الشرعية السياسية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: علي الرواحي، مراجعة: سيرين الحاج حسين

الشرعية السياسية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: علي الرواحي، مراجعة: سيرين الحاج حسين


حول الشرعية السياسية في تبرير السلطة السياسية وإنشائها، ومصادر الشرعية ، وارتباطها بالآليات الديموقراطية والقومية؛ نص مترجم لد. فابيان بيتر، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


تُعتبر الشرعية السياسية فضيلة في المؤسسات السياسية، وفي اتخاذ القرارات، والقوانين، والسياسات، ومكاتب المرشحين السياسيين التي تُتخذ داخلها. في هذه المادة، سيتم التطرق للأسئلة التالية. أولاً: كيف يجب تعريف الشرعية؟ وهل هي في الأساس مفهوم وصفي أم معياري؟ وإذا فُهمت بشكل معياري، فما هي نتائج ذلك؟ حيث يربط البعض الشرعية بتبرير القوة القسرية، وبإنشاء السلطة السياسية. فيما يربطها آخرون، بتبرير، أو على الأقل معاقبة السلطة السياسية القائمة. السلطة تعني الحق في الحُكم، الحق في إصدار الأوامر، وربما لفرضها عن طريق القوة القسرية. والسؤال الإضافي هنا، هو ما إذا كان يُفهم أن السلطة السياسية ذات الشرعية تنطوي على التزامات سياسية أم لا. ربما يعتقد معظم الناس أنها كذلك. لكن البعض يعتقد بأن الالتزام الأخلاقي بطاعة السلطة السياسية يمكن فصله على حساب السلطة الشرعية، أو على الأقل أن مثل هذه الالتزامات تنشأ فقط إذا استوفت السلطة شروطا أخرى.

لاحقًا، هناك الكثير من الأسئلة يستوجب طرحها لفهم متطلبات الشرعية ، مثل: متى تُسمى أو تكتسب المؤسسات السياسية والقرارات المُتخذة فيها بشكلٍ صحيح، الشرعية؟ ناقش البعض بأن هذا السؤال يجب الإجابة عليه في المقام الأول على أساس السمات الإجرائية التي تُشكل هذه المؤسسات وتكمن وراء القرارات المُتخذة. في حين يناقش آخرون بأن الشرعية تعتمد – حصرياً أو جزئياً على الأقل – على القيم الجوهرية التي يتم تحقيقها. بالإضافة لذلك، هل تتطلب الشرعية السياسية الديمقراطية أم لا؟ يُناقش هذا السؤال بشكلٍ مُكثف على الصعيدين الوطني والعالمي. ذلك أن الديمقراطية تعتبر ضرورية للشرعية السياسية، والسؤال هنا: متى تكون القرارات الديمقراطية مشروعة؟ هل يمكن للإجابة على هذا السؤال بالإشارة إلى السمات الإجرائية فقط؟ أم أن الشرعية الديمقراطية تعتمد على القيم الإجرائية وعلى جودة القرارات المُتخذة؟ وأخيراً، يقع السؤال “أي من المؤسسات السياسية تستوفي متطلبات الشرعية؟” تاريخياً، ارتبطت الشرعية بالدولة والمؤسسات والقرارات التي تصدرعنها. حيث يميل الأدب المعُاصر إلى الحُكم على هذا بأنه ضيق للغاية، وهذا يثير تساؤلاً حول كيفية تطبيق مفهوم الشرعية – خارج الدولة القومية والقرارات المتخذة داخلها – على السياق الدولي والعالمي.

 

1) المفاهيم الوصفية والمعيارية للشرعية:

2) الوظائف السياسية للشرعية:

2.1) الشرعية وتبرير السلطة.

2.2) تبرير السلطة وإنشاء السلطة السياسية.

2.3) الشرعية السياسية والالتزامات السياسية.

3) مصادر الشرعية السياسية

3.1) الموافقة.

3.2) النتائج النافعة.

3.3) العقل العام والإتفاق الديمقراطي.

4) الشرعية السياسية والديمقراطية.

4.1) الآليات الديمقراطية.

4.2) المفاهيم الإجرائية المحضة للشرعية الديمقراطية.

4.3) مفاهيم مختلطة حول الشرعية الديمقراطية.

5) المشرعية والكسموبوليتة (العالمية) السياسية.

5.1) القومية السياسية.

5.2) الكسموبوليتية (العالمية) السياسية.

  • قائمة المراجع.

  • أدوات أكاديمية.

  • موارد أخرى من الإنترنت.

  • مواد ذات صلة.


 

 

1) المفاهيم الوصفية والمعيارية للشرعية:

– تشير الشرعية إلى معتقدات الناس حول السلطة السياسية، وأحياناً إلى الالتزامات السياسية، إذا ما تم تفسيرها بشكلٍ وصفي. قدم عالم الاجتماع ماكس فيبر (Max Weber)، عرضاً مُهماً حول الشرعية يستبعد منه المعايير الوصفية (Mommsen 1989: 20). وفقاً لماكس فيبر، فإن النظام السياسي ذو شرعية يعني عندما يكون لدى المشاركين اعتقادات معينة، ومعتقدات محددة (Legitimitätsglaube) فيما يتعلق به: “أساس كل نظام سلطة، وبالمقابل في كل رغبة في الطاعة، الإيمان، وهو الاعتقاد الذي بموجبه يمنح الأشخاص الذين يمارسون السلطة هيبة” (Weber 1964: 382). وكما هو معروف جيداً، يميز فيبر بين ثلاثة مصادر للشرعية – تفُهم على أنها قبول للسلطة، وتؤكد ضرورة الامتثال لأوامرها. قد يثق الناس في نظام سياسي أو اجتماعي مُعين لأنه كان موجوداً منذ فترة طويلة (التقاليد)، أو لأنهم يثقون في الحُكام (الكاريزما)، أو لأنهم يثقون في مشروعيته – على وجه التحديد عقلانية سيادة القانون (Weber 1990 [1918]; 1964). يُعّرف فيبر الشرعية على أنها نمط أو نظام تفسيري أو تأويلي مهم للعلوم الاجتماعية، لأن الإيمان بنظام اجتماعي معين يؤدي إلى انتظام اجتماعي أكثر استقراراً من تلك النظم التي تنتج عن السعي لتحقيق المصلحة الذاتية، أو من اتباع القواعد المعُتادة (Weber 1964: 124).

في مقابل المفهوم الوصفي لماكس فيبر، يشير المفهوم المعياري للشرعية السياسية إلى وجود معيار يتم التوافق عليه، وقبوله، لتبرير السلطة السياسية – وربما – الالتزام. ومن وجهة نظر واحدة، عن طريق راولزRawls ( 1993)، وريبستين Ripstein (2004)، على سبيل المثال، تشير الشرعية في المقام الأول إلى تبرير السلطة السياسية القسرية. سواءً أكانت هذه الهيئة السياسية ذات شرعية مثل الدولة، أو أن المواطنين لديهم التزامات سياسية تجاهها، فهذا الرأي يعتمد على ما إذا كانت السلطة السياسية القسرية التي تمارسها الدولة لها ما يبررها. ومن وجهة نظر بديلة منتشرة، ترتبط الشرعية بتبرير السلطة السياسية. وبناءً على هذا الرأي، من الممكن أن تكون الهيئات السياسية فعالة كالدول، أو بحكم الأمر الواقع، سلطات فاقدة للشرعية. إنها تدّعي الحق في الحُكم، وخلق الالتزامات التي يجب طاعتها، وطالما تمت تلبية هذه المطالبات بإذعان، فهي موثوقة. بهذا المعنى، تختلف السلطة ذات الشرعية عن كونها مجرد سلطة فعّالة أو فعلية تمتلك حقاً في الحُكم وتخلق التزامات سياسية (مثل، راز Raz ، 1986م). في بعض الآراء، حتى السلطة ذات الشرعية ليست كافية لخلق التزامات سياسية. والمعنى هنا، أنه يجوز السماح للسلطة السياسية (مثل الدولة) بإصدار أوامر لا يلتزم المواطنون بطاعتها (Dworkin 1986: 191). في حين وبناءً على وجهة النظر هذه ، ناقش البعض بأن شرعية السلطة السياسية تؤدي فقط إلى التزامات سياسية إذا تم إستيفاء شروط معيارية أخرى.(انظر: Wellman 1996; Edmundson 1998; Buchanan 2002).

وفي بعض الأحيان، هناك ميل في الأدبيات إلى مساواة المفهوم المعياري للشرعية بالعدالة. في حين يُعّرف البعض الشرعية بشكلٍ صريح كمعيارٍ للحد الأدنى من العدالة (مثل، Hampton 1998; Buchanan 2002).ولسوء الحظ، هناك ميل أيضاً في بعض الأحيان إلى طمس التمييز بين المفهومين، مما تنشأ الكثير من الضبابية بسبب ذلك. قد يدعي شخص ما، على سبيل المثال، بأن السلطات السياسية في بعض الدول غالباً ما تكون غير عادلة، غير أن الدولة العادلة هي فقط المقبولة أخلاقياً، وهي لها الشرعية بهذا المعنى. تنتقد الأدبيات الناشئة حول النظرية السياسية الواقعية هذا الاتجاه لطمس التمييز بين الشرعية والعدالة (مثل،  Rossi and Sleat 2015)، وتشخيصها على أنها علامة على “الأخلاق السياسية” في غير محلها (Williams 2005). يُميز راولز Rawls (1993, 1995) بوضوح بين المفهومين بالطبع. وفي رأيه، العدالة و الشرعية مرتبطتان، ويعتمدان على نفس مجموعة القيم السياسية، إلا أن لهما مجالات مختلفة، و الشرعية تتطلب مطالب أضعف من العدالة. (1993: 225; 1995: 175ff.). قد تكون الدولة ذات شرعية لكنها غير عادلة، لكن العكس غير ممكن. يميز (بيتيت Pettit، 2012م، 130) بشكلٍ أكثر حدة بين المفهومين. ووفقاً له، إذا فرضت الدولة فقط نظاماً اجتماعياً يعزز الحرية بعدم السيطرة على جميع مواطنيها، وهو مشروع إذا فرضت نظاماً اجتماعياً بطريقةٍ مناسبة. فالدولة التي تفشل في فرض نظام اجتماعي بطريقة مناسبة، مهما كان النظام الاجتماعي، تعتبر فاقدة للشرعية. والعكس صحيح، فقد تفشل الدولة ذات الشرعية في فرض نظام اجتماعي عادل.

يدعم الواقعيون السياسيون أولئك الذين شككوا في أي تمييز حاد بين المفاهيم الوصفية والمعيارية للشرعية (مثل،  Habermas 1979; Beetham 1991; Horton 2012). فالاعتراض الصارم على المفهوم المعياري للشرعية هو أنه محدود الاستخدام فقط في فهم العمليات الفعلية للشرعية. المسؤول هو أن الفلاسفة يميلون إلى التركيز أكثر من اللازم على الشروط العامة اللازمة لتبرير المؤسسات السياسية، لكنهم يهملون التحقق التاريخي لعملية التبرير. وبكلمات هابرماس (Habermas، 1979م، 205)، “تظل كل نظرية عامة للتبرير مجردة بشكلٍ خاص فيما يتعلق بالاشكال التاريخية لهيمنة الشرعية …هل هناك بديل لهذا الظلم التاريخي للنظريات العامة من جهة، وانعدام الفهم التاريخي المجرد من ناحية أخرى؟”. الاعتراض على مفهوم وصفي مثل مفهوم فيبر هو أنه يتجاهل معتقدات الناس من الدرجة الثانية حول الشرعية ، ليس فقط حول الشرعية الفعلية لمؤسسة سياسية معُينة، ولكن حول تبرير هذه المؤسسة، أي حول ما هو ضروري للشرعية. ووفقاً لبيتام Beetham ، “علاقة القوة ليست ذات شرعية لأن الناس يؤمنون بشرعيتها، ولكن لأنه يمكن تبريرها من حيث معتقداتهم”(Beetham 1991: 11).

 

2) وظائف الشرعية السياسية:

– يوضح هذا القسم الطرق المختلفة التي يمكن من خلالها النظر إلى الشرعية، والمفهومة بشكلٍ معياري، والمتعلقة بالسلطة السياسية: الإكراه، والالتزامات السياسية.

 

2.1) الشرعية وتبرير السلطة السياسية:

غالباً ما يُنظر إلى المفهوم المعياري للشرعية السياسية على أنه مرتبط بتبرير السلطة. فالوظيفة الرئيسية للشرعية السياسية بحسب هذا التفسير هي شرح الفرق بين الفعالية المجردة أو السلطة الفعلية من جهة، و شرعية السلطة من الجهة الأخرى.

