعتبار نقد بيرك للهجمات العقائدة المنظمة ضد الدين… بأنه يشن حملة صليبية على التنوير… فالتطرف في الغائية لنقد الدين، يقلل من التنوير… اعتناق بيرك لأفكار حزب الأحرار البريطاني، ولتسامح البروتستانتي يُعيد تفسير فعل بيرك بشكل مثير للفضول. فقد كان في الحقيقة يدافع عن مبادئ التنوير . (Bourke 2014: 28)

وهكذا فإن الافتراض الشائع بأن التيار المحافظ يرفض الحداثة هو موضع تساؤل من قبل روجر سكروتن، الذي يرى أن “لفهم الحداثة بحد ذاتها… يجب العيش بشكل كامل في الحاضر، لفهمها بكل عيوبها”  (2007: 194). ويعلق جون جراي على أن الفكر المحافظ لمايكل أوكيشوت مُتناقض من حيث أنه “ليس بأي حال مناهض للحداثة، وإذا كان هناك أي شيء مؤكد، هو أنه حداثي بلا هوادة، وربما حتى ما بعد حداثي” (Gray 2007, Other Internet Resources).

من المهم أن ندرك أن الصيغة المُحددة للفلسفة المحافظة بعد عام 1789 هو محل خلاف. فيرى بعض الكتاب أن أيديولوجيا المحافظة لم يتم التعبير عنها حتى ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر. وعندها فقط يتم إعتبار بيرك “المفكر الرئيسي” للتيار المُحافظ (Jones 2017). ويستشهد جونز بكتاب جون ماكون الفلسفة السياسية لبيرك (1913)، والذي حول رجل الدولة بيرك وعضو حزب الأحرار البريطاني إلى منشئ لفلسفة سياسية محافظة. وركز سيسيل المحافظ (1912) بقوة على بيرك، وخصص له فصل كمؤسس للتيار المحافظ. في المقابل، يفسر كلارك، أن السطوة في وقت سابق على اسم بيرك كانت بحجة أن فلسفة المحافظة كإبداع جديد في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، تبنت بيرك كقديس لها … إذا كان من الصعب بعد عام 1832 بناء أي نظرية سياسية منهجية حول مبادئ بيرك التاريخية، وكان يجب الاعتراف بتغير النظام الاجتماعي والسياسي، ومع ذلك فقد انتقلت أفكار بيرك إلى الخطاب الإنجليزي. (Clark, 2001: 109-10).

 

1.2 المعنى الضيق أو محافظة إدموند بيرك والتشكيك في العقل

بالمعنى الضيق للوعي الذاتي، يمكن وصف المحافظة بأنها نهج تجاه الشؤون الإنسانية الذي لا يثق في كل من المنطق المسبق والثورة، مفضلاً وضع ثقته في الخبرة والتحسين التدريجي للترتيبات المجربة والمختبرة. (O’Hear 1998)

بالمثل، يشير  بأن المحافظة، مع شكوكها المحددة ومعارضتها لـ “العقلانية” في السياسة، تتناقض مع الليبرالية والاشتراكية في رفض التزامات التوقعات المسبقة (Kekes 1997: 368). عبر بيرك “المفكر الرئيسي” في التيار المحافظ عن هذا الموقف بشكل أكثر وضوحًا والذي أقر به تقريبًا جميع المحافظين اللاحقين. لقد رفض الحدس المسبق في السياسة، ولا سيما ادعاءات الحقوق الطبيعية المجردة، والتي تجلى بشكل كبير في حلم اليعاقبة الفرنسي بتدمير المجتمع وإعادة بنائه. يرى بورك أن هناك حكمة عملية في المؤسسات لا يمكن التعبير عنها في الغالب من الناحية النظرية، وبالتأكيد ولا بالتوقع، ولكنها تنتقل بالثقافة والتقاليد.

اليعقوبية الثورية هي النقيض التاريخي لـ المحافظة. يأتي الاسم من نادي اليعاقبة الذي أطلق شخصيته المركزية، روبسبير، الإرهاب الثوري الفرنسي (On revolution and Jacobinism, see Graham 1986: 178–81.) يقارن المحافظون مثل بيرك الثورة الفرنسية بالثورة المجيدة الأكثر سلمية في إنجلترا عام 1688، والتي كانت بالنسبة له ثورة بالمعنى الأصلي عودة إلى الوضع الراهن المزعوم قبل الحكم المطلق الملكي، مقابل تدمير المؤسسات التقليدية وفقًا لخطة عقلانية. تعتبر المحافظة واليعقوبية الثورية مفاهيم مترابطة نشأت معًا، بالتزامن مع الليبرالية والاشتراكية. يمكن للمرء أن يجادل بأن هناك ترابطية مفاهيمية بينهما، حيث لا يمكن فهمهما أو تقديم تعريف داخلي لأي منهما بشكل مستقل عن بعضهما البعض. (Hamilton 2013 ch 1.2)

الثورة السياسية بمفهومها الحديث هي رفض للماضي. لكن قبل القرن الثامن عشر، وفقًا لمعظم المؤرخين، لم يكن “للثورة” سوى معنى واحد هو “العودة إلى الحالة الأصلية”. (Cressy (2006) يُشير إلى أن هذ ظهر في الحرب الأهلية الإنجليزية في أربعينيات القرن السادس عشر، كاستخدام مجازي، مما يعني تغييرًا مفاجئًا ودراماتيكيًا في السياسة أو الدين.  مع عصر التنوير، كان النظام الطبيعي أو التسلسل الهرمي الاجتماعي ، الذي كان مقبولًا إلى حد كبير سابقًا ، موضع تساؤل. (تم رصد الإرهاصات الأولى لهذا التساؤلات في الحرب الأهلية الإنجليزية وحتى ثورة الفلاحين.) ضمنيًا طرحت اليعقوبية ما يمكن تسميته بالطوباوية الثورية، والتي تسمح بتضحية الأجيال الحالية من أجل المنفعة المستقبلية المزعومة.

تم العثور على بيان كلاسيكي عن اليوتوبيا الثورية هذه في ملاحظات لتروتسكي:

الإرهاب الأبيض الذي هو سلاح الطبقات التي تعتبر نفسها مسيحية وتحمي الفلسفة المثالية، والمقتنعة كل الاقتناع بأن الشخصية (شخصيتها) هي الشخصية الإنسانية، “الغاية في ذاتها”. أما فيما يتعلق بنا، فنحن لم نهتم قط بثرثرات الرعاة الكاوتسكين والكويكر النباتيين عن “الصفة المقدسة” للحياة الإنسانية. لقد كنا دومًا ثوريين، وما زلنا كذلك في السلطة. فكيما تعود إلى الشخصية قدسيتها، فلا بد من هدم النظام الاجتماعي الذي يسحقها. وهذه المهمة لا يمكن أن تتحقق إلا بالحديد والدم. (Trotsky 1920, ch. 4)

وفقًا لنقاد اليوتوبيا مثل شيلر ، في الواقع ، لا ينبغي لأحد أن يضحي بنفسه من أجل رؤية طوباوية ، كما يفعل أعضاء المنظمات الثورية ، مثل نيلسون مانديلا وجو سلوفو من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي. قدم شيلر وجوته أيضًا انتقادات محافظة للمثل والممارسات الثورية الفرنسية.

يرفض المحافظون اعتناق اليعقوبية الثورية للعقلانية السياسية ، التي تحاول إعادة بناء المجتمع من المبادئ المجردة أو المخطط العام ، دون الرجوع إلى التقاليد. ينظر المحافظون إلى المجتمع ليس كآلة بل ككائن حي شديد التعقيد ، وبالتالي يرون أنه “بدون مساعدة الخبرة ، لا يمكن للعقل أن يصف المثل السياسية التي يمكن تحقيقها في الممارسة. (Beiser 1992: 283)

تمتلك الأجيال الحالية واجبات ومسؤوليات  إذا كانت واضحة في أي وقت مضى ضاعت الآن أسبابها الأصلية. يمثل التقليد للمحافظين سلسلة متصلة تربط بين الفرد والمجتمع ، وهي محصنة ضد النقد المنطقي ؛ لذلك فإن المثقف الراديكالي متعجرف وخطير  (Kekes 1997: 365)بالنسبة لليبراليين والاشتراكيين ، على النقيض من ذلك ، فإن التقاليد لها قيمة فقط بقدر ما تصمد أمام النقد العقلاني.

وبالتالي ، فإن المحافظة تقوم على ما يمكن تسميته بالشك الخاص فيما يتعلق بالمبادئ العقلانية المجردة. وينظر المحافظون إلى العقلانية الراديكالية على أنها “ميتافيزيقية” في تجاهلها الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية:

لا أستطيع [مدح أو إلقاء اللوم] على الأفعال البشرية … من وجهة نظر بسيطة للموضوع، لأن الفعل البشري يقف منفصلًا عن أي علاقة، متجردًا، معزولًا ميتافيزيقيًا (Burke, WS III: 58)

تُصبغ الظروف على كل مبدأ سياسي لونه (Cobban 1960: 75).

بالنسبة للمحافظين ، لا يمكن تطبيق المقترحات المجردة ببساطة على ظروف محددة. لذلك، على عكس الليبراليين والاشتراكيين، فإن المحافظين يرفضون وصفات العلاج المعولمة. إنهم يرفضون مطلب الحداثة التنويرية بأن العقلانية العملية تتحرر من كل الخصوصية (Beveridge and Turnbull 1997).

والالتزام الحصري بالمجموعة أو الحزب أو الطائفة أو الأمة هذه ليست “خصوصية” في القاموس الخاص بهم؛ بل، إنها حس فلسفي له صلة بالخصوصية الأخلاقية كما دعا إليها Dancy (2004).  لكن هكذا الصورة ناقصة.حيث لا ينكر المحافظون السياسيون وجود مبادئ عامة، كما يفعل دانسي، لكنهم ينكرون فقط أنه يجب على المرء أن يطبقها. وموقفهم هو في الأساس موقف معرفي – لا يمكن للمرء أن يعرف المبادئ العامة التي من شأن تنفيذها أن يُفيد عمل المجتمع. وفقًا لجراي، فإن البصيرة الأساسية للمحافظة هي كذلك

“هويات الأشخاص ليست مسألة اختيار، ولكن يتم منحها لهم من خلال تواريخهم بشكل عشوائي، لذا فإن أهم شيء لديهم هو … هو أكثر الأشياء عرضية. تتمثل الرؤية المحافظة في أن الناس سيقدرون امتيازات الاختيار … عندما يروا كم يجب أن يظلوا دائمًا غير مختارين” . (2010: 159)

إن الشك المحافظ يختلف تمامًا عن شكوك العالم الديكارتية (المنهجية) أو الشكوكية (الإرتيابية)، فالشك الأخير (الإرتيابية) يقوم على العقل؛ بل هو متشكك في ادعاءات العقل النظري في السياسة والأخلاق. كما أن شكوك المحافظين لا تشكل نقدًا للمجتمع بالمعنى الماركسي. ففي نظر المحافظين، يعتمد المجتمع على التحيز وليس العقل؛ التحيز غير المنطقي، وعدم الإسترشاد بالحس السليم. لذا دعا بيرك إلى التحيز المثقف باعتباره ترياقًا لأشكاله المتعصبة – ليس رفضًا للعقل، بل شكًا حول ادعاءاته المفرطة. قد يتكهن الفلاسفة حول سبب وجود الواجبات التي نقوم بها ، لكن التحيز يجعلنا نتصرف ، دون الحاجة إلى حساب جميع النتائج – أو في الواقع التفكير في الغايات. هذه ليست اللاعقلانية عند نيتشه أو فرويد، بالنسبة لهم، فإن الكثير من السلوك البشري مدفوع بشكل غير واعي، بل بوجهة نظر غير عقلانية. وهي متشككة في مقترحات الإصلاح القائمة على التزام مسبق بقيمة مثل الحرية أو المساواة.

عند توضيح النزعة المحافظة، يجب على المرء أن يميز بين الادعاء الميتاأخلاقي بأن القيم المجردة غير موجودة أو لا تستحق اتباعها، والتحدي المعرفي “كيف يمكن الوصول إلى هذه القيم عمليًا؟” المحافظة هي في المقام الأول وجهة نظر معرفية. يعتقد المحافظون أن قيم العدالة والحرية والحقيقة مهمة ويجب أن تتبعها الدولة، لكنهم يفسرون هذه القيم بطريقة ملموسة.

 

1.3 المحافظة مقابل رد الفعل

كما رأينا، من المسلم به عمومًا أن المحافظة ليست رد فعل عقائدي، هي دعوة إلى الإصلاح الجزئي المعتدل الذي ينبع من تشككه في العقل، وتقييمه للتجربة في الشأن الإنساني. جادل بيرك بأن “دولة بدون آليات إصلاح، هي دولة بدون آليات للبقاء” لكن يجب أن يكون الإصلاح حذرًا ، لأن المعرفة غير كاملة ويمكن أن تكون العواقب وخيمة. بحسب المحافظين، فإن المؤسسات والأخلاق تتطور، وتصبح نقاط ضعفها واضحة لذا يُمكن أن تصحح الانتهاكات السياسية الواضحة؛ لكن المؤسسات القديمة تجسد حكمة ضمنية تستحق الاحترام. ولهذا يتشكك المحافظون في التخطيط الدستوري أو الاقتصادي أو الثقافي واسع النطاق، لأن السلوك والمؤسسات قد تطورت من خلال حكمة الأجيال، والتي لا يمكن الإستعاضة عنها بسهولة.

يعتبر مفهوم التقليد من الأمور المركزية في الفلسفة المحافظة، ولم يظهر استخدامه بدرجات متفاوتة وبشكل واعي إلا مع الحداثة. في أواخر القرن الثامن عشر، أصبحت تعبئة “الماضي” كمورد سياسي واضح ذات أهمية خاصة، وتم التأكيد على التناقض بين “التقليدي” و “الحديث” – على عكس “القديم” و “الحديث”. كانت فلسفة بيرك السياسية مثالًا مبكرًا على هذه العملية. ارتبطت هذه التعبئة بـ “اختراع التقليد (Hobsbawm and Ranger 1983)، حيث أقامت المصنوعات اليدوية “التقليدية” ذات الإنتاج الضخم علاقة عضوية خيالية بين الماضي والحاضر، كما في إحياء السير والتر سكوت للإزار الإسكتلندي و القطع الأثرية “التقليدية” الأخرى لزيارة الملك جورج الرابع إلى إدنبرة عام 1822.

بالنسبة للمحافظين، العلاقات السياسية حيوية عضوية. على عكس المفكرين الرجعيين، فإنهم يعتبرون التقاليد ليست ثابتة، في عام 1688 حقق الثوار الإنجليز الاستعادة بدلاً من “الابتكار” في نظر بيرك يتم هذا بواسطة فعل تدرجي، هادئ، وبقيادة إصلاحي ماهر. فالإصلاح يصحح أوجه القصور في المؤسسات القديمة وفي ضوء الاحتياجات المعاصرة – على سبيل المثال، قد يرغب المحافظون مثل دزرائيلي في إقرار حق اقتراع أشمل، – لكن يجب على المرء أن يحتقر “روح الابتكار العمياء والغاضبة”. يجب أن يكون الإصلاح عمليًا وليس نظريًا:

يجب أن أرى بأم عيني … لا تلمس يدي فقط الظروف الثابتة ولكن اللحظية ، قبل أن أجرؤ على اقتراح أي مشروع سياسي على الإطلاق … يجب أن أرى وسائل تصحيح الخطة … يجب أن أرى الأشياء ؛ يجب أن أرى الرجال  (Burke, WS III: 326)

بالنسبة إلى جون كيكيس، يتبنى المحافظون موقفًا  وسط من التشكك بين المتطرفين من العقلانية والإيمانية (الاعتقاد القائم على الإيمان)، ولهم مسارًا وسطًا من التشاؤم بين ادعاءات الكمال والفساد (1998: 54 ، 89 ، 60). المحافظون يهدفون

إلى الحفاظ على الترتيبات السياسية التي أظهرت تاريخيًا أنها تؤدي إلى حياة جيدة ومفهومة بهذا الشكل (1998: 27) ؛

إنهم يعتبرون

التاريخ [باعتباره] أفضل دليل لفهم الحاضر والتخطيط للمستقبل. (Kekes 1997: 352)

إن الرؤية الاجتماعية “العضوية” للحزب المحافظ هي بطبيعتها متشككة في الدولة ، وتضع الإيمان بدلاً من ذلك في الأسرة والملكية الخاصة والدين ؛ فهي لا تضمن النزعة العضوية المبالغ فيها للمثاليين البريطانيين برادلي وبوسانكيه التي تؤدي إلى “اتحاد صوفي مع الوحدة الفائقة للدولة” – وهو مفهوم فلسفي ألماني وليس مفهوم محافظ بريطاني (Sweet 1999). كما كتب كوبان، فإن تأثير لوك ضمن أن “الفكرة التاريخية في عقل بيرك [لم] تنتقل إلى النظرية العضوية الكاملة للمجتمع” (Cobban 1960: 89) إن رد الفعل هو سلطوي بطبيعته وليس النزعة المحافظة. بالنسبة للمحافظين، فإن الأفراد والمجتمعات المحلية هم أفضل تقييم لاحتياجاتهم ومشاكلهم من البيروقراطيين المتبلدين. ويعتقد المحافظون أن المجتمع يجد شكله الخاص، والمفيد إلى حد كبير، بعيدًا عن التخطيط الطوباوي.

تستمر المحافظة من خلال التجربة والإختبار، ولا تعتمد على العقل الخالص، وتعتمد ما أسماه بيرك “الحكمة الكامنة” للتحيز والغريزة والعادات، والتي تتراكم عبر الأجيال. بالنسبة لكيرك، “التحيز ليس تعصبًا أو خرافة” ، على الرغم من أنه قد يتحول إلى هذا؛ أنه:

ما قبل القرار، الجواب … وهو البداهة وإجماع الأجداد في عرض الرأي … عندما يفتقر [المرء] إما إلى الوقت أو المعرفة للوصول إلى قرار مبني على سبب خالص . (1954: 34)

بالنسبة للمحافظين ، فإن العادات سحيقة ولكن هذا لا يعني أنها بذلك ثابتة؛ إنها  تخضع باستمرار لاختبار التجربة (Pocock 1989: 213). لكن تغيير الدولة استجابةً “للأوهام أو الموضات العائمة” يعني كسر “السلسلة الكاملة وتلاحم الأمة” (Burke، WS III: 145).

 

1.4       الإجراءات الرسمية مقابل القواعد الموضوعية “للمحافظة” ؛ على النقيض من المحافظين الجدد والليبرالية

يتم الخلط بين الفلسفة المحافظة وبين البراغماتية أو الواقعية السياسية؛ يجادل غامبل (2012) بأن “الفكر” السياسي المحافظ هو كل تقليد قائم على المصلحة الذاتية. المحافظة تعتبر بشكل عام فلسفة، وإن لم تكن فلسفة منهجية. وتتشابه مع الذرائعية في رفض التفكير المسبق، والثورة والتجارب الاجتماعية؛ وكلاهما يثق في التجربة والبحث عن التحسين التدريجي للترتيبات المجربة والمختبرة، كما يرفعا شعار “ما لم يتم كسره، لا  يتم تصليحه”؛ وأخيرًا كلاهما متشكك في العقل، لكن، هناك تفسيرين متناقضين للمحافظة يميزانها عن البراغماتية المجردة (الذرائعية)،  وهما:

  1. تشير النزعة المحافظة النسبية إلى أنه إذا كانت الاشتراكية أو الإقطاع أو الفاشية تعمل بشكل جيد في بعض البلدان ، فيجب على المرء أن يحاول جعلها تعمل بشكل أفضل من خلال تحسينات طفيفة تستند إلى الخبرة والحكمة المتراكمة. إن الحكم على ما إذا كان شيء ما معطوبًا أو يعمل جيدًا بشكل معقول يستدعي القيم المقبولة في المجتمع ذي الصلة. وهكذا فإن المحافظين في البلدان الاشتراكية والإقطاعية والفاشية ذات الأداء المعقول يدعون إلى أنماط مختلفة من التنظيم الاجتماعي والتحسين التدريجي ، وفقًا للقيم السائدة. من وجهة النظر هذه ، تعتبر المحافظة الخصوصية نسبية.

