العلمانية: استعادة “الإنسانية” من خلال حقوق الإنسان – طلال أسد

العلمانية: استعادة “الإنسانية” من خلال حقوق الإنسان – طلال أسد

 

الـفصـل الرابع  (استعادة "الإنسانية" من خلال حقوق الإنسان) من كتاب (تشكلات العلمانية) لطلال أسد

الـفصـل الرابع  (استعادة “الإنسانية” من خلال حقوق الإنسان) من كتاب (تشكلات العلمانية) لطلال أسد


إبان وجود الأمم المتحدة في الصومال قبل بضعة سنوات، اتُهِم جنود تابعون لكل من القوات البلجيكية والكندية بتعذيب مواطنين صوماليين. وفي الوقت نفسه قامت القوات الأميركية بتدمير مبانٍ عمرانية بأكملها وقتل عدد لا بأس به من المدنيين. وجاء ذلك كعاقبة لقانون الولايات المتحدة العسكري الذي ينص على استخدام القوة المفرطة (ويفضل إن كان ذلك عن طريق الجو) لضمان أقل خسائر في الجانب الأميركي (ويفضل ألا يكون هناك خسائر على الإطلاق)[1]. ولوحظ آنذاك أن هذا الانتهاك الواضح لاتفاقيات ﭼنيف لم يتبعه إجراء الولايات المتحدة لتحقيق عام للتوصل للمسؤول عن هذه الانتهاكات كما فعلت كل من كندا وبلجيكا مع عناصرها الذين قاموا بتعذيب المواطنين الصوماليين. ويقول أليكس دي وال (Alex de Waal) إن «السبب» وراء ذلك «أمر بسيط للغاية: أن سلطات أعلى من قائد القوات بمقديشيو هي التي أعطت أوامر بهجوم الطائرات المروحية، إذ إن تلك الأوامر تصدر من مقر القيادة المركزية بفلوريدا والبيت الأبيض نفسه. وقد تحتوي صحيفة الاتهامات لجرائم الحرب بمقديشيو على أسماء عدد من المسؤولين الأميركيين رفيعي المستوى»[2]. ولا أود هنا التأكيد على قدرة الولايات المتحدة على الاستهانة بالاتفاقيات الدولية والإفلات من العقوبة. فبينما يجعل القانون العسكري للولايات المتحدة انتهاك اتفاقيات جنيف أكثر احتمالًا، فإنه يجعل حالات التعذيب أقل حدوثًا، وذلك بسبب تجنب المواجهات المباشرة بين الجنود والمدنيين. ويرى البعض استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين من خلال القصف الجوي مختلفًا عن استخدام العنف الذي يرتكبه مسؤولون بعينهم ضد المدنيين. فالأمر لا يعد انتهاكًا لحقوق الإنسان إنما نوعًا من الأضرار الجانبية.

ولكن التدخل العسكري لا يعد الشكل الأوحد لتدخل الدول العظمى في شؤون غيرها أو أهمها. فقد يكون للضغوط المالية أثر أقوى من أي عملية عسكرية. إلا أن الدمار الذي قد تلحقه هذه الضغوط بالحياة الاجتماعية والعقوبات التي توقعها على المواطنين في الدول الضعيفة اقتصاديًا، لا يمكن تناولها كانتهاكات لحقوق الإنسان.

فعلى سبيل المثال: «في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، قامت دول شرق آسيا بتحرير الأسواق المالية ورؤوس الأموال الخاصة بها ليس لحاجتها لجذب المزيد من التمويلات (فقد وصلت نسبة مدخراتها إلى 30% أو أكثر) ولكن نظرًا للضغوط الدولية، والتي كان بعضها من إدارة الخزانة الأميركية. ولقد أثارت هذه التغيرات تدفقًا لمجموعة من رؤوس الأموال قصيرة المدى، أي رأس المال الذي يسعى لتحقيق أعلى مكاسب في اليوم أو الأسبوع أو الشهر التالي على خِلاف الاستثمارات الطويلة المدى مثل المصانع. ولقد ساعد هذا النوع من رأس المال القصير المدى في تايلاند على تحفيز ازدهار عقاري غير مُستدام. وكما تدفق رأس المال فجأة إلى الداخل، خرج مرة ثانية. فلقد انخفض الناتج في الدول المتأثرة ليصل إلى 16% أو أكثر. وشهد ما يقرب من نصف الشركات والاعمال بإندونيسيا حالة من الإفلاس الافتراضي أو ما شابهه… وازدادت نسبة البطالة عشرة أضعاف وتراجعت الأجور في البلدان التي لا تمتلك شبكات أمان بالأساس. ولم يقتصر الدور الذي لعبه البنك الدولي على إعادة الثقة الاقتصادية في شرق آسيا فحسب وإنما كان من شأنه أيضًا تقويض النسيج الاجتماعي بالإقليم»[3]. ويمكن تكرار هذه الرواية والمنقولة عن جوزيف ستيغليتز (Joseph Stiglitz) (والذي شغل حتى وقت قريب منصب نائب الرئيس وكبير الاقتصاديين بالبنك الدولي) في روسيا أيضًا ولكن بشكل أكثر كارثية. وفي كلتا الحالتين قام صندوق النقد الدولي والسياسات الأميركية التي تهدف إلى تحرير أنظمة الاقتصاد القومية حول العالم بتسوية قدرة الدول المتأثرة على في الحصول على حقوق معينة. إلا أنه لا يمكن اعتبار هذه التدخلالت في حد ذاتها نوعًا من انتهاكات حقوق الإنسان؛ إذ إنه يتم تقديمها كنوع من التحفيز لعمليات إعادة هيكلة الاقتصاد اللازمة للتنمية.

وينص الجزء الأول من المادة (25) بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن «لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته». لكن مسؤولية ضمان الظروف التي يتم أثناءها تنفيذ هذه الحقوق تقع فقط على عاتق الدول ذات السيادة، والتي تُعرف كل منها من خلال حقها في التحكم في «الاقتصاد الوطني». ولا يُمثل الضرر الواقع على الأنظمة الاقتصادية الخاصة ببلدان أخرى (كما هو الحال مع التدخلات المُتعمدة التي ذكرتها) انتهاكًا لحقوق الإنسان حتى وإن سبب قدرًا كبيرًا من المعاناة، لأن في التحليل النهائي تقع مسؤولية الضرر على عاتق المتحكمين في «الاقتصاد القومي» وفي هذه الحالة يُعد الأمر خسارة قصيرة المدى لصالح ربح طويل الأجل.

وأؤكد هنا أنني لا أسعى إلى توجيه اللوم أو أن الحكومات بدول جنوب شرق آسيا أو المواطنين الصوماليين كانوا مجرد ضحايا أبرياء لمؤامرة. فعلى عكس ما ورد في الفصل السابق، هدفي في هذا الفصل ليس تناول هذه التصرفات الوحشية كما هي وإنما تناول كيفية توجيه المسؤولية إزاء مثل هذه الأفعال في ظل نظام علماني مثل حقوق الإنسان.

وأشير هنا إلى فرضية أساسية حول ماهية «الإنسان»، والتي تستند إليها فكرة حقوق الإنسان: لا تُعد معاناة الإنسان نتيجة للوجود العسكري أو تلاعب السوق بعيدًا عن دولته طالما كان ذلك مسموحًا من خلال القانون الدولي انتهاكًا لكيان الإنسان. وفي تلك الحالات يتم التفرقة بين معاناة الإنسان كمواطن كأحد رعايا دولة قومية بعينها وبين معاناته كإنسان. فحقوق الإنسان تولي اهتمامًا للمفهوم اللاحق فقط، أي كيانه كإنسان وليس كمواطن. وإن كان الوضع كذلك، فإننا نواجه تناقضًا مثيرًا للاهتمام: فكرة أن الحقوق غير القابلة للتصرف تحدد ماهية الإنسان لا تعتمد على الدولة القومية، لأن الأولى ترتبط بطبيعة الدولة حيث يفترض مفهوم المواطنة، والذي يشمل حقوق الإنسان أيضًا نظام للدولة عرفه مُنظّرو عصر التنوير بالمجتمع السياسي. وتعتبر حقوق الإنسان، والتي تشمل القيم الأخلاقية التي تربط كافة البشر حول العالم، أمر لا غنى عنه للبشر جميعًا بغض النظر عن تكوينهم «الثقافي». إلا أن تحديد وتطبيق قوانين حقوق الإنسان لا معنى له بعيدًا عن المؤسسات القضائية التابعة للدول القومية (أو عِدة دول ترتبط معًا باتفاقية) وما تقدمه هذه المؤسسات من حلول، ومن ثم الوضع المدني للمواطن كتابع سياسي.

 

نبذة عن الحقوق الطبيعية

إن فكرة امتلاك البشر لحقوق مستقلة بعيدًا عن وضعهم المدني ذات تاريخ طويل ومعقد يعود لمفهوم الحقوق الطبيعية في عالم المسيحية اللاتينية، وكذلك تفسيرات القانون الروماني. ومن المثير للاهتمام في هذا الشأن كيف تم تكوين مفهوم جوهر العنصر الإنساني في إطار الحقوق غير القابلة للتصرف وكيف يدل ذلك على وضع الإنسان في الإطار العلماني.

وفي سرده التاريخي عن الحقوق الطبيعية يوظف ريتشارد توك[4] (Richard Tuck) تمييزًا معروفًا لدى الفلسفة القانونية الحديثة بين «الحقوق النشطة» (أي تلك الملازمة للفرد بغض النظر عن علاقاته الاجتماعية) و«الحقوق السلبية» (أي تلك التي تتبع أو يتبعها التزامات من أطراف أخرى). وتعد النظريات التي توظف المفهوم السابق هي الوحيدة التي ترى الحرية مفهومًا أساسيًا لا غنى عنه. فجوهر الإنسانية يختلف في الحالتين؛ السيادة من ناحية والاعتماد على شبكة من الالتزامات من ناحية أخرى. ويمكن القول إن فكرة الدولة الما قبل المدنية والتي يُمارس فيها الإنسان حقوقه الطبيعية بمنأى عن المؤسسات الاجتماعية والسياسية تتلاءم بشكل أكبر مع النظريات التي تستخدم مفهوم الحقوق النشطة.

ولقد تناول المشرعون بالعصور الوسطى فكرة «حقوق الملكية» في الدولة الطبيعية، لكنهم فعلوا ذلك في إطار مفهوم المطالبات، والذي يعني أن كل حق يتبعه التزام مُتبادل وفقًا لمعايير موضوعية (منصوص عليها إلهيًا)[5]. لكن إبان العصور الوسطى المتأخرة تم تعريف حق الملكية على أنه أي حق يمكن امتلاكه ضد أشخاص آخرين ويمكن لمالكه نقله بحرية. ولقد ظهر في القرن السادس عشر جدل بين أولئك ممن اعتقدوا أن الحرية تُعدّ في حد ذاتها ملكية ومن ثم يمكن التصرف فيها مثل أي نوع آخر من الملكية وبين من رأوا أنها لا تعتبر كذلك (مثل الدومينيكان الذين رأوا أن إسعاد البشر وصلاحهم يأتيان في المقام الأول قبل الحرية). وفي هذا الإطار تعاقب إحدى نظريات الحقوق بعض الممارسات، مثل الرق الذي لا تسمح به النظريات المناهضة للذاتانية[6].

ليس مفاجئًا إذن أن نجد النظريات الحقوقية الحقوقية قد ظهرت في بادئ الأمر في بلدان مثل البرتغال وهولندا، أهم مراكز تجارة الرقيق آنذاك. لذا فوفقًا لعالم اللاهوت البرتغالي «مولينا» (Molina) يمكن مقايضة الحرية كملكية. دائمًا ما تم تصوير الإنسان على أنه كائن حُرّ يمكنه اتخاذ قرارته الاقتصادية والأخلاقية وتحمل عواقبهم. وبشكل متناقض يمكن استغلال هذا الوصف للإنسان على أنه «سيد» للدفاع عن الرق أو الاستبداد. وكذلك فلقد تم التعبير عن رغبة «غروتشيوس» (Grotius) الشهيرة لتحقيق السلام من خلال نظرياته الحقوقية: لقد امتلك الإنسان في حالة الطبيعة حقوقًا نشطة والقدرة الأخلاقية على المشاركة بحرية في عقود مع أطراف أخرى بشأن أملاكه. (كان الالتزام بإيفاء الوعد مهمة ذات سبب طبيعي ولا تعتمد على قانون إلهي أو علاقات اجتماعية مسبقة). حتى في مرحلة الحضارة جاءت الصراعات بين الدول والأفراد ذات السيادة بسبب النزاعات حول الحقوق حيث اعتبرت حقوق كلا الطرفين متماثلة ولا فرق بينهما سوى في الكم[7].

وكان ارتباط الحقوق الطبيعية بمفهوم الالتزام، وهو ذلك المفهوم المرتبط بفكرة العقاب من أكثر الموضاعات الني سادت الجدل القائم في القرن السابع عشر. فوفقًا لـجون سيلدن (John Selden)، أحد أتباع غروتيوش من الإنكليز: «إن وجود التزامات في ظل القانون بغض النظر عن أي عقاب ينتج عن انتهاكه… غير مفهوم للعقل البشري تمامًا مثل فكرة وجود أب دون طفل»[8]. ومن ثم يمكن التفرقة بشكل واضح بين البشر والحيوانات. فالبشر فقط يمتلكون وعيًا بأن العقاب يرتبط بانتهاك القواعد الأخلاقية أو القانونية، بما في ذلك الحقوق النشطة، وبالتالي فإن البشر فقط هم من يملكون حقوقًا طبيعية. وبالمثل فإن الكيان الذي يمتلك حقوقًا يمكن اعتباره إنسانًا.