طرح جون لوك (John Locke) مثل هذا التفسير للشرعية، حيث أن نقطة انطلاق لوك هي حالة الطبيعة التي يتمتع بها جميع الأفراد بحرية متساوية في التصرف ضمن قيود القانون الطبيعي، ولا يخضع أي فرد لإرادة شخص آخر. كما يصف راولز (2007) فهم لوك لحالة الطبيعة، فهي “حالة من الحق المتساوي، فجميعهم ملوك” (Rawals, 2007. P129). بالرغم من أن القانون الطبيعي واضح في حالة الطبيعة، إلا أنه ليس محدداً بما يكفي لحكم المجتمع ولا يمكنه فرض نفسه عندما يُنتهك. يمكن حل هذه المشكلة بعقد اجتماعي ينقل السلطة السياسية إلى دولة مدنية قادرة على إدراك وتأمين القانون الطبيعي. ووفقاً للوك، وخلافاً لسلفه توماس هوبز (Thomas Hobbes)، فإن العقد الاجتماعي لا يخلق السلطة. تتجسد السلطة السياسية في الأفراد وتوجد مسبقاً في حالة الطبيعة. ينقل العقد الاجتماعي السلطة التي يتمتع بها كل منهم في حالة الطبيعة إلى هيئة سياسية معينة.

ففي حين أن السلطة السياسية موجودة مسبقاً في حالة الطبيعة، فإن الشرعية مفهوم خاص بالدولة المدنية. ونظراً لأن معيار الشرعية الذي يقترحه لوك تاريخي، فإن ما يُعتبر سلطة ذات شرعية يظل مرتبطاً بحالة الطبيعة. تتوقف شرعية السلطة السياسية في الدولة المدنية بحسب لوك على ما إذا كان نقل السلطة قد تم بالطريقة الصحيحة. وكون النقل تم بطريقة صحيحة يعني موافقة الأفراد: “لا يمكن إخراج شخص من هذه الدولة، أو المُلكية، وإخضاعه للسلطة السياسية للآخرين دون موافقته” (Locke 1980: 52). كل من أعطى موافقته الصريحة أو الضمنية على العقد الاجتماعي ملزم بالامتثال لقوانين الدولة (Locke 1980: 63). يفهم لوك معيار الموافقة للتطبيق، ليس على التأسيس الأصلي للسلطة السياسية – أو ما يسميه راولز (:1242007) “الموافقة الأصلية”. كما ينطبق على التقييم المستمر لأداء النظام السياسي – يطلق راولز على هذا “الانضمام للموافقة” (:1242007).

وعلى الرغم من أن لوك يشدد على الموافقة، إلا أن الموافقة ليست كافية لشرعية السلطة لأن السلطة التي تُعلّق القانون الطبيعي تفتقد للشرعية بالضرورة (انظر على سبيل المثال Simmons 1976). وفي بعض تفسيرات لوك (مثل Pitkin 1965)، فإن الموافقة ليست ضرورية حتى للسلطة السياسية ذات الشرعية ، هي مجرد علامة على عدم الشرعية . وبالتالي، فإن احترام النظام السياسي الفعلي لقيود القانون الطبيعي عامل واحد على الأقل يحدد مشروعيته.

فمعيار الشرعية هذا سلبي، إذ يقدم توضيحاً عن توقيت توقف شرعية السلطة الفعلية. فحين تفشل السلطة السياسية في الحصول على الموافقة أو تتجاوز حدود القانون الطبيعي، فإنها تتوقف عن كونها ذات شرعية، وبالتالي لم يعد هناك التزام بطاعة أوامرها. بالنسبة إلى لوك، على عكس هوبز، لا يمكن للسلطة السياسية أن تكون مطلقة.

طوّر الأدب المعُاصر أفكار لوك بعدة طرق، يستخدمها جون سيمونز (Simmons, 2001) ليناقش بأن علينا التمييز بين التبرير الأخلاقي للدول بشكلٍ عام، و الشرعية السياسية الفعلية للدول. سأعود لهذه النقطة في القسم 3.3. يربط جوزيف راز بين الشرعية وتبرير السلطة السياسية. وفقاً لراز، فإن السلطة السياسية هي مجرد حالة خاصة لمفهوم السلطة الأعم (Raz، 1986, 1995, 2006). يُعرّف السلطة فيما يتعلق بادعاء – شخص أو وكالة – لتوليد ما يسميه أسباب استباقية. مثل هذه الأسباب تحل محل أسباب أخرى للفعل من الممكن أن يقوم بها بعضهم. على سبيل المثال، إذا طلبت المعلمة من طلابها القيام ببعض الواجبات المنزلية، فإنها تتوقع أن تعطيهم سبباً للقيام بواجبهم المنزلي.

السلطة فعالة، وبحسب هذا الرأي، إذا جعلتْ الناس يتصرفون بحسب الأسباب التي تولّدها. الفرق بين السلطة الفعلية والسلطة ذات الشرعية ، من وجهة نظر راز (Raz)، هو أن الأولى تهدف فقط إلى تغيير الأسباب التي تنطبق على الآخرين، في حين أن السلطة ذات الشرعية لديها بالفعل القدرة على تغيير هذه الأسباب. تُرضي السلطة ذات الشرعية ما يسميه راز (Raz) أطروحته الاستباقية: ” إن حقيقة أن السلطة تتطلب أداء فعل ما هو سبب لأدائها والذي لا يجب إضافته إلى جميع الأسباب الأخرى ذات العلاقة عند تقييم ما يجب فعله، ولكن يجب استبعاده وليحل محل بعضهم” (Raz 1988: 46). (هناك حدود لما يمكن حتى للسلطة ذات الشرعية أن تأمر الآخرين بالقيام به بشكلٍ مشروع، وهذا هو السبب في أنها لا تستبدل بالضرورة جميع الأسباب ذات الصلة).

متى تكون السلطة الفعلية أو الواقعية مشروعة؟ بمعنى آخر؛ ما الذي يُحدد ما إن كانت أطروحة ما قبل الاستيفاء مرضية؟ جواب راز (Raz)، موضح في أطروحتين أخريين. تنص “أطروحة الاعتماد أو التبعية” على أن تبرير السلطة السياسية يعتمد على الأسباب المعيارية التي تنطبق على أولئك الخاضعين لحكمها بشكلٍ مباشر، بغض النظر عن توجيهات السلطة. وبناءً على أطروحة الاعتماد هذه، تنص “أطروحة التبرير العادية” على أن السلطة السياسية لها ما يبررها إذا كانت تُمّكن الأشخاص الخاضعين لها من الامتثال بشكلٍ أفضل للأسباب التي تنطبق عليهم على أي حال. وبشكلٍ كامل، تقول أطروحة التبرير العادية: “الطريقة العادية لإثبات أن الشخص لديه سلطة على شخص آخر تتضمن إظهار أن الشخص المزعوم من المرجح أن يمتثل بشكل أفضل للأسباب التي تنطبق عليه (بخلاف التوجيه الرسمي المزعوم) إذا تقّبل توجيهات السلطة المزعومة على أنها مُلزمة بشكلٍ رسمي وحاول اتباعها، بدلاً من محاولة الأسباب التي تنطبق عليه مباشرة. (Raz 1988: 53). توضح أطروحة التبرير العادية سبب وجوب معاملة من تحكمهم سلطة ذات شرعية على أن تكون توجيهاتها ملزمة. ويترتب على ذلك نتيجة طبيعية لأطروحة التبرير العادية أن مثل هذه السلطة تولّد واجباً يجب الامتثال له. يسمي راز مفهومه ب”مفهوم الخدمة” للسلطة (1988: 56) لاحظ أنه على الرغم من تعريف السلطة ذات الشرعية بأنها حالة خاصة للسلطة الفعلية، إلا أن السلطة الأولى فقط توصف بشكلٍ مناسب بأنها تخدم رعايها. إن السلطة الفاقدة للشرعية – ولكنها فعالة – لا تخدم أولئك الذين تهدف لحكمهم، على الرغم من أنها قد تهدف لذلك.

صاغ ويليام أدموندسون هذه الطريقة لربط السلطة و الشرعية من خلال شرط يسميه “أطروحة الضمان” إذا كانت X تنطوي على المطالبة ب F، فإن كونها علامة X شرعية يتطلب حقاً المطالبة بF . .(Edmundson 1998: 39)ذلك أن X تعني هنا “دولة” أو “سلطة”، و F تشير إلى “واجب يجب أن يُطاع”، على سبيل المثال. الفكرة التي عبرت عنها أطروحة الضمان هي أن الشرعية تبرر أخلاقياً سلطة موجودة بشكلٍ مستقل بحيث تصبح ادعاءات السلطة التزامات أخلاقية.

 

2.2) تبرير السلطة وإنشاء السلطة السياسية:

يميل أولئك الذين يربطون الشرعية السياسية بمشكلة تبرير السلطة إلى التفكير في الإكراه السياسي كوسيلة فقط قد تستخدمها الدول ذات الشرعية لتأمين سلطتها. وكما تقول ليزلي جرين Leslie Green : “توفر التهديدات القسرية دافعاً ثانوياً وداعماً عندما يفشل النظام السياسي في استخدام أسلوبه المعياري بهدف التوجيه المتسلط (Green 1988: 75). وبناءً على تفسير مناقض وهام لذلك، فإن الوظيفة الرئيسية للشرعية هي على وجه التحديد تبرير القوة القسرية  (للحصول على مناقشة ممتازة لتفسيري الشرعية والدفاع عن التفسير القائم على الإكراه، انظر: Ripstein 2004، وانظر أيضاً: Hampton 1998). وفيما يتعلق بالتفسيرات القائمة على الإكراه، فإن المشكلة الرئيسية التي يهدف مفهوم الشرعية إلى حلها، هي كيفية التمييز بين الاستخدام المشروع للسلطة السياسية عن طريق الإكراه. تتمثل إحدى طرق الاستحواذ بناءً على هذا التفكير في أن الشرعية ، بحسب هذه الآراء، تتعلق بالطريقة التي ينشيء بها الاستخدام المشروع للسلطة السياسية أو يُشكلها. ومرة أخرى، هناك طرق مختلفة يمكن من خلالها فهم هذه الفكرة.

وبتأثير من أفكار هوبز، يتم إنشاء السلطة السياسية بموجب العقد الاجتماعي. في حالة الطبيعة، فإن الحفاظ على الذات لكل شخص معُرض للتهديد يجعل الأمر عقلانياً للجميع، كما يقول هوبز، وذلك للموافقة على العهد الذي يضمن للسلطة ذات السيادة أن تضمن حمايتهم ونقل حقوقهم إليها، سواءً أفراداً كانوا أم جماعات. عندما لا تكون هناك مثل هذه السيادة، يمكن للمرء أن ينشيء من خلال العهد أو الميثاق، ما يطلق عليه هوبز  “السيادة من خلال المؤسسة”. ولكن أيضاً يمكن تأسيس السلطة السياسية من خلال وعد الجميع بطاعة قوة التهديد أو التخويف.(السيادة عن طريق الاستحواذ).(انظر، Leviathan, chapter 17). كلا الأسلوبين في إنشاء السيادة شرعيان بنفس القدر. والسلطة السياسية ستكون ذات شرعية طالما أن الحاكم، أو العاهل، يضمن حماية المواطنين، كما يعتقد هوبز أنه لا يمكن التخلي عن الحق الطبيعي في الحفاظ على الذات. (Leviathan, chapter 21). ومع ذلك، وأبعد منه، لا يمكن أن تكون هناك أسئلة أخرى حول شرعية السيادة. وتحديداً، لا يوجد تمييز بين السلطة الفعلية والسلطة ذات الشرعية في فكر هوبز. ويمكن القول حتى أن هوبز لم ينجح في التمييز بين السلطة ذات الشرعية ومجرد ممارستها.( Korsgaard 1997: 29، انظر الفصل 30 Leviathan، مع ذلك للحصول على فكرة حول جودة حُكم السيادة).

الطريقة الأخرى التي يمكن من خلالها فهم العلاقة بين الشرعية وإنشاء السلطة هي أن محاولة الحُكم بدون الشرعية هي محاولة لممارسة القوة القسرية، وليس السُلطة. يمكن العثور على مثل هذا الرأي لدى جان جاك روسوJean-Jacques Rousseau. الشرعية بالنسبة لروسو، تُبرر ممارسة الدولة للسُلطة القسرية وتخلق التزاماً بالامتثال أو الطاعة. يقارن روسو بين نظام اجتماعي له شرعية، وبين نظام عبارة عن مجموعة من القواعد والقوانين التي تُعبّر عن السلطة. ذلك أن القوة القسرية هي سمة من سمات الدولة المدنية. في حين أن هناك بعض أشكال القوة القسرية في حالة الطبيعية – مثل، سلطة الوالدين على أولادهم – حيث يفترض روسو أن القوة القسرية الضارة تنشأ في المقام الأول في الدولة المدنية، وأن هذا يخلق مشكلة الشرعية . في الفصل الأول من الكتاب الأول من العقد الاجتماعي، يلاحظ روسو أنه في حين أن “الفرد أو الرجل يولد حُراً” فإن الدولة المدنية حسب ملاحظته تجعل الجميع عبيداً. السؤال الرئيسي لروسو هو، تحت أي ظروف يمكن اعتبار الدولة المدنية، التي تستخدم القوة القسرية لتحافظ وتدعم قوانينها، على أنها تُحرر مواطنيها من هذه العبودية. فمثل هذه الدولة ستكون ذات شرعية. وكما قال في الجملة الافتتاحية للعقد الاجتماعي، “أريد أن أستفسر عما إذا كانت هناك بعض قواعد للشرعية، وحكم جيد للإدرة في النظام المدني، مع الأخذ بالحسبان الأشخاص، والقوانين كما هي.