  2. ترفض المحافظة غير النسبية وجهات نظر مثل الاشتراكية والليبرالية والفاشية التي تهدف إلى هيكلة المجتمع حول مبدأ تنظيمي واحد مفصل عقلانيًا. في هذا التفسير للمحافظة ، لا تعني الخصوصية نسبية. فالأنظمة الثورية ، والأنظمة الأوتوقراطية مع عدم وجود إمكانية للتغيير التدريجي – المجتمعات التي لا تظهر تقاليد حية – ليست قابلة للنظرة المحافظة. من وجهة النظر هذه ، فإن المحافظة هنا ظرفية، أي بعض المواقف لا تسمح بردود فعل متحفظة.

إن إقصاء بيرك الساخر من قبل المدافع الليبرالي عن الثورة ، جيمس ميل (والد ستيوارت ميل)، فعال فقط ضد التعريف (1) ، المحافظة النسبية:

في حالة المؤسسات العامة، عمل السيد بيرك على الإعجاب المصطنع بحقيقة الوجود المجردة. خاصة الوجود القديم. كان يجب حماية كل شيء ، ليس لأنه كان جيدًا ، ولكن لأنه كان موجودًا. الشر، ليجعل نفسه موضوع تقديس في عينه، مطلوب فقط أن يتحقق. (James Mill 1858: Vol. V, 200–1)

ومع ذلك ، فإن التعريف (2) ، المحافظ غير النسبي ، هو الوحيد الذي يمكنه التعبير عن المعيار المحافظ لمجتمع يعمل بشكل جيد ، من حيث التقاليد العضوية ؛ لا يوجد شيء من هذا القبيل ، في هذه الشروط ، مثل “مجتمع شمولي يعمل بشكل معقول”. هذا الموقف غير النسبي هو الحد الأدنى من العقلانية والشمولية، مع بقاء الخصوصية. (لوك (2006) يعتبر (1) و (2) خيارات بين أضداد مركبة لا تمثل بيرك، بحجة أن بيرك ليس نسبيًا بقوة ، لكنه يعترف بالاختلافات الزمنية والجغرافية التي ترقى إلى نوع من النسبية.)

يسعى المحافظون إلى “الحفاظ على الترتيبات السياسية … التي تظهر أنها تفضي إلى حياة جيدة” ، كما كتب كيكس (1997: 351-2). ربما يتغاضى عن التنازع في مفاهيم الحياة الجيدة، والترتيبات التي تحافظ عليها ؛ الليبراليون ، على سبيل المثال ، يؤكدون على قيمة الحرية الفردية، بغض النظر عما قد يرون أنه قيود مرهقة للتقاليد. وفقًا لـ (2) ، هناك مفهوم متحفظ للحياة الجيدة ، وللترتيبات التي تحافظ عليها – وهو مفهوم يرفض الإفراط في تقييم عقلانية التنوير والثورة. ولكن كما سنرى، يجب على المحافظين أن يوجهوا مسارًا بين البراغماتية غير المحافظة والسياسة الموضوعية غير المحافظة.

بالنسبة لغراهام ، فإن التشكك المحافظ هو:

ليس هناك شك في الكمال الأخلاقي للبشرية بقدر ما هو شك في المعرفة الضرورية في السياسة (1986: 176)

لكن من الصعب الفصل بينهما. يؤكد الليبراليون والاشتراكيون على مرونة الطبيعة البشرية تحت تأثير الظروف التاريخية المتغيرة. كان لدى روسو المناهض للمحافظين تصور متفائل عن الطبيعة البشرية، وألقى باللوم على الحكومة والمجتمع في الإخفاقات التي – وفقًا للمحافظين – تنتمي إلى الأفراد. المحافظون ، على النقيض من ذلك ، يعتبرون الطبيعة البشرية ضعيفة وغير معصومة ، وأنانية بشكل غير قابل للتغيير وليست إيثارية (Kekes 1997: 368). عادة ما يكون سكروتن متحفظًا فيما يتعلق بالبشر كمخلوقات ضعيفة ذات تعاطف محدود ، لا تتمدد ذواتهم في المكان أو الزمان (Scruton 2012). ((يبدو أن “الإيثار المحدود” لراولز في “نظرية في العدالة ” مشتق من هيوم ، ومن ثم يمكن وصفه بأنه سمة محافظة لفكر راولز). هذا ليس حاضرًا أو ماضيًا بالفعل “(Scruton 1980: 27).

عمومًا يتم الخلط بين المحافظة والليبرتارية و المحافظين الجدد، لكن، الليبرتاريين اليمينيين و المحافظين الجدد، على عكس المحافظين أتباع إدموند بيرك، يرفضون التخطيط الحكومي لأسباب عقائدية. إن تحويل مناهضة التخطيط إلى مبدأ، أو تحويل الليبرالية الاقتصادية إلى أيديولوجية ، يسيء إلى المزاج البراغماتي المتشكك للمحافظ  والذي يمكن أن يعترف بدور لتخطيط الدولة والتدخل الاقتصادي إذا ثبتت فعالية هذه الأدوار. المحافظون يرفضون الأيديولوجيات التي تعتبر الليبرالية الجديدة إحداها. كما يجادل أوكشوت:

قد تكون خطة مقاومة كل تخطيط أفضل من نقيضها، لكنها تنتمي إلى نفس الأسلوب السياسي. وفقط في مجتمع مصاب بالفعل بعمق بالعقلانية، يمكن اعتبار تحويل الموارد التقليدية لمقاومة استبداد العقلانية إلى أيديولوجية واعية بذاتها تعزيزًا لتلك الموارد. يبدو الآن أنه لكي يشارك المرء في السياسة [يجب أن يكون] لديه عقيدة…. (Oakeshott 1991 [1962]: 212)

لذلك فإن رفض المحافظ للعقلانية يقوض طريقتين؛ إنه يقوض كل من الاشتراكية ورفض  السوق الحُر العقائدي للاشتراكية. يعارض المحافظون التخطيط العقلاني، لكنهم لا يعارضون بشكل دوغمائي التخطيط الناجح. يعتقد سكروتن ، على سبيل المثال ، أن اقتصاد السوق هو الأكثر ملاءمة للازدهار ، ولكن مثل آدم سميث ، يصر على أن الأسواق يجب أن تعمل في إطار العادات والتقاليد الأخلاقية والقانونية ، ولا تقوضها. إن النزعة المحافظة لبيرك وسكرتون ليست وجهة نظر اقتصادية ، ولكنها نظرة تعتبر المجتمع على أنه تشكل على مدى فترة طويلة فيما يتعلق بالمكان والأرض ؛ ويتعامل مع الحقوق والواجبات على نموذج القانون العام ، اعتمادًا على التقاليد والممارسات ، بدلاً من المفاهيم المجردة لحقوق الإنسان.

تختلف المحافظة عن المحافظين الجدد والليبرالية في التحفيز أو السمات الشكلية، لذلك. في كل من الحزب الجمهوري الأمريكي الحديث (GOP) وحزب المحافظين البريطاني، حُجب التيار المحافظ التابع لإدموند بيرك. إن مناهضة الحزب الجمهوري للحكومة أقرب إلى التقاليد التحررية. وتتطابق وجهات نظره الوطنية والدينية العميقة – وما يعتبره النقاد على أنه عسكرة ومعارضة للهجرة – ما هو إلا تقاطع جزئي فقط مع إفكار المحافظ بيرك. (لقد (Harvey 2005; Ha Joon Chang 2003) أن المحافظين الجدد لا يقللون من تدخل الدولة، لكنهم يغيرون أولوياتها ببساطة ، مع الحفاظ على نطاقها الهائل.)

وعلى الرغم من بعض الادعاءات بعكس ذلك ، فإن كتاب روبرت نوزيك الفوضوية واليوتوبيا ليست فلسفة محافظة منافسة لنظرية راولز الليبرالية (Nozick 1977). يبدو أن نوزيك و المحافظة يشتركان في الالتزام باليد الخفية للسوق الحرة، ورفض الدولة الشمولية. لكن من المعقول أن يُنظر إلى نوزيك على أنه ليبرتاري يميني ، أو كلاسيكي متطرف أو ليبرالي جديد. من الخطأ القول إنه “نادر بين المحافظين” في تقديمه “بمبدأ عام أو عقلاني” ، أي. “من كل كما يختار ، إلى كل كما يتم اختياره” ، على عكس الاشتراكي أو الشيوعي “من كل حسب قدرته ، لكل حسب حاجته” (Honderich 2005: 60; see Nozick 1977: 160) يتجنب المحافظون مثل هذه المبادئ. يشدد سكروتون ، الذي يرفض نوزيك كنموذج ، على أن “الفهم السياسي ، كشكل من أشكال الحكم العملي ، لا يترجم نفسه بسهولة إلى مبادئ عالمية” (Scruton 1980: 36) .

تؤثر الليبرتارية على المحافظين الجدد ، ولكن – كشكل متطرف من الليبرالية – هي في أحسن الأحوال محايدة تجاه تأكيد المحافظة على التقاليد. ربما تكون الليبرالية الجديدة هي الليبرتارية بالإضافة إلى المذاهب الاقتصادية ذات الصلة ، في حين أن المحافظين الجدد هو الليبرتارية بالإضافة إلى عناصر من المحافظة التقليدية. يشكك الليبراليون الجدد مثل ميلتون فريدمان في حظر المخدرات والتجنيد الإجباري ، وهو ما لا يفعله المحافظون و المحافظون الجدد.

إن الارتباط الشعبي للمحافظين برأسمالية عدم التدخل هو أيضًا قابل للنقاش ، لأنه ارتبط بالرومانسية الإقطاعية. الإقطاعية هي تسمية (متنازع عليها) للنظام الاقتصادي السائد في أوروبا منذ ما بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية حتى القرن السادس عشر ، والذي استند إلى حيازة الأرض مقابل العمل ؛ في فرنسا ، استمر كنظام قديم حتى الثورة الفرنسية. لذلك يمكن اعتبار المتعاطف مع النظام القديم مثل بيرك رومانسيًا إقطاعيًا. (عن الإقطاع   (On feudalism, see Dyer 2002, and Pocock 1987.) مثل الاشتراكيين مثل ويليام موريس و جون راسكن، كان رد فعل العديد من المحافظين في القرن التاسع عشر ضد التصنيع والرأسمالية القائمة على عدم التدخل بحنين إقطاعي. وقارن ماركس دفء وأمن الإقطاع مع لا إنسانية الرأسمالية ، لكنه رفض “المثالية الإقطاعية” ، ورفض دزرائيلي و “الاشتراكيين الإقطاعيين” لفشلهم في فهم “مسيرة التاريخ الحديث” (Duncan 1973: 19–22).

قد تبدو أن النزعة المحافظة تشترك في مبدأ عدم التدخل ، المنسوب إلى آدم سميث ، عن اليد غير المرئية – والتي بموجبها ، في السوق الحرة ، تميل العواقب غير المقصودة للأفعال إلى تعزيز الصالح العام. السوق الحرة الرأسمالية ذاتية التنظيم ؛ المنتجون والمستهلكون ، الذين يتصرفون بأنانية ، ويفيدون بعضهم البعض ، فالتخطيط الاقتصادي العقلاني يعطل “ذكاء” الأسواق الفطري الحميد. وتنسب الطبيعة التطورية ومناهضة الدولة لنظرية عدم التدخل إلى المحافظين ، ولكن، لم يقدموا أسبابًا عقائدية لرفض التخطيط. في الواقع ، لم تكن “اليد الخفية” مهمة وغريبة بالفعل عن سميث، المحافظ الجديد هايك (Rothschild 2001: 116–56) وتقديره لـ “اللاوعي، الأعمى، غير النظري ، غير المفهوم بشكل كامل” ، هو أكثر تطرفًا مِن بيرك  ((Rothschild 2001: 149; see also  Scruton 2007) وفقًا لغراي ، فهو يجمّع “أعمق أفكار المحافظة مع أفضل عناصر الليبرالية الكلاسيكية  (2010: 124) قدر حايك المعرفة المحلية ، العابرة ، غير النظرية ، ودافع عن الأسواق غير المقيدة على أسس متشككة محافظة من أنها تحقق أفضل المؤسسات الاجتماعية العضوية.

لذلك يجب التشكيك في التعريفات الموضوعية للمحافظة مثل أوجي. بالنسبة له هو كذلك التبرير الفكري لعدم المساواة والامتيازات ، والتبرير السياسي للعلاقات الرسمية التي تتطلبها عدم المساواة والامتيازات (Aughey 1992: 23; also Honderich 2005: 45)

صحيح أنه لم تعلن أي ثورة عن عدم المساواة ، بينما بالنسبة لبيرك ، فإن النظام الاجتماعي متجذر فيها ؛ وقد يدافع المحافظون عن طبقة حاكمة قائمة ، معتبرين أن الحكم مهارة من المرجح أن تكون أكثر تطوراً هناك. لكن في حساب كوينتون المؤثر ، فإن المحافظة أكثر حيادية:

الحكمة السياسية … لا توجد في التخمينات النظرية للمفكرين المنعزلين ولكن في الخبرة الاجتماعية المتراكمة تاريخيًا للمجتمع [بأكمله] … [في] العادات والمؤسسات التقليدية [والأشخاص الذين لديهم] خبرة عملية واسعة في السياسة . (1978: 16-17)

نكرر، لا ترتبط المحافظة أساسًا بالأرستقراطية والأشكال الوراثية للحكومة ، أو تعارض الديمقراطية. بالنسبة للمحافظين ، كما هو الحال بالنسبة لليبراليين الميليين ، تعتمد جدوى الديمقراطية على الفترة الزمنية والظروف. بالنسبة لبيرك ، الذي كتب في وقت أبكر بكثير من ميل ، يجب أن يتم استخلاص الأغلبية فقط من هيئة مؤهلة بالتقاليد والمنزلة والتعليم والملكية والطبيعة الأخلاقية ؛ لقد تساءل عن “المبدأ القائل بأن غالبية الرجال الراشدين المرسمون باعتبارهم الشعب، وأن إرادتهم على هذا النحو تكون قانونًا” ” (Burke 1791, ‘Thoughts on French Affairs’ [1991]: 344).

في حين أنه لا ينبغي استيعاب التيار المحافظ مع المحافظين الجدد أو الليبرالية الجديدة ، فقد تحول العديد من المحافظين إلى الأخير:

إن النظرة السياسية التي كانت لدى بيرك وديزرائيلي وسالزبري كانت متشككة في مشروع التنوير وتشكك في وعد التقدم ، ورهن المستقبل على رهان على نمو اقتصادي غير محدد وقوى سوق غير مقيدة. [هذا] نادرًا ما يُظهر الحكمة السياسية … التي كانت تُقدَّر في السابق على أنها فضيلة محافظة . (Gray 1997: 88)

يأسف سكرتون أيضًا على هذا التطور ، بينما يعلق جون هاريس على التوترات المستمرة التي كشفتها مارجريت تاتشر في كتابها المحافظ:

إذا كنت تدعي أنك تؤمن بكل من السوق غير المقيد ومحاور حزب المحافظين القديمة مثل الأسرة والأمة والمجتمع ، فسوف … تكتشف أن الأول يبتعد عن أسس الأخير. (Harris, 2013).  هارفي (2005) يقدم نقدًا لاذعًا النيوليبرالية و المحافظة الجديدة.

 

1.5       المحافظة والليبرالية: وجهة نظر الحرية مقابل وجهة نظر الأبوية

يمكن توضيح النزعة المحافظة بمقارنتها بالليبرالية. كُل من الليبرالية والاشتراكية أكثر تعقيدًا من الناحية النظرية من المحافظة، لسببين: المحافظة ترفض بوعي ذاتي التنظير الفلسفي. وبما أن الأكاديميين يميلون إلى اليسار، فإن المحافظة كفلسفة سياسية لا تزال مهملة.

على سبيل المثال، يصف سكروتن كتابه The Meaning of Conservatism (1980) بأنه “عقائدي” وليس فلسفي.) لا يمكن أن تكون هناك نظرية محافظة للعدالة التوزيعية لمنافسة راولز، لأن المشاكل التي يعالجها رولز بالنسبة للمحافظين لا توجد. بالنسبة لهم، لا تتعلق السياسة بالتبرير المعقد نظريًا للغايات، بل تُسهل التمتع بغايات “غير سياسية” مثل “البلد” و “الأسرة” و “الدين”. (Ashford 1990: 40-1)

غالبًا ما يُقال إن الفلسفة السياسية الحديثة تحركها فكرة الحرية، بينما تستند الفلسفة السياسية القديمة إلى نظام طبيعي يمكن تمييزه بالعقل الذي يجب على البشر الالتزام به (Franco 1999: 2). لكن المحافظة هي وجهة نظر حديثة ، والتزامها بالحرية محل خلاف. يمكن القول إن وجهة النظر الليبرالية عن الحرية تعارضها وجهة النظر المحافظة للأبوية أو السلطة. قد يكون الخط الفاصل بين القديم والحديث هو روسو ، الذي لم يكن هدف الدولة بالنسبة إليه مجرد تأمين الحياة والممتلكات ، كما يؤكد هوبز ولوك و المحافظون ؛ بل هي الحرية نفسها (Franco 1999: 9). أثرت أعمال روسو على الثوار الفرنسيين ، وكان المفكرون في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر مقتنعين بأن الثورة نتجت عن أفكار الفلاسفة عن المساواة ، الديمقراطية والحرية (Israel, 2002). (في الواقع ، اعتبر روسو أن العلاج الثوري أسوأ من المرض ، وكان متشائمًا بشأن التقدم السياسي).

مِن وجهة نظر الحرية، تتبنى الليبرالية الفلسفية الفردية الأخلاقية – أي أن كل القيم والحق يقللان من قيم و حقوق الأفراد – احترام الأشخاص ، وحرية الفكر والمناقشة ، على أساس الاستقلالية الفردية  (Skorupski  2015)  بالنسبة إلى الليبراليين الكلاسيكيين، تزدهر الحرية فقط عندما يتم رفض مصادر السلطة التقليدية – الملكية والأرستقراطية والدينية.

كثيرا ما يقال أن الليبراليين يعطون الأولوية للحقوق على الواجبات ، بينما يعطي المحافظون الأولوية للواجبات على الحقوق. يعبر التفكير المحافظ عن وجهة نظر الأبوية:

… قيمة الحرية الفردية ليست مطلقة ، لكنها تخضع  … لسلطة الحكومة القائمة … سوف يسعى المحافظ إلى دعم كل تلك الممارسات والمؤسسات التي يتم من خلالها اكتساب عادات الولاء. (Scruton 1980: 19, 30)

الطاعة ، بالنسبة لسكروتون ، هي الفضيلة الرئيسية للموضوعات السياسية ، والتي بدونها تفتت المجتمعات وتنهار ؛ الحرية الحقيقية لا تتعارض مع الطاعة ، بل هي جانبها الآخر  (Scruton, 1980)بالنسبة لأوكشوت ، لا توجد حرية بدون سلطة. بالنسبة إلى بيسير ، فإن

الأبوة تحمل ذلك الغرض من الدولة وهو تعزيز الرفاهية والدين والأخلاق لمواطنيها ، وليس فقط حماية حقوقهم. (Beiser 1992: 282)

كان بيرك “أقل اهتمامًا بحماية الفرد من استبداد الدولة المحتمل ، وأكثر من ذلك لحماية ممتلكات القلة من حماقة وجشع الكثيرين” (Lock 2006: 321–2).

ومع ذلك، يجب تحديد تناقض  المحافظة مع الليبرالية ووجهة نظرها في الحرية – ليس التناقض مطلقًا ، بل هو مسألة توازن ونبرة. على سبيل المثال ، كان الدافع وراء المعارضة الشديدة من المحافظين الغربيين للاتحاد السوفييتي هو الالتزام بالحرية. أراد بيرك نفسه تعزيز الحرية ، لكنه رأى أنها تتحقق بشكل غير كامل في مؤسساتنا ؛ السعي وراء المثل الأعلى قد يفقدنا الحرية التي نتمتع بها. يؤيد كل من المحافظين والليبراليين الكلاسيكيين الحكومة المحدودة. إن التشكك الخاص والتشاؤم المرتبط به هو الذي يحدد النزعة المحافظة. وافق الليبراليون على قيود بيرك على الحكومة ، والاهتمام بالملكية الخاصة ، والإصلاح الحكيم (Kirk 1954: 162).  ومع ذلك ، على الرغم من أن بورك وافق على أن الحكومة تنشأ من الحاجة إلى حماية الممتلكات ، إلا أنه تنصل من العديد من مبادئ لوك (Kirk 1954: 14).