لقد كان هوبز هو أول من قام بدمج فكرة العقاب الخارق للطبيعة مع الفكرة القائلة بأن جميع أنواع العقاب تُعد بالأساس طبيعية: «بعد أن تناولت بإيجاز المملكة الطبيعية للرب وقوانينه الطبيعية سأُضيف في هذا الفصل إعلانًا بسيطًا حول عقوباته الطبيعية. فلا يوجد تصرف إنساني في هذه الحياة لا تتبعه سلسلة طويلة من العواقب حيث إن العناية البشرية ليست كافية على الإطلاق لمنح الإنسان رؤية نافذة حتى النهاية. وفي هذه السلسلة، توجد أحداث سعيدة ومؤسفة ترتبط ببعضها البعض، بشكل يجعل أي من يسعى للسعادة يعاني من كافة الآلام التي قد تتبعها، وهذه الآلام تُعد في حد ذاتها عقوبات طبيعية لهذه الأحداث وبداية لمزيد من الأذى وليس الخير. ومن هنا يمكن القول إن الإفراط تجري معاقبته طبيعيًا بالأمراض والتهور وسوء الحظ والظلم وعنف الأعداء والكبرياء والدمار والجُبن والقمع وإهمال الأمراء للحكومة والثورات، كما تجري معاقبة الثورات بالمذابح. فالعقوبات تأتي كنتيجة لانتهاك قوانين الطبيعة ومن ثم تعتبر آثارًا طبيعية وليست عشوائية»[9]. ومن هذا المنظور يمكن اختزال الالتزام الأخلاقي إلى نوع من الحسابات الحذرة، والتي تتفق بدورها مع رؤية هوبز العلمانية حول الحقوق الطبيعية، وبالتالي الالتزام السياسي.

ولقد سعى «لوك» (Locke) في ما بعد إلى إعادة الأساس الديني إلى الجانب الأخلاقي والمدني للحكومة من خلال فكرة القانون الإلهي السائدة إبان العصور الوسطى: «إن الفرق بين الخير والشر من الناحية الأخلاقية والطبيعية يتلخص في أن ما نطلق عليه طبيعيًا خيرًا أو شرًا هو ما يسبب لنا السعادة أو الألم، وأن ما هو خير أو شر من الناحية الأخلاقية هو ما يسبب السعادة أو الألم في ما بعد من خلال تدخل الإرادة الخاصة بعنصر حُر وذكي ودون عواقب طبيعية لكن من خلال تدخل للسلطة. ومن ثم فإن الإفراط في تناول الخمر مثلًا قد يسبب الصداع أو المرض وفي هذه الحالة يُعتبر شرًا طبيعيًا؛ ولكن بما أنه يعتبر انتهاكًا للقانون يجب أن تتبعه عقوبة، فهو يُعدّ في هذه الحالة شرًا من الناحية الأخلاقية. تعتبر المكافأة والعقوبة هي ترجمة الخير والشر من خلال فرض أولي الأمر الالتزام بالقانون، فمن المستحيل أن يكون هناك أي دافع أو قيد آخر وراء تصرفات عنصر حُرّ عاقل إلا الاعتقاد في الخير والشر؛ أي ما ينتج عنهما من سعادة أو ألم»[10]. ويمكن للقوانين تحديد العقوبات من خلال سلطة إلهية أو وضعية، ولكن وفقًا للوك، فإن الأخلاق تعتمد بشكل طبيعي على التصرفات الطواعية التي يقوم بها كيان سيادي، أي شخص اختار بكامل إرادته ووفقًا لعلمه الوافي بالخير والشر أن ينعم بالسعادة أو يعاني من تبعات تصرفاته الحُرة.

ولقد استندت أطروحة هوبز القائلة بأنه يمكن التنازل عن الحقوق الطبيعية للسيادة السياسية (أي الدولة) والتي يمكن لها آنذاك بصفتها المالك الشامل لحقوق من تُمثلهم مُجمعة أن تنهي الحرب التي تدور رحاها بين كافة البشر إلى فكرة سيادة الأفراد في حالة الطبيعة. لكن هذا الرأي قد لاقى اعتراضًا شديدًا من الراديكاليين الذين رأوا أنه لا يمكن لأي إنسان أن ينأى بنفسه عن الحق المحافظة على الذات لأنه حق طبيعي يتم من خلاله تحديد ذات المرء وملكيته، ومن ثم لا يمكن لأي شخص عاقل أن يقوم بفعل مؤذٍ لذاته على هذا النحو[11].

كذلك جرت أيضًا مهاجمة أطروحة هوبز من ناحية أُخرى لاستنادها إلى فكرة الحقوق النشطة. فنجد على سبيل المثال أن ماثيو هيل (Mathew Hale) قد أصر على أن حالة الطبيعة لا تعتبر مجتمعًا مدنيًا ولا حربًا تدور رحاها بين كافة البشر: «على الرغم من عدم وجود حكومات بشرية أو قوانين مؤسسية إلا أن البشر قد وجِدوا في حالة الطبيعة وانتشروا حول العالم بأكمله، لكن هذا لم يمنع وجود أمور عادلة وصادقة وأخلاقية (justa honesta et decora) وأمور على النقيض تمامًا (injusta inhonesta et indecora). فلا يمكن أن يكون كل شيء قانونيًا للجميع، وأن حالة الحرب المُتخيلة هذه، التي يقوم في إطارها كل إنسان بالتصرف بشكل قانوني بما يعتقده الأفضل دون وجود أي شكل من أشكال السيطرة أو القانون ليست سوى ضرب من الخيال، أو إذا جاز لنا القول لا يجب اعتبارها أكثر صور حالة الطبيعة دقة، بل إنها في الواقع مرض أو اضطراب أو فساد يصيبها»[12]. لم يكن من الضروري في هذا النقاش إثبات أن كافة البشر لديهم نفس الأفكار حول ما هو عادل وصادق ونبيل. ما يُهم هنا وجود هذه الأفكار دون وجود للحكومة أو القانون، أي في ظل حالة الطبيعة.

لقد كانت حالة الطبيعة التي استندت إليها تلك النظريات، والتي أصبحت بدورها ذات أهمية قصوى أثناء عصر التنوير عبارة عن حالة علمانية، أي إنها لم تستوجب وجود مفهوم الرب. ولكنها أوجدت نقاشًا حول النشأة. ففي العصر الحديث تم الاستغناء عن الفكرة الشبه التاريخية لحالة الطبيعة كأساس لحقوق الإنسان (إلا لدى بعض المُنظّرين من أمثال كانوﭬـان «Canovan» الذي أعاد صياغتها كـ «أسطورة»[13]). ولكن لا يزال هناك جوهر مرتبط بالإنسان، وهو ما عرفه المنظّرون الأوروبيون الأوائل حول القانون الطبيعي بـ «الحقوق غير القابلة للتصرف». وكما يقول تك، فإن هذا المبدأ أصبح يعني «أن كل ما يمكن أن يكون مقبولًا لدى الرغبة يمكن اعتباره حقًا غير قابل للتصرف، مما يجعل استعادته أمرًا مُبررًا للغاية: ومن ثم كان من غير المعقول أن يقوم أي شخص عاقل بالتنازل عن حقوقه لمثل هذه الإرضاءات التي تبدو معقولة هي الأُخرى. كما أنه تم أيضًا توسيع نطاق مفهوم أعمال الخير التفسيرية بشكل كبير، ولدينا هنا المفهوم السائد بالقرن الثامن عشر عن حقوق البشرية غير القابلة للتصرف»[14]. فالمرء هنا لا يدين بولاء لأي من الأطراف تجعله يتنازل عن أي من حقوقه الطبيعية لأي شخص سواء بشكل فردي أو جمعي. لقد كانت الحقوق الطبيعية جزءًا أساسيًا من سيادة المرء، الأمر الذي اكتسبته الدولة من خلال تفويض الناس لها (ومن ثم نشأة التمثيل الديمقراطي). كيف إذًا يمكن الاعتراف بهذه السيادة الفردية وحمايتها في ظل دولة ذات سيادة؟ لقد هدف مبدأ العلمانية، والذي يفصل حق الفرد في الاعتقاد (الديني) بعيدًا عن سلطة الدولة، للإجابة عن هذا السؤال.

وبما أن الكيان كان يعتبر فردًا ذا سيادة في ظل الدولة ذات السيادة، أوضح تك أن المشكلة التي تواجه النظرية الليبرالية حاليًا أن الليبرالين عادةً يفرقون بين نوعين من المبادىء السلوكية: فمن ناحية هُناك مبادىء للسلوك الإلزامي التي لا تحتاج إلى موافقة وهذه ليست بكثيرة وتُشكِّل معيارًا «ضئيلًا» للأخلاق، أي الحد الأدنى من المتطلبات الخاصة بالسلوك الاجتماعي التي ترتبط فيها الاستقلالية الفردية بشكل وثيق بالعنف الجماعي. «إلا أن جزءًا كبيرًا من الكتابات والحديث حول الشؤون الدولية في وقتنا الراهن يفترض وجود مجتمع دولي يضبط الأمن لدى أفراده ويفرض عليهم مجموعة من القيم المُعقدة والمثيرة للمشكلات، ويفضل الكثير من «الليبراليين» في السياسات المحلية هذه الفكرة. وإذا كان حاليًا يتم سحق ما كان يُعد نموذجًا للعنصر الليبرالي، أي الدولة المستقلة في ظل المحيط الاجتماعي المُعقد؛ وإذا كان يتم التعامل مع فكرة السيادة (كما هو الحال في كل من أوروبا وأميركا الشمالية) على أنها فئة غير مفيدة وبالية من الدول، فإنه سيكون من الصعب صياغة مفهوم الفرد ذي السيادة بنفس الحيوية السابقة»[15].

 

الفرد ذو السيادة والدولة ذات السيادة

تؤدي هذه الفكرة إلى إثارة نقطة جديدة حول حقوق الإنسان ذات صلة ليس بتطور النظريات القانونية والنفوذ السياسي لدى من يشغلون مناصب تمكنهم من استخدام هذا النفوذ ولكن باستخدام اللغة القانونية نفسها. لذا يمكن القول إنه نظرًا للنمو الهائل للدين العام في القرن السابع عشر الذي أدى بدوره إلى زيادة تضاؤل قيمة الأملاك خاصة الأشكال المالية الأكثر حداثة للملكية، والتي تختلف عن أشكال الملكية «الفعلية» القديمة المتمثلة في الأراضي فلقد ساهم هذا التطور في إيجاد شعور قوي بأن طبيعة الطارئة للذات بين أفراد الطبقتين المتوسطة والعُليا. وإن كان هذا الرأي صحيحًا، فإن تأكيد لوك الشهير على الحقوق الطبيعية كقيد للحكومات الاستبدادية يمكن أيضًا أن يكون له ارتباط وثيق بالرغبة في تحقيق الاستقرار للسمة الطارئة للذات من خلال المفهوم القانوني للفرد[16]. إن جوهر الإنسانية يصبح مُقيدًا من خلال الخطاب القانوني: يُعد الإنسان سيدًا وعنصرًا مالكًا للذات ومتشككًا بالضرورة فيمن حوله وليس ذاتًا واعية لهويته. وعلى هذا الأساس صيغ المبدأ العلماني الخاص بحرية العقيدة والتعبير.

وبغض النظر عن ماهية التاريخ المُبكِر، فحاليًا لا يستطع أي كيان سوى دولة علمانية قوية أن تفرض الحقوق الطبيعية والقانون كخليفة سواء كان يرتبط ذلك بالأفراد أو الملكية. ولا ينبغي للمرء أن يؤمن بتعريف «أوستن» للقانون حتى يدرك أنه أمر ذو أهمية قصوى، سواء أقرت الدولة بأنها انتهكت حقوق الإنسان وحاولت إعادتها أو أعادت الحقوق التي تم انتهاكها في مجال سيادتها (أو أخضعت دولة أكثر ضعفًا لنفس الغرض) أو أنها تجيز قانونًا الحقوق التي تنادي بها القوى المدنية الأخرى (مثل الاتحادات العمالية والحركات النسائية والجماعات العرقية إلخ). وكما أوضحت «حنا أريندت» (Hannah Arendt) منذ أمد بعيد حول أن الحقوق القومية هي تلك التي تُشكِّل المواطن وتحميه وتعاقبه في ظل الدولة القومية. ويعني ذلك أيضًا أن الدولة لديها النفوذ لاستخدام الخِطاب الخاص بحقوق الإنسان لإخضاع مواطنيها، بالضبط كما يوظفها الحكام الاستعماريون ضد رعاياهم[17]. ففي دفاعها عن حقوق مواطنيها الإنسانية، فإن الدولة فحسب هي التي لها الحق القانوني في التهديد بعقاب منتهكي هذه الحقوق.

وفي رؤيته المهمة حول تطور المواطنة في بريطانيا، والذي نُشِر للمرة الأولى عام 1950، تتبّع «ت. هـ. مارشال» (T.H. Marshall) تاريخ الحقوق في هذه الدولة منذ العصور الوسطى ولكنه أكد على اللحظات المهمة في صياغة هذه الحقوق، تحديدًا في القرون السابع والثامن والتاسع عشر، وهي الفترة التي شهدت بناء الدولة الحديثة[18]. ويرى أنه يمكن تقسيم حقوق المواطنة إلى حقوق مدنية («حرية المرء وحرية التعبير والفكر والعقيدة وحرية الملكية وإبرام عقو سارية وحرية العدالة) وحقوق سياسية (حرية المشاركة في وممارسة النفوذ السياسي كعضو في أحد الكيانات المرتبطة بالسلطة السياسية أو كناخب لأعضاء هذا الكيان) وحقوق اجتماعية (بدءًا من الحق في قليل من الرخاء الاقتصادي والأمان إلى الحق في المشاركة الكاملة في التراث الاجتماعي والحياة ككائن متحضر، وفقًا للمعايير السائدة في المجتمع)[19].