تختلف اعتبارات روسو للشرعية اختلافاً مهُماً عن لوك، وذلك في أن روسو لا يربط الوضع المعياري بالاجراءات التي تظهر من خلالها الدولة المدنية من حالة الطبيعة. حيث يتم إنشاء السلطة السياسية ذات الشرعية عن طريق اتفاقية أو معاهده، يتم التوصل إليها داخل الدولة المدنية. وعلى وجه التحديد، يقترح روسو أن الشرعية تنشأ من التبرير الديمقراطي لقوانين الدولة المدنية. انظر (Social Contract I:6، والقسم 3.3 أدناه).

وبالنسبة لكانط، كما هو الحال بالنسبة لهوبز، يتم خلق السلطة السياسية من خلال إنشاء مؤسسات سياسية في الدولة المدنية. فالأفراد لا يوجدون مُسبقاً في حالة الطبيعة. ما هو موجود في الحالة الاجتماعية ما قبل المدنية، وفقاً لكانط، هو السلطة المعنوية لكل كائن عقلاني، والتزام أخلاقي بتشكيل دولة مدنية. إن إقامة دولة مدنية هي “بحد ذاتها غاية”.( Kant, Theory and Practice 8:289; انظر كذلك، Perpetual Peace الملحق الأول). يعتبر كانط الدولة المدنية كخطوة أولى ضرورية نحو النظام الأخلاقي (الكومنولث الأخلاقي)، يساعد الناس على الامتثال لقواعد معينة من خلال القضاء على ما يمكن أن يُطلق عليه مشكلة الركوب الحُر أو الامتثال الجزئي. وذلك من خلال إنشاء نظام قسري للعدالة العامة، “يتم من خلاله اتخاذ خطوة كبيرة نحو الأخلاق (رغم أنها خطوة ليست أخلاقية بعد)، نحو التعلق بمفهوم الواجب هذا حتى من أجل مصلحته الخاصة ( Kant, Perpetual Peace 8:376، ملاحظات على الملحق الأول. انظر أيضاً، Riley 1982: 129f).

وبحسب كانط، فإن الدولة المدنية تضع الحقوق اللازمة لضمان الحرية المتساوية. على عكس لوك وأتباعه المعاصرين، فإن القوة القسرية ليست سمة ثانوية للدولة المدنية، وهي ضرورية لدعم وحماية القوانين. ووفقاً لكانط، فإن الإكراه جزء من فكرة الحقوق. حيث يمكن تفسيرها على النحو التالي. يُعرّف الإكراه بأنه تقييد لحرية السعي وراء غاياته الخاصة. أي حق لأي شخص – بغض النظر عما إذا كان محترماً أو انتهك – يشير ضمنياً لتقييد حرية الآخرين (راجع: Kant, Theory and Practice، الجزء 2، Ripstein 2004: 8; Flikschuh 2008: 389f). وبالتالي، فإن الإكراه حسب هذا الرأي ليس مجرد وسيلة للدولة المدنية لفرض الحقوق كدفاع عن مفهوم السلطة القائمة في مقابل المطالبين بشرعية السلطة. بدلاً من ذلك، ووفقاً لكانط، فهي مكونة للدولة المدنية. يربط هذا الفهم للحقوق بين مفهوم كانط للشرعية وبين تبرير الإكراه.

تعتمد الشرعية بالنسبة لكانط على تفسير مُعين للعقد الاجتماعي. وبالنسبة لكانط، فإن العقد الاجتماعي الذي يؤسس الدولة المدنية ليس حدثاً فعلياً. حيث قبل اعتراض ديفيد هيوم على لوك بأن الدولة المدنية غالباً ما تنشأ نتيجة عمل من أعمال العنف ( Hume من العقد الاجتماعي). يستدعي كانط العقد الاجتماعي بدلاً من ذلك كاختبار “لمطابقة أي قانون عام مع الحق” (Kant, Theory and Practice 8:294). المعيار هو الآتي: يجب أن يكون كل قانون بحيث من الممكن موافقة جميع الأفراد عليه. وبالتالي، فإن العقد الاجتماعي، وفقاً لكانط، هو تجربة فكرية افتراضية، تهدف إلى إلتقاط أو التوصل لفكرة عن العقل العام. وعلى هذا النحو، فهو يضع المعيار لما يُعتبر سلطة سياسية ذات شرعية. وبسبب تفسيره الخاص للعقد الاجتماعي، لم يكن كانط مُنظراً للعقد الاجتماعي بالمعنى الدقيق للكلمة. ومع ذلك فإن فكرة العقد وثيقة الصلة بفهمه للشرعية (حول الفرق بين السبل التطوعية والعقلانية في الليبرالية، انظر: Waldron 1987).

يعترف كانط، على عكس هوبز، بالفرق بين السلطة الفعلية والسلطة ذات الشرعية . رئيس الدولة المدنية مُلزم بإطاعة العقل العام وسن قوانين فقط يمكن لجميع الأفراد الموافقة عليها. وإذا خالف هذا الالتزام، فإنه لا يزال يحتفظ بالسلطة، حتى إذا توقفت سلطته عن أن تكون ذات شرعية. من الأفضل تفسير هذا الرأي فيما يتعلق بموقف كانط المنتقد في كثيرٍ من الأحيان بشأن الحق في الثورة (انظر، Kant, Perpetual Peace، الملحق 2، وللمناقشة الأخيرة، انظر Flikschuh 2008). يٌشدد كانط، على أنه في حين أن “الشعب – بصفته مُتحداً في الدولة المدنية – يتمتع بالسيادة، فإن أفراده ملزمون بطاعة رئيس الدولة الذي تم إنشاؤه لهذا الغرض. إن هذا الالتزام لا يتوافق مع الحق في الثورة. يقدم كانط حجته المتعاليه لموقفه هذا.انظر: ((Kant Perpetual Peace, Appendix II; Arendt 1992. إن الحق في الثورة يتعارض مع فكرة أن الأفراد ملزمون بالقانون العام، ولكن بدون فكرة التزام المواطنين بالقانون العام، لا يمكن أن تكون هناك دولة مدنية – فقط الفوضى. وكما ذكرنا سابقاً، هناك واجب لإنشاء دولة مدنية. يشير موقف كانط إلى أن التزام الأفراد بطاعة رئيس الدولة غير مشروط بأداء الحاكم. وعلى وجه الخصوص، لا يتوقف الالتزام بالطاعة عندما تكون القوانين غير عادلة.

قد يُشير موقف كانط من الحق في الثورة إلى أنه يعتبر السلطة السياسية مُطلقة مثل هوبز، لكن كانط يُشدد على أن رئيس الدولة مُلزم بأوامر العقل العام. وهذا يتجلى في إصراره على حرية التعبير”يجب أن يحصل المواطن، بموافقة الحاكم نفسه، على تفويض علني بآرائه حول الأخطاء التي يجب تجنبها للحفاظ على مصلحة الأمة” (Kant, Theory and Practice 8:304). وفي حين لا يوجد حق في الثورة، فإن السلطة السياسية تكتسب مشروعيتها فقط إذا كان رئيس الدولة يحترم العقد الاجتماعي. لكن الالتزامات السياسية تنشأ حتى من السلطة الفاقدة للشرعية. إذا تصرف رئيس الدولة بما ينتهك العقد الاجتماعي وبالتالي العقل العام، على سبيل المثال من خلال تقييد حرية المواطنين في النقد السياسي، فلا يزال المواطنون مُلزمين بالطاعة والامتثال.

في عام 2004م، ناقش ريبشتاين  Ripstein بأن معظم الأدبيات المُعاصرة حول الشرعية السياسية قد هيمن عليها التركيز على تبرير السلطة، بدلاً من القوة السياسية القسرية. (Ripstein 2004). وفي الأدبيات منذ ذلك الحين، يبدو وكأن الجداول تتغير، خاصة إذا نظر المرء في المناقشات الدولية والعالمية حول الشرعية (انظر القسم 5). لكن الأفكار البارزة المُبكرة القائمة على الإكراه تشمل تلك التي كتبها، ناجل Nagel (1987)، والكانطيون المعاصرون مثل، راولز(Rawls)، وهابرماس (Habermas) والتي ستتم مناقشتها في الأقسام 3.3، و4.3 على التوالي.

من الضروري تقديم تفسيرات موجزة ومهمة عن الإكراه. تقدم جان هامبتون (Jean Hampton 1998) شرحاً معُاصراً أنيقاً لرؤية هوبز استنادًا على مرجع  Anscombe 1981. ووفقاً لها، فإن السلطة السياسية “اخترعها مجموعة من الناس الذين يرون أن هذا النوع من السلطة الخاصة ضروري لتقديم حلول جماعية لبعض مشاكل التفاعل في أراضيهم أو مناطقهم، مما يتضمن عملية إنشاء الدولة الخاصة بهم بشكلٍ أساسي لتصميم محتوى وهيكل تلك السلطة بحيث تُلبي احتياجاتهم  (Hampton 1998: 77). تربط نظريتها بين سلطة الدولة وقدرتها على فرض حلول لمشاكل التنسيق والتعاون. الإكراه هو السمة الضرورية التي تُمكن الدولة من تقديم حل فعال لهذه المشاكل، والحق في استخدام هذا الإكراه هو ما يُشكل سُلطة الدولة. إن الحق في استخدام الإكراه يُميز هذه السُلطة السياسية ذات الحد الأدنى من الشرعية من الإستخدام المجرد للسُلطة. تضع هامبتون تمييزاً إضافياً بين الحد الأدنى من الشرعية وما تسميه الشرعية الأخلاقية الكاملة، والتي تحصل عليها عندما تكون السلطة السياسية عادلة.

يناقش بوكنان (2002)، أيضاً بأن الشرعية معنية بتبرير القوة القسرية. فهو يشير إلى أن هذا يجعل الشرعية مفهوماً أساسياً أكثر من السلطة. مثل هامبتون، يدعو بوكنان إلى تفسير أخلاقي للشرعية. ووفقاً له، “للكيان شرعية سياسية، إذا وفقط إذا، كان لها ما يبررها أخلاقياً في ممارسة السلطة السياسية. (689:2002Buchanan ). تحصل السلطة السياسية، حسب رؤيته، إذا كان الكيان شرعياً بهذا المعنى، وإذا تم إستيفاء بعض الشروط الأخرى المتعلقة بالالتزام السياسي. (2002: 691). يقدم ستيلز (2009)، سرداً مُركزاً عن الإكراه على شرعية الدولة معتمداً في ذلك على كل من كانط، وروسو.

 

2.3) الشرعية السياسية والالتزامات السياسية:

من الناحية التاريخية، كان الرأي السائد هو أن السلطة السياسية ذات الشرعية تنطوي على التزامات سياسية. يكتب لوك Locke ، على سبيل المثال، “كل إنسان، بموافقته مع الآخرين على تشكيل هيئة سياسية واحدة في ظل حكومة واحدة، يضع نفسه على عاتق كل واحد من هذا المجتمع بالخضوع لتقرير أو رأي الأغلبية، ويخلص من خلال ذلك؛ وإلا فإن هذا الميثاق الأصلي، حيث يندمج مع الآخرين في مجتمعٍ واحد، لن يعني شيئاً، ولن يكون مُدمجاً إذا تُرك حُراً ودون أي روابط أخرى غير التي كان عليها من قبل في حالة الطبيعة (Locke 1990 [1690]: 52f).

ففي حين أن وجهة النظر هذه لا تزال منتشرة لدى الكثيرين، إلا أنه لا يلتزم بها الجميع. حيث يأخذ البعض مسألة ما يجعل سلطة ما ذات شرعية، بطريقة مختلفة عن مسألة الالتزامات السياسية للناس يدافع . رونالد دوركين Ronald Dworkin, 1986: 191)) عن وجهة نظر من هذا النوع. يُعامل دوركين الالتزامات السياسية كمفهوم معياري أساسي في حد ذاته. أو ما يسميه، “الالتزامات التعاونية” أو “الترابطية” وهي تلك التي لا تنشأ من السلطة السياسية ذات الشرعية ، ولكن مباشرة من العضوية في المجتمع السياسي (للإطلاع على مناقشات نقدية في هذا الجانب، انظر: Simmons 2001; Wellman 1996).