يرفض المحافظون المفهوم الليبرالي للحقوق المجردة وغير التاريخية والعالمية ، المستمدة من طبيعة الفاعلية البشرية والاستقلالية ، والتي يمتلكها حتى عندما لا يعترف بها ، على سبيل المثال من قبل العبيد في اليونان القديمة (حول الحقوق المجردة ، انظر على سبيل المثال Gewirth 1983). بالنسبة للمحافظين ، فإن الادعاءات المسبقة مثل ليونارد هوبهاوس النهاية المناسبة للحكومة هي الكشف عن الحريات المدنية” ، هي ادعاءات خاطئة مزدوجة (Hobhouse 1964 [1911]: 19) ؛ الحكومة ليس لديها مثل هذه الغايات ، و “الكشف عن الحريات المدنية” بشكل خاص معطل. ومع ذلك ، في حين أن هوبهاوس وراولز ودوركين يدافعون عن الحقوق المجردة والعالمية ، فإن الليبراليين مثل ميل أكثر حساسية من الناحية التاريخية – من خلال تأثير كوليريدج ، اعتمد على جوانب الفكر المحافظ.  ويصبح مبدأ المنفعة المجردة لميل متحفظًا من خلال تركيزه على مرونة الشخصية وتعليمها ؛ تنشأ تفضيلاتنا ورغباتنا وأذواقنا من المؤسسات القائمة ، وبالتالي فإن أي مخطط مؤسسي مجرد يفشل في تعظيم المنفعة. بالنسبة لميل ، يقرر تاريخ ومجتمع الأمة كفاءة الجهاز الحكومي ، وقد حدد موقع “أفكار” كوليردجيان في المؤسسات التاريخية “العضوية” – هدفها الأصلي ومعناها. ومع ذلك ، فإن رغبة ميل في الكمال تناقض  تشاؤم المحافظين بشأن الطبيعة البشرية ، وقد رفض ميل ما أسماه “الحدس” ، الذي يعزز النزعة المحافظة من خلال طمأنة الناس إلى أن أي شيء يؤمنون به بعمق كاف يجب أن يكون صحيحًا ؛ بدلاً من ذلك ، يعتقد أن المعتقدات الراسخة يجب أن تكون مبررة بالعقل (Mill, Autobiography, CW, I: 233; Skorupski 2010: 24) وعلى الرغم من تأثير كوليردج ، ظل ميل ليبراليًا وليس محافظًا ،بقي ميل ليبراليًا وليس محافظًا ، وكان يقدّر العقل فوق التحيز الذي أقر به بيرك.

المحافظون ليسوا وضعين قانونيين ، ويسمحون بإضفاء بعض الطابع المثالي على الحقوق ؛ في الواقع ، حتى الوضعيين القانونيين مثل بينثام وأوستن وهارت ، في إقرارهم بوجود قيود أخلاقية ، يسمحون بوجود قوانين معيبة.  رأى بيرك أن ملوك عائلة ستيوارت ألغوا حقوق الإنجليز المولودين أحرارًا ؛ في ظل حكم ستيوارت ، كان للأخير حقوق لم تكن مجرد تلك السائدة. في الواقع ، لا يرفض بورك مفهوم الحقوق الطبيعية تمامًا. على الرغم من شكوكه في مناشدة الحقوق التي تتجاوز القانون الوضعي ، فقد أقر في كتاباته عن الهند بأنه عندما يُحرم المرء من الموارد القانونية الإيجابية ، يمكن للمرء أن يلجأ إلى القانون الطبيعي ولكن ليس لحقه الطبيعي (Bourke 2014; though see Stanlis 1953, and Canavan 1960).

ركز هذا القسم بشكل أساسي على المحافظة مِن منظور إدموند بيرك، والتي تم التعامل معها على أنها شك في دور العقل في السياسة.

 يحلل القسم التالي التطور التاريخي لمحافظة بيرك، مقارناً إياها بالتقاليد الأكثر عقلانية للمحافظة، وكذلك النظر في تقاليد أمريكا الشمالية، و المحافظة الحديثة.

 

2.   تطور الفكر المحافظ

2.1                استخدام مصطلح المحافظ

ابتكر الفرنسيون تلاميذ بيرك لأول مرة كلمة مُحافظ “conservative” (الفرنسية ، “conservateur”) ؛ بيرك نفسه استخدم الفعل “conserve”. تعتبر المحافظة واليعقوبية الثورية مفاهيم مترابطة نشأت معًا؛ وسبق المفهوم صفته. في القرن السابع عشر، خلال الثورة الإنجليزية برز صراع بين تيارين الأول:  Roundheads (مؤيدي كروميل والبرلمانيين)، والثاني: Cavaliers وهؤلاء هم أسلاف حزب المحافظين الذين أصبحوا فيما بعد يُعرفون باسم المحافظين.

ويعود مصطلح تقليدي/رجعي “Tory”  إلى عهد تشارلز الثاني، خلال أزمة 1679-1681 فالفصيل البرلماني الذي أراد استبعاد شقيق تشارلز الكاثوليكي جيمس من ولاية العهد عُرف باسم اليمينيون، وأولئك الذين أيدوا حقه في العرش كانوا من المحافظين. وكلمة “Tory” مشتقة من الكلمة الغيلية الأيرلندية tóraidhe وتعني الخارج عن القانون الأيرلندي. كما تم استخدام كلمة “Tory” أثناء حرب الاستقلال الأمريكية ، في إشارة إلى المستعمرين الموالين للنظام الملكي البريطاني. في كندا، لا يزال المصطلح يستخدم لوصف المحافظين من يمين الوسط.

عام 1830، علقت مجلة ” Quarterly Review ” أن “ما يسمى بالتقليديين/الرجعيين يمكن أن يُطلق عليهم بقدر أكثر لياقة اسم حزب المحافظين”، وقد تبنى جورج كانينغ التسمية. (يشير قاموس أوكسفورد الإنجليزي إلى أن المحافظ قد حدد في الأصل معارضًا لآراء “الرجعي”). وبدأ استخدام كلمة ليبرالي بين أوساط اليمينيين، وبحلول عام 1840 استخدم توماس كارلايل مصطلح المحافظة لوصف ما اعتبره معارضة للتقدمية. وعاد وصف تقليدوي/رجعي “Tory” للظهور كصفة لأعضاء حزب الأحرار البريطاني. وقد وصف ميل في  Essay on Bentham (1838) بينثام بأنه “تقدمي” ، وكولريدج بأنه محافظ. قد اقتبست اقترضت لغات أوروبية أخرى كلمة “محافظة” و “محافظة” من الإنجليزية. ومعظم البلدان التي لديهم أحزاب تسمى المحافظين كان مِن مستعمرات الإمبراطورية البريطانية. بينما البلدان ذات التقاليد الجمهورية القوية (فرنسا ، الولايات المتحدة الأمريكية ، الأرجنتين) لم يكن لديها قط أحزاب “محافظة” ذات قاعدة جماهيرية. الأحزاب الأوروبية من اليمين هي الحزب الديمقراطي المسيحي ، وفي الولايات المتحدة ، الحزب الجمهوري. ومع ذلك ، لا ينبغي للمرء أن يستنتج أن المحافظة هي في الأساس وجهة نظر بريطانية ؛ كل الثقافات لديها متشككون سياسيون يقدرون الخبرة.

 

2.2                بوادر المحافظة في فكر إدموند بيرك

بالنسبة إلى نيمان، يُنظر أحيانًا إلى ديفيد هيوم (1711-1776) على أنه الممُهد لفلسفة بيرك المحافظة.

استخدم بيرك ادعاءات [هيوم] حول عجز الحدس، وإعتماد العقل على العادات، ورفض المحاولات الراديكالية لتغيير النظام القائم.  (Neiman 2001: 294)

يشير كوبان للتعاقدية بين فلسفة بيرك و فلسفة هيوم المتعلقة بـ

نظرية أصول المجتمع والحكومة التي وضعتها المحافظة السياسية على أساس لأنها أكثر موثوقية وواقعية . (1960: 51)

يدعي آخرون أن هيوم ليبرالي مبادئيًا. ويرفض جون ستيوارت صورة هيوم المتمسك بمجموعة من العادات والخدع، لأنه كمشكك، ليس لديه بديل: “[كان] واثقًا من أنه من خلال التجربة والتفكير أنه يمكن للفلاسفة تحقيق المبادئ الحقيقية” ، ولم ينكر أن هذا السبب يحدد الصواب والخطأ في الأخلاق والسياسة (Stewart 2014: 8).

 

2.3                الفلسفة المحافظة لإدموند بيرك

تم تعريف الليبرالية من قبل جون ميل مقدمًا قيمها وسياساتها، وكما حدد ماركس الاشتراكية. بالنسبة لمعظم المحافظين، يعرّف بيرك إلى حد كبير النزعة المحافظة الحديثة – حتى لو كانت “التعريفات” الخاصة به، على عكس تعريفات ميل، تبدو أشبه بأنها نسخة أكثر حِدة. الآن، ندرس أفكار بيرك وكيف نشأت. (Skorupski 1989: 338) .

حذر اليمينيون الأيرلنديون من الثورات ومخططاتها الطوباوية لتحقيق الكمال البشري، وأبرزهم البرلماني إدموند بيرك (1729-1797). الذي كتب “تأملات في الثورة الفرنسية”، في عام 1790، توقع الإرهاب الثوري الفرنسي القادم بعد ثلاث سنوات:

في بساتين الأكاديمية (إمبراطورية النور والعقل الجديدة المحتلّة)، في نهاية كل مشهد، لا ترى سوى المشنقة. (Burke, WS III: 128)

كما توقع انقلاب نابليون. وتستند تنبؤاته إلى وجهة نظره القائلة بأنه عندما لا يتدفق الامتثال من الولاءات العرفية، فإن النتيجة هي القوة المطلقة (WS VIII: 128). كما يعلق شتاينر،

عندما فكر بيرك ونشر كتاباته، كانت الثورة الفرنسية في مرحلتها الزاهية [و] ما إن بدأت تحركاتها الملطخة بالدماء شبه الهستيرية… اكتسب استبصاره الكئيب قيمة هائلة بأثر رجعي. (Steiner 1988: 3; see Lock 2006: Vol. 2)

قدم بيرك “الحجة الجادة الأولى التي مفادها أن الثورات تلتهم أبنائها وتتحول إلى نقيضها” (Hitchens 2011: 161)- إن الاستيلاء العنيف على السلطة يستدعي رد فعل عنيف مضاد. قارن أصدقاؤه البريطانيون الثورة الفرنسية بالثورة المجيدة عام 1688. بالنسبة لبيرك، تم تجديده عام 1649، عندما تم تطهير البرلمان وإعدام الملك. لم تؤكد ثورة 1688 ، مثل الثورة الفرنسية ، أن السلطة يمكن أن تعود إلى الناس ، الذين لديهم الحق في “إقامة شكل جديد … يظنون أنه جيد” (اقتباسًا من رسالة لوك الثانية) (Pocock 1989: 207).

جادل بيرك بأن الثوريين يفرضون النظرية على الممارسة السياسية ، في حين ينبغي عليهم بدلاً من ذلك اشتقاق النظرية منها. في خطاب ألقاه عام 1782 ، اعتبر هذا غير معقول:

المفكرون الذين تبنوا نظريات تلك الحكومة، بعد ذلك، وبافتراض أنها قامت على تلك النظريات التي تعلموها  منها، يتهمون تلك الحكومة بأنها لا تتوافق معهم. (1782 House of Commons motion, in SW IV: 148)

وهكذا

اعتبر برنامج التنوير للإصلاح الاجتماعي الإرادي المكتوب بشكل تجريدي حماقة ، وينتهك اللغز العضوي للتاريخية ، [أرسطو] … كشف … الأنماط المؤسسية للوجود الاجتماعي. (Steiner 1988: 3)

لقد عارض بيرك الفلسفات العقلانية الراديكالية ، وعاطفية روسو الرومانسية ، ونفعية بنثام ، وأعرب عن أسفه لأن “عصر الفروسية قد ولى. لقد نجح السفسطائيون والاقتصاديون والآلة الميكانيكية. (Burke, WS III: 127)

“لا توجد مؤسسة بشرية عظيمة ناتجة عن المداولات” ، بل إنها تتطور بطرق لم يتصورها مؤسسوها ؛ “الأعمال البشرية هشة … إلى الدرجة التي ساعد بها العلم والمنطق في بنائها”. (Kirk 1954: 24; Burke, WS III: 128). وكما كتب بوكوك،

المغزى من العيش، على الرغم من أنه قد يميز بوضوح كافٍ العيوب ، قد لا يدرك تمامًا مزايا المؤسسات القائمة والقديمة ؛ هناك دائما في القوانين والمؤسسات

يوجد دائمًا

في القوانين أكثر مما [تراه] عين العقل النقدي. (Pocock 1989: 203)

يطلب بيرك اهتمامًا وثيقًا ومستمرًا بالظروف ، لأن المجتمع “وسط كثيف” ، وليس من السهل اختراقه. (1987 [1790]: 54)

يربط إشعياء برلين وستيوارت هامبشاير بيرك بالرجعيين مثل دي مايستر. لكن، بيرك يدعو إلى الإصلاح العضوي والتصالحي ، وليس رد الفعل:

أمة بدون آليات إصلاح، هي أمة بدون آليات للحفاظ على بقائها. (Burke, WS III: 327; Lock 2006: 305)

تجادل “التأملات” The Reflections بأن مِن الممكن للنظام القديم أن يعود إلى حالته السابقة قبل الفساد؛ كانت استعادة الحقوق القانونية والمصالح والاستحقاقات العامة في مايو 1789 فرصة للإصلاح المستنير للنظام الملكي، الذي اختطفه الملحدين والربوبيين المتحمسين (WS VIII: 175–6). دعا بيرك إلى “السياسة البطيئة”، وهي تقدم تدريجي إلى الأمام على أساس آمن للمؤسسات والولاءات الموروثة (Mount 2014).

كان بيرك يؤمن بأفكار حزب الأحرار البريطاني حيث الحكومة المحدودة. وتحديد الحريات والحقوق بملكية الأرض، وامتدح الملك جورج الثالث كونه يمثل نموذج للرجل الورع. ويختلف بيرك عن التقاليد الليبرالية ليس في رفض الحقوق في حد ذاتها، ولكن في مفهومه لها (Lock 2006: 313-26). لقد رفض وجود دستور أو ميثاق للحقوق لأنه لا يعبر ببساطة عن الممارسات القائمة. بالنسبة له، الحرية الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها تأتي من خلال الاكتساب، يبرر بأن

الحقوق “حقوق الرجال”، “حقوق الإنجليز” لا توجد على أساس مبادئ مجردة بل كإرث مستمد من أجدادهم … تقدم فكرة الميراث مبدأ أكيدًا للمُحافظة … دون استبعاد مبدأ الإصلاح على الإطلاق. من خلال سياسة دستورية ، نعمل وفقًا لنمط الطبيعة ، نتلقى ونحتفظ وننقل حكومتنا وامتيازاتنا ، [تمامًا كما] نستمتع وننقل ممتلكاتنا وحياتنا. (Burke, WS III: 83)

لم يثق بيرك في الإجراءات التي تتجاوز القانون الوضعي ، لكن كتاباته عن الهند تسمح ، في غياب القانون، بالتماس القانون الطبيعي وإن لم يكن حقًا طبيعيًا. يتعامل مفهوم هوبز عن الانعكاسات مع الحقوق الطبيعية على أنها ما قبل اجتماعية ولا تتوافق مع المجتمع. بالنسبة لبيرك، الحرية محفوفة بالمخاطر؛ إن القول بأنها مؤكدة بأمر العناية الإلهية ، ولها تقدم حتمي ، هو نوع من المبدأ الميتافيزيقي الذي يمقته (Himmelfarb 1987: 146–7).

يسيء بيرك تفسير العقد الاجتماعي لهوبز ولوك وروسو باعتباره وسيلة مؤقتة إلى حد ما ، لا شيء أفضل من اتفاقية شراكة في تجارة الفلفل والقهوة ، أو كاليكو ، أو التبغ ، أو أي شيء آخر من هذا القبيل قليل الفائدة، يتم التوافق عليه من أجل مصلحة مؤقتة قليلاً ، ويتم حله خلال نزوة الأطراف. (Burke, WS III: 147)

لكن موقفه يختلف حقًا عن موقفهم (أي عن هوبز ولوك وروسو – المترجم) في نظرته للأجيال:

[الدولة] شراكة في كل العلوم. شراكة في كل الفنون ؛ شراكة في كل فضيلة … بما أن [لها] نهايات … لا يمكن الحصول عليها في أجيال عديدة ، فإنها تصبح شراكة … بين الأحياء ، والذين ماتوا ، والذين سيولدون. كل عقد لكل دولة معينة ما هو إلا بند في العقد البدائي العظيم للمجتمع الأبدي ، يربط الدنيا بالطبيعة العليا ، ويربط العالم المرئي وغير المرئي … (Burke, WS III: 147)

هذا بيان قوي ، لكن يصعب تفسيره. ينعكس ذلك في ملاحظات تشيسترتون أن

التقليد يعني إعطاء تصويت لأكثر الطبقات غموضًا ، أسلافنا. إنها ديمقراطية الموتى. التقليد يرفض الخضوع للأوليغارشية الصغيرة والمتغطرسة لأولئك الذين يتجولون فقط. يعترض جميع الديمقراطيين على تجريد الرجال من الأهلية بسبب حادث الولادة ؛ التقاليد تعترض على عدم أهليتهم بسبب حادثة الوفاة. تخبرنا الديمقراطية ألا نهمل رأي الرجل الصالح ، حتى لو كان جاهل ؛ يطلب منا التقليد عدم إهمال رأي الرجل الصالح ، حتى لو كان والدنا. (Chesterton 2012: 29; see also section 4 of this entry)

يعلق إيان هامشر مونك أن بيرك

يصعد القوة الأيديولوجية للعقد مع تجفيفه الإمكانات الجذرية: لا يمكن إعادة التفاوض على عقد يشمل الموتى والذين لم يولدوا بعد. [هذا الشكل الخطابي] يعبر عن أعمق معتقداته حول مكانة المؤسسات السياسية. لا يمكن لمؤسساتنا الاجتماعية (مثل العقود العادية) أن تكون نتاج حسابات أو رؤية أي فرد. (Hampsher-Monk 2012: 202–3)

بالنسبة إلى Scruton (1980) ، يميل الليبراليون إلى جعل أعضاء المجتمع الحاليين مهيمنين على أولئك الذين ذهبوا من قبل ، ومن بعدهم ؛ يخشى بعض المعلقين المحافظين من أن العقد عبر الأجيال قد تم خرقه بواسطة

تحولات هائلة بين الأجيال [من الأجيال القادمة إلى الأجيال الحالية] مثل التي تنطوي عليها السياسات المالية الحالية. (Ferguson 2012)

كان بيرك مفكرًا مسيحيًا تُعزى نزعته المحافظة إلى افتراضاته اللاهوتية (Harris 1993; Cobban 1960: 94)؛ لقد رأى اليعقوبية الإلحادية كتهديد للتقاليد الثقافية الغربية. يشارك العديد من الكتاب المحافظين تفسيره الديني للعقد عبر الأجيال ؛ بالنسبة لكيرك (1954: 7) ، فإن الدين الراسخ هو من بين التقاليد التي يقدرها المحافظون. لكن المعتقد الديني ليس ضروريًا للمحافظة ، وكان أوكشوت محافظًا علمانيًا. (Cowling, 2004: xv).