ويعد هذ التصنيف، والذي يعود إلى التقليد القانوني الأنكلو أميركي والتقليد الثوري الفرنسي والأميركي، هو الأساس الذي جرت وفقًا له صياغة إعلان حقوق الإنسان عام 1948. إلا أنه لم يتطرق أي من «مارشال» وغيره من المنظرين السياسيين الذين تناولوا ظهور الحقوق المدنية في أوروبا وأميركا إلى قضية الحقوق القومية التي استندت إليها حقوق الإنسان. كما أن الهياكل الدستورية للإمبراطورية للعاصمة والمُستعمرات والدول الواقعة تحت الحماية أو الانتداب والمستوطنات ظلت خارج إطار هذا التنظير. ومن ثم فإن تصنيف حقوق الإنسان ينتقل من سياق الدول الأنجلو الأميركية التي يتم في ظلها تنظيم الصراعات السياسية الدائرة لأجل زيادة الحقوق من خلال تسويات قومية إلى سياق تجريدي وعاطفي يُعرف بـ «الأسرة البشرية». وتعتبر هذه «العائلة» متجانسة وحصرية (فهي لا تشمل الآلات أو الحيوانات أو الآلهة)، وذلك على الرغم من أن «الأُسر» الفعلية يتم التمييز والتداخل في ما بينها.

ويبدأ «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» بالتأكيد على «الكرامة المتآصلة» و«الحقوق المتساوية والثابتة لجميع أفراد الأسرة البشرية» ثم يمضي مباشرة ليتناول الدولة. وفي فعل ذلك يقبل بشكل مباشر حقيقة أن الطبيعة العالمية لحقوق الفرد مسؤولية تقع على عاتق الدول ذات السيادة، والتي لكل منها تشريع حصري يقتصر على مجموعة محدودة داخل الأسر البشرية. وبعتبر هذا القطاع السكاني المحدود، كما أوضح فوكو، هو على الفور محل اهتمام الدولة ووسيلة لتأمين نفوذها[20]. وفي صياغة أخرى، يمكن القول بأنه على الرغم من أن المرء لا يحق له تقرير مصيره وأن سلطات الدولة التي هو أحد مواطنيها هي التي يحق لها دستوريًا أن تقرر نيابةً عنه. لذا فعندما كتب «كانط» عن فكرة «كرامة الكائن العاقل الذي لا يطيع سوى القانون الذي يسنه هو بنفسه»[21]، فإنه لا يشير إلى رعايا الدولة (والذين يمكن إحلالهم أوقات الحرب وينبغي لهم دائمًا أن يطيعوا قوانين بلدانهم) إنما أشار إلى الإنسان العاقل ذي السيادة الذي لا نظير له[22].

ولكن لدى الدولة ما يفوق التشريع السيادي؛ فهي تسعى أيضًا إلى إيجاد هوية قومية حصرية لدى كل من مواطنيها. وكما أكد «تشارلز تايلور» (Charles Taylor)، فإن المواطن في ظل الدولة العلمانية الحديثة يتطلب جرعة سليمة من الشعور الوطني الذي ينبغي على الإعلام تقديمه. وهذا يجعل الدولة تُركِز على المشاعر القوية التي تساعد على الحفاظ على أواصر الروابط الوطنية التي قد تُشكِّل عداءً للغرباء.

ويذكر الإعلان أنه ما لم «يتولّ القانون حماية حقوق الإنسان» فسيضطر «المرء في آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم». ولا يتضح على الفور إن كان يمكن فهم هذه العبارة كنوع من التحذير للحكام بأن يكونوا حرصاء أو اعتراف بأن المحكومين سيستعيدون حقوقهم الطبيعية. إلا أن الإعلان يبدو أنه يبرر مفهوم الثورة فقط عندما يكون رد فعل لانتهاك الحكومة لقانون حقوق الإنسان، وذلك على الرغم من أن جميع الثغرات القانونية (وكذلك حلولها) يمكن تحديدها فقط من خلال المحاكم. ولا يوجد اعتراف واضح ومباشر حول أن ما هو مسموح في إطار القانون قد يكون ظالمًا، وبالتالي لا يمكن التجاوز عنه؛ بل يوجد فقط التصريح بأن كل ما يُخالف حقوق الإنسان يُعد انتهاكًا للقانون (الأمر الذي يعتبر مجرد كلام مكرر أو غير صحيح). بمعنى آخر، يبدو أن الإعلان يفترض التقاء مباشرًا بين «سيادة القانون» (وهي الفكرة التي تعتمد على صيانة مؤسسات الدولة للحقوق) مع العدالة الاجتماعية (أي المنظور الذي يرى أن الحياة الاجتماعية منطقيًا تُقدِم حلولًا لكنها ليست بالضرورة حقوقًا، والتي تهتم أكثر بقضايا التوزيع والمدنية أكثر من حقوق الأفراد والحريات). وإن كان هذا هو الحال، فإن السيادة المُسماه بالقانون تقوم فعليًا باغتصاب الخطاب الأخلاقي للعالم بأكمله.

ولا يزال هناك صراع غير محسوم بين الدعوة الأخلاقية حول «عالمية البشرية» وبين سلطة الدولة لتعريف القانون وتطبيقه والحفاظ عليه. فالإعلان لم يكتف بالمساواة بين القانون والعدالة وإنما أيضًا يُحصن وظيفة الدولة المعنية بتحديد المعايير (أو تلك الخاصة بمجموعة دول معًا)، ما يُشجع الفكرة القائلة بأن سلطة المعايير تماثل القوى السياسية التي تدعمها كقانون. ومن المثير للسخرية أن النفور الأخلاقي ضد الأعمال الوحشية التي قامت بها الدولة النازية تحت مظلة القانون إبان الحرب العالمية الثانية هو الذي قد أدى إلى الاهتمام مُجددًا بتقليد القانون الطبيعي القديم وساهم بشكل كبير في صياغة الإعلان . (لقد كانت محكمة نورنبيرغ لجرائم الحرب هي التي أقرت بأثر رجعي فكرة الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي). إلا أن إدانة النظام القانوني لدولة بعينها وكذلك سلوكها في ظل المعايير البعيدة عنه بالكامل لم يؤد إلى الاعتراف بأن المعايير اللادولية ذات سلطة. بل أدت بدلًا من ذلك إلى تشكيل قوانين مقدسة تعتمد بالضرورة، مثل القوانين، على اعتراف الدول بها[23]. وبالطبع يوجد حاليًا هيئات متنامية من القوانين الدولية تغطي كافة الأقاليم (مثل الاتحاد الأوروبي الذي لديه ميثاق حقوق الإنسان الخاص به)، والتي تتجاوز بدورها سلطات الدول المنفردة. لكن هذه الأقاليم تتصرف وكأنها أشباه دول كبرى تحتفظ الدول الأعضاء بداخلها بقدر من السلطة.

ويتضح أحد أوجه الاختلاف بين السلطة الأخلاقية للمعايير والقوى العلمانية للقوانين الحكومية من خلال مثال حديث بأوروبا. ففي أعقاب انضمام اليونان إلى الاتحاد الأوروبي، أصبح على الحكومة اليونانية بموجب الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان أن تزيل أي معلومات عن الديانة والحالة الاجتماعية والجنسية وبصمة الإبهام في بطاقات الهوية التي تصدرها لمواطنيها. وعلى ما يبدو أن المعارضة الشعبية اعتبرت هذا تهديدًا للهوية الدينية الجماعية. «يجب أن نقاتل لأجل حقنا في أن نكون مواطنين يونانيين ومسيحيين أرثوذكسًا»، كما قال أحد المتظاهرين. وأضاف آخر «يبدو وأن (رئيس الوزراء كوستاس) سيميتيس قادر على بيع كل ما يرمز إلى اليونان لكي يبدو أوروبيًا». إلا أن المظاهرات والاحتجاجات لم تُثنِ الحكومة التي أصرت أن يتم إصدار البطاقات الجديدة لتتطابق مع قانون الخصوصية بشأن البيانات الشخصية. ولقد دعت الكنيسة إلى استفتاء حول التغيير المُقترح لكن الحكومة رفضت الفكرة استنادًا إلى «أن مثل هذه الوسائل لا يمكن تطبيقها على قضايا حقوق الإنسان». فقامت الكنيسة بدورها باقتراح تسوية وهو أن يتم الاحتفاظ بالصيغة القديمة على أساس اختياري ولكن الحكومة رفضته. ولقد قامت الكنيسة، باستخدام لغة حقوق الإنسان للدفاع عن سلطتها، باتهام المخطط الجديد بانتقاص حقوق المواطنين في التعبير عن انتمائهم الديني على الملأ إن أرادوا ذلك. ولقد قامت الحكومة بدورها بالرد على هذا الاتهام من خلال إصدار حكم يقول بأن «استخدام بطاقات الهوية الجديدة لا يمثل تهديدًا للعقيدة اليونانية الأرثوذكسية»[24]. ويعد ذلك حكمًا دينيًا ليس بمعنى أنه يستند إلى اللاهوت الأرثوذكسي (إذ إنه من الواضح أنه لا يقوم بذلك) ولكن لأنه يختص بتحديد جوهر هذه العقيدة.

ومن ثم فالأمر يتجاوز الهوية المشوشة (كما تصورها الصحف الأجنبية) ولكنه أيضًا يخص سلطة المعايير التي قد يعتبرها أفراد المجموعة الاجتماعية كعنصر لا غنى عنه لكينونتهم الدينية، والتي يمكن للحكومة تجاوزها دستوريًا وتقوم بذلك بالفعل من خلال التنقل بشكل كامل بين أيديولوجيات مختلفة، وتحديدًا قضية ما يؤثر أو لا يؤثر على حرية الاعتقاد الديني لديهم.

ولا يُعد متطلب امتلاك مواطني الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي بطاقات هوية في حد ذاته انتهاكًا لحقوق الإنسان. فلطالما كانت بطاقات الهوية عنصرًا أساسيًا لحكم ورعاية المواطنين في الدول الأوروبية الحديثة. وعلى الرغم من أن بريطانيا عضو في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لم تطبق هذا النظام (إلا إبان الحرب العالمية الثانية) وقاومت استخدامه على أساس أنه يُعد خرقًا للحقوق المدنية للمواطنين كما هو مُتعارف عليها تاريخيًا في هذا البلد. لذا فإن بطاقات الهوية البريطانية تُعتبر تهديدًا لحرية رعاياها من الأفراد (أي المواطنين) بينما تعتبر في ظل دول الاتحاد الأوروبي ضمانًا لتحقيق الصلاح والرخاء للعُنصر الجماعي (أي السُكان) بشكل وافٍ. وتُركز الفكرة السابقة على الحرية كحق نشط بينما تعتبر اللاحقة مفهوم الرخاء والصلاح حقًا سلبيًا. ويقدم كل منهما منظورًا مختلفًا عن الكيان الإنساني في ظل الدولة العلمانية. ويساهم كل منهما في خطاب سياسي مختلف حول العدالة.

تقدم كل من الموروثات القانونية والسياسية أفكارًا مختلفة عن اللاضمان والتهديد في ما يخص الشأن الإنساني ويتم التعبير عنها بلغات مختلفة تُشارك مع السلطة المؤسسية في الدولة القومية ويعد الخطاب الخاص بحقوق الإنسان إحدى هذه اللغات.

خلاص البشرية

ما هي الافتراضات المتعلقة بالإنسانية التي تشارك في لغات العدالة المرتبطة بالتقاليد المختلفة؟ هل تلائم بعض الأفكار العلمانية بشكل أفضل من غيرها؟ وسوف أنتقل الآن إلى الخطاب الخاص بالخلاص الذي من المُعتقد أنه يقدم نوعًا من الإجابة لأنه يستند إلى مفهوم التصرف السيادي. ولكن كتذكرة قانونية في بادىء الأمر: يجب ألا نعتبر أن هذا الخطابات مجرد وسيلة لشرعنة وتقنين مواقف سلطوية مُسبقة، إذ إن لغات العدالة لا تبرر السلوك السياسي ولكنها تساعد في تشكيل العناصر السياسية الفاعلة.

لقد كانت الإدارة الأميركية قوة رئيسية وراء محاولة عولمة حقوق الإنسان، خاصةً منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. كما أنها كانت عنصرًا رئيسيًا أيضًا وراء تطور فكرة وضوح العنصر البشري في الخطاب الحقوقي منذ نهاية الحرب الباردة. لكن لغة حقوق الإنسان أصبحت داخل الولايات المتحدة الأميركية نوعًا من السلع. وسوف أتناول الآن حالة مواطن أميركي حديث، والذي أثار قضية حقوق الإنسان لكنه فشل في حشد الرأي العام وراءه في مسعاه هذا.

في خطاب شهير ألقاه مالكوم إكس Malcolm X لانتقاد حركة الحقوق المدنية الأميركية في الستينيات، حث المواطنين الأميركيين على اللجوء لحقوق الإنسان كوسيلة لتجاوز حدود الدولة الأميركية. واقتبس في ما يلي جزءًا من خطابه بأسلوبه الشعبي القوي وذكائه القضائي الحاد. إلا أن هذا التجاوز والارتقاء اللذان يسعى إليه «مالكولم إكس» يتكون بدوره من سلطة الدولة السلطة المُجمعة لعدد من الدول الأخرى، وهي الحقيقة التي تشير إلى أن المرء لا يمكن له أن يهرب من عالم يتكون من الدول القومية متساوية ككيانات سيادية لكنها تتفاوت في القوة بشكل كبير.

«إننا بحاجة إلى توسيع نضال الحقوق المدنية إلى مستوى أعلى مستوى حقوق الإنسان. فمهما كنت في نضال الحقوق المدنية، سواء عرفت أم لم تعرف، فأنت تقيد نفسك بتشريعات العم سام. وليس بإمكان أي شخص في العالم أن يتكلم باسمك طالما كان نضالك هو نضال الحقوق المدنية. فالحقوق المدنية تأتي داخل نطاق الشؤون الداخلية في هذا البلد. وبالتالي لن يستطيع إخواننا الأفارقة أو الآسيوييون أو الأميركييون اللاتينيون أن ينبسوا بكلمة وأن يتدخلوا في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة. وطالما الأمر متعلق فقط بالحقوق المدنية، فسيظل تحت تشريعات العم سام».