يُقدم أبلبوم (2010)، حجة مفاهيمية للطعن في الرأي القائل بأن السلطة السياسية ذات الشرعية تستوجب الالتزام. يعتقد أبلبوم بأن السلطة السياسية ذات الشرعية لديها القدرة على تغيير الوضع المعياري لمن هم تحت حُكمها (Applbaum, 2010)، كما ناقش راز (1986)، على سبيل المثال بشكل مؤثر، وأن هذه القدرة يجب أن تُفسر على أنها قوة أخلاقية بالمعنى الذي طرحه هوهفلد (Hohfeld)، وليس بمعنى حق المطالبة بالحُكم. ولكن يقول أبلبوم بأن سلطات هوهفلد، على عكس الحقوق، ليست مرتبطة بالواجبات، بل هي مرتبطة بالالتزامات. ومن وجهة نظر أبلبوم، فإن السلطة السياسية ذات الشرعية لديها الإمكانية على خلق مسؤوليات لأولئك الذين يخضعون تحت حكمها، ولكن ليس بصيغة التزامات. إن الخضوع للسلطة السياسية ذات الشرعية، يعني عدم التحرر من سيطرة السلطة. من المؤكد أن المسؤولية قد تكون خاضعة لواجب، ولكن أن تكون عُرضة للالتزام بواجب الطاعة يجب ألا يتم الخلط بينه وبين واجب الامتثال (انظر ايضاً: Perry 2013، للتمييز بين هذه المناقشات).

تحظى الآراء التي تفصل الشرعية السياسية عن الالتزام السياسي ببعض الجاذبية لأولئك الذين يهدفون إلى مواجهة حجة روبرت بول وولف Robert Paul Wolff اللاسلطوية (الأناركية). حيث تبرز الحجة بما يسمى اليوم أحياناً بمشكلة الخضوع أو التبعية  (Perry 2013). كيف يكون الأفراد المستقلون مُلزمين بشكلٍ عام – بعيداً عن المحتوى – بإخضاع إرادتهم لإرادة شخص آخر؟ إن الالتزام المستقل عن المحتوى بطاعة الدولة هو التزام بالامتثال لتوجيهات الدولة على هذا النحو، بغض النظر عن المحتوى. يقول وولف (1970) بأنه نظراً إلى أنه لا يمكن أن يكون هناك التزام عام بطاعة الدولة، فإن الدول تفتقد للشرعية بالضرورة (Wolff, 1970).

لدى إدموندسون Edmundson (1998) أول رد على التحدي الأناركي، حيث يناقش بأنه في حين أن الشرعية تضع مُبرراً للدولة لإصدار التوجيهات، إلا أنها لا تخلق حتى واجباً ظاهراً في الامتثال لأوامرها. ويواصل، أن الواجب الأخلاقي لإطاعة أوامر السلطة السياسية ذات الشرعية ينشأ فقط إذا تم إستيفاء شروط إضافية.

لدى سيمونز Simmons (2001)، رداً مختلفاً على وولف، حيث يميز سيمونز بين التبرير الأخلاقي للدول و الشرعية السياسية لدولة معُينة، بما يصاحب ذلك الإدراك التاريخي، وتوجيهاته. وبسحب سيمونز، فإن تبرير الدولة يعتمد على دفاعها الأخلاقي. إذا كان من الممكن إثبات أن وجود دولة أفضل من الناحية الأخلاقية من عدم وجود دولة (Simmons 2001: 125)، فإن الدولة لها ما يبررها. التبرير الأخلاقي ضروري فقط، لكنه ليس كافياً للشرعية السياسية بحسب سيمونز. والسبب هو أن التزاماتنا الأخلاقية تجاه الجميع، بما في ذلك مواطني الدول الأخرى، وليس باتجاه الدولة المعُينة التي نعيش فيها فقط. تعتمد شرعية دولة معينة، والتي تُفهم على أنها القدرة على توليد وفرض واجبات الطاعة والامتثال، على موافقة المواطنين الفعلية. وعلى الرغم من عدم وجود واجب أخلاقي لطاعة الدولة المعينة التي نعيش فيها، فقد يكون لدينا التزام سياسي بالامتثال إذا منحنا موافقتنا المسبقة لهذه الدولة. وبالتالي، فإن عدم وجود واجب أخلاقي عام بطاعة الدولة لا يعني بالضرورة أن جميع الدول فاقدة للشرعية بالضرورة (Simmons 2001: 137).

 

3) مصادر الشرعية السياسية:

– بقدر ما تكون الشرعية المفهومة بشكلٍ معياري، تُحدد أي المؤسسات السياسية وأي القرارات التي تُتخذ بداخلها تكون مقبولة، غير أنه وفي بعض الحالات، ما هي أنواع الالتزامات التي يتحملها الأشخاص الذين تحكمهم هذه المؤسسات؟ هناك أسئلة حول ما هي الأسس التي تقوم عليها هذه المعايير؟ يستعرض هذا الجزء بإيجاز الإعتبارات والمصادر المخلتفة للشرعية.

3.1) الموافقة:

وبالرغم من وجود فكر طوعي قوي في الفلسفة السياسية المسيحية، إلا أنه في القرن السابع عشر أصبحت الموافقة  تٌعتبر المصدر الرئيسي للشرعية السياسية. تميل أعمال هوجو جروتيوس Hugo Grotius، هوبز Hobbes، صامويل بافندروف Samuel Pufendorf، إلى إعتبار الموافقة نقطة التحول الرئيسية التي أدت في النهاية إلى استبدال القانون الطبيعي، ونظريات السلطة الإلهية للشرعية. (انظر Schneewind 1998 ؛ Hampton 1998). المقطع التالي من جروتيوس Grotius، في كتاب قانون الحرب والسلام، يُعبّر عن هذا المنظور الحديث، يقول:” ولكن نظراً لوجود عدة طرق للعيش، بعضها أفضل من البعض الآخر، وقد يختار كل شخص ما يشاء من كل هذه الأنواع، لذلك يمكن للشعب أن يختار شكل الحكومة الذي يريده: حيث أن هذا الحق لا يمتلكه الحاكم، أو العاهل، ليُقاس بهذا الشكل أو ذاك، بل بالأشخاص الذين بحثوا عن آراء مختلفة، وبمدى إرادة الذين منحوه (الحق) إياه”.(استشهد به Tuck 1993: 193). لقد كانت أفكار لوك من نظرية العقد الاجتماعي هي التي رفعت الموافقة بإعتبارها المصدر الرئيسي لشرعية السلطة السياسية.

يُميز راز Raz بشكلٍ مفيد بين ثلاث طرق يمكن من خلالها فهم العلاقة بين الموافقة وشرعية السلطة السياسية، (1995: 356). 1) موافقة المحكومين هي شرط ضروري لشرعية السلطة السياسية.2) الموافقة ليست شرطاً مباشراً للشرعية، ولكن شروط شرعية السلطة هي التي لا تستطيع السلطة السياسية الوفاء بها إلا بعد التمتع بموافقة المحكومين.3) أن شروط شرعية السلطة السياسية هي التي تحكم تلك السلطة بالموافقة الإلزامية.

يدافع لوك وأتباعه المعاصرون، مثل نوزيك Nozick (1974)، سيمونز Simmons (2001)، ولكن أيضاً روسو وأتباعه عن 1) الشكل الأكثر شيوعاً الذي تتخذه نظريات الموافقة. تدافع جرين Greene (2016)، عن نسخة من الرأي تُطلق عليه العرض التوافقي الجيد. في النسخة 2) تعاود لأولئك الذين يرفضون الموافقة الفعلية كأساسٍ للشرعية، لأنهم يعتبرون فقط الموافقة الفعلية المقدمة في ظل الظروف المثالية مُلزمة. تقع نظريات الموافقة الافتراضية، مثل تلك التي عبّر عنها كانط Kant، وراولز Rawls، في هذه الفئة. حيث ترى هذه النظريات أن السلطة السياسية ذات شرعية فقط إذا وافق المحكومون عليها في ظل ظروف مثالية معينة.(راجع القسم 3.3).

يدافع ديفيد إستلوند David Estlund (2008: 117ff)، عن نسخة أخرى من نظرية الموافقة الافتراضية التي تتطابق مع الفئة رقم 3 أعلاه. ما يسميه “الموافقة المعيارية” هي نظرية تعتبر عدم الموافقة على السلطة، تحت ظروف معينة غير صالحة. وبالتالي، يمكن تبرير السلطة، بحسب هذا الرأي، دون موافقة فعلية. يُعرّف Estlund، السلطة بأنها القوة الأخلاقية التي تتطلب الفعل. حيث يستخدم نظرية الموافقة المعيارية كاساسٍ لإعتبار الشرعية الديمقراطية، الذي يُفهم على أنه يجوز استخدام الإكراه لفرض السلطة. العمل الذي تقوم به نظرية الموافقة المعيارية بحسب Estlund، هو أنه يساهم في تبرير سلطة الجماعة الديمقراطية على أولئك الذين يختلفون مع بعض القوانين المُعتمدة ديمقراطياً.

وعلى الرغم من أن نظرية الموافقة كانت تُهيمن لفترة طويلة، إلا أن هناك العديد من الاعتراضات المعروفة عليها. كما ذُكر في القسم 2.1، يناقش سيمونز Simmons (2001)، بأن نظريات الموافقة الافتراضية (ويفترض، نظريات الموافقة المعيارية أيضاً) تخلط بين التبرير الأخلاقي و الشرعية . الاعتراضات الأخرىوخاصة على إصدارات لوكين (Lockean) نفسها، قديمة قدم نظرية القبول أو الموافقة نفسها. يعترض ديفيد هيوم (Hume)، في مقاله “من العقد الأصلي”، والكثير من بعده على لوك أن الموافقة ليست مُجدية، وأن الدول الفعلية كانت تنشأ دائماً تقريباًمن أعمال العنف. وبالتالي، فإن محاولة إضفاء الشرعية على السلطة السياسية عن طريق الموافقة هي، في أفضل الأحوال، تفكير بالتمني. (Wellman 1996). غير أن ما هو أسوأ، قد يحجب الهياكل الإشكالية للمرؤوسين، أو التابعين. (Pateman 1988). كان حل هيوم نفسه، مثل بنثام في وقتٍ لاحق، عرض إقتراح لتبرير السلطة السياسية مع الإشارة إلى عواقبها المفيدة.

3.2) العواقب المفيدة:

– من وجهة نظر النفعية، ينبغي أن تقوم شرعية السلطة السياسية على مبدأ المنفعة. حيث أن هذا المفهوم للشرعية هو بالضرورة مفهوم أخلاقي: تعتمد شرعية السلطة السياسية على ما تتطلبه الأخلاق. قد ينُظر إلى كرستيان توماس (Christian Thomasius) ، طالب بوفندروف (Pufendorf)، ومعاصر لوك على أنه رائد المنهج النفعي للشرعية السياسية، حيث رفض التطوع وأيد فكرة أن الشرعية السياسية تعتمد على مبادئ الحكمة العقلانية بدلاً من ذلك. (Schneewind 1998: 160; Barnard 2001: 66). يختلف توماس عن النفعيين، ومع ذلك، فهو في محاولته تحديد مصدر للشرعية السياسية – ليس أخلاقي أو قانوني. لقد طور فكرة “الذوق” أو “اللياقة” إلى نظرية حول كيفية ارتباط الناس ببعضهم البعض في السياق السياسي.من الأفضل وصف هذه الفكرة على أنها مبدأ “التبادل المدني”. (Barnard 2001: 65). “أنت تعامل الآخرين كما تتوقع منهم أن يعاملوك”.( Thomasius، أسس قانون الطبيعة والأمم، نقلاً عن Barnard 2001: 65). من خلال تمييز الشرعية عن العدالة و الشرعية القانونية، تبنى توماس نهجاً كان سابقاً لوقته إلى حدٍ كبير. في المقابل، يرفض جيرمي بنتام Bentham فكرة هوبز بأن السلطة السياسية تنشأ بموجب عقدٍ اجتماعي. وبحسب بنتام، فإن الدولة هي التي تخلق إمكانية العقود المُلزمة. ذلك أن مشكلة الشرعية التي تواجهها الدولة تجد مبرراتها في قوانينها. يقترح بنثام أن الشرعية تعتمد على ما إذا كان القانون يساهم في سعادة المواطنين.(للتعرف على مبدأ الشرعية النفعي المعُاصر، انظر: Binmore 2000).