جذبت كتابات بيرك الجماهير القارية وكذلك الأنجلو أمريكية ؛ كان كل من توكفيل وماكولاي من الأتباع. لكنهم تسببوا في رد فعل عاصف بين المتطرفين. دافع توماس باين ، وهو صديق أختلف معه بيرك ، عن مفهوم كوزموبوليتاني للحقوق ؛ الحرية هي حق طبيعي لكل شخص ، والذي لا يمتلكه سوى الأحياء ، وكانت فكرة بيرك عن النسب “اغتصابًا” وتقليلًا منها:

[لا] جيل [له] خاصية في الأجيال التي تليها. البرلمان أو الشعب عام 1688… لم يعد له الحق في التصرف بأهل العصر…. (Paine 1791: 92)

أراد باين أن تلغي الثورة الأمريكية العبودية ، وتقييد الثورة الفرنسية من التعصب العنيف. بيرك، كان متعاطفًا مع ماري أنطوانيت ، “يشفق على الريش وينسى الطائر المحتضر” – الشعب. (Paine 1791: 102). قالت ماري وولستونكرافت في كتيبها “دفاع عن حقوق الرجال” A Vindication of the Rights of Men (1790):

لو كنت فرنسياً ، لكنت ، على الرغم من احترامك لمرتبة الرتبة والعصور القديمة ، لكنت ثوريًا عنيفًا. ولكانت النار حرقت خيالك. (Wollstonecraft 1790: 44)

يعتقد الليبراليون أن بيرك في مسيرته المهنية اللاحقة أظهر نفسه كأسير المفهوم الإقطاعي والأرضي للمجتمع.

تغيير بورك الواضح للانتماء من حزب الأحرار البريطاني إلى حزب المحافظين محل نقاش كبير. في معظم حياته المهنية ، كان يُنظر إليه على أنه يميني إصلاحي معتدل ، وشن حملة ضد فساد ووحشية شركة الهند الشرقية. في النهاية فقط أصبح منتمي لحزب المحافظين.

في الواقع، كان هناك إنعكاسات كبيرة في المنهج الليبرالي لبيرك، بداية مِن “رسائل حول السلام” التي طالبت بحرب في الخارج وقمع في الداخل لاستئصال العدوى الثورية. اعتبر بيرك في القرن التاسع عشر ليبراليًا، وعُملت كتاباته اللاحقة على أنها انحراف – وهو تفسير انعكس في القرن العشرين. رفض ماركس بيرك بشدة باعتباره انتهازيًا:

المتملق – الذي لعب بروح الأوليغارشية الإنجليزية دور الرومانسية … ضد الثورة الفرنسية تمامًا كما لعب دور الليبرالي ضد الأوليغارشية الإنجليزية – كان بورجوازيًا مبتذلًا. . “قوانين التجارة هي قوانين الطبيعة ، وبالتالي قوانين الله.” (E. Burke, l.c.: 31, 32) … طبقًا لقوانين الله والطبيعة، كان يبيع نفسه دائمًا في أفضل الأسواق. (Das Kapital, Vol. 1, Ch. 31)

كتب كوليردج ، بطريقة أقل حدة بقليل:

إذا كان خصومه منظرين ، فكل شيء يجب أن يؤسس على الحكمة ، على مجرد حساب السرعة … هل خصومه رقباء؟ ثم … أعطانا الله المشاعر ، وعلينا أن نطيعها!  (Coleridge CW, The Friend, II (first published 1809): 123–6)

بالنسبة إلى لوك ، فإن تصريحات بيرك هي أفعال بلاغية خاصة بالسياق ، ولا يقصد منها أبدًا تشكيل نظام ثابت ؛ تعتبر النظرة التقليدية لبيرك على أنه “ليبرالي” انتهى به الأمر كـ “محافظ” تبسيطية ، على الرغم من أن وجهات نظره تطورت بمرور الوقت ( (Lock 2006 Vol II: 306).

حاول آخرون بشكل مختلف التوفيق بين بيرك السابق واللاحق. جادل تشرشل بذلك

[نظر] [بيرك الليبرالي] و [بيرك] في السلطة لنفس المثل العليا للمجتمع والحكومة… يحاول حمايتهم من الإنهيار، من جهة، والآن من جهة أخرى. (تشرشل مثل بيرك ، غير حزبه ومن ثم ربما تماثل معه)

جادل ماكفيرسون أنه بحلول زمن بيرك ، كان النظام التقليدي نظامًا رأسماليًا ، وبالتالي فإن نزعته المحافظة كانت متوافقة مع ليبرالية السوق الحرة. دافع بيرك عن مبادئ حزب الأحرار البريطاني الكامنة وراء الثورة المجيدة لعام 1688 والثورة الأمريكية لعام 1776 ، ولكن ليس الثورة الفرنسية. في المقابل، أوبراين في كتابه The Great Melody – العنوان ، اقتباس من ييتس، يوضح معارضة بيرك المستمرة لإساءة استخدام السلطة في أيرلندا وأمريكا والهند وفرنسا – ويجادل بأن فهمه للثورة الأمريكية لم يكن راديكاليًا وليبراليًا. كان على الدوام مسيحيًا وملكيًا، وكان خطابه الكبير بعنوان “في المصالحة مع المستعمرات”. حتى كان الاستقلال لا مفر منه ، كانت المصالحة هدفه. يرى كوبان أن بيرك “أعظم أتباع لوك” ، وينفي أنه غير رأيه بشكل جذري في وقت الثورة الفرنسية. بالأحرى ، “التناقض يسري في فكره” (Cobban 1960: 40). (يوضح بوكوك 1994 التزامات بيرك المتضاربة تجاه حزب الأحرار الإنجليزي والكاثوليكية الأيرلندية.)

السؤال الأساسي هو إلى أي مدى يكون “التحيز” الذي يدافع عنه بيرك غير عقلاني. هل كان ضد العقل أم فقط ضد العقل المجرد؟ هل يحل محل الفرد عقل جماعي؟ بالنسبة إلى كوبان ، كان بيرك “فيلسوفًا غير عقلاني في عصر العقل العظيم” (Cobban 1960: 75). وجهة نظر أكثر دقة وهي أنه بالنسبة له، لا يمكن للعقل الفردي أن يميز بشكل كامل كيف تعمل المؤسسات الاجتماعية والسياسية ؛ لا يستطيع أن يرى عملية التكيف المجتمعي بأكملها ، أو أن يفهم بنفسه المبادئ التي يقوم عليها.

وعلى حد تعبير إيان هامشر مونك، تنتج المؤسسات عن التجربة والخطأ ، وتجسد الخبرة التاريخية المتراكمة في العقل المؤسسي – مثل سابقة القانون العام ، التي درسها بيرك (. (Pocock 1989: 211 وما يليها. يناقش دين بيرك لهذا التقليد ؛ لقد رفض النزعة القانونية ، وخاصة – منذ أن كانت نوعًا من النسبية – فكرة القانون العام على أنه خالد وسحيق.) قارن بيرك حكمة القانون ، مع العقل التأملي المحدود للأفراد – لا يمكن لأي شخص أن يعيد إلى الفكر السلسلة المعقدة من الخبرات والقرارات التي قادت القانون إلى ما هو عليه – وهو يعتمد على تقليد التجريبية المتشككة و المحافظة في الفكر الاجتماعي الإنجليزي ، بما في ذلك نقد كوكا لـ ملوك ستيوارت (Pocock 1989). يعتبر نظام القانون العام البريطاني والأمريكي تطوريًا وليس مجردًا مثل القانون المشفر الروماني والنابليوني. الحكم وفقًا للسوابق ، على عكس القانون المدون مسبقًا ، هو أكثر قدرة على توقع الظروف الجديدة.

[وصف] بيرك التحيز المثقف كترياق لأشكاله المتعصبة. لم يستلزم هذا التخلي عن العقل ، بل الشك في ادعاءاته المفرطة. (Bourke, in Dwan and Insole 2012: 29)

يردد سكروتن أصداء بيرك عندما يجادل بأن المعتقدات التي تبدو أمثلة على التحيز قد تكون مفيدة ومهمة ؛ إن محاولة تبريرهم ستؤدي فقط إلى خسارتهم. قد يُظهر المرء التحيز على أنه غير منطقي ، ولكن ستكون هناك خسارة إذا تم التخلص منه (Scruton 1980).

لا يعارض بيرك العقل ، بل غطرسة العقل الفردي ، لذلك:

نحن نخشى أن نجعل الرجال يعيشون ويتاجروا على أساس مخزونهم الخاص من العقل … مخزون كل رجل صغير… ومن الأفضل للأفراد الاستفادة من المخزون العام ورأس مال الأمم والأعمار…. التحيز جاهز للتطبيق في حالات الطوارئ ؛ سبق له أن أشرك العقل في مسار ثابت من الحكمة والفضيلة ولا يترك الرجل مترددًا في لحظة القرار متشككًا ومربكًا وبلا حلول. (Burke, WS III: 138)

رفض بيرك للتقليد المعرفي الفردي السائد في نظرية المعرفة الغربية ، واعتبر العقل السياسي متراكمًا تاريخيًا في المؤسسات الاجتماعية المتقدمة – بما في ذلك الدستور غير المكتوب ، وممارسات التمثيل ، والتصرفات لا سيما التسوية. وفقًا لهيملفارب ، هناك سبب وجيه لبيرك لمدح التحيز- العقل نفسه –  ، الموجود في سلسلة متصلة مع العقل النظري (Himmelfarb 2008b). ومع ذلك ، يجادل مونك في ذلك إن

خوف بيرك من أوجه القصور في العقل الفردي ليس له سوى نظير غامض في إيمانه بالحكمة الجماعية. (1992: 304)

هل يتبع بيرك مفهوم هيوم للعادات ، والذي يمكن اعتباره غير عقلاني أو حتى عدمي؟ بالنسبة للمحافظين التابعين لخط بيرك ، يعمل “العقل” فقط نسبيًا أو ضمن “تثبيت غير عقلاني للاعتقاد” في العادة أو مِن خلال التحيز – وهو استقرار ضروري لتجنب الشكوك بالمعنى الفلسفي التقليدي. هذا هو الإطار المعتاد لهيوم وبيرك. بالنسبة للمفكرين الدينيين مثل الكاردينال نيومان ، فالعقل إيماني يجذب السلطة غير العقلانية للعقيدة الدينية. لكن التحيز معياري، ويعني عدم القدرة على إدراج أفعال معينة في إطار قانون عالمي لا يعني النسبية الراديكالية (Vannatta 2014). بالنسبة لليبراليين الكلاسيكيين ، في المقابل ، لا يعمل العقل على وجه التحديد ضمن الأطر العرفية.

 

2.4       العقلانية أو المثالية المحافظة

أثرت أفكار بيرك المحافظة على التقاليد في القارة الأوروبية، ولكن كان لها أيضًا تطور منفصل. في الواقع، وكما يجادل كلارك، كان المعجبون به في القارة يجهلون عادة خلفية بيرك باعتباره دستوريًا يمينيًا، وأعتبروه أحد منتقدي اليعاقبة الأكثر بلاغة وتعبيرًا عن الآراء المعادية لليبرالية والشمولية للنظام والسلطة التي ربطها المعجبون الألمان بشكل خاطئ به. (Clark, 2001: 106).

ربما كان دي توكفيل (1805-1859) هو الأكثر تأثرًا بأفكار بيرك بين المحافظين القاريين في القرن التاسع عشر وظهر هذا خلال نقده للثورة الفرنسية:

كان لدى ثوارنا الشغف نفسه بالتعميمات العريضة، والأنظمة التشريعية المنفصلة والمُعلبة، والتميثل المتحذلق؛ ونفس الازدراء للحقائق الصعبة؛ نفس المزاج لإعادة تشكيل المؤسسات على خطوط جديدة ومبتكرة وأصلية … [لإعادة بناء] النظام بأكمله بدلاً من محاولة تصحيح أجزائه المعيبة. (1955 [1856]: 147)

كتب توكفيل كتابه L’Ancien Régime et al Révolution للرفض الجزئي لبعض أفكار بيرك، حيث رفض توكفيل وجهة نظر بيرك القائلة بأن الملكية الفرنسية قابلة للإصلاح. بالنسبة له (أي لتوكفيل)، “لقد قضت الملكية المطلقة على طبقة المجتمع الفرنسي العاقلة وبالتالي قدمت الأساس للاستبداد الجديد للثورة” (Clark, 2001: 78)

ألمانيا، قبل عام 1793، تمت ترجمة تأملات بيرك ثلاث مرات، مما يدل على وجود تأثير له على المحافظين مثل جينتز وريبرج وبراندس. (على الرغم من أن Beiser (1992) يجادل بأنهم وصلوا إلى فكرهم بشكل مستقل.) وكان أوقست ويلهلم ريهبيرغ (1757–1836) مؤسسًا للإصلاحيين الألمان المحافظين، والذي حمل نقده الثاقب للثورة الفرنسية أوجه تشابه مذهلة مع نقد بيرك. افترض المؤرخون فون سافيني (1779-1861) وفون رانكي (1795-1886) بفكرة بيرك عن التطور العضوي للمجتمعات. وتبنى المحافظون الألمان مواقف من الإصلاحية إلى الرجعية، بهدف احتواء القوى الديمقراطية – على الرغم من عدم معارضتهم جميعًا لـ “التنوير”. ولم يكن رد فعلهم محافظًا على خطى بيرك فقط، فقد كان دي مايستر (1753-1821) ناقدًا رجعيًا للعقل والمثقفين والحقوق العالمية.

هاجم بيرك ثوار عام 1789 “من أجل الحريات التقليدية، هاجم [مايستر] من أجل السلطة التقليدية” (Viereck 2009: 191). وأشاد دي مايستر بالثقافة السياسية الروسية باعتبارها نموًا عفويًا. على النقيض من ذلك ، فقد “احتقر” فلاسفة التنوير في أوروبا الغربية (Gray 1998: 122).

يطرح جون جراي فكرة: أن هناك تقليد بديل غير محافظة بيرك، تتمثل في محافظين القاريون اهتموا بالتقاليد مثل  ثومست أو هيجل، مما أدى إلى إنتاج محافظة عقلانية أو منهجية – والتي قد تشمل أشكالًا رجعية. يختلف المعلقون حول المدى الذي تتحدى فيه المحافظة العقلانية مركزية النزعة والتقاليد المحافظة لدى بيرك في التقاليد المحافظة.

احتقر المحافظون أحيانًا التفكير النظري في الحياة السياسية ، مما يعني ضمنيًا أن المعرفة السياسية … من الأفضل تركها غير واضحة ، دون أن يفسدها التنظيم العقلاني. ومع ذلك ، فإن القرنين [التاسع عشر والعشرين] مليء بالفكر المحافظ … بطريقة منهجية وانعكاسية مثل أي تقليد موجود في التقاليد الليبرالية. (Gray 1995: 78–9)

بالإضافة إلى بيرك، يستشهد جراي بهيجل، ودي مايستر، وسافيني، وسانتايانا، وأوكشوت، بأنهم محافظين من حيث أنهم يتشاركون في “روح رد الفعل ضد تجاوزات العقلانية الليبرالية” (Gray 1995: Ch. 10). يقارن Skorupski (2015) بين النزعة المحافظة البراغماتية المناهضة للعالمية و المحافظة العقلانية الكونية. المحافظة العقلانية لا تظهر شكوكاً خاصة. ويؤكد المحافظون العقلانيون أن المجتمع الذي يتمتع بتسلسل هرمي للسلطة هو الأكثر ملاءمة لرفاهية الإنسان – على الرغم من أنهم يعتبرون أيضًا الفضائل النسبية مثل الولاء والوطنية أمرًا أساسيًا، إلا أنهم يعتبروها صحيحة عالميًا بوصفها فضيلة. فمن الواضح أن هذا هو موقف السلطة وليس وجهة نظر الحرية.

يعتبر هيجل (1770-1831) شخصية رئيسية في فهم المحافظة العقلانية. والمثير للدهشة بالنسبة لوجهة نظره التي تشدد على قيمة التجربة، أن المحافظة – باستثناء هيوم – ارتبطت بالمثالية أكثر مما ارتبطت بالمذهب التجريبي. عادة ما كان التجريبيون الفلسفيون راديكاليين. ادعى المحافظون إنتماء هيجل لهم، لكن انتمائه السياسي كان موضع خلاف منذ تلاميذه الأوائل. بالنسبة للهيغليين اليساريين بمن فيهم ماركس ، كان مفهوم هيجل للفكر الحر بمثابة دفاع عن عقلانية التنوير، ونقدًا للسلطة السياسية التقليدية. ولم يرتكن إلى قوة متعالية، كما أكد بعض الهيغليين اليمين، ولكن فكر هيجل كان عملية أنثروبولوجية وتاريخية للتحرر، مدفوعة بالتناقض والصراع. في القرن العشرين كان يُنظر إلى هيجل بدلاً من ذلك على أنه رجعي شمولي بدائي ، أو محافظ ، أو ليبرالي. لكن “الأرثوذكسية القديمة” القائلة بأنه محافظ أو رجعي – في الفلسفة الناطقة بالإنجليزية المستمدة إلى حد كبير من بوبر – قد اختفت، وغالبًا ما يُنظر إليه على أنه يجمع بين المحافظة والليبرالية (Fine 2001: 5).

موقف هيجل كان متناقضًا تجاه الثورة الفرنسية، هذا الحدث التاريخي العالمي الذي فكر جيله في فلسفته السياسية وموقفه من التنوير (Taylor 1977: 403).

نقد الدستور الألماني، مثلما رثى بيرك “الصخب الأعمى من أجل الحرية” والمساواة الراديكالية (Hegel PW: 93) ؛ ونقد المفهوم المجرد للحرية عند روسو للحرية، الذي يحاول بناء المجتمع على أساس “العقل الذاتي” ، تسبب في “دمار مُريع”. وكانت “مقدمة” عناصر فلسفة الحق (1821) هي هجوم بواسطة أفكار بيرك على أولئك الذين يفترضون أنه

لا توجد دولة أو دستور من قبل … مثل الذي كان لدينا … لنبدأ مباشرة من الآن. (Hegel 1821: 12)

الثورة

لأول مرة التي نعرفها في تاريخ البشرية … منحنا المشهد الهائل للإطاحة بجميع الظروف القائمة داخل دولة كبرى قائمة وإعادة كتابة دستورها على أساس مبادئ أولى … كان مفترض أن تكون مجرد أساس عقلاني … الحدث الأكثر فظاعة والأكثر خطورة. (Hegel 1821: §258R)

وفقًا لهيجل ، يدمر فكر روسو التعاقدي العنصر “الإلهي” للدولة (Hegel 1821: §258R)

ومع ذلك ، فإن هيجل أيضًا له جانب من فِكر روسو، وهذا واضح في فلسفة التاريخ، حيث يشير الثورة بأنها فجر الحرية:

تم وضع دستور … متناغمًا مع فكرة الحق … لم يحدث أبدًا منذ أن أشرقت الشمس في السماء ودارت الكواكب حولها أن يدرك الإنسان أن وجوده يتركز في رأسه، أي في الفكر الذي يبني به. ويصل لعالم الواقع. (Hegel 1822–1830: 447)

روسو

طرح الإرادة كمبدأ للدولة، وهو مبدأ لم يركز فقط على شكل الدولة [ولكن أيضًا] محتواها، وهو في الواقع يفكر في نفسه. ( (Hegel 1821, §258R)

هكذا يدعي بعض الكتاب أن هيجل ينتمي للليبرالية لا المحافظة، وفيما يتعلق بفلسفته فهي

التطبيق الأكثر عمقًا وإقناعًا للفكرة [الإيجابية] عن الحرية باعتبارها استقلالًا عن عالم السياسة. (Franco 1999: 3)

حديثًا يتم الإجماع على أن هيجل حاول التوليف بين الليبرالية و المحافظة. بالنسبة لكريستي، فإن تقاربه ليس مزيجًا انتقائيًا من الفكر الليبرالي و المحافظ، ولكنه توليفة منهجية،

إن الطريقة الديالكتيكية تؤدي إلى مصالحتهما … بالسماح بتجسيد مؤسسي لالتزام هيجل بالذاتية الحرة. (Cristi 1989: 719–20, 725)

في حين أن هيجل لا يلجأ إلى القانون الطبيعي غير البشري أو النظام الإلهي ، فإنه يحاول التوفيق بين العقل البشري والقوانين والمؤسسات التاريخية:

بالنسبة لهيجل ، على عكس بيرك ، يجب تبرير النظام السياسي في النهاية بالعقل البشري، وإن لم يكن بالطريقة الفردية التي تميز عقلانية التنوير. (Franco 1999: 127)

(على الرغم من إعادة التأكيد ، فإن موقف بيرك هنا محل خلاف). توحد فكرة الدولة طابعها الإلهي مع وجهة نظر روسو القائلة بأنها نتاج إرادة الإنسان والعقلانية (Franco 1999: 288).