من ناحية أخرى، يقول إكس إن الأمم المتحدة لديها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما يفتح السبيل أمام التحرر. ويستمر قائلًا: «لماذا نوقشت كل الفظاعات التي ارتكبت في أفريقيا وهنغاريا وأميركا اللاتينية في الأمم المتحدة، في ما لم تناقش مسألة السود فيها. إن هذا جزء من المؤامرة. فذلك الليبرالي العتيد المخادع أزرق العينين، الذي من المفترض أن يكون صديقك وصديقي، المفترض أن يكون في صفنا، المفترض أن يدعم نضالنا، المفترض أن يقوم بدور المستشار لنا، لا يخبرنا أبدًا بأي شيء عن حقوق الإنسان. وفيما تستغرق الكثير من الوقت في الصراخ أمام شجرة الحقوق المدنية، فأنت لا تعرف حتى إن هنالك شجرة حقوق الإنسان على نفس الأرض». إذًا ما الذي ينبغي لنا فعله؟

«عندما نوسع من نطاق نضال الحقوق المدنية ليرتفع إلى مستوى حقوق الإنسان، سيكون بمقدورنا أن نناقش قضية الإنسان الإنسان الأسود أمام الأمم المتحدة. ويمكن أن نضعها على طاولة الجمعية العامة. وسيكون لنا أن نقاضي العم سام أمام المحكمة العالمية. غير أن المستوى الوحيد الذي يمكن على أساسه القيام بهذا هو مستوى حقوق الإنسان. فالحقوق المدنية تبقينا تحت قيود العم سام، وتحت تشريعاته، وفي جيبه. وليست الحقوق المدنية إلا أن نطالب العم سام بأن يعاملك بالحسنى، أما حقوق الإنسان، فهي شيء ولدنا به. هي الحقوق التي حباك اﷲ بها. وهي الحقوق المعترف بها من قبل كل الأمم على الأرض. وأيما رجل في أي وقت انتهك تلك الحقوق، فيمكن لك أن تقاضيه أمام المحكمة العالمية. لقد تضرجت أيادي العام سام بالدماء، دماء الرجل الرجل الأسود في هذا البلد. إنه المنافق الأول على وجه الأرض. إن لديه التبجح، نعم هو كذلك، فنتصور أنه ينصب نفسه كقائد للعالم الحر. نعم العالم الحر! وفيما تنشدون للانتصار، أقول لكم: ارفعوا الحقوق المدنية إلى مقام حقوق الإنسان، ارفعوا الأمر إلى الأمم المتحدة؛ حيث يمكن لإخوتنا الأفارقة والآسيويين والأميركيين اللاتينين أن يشدوا من أزرنا، وحيث ينتظر 800 إنسان صيني أن يدعمونا بثقلهم»[25].

من نافل القول إن نضال الحقوق المدنية لم يرتقِ أبدًا إلى ما دعاه مالكولم إكس مستوى حقوق الإنسان. ولا أريد الخوض في الأسباب السياسية المحلية والعالمية التي حالت دون هذا. وقد فضلت اقتباس الفقرات على طولها بسبب لغتها اللافتة. وفيها يقوم إكس بثلاثة أمور: أما الأول، فهو يعالج أزمة العدالة العميقة في أميركا القائمة على العرق، ويدعي أنه لا يمكن حلها بمجرد المناورات المحلية، أي من خلال توسيع الدولة للمواطنة الكاملة لتشمل الأميركيين الأفارقة. والثاني، يؤكد إكس بصمود على إنسانية الأميركيين الأفارقة بمعزل كبير عن ــ وبمعارضة شرسة ــ للدولة الأميركية وثقافتها السياسية. والثالث، يقترح إكس أن تلك العدالة يجب أن تقوم على إدانة الولايات المتحدة في محكمة دولية، فالعدالة مرهونة بالقانون. ويجعل استدعاء حقوق الإنسان من خلال أي رجل أسود من أميركا منتهكًا للقانون. ولا يمكن للغة حقوق الإنسان التي يستدعيها السود أن تحدث مطالبة أخلاقية، على الإطلاق، بالنسبة لهؤلاء الذين تم وصمهم كمنتهكين للحقوق، فهي لغة تعلن حالة الحرب وتوفر أسبابًا كي تكون تلك الحرب ضرورية. وبالتالي تعيد التأكيد على الصلة بين خطاب الحقوق والحرب والثورة. فعلى أية حال، جاء إعلان الحقوق الإنكليزي في العام 1699 بعد الحرب الأهلية الإنكليزية في القرن السابع عشر، وأخرجت حرب الاستقلال الأميركية إعلان الحقوق الأميركي، وخرج إعلان حقوق الإنسان والمواطن من مخاض الثورة الفرنسية، وكان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948 ردًا على الفظاعات المدمرة في الحرب العالمية الثانية. ولم تظهر مثل هذه الإعلانات والوثائق من الحرب فحسب، بل حملت أيضًا مجاز الحرب في نطاق الإصلاح الاجتماعي. كما أنها سعت إلى توسيع ثقافة قانونية بعينها لتتجاوز موقعها الأصلي في أوروبا وأميركا بهدف تحرير الإنسان الفرد عبر العالم، ومن ثم، وبالنسبة لمالكولم إكس، يعتبر «الإنسان» ذاتًا ولدت بحقوق مؤكدة غير قابلة للتحويل، على الرغم من أن عليها أو عليه النضال غالبًا حتى يتحرر ويمارس حقوقه.

لقد لاحظت حنة أرنت، عندما كتبت عن نفس الموضوع الذي تناوله إكس في خطابه، أن حقوق الإنسان اعتمدت في جوهرها على أن يكون الإنسان مواطنًا في دولة أمة، فتقول: «انهار تصور حقوق الإنسان، القائم على التجربة المفترضة للإنسان في حد ذاته، في تلك اللحظة عندما تواجه الأشخاص الذين احترفوا الإيمان به للمرة الأولى مع الأشخاص الذين كل المميزات والعلاقات الخاصة، وإن كانوا ما زالوا بشرًا. فالعالم لم يجد شيئًا مقدسًا في التجرد الكامل لمعنى الإنسانية. ومن وجهة نظر الظروف السياسية الطبيعية، من الصعب الحديث عن الكيفية التي كان من الممكن لمفاهيم الإنسان الذي انبنت عليه حقوق الإنسان، مثل أنه قد خلق على صورة الرب (كما في الصيغ الأميركية)، أو أنه ممثل الجنس البشري، أو أنه يخفي داخل ذاته المطالب المقدسة للقانون الطبيعي (كما في الصيغ الفرنسية) أن تساعد على حل هذه الإشكالية»[26]. ومع ذلك، قد تكون أرنت قد لاحظت أن «القداسة» في الدولة العلمانية الحديثة لا تنسب إلى البشر الأحياء الحقيقيين ولكن إلى «الإنسان» المتصور تجريديًا، أو المتخيل وهو في حالة الطبيعة. فكل إنسان «حقيقي» ينتمي إلى دولة أمة معينة هو دائمًا ما يخضع للعنف المؤسسي، بما في ذلك عنف قوانينها[27]، كما أنه خاضع للتجنيد الإجباري الذي قد يودي بحتفه. ووحده المواطن الحديث المجرد هو المقدس بفضل مشاركته المجردة في السيادة الشعبية.

بالطبع، أرنت محقة في تأكيدها على مركزية الدولة في ضمان الحقوق للأفراد. وعلى الرغم من أنها كانت تتحدث عن اللاجئين الأوروبيين بعيد الحرب العالمية الثانية، فإن ملاحظاتها قابلة للتطبيق بالكامل على الأفارقة الأميركيين. إذ إن إنسانيتهم وحدها هي التي استدعاها مالكولم إكس، وليس أصلهم العرقي أو هويتهم الدينية، وليست إقامتهم الطويلة في ولاية معينة داخل الاتحاد منذ تأسيسها. ولا ينبغي أن يعزى الفشل السياسي لاستخدام إكس للغة حقوق الإنسان إلى المؤامرة. إذ يمكن شرحه بالنظر إلى حقيقة أن استخدامه لتلك اللغة قد تجاهل قوة الدولة التي عاش فيها هو وغيره من الأفارقة الأميركيين، في ما توجه إلى مجموعة من الدول لا تلك من القوة أو السلطة كي تتدخل. تمثل الموقف الاستثنائي للأفارقة الأميركيين أنهم لم يكونوا حاملي لا الحقوق الوطنية ولا حقوق الإنسان. وقد أخبر إكس مستمعيه قائلًا «أما حقوق الإنسان، فهي شيء ولدتم به». بيد أن الأفارقة الأميركيين قد ولدوا أيضًا في آن واحد كأميركيين (بحقوق المواطنة القائمة فقط في الولايات المتحدة) وكبشر تصادف أن يكونوا سودًا (فلكي تكون إنسانًا كاملًا في أميركا ينبغي أن تكون أبيض). وبالتالي قلص جانب من الميلاد الجانب الآخر، وذلك لأن المواطنة وحالة أن تكون إنسانًا، على الرغم من ترابطهما، فليستا متطابقتين. وبالتالي، أصبحت حقوق الإنسان نظرية للغاية.

ولكن، إذا كانت لغة حقوق الإنسان لم تحدث إلا الأثر القليل، فقد كانت هناك العديد من اللغات الأخرى التي يمكن أن تعالج بها الأزمات الاجتماعية وأن يدافع بها عن الضعفاء وأن يدعى بها إلى الإصلاح الجوهري. وكذلك طرق أخرى لتعريف «الإنسان».

إحدى أهم تلك اللغات في الولايات المتحدة، والتي تتداخل بمعايير مختلفة مع لغة الحقوق (وليس بالضرورة متساوية مع لغة حقوق الإنسان) هي اللغة الرسولية. وعلى العكس من خطاب حقوق الإنسان، لا تستخلص اللغة الأميركية الرسولية مفرداتها وصورها من نص معين (العهد القديم) فقط، بل إنها متجذرة بعمق في سرديات مؤسسي الأمة (الأميركية). ومن المعروف أن هناك سرديتين، إحداهما استباقية والأخرى إلحاقية: والأولى هي قصة فرار الطائفة البيورتانية من الاستبداد الإنكليزي في القرن السابع عشر من أجل الحرية الدينية، والثانية هي قصة تأسيس دولة واحدة من الولايات الثلاث عشرة ما أشر على رفض الاستبداد الإنكليزي. وفي الحالتين، جاءت الحرية من رفض التقاليد. ونبعت قوة اللغة الرسولية جزئيًا من الأصول اليهودية المسيحية، ولكن بشكل خاص من سلسلة من التقسيمات الأخلافية، أي الطغيان الإنكليزي، ووثنية السكان الأصليين، ودونية الأفارقة العبيد. وتظل طبقة البشر مصونة عندما يستبعد منها الطاغية والوثني والعبد. ومهما كانت درجة إهانة الأمر بالنسبة لنا اليوم، فإن التعريف السياسي الذي انبـنى عليه المفهوم الأولي لفكرة الإنسان الكامل هو بشكل ما ليس أقل شمولية من تلك المفاهيم التي خلفته، لأنه يعرف الطبقة التي ينتمي إليها كل من هم «بشر عن حق» وحدهم.

يقول جورج شولمان George Shulman «في الثقافة السياسية الأميركية، كانت قصة الأسر والخلاص وميراث التأسيس الرسولية، ومن ثم الانحدار من الأصول والانعتاق دائمًا خامة على نحو خاص. فقد روى الأميركيون هذه القصة كي يعطوا السلطة للادعاءات حول الحقوق وعدم المساواة وعضوية المجتمع والتاريخ وما تحمله هذه الادعاءات من معانٍ»[28]. وبالتالي، تسمح هذه اللغة وربما تشجع على تحديد أشكال الأزمات الاجتماعية وإدانة الظلم الاجتماعي من قبل هؤلاء الذين يحتلون موقع المركز في الليبرالية الأميركية، ومن قبل هؤلاء الذين يقفون خارجها كنقاد لها. ولكنها تقوم بهذا من خلال أصل معين واستبعادي. فهي تضمن الوعد بالحرية الذي يجب إنقاده وتحذر من الانهيار أو الفساد الذي يهدد ذلك الوعد، بيد أنها تتطلب دائمًا خلاص الذوات للدفاع عن وضعها الإنساني وكي تلحق بعالم الأفراد الأحرار المتساوين ذوي السيادة.

لقد كانت هذه اللغة هي ما وظفته قيادة حركة الحقوق المدنية في أميركا بنجاح. وهي تلك التي استخدمها مارتن لوثر كينغ عندما قال «لقد حان الوقت الآن كي نحقق وعد الديمقراطية الحقيقية»، وبالتالي الوصول «إلى غاية أميركا (وهي) الحرية» ويلتفت كينغ إلى رفاقه الأميركيين الأفارقة قائلًا «قد نكون مذلين ومهانين، إلا أن مصيرنا مرهون بمصير أميركا؛ (لأن) التراث المقدس لأمتنا وإرادة الرب الخالدة هي ما يتجسد في مطالبنا المتكررة». ويستمر كينغ ليعلن «يومًا ما سيعلم الجنوب أن أبناء الرب المحرومين الذين جلسوا للغداء، أنهم كانوا في الحقيقة يعبرون عن أفضل ما في الحلم الأميركي والقيم الأكثر قداسة في تراثنا اليهودي المسيحي، وثم يعيدون الأمة بأكملها إلى منابع الديمقراطية تلك التي حفرها الآباء المؤسسون بعمق عند صياغة الدستور وإعلان الاستقلال»[29]. ومن هنا، يحدد خطاب كينغ السياسي ذنب الأغلبية البيضاء ويحثها على التكفير عنه؛ إذ يسعى لا لمجرد توسيع الحقوق المدنية كي تشمل كل المواطنين الأميركيين بغض النظر عن العرق، ولكن أيضًا لتجديد أميركا لنفسها. وبالنسبة لكينغ، ليست «العدالة» بالأساس مفهومًا قانونيًا علمانيًا، كما هي بالنسبة لمالكولم إكس، بل مفهوم ديني، فهي فكرة الخلاص. فقد كان السعي للخلاص وتخليص الآخرين بمثابة استعادة للتراث اليهودي المسيحي بشكل عام، وللتعبير الأميركي عنه بشكل خاص، وفي هذه الحالة، امتزجت لغة العهد القديم الرسولية باللغة الخلاصة للعهد الجديد. لقد أصبح مشروع حركة الحقوق المدنية، إلى الحد الذي كانت تقدم به نفسها، الاستعادة الأخلاقية للأغلبية البيضاء.