هناك مشكلة معروفة من وجهة النظر التي يُعبر عنها بنتام والتي تبرر القيود على الحقوق التي يجد الليبراليون على أنها غير مقبولة.تتكون إجابة جون ستيورات مِل Mill، على هذا الاعتراض، من جهة، في حجة للتوفيق بين النفعية وحماية حقوق الحريات، ومن الجهة الأخرى، في الدفاع عن السلطة السياسية الديمقراطية على أساس مبدأ المنفعة. ووفقاً لمِل Mill، تُعد كل من الحرية الفردية والحق في المشاركة السياسية أمراً ضرورياً للتنمية الذاتية للأفراد.انظر:( Mill On Liberty، واعتبارات في الحكومة التمثيلية، انظر أيضاً: Brink 1992; Ten 1998).

فيما يتعلق بالدفاع عن حقوق الحرية، يُناقش مِل بأن تقييد الحرية غير مشروع إلا إذا كان مسبباً للضرر، أي ما لم تكن الإجراءات المقموعة من القيد تضر بالآخرين. انظر: (On Liberty، الفصل الأول؛ لمناقشة نقدية لمبدأ الضرر كأساسٍ للشرعية، انظر: Wellman 1996؛ انظر أيضاً: Turner 2014). تم التعبير من وجهة نظر مِل للقيمة المفيدة للديمقراطية (التداولية) في المقطع التالي من الفصل الأول من كتاب الحرية. “الاستبداد أو الطغيان هو طريقة مشروعة للحكومة في التعامل مع البرابرة، شريطة أن تكون الغاية هي تحسينهم والوسائل التي تبررها في الواقع تهدف لتحقيق هذه الغاية. الحرية، كمبدأ، ليس لها أي تطبيق أو إستخدام على أي حالة من الأشياء قبل الوقت الذي أصبحت فيه البشرية قادرة على التطور من خلال المناقشة الحرة والمتساوية”. التداول مهم، وفقاً لمِل، بسبب إيمانه بقوة الأفكار – في ما سيطلق عليه هابرماس لاحقاً قوة الحجة الأفضل (Habermas 1990: 158f). يجب أن تُحافظ المداولات على المصالح الحزبية، التي يمكن أن تُهدد الشرعية من خلال تقويض السعادة العامة، وفي المراجعة ” يجب على النظام التمثيلي…ألا يسمح لأي من المصالح الطائفية المختلفة أن تكون قوية بحيث تكون قادرة على التغلب على الحقيقة، والعدالة، والمصالح الفئوية الأخرى مجتمعة. يجب دائماً أن يكون هناك توازن بين المصالح الشخصية، التي قد تجعل أياً منهم يعتمد على نجاحاته، وتحمل نسبة كبيرة منهم على الأقل على العمل بدوافع أعلى، ووجهات نظر أكثر شمولية، وبعيدة المدى.( Mill، الأعمال المختارة، 447، استشهد بها Ten 1998: 379).

يبدو أن كثيرين غير مقتنعين بأن مثل هذا المنطق الأداتي يُقدم سبباً مقنعاً للشرعية السياسية. راولز Rawls (1971:175f)، و جيرمي والدرون Jeremy Waldron (1987: 143f)، يعترضان على النهج النفعي الذي سيقنع في نهاية المطاف أولئك الذين سيستفيدون من الحسابات الاقتصادية، ويفتقر إلى حجة لإقناع أولئك الذين من المحتمل أن يخسروا.

تقدم نظريات اللعب النظيف إجابة واحدة على هذه المشكلة (انظر: Klosko 2004، ومادة الالتزام السياسي)، في حين أن الجواب الآخر يأتي من النظريات الكمالية.أفضل مثال على ذلك هو مفهوم راز Raz للشرعية (القسم 2.1). يحاول راز إظهار مدى توافق إعتبارات الشرعية القائمة على النتائج المفيدة مع كل من لديه أسباب للامتثال، وطاعة، توجيهات السلطة. ووفقاً لراز (Raz 1995: 359)، “تُحدد الحكومات ما هو الأفضل لرعاياها وتعرض عليهم النتائج كاستنتاجات مُلزمة يتعين عليهم اتباعها”. المبرر لهذا الرأي الذي يعطيه راز (أطروحة التبرير العادية)، كما هو موضح أعلاه، هو أنه إذا كانت السلطة ذات شرعية، فإن توجيهاتها تجعلها تساعد المحكومين على الامتثال بشكلٍ أفضل للأسباب التي تنطبق عليهم (للإطلاع على نقد لهذا التوجه، انظر: Hershovitz 2003، 2011، Nussbaum 2011, and Quong 2011).

إن اعتبارات ويلمان (1996)، للشرعية السياسية هي أيضاً محاولة للتغلب على المشكلة التي تُبين أن المؤسسات السياسية والقرارات التي تُتخذ بداخلها نتائج مفيدة، لكنها ليست كافية للشرعية السياسية. وحسب أفكاره، تعتمد شرعية الدولة على تبريرها لاستخدام الإكراه لفرض قوانينها. ما يقترحه هو، أن تبرير الدولة يمكن أن يقوم على الواجب القانوني لمساعدة الآخرين المحتاجين. والفكرة هي أن “ما يضفي الشرعية في النهاية على فرض قيود على حريتك ليس مجرد الخدمات التي التي تقدمها لك، ولكن الفوائد التي تقدمها للآخرين ( Wellman 1996: 213، التشديد من المؤلف). يناقش ويلمان بأنه نظراً لأن “المجتمع السياسي هو الوسيلة الوحيدة التي تُمكن الناس الهروب من مخاطر حالة الطبيعة”، (Wellman 1996: 216)، وأن على الناس واجب بأن يقدموا لبعضهم البعض منافع الدولة. حيث يدعي ويلمان بأن القيود المرتبطة بحريتهم من قبل الدولة مشروعة.

 

3.3) العقل العام والموافقة الديمقراطية:

يظهر إرث هام في نظرية الاتفاق أو الموافقة في الفكر المعُاصر، وتحديداً في التوجهات التي تنسب مصدر الشرعية إما إلى فكرة العقل العام – أخذ القيادة من كانط – أو إلى نظريات المشاركة الديمقراطية – أخذ المشاركة من روسو. حيث تجمع نظريات الديمقراطية التداولية بين التوجهين.

تميل توجهات العقل العام إلى التركيز على مشكلة تبرير الإكراه السياسي. فالحل الذي يقترحونه هو أن الإكراه السياسي له ما يبرره إذا تم دعمه على أساس الأسباب التي يمكن لجميع الأشخاص العاقلين المشاركة بها. بدأ الإهتمام بتوجهات العقل العام في الليبرالية السياسية مع راولز، لكنه طور الفكرة بشكلٍ كامل في الأعمال اللاحقة. حيث أن نقطة انطلاقه هي مشكلة الشرعية التالية (Rawls 2001: 41): ” في ضوء أي أسباب أو قيم …يمكن للمواطنين ممارسة الشرعية … السلطة القسرية على بعضهم البعض؟” الحل لهذه المشكلة التي يقترحها راولز هو “مبدأ الشرعية الليبرالي التالي”، للسلطة السياسية شرعية فقط عندما تُمارس وفقاً لدستور (مكتوب أو غير مكتوب) مبادئ لجميع المواطنين، باعتبارها معقولة وعقلانية، ويمكن أن يتم مُصادقتها على ضوء العقل الإنساني المُشترك” (Rawls 2001: 41).

تستند فكرة راولز للعقل العام، والتي هي في صميم المبدأ الليبرالي للشرعية، على أسلوبٍ “سياسي” – على عكس “ما وراء الطبيعة”- الذي طوره راولز على منتقدي نظريته للعداله بوصفها إنصاف (Rawls 1985). هذا يعني أن العقل العمومي يجب أن يكون “قائماً بذاته” بنفس الطريقة التي عليها نظريته في العدالة. يجب أن يشمل العقل العام القيم السياسية فقط، وأن يكون مستقلاً عن – الجدالات المحتملة – أو المذاهب الأخلاقية، أو الدينية الشاملة. وهذا يقيد محتوى العقل العام لما تقدمه الأسرة لما لمفاهيم السياسية للعدالة بحسب راولز (Rawls 2001: 26). يُدرك راولز أنه نظراً لتقييد محتوى فكرة العقل العام، فيجب أيضاً تقييد النطاق الذي ينطبق عليه. السؤال هو: في أي سياق من المهم أن يتم مراعاة تقييد العقل؟ يتصور راولز نطاق العقل العمومي على أنه يقتصر على مسائل الأساسيات الدستورية والعدالة الأساسية، وينطبق بشكلٍ أساسي – ولكن ليس حصري – على القضاة والمسؤولين الحكوميين، والمرشحين للمناصب العامة، عندما يقررون في مسائل الأساسيات الدستورية والعدالة الأساسية.

ينتقد سيمونز (2001)، نهج راولز لطمس التمييز بين تبرير الدولة و الشرعية السياسية (انظر أيضاً القسم 2.3). يمكن للراولزيين أن يجيبوا مع ذلك بأن مشكلة الشرعية تنطوي بشكلٍ مركزي على مشكلة الإكراه، وبالتالي يجب فهم الشرعية على أنها سبب إيجاد – وليس مجرد تبرير – للسلطة السياسية. الفكرة التالية تدعم هذا الادعاء. حيث يركز راولز في الليبرالية السياسية صراحة على السياق الديمقراطي. فكون الحق في الحُكم من خلق أولئك الذين يحكمون؛ هي ميزة ديمقراطية. وكما يقول هيرشوفيتز (Hershovitz)، في نقده لمنهج راز  للشرعية السياسية، في الديمقراطية لا يوجد انقسام حاد بين “الموثقين” و “المقيدين” (2003: 210f). وبالتالي، فإن السلطة السياسية للتجمع الديمقراطي تستتبعها بعض التوجهات للظروف التي يمكن للمواطنين بموجبها ممارسة السلطة القسرية على بعضهم البعض بشكلٍ قانوني. (Peter 2008; Kolodny 2014a,b). ولكن حتى إذا كان من الممكن دحض اعتراض سيمونز بهذه الطريقة، فإن المشكلة الأخرى لتوجهات العقل العمومي هي ما إذا كان بإمكانها إثبات نجاح بعض أشكال التبرير العام للشرعية السياسية (انظر  Enoch 2015).

طورت توجهات العقل العمومي الحديثة فكرة راولز الأصلية بطرق مختلفة (انظر مادة العقل العمومي). سيفهم أولئك الذين يتابعون راولز عن كثب توجهات العقل العمومي كأسبابٍ تجذب إجماعاً افتراضياً. في هذا التفسير، فإن العقل العام هو السبب الذي يُتوقع من جميع الأشخاص العقلانيين أن يؤيدوه. الهدف من الإجماع هو إما القرارات السياسية نفسها أو الإجراء الذي يتم من خلاله إتخاذ القرارات السياسية. في قراءة مُشتركة اليوم، يتم فهم فكرة العقل العام من حيث الإجماع الافتراضي على الأسباب الجوهرية (على سبيل المثال  (Quong 2011)). فيما يتعلق بهذه المفاهيم، يكون استخدام الإكراه السياسي مشروعاً إذا كان مدعوماً بأسبابٍ جوهرية يمكن أن يتوقعها جميع الأشخاص العُقّال. تكمن مشكلة هذا التفسير للعقل العمومي في أن المطالبة بتوافق الآراء حول الأسباب الجوهرية في ظروف التعددية والخلاف الديني والأخلاقي، هي أنه إما يعتمد على توصيف مُقيّد جدا للأشخاص العاقلين، أو ينتهي بمجالٍ محدود جداً لشرعية الإكراه السياسي.

يمكن فهم مفهوم راولز للشرعية السياسية أيضاً من حيث الأسباب الإجرائية (Peter 2008). في هذا التفسير، يقتصر مجال العقل العام على تبرير عملية صنع القرار السياسي، ولا يلزم أن يمتد للأسباب الجوهرية (على عكس الأسباب الإجرائية) التي قد يحتفظ بها الناس لتبرير قراراتهم. على سبيل المثال، إذا كان الإجماع الافتراضي يدعم اتخاذ القرار الديمقراطي، فإن مبرر القرار هو أنه تم اتخاذه بطريقة ديمقراطية. بالطبع، قد لا يكون القرار السياسي المشروع بموجب الإجراء الذي تم اتخاذه قراراً عادلاً بالكامل. لكن هذا مجرد انعكاس لحقيقة أن الشرعية هي فكرة أضعف من العدالة.