وهكذا يجمع هيجل العام والخاص:

جوهر الدولة الحديثة هو أنه يجب ربط الكوني بالحرية الكاملة للخصوصية ورفاهية الأفراد المعرفة الشخصية وإرادة الأفراد المعينين الذين يجب أن يحتفظوا بحقوقهم فقط عندما تكون كلتا اللحظتين حاضرتين بتناغم الكامل يمكن اعتبار الدولة منظمة حقًا. (Hegel 1821: §260)

يجادل هيجل (1821) أنه في الأخلاق والسياسة ، نحكم على أنفسنا ، ولكن ليس من جانب أنفسنا. نصل إلى الاعتراف بالمعايير العقلانية تاريخيًا ، كما تم تحقيقها ؛ نحن دائمًا نفكر وفقًا لقواعد مجتمعنا ، والتي يجب مع ذلك أن نؤيدها بشكل انعكاسي فقط.

يتعامل اليساريون المعاصرون مع عقيدة هيجل القائلة بأن العقل نشط في التاريخ على أنه الادعاء بأن الفكر الحر يتم من خلال تفكير الأفراد وهو السبب الداخلي للتاريخ. في المقابل ، هاجم المحافظون مفهوم هيجل للعقل المتطور ، لتقويض النظام السياسي (Moggach 2013). لكن بالنسبة لسكوروبسكي ، يرى هيجل أن الفكر الحر أو العقل الطبيعي يجب أن يتم التوسط فيه من خلال مؤسسات راسخة للسلطة الفكرية والروحية: بالنسبة للأكويني ، كانت الكنيسة ، وبالنسبة لهيجل ، كانت تقاليد الحياة الأخلاقية الجماعية.

يؤكد هيجل أن “حق الإرادة الذاتية”، وحرية الذات الأخلاقية، متأصل في الحياة الأخلاقية الحديثة، وبالتالي يتعلم العقل الفكر الحر، ولكن فقط في سياق الكُلية المحافظة (Skorupski 2015). المفهوم الرئيسي هنا هو Sittlichkeit  (“الأخلاقية” أو “الحياة الأخلاقية”).

(“الأخلاقية” أو “الحياة الأخلاقية”): العنصر الثالث في فلسفة الحق عند هيجل، بعد الحق المجرد والأخلاق، تتوسط فلسفته بين الليبرالية و المحافظة.

يجب أن يكون للحق والأخلاق دعمًا وأساسًا للأخلاق، لأن الحق يفتقر إلى الذاتية ، بينما تمتلك الأخلاق بدورها هذا. (PR §141A)

في حين أن “الأخلاق” هي تقرير المصير الذاتي ، فإن “الحياة الأخلاقية” هي في نفس الوقت موقف للأفراد وطريقة حياة جماعية، ومجموعة من القيم والممارسات أو المؤسسات. لا يمكن اشتقاق محتواها من مبدأ أعلى ؛ إنها قيم ومؤسسات ثقافية خارجيًا ، وداخليًا جانب من جوانب هوية المرء. يقبل هيجل أن الحياة الأخلاقية مشروطة تاريخيًا ، بل وحتى اعتباطية ، من حيث المضمون ، لكنه يصر على دورها الأساسي في كل مجتمع ، وحاجتها إلى التطور عضوياً. بالنسبة له ، تعتبر بعض أشكال الأخلاقية الأكثر تقدمًا من غيرها ؛ في أي وقت ، تدفع المجتمع ليكن أكثر تقدمًا في تاريخ العالم من خلال إدراكه مؤسساته وعاداته وثقافته وأفكاره الجديدة. ويتجاوز هذا الموقف الحد الأدنى من عقلانية وعالمية النزعة المحافظة ، والتي لا تشير إلى التقدم التاريخي.

صموئيل تايلور كوليردج هو المفكر المسؤول بشكل رئيسي عن تقديم المثالية الألمانية للقراء الناطقين باللغة الإنجليزية ، على الرغم من أنه قدمها في شخص كانط وليس هيجل. لكن يُعلق تاونشند، “من الطبيعي تمامًا كتابة تاريخ المحافظة الإنجليزية دون الإطلاع على Coleridge” (1993: 32)، ربما لأن التوجه المحافظ للتجربة يعتبر خطأً تجريبيًا. كان كوليردج من المتحمسين المتحمسين للثورة الفرنسية، الذين خاب أملهم من عنفها ودمارها، وجاؤوا ليشاركوا بيرك الدستورية المحافظة.

إن عواقب الوصفات العلاجية البطولية التي أوصى بها الثوار [هي] أفظع بكثير من المرض. (Coleridge 1812: 154)

ومع ذلك ، غالبًا ما تروق المثل الثورية “الأرواح النبيلة والخيالية”. يجب على المرء أن يقدم المثل العليا والإصلاحات الجوهرية. انتقد كوليردج “معارضة بيرك السخيفة للنظرية من أجل الممارسة”، لأن “أكثر الناس دناءة لديهم نظريتهم: والتفكير على الإطلاق هو التنظير”. حذر كوليردج من التصنيع غير الخاضع للرقابة ، وانتقد السوق الحرة غير المقيدة ، مما أثر في محافظة دزرائيلي بما يتعلق بمجال الرفاهية الاجتماعية.

جادل كوليردج بأهمية وجود كنيسة وطنية تمارس القيادة الروحية والأخلاقية والثقافية ، وتحافظ على المدارس بالاشتراك مع الدولة. في تطابق مع بيرك، كتب أن “واعظ ديني متدرب، ورع، يُساهم في تقيد المصلحة الذاتية للآخرين، مِن شأنه

حماية كنوز الحضارة الماضية، وربط الحاضر بالماضي؛ وإعطاء الحاضر قيمة لنفسه، وبالتالي ربط الحاضر بالمستقبل(CW [1809]: 189)

يتتبع كتاب عن الدولة الإنجليزية تتبع الفكرة الأساسية للملك ألفريد حول دستور الكنيسة والدولة On the Constitution of the Church and State (1830). تساءل كوليردج عما إذا كانت المؤسسات “تأسست لطبيعة الأشياء أم لضرورات طبيعتنا”. وأشار أن المثل العليا يمكن دراستها بشكل مُجدي فقط عندما تنعكس في المؤسسات الخاصة لكائن سياسي حي” (Coleridge 1829: 276).

صنف ستيوارت ميل تأثير كوليردج على الفكر السياسي على أنه مساوٍ لتأثير بنثام ، واصفًا إياهم بـ “ركيزتي العقل الإنجليزي الأساسيتين في عصرهم”. رغب بنثام في إصلاح أو استبدال المؤسسات ذات الصفة التي تفتقر إلى المنفعة، في حين أن عمل كوليريدج كان بمثابة ثقل موازن ضروري لليبرالية النفعية البنتامية، فـ

“فيلسوف حزب المحافظين [ينقذ] الحقائق التي نسيها المحافظون، والتي لم تعرفها المدارس الليبرالية السائدة.” (Mill, CW X: 163, “Coleridge”—note the early use of “Liberalism” (1840))

للتذكير، كان لبيرك، مع شكوكه حول العقل، مكانة لدى صانعي إيديولوجية المحافظين الإنجليز، وحاز استحسانهم في أواخر القرن التاسع عشر؛ في الوقت الذي كانت مكانة كوليردج الفلسفية تتضاءل، ولم تروق أفكاره الراديكالية للمحافظين. ولم يقدّر المحافظون الدور الأكبر للتقدم في فكر كوليردج ، والذي يعتبر أكثر عقلانية من كونه براغماتيًا تشككيًا. لكن أفقدته صلاته بالمثالية الألمانية القدرة على التوغل في الفلسفة الناطقة باللغة الإنجليزية.

يحمل عمل المفكر والكاتب الفيكتوري الكبير توماس كارلايل Thomas Carlyle  (1795-1881) علاقة معقدة مع التيار المحافظ. فقد كان رجعيًا في حياته المهنية اللاحقة. كان كارلايل نبي عصره الذي رفض التصنيع وشكك في التقدم. وفي هذه المسائل كان سلفًا للمفكر الفيكتوري المؤثر بنفس القدر، جون روسكين. لكن كارليل كان راديكاليا استبداديا ، أقرب إلى الراديكالية الأرستقراطية أو النخبوية لنيتشه. لذلك لا يوجد له مكان فكري في تيار المحافظة التابع لإدموند بيرك، ولا المحافظة العقلانية لهيجل ورفاقه. وقد أصر كارلايل على أهمية القيادة، وربما اشتهر بنظرية “الرجل العظيم” في التاريخ. لقد دعم الجنوب في الحرب الأهلية الأمريكية، واعترض على الاقتصاد باعتباره “العلم الكئيب” بسبب فشله في تبرير العبودية.

بنيامين دزرائيلي Benjamin Disraeli  (1804-1881) ، مؤسس التيار المحافظ “أمة واحدة” وهو خط مؤمن بأفكار بيرك. دزرائيلي كان سياسيًا أولاً، وكاتبًا ومفكرًا ثانيًا. لم يستخدم دزرائيلي أبدًا عبارة “أمة واحدة” ، لكنها كانت ضمنية. يأتي المصطلح من روايته Sybil; or the two nations عام 1845. أو الأمتين، حيث يصف والتر جيرارد، الراديكالي من الطبقة العاملة، “دولتين؛ غني وفقير، لا جماع ولا عطف بينمها؛ يجهلون عادات بعضهم البعض وأفكارهم ومشاعرهم ، كما لو كانوا ساكنين في مناطق مختلفة ، أو سكان كواكب مختلفة”. كان هدف دزرائيلي هو توحيد هاتين الدولتين من خلال القيادة الخيرية لحزب المحافظين. وهكذا قدم نسخة أكثر اعتدالا من المحافظة البسماركية. بصفته وزير الخزانة والزعيم المحافظ في مجلس العموم، فقد قدم قانون الإصلاح لعام 1867 ، وبصفته رئيسًا للوزراء (1874-80) ، سن الإصلاح الاجتماعي ، وأصدر قوانين الصحة العامة ، وقوانين المصانع ، وقوانين الاعتراف بالنقابات العمالية. في هذه النواحي ، ساعد في تأسيس نزعة محافظة “أمة واحدة”.

اشتهر جيمس فيتزجيمس ستيفن James Fitzjames Stephen  (1829-1894) ، مؤلف كتاب “الحرية والمساواة والأخوة”  Liberty, Equality, Fraternity (1873) ، بأنه أكثر منتقدي ميل قسوة. على الرغم من تأثير كارلايل عليه ، لم يكن راديكاليًا ، بل كان ليبراليًا كلاسيكيًا. تصف جوليا ستابلتون أفكاره بأنها ذات صلة بأفكار بيرك، في دفاعها عن المؤسسات التقليدية ضد الهجوم الراديكالي  (Stapleton, 1998). ومع ذلك ، فإن كتابه “الحرية والمساواة والأخوة” (1873) مدين لهوبز وكتابه ليفياثان، ولا يعد المحتوى الفكري لكتاب جيمس ستيفن محتوى محافظ حقيقي (Townshend 1993). لكن كان لديه تبجيل للمؤسسات القائمة أكثر من ميل وأتباعه، واعتبر الحياة الأخلاقية ثابتة نسبيًا. كانت اعتراضاته على ميل أبوية، ومثل المحافظين، كان متشائمًا فيما يتعلق بالطبيعة البشرية.

2.5       تقاليد أمريكا الشمالية

أُسس الفلسفة المحافظة ليست الدفاع عن النبلاء والملكية والكنيسة، لذلك فإن وجود هذه الفلسفة المحافظة  في أمريكا ممكن، والدليل أن الولايات المتحدة تفتقر إلى هذه الأسس. ويُقال إنه نظرًا لتأسيس أمريكا  كجمهورية دستورية، فقد حددت الليبرالية السياسية ثقافتها، وأنعكس هذا على الالتزامات الأساسية للمحافظة الأمريكية (Hartz 1955). وهكذا يجادل جراي بأن الفكر اليميني في الولايات المتحدة يكاد يكون محصورًا في المحافظين الجدد والليبراليين ، مع الغياب الفعلي لأي شيء يمكن مقارنته بـ المحافظة الأوروبية.

فالفكر المحافظ للولايات المتحدة هو مجرد اختلاف لوجهات نظر عن الموضوعات الليبرالية الكلاسيكية المتمثلة في الحكومة المحدودة والفردية والتقدم الاقتصادي [مما يعكس] سيطرة شبه كاملة للموضوعات الفردية والعالمية والتنويرية في الثقافة الفكرية الأمريكية. (Gray 2010: 166)

يُزعم أن جيمس ماديسون James Madison,، أحد مؤلفي ورقة الفيديراليست The Federalist (1788) ، وأحد أوائل المحافظين الأمريكيين ؛ إلى جانب ألكسندر هاميلتون وجون آدامز وجون كالهون، أنه ربما يكون عدم وجود مفكرين محافظين على خطى إدموند بيرك في امريكا الشمالية صحيحًا، ولم يكن المحافظين الأمريكيين على درجة من العمق مثل: كوليريدج وأوكشوت، لكن كان هناك مفكرون بارزين انتموا لليمين الراديكالي أو البطولي، متبعين خطى كارل شميت وليو شتراوس وهايك، وجميعهم تحت مظلة نيتشه – كما وجد أيضًا اليمين الليبرتاري مثل: نوزيك، كما وجد “محافظون براغماتيون” أمثال فاناتا هولمز وديوي، وهؤلاء المفكرين ليسوا محافظين متشككين مثل بيرك. (Skorupski 2015; on Burke’s influence in North America, see Deane 2012) لكن كانت لهم فلسفة نقطة انطلاقها السياسية كانت الخبرة والعادات والتقاليد. (Vannatta 2014).

2.6       المحافظة الحديثة

ينتمي هنري سيدجويك (1838-1900) بشكل قابل للجدل إلى صفوف المحافظين المعاصرين. وهو مِن مَن رفضوا الراديكالية الإصلاحية النفعية لسابقيه:

عندما يتم أخذ جميع الحقائق ذات الصلة في الاعتبار، فإنه نادرًا ما يكون من الصواب على أسس نفعية أن يخالف النفعي علانية أو يوصي الآخرين بخرق قواعد الأخلاق المقبولة عمومًا في مجتمعه. (Broad 1930: 157; see also Collini 1992)

يوُصِف موقف سيدجويك على أنه مذهب نفعي “نما بشكل أنيق ومروَّض”، حيث يستخدم مبادئ بنثام لتبرير مبادئ بيرك  (Boucher and Vincent 2012: 30). يعرض كتاب سيدجويك Elements of Politics (1891) اتجاهًا فكريًا ومحافظًا سياسيًا، ولا سيما رفضه لمقاربات التطور الاجتماعي التي كانت شائعة آنذاك. كما يجادل كوليني، على الرغم من تعاطفه مع الاشتراكية، إلا أنه انجذب إلى مجموعة متنوعة من النزعة المحافظة – إلى حد ما ربما كما فعل روسكين وويليام موريس (Collini 1992; see also Kloppenberg 1992). يلاحظ إف إتش هايوارد ذلك بسخط ويصر أنه

لا يجب تصنيف سيدجويك على أنه هذا أو ذاك … لأنه من الصعب للغاية تصنيفه بشكل مُطلق. (Hayward in Schultz ed. 1992: 5)

“ما يتوقعه الناس بمرورالوقت؟” من القضايا المهمة التي تربط بين النزعة المحافظة لدى هيوم وبيرك وسيدجويك. لنفترض أن المرء يرى أن العدالة تتطلب X، والناس أعتمدوا على لزمن طويل أن خطط حياتهم تفترض أن Y هي كيفية تسير الأمور، وهي أمر لا يتوافق مع X، فإذا حاول المرء أن يجعل المجتمع أكثر عدلاً من خلال منع الناس من فعل Y ، فهذا بحد ذاته عمل غير عادل. ومن هنا ما أسماه فينبرغ مفارقة سيدجويك للعدالة المحافظة (Sidgwick 2011: III.5). يكتب فينبرغ ، بقدر ما تحيد مؤسساتنا عن مبادئ راولز الأساسية للعدالة ، فمن واجبنا ، كما يقول ، العمل من أجل إصلاحها. لكن في عالمنا الفعلي غير الكامل من المحتمل أن يكون

كل إصلاح لممارسة أو مؤسسة غير كاملة غير عادل بالنسبة لشخص ما. تغيير القواعد في منتصف اللعبة ، حتى عندما لم تكن تلك القواعد عادلة تمامًا ، ستخيب الآمال الصادقة لأولئك الذين كانت التزاماتهم وخطط حياتهم السابقة تقوم على القواعد القديمة. تعتمد ملاءمة تغيير القواعد في حالة معينة على (من بين أمور أخرى) درجة عدم عدالة القواعد القديمة ومدى ودرجة الاعتماد عليها. يجب أن نزن المطالبات المتعارضة المشروعة تمامًا ضد بعضنا البعض خصوصًا أن: “أيًا كان الحكم الذي يتم التوصل إليه سيكون غير عادل لشخص أو آخر” (Feinberg 1973: 268).

يعترف راولز بأن التوازن الحدسي أمر لا مفر منه في التعامل مع مشاكل النظرية غير المثالية ، لكن فاينبرغ يجد في عمله القليل من الاعتراف بآثار مفارقة سيدجويك.

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان مايكل أوكشوت Michael Oakeshott (1901-190) من دعاة التقليد المثالي، وتمتع بفترة شهرة في الفلسفة الناطقة باللغة الإنجليزية. لقد تم اعتباره ليبراليًا (Franco 2004) ، بينما اعتبره الآخرون مُنشق عنها (Anderson 1992: 7). لكن أوكشوت يعتبر عمومًا أهم محافظي العصر الحديث. هدفه الرئيسي هو ما يسميه “العقلانية” ، وهو موقف يتقاسمه الليبراليون والاشتراكيون ، ويهدف إلى تحقيق الغايات التي يحددها المخطط:

لن يكون للمحافظ أي علاقة بالابتكارات المصممة لتلبية المواقف الافتراضية فقط ؛ سوف تؤجل تعديل القواعد حتى يتضح أن تغيير الظروف المصممة للبقاء قد حان قلبها. سيكون هذا مرتابًا من الحكام الذين يطالبون بسلطات غير عادية من أجل إجراء تغييرات كبيرة وأقوالهم مرتبطة بعموميات مثل “الصالح العام” أو “العدالة الاجتماعية”. (Oakeshott 1991: 127)

في معارضة التخطيط العقلاني ، يجادل أوكشوت بأن التصرف المحافظ ليس “مرتبطًا بأي معتقدات معينة … حول العالم بشكل عام أو حول الحالة الإنسانية” ، ولا “بالصواب والخطأ الأخلاقيين ، فهو غير مصمم لجعل الرجال صالحين أو حتى أفضل … “(Ashford 1990: 43). وهو يتبع منطق التشاؤم المحافظ ، مفضلاً “الألفة على الكمال ، والمجرّب على غير المجرب ، والفعلي على الممكن” ؛ فـ “الاستقرار أكثر ربحية من التغيير … الخطأ المتفق عليه أفضل من الحقيقة المثيرة للجدل” (Oakeshott 1991: 169-170). لقد قارن بين دولة لديها اقتصاد ، مع الدولة التي تم تقليصها فعليًا إلى اقتصاد ، وتحسر على هيمنة السياسة من خلال السعي لتحقيق النمو الاقتصادي على حساب خلق حياة أفضل.