يقف خطاب كينغ المسيحي بعمق على النقيض من لغة حقوق الإنسان التي استخدمها مالكولم إكس. فهو خطاب، على طريقته، ليس أقل دوليتة (إذ إنه يبحث عن الحقوق المدنية من خلال الدولة)، وليس أقل عالمية (فهو يستدعي الإنسانية العالمية) من خطاب مالكولم إكس، ولكن لأنه بالضبط كان متوجهًا إلى أميركا (مستدعيًا آبائها المؤسسين وتراثها اليهودي المسيحي)، وقد عمل على تعبئة الرأي العام الأميركي من أجل التغيير بطريقة لم يمكن مالكولم إكس قادرًا على القيام بها. ومع ذلك، فلم يكن خطاب الخلاص هذا مماثلًا للمشروع الخلاصي الذي تبنته الحكومة الأميركية.

ويشرح المشروع الخلاصي الحكومي على سبيل المثال تمرير الكونغرس وتصديق الرئيس على قانون الحريات الدينية العالمية في العام 1998: وليس من المدهش أن يبدأ القسم الثاني/أ من هذا القانون، والمعنون بــ «الأحكام» بتعريف الهوية الوطنية لأميركا من خلال سردية الخلاص، حيث ينص على: «(1) تؤسس حرية الدين الأساس الأصيل لوجود الولايات المتحدة. فقد فر العديد من آباء الأمة المؤسسين من الاضطهاد الديني بالخارج واعتزوا في قلوبهم وعقولهم بمثالية الحرية الدينية. وأسسوا في القانون حق الحرية في الدين كحق أساسي وكعماد للأمة. ومنذ ميلادها حتى يومنا هذا قدّرت الولايات المتحدة إرث الحرية الدينية، وكرمته من خلال التعبير عن الحرية الدينية وتوفير الملاذ لهؤلاء الذين يعانون من الاضطهاد الديني». ومن ثم، يؤسس هذا القانون لسياسة الولايات المتحدة في هذا المقام، ويطالب رئيسها بإنفاذ الحرية الدينية عالميًا من خلال استخدام العقوبات الاقتصادية أينما كانت ضرورية، وبإقامة مكتب داخل وزارة الخارجية كي يبلغ سنويًا عن حالات الاضطهاد الديني في الدول الأجنبية (أي في ما عدا الولايات المتحدة)، ويأمر بتوفير تدريب على «الحريات الدينية» لأعضاء وزارة الخارجية الأميركية، وما إلى هنالك[30].

إن الملمح الدال في هذا المشروع أنه لا يدعم «القيم المسيحية» بل يسعى إلى تحرير الناس في هذا العالم، وأن يعطي لهم الحق في اختيار معتقداتهم الدينية والتي تعني في عالم علماني كل شيء يمكن للدولة العلمانية تحمل إطلاق سراحه. ومن المهم أن الولايات المتحدة باعتبارها زعيمة الحضارة اليهودية المسيحية ينبغي لها أن تقوم على هذا المهمة العلمانية، أن تقوم بتحرير الاعتقاد كما تقوم بتحرير الملكية، أي أنه موضوع يمكن التفاوض حوله وتبادله بدون أية عوائق قانونية. تعمل الآن لغة الخلاص العلمانية الأميركية، بكل خصوصيتها، كقوة في عالم العلاقات الخارجية من أجل عولمة حقوق الإنسان. إذ إن ما تقوم عليه هذه اللغة، في نهاية الأمر، هو فكرة أن «الحرية» و«أميركا» متقاطعتان عمليًا، فالثقافة السياسية الأميركية هي (كما يقول الكتاب المقدس عن الشعب المختار) «نور للأمم». ومن ثم، فإن «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«أن تكون حرًا» هي أجزاء لا تتجزأ من المشروع الأخلاقي العولمي للدولة الأمة الأميركية، أي مشروع أنسنة العالم، وهو جزء مهم من الطريقة التي يرى بها كثير من الأميركيين أنفسهم في مقابل الأعداء «الأشرار». من ناحية أخرى يفترض خطاب مارتن لوثر كينغ المسيحي، مع كونه متصلًا بالممارسة و«اللاعنف» ويتحاشى لغة «الأعداء الأشرار»، استعدادًا من جانب نشطاء الحقوق المدنية في الجنوب للمعاناة، وهو استعداد لا يمكن العثور عليه في مشروع الولايات المتحدة لإنقاذ وأنسنة العالم. يوسع كينغ من خبرة الألم، مثل غاندي من قبله، من التعاطف إلى الإشفاق، ويجعل منه ذا معنى وفعالًا في دولة علمانية بعينها.

غالبًا ما يتم إعلان حقوق الإنسان باعتبارها «مثالًا عالميًا أعلى» في مقابل «النسبية الثقافية»، إذ تعتبر الأخيرة أكبر من مجرد عذر للتغاضي عن أشكال القسوة المحلية. إن الغرض من مناقشتي لكل من مالكولم إكس ومارتن لوثر كينغ في جزء منها إيضاح الطريقة التي أصبحت بها اللغتان، لغة النبوءة المحددة ثقافيًا ولغة حقوق الإنسان العالمية،  متشابكتين عن قرب في المشروع العالمي الأخلاقي لأميركا. ونحتاج التأكيد على هذا، لأن الفصل بين «النسبية» و«العالمية»، كما أعتقد، ليس مفيدًا على فهم حقوق الإنسان. بالطبع لدى كل فرد بشكل عام رأيه الخاص حول أعراف واعتقادات الآخرين («الثقافات الأخرى»)، سواء كان يعتبرها خيرة أم شريرة أم أنه لا يبالي على الإطلاق، بيد أن هذه الحقيقة في رأيي هي أقل إثارة للانتباه من التساؤل عن نوع العنف (المعنوي أو القانوني أو العسكري) الذي تبرره مثل هذه «الأحكام».

«الإنسان» المالك لذاته

قلت في ما سبق إن «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» لا يعرف كلمة «الإنسان» في لفظة «حقوق الإنسان» إلا بكونها (كحشو غير مفيد) الفاعل في حقوق الإنسان التي تم التنظير لها من قبل باعبتارها حقوقًا طبيعية. ولكن ما نوع الإنسان الذي تعترف به حقوق الإنسان في «الممارسة»؟

إن هؤلاء الذين يصيغون وينفذون السياسات الغربية غالبًا ما يفترضون أن هناك تناسبًا طبيعيًا بين الثقافة القانونية لــ «حقوق الإنسان» والثقافة الأوسع لــ «المعايير الغربية». ويتضمن هذا توجهات معينة نحو الجسد البشري ونحو الألم . لقد ذكرت في الفصل الثالث بعض آراء ما بعد عصر التنوير حول مقاييس المعاناة التي قد سمحت بأن يتم تمثيل السجن باعتباره إنسانيًا مقارنة بالجلد. وهنا أود أن أتناول فكرة مختلفة قليلًا؛ وهي التوجهات نحو الجسد المشار إليها من خلال التفضيلات الأخلاقية ــ أي لماذا على سبيل المثال يكون الحبس، وربما الحبس الانفرادي، شكلًا مقبولًا من العقاب، في ما لا تقبل أي ممارسة عقابية تسمح بالتعدي على الجسد مباشرة.

من الواضح أن سلامة الجسد قد منحت قيمة عليا وهو ما يفسر جزئيًا الفزع الخاص الذي يصيب أوروبا وأميركا من عادة ختان الإناث في بعض مناطق أفريقيا[31]. وأقول «جزئيًا» لأنه لا يوجد فزع مقارن بسبب عادة ختان الذكور. وبالطبع العادة الأخيرة مألوفة في الغرب اليهودي المسيحي، أما العادة الأولى فلا. ولكن هناك مما هو أكثر من ذلك. هناك اعتقاد أن ختان الإناث، على العكس من ختان الذكور، يتدخل في المتعة الجنسية للمرأة. فالاستمتاع بالمعاشرة الجنسية جزء له قيمة في أن نكون بشرًا؛ وبالتالي يعتبر أي شيء يتدخل في هذه المتعة بشكل قوي غير إنساني[32]. وعليه، يصبح الأمر موضوعًا لحقوق الإنسان وانتهاكًا لها. لذلك، هنالك يكمن عدوان على السلامة المادية للجسد والتدخل (أو هكذا يعتقد) في قدرة الذات على اختبار المتعة الجنسية «الكاملة»[33] على السواء. فالإنسان يملك جسده أو جسدها ولهما الحق غير القابل للتحويل في الاستمتاع به.

في سلسلة رائعة من المنشورات، أعادت مارثا نوسباوم Martha Nussbaum فتح النقاش حول السؤال القديم عن الطبيعة الإنسانية من خلال الفكرة الأرسطية عن القدرات الإنسانية التي ترى أنه يمكن ربطها بمفهوم حقوق الإنسان. وتكمن الفكرة الأساسية لدى نوبسباوم في أنه يمكن إعداد قائمة من القدرات الإنسانية الوظيفية (مثل «القدرة على استخدام الحواس من أجل التخيل والتفكير والتعقل، والقيام بهذه الأشياء بطريقة «إنسانية بحق»، طريقة يتم الاطلاع وتنميتها من خلال التعليم الكافي، بما في ذلك، وإن لم قاصرًا عليه، القدرة على القراءة والتدريب العلمي والرياضي الأساسي. والقدرة على استخدام الخيال والفكر في رابطة مع تجريب وإنتاج الأعمال والأحداث ذاتية التعبير ذاتية الاختيار، سواء كانت دينية أو أدبية أو موسيقية وما إلى ذلك»[34]). ويمكن أن نجد الطبيعة الجامعة لهذه القدرات، طبقًا لنوسباوم، في الفكرة الرولزية (نسبة إلى جون رولز ) حول «الإجماع المتداخل»، والتي ناقشتها بإيجاز في علاقتها مع استخدام تشارلز تايلور لها في المقدمة. تقول نوسباوم «ما أعنيه بالإجماع المتداخل هو أن الناس قد يتشاركون في تصور معين بدون قبول رؤية ميتافيزيقية محددة حول العالم، أو أية رؤية أخلاقية أو شاملة محدد، أو أية رؤية معينة حول الشخص أو الطبيعة الإنسانية»[35]. غير أن فكرة نوسباوم حول القدرات الجامعة تعبر عن فكرة «الإنساني» فيها. فلو أن شخصًا يتمتع بالسلامة الجسدية والقدرة الحرة على أن يعبر عن ذاته أو ذاتها، وله الحق في اختيار ما يعتقده أو تعتقده وما يتصرف به أو ما تتصرف به، فإن هذا ليس مجرد «الجوهر الأخلاقي القائم بذاته للتصور السياسي» الذي يتشارك الناس فيه. إن هذا لتفسير غليظ لمعنى كينونة الإنسان، وإن كان هو ما يعزز حقوق الإنسان.

وبوصفها رؤية حول الطبيعة الإنسانية، فإنها تستتبع أنه أينما لا يمكن ممارسة هذه القدرات نتيجة لعوائق تحول دون هذا، فإن إزاحة تلك العوائق ستسمح للبشر إما بممارسة (وتصنيف) قدراتهم بعفوية، أو الاختيار بحرية عدم القيام بها. ومع ذلك، سيكون على البشر تعلم ماهية القدرات «الحسنة» وكيفية ممارساتها، أو أن يمتنعوا عن ممارسة الرذائل التي تضر الآخرين. وفي النهاية، البشر قادرون أيضًا على القسوة والجشع والصلف والخيانة، وفي الحقيقة نادرًا ما وجد شيء لا يقدرون عليه. لذلك، وبعيدًا عن القدرة على تعريف الرذائل وآثارها الاجتماعية الضارة، سيكون لدى شخص ما القدرة على تحديد «العوائق» حتى يتمكن من إزاحتها، وكي يؤكد أيضًا، بالقوة إذا استلزم الأمر، على عدم عودة الرذائل. إن «هذه» القوة السيادية قدرة إنسانية هي الأخرى، ولكن ليس من حق كل إنسان أن يمارسها بحرية بناءً على هذا التفسير. فعندما يتم تغليفها بالدولة، تصبح السلطة العدلية شرطًا ضروريًا لازدهار حقوق الإنسان. وطبقًا لنوسباوم، ينبغي لمثل هذه الدولة بالطبع أن تلتزم بالقيم العالمية. وعلى هذا النحو، فلن تضمن الحقوق نفسها لمواطنيها فقط بل ستضمن أيضًا قدرتهم على ممارسة مشاعر الحب والحزن والغضب المبرر، وربما قدرتهم على «استخدام الحواس من أجل التخيل والتفكير والتعقل، والقيام بهذه الأشياء بطريقة «إنسانية بحق»[36]. وتكمن إحدى الصعوبات هنا في أن الدولة الأمة تصبح هي من يعرف «الإنساني بحق»، وعلى الرغم من أن نوسباوم تحاول التمييز بين القدرة والوظيفة وتقوم بإسناد تعريف القدرة فقط إلى الدولة، إلا أنه من غير الممكن دائمًا التفريق في ما بينهما.