يركز التفسير البديل لتوجهات العقل العمومي على المقاربة وليس الإجماع (Gaus 2011). يُصبح القرار السياسي مشروعاً على أساس العقل العمومي، وبناء على هذا التوجه، ينبغي أن يتقارب الأفراد العُقّال على هذا القرار، ولا يحتاجون إلى الاتفاق على الأسباب الجوهرية أو الإجرائية التي تدعم اتخاذ القرار. بدلاً من ذلك، يقال أنه يكفي للشرعية السياسية اتّفاق الجميع على أنه يجب اتخاذ قرار معُين، حتى لو اختلفوا حول الأسباب التي تدعم هذا القرار. من الملاحظ هنا أن التقارب لا يجب أن يكون فعلياً، بل قد يكون إفتراضياً.

تُعتبر التوجهات التي تؤكد المشاركة السياسية أو التأثير السياسي أن القرار السياسي يكتسب مشروعيته إذا تم اتخاذه في عمليةٍ تسمح بمشاركة متساوية من جميع الأشخاص ذوي الصلة. وبالتالي فهم يرون أن الشرعية السياسية تعتمد على مشاركة أو تأثير الجميع – وذلك لإعادة صياغة تعبير برنارد مانين (Bernard Manin ) (1987) – وليس على إرادة الجميع، كما تفعل نظريات الموافقة، أو على مبرر يمكن للجميع الوصول إليه، كما ترى توجهات العقل العمومي. حيث تُركز الروايات القديمة من هذا النوع على المشاركة الديمقراطية (Pateman 1970). في حين تتضمن التوجهات الأحدث حسابات الديمقراطية التداولية  (Manin 1987)، ورؤية التحكم المتساوي بحسب فيليب بيتيت (Pettit 2012).

أثّر حل روسو لمشكلة كيفية تفسير شرعية القرارات السياسية على العديد من المُنظرين المعاصرين (انظر القسم 4.3). أحد أهم حالات عدم الاتفاق مع رؤية لوك لنظرية العقد الاجتماعي التي يقترحها روسو أن الموافقة الضمنية ليست كافية للشرعية السياسية. يؤكد روسو أنه بدون مشاركة المواطنين النشطة في تبرير قوانين الدولة، لا توجد شرعية. ووفقاً لروسو، لا يمكن تمثيل إرادة المرء، لأن ذلك من شأنه أن يشوه الإرادة العامة، والتي هي وحدها مصدر الشرعية . “المشاركات التي تربطنا بالجسم الاجتماعي إلزامية فقط لأنها متبادلة… الإرادة العامة، يجب أن تكون حقيقية، يجب أن تكون عامة في موضوعها وكذلك في جوهرها… يجب أن تأتي من الجميع لتطبيقها على الجميع، و…تفقد استقامتها الطبيعية عندما يتم توجيهها نحو أي شخص، أو موضوع محدد ( Rousseau، العقد الاجتماعي II: 4، و Rawls 2007: 231f).

يُميز روسو بين إرادة المواطن الخاصة، والتي تعكس المصالح الشخصية، والإرادة العامة للمواطن، والتي تعكس تفسيراً للصالح العام، والإرادة العامة، والتي تعكس المصلحة العامة أيضاً. إن القرار الديمقراطي يتعلق دائماً بالصالح العام. وهكذا في عملية صنع القرار الديمقراطي، يقارن المواطنون تفسيراتهم للإرادة العامة. إذا أجريت بشكلٍ صحيح، فإنها تكشف عن الإرادة العامة. وهذا هو القرار المشروع.

قد لا تؤدي المشاركة النشطة من قبل الجميع إلى الإجماع، فلماذا أولئك الذين يعارضون قراراً معُيناً ملزمون بهذا القرار؟ يجيب روسو على هذا السؤال بالشكل التالي. من وجهة نظر روسو، يمكن للمواطنين – وسيريدون ذلك – التعلم من القرارات الديمقراطية. بما أن القرار الديمقراطي يشكف بشكلٍ صحيح عن الإرادة العامة إذا تم تنفيذه بشكلٍ صحيح، فإن أولئك الذين صوتوا ضد اقتراح معُين سوف يدركون أنهم كانوا على خطأ وسيعدلون معتقداتهم حول ماهية الإرادة العامة. بهذه الطريقة البارعة، لا يلتزم الأفراد إلا بإرادتهم، ولكن الجميع ملزمون بالقرار الديمقراطي.

 

4) الشرعية السياسية والديمقراطية:

– يُلقي هذا القسم نظرة فاحصة على العلاقة بين الديمقراطية و الشرعية السياسية. في الفلسفة السياسية المعُاصرة، يعتقد الكثيرون، ولكن ليس على الإطلاق، أن الديمقراطية ضرورية للشرعية السياسية. الأدوات الديمقراطية هي وجهة النظر القائلة بأن إجراءات صنع القرار الديمقراطي هي في أفضل الأحوال وسيلة للتوصل إلى نتائج عادلة، وما إذا كانت الشرعية تتطلب الديمقراطية أم لا فيعتمد ذلك على النتائج التي ينتج عنها صنع القرار الديمقراطي. يُميز توماس كريستيانو Thomas Christiano (2004)، بشكلٍ مفيد بين المفاهيم الأحادية للشرعية السياسية، والمفاهيم غير الأحادية. الأدوات الديمقراطية ذات نظرة أو وجهة أحادية تقلل من طبيعة الشرعية السياسية إلى بُعدٍ واحد: فقط جودة النتائج التي يولدها نظام سياسي معُين هي ذات الصلة بـ الشرعية السياسية .

الموقف المتناقض في الفلسفة السياسية المعُاصرة هو أن الأشكال الديمقراطية للتنظيم الاجتماعي ضرورية للشرعية السياسية، بغض النظر عن قيمتها الأساسية (Buchanan 2002). المفهوم المشترك للشرعية الديمقراطية، كما تم استخدام المصطلح هنا، هي كونه يطالب المؤسسات السياسية باحترام القيم الديمقراطية. بعض المفاهيم الإجرائية للشرعية الديمقراطية أحادية أيضاً. ما يُسمى عادة بالإجرائية البحتة هو مثال على وجهة نظر أحُادية. ووفقاً للإجرائية البحتة، فإن السمات الإجرائية فقط لصنع القرار هي ذات الصلة بـ الشرعية الديمقراطية. ينجذب العديد من المشاركين إلى المفاهيم غير الأحادية للشرعية الديمقراطية. ذلك أن مثل هذه المفاهيم المختلطة للشرعية الديمقراطية تجمع بين الشروط التي تُشير إلى جودة نتائج صُنع القرار الديمقراطي مع الشروط التي تنطبق على السمات الإجرائية.

 

4.1) الديمقراطية الأداتية أو الذارئعية:

– تُستخدم الأدوات الديمقراطية أحياناً للمحاججة ضد الديمقراطية. ووفقاً لحججٍ من هذا النوع، فإن بعض النتائج المثالية الجيدة، مهما كانت مُحددة، تُشكل المعيار الذي يُحدد الشرعية السياسية . إذا لم تُساهم الديمقراطية في نتائج أفضل من الإجراءات البديلة لصُنع القرار، فهي ليست ضرورية للشرعية السياسية. (Raz 1995; Wall 2007).

يعتبر أولئك الذين يدافعون عن الآلية كمنطلق أن هناك نتيجة مثالية موجودة بشكلٍ مستقل عن العملية الديمقراطية، والتي يمكن من خلالها قياس قيمة العملية الديمقراطية، ومشروعيتها. على سبيل المثال، تُشير التوجهات الآلية أو الذرائعية لريتشارد أرنيسون Richard Arneson (2003)، وستيفن وول Steven Wall (2007)، إلى بعض التوزيع المثالي للمساواة. ومن وجهة نظرهم، تعتمد شرعية المؤسسات السياسية والقرارات المُتخذة فيها على مدى قُربها من التوزيع المثالي للمساواة. إذا كانت التضحية بالمساواة السياسية تسمح بتقريبٍ أفضل للمساواة بشكلٍ عام، هكذا تقول حجتهم، فإن هذا لا يقوض الشرعية .

تتمثل إحدى مُشكلات هذا الرأي في أنه للخروج من هذا الموقف، يجب أن تعُامل قيمة المساواة السياسية على أنها أقل أهمية من قيمة تلك المساواة الأخرى التي تنشد معيار الكمال. غير أن هذا غير مقبول لأولئك الذين يعتبرون المساواة السياسية واحدة من أهم القيم (انظر على سبيل المثال: Rawls 1993; Buchanan 2002; Christiano 2008; Kolodny 2014a,b). بالإضافة لذلك، تتعارض الأدوات الديمقراطية مع وجهة نظر العديد من الديمقراطيين بأن الإجراءات المشروعة لصنع القرار الديمقراطي تخلق أو تُشكل سلطة سياسية.

في حين أن الدفاع عن الآلية الديمقراطية يهدف لإظهار كون إجراءات صُنع القرارات الديمقراطية الأكثر قدرة على تحقيق نتائج مشروعة. تستند النسخة الأكثر شهرة من هذه الحُجة إلى نظرية كوندوروسيه (Condorcet) لهيئة المحلفين (للحصول على مناقشة حديثة، انظر قائمة Goodin 2001). تفترض نظرية لجنة التحكيم في صياغتها الأصلية بحسب كوندورسيه بأن هناك بديلان، أحدهما هو النتيجة الصحيحة مهما كانت مُحددة. لنأخذ الخيار الثاني لتصبح النتيجة ذات شرعية. تقول النظرية: أنه إذا كان من المرجح أن يكون رأي كل ناخب أكثر صحة من الخطأ، فمن المرجح أن تكون الأغلبية صحيحة أكثر من الخطأ. بالإضافة لذلك، يزداد احتمال تصويت الأغلبية على النتيجة الصحيحة مع حجم الناخبين. نظراً لأن الديمقراطية لها جمهور أكبر من أي نظام آخر، فإن النظرية تقدم حجة لماذا تكون الديمقراطية قادرة على تحقيق نتائج مشروعة. وبالإضافة للحجج القائمة على نظرية كوندورسيه لهيئة المحلفين، هناك محاولات للدفاع عن القيمة المعرفية للديمقراطية الآلية. يُقدم لاندمور Landemore (2012) على سبيل المثال، حجة للقيمة المعرفية الأساسية للديمقراطية التي تعتمد على إمكانات آليات صُنع القرار، والتي تجمع وجهات نظر متنوعة لتتفوق على صنع القرار من قبِل مجموعات أقل تنوعاً، مجموعات من الخُبراء مثلاً.

 

4.2) المفاهيم الإجرائية البحتة للشرعية الديمقراطية:

– وفقاً للمفاهيم الإجرائية البحتة للشرعية الديمقراطية، فإن القرارات الديمقراطية تتسم بـ الشرعية طالما أنها نتيجة لعملية مقيدة بشكلٍ مناسب لصنع القرار الديمقراطي. تضع هذه الآراء كل الثقل المعياري على قيمة الإجراء الديمقراطي.

هناك عدة طرق يمكن من خلالها فهم الإجراءات المعيارية البحتة على حساب الديمقراطية التراكمية – التي تجمع التفضيلات الفردية مثلاً من خلال التصويت، لتكون السمة الرئيسية للديمقراطية – تعني الإجراءات المعيارية البحتة أن القرارات الديمقراطية مشروعة إذا كانت العملية التراكمية مُنصفة. يتضمن دفاع كينيث أو.ماي عن حُكم الأغلبية (May 1952)، وجهة نظر من هذا النوع. انظر أيضاً (Dahl 1956).

تعتمد الشرعية في التوجه التداولي للديمقراطية على عملية المداولات العامة، جزئياً على الأقل (Manin 1987, Bohman 1996). لدى توماس كريستيانو (Thomas Christiano) توصيفاً جيداً لما تنطوي عليه الإجراءات المعيارية البحتة في مسار الديمقراطية التداولية: “تجعل المناقشة الديمقراطية والتداول وصنع القرار في ظل ظروف معينة النتائج مشروعة للجميع، بعيداً عن إكراه نتائج المناقشات والمداولات وصنع القرار. النتائج مشروعة من خلال سير الإجراءات” ( Christiano 1996: 35). تكمن الفكرة في أنه في حين أن المداولات الديمقراطية تساعد في الفرز من خلال أسباب سياسية، وضد مرشحين أو مقترحات سياسية، وربما حتى تولد بدائل جديدة، فإن شرعية نتائج هذه العملية تعتمد فقط على نزاهة صنع القرار، وليس على جودة النتائج التي ينتجها. المُبرر لمفاهيم الشرعية الديمقراطية هو أنه لا يوجد معيار مشترك لتقييم جودة النتائج، سيبقى دائماً خلاف عميق حول أسباب هذه المقترحات وضدها. وبالتالي، فإن الطريقة العادلة لحل هذه الخلافات هي المصدر الوحيد لشرعية النتائج ( Waldron 1996; Gaus 1997; Christiano 2008).