هذه أفكار تعود لبيرك مباشرة، كما يقول جراي:

بالنسبة لأوكشوت ، فإن المعرفة البشرية ليست أم الممارسة، ولكن فقط ابنة ربيبها. قشرة من [الممارسات] التي ورثناها. عندما ننظّر ممارساتنا، فإننا نميز التماسك داخلها، ولا نفترض بلا مجموعة من المبادئ المجردة. (Gray 2007, Other Internet Resources)

يهتم أوكشوت في كتابه مقالات العقلانية في السياسة (1991) بكيفية عمل المفهوم العقلاني للمعرفة على حساب الممارسة. هذا المفهوم للمعرفة ينص على أنه يمكن التعبير عن كامل المعرفة الحقيقية من خلال مصطلحات افتراضية ، في نظام نظري ، أو مجموعة من القواعد أو المبادئ. يعتقد أوكشوت أنه في العالم الحديث ، اخترقت العقلانية الأداتية الناتجة مجالات غير مناسبة مثل القانون والتعليم والفنون – وبالتالي فإن فكره يوازي بشكل مثير للاهتمام فكر المنظرين النقديين مثل أدورنو وهايدغر أيضًا. يؤكد أوكشوت أن التفكير بطريقة النهاية فيما يتعلق بالدولة غير مناسب بشكل خاص ، حيث لا خيار أمامنا سوى الانتماء إليها. في إشارة مهمة ، يعتبر أوكشوت السياسة “فنًا” وليس “علمًا”:

السياسة ليست علم إنشاء مجتمع حصين بشكل دائم ، إنها فن معرفة إلى أين نذهب بعد ذلك؟ نوع تقليدي من إستكشاف مجتمع موجود سلفًا. (“The Political Economy of Freedom”, in Oakeshott 1991: 406)

فهو يعتقد أن “المثالية” و “العقلانية” تميل إلى أن تكون “طوباوية” ، وبالتالي تتطلب التشابه والتوافق، وتنكر الفردية والأصالة ؛ إنهما (أي المثالية والعقلانية) لا يدركا أن أعضاء المجتمع يرغبون في غايات مختلفة. يهاجم أوكشوت “الأسلوب الإيديولوجي للسياسة”، الذي يتبع “فكرة مجردة” عمياء عن الترتيبات الفعلية للمجتمع و “إيحاءاتهما” الأخلاقية والعاطفية – “الرجال المتسرعون” الذين يرغبون في التخطيط والتعبئة. يعتقد أن الأيديولوجيين يجعلون كل شيء سياسيًا ، لكن السياسة ليست سوى جزء من حياة الإنسان.

بالنسبة لأوكشوت، تعتبر الجمعيات المدنية أساسية للديمقراطيات الحديثة والحرة، ويعارض الدولة التدخلية الحديثة. على النقيض من ذلك، يتم تحديد اتحادات الشركات من خلال هدف مشترك؛ المجتمع ليس منهم. ويعكس هذا التمييز تمييزًا آخر بين “المثقف” – التعبير عن “العقلانية” في السياسة – و “العملي”.

السياسة، بالنسبة لأوكشوت، تنتمي إلى نمط الممارسة، إلى جانب الدين والأخلاق؛ الوضعان الآخران هما العلم والتاريخ. انتقد أوكشوت أيضًا “التجريبيين” ، الذين يزعمون أنهم براجماتيون ، ويرفضون التقاليد لصالح مجرد رد فعل على الأحداث، بالإضافة إلى مهاجمة “العقلانيين”، الذين لديهم خطة عقلانية ويؤمنون بالحقوق المجردة. نرى مرة أخرى أن النزعة المحافظة ، على الرغم من وجهة النظر العملية تناشد التجربة، لا تعتمد على التجريبية الفلسفية.

أوكشوت هو أحد المتشككين التابعين لفكر بيرك، الذين تتعلق السياسة بالنسبة لهم بتطوير طرق للعيش في ضوء التاريخ والتقاليد، وليس مدفوعًا بأهداف خارجية عالمية مثل المساواة أو القضاء على الفقر:

في النشاط السياسي يبحر الرجال في بحر لا حدود له ولا قاع، لا يوجد ميناء للمأوى ولا أرضية للرسو، ولا نقطة انطلاق ولا وجهة معينة. المشروع هو أن تبقى واقف على قدميك  (1991: 127)

تم الحديث عن صورة البحر التخيلية للمجال السياسي بواسطة نيورات، ولكن يتم العثور عليها في الفكر المحافظ –نسبيًا- شيللر، الذي أشارت رسائله حول التربية الجمالية للإنسان (1990 [1794]) إلى “ساعة” المجتمع التي لا يمكن إيقافها للإصلاح:

عندما يضطر الساعاتي إلى إصلاح ساعة، فإنه يترك البطاريات تنفد، ولكن يجب إصلاح تروس ساعة الدولة أثناء عملها، ويجب استبدال ترس بأخر أثناء دورانه. (Aesthetic Education, Letter 3)

لا يعتقد المحافظون أنه يمكن إعطاء أي مسؤلية عامة للحكومة، بخلاف “الحفاظ على المؤسسات واقفة على قدميها”. ليس هذا هو الغرض الموضوعي لاتحاد عمالي أو مؤسسة حكومية؛ بدلاً من ذلك، فإن “البقاء على قدميك” هو القاسم المشترك، أو الهدف الذي يميز الجمعيات المدنية. بقاء المؤسسات، كما كتب جراهام، هو “الغرض الوحيد [لدى المحافظين] المستعدين لقبوله رغم كونه غامض للغاية لتحديد أي نشاط فعلي” (1986: 185)؛ لكن يستندوا للسياق التاريخي المحدد لمعايير الحكومة الناجحة.

يجادل أوكشوت بأن المحافظة ليست عقيدة أو ديانة، ولكنها نزعة للاستمتاع بالحاضر (في أن تكون محافظًا) – جزء من الطبيعة البشرية، وليست فكرة سياسية مجردة أو مثالية، ناهيك عن أيديولوجية. على الرغم من أنه كان فيلسوفًا وليس منظِّرًا سياسيًا ، إلا أن أوكشوت ينفي أنه فيلسوف محافظ. الفلسفة نظرية، “أم النظريات”، بينما المحافظة عملية (Minogue 2009). ومع ذلك، يضيف غامبل، فإن هذا التصرف يكتسب جوهرًا من ارتباطه بأساليب الحياة والتقاليد الوطنية:

بالنسبة لأوكشوت، فإن الماضي الذي يتم تصوره بهذه الطريقة هو متحرر بشكل مكثف لأنه مستودع لثروة من المعرفة العملية، وهو أمر ضروري لعيش الحياة الجيدة. (Gamble 2012: 163)

لكن أوكشوت يشدد على أنه يجب على المرء، من خلال التعليم من تاريخه، أن “يتحرر” من التزام العبيد بتقاليد المرء، مضيفًا إليه، ومُثريًا ومُتعلمًا الحديث. بالنسبة له، هذا هو نموذج التعليم.

في عمله الأخير، تطورت مبررات أوكشوت كمحافظ في اتجاه ليبرالي (Franco 2004). ، فإن كتاب “على أن تكون محافظًا” يشير إلى نزعة الإنسان نحو الفردية. في حين أن التشكك في العقلانية في السياسة يهدف إلى حماية التقاليد. في موقف يذكرنا بستيوارت ميل، جادل أوكشوت تجريبيًا أن الناس يريدون متابعة خطط حياتهم الخاصة ، ولهذا السبب يجب أن يوفر الحكم “قواعد عامة للسلوك” وليس “خططًا لفرض نشاط موضوعي” (1991: 424). على عكس العديد من الليبراليين (غير التابعين لستيوارت ميل) ، فإن أوكشوت لا يربط مطلبه الخاص بالحكومة المحدودة على نظرية مجردة للطبيعة البشرية وحقوق مجردة.

ومن بين المفكرين المحافظين البارزين الآخرين في القرن العشرين المؤرخ موريس كولينج والفيلسوف أنتوني كوينتون. وربما كان الرائد بينهم هو المفكر المحافظ هو روجر سكروتن ، الذي أسس المحافظة على ثلاثة مفاهيم: السلطة والولاء والتقاليد (Scruton 1980: 27).

يرفض سكروتن تعاقدية ما بعد هوبز، التي تفترض الشراكة بين المؤسسات ومفهوم الحرية الإنسانية الذي لا يمكن أن تكون مصدرها عقد اجتماعي يعمل على تحقيقها . (1980: 30)

يقارن سكروتون التعاقدية للمجتمع بـ

“سلوك الأطفال تجاه والديهم … رباط “متسامي” [و] خارج مجال الاختيار الفردي” . (1980: 32)

ومن هنا جاء مفهوم الهيكلة المحافظة للتقاليد، واحترامها للمؤسسات التاريخية غير الحكومية ، “كتائب بيرك الصغيرة” في المجتمع المدني، بما في ذلك الأسرة والمجتمع والكنيسة. وصف سكروتون كتابه معنى المحافظة بأنه “دفاع هيغلي إلى حد ما عن قيم المحافظين في مواجهة خونة دعاة السوق الحرة”. مُحافظة سكروتن هيغلية إلى حد ما فقط، لأن التاريخ بالنسبة للمحافظين التابعين لخط بيرك يفتقروا إلى الاتجاه الأخلاقي أو الروحي الذي أدركه هيجل؛ فلا يوجد تقدم أخلاقي أو روحي، ولا يفكر الناس بشكل جماعي نحو هدف مشترك إلا أثناء أزمة مثل الحرب.

 

3.   نقد فلسفة المُحافظين

3.1 ما التقليد؟ الفلسفة الجماعانية

كما رأينا، لدى المحافظين آراء متضاربة تجاه السلطة الراسخة التي تنشأ مع الثورة. لطالما رفض المحافظون غير النسبيون النظام السوفييتي، بغض النظر عن طول فترة بقائه، كما رفضوا الشيوعية الصينية. إن هذه التقاليد في السلطة لا تعتبر في نظر المحافظين تقاليد المؤسسات طويلة الأمد والمتطورة عضوياً مثل القانون العام الإنجليزي. لذا في المقابل، قد يقبل المحافظون النسبيون هذه الأنظمة، إذا استمرت لفترة كافية. وهكذا يشير أوكشوت في كتابه “العقلانية في السياسة” إلى أن التقليد الروسي المتمثل في الاستبداد، والذي كرسته الثورة البلشفية. إنه ليس تقليدًا “جيدًا” أو “سيئًا”، ولكنه التقليد الوحيد الذي تعرفه روسيا. من وجهة نظره، يبدو أن التقاليد لا مفر منها، والمجتمعات لديها أطر لا تتجاوزها غالبًا.

يجادل جوردون جراهام بأن المحافظين لا يستطيعون “رفض” الأنظمة الثورية باستمرار. أيديولوجيتهم “[لا يمكن] أن تجنب التواطؤ مع الشر”، بل يمكن لهم أن يوصوا بالثورة فقط عندما تكون الظروف جيدة بشكل معقول، وربما بشكل غير إعتيادي:

“الفلسفة المحافظة الحقيقية هي عقيدة إنجليزية لا تحظى إلا بقدر ضئيل من الجاذبية في البلدان الأخرى لإعتمادها على اللغة الإنجليزية فقط، والمؤسسات البريطانية كانت دائمًا لائقة بما يكفي للسماح للشخص بأن يكون محافظًا.” (Graham 1986: 188–9)

استنتاج جراهام، أن الدولة ليست “أداة خلاص”، وأنه لا ينبغي أن يكون لدينا “توقعات عالية جدًا للسياسة”، هو – على الرغم مما يقترحه – في حد ذاته وجهة نظر محافظة (1986: 189). ومع ذلك، فإن الرد المحافظ على الشمولية هو تشاؤم هادئ – وليس “تواطؤًا مع الشر”، ولكن “واقعية” في مواجهته. كما دعم المحافظون أمثال بيرك ثورة 1688، لذلك وجب عليهم دعم الانتفاضات اللاعنفية لعام 1989.

أساء فلاسفة الجماعانية المعاصرون، ألسدير ماكنتاير و مايكل ساندل فهم المحافظين عندما أدانوا الفردية الليبرالية لتخليها عن فكرة التقاليد لبيرك، والتي يكون مفهومهم عنها “ثابتًا” عندما ينبغي أن تكون كذلك

التقاليد الحية [باعتبارها] حجة ممتدة تاريخيًا ومتجسدة اجتماعياً … جزئياً تصبح سلع تشكل تقليدًا. (MacIntyre, 2007: 222)

بالنسبة لماكنتاير، نجد معنى لحياتنا من خلال ما يسميه “الروايات” التقليدية؛ أنماط التفكير التي تساعدنا على التفكير وإصدار الأحكام الأخلاقية، لذا فنحن لسنا أحرارًا في التفكير أو التصرف كما يعتقد الكوزموبوليتانيون الليبراليون (2007: 205). ينتقد فلاسفة الجماعانية مثل ماكنتاير المفكرين المعاصرين “باستثناء نيومان في علم اللاهوت ، وربما كوليريدج الذي أثر عليه” لفشلهم في تطوير نظرية عقلانية للتقاليد. (لقد رأينا أن بيرك اعتبر التقليد والعقل الفردي مبادئ متناقضة، ولكن ربما أيد فكرة العقل الجمعي (Beveridge and Turnbull 1997).

“هذا فهم خاطئ للمحافظة”، هكذا قد يرد المحافظون بأن مفهوم بيرك للتقاليد ليس ثابتًا، ويؤكدون على أهمية التغيير التدريجي؛ لكن، مايكل أوكيشوت مثل ماكنتاير لديه تساؤلات حول التقاليد. علاوة على ذلك، فإن المعارضة الجماعانية للقيم الليبرالية محدودة، ولا تمتد إلى الدعوة إلى التعصب الديني أو التجانس المنظم أو السلطة الأبوية (Taylor 1977 ؛ Waldron 1992) – على الرغم من أن معادة الفلسفة المحافظة الي خطها بيرك للمنهج الليبرالي لا تفعل ذلك أيضًا. لكن، يمكن الإشارة إلى أن التقليد المحافظ أقدم وأكثر جوهرية من الجماعانية، فإن النقاش الليبرالي المحافظ هو أكثر جوهرية من النقاش الليبرالي الجماعاني.

(الفلسفة الجماعانية هي خليط مِن الليبرالية و المحافظة – Skorupski 2015, on “liberal) communitarianism). (هناك فكرة آخرى تشير إلى أن الطرق التقليدية قد لا تسفر دائمًا عن استجابات أكثر عملية (Scott 1998: 331).

 

3.2 النقد الليبرالي    

وجد الليبراليون مخاوف بيرك بشأن الثورة الفرنسية مُبالغ بها، لكنهم أعترفوا بشعورهم ببداية عصر الإرهاب، واتخذوا وجهة نظر مختلفة عندما واجهوا ثورة أكتوبر 1917 البلشفية، التي اعتبرها الماركسيون استكمالًا لسابقتها “البرجوازية”. وهكذا يرى المؤرخ المحافظ ريتشارد بايبس أن الإرهاب الفرنسي كان “تيارًا معاكسًا مجازيًا” ، في حين أن الإرهاب الأحمر كان “عنصرًا أساسيًا من عناصر النظام”. (Pipes 1990: 789).

ينتقد المحافظون الليبرالية “النووية” لمعاملة المجتمع على أنه مجرد مجموعة من الأفراد كاملي الأهلية، المتعاونين معًا، والمتمسكين بمعايير عقلانية وقوانين مجردة بدلاً من اكتساب هويتهم من خلال مجتمع عضوي؛ يعترض المحافظون، مثلهم مثل الشيوعيين، على أولوية الحقوق المجردة. يجيب الليبراليون بأن “النووية” تشير ببساطة إلى الاقتناع بأنه على الرغم من أن الناس يعيشون في المجتمع ، فإن الأفراد ، كما كتب راولز ، “مصادر ذاتية للتحقق من الادعاءات الصحيحة” ، ادعاءات لا تتطلب المصادقة من قبل الهياكل الاجتماعية الأكبر. (ليبرالية ميل أقل عرضة للتهمة المحافظة بالعقلانية). كما يقول غامبل،

يرفض أوكشوت الادعاءات العالمية لليبرالية، لأنه مهتم فقط بالادعاءات القائمة على التجربة السياسية الإنجليزية.

فالمواثيق الأمريكية العظيمة في أواخر القرن الثامن عشر، بالنسبة له،

اختصارات للتجربة السياسية البريطانية، مكتوبة في وثيقة أبدية. (Gamble 2012: 161)

يبدو أن بينثام وبيرك – في بعض الآراء – يتصوران الحقوق قانونية فقط، ولكن إذا كان بإمكان المرء فهم الالتزام الأخلاقي، فيمكنه فهم الحقوق المجردة.

 

3.3 نقد اليسار

بالنسبة للعديد من النقاد اليساريين، فإن المحافظة هي “أنانية منظمة”. (Honderich 2005: 302). يجادل مينوغ بأن:

“المحافظ يتمتع بموارد ثقافته ولا يتململ أبدًا بشأن التغييرات الكبيرة التي تعد بحياة أفضل (2009)؛

يشير النقد الاشتراكي بأنه لا يمكن القول إن من يعانون من الفقر “يتمتعون” بالعديد من الموارد على الإطلاق، وبالتالي فإن أي تطلعات لديهم لتغييرات كبيرة لا يمكن أن تكون “تململ”. وتتم الإشارة إلى أن وصف أوكشوت المحافظة على أنها “نزعة” للاستمتاع بالحاضر، هل يشمل عمال مصانع مانشستر في أربعينيات القرن التاسع عشر، أو سكان الأحياء الفقيرة في مومباي المعاصرة أو مكسيكو سيتي، الذين لا يجدوا الكثير للاستمتاع به.

يعلق O’Hear (1998) ، فإن أولئك الذين يرون أن المجتمع مليء بالعيوب، ويلقون هذا أن المحافظة ترفض التغيير؛ وما هي إلا فلسفة تركيز على الجهل البشري والحكمة التقليدية هو تهرب من مسؤوليتاتهم في أحسن الأحوال.

بينما يشير الاشتراكيون إلى أن الوضع الراهن هو في حد ذاته نتاج تصميم، وهذا في الواقع وجهة نظر كانط:

يخبرنا سياسيونا يجب على المرء أن يتعامل مه الناس كما هم، وليس كما يتخيل الأطفال غير المطلعين في العالم أو الحالمين الطيبين أن يكون الناس. ولكن يجب أن نقرأ كيف تعاملنا مع الناس بالإكراه الجائر، من خلال مخططات غادرة وضعتها الحكومة لتنفيذها بشكل جيد. (Kant 1792)

بالنسبة إلى نيمان،

كثيرًا من تجربتنا، غالبًا ما يتم بناؤها عن عمد، من أجل إدامة نظام اجتماعي يفيد الأشخاص الذين يقولون إنه أمر لا مفر منه. (Neiman 2011: 148–9)

يعلق نيمان أيضًا قائلاً: “لقد أصبحت حقوق الإنسان ترشدنا أكثر بكثير مما يمكن أن يتخيله [بيرك]” (Neiman 2011: 148).

يرفض الماركسيون استنتاج بيرك بأنه بما أن جميع العمليات والمؤسسات الاجتماعية مترابطة، يجب أن يكون التغيير حذرًا. استنتجوا بدلاً من ذلك أنه لتغيير أي شيء، يجب على المرء تغيير كل شيء. بالنسبة لماركس في كتابه الثامن عشر من برومير The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte، فإن التقليد جدّ ثقيل:

يصنع الرجال تاريخهم بأنفسهم ، لكن [ليس] في ظل ظروف يختارونها بأنفسهم. تقاليد جميع الأجيال الميتة كابوس على أدمغة الأحياء. (Marx 1852: 15)

لكن الكتاب اليساريين وجدوا قيمة في بعض الأفكار المحافظة. يبدأ كتاب “الثقافة والمجتمع” Culture and Society لريموند ويليامز (1971) بعرض الدروس التي يقدمها بيرك. وبينما يرفض استنتاجه بأن التغيير لا يمكن إلا أن يكون جزئياً، فإن العديد من اليساريين يشتركون في عدم ثقة المحافظين في التخطيط العقلاني. بينما كان لينين يهدف إلى فرض مخطط اشتراكي من خلال حزب طليعي من المتخصصين، رأى منتقدوه الماركسيون لوكسمبورغ وكولونتاي أن المهام الثورية غير متوقعة مسبقًا:

بالنظر إلى عدم اليقين في المسعى ، فإن مجموعة من التجارب والمبادرات ستكشف أفضل خطط الهجوم التي تكون مثمرة … [وتنتج] طبقة عاملة مبدعة وواعية … لتمكنها. (Scott 1998: 187–9)

من وجهة النظر هذه، لا يحتاج التغيير الجذري إلى مخطط ثابت. (G.A. Cohen is another Marxist writer who finds value in conservative ideas, as we see in section 4. below.)