كما أن هناك العديد من الإشكاليات المعروفة والمتعلقة بهذه الرؤية، والتي قد نشير إليها بصورة عابرة. أولًا قد تواجه القدرة على اختيار أو عدم اختيار ممارسة تلك القدرات بحرية تناقضًا: لأن بعض الخيارات غير قابلة للإلغاء، فإنها قد تشكل عقبات أمام الاختيارات الأوسع (على سبيل المثال؛ لا يمكن لشخص أمي أن يقوم باختيار مطلع بخصوص تعلم القراءة إلا إذا كان قد اختبر تجربة التعليم، ولكن بمجرد أن يصبح متعلمًا فلا يمكن له أن يغير رأيه). وثانيًا، هناك حقيقة معروفة مفادها أن القدرات البشرية والظروف التي تتحقق من خلالها تخضع لتفسيرات متضاربة. فعندما تكون «القدرات البشرية» مكرسة قضائيًا، تكون قضية تفسيرها ميزة للسلطات القضائية والخبراء الفنيين في ما يتم إقصاء السياسة الملائمة. أي باختصار، تصبح المسألة قضية هيمنة لا تفاوض.

في عالم من الدول الأمم، من لديه السلطة لتفسير والقدرة على تعزيز الظروف التي تسهل حقوق الإنسان، و«الإنسان» الذي تحافظ عليه؟ في اجتماع عقد منذ عامين، لاحظ الممثل التجاري للولايات المتحدة الذي يتفاوض على مسألة دخول الولايات المتحدة لمنظمة التجارة العالمية عند إجابته على سؤال أحد الصحافيين أنه «من المؤكد أن الإصلاح السياسي الديمقراطي والالتزام الأعظم بحقوق الإنسان يتعززان من خلال «الانفتاح على الغرب والمعايير الغربية»[37]، ومن ثم هناك صلة مباشرة بين التجارة الحرة وحقوق الإنسان و«المعايير الغربية». فما الذي يمكن أن تكون عليه تلك المعايير عندما ينظر إليها كأسلوب حياة متعلق بألوان مختلفة من الذاتية؟

في مقال نشر مؤخرًا حول أميركا كقوة عظمى، يسرد إغناثيو رامونيت Ignacio Ramonet رئيس تحرير مجلة «اللوموند ديبلوماتيك» حجم هيمنة الولايات المتحدة العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والتكنولوجية، ثم يأخد متسائلًا عن لماذا لا يتوجه نقد إليها مع اعتبار الأيديولوجيا الليبرالية الديمقراطية القائمة على المساواة والاستقلالية؟ في ما يلي أقتبس إجابته الحاذقة كاملة.

«ليس هناك شك في أن الولايات المتحدة تحتضن ثقافة وأيديولوجيا. فقد كانت لوقت طويل موطن العديد من المثقفين الرائعين والمحترمين والفنانين المبدعين الذين يثيرون إعجاب الجميع عن حق. كما أن تقفوقها يمتد ليسع المستوى الرمزي، بما يضفي عليه ما يطلق ماكس فيبر «الهيمنة الكاريزمية». وقد فرضت الولايات المتحدة هيمنتهتا على المفردات والمفايهيم والمعاني في جميع المجالات فأضحى علينا أن نصوغ المشكلات التي تخلفها بالكلمات التي تقدمها . أي أنها توفر لنا شيفرات لحل الألغاز التي تعقدها. وقد أنشأت العديد من المراكز البحثية وخلايا الفكر فقط للقيام بتلك المهمة، حيث تقوم بتوظيف آلاف المحللين والخبراء. وتنتج تلك الكيانات البارزة العديد من التقارير حول الموضوعات القانونية والاقتصادية والاجتماعية من منظور يدعم فكرة السوق الحرة وعالم الأعمال والاقتصاد العالمي. ويجذب عملهم الممول بسخاء انتباه وسائل الإعلام ويبث عبر المحطات المختلفة ليصل العالم بأجمعه.. وبحيازتها لقوة المعلومات والتكنولوجيا، تؤسس الولايات المتحدة، مع الإذعان السلبي للشعب الذي تسيطر عليه، قمعًا دمثًا أو طغيانًا بشوشًا. وهذا هو الأمر الحاسم؛ لأن صناعات الثقافة التي تسيطر عليها هي ما يأسر مخيلتنا. إن الولايات المتحدة تستخدم المهارات والخبرات كي تسكن أحلامنا بأبطال الإعلام، تلك الأحصنة الطروادية التي تغزو رؤوسنا. وفيما يبلغ حجم الأفلام الأجنبية المعروضة في أميركا 1% فقط، تغمر هوليوود العالم، ويأتي من وراء هذا المسلسلات التلفزيونية وأفلام الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو والعروض الكوميدية والموضة والتطوير الحضري والطعام. ويهرع المؤمنون لعبادة الأيقونات الجديدة في مراكز التسوق «المولات» تلك المعابد التي صممت لمجد الاستهلاك. وتقوم هذه المراكز حول العالم أجمع بنشر طريقة الحياة هذه، في عالم من العلامات التجارية والنجوم والأغاني والمشاهير والماركات والمقتنيات والملصقات والاحتفالات (مثل الانتشار غير العادي لعيد الهالووين في فرنسا). يأتي كل هذا مصحوبًا بخطاب مغوِ عن حرية الاختيار والتحرر الاستهلاكي المدعوم بصناعة إعلانية مهووسة وهائلة الحضور (يتجاوز الإنفاق على الإعلانات سنويًا نحو 200 بليون دولار) وهي تتعامل مع الرموز كما السلع بالقدر نفسه. لقد أصبح التسويق من التعقد بمكان حتى إنه يستطيع ألا يبيع اسم علامة تجارية أو علامة اجتماعية فقط، بل قد يبيع هوية أيضًا. فالأمر كله قائم على مبدأ «أن تمتلك يعني أن تكون».. لقد أتقنت الإمبراطورية الأميركية فن الرموز والإغواء. ومن خلال تقديم تسلية غير محدودة وتشتت لا ينتهي، يدخل سحرها المنوم عقولنا ويغرس أفكارًا لا تنتمي إلينا. لا تسعي أميركا للحصول على خضوعنا بالقوة، بل بإيقاعنا أسرى للسحر. فليس لها حاجة في إصدار الأوامر، إذ إنها قد حصلت على رضائنا بالفعل. وليس هناك داع لإصدار التهديدات، لأنها قد ربحت بعطشنا للذة»[38].

لا أورد هذه المقالة كبرهان قاطع على ما يحدث في العالم. فما يهم فيها هو التفسير الذي تقدمه للكيفية التي تكيف بها المجتمع الدولي، من خلال «صياغة المشكلات التي تخلفها (أميركا) بالكلمات التي تقدمها» مع اللغة الأقوى والأكثر حداثة، تلك اللغة التي يتضح فيه الحق المتساوي للجميع في الصحول على اللذة باعتباره مشروع الخلاص العلماني الذي تقدمه أميركا[39]. إن اعتراف رامونيت بأن رغبة المرء في التصرف كما يحلو له (وفعل ما يسعده) التي يثيرها خطاب التسويق مألوف بما يكفي، إذ إن تطبيع الرغبة الاستهلاكية هي ملمح واضح للمجتمع الرأسمالي المعاصر كما هو ملاحظ بالنسبة لنقاده وداعميه على السواء. وكذلك من المألوف رأيه في أن الكائن البشري المفترض في ثقافة السوق المعاصرة هو فرد مستقل يسعى للمتعة ويتجنب الألم. وبالضبط كما تفترض الديمقراطية الانتخابية تكافؤ المواطنين، (إذ إن كلًا منهم يحسب كواحد وواحد فقط) داخل أي حزب سياسي، فإن استراتيجيات السوق تفترض تكافؤ المشتريين (فكل منهم يحسب كواحد فقط) داخل أية سوق. وفي كلتا الحالتين، تعتبر الذات التي تقوم بالشراء مجرد موضوع إحصائي ينغي استهدافه، سواء كان مضافًا أم منفصلًا عن الأفراد الآخرين. إن هذا هو ما يفسر حديث الممثل التجاري للولايات المتحدة بأن الالتزام بحقوق الإنسان إنمت يتعزز بتحقيق «المعايير الغربية (أي الأميركية)» لتحل محل المعايير القديمة، وهو ما الضبط مع القول بأن الانفتاح على التجارة الحرة مع الغرب وتطوير مجتمع السوق من شأنه أن يعزز حقوق الإنسان.

ليست فكرتي أن مثل هذا الادعاء يتسم بالغرور، أو على العكس أنه مشوه أخلاقيًا، فقد يكون هذا صحيحًا[40]. وكما لا يكل النقاد من تذكيرنا، فــ «الثقافات» في الحقيقة متشظية ومترابطة. بيد أن الثقافات أيضًا تمثل ممارسات «مقتلعة بدون تساوي». وليس ما يعنيني هنا إذا ما كان الاقتلاع الثقافي وسيلة لتأكيد الهيمنة السياسية أم أنه مجرد أثر لها، أو ما إذا كان هذا الاقتلاع تغيرًا ضروريًا لنمو الإنسانية العالمية أم أنه مثال على السيطرة الثقافية. ما أود التأكيد عليه هو أن الثقافات قد ينظر إليها بصورة «بصرية» (مثل القول «محدودة بوضوح» و«متلاحمة» و«مجزأة» وما إلى ذلك)، ولكن أيضًا يمكن ينظر إليها في شكل الحالات الزمانية للقوة التي يمكن لــ «الممارسات» التي تشكل أنماطًا من الحياة، بشكل صحيح أو خاطئ، أن تتعرض للتجزيء أو للتجريم أو للعقاب، والتي يمكن من خلالها أن توجد ظروف لإنماء ضروب مختلفة من الإنسان[41]. إن الاستياء من جانب الضعفاء لكونهم يعاملون بقسوة من جانب الأقوياء ردة فعل إنسانية عفوية، ولكن تعلم رؤية بعض الممارسات المحددة باعتبارها غير مقبولة، وأن هذا لم يكن وضعها في ما سبق، وتنظيم المعارضة الاجتماعية ضدها، هي خطوات في سبيل إعادة تأسيس الإنسان.

في العالم المعاصر متبادل الاعتماد، لا تنمو ولا تتطور «الثقافات التقليدية» عفويًا إلى «ثقافات حديثة». إذ إن الناس يدفعون أو يغرون أو يجبرون أو يقنعون بمحاولة تغيير أنفسهم إلى شيء آخر جديد، شيء يسمح لهم بالخلاص. وقد يكون من المستحيل إيقاف مثل هذه العملية؛ وقد يكون من الرائع أن هذه العملية تستمر في الحدوث لأن الناس فعلًا يحصلون على الخلاص من خلالها. ولا أجادل هنا ضد أو مع هذه التغيرات الموجهة. بل إنني أؤكد أنها غير ممكنة الحدوث بدون ممارسة القوة السياسية التي غالبًا ما تؤكد نفسها باعتبارها قوة خلاص لــ «الإنسانية» من «الثقافات التقليدية». أو باعتبارها، كما ينتهي بها الأمر إلى نفس الغاية، قوة استرداد الحقوق الثابتة التي تنتمي إلى إنسان حالة الطبيعة.

اقترح جون بوكوك John Pocock أنه في القرن السابع عشر بدأ ينظر للذات الإنسانية باعتبارها حالة عارضة. وقد شكل القلق الذي أثارته هذه الرؤية السياق الذي اكتسبت فيه دعوة جون لوك للحقوق الطبيعية معقولية مضافة[42]. وأضافت الخطابات القانونية حول تعريف الشخص ثقلًا. في مقالة حول الرأسمالية المرنة مع نهاية القرن العشرين، جادل ريتشارد سينيت Richard Sennett بأن ظروف العمل غير المستقرة جدًا في الولايات المتحدة تجعل من وجود سردية متماسكة حول الذات، وبالتالي حول تحقق «الشخصية»، أمرًا صعبًا للغاية[43]. ومن الممكن (على الرغم أن هذه ليست أطروحة سينيت) أن تكون هذه المرحلة الجديدة في القلق المتزايد حول الذات الخاصة لن تكون منفصلة عن الإصرار المتزايد على الخاصية الخلاصية في حقوق الإنسان على المستوى العالمي. وعندما نجد أن النظام العلماني الأيديولوجي الذي يفصل السياسة العامة عن الحياة الخاصة في حالة انهيار، فإن المساحة الجديدة ستشغل بخطاب عن حقوق الإنسان يمكن اعتباره مقدسًا أو مدنسًا. وتعتبر مطالبة كانوفون بأن تدافع الأسطورة عن المشروع الليبرالي لحقوق الإنسان (انظر الفصل الأول)، ومطالبة كينغ بالإخوة الإنسانية الجامعة والكرامة الإنسانية في ظل الرب، ومشروع الحكومة الأميركية لتحرير كل من الاعتقاد والملكية واحتفاء نوسباوم بقدرات الإنسان ذي السيادة، تعتبر كلها تنويعات على هذا الخطاب.

 

تضمين واستبعاد الذوات باعتبارها «بشرًا»

وفي النهاية، أنعم النظر قليلًا في الكيفية التي تأسست بها الحدود بين الإنساني واللاإنساني. وقد ظهرت هذه المسألة كتحدٍ مع المحاولات الحديثة للتعامل نظريًا مه معاناة الحيوانات.

لطالما اعترف بــ «اهتمام» الحيوانات في العيش بحرية بمعزل عن القسوة الإنسانية. غير أن بعض الناس قد تمادوا وتساءلوا: لماذا لا يمكن للحيوانات من غير البشر، أن يكتسبوا حقوق الشخصية مثلهم مثل البشر؟ وهناك من يجادل بأن الافتراض أن الحيوانات ليس بإمكانها امتلاك الحقوق لأنهم حرفيًا لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم في المحاكم القانونية ليس إلا تقييدًا تعسفيًا في معنى «الحق»، على الحق الفعال. ويقال إن المطلوب هو إعادة التفعيل الجذري للسلوكيات والتوجهات التي من خلالها يمكن تضمين مفهوم «الإنسان» الحديث باعتباره الكائن الأكثر تميزًا. وما زالت محاولات رسم خطوط فصل حادة بين «الإنسان» و«الحيوان» ملمحًا مستمرًا للتفكير والممارسة الحديثين. فقد خضع معيار وضع «الإنساني» في تناقض مميز مع «الحيواني» لجدل لا ينتهي، وأثيرت أسئلة من قبيل: هل تمتلك الحيوانات وعيًا؟ وهل لها لغة بالمعنى الصحيح؟ وهل هي قادرة على تغيير ثقافتها كما يفعل البشر؟ ويبدو في النهاية أن الهدف من وراء هذه التساؤلات هو التمييز بين ذات الحقوق عن موضوعات الحقوق، أي المالك عن موضوع الملكية. وعلى الرغم من أن القانون كان منشغلًا منذ وقت طويل بتجريم الألم وسوء المعاملة «غير المبررة» بحق الحيوانات، فقد كانت هناك ممانعة قوية لتغيير الطريقة التي يعيش بها الحيوانات بصحبة الإنسان، وربما كان الاستثناء في السماح بإخضاعها للتجارب البيولوجية والسيكولوجية التي تستهدف إثراء «العلم من أجل مصلحة الإنسان».