أثار إستلوند (Estlund) (2008)، تحدياً ضد التوجهات القائمة على الإنصاف من الإجراءات الديمقراطية. حيث يشير إلى أن إجراءات صنع القرار الأخرى – تقليب عملة معدنية على سبيل المثال – تُلبي أيضاً متُطلبات الإنصاف. وبالتالي، فإن حجة العدالة غير كافية لإثبات الشرعية العليا لصُنع القرار الديمقراطي. يمكن أن يستجيب المتشبثون بالإجراءات البحتة لهذا التحدي بالإشارة إلى الإنصاف المميز الذي يأتي كنتيجة لإجراءات صُنع القرار الديمقراطي. يناقش كريستيانو وكولودني (Kolodny) على سبيل المثال، بأن شرعية القرارات التي يتم اتخاذها بطريقة ديمقراطية تنبع من المساواة السياسية التي تُشكلها الديمقراطية، والديمقراطية فقط. ووفقاً لكريستيانو (Christiano) (2008)، فقط في الدول الديمقراطية يُعامل الناس علنا على قدم المساواة. ووفقاً لكولودني (2014a, b)، فإن الديمقراطية فقط هي التي توفر نوعاً من الفرص المتساوية للتأثير على صُنع القرار الذي يتجنب إخضاع البعض لقرارات الآخرين.

الرد الإجرائي المختلف على تحدي  إستلوند هو الإشارة إلى القيم المعرفية الإجرائية التي يتم القيام بها في العملية الديمقراطية – حول مدى شموليتها، على سبيل المثال، أو مدى شمولية ادعاءات المعرفة حول اقتراحات معينة تعرضت للنقد. الفكرة هي أن الشرعية السياسية قد تتعرض للخطر ليس فقط من خلال الوصول غير المتكافئ إلى المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن أيضاً من خلال الامتياز المعرفي غير المبرر. ما يسميه بيتر (Peter) الإجرائية المعرفية البحتة هو مفهوم للشرعية الديمقراطية التي بموجبها تكون القرارات السياسية مشروعة إذا كانت نتيجة عملية صُنع القرار الديمقراطي المتداولة تُلبي بعض شروط العدالة السياسية والمعرفية (Peter 2008، وللقيم المعرفية الإجرائية، انظر أيضاً  Peter 2013).

في ردٍ آخر يُركز على نوع الحُرية التي توفرها الديمقراطية، وليس على اعتبارات المساواة، تعتمد رؤية بيتيت للتحكم المتساوي، والمذكورة مسبقاً في القسمين 1، 3.3، على هذه الاستراتيجية. حيث تدافع نظرية بيتيت الجمهورية عن الديمقراطية بأنها قادرة بشكلٍ فريد على ضمان عدم هيمنة المواطنين.

 

4.3) مفاهيم مختلطة حول الشرعية الديمقراطية:

– تُضيف المفاهيم الإجرائية العقلانية للشرعية الديمقراطية شروطاً تشير إلى جودة النتائج  التي تنطبق على الخصائص الإجرائية لصُنع القرار الديمقراطي. في حين يُناقش خُبراء الإجراءات البحتة بأن التنازع الحتمي للمعايير التي تحدد جودة النتائج يجعل من المستحيل إرساء الشرعية فيها، ذلك أن المدافعين عن المفاهيم المختلطة قلقون من أن العملية العادلة قد تؤدي إلى نتائج غير منطقية – نتائج ذات جودة منخفضة بشكلٍ غير ضروري وغير مقبول. الفكر العام الكامن خلف المفاهيم الإجرائية العقلانية هو أن عدالة عملية صُنع القرار الديمقراطية ليست كافية لإثبات شرعية نتائجها.

وكما هو الحال مع المفاهيم الإجرائية البحتة، تختلف المفاهيم المختلطة للشرعية الديمقراطية أيضاً مع التوجه الأساسي للديمقراطية. حيث توجد نسخة ضمنية من الإجراءات المعيارية العقلانية في نهج أرو للديمقراطية التجميعية. انظر(Arrow 1963، وللإطلاع على المناقشة، انظر: Peter 2008). فالمشكلة التي يطرحها هي: هل هناك طرق لصنع القرار الديمقراطي مبنية على أساس مراعاة المساواة في المصالح الفردية وتُفضي إلى الاختيار الاجتماعي العقلاني؟ وكما هو معروف جيداً، تُظهر نظريته استحالة وجود مشكلة في إيجاد آليات صنع القرار هذه. تشير طريقة أرو في طرح المُشكلة – التي تتناقض مع ماي (1952)، إلى أن عدم العقلانية المُحتمل لقاعدة الأغلبية تقوض مشروعيتها، حتى إذا كانت تحترم بعض القيم الإجرائية. تُشير وجهة نظره إلى أن الشرعية الديمقراطية لا تتحقق إلا إذا استوفت النتائج نفسها شروط جودة معينة – على وجه التحديد، افترض أنه يجب أن يُرضي بعض بديهيات العقلانية.

يحتوي المفهوم الافتراضي للشرعية الديمقراطية الذي يفضله العديد من الديمقراطيين التداوليين أيضاً على مفاهيم مختلطة. إن مفهوم هابرماس (Habermas) للشرعية الديمقراطية مثال على ذلك. بالاعتماد على أخلاقيات الخطاب، يناقش هابرماس (1990; 1996) بأن مشاركة الناس في العمليات التبريرية للديمقراطية التداولية ضروري للشرعية السياسية. ووفقاً له، فإن “الإجراءات والافتراضات التواصلية المسبقة للرأي الديمقراطي، وتشكيل الإرادة، تعمل كأهم معايير الترشيد الخطابي لقرارات إدارية تلتزم بالقانون والنظام الأساسي (Habermas 1996: 300). إذن، تعتمد شرعية القرارات الديمقراطية على القيم الإجرائية وعلى الجودة الجوهرية للنتائج التي تتولد عن طريق إجراءات القرارات التداولية هذه. وكما يقول هابرماس: “تكتسب السياسة التداولية قوتها الشرعية من البنية المنطقية للرأي، وتشكيل الإرادة التي يمكن أن تؤدي وظيفتها التكاملية الاجتماعية فقط لأن المواطنين يتوقعون أن تكون نتائجها ذات جودة معقولة. (Habermas 1996: 304; Benhabib 1994; Knight and Johnson 1994; Cohen 1997a,b; Bohman 1997). وفي رأيه، وحده اتخاذ القرار الديمقراطي التداولي هو الذي يمكن أن ينتج قراراً بحيث يكون لدى الجميع أسباب تأييده.

لا يزال الديمقراطيون التداوليون الآخرون يربطون شرعية القرارات الديمقراطية بالسمات الإجرائية ونتائجها، حيث أصبحوا أكثر تشكيكاً في قدرة العلميات التداولية على الوصول إلى قرار مُبرر بشكلٍ مثالي. انظر على سبيل المثال: (Gutmann and Thompson 1996. مثال على ذلك، هو عمل Pettit 2001، 2003; List، و Pettit 2002; List 2006). فهي تُظهر كيف أن حدوث المعضلة الخطابية قد يقوّض عقلانية نتائج المداولات العامة. تنشأ هذه المشكلة عندما يرتبط تقييم النتائج البديلة منطقياً بمجموعةٍ من المقدمات المنطقية المستقلة. من الممكن أن تؤدي المجموعة التداولية التي اتخذت القرار بناءً على التقييم المنطقي إلى نتائج عكسية من القرار القائم على تقييم النتائج مباشرة. على سبيل المثال: في حين أن الأغلبية  (P1) قد تقول بأن الصحة هي أهم سلعة، وقد تكون هناك أغلبية أخرى تحمل (P2)  ترى أن الرعاية الصحية بأسعارٍ معقولة هي إستراتيجية جيدة لتأمين صحة الناس، فلا يزال من الممكن أن ترفض الأغلبية إصلاح الرعاية الصحية(C)  (Grofman and Feld (1988) مما سيحسن صحة الناس. من الممكن أن يحدث ذلك إذا كان المشاركون سيؤيدون الإصلاح فقط إذا أيدوا كلا المنطقين، وإذا لم تفعل ذلك إلا أقلية – على الرغم من وجود أغلبية لكل فرضيةٍ على حده.

تُعتبر اللاعقلانية المحتملة للعمليات التداولية (انظر: Sunstein 2003) دافعاً مهماً لبعض المنظرين الديمقراطيين لمراعاة السمات المعرفية لصنع القرار الديمقراطي. العديد من دعاة الديمقراطية المعرفية يفضلون إما الأداتية أو مفاهيم مختلطة للشرعية. وكما ذكرنا سابقاً، تستند بعض التوجهات عن الديمقراطية المعرفية إلى نظرية كوندورسيه لهيئة المحلفين. يفسر غروفمان وفيلد (1988)، نظرية كوندروسيه لهيئة المحلفين على أنها تفسير لنظرية روسو حول كيف يعكس القرار الديمقراطي الإرادة العامة. تعتمد مثل هذه التفسيرات الديمقراطية المعرفية على ما يسميه إستلوند “نظرية تصحيح الشرعية الديمقراطية” (Estlund 2008: 99). ووفقاً لهذا المفهوم، وهو نسخة من الإجراءات العقلانية، يكون القرار الديمقراطي مشروعاً إذا كان صحيحاً.

يستعرض توجه إستلوند الخاص بالديمقراطية المعرفية مفهوماً خاصاً للشرعية. إعتراضه الرئيسي هو أن التوجهات المستندة إلى نظرية كوندورسيه لهيئة المحلفين تفشل في إعطاء تفسير كافٍ لماذا يجب على أولئك الذين لا يوافقون على نتيجة عملية صنع القرار الديمقراطية أن يعاملوها على أنها مُلزمة وبالتالي يطلبون الكثير من الاحترام من المشاركين في الديمقراطية وتحديداً في اتخاذ القرار. ولتصحيح ذلك، فإن المفهوم البديل لإسلوند للشرعية الديمقراطية يضع المزيد من التركيز على الإجراءات. إن مفهوم الشرعية الذي يدافع عنه “يتطلب أن يكون الإجراء، لكي يكون مقبولاً لجميع وجهات النظر المؤهلة، أن يكون أفضل (أو قريب من) من الناحية النظرية مقارنة مع وجهات النظر العشوائية. (Estlund 2008: 98). يُسمى هذا المفهوم “الإجرائية المعرفية”. حيث يشير أحياناً على أنه مفهوم إجرائي “بحت” للشرعية (انظر على سبيل المثال: Estlund 2008: 108, 116). ولكن هذا مُضلل، لأن المفاهيم الإجرائية البحتة للشرعية لا تعتمد على معايير مستقلة عن الإجراءات. يعمل الإجراء المعياري المعرفي لإستلوند كمعيار مستقل عن الإجراء الذي يعتبر كجهاز مستقل. وبالتالي، فإن وصفه بـ الشرعية هو بشكل أدق نسخة لما يسميه راولز الإجرائية غير الكاملة  (Rawls 1971: 85). فهو يفترض معياراً مستقلاً عن الإجراء الصحيح للنتائج، ويدافع عن إجراء ديمقراطي معُين من حيث مدى قربه من هذه النتائج، مع السماح بعدم وجود إجراء يمكن أن يضمن الوصول إلى النتيجة الصحيحة في كل مرة. إنها ميزة لمفهومٍ إجرائي غير كامل للشرعية الديمقراطية، ذلك أن قراراً معُيناً قد يفشل للوصول إلى النتائج المثالية – وهنا، النتيجة الصحيحة – ولكن لا يزال مشروعاً. لوضع النقطة بشكلٍ مختلف، نجد أن المفاهيم الإجرائية البحتة للشرعية الديمقراطية هي أحادية التوجه حول الشرعية ، ومع ذلك فإن الإجرائية المعرفية لإستلوند غير أحادية، لأنها تصر على أن الإجراءات الديمقراطية (التداولية) لصنع القرار ضرورية للشرعية السياسية ، وتتطلب ذلك إجراءات تقريبية، قدر الإمكان، للحصول على نتائج مثالية.

 

5) الشرعية والكوسموبوليتية (العالمية) السياسية:

– تذهب الكوسمولوليتية السياسية إلى أن المجتمعات الوطنية أو المحلية ليست المصدر الحصري والوحيد للشرعية السياسية. هذا هو الحد الأدنى من التوصيف. وهو متوافق مع نظام تظل فيه الدول القومية وحكوماتها العملاء السياسيين الرئيسيين، طالما أن شرعية بعض السلطات السياسية تُسند إلى الاتفاقيات الدولية. حتى لو كانت الدول وحكوماتها تُعتبر الكيانات السياسية الرئيسية، لا يزال هناك سؤال حول العلاقات المناسبة بين الجهات الوطنية الفاعلة. وهو: متى يجب أن تعترف الدول القومية بالكيان السياسي الآخر وتعتبره كياناً مشروعا؟ وما هي العقوبات التي لا تستوفي معايير الشرعية؟ دعونا نُطلق على هذه المشكلة مشكلة الشرعية الدولية.