 

3.4 التماسك لمنطقية الشك الاصطفائي (particularist scepticism)

داخل التيار المحافظ الحديث، يفترض اللورد سيسيل ما يسميه المحافظة الفطرية: خاصية نفسية موجودة في جميع الناس إلى حد ما (Cecil 1912).  بالنسبة لـ” تشارلي دانبار برود”، للمُحافظة وجهان:

الجانب الأكثر جدارة [الشك العقلاني] وهو أن المشكلات الاجتماعية معقدة للغاية لدرجة أنه يوجد دائمًا احتمال قوي بأن يتم التغاضي عن بعض العوامل في أي مخطط للتغيير … والجانب الأقل احترامًا [القصور الذاتي العقلي] هو كراهية الحداثة.

يكمل ويقول:

يشتمل الشك العقلاني، على دافع لرفض أي مخطط يعرض إزالة الشرور المعترف بها، خصوصًا القائم على صعيد الاحتمال. حيث أن الشؤون الاجتماعية معقدة للغاية لدرجة أنه من غير المحتمل دائمًا أن تكون جميع تأثيرات تغيير اجتماعي معين قد تم توقعها. لكن يجب أن يكون لدينا بعض الأسباب للحكم بشكل أكبر على أن الآثار غير المتوقعة التي من المرجح أن تكون سيئة أكثر من كونها جيدة. لذا لا يمكن لهذا الحكم أن يعتمد على الطبيعة المعروفة لتأثيرات هذا الإجراء المعين [ولكن فقط] على بعض الافتراضات العامة. (Broad 1913: 397)

يشير تشارلي إلى حقيقة أن كل وجهة نظر فلسفية يجب أن تواجه مشكلة وهي كيفية التعامل مع ادعاءاتها المحددة، في ضوء فروضها الخاصة. وقد تتضمن الأمثلة: هل كانت الماركسية بحد ذاتها مشروطة بالتاريخ؟، وما إذا كان مبدأ التحقق في الوضعية المنطقية يمكن التحقق منه بحد ذاته؟. لذا يُعلن المحافظون أنه لا توجد وصفات سحرية عامة، ولكن يجب أن تُعالج كل حالة طبقًا لطريقة الخاصة بها.

تبدو النزعة المحافظة متشائمة بشكل مفرط بشأن إمكانية المعرفة الفردية والمطلقة للمجتمع. هناك بعض الأشياء عن المجتمع التي يمكننا التعرف عليها – مثل: السياسة، والاقتصاد، والحكومة، وهي واضحة بما يكفي لإكتشافها بالأساس. وعلى أساس الإدراك والتعرف والتحديد يقر المحافظون بأن التغيير الجذري مقبول في بعض الأحيان، بل ويجب إجراء تغييرات رئيسية ولكن بعد الإستعداد لها جيدًا مثل تصويت المرأة، تم بسهولة نسبيًا في بريطانيا عام 1918، مقارنة، على سبيل المثال، بعام 1832. فالإستعداد للتغيير يجعله أقل راديكالية، وهذا ما يُصر عليه المحافظون، ولهذا ينظروا دائمًا أن التغيير الثوري غير مقبول لتكلفته الباهظة.

 

4.   المحافظة الثقافية والتحفظ

منذ ظهور سياسات البيئة، والحركات السياسية الخضراء -ذات طابع ثوري أو راديكالي أحيانًا- ، كان هناك محافظون داعمين للحفاظ على البيئة. ويجادل سكروتن بأن المحافظة والحفظ هما جانبان من جوانب سياسة واحدة لتنمية الموارد، بما في ذلك رأس المال الاجتماعي المتجسد في القوانين والعادات والمؤسسات، ورأس المال المادي للبيئة. (Scruton 2007). يوجد تشابه بين هذين النقيضين: الحفاظ على الثقافة ضد الحداثة، و المحافظة ضد اليعقوبية الثورية (Cohen 2007, Other Internet Resources). في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال ، تم هدم المباني التي دمرتها القنابل رغم كونها كانت قابلة للترميم لإفساح المجال لمخططات الحداثة التي تم الإكتشاف لاحقًا أنها رديئة ورخيصة. وبالمثل، في قارة أوروبا، حاول البعض أن يجعل من العام 1945 هو “العام صفر – هو تشبيه للسنة الأولى من التقويم الثوري الفرنسي. خلال الثورة الفرنسية ، بعد إلغاء الملكية الفرنسية” والبدء مِن جديد رافضين كل الماضي. سينتقد المحافظون كلا التطورين.

كان الشاعر الحداثي الرائد تي. إس إليوت T.S. Eliot (1888–1965) مفكرًا محافظًا مهمًا، ولذلك له موقع بين هذا التناقض حيث جادل في مقالته “التقليد والموهبة الفردية” (1919) بأن الأصالة الحقيقية ممكنة فقط ضمن التقليد ، وهو وجود حي في العالم الحديث ، وليس بقايا المتاحف (Eliot 1919; see Hamilton 2009).

تساعد فكرة إليوت عن التقليد الفني والمفهوم المرتبط بالكلاسيكية الحية في توضيح المفهوم المحافظ للتقاليد الحية – الكلاسيكية وهي شيء صمد أمام اختبار الزمن، وهي موضوع مرجعي وتتم الإشارة له بإستمرار. فهناك “كلاسيكيات ميتة” أو “تقاليد ميتة” – فنون أداء جامدة مثل الترانيم الغريغورية، التي أنتهت بحلول عصر النهضة. في المقابل، فإن المرجع الكلاسيكي لموسيقى الفن الغربي، تطورت من القرن الثامن عشر إلى الوقت الحاضر، ومازالت مرنة ومسارات تطورها مفتوحة. أي أن مفهوم المُحافظين عن التقاليد الحية يعمل عندما تكون الظروف مواتية – كوجود حي في الثقافة المعاصرة. وعلى المستوى الجمالي الأقل تعقيدًا، فإن البدلة الرسمية مازالت ملابس كلاسيكية حية.

هذه القضايا الثقافية مركزية بالنسبة لجيرالد كوهين الذي عمل على المحافظة في المجالات السياسية والثقافية. ودافع كوهين عن حقيقة في الاتجاه المحافظ التابع لبيرك كونه يتوافق مع الليبرالية والاشتراكية. وهو أننا يجب أن نقبل بعض الأشياء على النحو المعطى:

[الادعاء العقلاني] بأنه يمكن، أو ينبغي، تشكيل كل شيء وفقًا لأهدافنا ومتطلباتنا ينتهك القيمة الجوهرية ويتعارض مع متطلباتنا الروحية . (2007: 9)

بهذا المعنى ، فإن الجميع مُحافظون إلى حد ما – على سبيل المثال، إذا كانوا يفضلون أن يكون لديهم نقود في جيوبهم بدلاً من التحول إلى الدفع غير النقدي. وهكذا فإن اشتراكية ويليام موريس مُحافظة في رفض ما يفعله المخططون والمطورون للبيئة التي يحبها المرء؛ ويُزعم أن روبرت كونكويست علق قائلاً: “كل شخص مُحافظ بشأن ما يعرفه جيدًا” (quoted in Kates 2014).

نشأت فكرة الحفظ في العصر الفيكتوري. كانت جمعية كامدن ، في بدايات كامبريدج الفيكتورية ، مهتمة بالبناء “الصحيح” والبنيء للكنائس القوطية والمباني العامة الأخرى وترميمها. في وقت لاحق من القرن التاسع عشر ، قدمت حملة ويليام موريس “لمقاومة الحداثة – ضد الهدم” فكرة أن المباني الجيدة ذات التواريخ المختلفة تكمل بعضها البعض ويجب الاعتزاز بها. جادل موريس بأنه يجب علينا أن نسعد بتاريخ المباني العامة القديمة ، وألا نسعى إلى إعادتها إلى حالة بدائية من الكمال.

موقف موريس متحفظ بمعنى كوهين. بالنسبة لكوهين ، يهدف المحافظون إلى الحفاظ على أشياء ذات قيمة معينة ، بدلاً من تعظيم القيمة. هذا هو “الحفاظ على القيمة”، ولكن ليس على نمط نموذج “الحفاظ على الطاقة.”:

خصوصًا أنه يتم تديمر شيئًا ذا قيمة وإستبدله بشيء ليس من نفس القيمة. لا تتمثل سياسة المحافظة في الحفاظ على القيمة تزايد لهذه القيمة ولكن الحفاظ على الأشياء هو ما يساهم الآن في تعزيز قيمتها. (2007: 10, Other Internet Resources)

المحافظة بهذا المعنى تستبعد عواقبية تعظيم المنفعة:

على عكس المحافظ، فإن النفعي غير مبال بالحفاظ على شئ ذا قيمة يُمكن تسعيره الآن مثلًا بقيمة خمسة وحدات، عبر دفع عشر وحدات، مقابل تدمير هذا الشئ القيم الذي سعره خمس وحدات. (Cohen 2007: 15, Other Internet Resources)

يمكن اعتبار المحافظة بهذا المعنى سياسة مُكلفة إقتصاديًا، لأنها تضحي بالقيمة المادية، أي الأموال، للحفاظ على أشياء ذات قيمة تاريخية أو معنوية.

يجادل كوهين بأن هذا لا يعني أن المحافظين يرحبون بأشياء جديدة جيدة أقل مما يفعل غير المحافظين. يمكن للمرء أن يعجب بالأيقونات البيزنطية جزئيًا بسبب العصور القديمة ، ويعجب بفن العمارة لفرانك جيري جزئيًا بسبب حداثته. ومع ذلك ، يتابع كوهين ، يمكن للمحافظين اعتبار التحديث مفيدًا بشكل عام ، بينما يتأسفون على ما تم فقده – أي الإعجاب بمبنى جديد رائع ، ومع ذلك الحزن على ما تم استبداله. لذا يجادل كوهين بأن كُلا من السوق الاقتصادي وتخطيط الدولة العمراني معاديان للقيمة العاطفية أو الشخصية.

قد يقبل بعض المخططين أن وجود مبنى ما هو سبب للاحتفاظ به، لكنهم عادة ما يتطلبون اعتبارات أكثر عمومية – أي فائدة لهذا المبنى، أو رغبة الأغلبية في بقائه. والأغلبية ليس سبب كافي هذا للاحتفاظ به، يوضح كوهين.

يميل منطق السوق والتخطيط ضد حقيقة أن الناس يريدون أشياء قيمة معينة، وليس فقط إرضاء رغباتهم العامة. في هوس السوق هناك مناهض بشدة للمحافظة. إذا كنت تريد أن يكون كل شيء على أفضل وجه، فلن يكون هناك شيء جيد. بعض الأشياء يجب أن تكون ردئية، ليكن هناك أي شيء جيد. . (2012: 27)

كوهين يردد أصداء بيرك في تفسيره لرغبتنا في الحفاظ على أشياء معينة:

نحن مرتبطون بأشياء معينة لأننا نحتاج إلى الانتماء إلى شيء ما. نحن لا نحتفظ بالكاتدرائيات لمجرد أنها جميلة، ولكن أيضًا لأنها جزء من ماضينا. [نحن] نقدر ماضينا الخاص بالطريقة المحترمة التي تستحقها قيمة أي ثقافة سابقة، ولكن [أيضًا] بطريقة شخصية. نريد أن نكون جزءًا من “شراكة [بيرك] … شراكة بين الأحياء، والذين ماتوا ، وأولئك الذين سيولدون. (Cohen 2007: 28, Other Internet Resources)

يفترض كوهين هنا أن جميع الأطراف يتفقون على كيفية قياس “القيمة” وما يساهم بالتالي في التقييم. ولكن على الرغم من أن المحافظين النسبويين يقبلون التقييمات السائدة اجتماعيًا، ويقومون بمراجعتها بشكل مجزأ على أساس التناقض الداخلي أو عدم الواقعية، قد ينكر المحافظون غير النسبيون إمكانية تحديد القيمة على الإطلاق.

سيبدو نموذج كوهين المحافظ بشكل إيجابي على التطور العضوي الذي أظهرته المدن والمباني الإنجليزية في العصور الوسطى – ربما من قبل الكنائس بشكل خاص – والتي توازي النموذج العضوي للتطور السياسي. ويرفض هذا النموذج مفهوم المخطط الذي يتضمن منشئًا فرديًا. بدلاً من ذلك، تتطور المدينة أو المبنى – على ما يبدو بدون خطة، على مدى أجيال – وغالبًا بدون سياق أسلوبي. الكنيسة كمبنى – أو على النموذج المحافظ ، كمجتمع – تشبه الكائنات الحية، وعلى ما يبدو ليست نتاج عمل فردي مقصود، ولكنها تتطور بشكل طبيعي. ولم يتم بناء معظم الأبرشيات الإنجليزية التي تعود إلى العصور الوسطى وفقًا لتصميم واحد، ولكن تم تطويرها عن طريق التوارث؛ في العصور الوسطى لم تكن هناك مهنة مهندس معماري. تم إنتاج الخطط من قبل المنشئ الرئيسي ولكن هناك خلاف حول مقدار وجود مخطط متعمد وموحد تم رسمه قبل الإنشاء:

مبنى الكنيسة بطبيعته محافظ، وباستثناء التدخل الاستثنائي، يتغير ببطء شديد. تم إنشاء نسبة كبيرة من الكنائس بحلول أواخر القرن الثاني عشر على الأقل، وظهر العديد منها في كتاب ونشيستر لعام 1089 (كتاب يوم الحساب هو عبارة عن كتاب فيه أول مسح جغرافي للمدن والبلدات في إنجلترا.) وغالبًا ما تبقى من عناصر هذه المباني المبكرة هو المداخل أو قاعدة الأبراج، مما يدل على أن الأقواس المستديرة النموذجية والجدران الضخمة من أسلوب نورمان يمكن أن تشمل إضافات بمرور الوقت مثل نافذة أعيد بناؤها، أو خط معمودية جديد، أو تمثال قبر، أو مجموعة أكشاك خشبية منحوتة لرجال الدين، مما يدل على عصور مختلفة في الأسلوب ومختلفة من التقوى. (Stanbury and Raguin 2009, Other Internet Resources)

يربط سكروتن بين الفكر السياسي المحافظ ومناقشته للفضاء العام  (Scruton 1994).

يؤيد سكروتن الهندسة المعمارية كشكل فني عام، وعلى نطاق حضري، على طريقة الأطروحات حول السياقات الحضرية من عصر النهضة فصاعدًا، والتي تُخضع لأسلوب المبنى الفردي لخدمة الجميع. على عكس نماذج التخطيط الواعي التي تحقق هذا الخدمة.

يتصور سكروتن عملية مماثلة للترتيب الذاتي لسوق تنافسي مثالي. إنه يطبق استعارة آدم سميث عن اليد الخفية في ظهور النظام الحضري، رافضًا الرؤى الطوباوية الاجتماعية الثورية لفالتر غروبيوس أو شارل إدوار جانيريه-كري أو كما يُعرف لو كوربوزييه وغيرهم من الحداثيين. هؤلاء المعماريين يفصلون بشكل حاد بين العمارة والبناء “المجرد” بطريقة تتعارض مع أسلوب سكروتن العامي. يجادل سكروتن (1994) بأن منطقة في لندن مثل نورث كنسينغتون، حيث كان التخطيط بدائيًا في أحسن الأحوال، والتي بها القليل من “الأماكن العامة” بمعنى المخطط، هي “نموذج بشكل مثالي.”

هل المحافظة الثقافية أو الفنية بمعنى كوهين تحافظ على كل شيء في الماضي، أم فقط على ما هو جيد؟ بالنسبة للمحافظ غير النسبي، الذي يجادل بأنه الشكل الأكثر عمقًا للمحافظة، يجب أن يكون هناك بعض مِن معايير القيمة في الأشياء الماضية، والتي تتضمن جزئيًا مشاركتها في تقليد حي. ويعد تطوير مثل هذا المعيار والدفاع عنه أحد التحديات الرئيسية التي تواجه المفكرين المحافظين، في المجالين السياسي والثقافي. لذا لا يقل جدل النقاش في الهندسة المعمارية وعلم الجمال حِدة عن نظيره في المجال السياسي.