ويجادل كتاب صادر مؤخرًا ألفه أحد المحامين والمدافعين عن حقوق الحيوانات بأنه يجب الاعتراف بالشخصية القانونية، وبالتالي بالحقوق القانونية لقردة الشمبانزي والبابون التي طالما تعرضت لسوء المعاملة القاسية في أفريقيا وأميركا وأوروبا. ولكن هل يجب أن تتمتع كل أنواع الكائنات الحية بالحقوق؟ يبدو أن التوسع المرضي للحقوق أمر مخيف. بيد أن الكتاب يشدد على أن «هناك حوالي مليون نوع من أنواع الحيوانات (وأن) الكثير منها مثل النمل والخنافس لا ينبغي أن يتمتع بأية حقوق»[44]. فهي أنواع مختلفة عنا للغاية. إلا أن الشمبانزي والبابون شبيهة بالبشر. فلقد علمنا أن جيناتها وبنية أمخاخها مماثلة لنا، وأنها تمتلك وعيًا ووعيًا بالذات، وأنها تفهم علاقات السبب والنتيجة وقادرة على صناعة الأدوات وتعيش في مجتمعات معقدة ومرنة، وأنها تستطيع خداع الآخر والتعاطف معه وأن تستخدم الأرقام والتواصل عبر الرموز وأن تعالج المرض بنباتات طبية. ويرى ستيفن إم وايز Steven M. Wise مؤلف الكتاب أن هذا هو السبب في «أن عددًا متزايدًا من العلماء يطالب بتضمين تلك الحيوانات في جنس الإنسان HOMO»[45]

يريد وايز أن يكون الفصل بين البشر وغير البشر فصلًا مرنًا، غير أنه لا يستطيع القيام بهذا دون فصل. فهو لا يوظف مفهوم الشبكات المتداخلة والمتمايزة جوهريًا، إذ إن قانون حقوق الإنسان يبدو أنه يتطلب تصنيفات مستبعدة تبادليًا (الإنساني وغير الإنساني، المذنب وغير المذنب، الشخص القانوني واللاشخص). إن الافتراض هو أنه كي نبرر حصول الحيوانات على الحقوق، ينبغي «لها» أن تكون «مثلنا» بما يكفي، والعكس صحيح، فهي ليست مثلنا، وبالتالي لا يمكن أن تتعرض للخلاص. ويؤكد وايز على أن مقولته «إن الحيوانات لا يمكن أن تحصل على حقوق الإنسان» يبدو أنها بمثابة حقيقة علمية، ولكنها صيغة لتمييز الإنسان على الحيوانات (وبشكل أفضل، على «أنواع الحياة المجردة»). بيد أن وايز ما زال مصرًا على الإبقاء على فكرة أن «بعض» غير البشر لا يمكن أن تطالب بمعاملتها كأشخاص قانونيين[46].

إن تعريف ما يعتبر «كائنًا مثلنا» (أي كائنات تنتمي إلى العالم الذي نتمتع فيه بالمميزات) هو مسألة صعبة بالتأكيد. ولكن في المجتمع العلماني الحديث، تعتبر هذه المسألة قضية سياسية وأخلاقية وليست علمية أو لاهوتية. وحتى إذا كانت الحالة لم يتجادل فيها العلماء واللاهوتيون حول مدى دلالة برهان معين، فبالنسبة للديمقراطيات الليبرالية، تكمن القضية في ما تستبعه سياسيًا وأخلاقيًا على «الإنسان»؛ ومثل هذه القضية لا توجد مطالبات نهائية من المجتمع العلماني لتدخل الخبراء الموثوقين. ولكن عندما يمنح مفهوم «الإنسانية» المجرد سلطة قانونية، فإنه يسمح للسلطات بتحديد من يمكنه، فضل كونه «غير إنساني»، أن يعامل شرعيًا بطريقة غير «إنسانية» من قبل الدولة ومواطنيها. ولأن «الإنسان» تصنيف تضميني، فإنه ينتمي إلى عالم حصري «لا» يحتوي على مجرد أنواع الكائنات الحية.

إذا كان مؤرخو الفكر الاجتماعي محقين في حديثهم عن الأهمية المتزايدة «للحالة الطبيعية» في المجتمع الحديث[47]، فربما لن يكون علينا النظر في «النظريات العلمية» حول «الطبيعة الإنسانية»، ولكن بدلًا من هذا علينا النظر في «الممارسات الاجتماعية والاقتصادية» التي يمكن من خلالها القيام بمحاولات لتنظيم «السلوك المرغوب» في العالم، سواء داخل الدولة أو خارجها، من خلال تطبيق تحليل التكلفة والمنفعة. وكما يشير نشطاء حقوق الإنسان، فليست قسوة الدولة وحدها (وقسوة الفصائل المتحاربة في الحروب الأهلية) هي التي ينبغي مساءلتها، بل إن تقاليد الناس غير المتسامحة أيضًا هي موضع الاهتمام. ويتطلب هذا منا تحليل قانون حقوق الإنسان باعتباره نموذجًا لتغيير وتنظيم الناس، من خلال جعلهم أكثر حرية وأكثر خضوعًا للحكم في «هذا العالم» في الآن نفسه. ويتمتع توظيف تحليل المنفعة والتكلفة المستقى من الاقتصاد الليبرالي الجديد بميزة تعريف «الحرية» كميًا («موضوعيًا») بالنسبة للذات المستهلكة من خلال السلوك. كما أنه يقدم مبدأ براغماتيًا يمكن على أساسه تقرير الوقت والمدى الـذي تقوم فيه حكومة دولة ما بطلب تقييد أو إبطال بعض «الحريات» الفردية. وقد لا يكون التلاقي التاريخي بين حقوق الإنسان والليبرالية الجديدة مجرد صدفة. فكما أشار ريتشارد توك، على الرغم من أهمية ومركزية امتلاك الذات والحفاظ على الذات بالنسبة للأخلاق الطبيعية، فهي تعد أيضًا مبررات للسياسة الواقعية.

وفي الوقت الذي قد تدعم فيه بعض التطورات التاريخية حقوق الإنسان، فإن بعض التطورات الأخرى قد تساهم في تقويضها. وعلى أية حال، قد نجد مزيدًا من عدم استقرار مفهوم الذات الإنسانية الحاملة للحقوق، ليس فقط من خلال القانون الذي يميز «الإنسان» عن الحياة الحيوانية المجردة، ولكن أيضًا نتيجة لتدخلات الهندسة الوراثية، وما هو أكثر راديكالية بتدخل العلوم العصبية. والداعي وراء قول هذا ليس ببساطة أن أشباه البشر والبشر المهندسين وراثيًا، بما في ذلك المستنسخون، هم نتاج صناعة الإنسان (وبالتالي «الثقافي» لا «الطبيعي»). بل لأننا مطالبون بالتفكير الجدي حول ماهية القدرات البشرية للآلات، وما قد تسببه الهندسة الوراثية لفكرة المسؤولية. ولأن المفهوم الحديث لــ «الطبيعي» يتعرض الآن إلى إعادة التكوين، فربما قد يكون علينا التفكير في «الخارق للطبيعة».

بيد أن هناك الكثير من النقاط التي قد لا يسعها التفكير المجرد. فهناك تداعيات سياسية أخلاقية بعيدة المدى تنتج عن حقيقة أن إعلان حقوق الإنسان يوفر ضمانًا للملكية التجارية عبر العالم (انظر المادة 17). وبهذا سيكون لدى الشركات التي استثمرت ببذخ في البحث والتشييد حقوق ملكية في أشباه البشر، مثلما ستمتلك شركات التكنولوجيا الحيوية حقوق الملكية في الوراثة الجينية للبشر «الطبيعيين». ولأن حقوق الملكية يمكن التصرف فيها بحرية في السوق، فسيكون أشباه البشر (الآلات الذكية والعاطفية) عرضة للبيع والشراء، أما البشر أصحاب الجينيات المتفوقة وذوو القدرات المتميزة سيكونون عرضة للحيازة والتسويق من قبل شركات الهندسة الوراثية[48]. (ومن نافل القول أن حقوق التصرف مصحوبة بــ «حرية التعبير التجارية» التي تضمنها، كما يُحتج على ذلك بقوة، حقوق الإنسان)[49]. وتصبح الآن الذات المعرفة قضائيًا قديمًا، «الشخصية المالكة لذاتها» موضع الإشكالية. فمن الذي يمكن اعتباره إنسانًا، وما هي قدرات الذات الإنسانية، وهل سيكون مصيرها مقررًا من خلال السوق العالمية التي يعد فيها تحليل التكلفة والمنفعة وحقوق الملكية مبادئ مركزية. لقد أصبحت حقوق الإنسان بمثابة إشارات عائمة يمكن ربطها أو فصلها عن ذوات وطبقات متعددة يشكلها مبدأ السوق وتصممها الدول القومية الأكثر قوة.

 

 

 


الهوامش

[1]      يبدو أن هذا المبدأ تتشاركه بعض الدول الأخرى أيضًا، كما هو الحال في ردود أفعال الجيش الإسرائيلي على المظاهرات التي تقوم بها المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال.

[2]       Alex de Waal, «Dangers of Sicretion», London Review of Books, January 21,1999, p.27

[3]       Joseph Stiglitz, «The Insider», The New Republic Online, 17 April, 2000.

[4]       Richard Tuck, Natural Rights Theories: Their Origin and Development, Cambridge: Cambridge University Press, 1979.

[5]      أبسّط هنا النقاش المثير بين الفرنسيسكان (الذين يسعون إلى إعادة الفقر الرسولي) والدومينيكان (الذي كان أكثرهم شهرة «توما الأكويني» حول الملكية كحق طبيعي لأن هذه النقطة تعد هامشية بالنسبة للموضوع الذي أتناوله هنا.

[6]      يوضح توك Tuck أن «هذا أمر متكرر، وربما أكثر الموضوعات المتكررة في تاريخ نظريات حقوق الإنسان» (Tuck, p. 49)

[7]      يقول توك Tuck بأن: تاريخ نظريات الحقوق الطبيعية هو قصة الجدال حول هذا الموضوع تحديدًا: هل تتطلب نظرية لحقوق الإنسان وجود نظرية فردية وأخلاقية ونفسية قوية؟» (المرجع السابق، ص82).

[8]      المرجع السابق، ص 91 .

[9]      (من كتاب الليفاثيان «Leviathan» طبعة إيفريمان «Everyman» ص 96 ــ 97).

[10]    المرجع السابق، ص 168 ــ 169.

[11]    وفقًا لأوفرتون Overton «فإن كل القوى الإنسانية ليست إلا محلًا للثقة، وهي تعطي وتنقل من خلال الإرادة المشتركة، ولأن كل فرد في الطبيعة قد منح ملكية فردية، فلا يسمح لأي شخص أن ينتهك أو يعتدي على هذه الملكية… ولأن لكل فرد ذاتًا منفردة، ومن ثم ملكية خاصة، وبما أنه لا يمكن لأي شخض أن يحل محله، أو يستولي على هويته، فلا يسمح أن يتجرأ أحدهم على ملكية الآخر دون رضاه؛ وبالميلاد الطبيعي، فكل البشر متساوون وقد جبلوا على السواء على حب الذات وحب التملك والحرية، ويسعى كل فرد بغريزته الطبيعية إلى الحفاظ على أمنه وسعادته. والآن ولأنه لا يوجد سوى الطبيعة قد يسيء معاملة ذاته أو يضربها أو يعذبها أو يلحق الألم بها، فمن الطبيعي ألا يوجد من يعطي السلطة لغيره هذا الحق، لأنه لن يمنحها لنفسه».. (المرجع السابق، ص 149).

[12]    المرجع السابق، ص 164.

[13]    انظر الفصل الأول.

[14]      .Tuck, p. 150.

[15]      Richard Tuck, The Rights of War and Peace: Political Thought and the International Order from Grotius to Kant, Oxford: Oxford University Pres, 1999.

[16]      J.G. A. Pocock, «Modernity and Anti Modernity», in Patterns and Modernity, Vol. I: The West, ed. S.N. Eisenstadt, London: Francis Pinter, 1987.

       ولا يجب أخذ هذه التعليقات على استدعاء Locke للحقوق الطبيعية بشيء من الهدوء، لأنها كانت بالفعل بمثابة تبرير أيديولوجي لبدايات الرأسمالية. ونظرًا لأن Locke كان يعد مسيحيًا مؤمنًا فالحقوق الطبيعية بالنسبة له كانت في مركز الرؤية الدينية، انظر:

Richard Ashcroft, «The Politics of Locke’s Two Treatises of Government», in J.Harpham ed., John Locke’s Two Treatises of Government, Lawremce: University of Kansas Press, 1992).