المراجع

  • Abel, C. (ed.), 2010, The Meanings of Michael Oakeshott’s Conservatism, Imprint Academic.
  • Alexander, J., 2013, “The Contradictions of Conservatism”, Government and Opposition, 48(4): 594–615.
  • Anderson, P., 1992, “The Intransigent Right at the End of the Century” in London Review of Books, 14(18): 7–11, also in Spectrum, London: Verso, 2005.
  • Appiah, K., 2001, “Liberalism, Individuality and Identity”, Critical Inquiry, 27(2): 305–332.
  • Arnold, M., 1993, Culture and Anarchy, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Archer, J.R., 1979, “Oakeshott on politics”, The Journal of Politics, 41(1): 150–168.
  • Ashford, N., 1990, “Michael Oakeshott and the Conservative Disposition”, The Intercollegiate Review, 25: 39–50.
  • Aughey, A., G. Jones, and W.T.M. Riches, 1992, The conservative tradition in Britain and the United States, London: Pinter.
  • Bayly, C., 2004, The Birth of the Modern World, 1780–1914: Global Connections and Comparisons, Oxford: Blackwell.
  • Beiser, F., 1992, Enlightenment, Revolution and Romanticism: The Genesis of Modern German Political Thought 1790–1800, Harvard: Harvard University Press.
  • Beveridge, C. and R. Turnbull, 1997, Scotland After Enlightenment, Edinburgh: Polygon.
  • Botwinick, A., 2011, Michael Oakeshott’s Skepticism, Princeton: Princeton University Press.
  • Boucher, D. and J. Vincent, 2012, British Idealism: A Guide for the Perplexed, London: Continuum.
  • Bourke, R., 2014, “Burke, Enlightenment and Romanticism”, in Dwan and Insole 2012: 27–40.
  • –––, 2018, “What is conservatism? History, ideology, party”, European Journal of Political Theory, 17:449–75.
  • Broad, C.D., 1913, “Lord Hugh Cecil’s ‘Conservatism’”, International Journal of Ethics, 23(4): 396–418.
  • –––, 1930, Five Types of Ethical Theory, London and Henley: Routledge & Kegan Paul.
  • Burke, E., 1987 [1790], Reflections on the Revolution in France, J. G. A. Pocock (ed.) Cambridge, MA: Hackett.
  • –––, [SW IV], Select Works of Edmund Burke(Volume IV: Miscellaneous Writings), Indianapolis: Liberty Fund, 1999.
  • –––, [WS III], The Writings and Speeches of Edmund Burke(Volume III: Party, Parliament and the American War–1794), Oxford: Clarendon, 1996.
  • –––, [WS VIII], The Writings and Speeches of Edmund Burke(Volume VIII: The French Revolution 1790–1794), Oxford: Clarendon, 1990.
  • –––, 1791, “Letter From The New To The Old Whigs”, in Selected Prose of Edmund Burke, edited and introduced by Philip Magnus, 1948. [Burke 1791 available online, accessed 2012]
  • Cain, J., 2003, “An Experiment in Honesty: Samuel Taylor Coleridge’s The Friend”, Modern Age, 45(4): 295–304; [Cain 2003 available online]
  • Calleo, D., 1966, Coleridge and the Idea of the Modern State, New Haven and London: Yale University Press.
  • Canavan, F., 1960, The Political Reason of Edmund Burke, Durham N.C.: Duke University Press,
  • Cecil, Lord H., 1912, Conservatism, London: Williams and Norgate.
  • Chang, Ha Joon, 2003, Globalisation, Economic Development and the Role of the State, London: Zed.
  • Chesterton, G.K., 2012, Orthodoxy, London: Simon and Brown.
  • Cheyne, P., (ed.), 2017, Coleridge and Contemplation: Poetics, Philosophy, Religion, Oxford:Oxford University Press.
  • Churchill, W., 1932, “Consistency in Politics”, in Thoughts and Adventures, London: Norton, 1992.
  • Claeys, G., 2007, The French Revolution Debate in Britain: The Origins of Modern Politics, London: Palgrave Macmillan.
  • Clark, J.C.D., 2001, “Introduction” to Edmund Burke: Reflections on the Revolution in France: A Critical Edition, Stanford: Stanford University Press.
  • –––, 2007, “The Enlightenment, Religion and Edmund Burke”, Studies in Burke and the Eighteenth Century, 21: 9–38.
  • Cobban, A., 1960, Edmund Burke and the Revolt Against the Eighteenth Century: A study of the political and social thinking of Burke, Wordsworth, Coleridge and Southey, London: George Allen & Unwin, 2nd edition
  • Cohen, G.A., 2011, “Rescuing Conservatism”, in R. Jay Wallace, Rahul Kumar, and Samuel Freeman (eds.), Reasons and Recognition: Essays on the Philosophy of T.M. Scanlon, Oxford: Oxford University Press, 203–230.
  • Coleridge, S.T., 1812, The Friend: Series of Essays, London: Gale and Curtis.
  • –––, 1817, A Lay Sermon, R. White (ed.), London: Routledge and Kegan Paul, 1972.
  • –––, 1829, Aids To Reflection in the Formation of a Manly Character, Bedford MA: Applewood Books, reprint of 1829 edition.
  • –––, 1830, On the Constitution of Church and State, London: Bradbury and Dent.
  • –––, [CW], Collected Works, Vol. IV, London, 1969.
  • Collini, S., 1992, “The ordinary experience of civilized life: Sidgwick’s politics and the method of reflective analysis”, in B. Schultz (ed.), Essays on Henry Sidgwick, Cambridge: Cambridge University Press, 1992: 333–368.
  • Cowling, M., 1963, Mill and Liberalism, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2004, Religion and Public Doctrine in Modern England: Volume 3, Accommodations, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Craig, D., 2012, “Burke and the Constitution”, in Dwan and Insole 2012: 104–116.
  • Cressy, D., 2006, England On Edge: Crisis and Revolution: 1640–42, Oxford: Oxford University Press.
  • Cristi, F., 1989, “Hegel’s Conservative Liberalism”, Canadian Journal of Political Science, 22(4) 617–38.
  • Cruise O’Brien, C., 1992, The Great Melody: A Thematic Biography and Commented Anthology of Edmund Burke, London: Sinclair-Stevenson.
  • Dancy, J., 2004, Ethics Without Principles, Oxford: Oxford University Press.
  • Deane, S., 2012, “Burke in the United States”, in Dwan and Insole 2012: 221–234.
  • De Tocqueville, A., 1856, The Old Regime and the French Revolution, New York: Doubleday, 1955.
  • –––, 1835/1840, Democracy in America, Harmondsworth, Middlesex: Penguin, 2003.
  • Disraeli, B., 1845, Sybil, London: Henry Colburn.
  • Duncan, G., 1973, Marx and Mill: Two Views of Social Conflict and Social Harmony, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Dwan, D. and C. Insole (ed.), 2012, Cambridge Companion to Edmund Burke, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Dyer, C., 2002, Making A Living in the Middle Ages: the people of Britain, 850–1520, Yale: Yale University Press.
  • Eccleshall, R., 1992, “Michael Oakeshott and Sceptical Conservatism”, in L. Tivey & A. Wright (eds.), Political Thought since 1945, Cheltenham: Elgar Publishing, 1992.
  • ––– (ed.), 1990, English Conservatism since the Restoration: An Introduction and Anthology, London: Unwin Hyman.
  • Edwards, P., 2009, “Coleridge on Politics and Religion”, in F. Burwick (ed.), 2009, The Oxford Handbook of Samuel Taylor Coleridge, Oxford: Oxford University Press.
  • Eliot, T.S., 1919, “Tradition and the Individual Talent”, in Selected Essays, London: Faber, 1999.
  • Feinberg, J., 1973, “Duty and Obligation in the Non-Ideal World: Review of Rawls’s Theory of Justice”, Journal of Philosophy, 70(9): 263–275.
  • Ferguson, N., 2012, “Why the young should welcome austerity”, BBC Reith Lecture #1, 17 June 2012. [Ferguson 2012 available online]
  • Fieser, J. (ed.), 2005, Early Responses to Hume’s Life And Reputation: Vols. 9 and, 10, London: Continuum.
  • Fine, R., 2001, Political Investigations: Hegel, Marx, Arendt, London: Routledge.
  • Floyd, J. and S. Shieh (eds.), 2001, Future Pasts: The Analytic Tradition in Twentieth Century Philosophy, Oxford: Oxford University Press.
  • Franco, P., 1990, The Political Philosophy of Michael Oakeshott, Yale: Yale University Press.
  • –––, 1999, Hegel’s Philosophy of Freedom, New Haven and London: Yale University Press.
  • Franco, P., 2004, Michael Oakeshott: An Introduction, Yale: Yale University Press.
  • Franco, P. and L. Marsh (eds.), 2012, A Companion to Michael Oakeshott, University Park, PA: Penn State University Press.
  • Freeden, M., 1998, Ideologies and Political Theory: A Conceptual Approach, Oxford: Oxford University Press.
  • Gamble, A., 2012, “Oakeshott’s Ideological Politics: conservative or liberal”, in E. Podoksik 2012: 153–176.
  • Gewirth, A., 1983, Human Rights: Essays on Justification and Applications, Chicago: Chicago University Press.
  • Gilmour, I., 1978, Inside Right: A Study of Conservatism, London: Quartet Books.
  • Graham, G., 1986, Politics In Its Place, Oxford: Oxford University Press.
  • Gray, G., 1998, Hayek on Liberty, 3rd ed., London: Routledge.
  • Gray, J., 1995, Liberalism, Milton Keynes: Open University Press.
  • –––, 1997, “The Undoing of Conservatism” in his Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age, London: Routledge.
  • –––, 2010, Gray’s Anatomy: Selected Writings, Harmondsworth, Middlesex: Penguin.
  • Gregory, A., 2002, Coleridge and the Conservative Imagination, Macon, Georgia: Mercer University Press, especially Ch. 1.
  • Hamilton, A., 2007, “J.S. Mill and Democracy: Classical Liberalism’s Elitist Response”, in E. Kofmel (ed.), Anti-Democratic Thought, London: Imprint Academic.
  • –––, 2009, “Scruton’s Philosophy of Culture: Elitism, Populism, and Classic Art”, British Journal of Aesthetics49(4): 389–404.
  • –––, 2013, The Self In Question, London: Palgrave Macmillan.
  • –––, 2017, “Coleridge and Conservatism: The Contemplation Of An Idea”, in Cheyne 2017: 143–68.
  • –––, forthcoming, “Conservatism As Illiberalism”, in Andras Sajo, Stephen Holmes and Renata Uitz (eds.), Routledge Companion to Illiberalism, London: Routledge.
  • Hampsher-Monk, I., 1992, A History of Modern Political Thought, Oxford: Blackwell, Ch. VI.
  • –––, 1998, “Burke” in Routledge Encyclopedia of Philosophy, E. Craig (ed.), London: Routledge.
  • –––, 2012, “Reflections on the Revolution in France”, in Dwan and Insole 2012: 195–208.
  • Harris, I., 1993, “Paine and Burke: God, nature and politics”, in M. Bentley (ed.), Public and Private Doctrine: Essays in British History Presented to Maurice Cowling, Cambridge: Cambridge University Press, 1993: 34–62.
  • Harris, J., 2013, “Spare a thought for the late unlamented one-nation Tory”, The Guardian, 14 April 2013. Harris 2013 available online
  • Hartz, L., 1955, The Liberal Tradition in America, New York: Harcourt Brace.
  • Haraszti, Z., 1952, John Adams and the Prophets of Progress, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Harvey, D., 2005, A Brief History of Neo-liberalism, Oxford: Oxford University Press.
  • Havers, G., 2005, “Leo Strauss, Willmoore Kendall and the Meaning of Conservatism”, Humanitas, 18(1–2): 5–25.
  • Hayek, F., 1960, “Why I Am Not A Conservative”, Appendix to The Constitution of Liberty, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 1946, Individualism: True and False, The Twelfth Finlay Lecture, Oxford: B. H. Blackwell.
  • Hegel, G., 1822–1830, Lectures on the Philosophy of World History, Cambridge: Cambridge University Press, 1980.
  • –––, 1821, Elements of the Philosophy of Right, Allen Wood (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 1991.
  • –––, [PW], Political Writings, Cambridge: Cambridge University Press, 1999.
  • Herzog, D., 1991, “Puzzling through Burke”, Political Theory, 19(3): 336–63.
  • Himmelfarb, G., 1987, “Who Now Reads Macaulay?” in her The New History and the Old, Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 2004: 166–177
  • –––, 2006, “Michael Oakeshott: The Conservative Disposition”, in Himmelfarb 2006c: 227–246
  • –––, 2006a, “Benjamin Disraeli: The Tory Imagination”, in Himmelfarb 2006c: 87–111
  • –––, 2006b, “John Stuart Mill: The Other Mill”, in Himmelfarb 2006c: 112–138.
  • –––, 2006c, The Moral Imagination: From Edmund Burke to Lionel Trilling, Chicago: Ivan R. Dee.
  • –––, 2008a, “Edmund Burke’s Enlightenment”, in her The Roads to Modernity: The British, French and American Enlightenments, London: Vintage, 2008: 71–92
  • –––, 2008b, “Edmund Burke’s Reflections on the Revolution in France”, C-Span taped speech, Program ID: 281723-1, first aired Nov. 1, 2008. [Himmelfarb 1987 available online(accessed 2012)]
  • Hitchens, C., 2011, “Edmund Burke: Reactionary Prophet”, in his Arguably, London: Atlantic Books: 152–164
  • Hobhouse, L., 1964 [1911], Liberalism, New York: Oxford University Press U.S.A. (first published, 1911).
  • Hobsbawm, E. and T. Ranger (eds.), 1983, The Invention of Tradition, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Holmes, S., 1993, The Anatomy of Illiberalism, Harvard: Harvard University Press
  • Honderich, T., 2005, Conservatism: Burke, Nozick, Bush, Blair?, London: Pluto Press.
  • Hoppit, J., 2000, A Land of Liberty: England 1689–1727, Oxford: Oxford University Press.
  • Insole, C., 2012a, “Burke and the Natural Law”, in Dwan and Insole 2012: 117–130.
  • Israel, J., 2002, Radical Enlightenment: Philosophy and the Making of Modernity 1650–1750, Oxford: Oxford University Press.
  • Kant, I., 1792, On the Old Saw: That May Be Right in Theory, But It Won’t Work in Practice, E. B. Ashton (trans.), Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1974.
  • Kates, S., 2014, “America, the Big Dumb Ox”, Quadrantonline, Jan 14, 2014. [Kates 2014 available online]
  • Jones, E., 2017, Edmund Burke and the Invention of Modern Conservatism: An Intellectual History, Oxford: Oxford University Press.
  • Kekes, J., 1997, “What is Conservatism?” Philosophy, 72(281): 351–374.
  • –––, 1998, A Case for Conservatism, London: Cornell University Press.
  • Kendal, W. and G. Carey, 1964, “Towards a definition of ‘Conservatism’”, The Journal of Politics, 26(2): 406–22.
  • Kirk, R., 1954, The Conservative Mind, London: BN Publishing, 2008.
  • Kloppenberg, J., 1992, “Rethinking tradition: Sidgwick and the philosophy of the via media”, in Schultz 1992: 369–395.
  • Kramnick, I., 1977, The Rage of Edmund Burke: Portrait of an Ambivalent Conservative, New York: Basic Books.
  • Lebrun, R., 1988, Joseph de Maistre: An Intellectual Militantby McGill-Queen’s University Press.
  • Livingston, D., 1995, “On Hume’s Conservatism”, Hume Studies, XXI(2):151-164.
  • Lock, F.P., 2006, Edmund Burke, Volume II: 1784–97, Oxford: Oxford University Press.
  • Maciag, D., 2013, Edmund Burke in America: The Contested Career of the Father of Modern Conservatism, London: Cornell University Press.
  • MacIntyre, A., 2007, After Virtue, Notre Dame, Indiana: University of Notre Dame Press, 3rd edition.
  • Macpherson, C.B., 1980, Burke, Oxford: Oxford University Press.
  • Marx, K., 1852, The Eighteenth Brumaire of Louis Napoleon, New York: International, 1972.
  • –––, 1867, Das KapitalKritik der politischen Ökonomie, Hamburg: Meissner.
  • Mill, James, 1817, The History of British India, H. Wilson (ed.), London: Routledge/Thoemmes, 1997.
  • –––, 1858, History of India, London: James Madden.
  • Mill, J.S., [CW], Collected Works: Vol. I, London: Routledge, 2009.
  • Minogue, Kenneth, 1998, “Oakeshott,” in Routledge Encyclopedia of Philosophy, E. Craig (ed.), London: Routledge.
  • –––, 2009, “The Elusive Oakeshott”, The American Conservative, October 1, available online.
  • Minor, H., and M. Blain (eds.), forthcoming, Collaborative Arts Practices: Documenting Performance, London: Macmillan.
  • Moggach, D., 2013, “German Idealism and Marx”, in N. Boyle (ed.), The Impact of Idealism Volume 2, Cambridge: Cambridge University Press: 82–107.
  • Mount, F., 2014, “No Theatricks”: review of The Intellectual Life of Edmund Burke from the Sublime and Beautiful to American Independenceby D. Bromwich, London Review of Books, 36(16): 14–17.
  • Muller, Z., 1997, Conservatism: An Anthology of Social and Political Thought from Hume to the Present, Princeton: Princeton University Press.
  • Neiman, S., 2001, “Sure Path of a Science: Kant in the Analytic Tradition”, in Floyd and Shieh 2001: 291–313.
  • –––, 2011, Moral Clarity: A Guide for Grown-Up Idealists, London: Vintage
  • Nisbet, R., 1986, Conservatism, Milton Keynes: Open University Press.
  • Norman, J., 2013, Edmund Burke: The First Conservative, London: Collins.
  • North, M., 1991, The Political Aesthetic of Yeats, Eliot, and Pound, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Nozick, R., 1977, Anarchy, State and Utopia, New York: Basic Books.
  • Oakeshott, M., 1991, Rationalism in Politics and Other Essays, Indianapolis: Liberty Press. Expanded edition of the 1962 work.
  • O’Hear, Anthony, 1998, “Conservatism,” Routledge Encyclopedia of Philosophy, E. Craig (ed.), London: Routledge.
  • O’Sullivan, N., 2003, “Conservatism”, in The Cambridge History of 20thcentury Political Thought, T. Ball and R. Bellamy (ed.): 151–65.
  • –––, 1976, Conservatism, London: J.M. Dent & Sons.
  • Paine, T., [1791], Rights of Man, in Rights of Man, Common Sense, and other political writings, Mark Philp (ed.), Oxford: Oxford Paperbacks, 2008.
  • Parkin, C., 1956, The Moral Basis of Burke’s Political Thought, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Perkins, Mary Anne, 1998, “Coleridge” in Routledge Encyclopedia of Philosophy, E. Craig (ed.), London: Routledge.
  • Pipes, R., 1990, The Russian Revolution, 1899–1919, London: Harvill Press.
  • Pocock, J., 1987, The Ancient Constitution and the Feudal Law: A Study of English Historical Thought in the Seventeenth Century, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1989, “Burke and the Ancient Constitution”, in his Politics, Language and Time: Essays on Political Thought and History, Chicago: University of Chicago Press, 1971: 202–232.
  • –––, 1994, “The devil has two horns”, review of The Great Melody: A Thematic Biography and Commented Anthology of Edmund Burkeby Conor Cruise O’Brien, 1992, London Review of Books, 16(4): 9–11. [Pocock 1994 available online]
  • –––, 1999, Barbarism and Religion 1, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Podoksik, E. (ed.), 2012, The Cambridge Companion to Oakeshott, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Quinton, A., 1978, The Politics of Imperfection : the Religious and Secular Traditions of Conservative Thought in England from Hooker to Oakeshott, London: Faber.
  • Ripley, R., 1965, “Adams, Burke and Eighteenth Century Conservatism”, Political Science Quarterly, 80(2):216–235.
  • Robin, C., 2010, “Conservatism and Counterrevolution”, Raritan, 30(1): 1–17.
  • Rothschild, E., 2001, Economic Sentiments: Adam Smith, Condorcet and the Enlightenment, Harvard: Harvard University Press.
  • Schiller, F., 1990 [1794], Letters Upon the Aesthetic Education Of Man, Hayes Barton Press.
  • Schultz, B. (ed.), 1992, Essays on Sidgwick, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Scott, J., 1998, Seeing Like a State: How Certain Schemes to Improve the Human Condition Have Failed, New Haven and Yale: Yale University Press.
  • Scruton, R., 1980, The Meaning of Conservatism, Harmondsworth, Middlesex: Penguin
  • –––, 1994, The Classical Vernacular: Architectural Principles in an Age of NihilismLondon: St. Martin’s Press.
  • –––, 2006, “Hayek and Conservatism”, in E. Feser (ed.), 2006, Cambridge Companion to Hayek, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2007, A Political Philosophy: Arguments for Conservatism, London: Continuum.
  • –––, 2012, The Uses of Pessimism & the Danger of False Hope, London: Atlantic Books.
  • –––, 2013, The Aesthetics of Architecture, Princeton: Princeton University Press.
  • Sidgwick, H., 1874, Methods of Ethics, Cambridge: Cambridge University Press. [Sidgwick 1907 [1874] available online7th edition]
  • Skorupski, J., 1989, John Stuart Mill, London: Routledge.
  • –––, 2010, Mill, London: Routledge.
  • –––, 2015, “The Conservative Critique of Liberalism”, in Steven Wall (ed.), The Cambridge Companion to Liberalism, pp. 401–422, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Stanlis, P., 1953, Edmund Burke and the Natural Law, London: Routledge & Kegan Paul.
  • Stapleton, J., 1998, “Liberalism, Patriotism, and English Liberty”, Victorian Studies, 41(2): 243–263.
  • Steiner, G., 1988, “Darkness Visible” (review of Lebrun 1988), London Review of Books, 10(21): 3–4.
  • Stewart, J., 2014, Opinion and Reform in Hume’s Political Philosophy, Princeton: Princeton University Press.
  • Sweet, W., 1999, “Bosanquet and British Political Thought”, Laval Théologique et Philosophique, 55(1): 99–114. [Sweet 1999 available online]
  • Taylor, C., 1977, Hegel, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Townshend, C., 1993, Making the Peace: Public Order and Public Security in Modern Britain, Oxford: Oxford University Press.
  • Trotsky, L., 1920, Terrorism and Communism: A Reply to Karl Kautsky, London: Verso, published 2007.
  • Turner, F.M., 2003, “Introduction Edmund Burke: The Political Actor Thinking”, Reflections on the Revolution in France, Yale: Yale University Press. [Turner 2003 available online]
  • Vannatta, S., 2014, Conservatism and Pragmatism in Law, Politics and Ethics, London: Palgrave Macmillan.
  • Viereck, P., 2009, Conservatism Revisited: The Revolt Against Ideology, New Jersey: Transaction, 3rd
  • Vila, D., 2012, “Oakeshott and the Cold War critique of political rationalism”, in Podoksik 2012: 319–344.
  • Vincent, A., 2004, The Nature of Political Theory, Oxford: Oxford University Press.
  • Waldron, J., 1987, Nonsense Upon Stilts: Bentham, Burke and Marx on the Rights of Man, London: Routledge.
  • –––, 1992, “By The Roots”, London Review of Books, 17(3): 26–27.
  • –––, 1993, Liberal Rights: Collected Papers 1981–1991, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1998, “Liberalism,” Routledge Encyclopedia of Philosophy, E. Craig (ed.), London: Routledge.
  • Williams, R., 1971, Culture and Society, 1780–1950, Harmondsworth, Middlesex: Penguin.
  • Wollstonecraft, M., 1790, A Vindication of the Rights of Men, in A Vindication of the Rights of Men; A Vindication of the Rights of Women; An Historical and Moral View of the French Revolution, Oxford: Oxford Paperbacks, 2008.
  • Wood, E. Meiskins, 2012, Liberty and Property: A Social History of Western Political Thought from the Renaissance to Enlightenment, London: Verso, pp. 236–7.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مداخل ذات صلة

Burke, Edmund | communitarianism | Confucius | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich | liberalism | Mill, John Stuart | Mill, John Stuart: moral and political philosophy | Nozick, Robert: political philosophy | property and ownership | Rawls, John | Rehberg, August Wilhelm | rights


[1] Hamilton, Andy, “Conservatism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2019/entries/conservatism/>.