[17]    في مقال عن حقوق الإنسان بالمكسيك وصف كل من «شانون سبيد» (Shannon Speed) و«جين»… كيف استطاعت حكومة التشياباس استخدام هذا الخطاب للتقليل من أهمية محاولات السكان الأصليين في الدفاع عن أحد الإجراءات في اتجاه الاستقلالية. فلقد رأوا أن هذا النشاط مماثل لأساليب الحكام الاستعماريين: «إن حكومة التشياباس تبدو وكأنها «استعمارية» ليس في فرضها لتفسير حرفي لوثائق حقوق الإنسان على الشعوب الأصلية فحسب وإنما بشكل أكثر أهمية باستخدام خطاب حقوق الإنسان لتبرير التدخل في شؤون المجتمعات المحلية التي لم تكن الحكومة راضية عن قادتها. وكما بررت السلطات الاستعمارية في الماضي حقها في التدخل في شؤون الشعوب المُستعمرة من خلال الادعاء بقيامها بمحو الممارسات «المنفرة» والبعيدة عن السلوكيات «المتحضرة»، فالمسؤولين بحكومة التشياباس يبررون حقهم في الإطاحة بالقادة المحليين الذين (كما تدعي الحكومة) قد انتهكوا حقوق الإنسان والحقوق الدستورية لأفراد المجتمع. فالخطاب الخاص بحقوق الإنسان، والذي وُضِع لحماية الأفراد من العقوبات الاستبدادية من قِبل الحكومات أصبح لديه إذًا تأثير مضاد جعل القادة المحليين عُرضة لعقوبات حكومية»

«Limiting Indigenous Autonomy in Chiapas, Mexico: The State Governmnt’s Use of Human Rights», Human Rights Quarterly,

       تحت الطبع.

[18]      T.H. Marshall, Citizenship and Social Class, London, Pluto Press 1992 (1950).

[19]    يقول «بيير رزان فالون»(Pierre Rosanvallon) بأنه على الرغم من أن هذا المخطط وتسلسله التاريخي قد يكون صحيحًا بالنسبة لكل من إنكلترا وأميركا، فإنه لا يمكن تطبيقه في أي من ألمانيا أو فرنسا. انظر

(Le sacre du citoyen: Histoire du suffrage universal en France, Paris :Gallimard, p.16).

[20]    حدد فوكو هذا التناقض بالمبدأ السياسي المعروف بالمصلحة الوطنية (انظر تحديدًا:

«The Political Technology of Individuals», in Anthologies of the Self: ASeminar with Michel Foucault, ed. L.H. Martin, H. ..man and P.H.Hutton, Amherst: University of Massachusetts Press, 1988.

[21]      Immanuel Kant, Groundwork of the Metaphysical of Morals, trans. J. Paton, New York: Harper Torchbook edition, 1964, p.102 (p.77).

[22]    في مملكة الغايات لكل شيء إما ثمن أو كرامة، فإن كان له ثمن فيمكن أن يحل محله شيء آخر مكافى له، وإن كانت قيمته تفوق الثمن وبالتالي لا يوجد ما يضاهيه فإنه إذًا ذو كرامة»(المرجع السابق).

[23]    تعد الفظائع النازية من أكثر الأمثلة المفضلة لدى مناصري النزعة العالمية لتوضيح مخاطر التفكير النسبي. إلا أنه من الجدير بالذكر أن أحد أهم أسباب مضي النازية في سياسة الإبادة لم يكن بسبب عدم وجود وثيقة لحقوق الإنسان وإنما لأن ألمانيا كانت تمتلك تحت حكم هتلر الوسائل التنظيمية غير الرحيمة لتنفيذ مثل هذه الجرائم ولأن الحلفاء أيضًا لم يكن بإمكانهم التدخل لوقفها. لقد كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوجه عام أكثر فائدة في معاقبة المتهمين بجرائم الحرب بدلًا من منع الجرائم ذاتها.

[24]      The Christian Science Monitor, June 22, 2000.

[25]      «The Ballot or the Bullet», in Malcolm X speaks: Selected Speeches and Statements, edited with prefatory notes by George Breitman (New York: Grove Weidenfield, 1990) pp. 34 – 35.

[26]      Hannah Arendt, The Origins of Totalitarianism, new ed. (New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1996), pp. 299 – 300.

       رأت أرنت أن هناك استثناءً مهمًا في حالة إنشاء إسرائيل، بيد أن هذا الاستثناء يؤكد القاعدة القائلة إن حقوق الإنسان تعتمد على الحقوق الوطنية، إذ تقول «لم يشتمل فقدان الحقوق الوطنية فقط على فقدان حقوق الإنسان؛ بل إن استعادة حقوق الإنسان، كما يبرهن على ذلك مثال دولة إسرائيل، قد تحقق من خلال استعادة أو تأسيس الحقوق الإنسانية»، (ص 299).

[27]      Robert Cover, «Violence and the World, «in M. Minow, M. Ryan, and Austin Sarat, ed; Narrative, Violence and the Law: The Essays of Cover, University of Michigan Press, 1992.

[28]      (George Shulman, «American Political Culture, Prophetic Narration, and Toni Morrison’s Beloved» Political Theory, vol. 24, no. 2, 1996, p. 295.

[29]    مقتبس في:

George Shulman, «Race and the Romance of American Nationalism in Martin Luther King, Norman Mailer, and James Baldwin» (Unpublished typescript, p. 9).

       أدين بفهمي للغة الأميركية الرسولية لشولمان وأعماله المنشورة وغير المنشورة حول هذا الموضوع، وكذلك لعدد من المناقشات الشخصية معه. وكالعادة، هو غير مسؤول عن الفهم الذي بنيت عليه ذلك الفهم، والذي من المؤكد أني لا أتفق مع كل ما جاء فيه.

[30]    بالطبع تعرض نقاد أميركيون لهذا القانون وقد أشاروا، ضمن نقاط أخرى، إلى أن القانون يحمل تحيزًا مسيحيًا كما أنه يأتي برعاية المنظمات الإنجيلية التبشيرية. وقد سبقه في العام 1997 تقرير مهم بعنوان «سياسات الولايات المتحدة لدعم الحرية الدينية: التركيز على المسيحيين United States Policies in Support of Religious Freedom : Focus on Christians»، والذي حمل مقدمة كتبتها وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت. ويجد الانشغال الكبير باضطهاد المسيحيين (واستبعاد المسلمين على سبيل المثال) انعكاسًا له بقوة في الإعلام. بيد أن هذه الانتقائية تؤشر فقط على أن السردية الأميركية للخلاص هي ما يتم تطبيقه عالميًا.

[31]    ربما تجدر الملاحظة هنا أنه فيما يعطي النشطاء في هذا المجال انطباعات في وسائل الإعلام أن ختان الإناث مرتبط على وجه خاص بالمجتمعات الإسلامية، فإن الأغلبية الساحقة من مسلمي العالم لا يمارسونه، وعدد كبير (ربما الأغلبية) ممن يمارسونه هم من غير المسلمين.

[32]    تقتبس مارثا نوسباوم «فرص الرضاء الجنسي» كأحد جوانب «السلامة الجسدية»، الموجودة في قائمة «القدرات الإنسانية الأساسية» في كتابها المؤثر النساء والتطور الإنساني: اقتراب القدرات.

Women and Human Development: The Capablities Approach , Cambridge University Press, 2000, p.78.

       إن افتراض أن «فرص الرضاء الجنسي» يمكن لها أن تعرف بوضوح وأن تحمى قانونيًا لهو أمر مثير.

[33]    ليس هذا بالضبط الطريقة التي يقدم بها مدافعو حقوق الإنسان هذه القضية. ومن ثم تقول منظمة العفو الدولية في تقريرها المعنون بــ «ختان الإناث: حزمة معلومات إنسانية (1998) Female Gentile Mutilation – A Human Information Pack. «يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعدد من المعايير الدولية المستقاة منه، على التزام الدول باحترام وإنفاذ حقوق الإنسان الأساسية مثل الحق في الأمن الجسدي والعقلي، والتحرر من التمييز على أساس النوع والحق في الصحة. ويعد فشل الحكومات في اتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان القضاء على ختان الإناث انتهاكًا لتلك الالتزامات». انظر:

<http: //www.amnesty.org/ailibi/inticam/femgen/fgm4.htm>

       ومن خلال ربط ذلك بالأمن وبالتمييز على أساس النوع، يتم إغفال بعض الجوانب الإشكالية لهذه الممارسات العرفية، مثل حقيقة أن ختان الإناث يمارس على البنات طقوسيًا من خلال نساء بإصرار من قبل الأمهات والجدات. وتدعو النبرة التي يتم فيها الطلب من الحكومات اتخاذ إجراءات إلى تجريم هذه العادة وعقاب ممارسيها بدلًا من إقناعهم «بالتخلي عنها».

[34]      Nussbaum. pp. 78 – 79.

[35]      Ibid. p. 76.

[36]      op.cit. p. 78.

[37]    Justin Brown, «After China Pact: a Diminished Role for Human Rights», Christian Science Monitor, November 19, 1999, p. 4. «التشديد في الأصل».

[38]      Ignacio Ramonet, «The Control of Pleasure», Le Monde Diplomatique, May 2000.

[39]    غير أن «الحرب على الإرهاب» التي أعقبت أحداث 11/ 9 توضح أن الولايات المتحدة لا تغوي مناهضيها ببساطة. فهي مستعدة لاستخدام القوة المدمرة ضدهم. ولم تقدم الحرب على الإرهاب في الإعلام الأميركي باعتبارها فقط سعيًا وراء الإرهابيين بل حربًا من أجل تحرير النساء الأفغانيات. للاطلاع على المزيد من النقاش حول هذه القضية، انظر:

Charles Hirschkind and Saba Mahmoud, «Feminism, the Taliban, and Politics of Counter Insurgency», Anthropological Quarterly, vol. 75, no. 2 (spring 2002).

[40]    يتضمن اكتساب «المعايير الغربية» تعلم سلوكيات لفظية جديدة. يقول الصحافي شاي أوستر Shai Oster في تقرير من بكين «لقد أتقن المئتا طالب الذين تدافعوا في صفوف منضبطة أمام فصل «التفكير باللهجة الأميركية» في تصريف اسم الفاعل واستخدام حروف الجر واسم المفعول. بيد أن مهارة واحدة ظلت تحول بينهم وبين النجاح النهائي: بيع أنفسهم لغويًا». وينصح مدرس الفصل فيكتور وانغ «بقليل من الأسلوب الأميركي الجازم: ففي الصين، يعتبر استخدام ضمير الفاعل «الأنا» ضد تعاليم التواضع الكونفوشية». ويشتكي وانغ من أن التلاميذ الصينين «يعتقدون أن عليك أن تكون بيل غيتس حتى تتحدث عن نفسك بفخر وتقول إنك متميز». فأنت تملك ذاتك، وعليك أن تفخر بكل شيء تمتلكه. لكن الفرد صاحب الأسلوب الجازم الجديد عليه أن يتعلم أن يكون أقل صراحة: فعندما يحيك أحدهم بــ «كيف حالك؟» فيكون الجواب «بخير» بغض النظر «عما تشعر به»

(Chritian Science Monitir, 14 June, 2000).

       بالطبع ليس كل الأميركيين جازمين في حديثهم أو أشخاصًا مدققين في حديثهم، غير أن الفكرة تتمثل في أن هذا «المعيار الغربي» أضحى واسع الانتشار باعتباره ضرورة للتقدم الاجتماعي والأخلاقي.

[41]    في مقالة ثاقبة حول المفهوم الأنثروبولوجي «السائل» حول الثقافة، وجاذبيته لدى منظري التعددية الثقافية المعاصرين، يطرح ديفيد سكوت David Scott سؤالًا وهو «بالنسبة إلى من تعد الثقافة جزئية وغير محددة ومتنوعة وهجينة وما إلى ذلك، هل بالنسبة للأنثروبولوجي أم للشخص المحلي؟»

(David Scott, «Culture in Political Theory», Political Theory, vol. 30, no. 4, 2002).

[42]    يلاحظ ستيفن غرينبلات Stephen Greenblatt، ضمن آخرين، أنه في القرن السادس عشر «ظهر وعي متزايد بالذات حول صياغة الهوية الإنسانية باعتبارها عملية صناعية ويمكن التلاعب بها»، وقد حلت الرؤية العلمانية تدريجيًا محل الرؤية المسيحية السابقة حول الذات التي عبر عنها القديس أوغسطين قائلًا: «ارفعوا أيديكم عن أنفسكم.. حاولوا أن تبنوا أنفسكم، وستبنون خرابًا»؛ مقتبس في:

Renaissance Self fashioning, Chicago: University of Chicago Press, 1980, p.2.

       أما بوكوك فهو أكثر انشغالًا بالقرن السابع عشر الذي أصبحت فيه ظروف صياغة الذات أكثر تزعزعًا

[43]      Richard Sennett, The Corrosion of Character: The Personal Consequences of Work in The New Capitalism (New York: Norton, 1998).

[44]      S. M. Wise, Rattling the Cage: Toward Legal Rights for Animals. Cambridge, Mass: Perseus Books, 2000, p. 5.

[45]      Ibid. p.6.

[46]    ليس للثعابين والضفادع والخنافس أن يكون لها حقوق. فالخنفساء المتحولة غريغور سامسا (بطل رواية فرانز كافكا: المسخ Metamorphosis) ليس له الحق، حتى في التعاطف الإنساني.

[47]      Ian Hacking, The Taming of Chance, Cambridge: Cambridge University Press, 1990.

[48]    يجادل جان كلود غيبيو في أن التطورات قد تجدد الشرعيات (العلمية) للعبودية والعنصرية، وهي الممارسات لم تنبذ إلا منذ وقت قليل. انظر:

Jean Claude Guillebaud, Le Principle d’humanite, Paris Seuil, 2001.

[49]    فلنتأمل النقاش الأخير في بريطانيا حول تخفيف القيود القانونية على الإعلانات التلفزيونية. فمن أجل هذه الغاية، استدعى المتحدث الرسمي لهيئة الإعلانات حقوق الإنسان لدعم ثقافة الاستهلاك واسعة الانتشار بالفعل. فيشير إلى أن قانون حقوق الإنسان «يلزم السلطات العامة بتأكيد أن أي منع للإعلان عن المنتجات أو الخدمات المسموح بها قانونيًا يمكن تسويغه تحت هذا القانون الذي يكفل حرية التعبير التجارية»

«Is It Time to Relax Restrictions on TV Advertising» The Guardian, 13 May, 2000, p.14.