تتوافق الكوسموبوليتية السياسية أيضاً مع الفكرة الأكثر إلحاحاً، والمتمثلة في استبدال الدول القومية والحكومات الوطنية – على الأقل في بعض مجالات السياسة – بالمؤسسات العالمية. ومن ضمن الأمثلة على ذلك: التجارة، والبيئة. قد تشمل المؤسسات العالمية المرتبطة بالقوانين العالمية، (مثل: قواعد معاهدة منظمة التجارة العالمية)، والعوامل السياسية العالمية (مثل هيئة الأمم المتحدة). وهذا يثير التساؤل حول الشروط التي يجب أن تفي بها مؤسسات الحوكمة العالمية هذه لكي تصبح ذات شرعية. دعونا نُطلق على ذلك مشكلة الشرعية العالمية.

5.1) القومية السياسية:

– الموقف المألوف والمتناقض هو القومية السياسية. وهي ترى أن المؤسسات السياسية للدول القومية هي وحدها التي تطرح مشكلة الشرعية ويُمكنها التغلب عليها، وبالتالي تكون مصدراً للشرعية السياسية. عادة ما يتم الدفاع عن القومية السياسية على أساس أن هناك شيئاً فريداً، أو مختلفاً، حول الإكراه الذي تمارسه الدول، أو حول السلطة السياسية التي تمتلكها الدول والتي تحتاج إلى مبرر.

حيث كان للقومية السياسية تأثير كبير على المناقشات المتعلقة بالعدالة العالمية. ناقش البعض في أنه نظراً لأن الالتزامات الأخلاقية العالمية تتفوق على الالتزامات بـ الشرعية الوطنية، يمكن فصل مفهوم العدالة العالمية عن المخاوف المتعلقة بـ الشرعية . انظر(Beitz 1979a,b, 1998; Pogge 2008). في حين ناقش آخرون – بافتراض القومية السياسية مرة أخرى – أن السلطة ذات الشرعية على مستوى الدولة القومية ضرورية لمتابعة الأهداف الأخلاقية العالمية (يقدم Ypi 2008 حجة تجريبية). ومع ذلك، حاجج آخرون برفض فكرة العدالة العالمية تماماً، على أساس أن الشرعية السياسية تربط التزامات العدالة بالدولة القومية (Blake 2001; Nagel 2005). ما فشلت هذه المقاربات العالمية للعدالة في معالجته هو إمكانية وجود مفاهيم سياسية عالمية سليمة للشرعية السياسية. تأخذ حسون Hassoun (2012)، هذه القضية كنقطة انطلاق لها. وتناقش أن القوة القسرية لمؤسسات الحوكمة العالمية تثير مشكلة الشرعية الخاصة بها، وتضع حجج بليك (2001) وناجل (2005) جانبا، ذلك أن ضمان شرعية تلك المؤسسات يستتبع التزامات بالعدالة العالمية.

 

5.2) الكوسموبوليتية السياسية:

– هناك نهجان رئيسيان للشرعية الدولية والعالمية: النهج الذي يُركز على الدولة، والنهج الذي يُركز على الأفراد. الأول يأخذ العلاقات بين الدول على أنها أساسية. وكما يصف تشارلز بيتز (Charles Beitz) هذا النهج: “يُفهم المجتمع الدولي على أنه مجتمع كبير، ورسمي في المجتمع المحلي، حيث تلعب الدول الأدوار التي يشغلها أشخاص في المجتمع المحلي. الدول، وليس الأشخاص، هي مواضيع الأخلاق الدولية، والقواعد التي تُنظم سلوكها من المفترض أن تُحافظ على نظامٍ سلمي بين الدول ذات السيادة  (1979b: 408;، انظر أيضاً: Beitz 1998). تناول لوك، بنثام، ومِل مسألة الشرعية الدولية بهذه الطريقة. من بين المفكرين المعُاصرين، يدافع مايكل فالرز  Michael Walzer (1977, 1980)، عن نهج قائم على الدولة – أو كما يسميه – نهج قائم على المجتمع. إن أهم معيار للشرعية الدولية الذي يقترحه هو معيار عدم التدخل.(لمناقشة اقتراح Walzer’s، انظر Beitz 1979a, b). في حين طرح البعض الآخر تصورات بناءً على موافقة الدولة. يدافع راولز عن مفهوم قائم على موافقة الشعوب “المنظمة” (سواء الليبرالية أو “اللائقة”). (Rawls 1999، وللمناقشات النقدية، انظر على سبيل المثال: Buchanan 2000; Wenar 2002; Cavallero 2003).

يأخذ النهج الثاني ميزات الأفراد – مصالحهم أو حقوقهم – كأساس للشرعية. في الوقت الحاضر، ربما تكون المعالجة الفلسفية الأكثر شمولاً والمعُاصرة للشرعية الدولية من هذا النوع هي العدل، الشرعية ، وتقرير المصير، كما ذكر بوكانان Allen Buchanan)، 2003). وكما ذُكر أعلاه في القسم (2.2)، يدعو بوكانان، إلى مفهوم أخلاقي للشرعية، تكون الكيانات ذات شرعية بحسبه إذا كان لها ما يبررها أخلاقياً لممارسة السلطة السياسية. وعلى وجه التحديد، تتطلب الشرعية السياسية تلبية الحد الأدنى من معايير العدالة.

على أساس هذا المفهوم الأخلاقي للشرعية، يعارض بوكانان المفهوم القائم على الدولة، ونظريات الشرعية القائمة على موافقة الدولة على وجه التحديد. يزعم بوكانان بأن موافقة الدولة ليست ضرورية ولا كافية للشرعية. هذا لا يكفي لأنه من المعروف جيداً أن الدول تميل إلى أن تكون أسوأ الجنُاة فيما يتعلق بمسائل حقوق الإنسان، وبالتالي هناك حاجة إلى معيار دولي مستقل يوفر الحد الأدنى من العدالة للحصول على الشرعية . غير أن هذا ليس ضرورياً، لأن القانون الدولي يعترف بالعديد من الالتزامات حتى بدون موافقة الحكومات المحلية الفعلية. طالما أن هذه الالتزامات متوافقة مع الحد الأدنى من معايير العدالة، فهي مشروعة حتى لو نشأت دون موافقة الدولة.

يرفض بوكانان أيضاً فكرة أن مصدر العجز في الشرعية على المستوى الدولي هو عدم المساواة بين الدول. لا يعتقد أن الدول تحتاج أن يكون لها وزن متساوٍ في المؤسسات الدولية. ما يعتبره المشكلة الرئيسية للشرعية على المستوى الدولي بدلاً من ذلك هو أن “النخبة التكنوقراطية، التي تفتقر إلى المساءلة الديمقراطية للأفراد والجماعات غير الحكومية، تلعب دوراً متزايداً في نظام الحُكم الإقليمي والعالمي” (2003: 289). ويناقش بأن العلاج الأكثر فعالية لهذه المشكلة هو حماية حقوق الإنسان الأساسية وتحسين المساءلة الديمقراطية.

يستخدم بوكانان مفهومه للشرعية للإجابة على السؤال حول الاعتراف بالكيان السياسي – كما تم تشكيله، بالانفصال أو بالاتحاد مثلا – على أنه مشروع.  حيث يسرد ثلاثة معايير، (Buchanan 2003: 266ff). المعيار الأول، يرتبط “بالحد الأدنى من متطلبات العدالة الداخلية”. ويحدد كيفية معاملة الكيانات السياسية لمن تُمارس عليهم السُلطة. على وجه التحديد، تتطلب حماية حقوق الإنسان الأساسية. يتضمن هذا المعيار المطالبة بالحد الأدنى من الديمقراطية، لكن ليست كل الكيانات السياسية التي تستوفي هذا الشرط تستحق الاعتراف بها على أنها ذات شرعية. كما يجب تشكيلها بالطريقة الصحيحة. المعيار الثاني هو معيار العدالة الإجرائية، وينطوي على أن كياناً سياسياً لم يقم عن طريق الانقلاب (أو شرط عدم الاضطهاد). أخيراً، هناك “الحد الأدنى من متطلبات العدالة الخارجية”. حيث يحتوي على شروط حول كيفية تفاعل الكيانات السياسية مع بعضها البعض.

تستخدم ناستروم (Näsström) (2007) النهج الذي يُركز على الأفراد  للدفع ضد اتجاه ربط شرعية الدولة بشرعية الحكومات. وتُناقش في أن السؤال الأساسي هو ما الذي يجعل لدستور الشعب له شرعية؟ وسيكون من الخطأ الاعتقاد بأن دستور الشعب قضية تاريخية، أو معطى تجريبي. إن ما يجعل دستور الشعب له شرعية هو سؤال معياري في حد ذاته، ينبغي طرحه قبل أن نتمكن من السؤال عن شرعية الحكومة.

السؤال الذي توضحه ناستروم والذي تمت مناقشته أيضاً في الأدبيات حول دساتير الشعوب (Goodin 2007)، مهم للنقاش حول أخلاقيات الهجرة. ما هو نطاق الضوابط المشروعة للحدود؟ وهل للدول الحق الانفرادي في مراقبة حدودها أم هل المهاجرين المحُتملين الحق في المشاركة في تحديد سياسات الهجرة؟ ناقش أبي زاده Abizadeh (2008)، على أساس الادعاء بأن دستور الشعوب ليس تاريخاً معطى، ذلك أن الالتزام بنظرية ديمقراطية للشرعية السياسية المحلية يعني أنه يجب على المرء رفض الحق المحلي في السيطرة وإغلاق حدود الدولة. ادعاءه الرئيسي هو أن حدود الدولة ليست اختيارية على المهاجرين المحتملين. وأن ممارسة السلطة السياسية القسرية في الديمقراطية تتطلب شكلاً من أشكال التبرير الديمقراطي، حيث يستنتج أنه على المواطنين والمقيمين على حدٍ سواء المساهمة في تحديد السياسات الحدودية (انظر: Miller 2008 للاطّلاع على مناقشة نقدية لهذه الحجة).

وسّعت مفاهيم الشرعية العالمية نطاق شرعية السلطة لتشمل مؤسسات الحوكمة العالمية. كانط هو أحد الرواد في الشرعية العالمية. غالباً ما يُقرأ كانط على أنه يدعو إلى تصور للشرعية الدولية على أساس “رابطة أمم” فضفاضة – خاصة في السلام الدائم. لكن شارون بيرد Sharon Byrd، وجواكيم هروشكا Joachim Hruschka (2008) يناقشان بأن كانط من الممكن أن يُقرأ أيضاً على أنه يدعم، “قيام دولة قومية”، باعتباره النهج الصحيح للشرعية العالمية، وخاصة في كتابه عقيدة الحق. هذا المفهوم، والذي توقف عن المطالبة بدولة قومية عالمية واحدة، يمنح قوة سياسية أكثر قسرية على المستوى العالمي من عصبة الأمم، الأمر الذي يترك سيادة الدول القومية دونما مساس.

من الملاحظ أن الأدبيات الفلسفية حول الشرعية العالمية هي أعمال كثيرة قيد التطور، لكن معظم هذه المقترحات تُفضل نظام حُكم متعدد المستويات يتم فيه تحقيق الشرعية العالمية من خلال تقسيم العمل المناسب بين الدول القومية ومؤسسات الحكم العالمية المختصة بقضايا معُينة (انظر مثلاً: Caney 2006; Valentini 2012).

يجب أن تُغطي أي نظرية ناجحة للشرعية العالمية القضايا الثلاث التالية: أولاً، ما هي مؤسسات الحوكمة العالمية وما هي الطرق التي يمكن أن يُنظر إليها بها كونها تتولى أدواراً من الدول وحكوماتها؟ هذا سؤال حول موضوع الشرعية العالمية. (انظر: Hurrell and MacDonald 2012). ثانياً، ما هي مشكلة الشرعية التي تواجهها مؤسسات الحوكمة هذه؟ وثالثاً، كيف يمكنها حل مشكلة الشرعية هذه وما هي معايير الشرعية التي تنطبق عليها؟ كيف تختلف هذه المعايير عن تلك التي تنطبق على مستوى الدول القومية؟

رداً على السؤال الأول، يناقش بوكانان وكيوهان (2006)، بأن مؤسسات الحوكمة العالمية مثل منظمة التجارة العالمية أو صندوق النقد الدولي “تشبه الحكومات من حيث أنها تصدر القواعد وتُعلّق علنا عواقب مهمة تُجبر على الامتثال أو عدم الامتثال لها – وتطالب السلطة للقيام بذلك  (Buchanan and Keohane 2006: 406). حيث يتم إنشاء هذه المؤسسات للتعامل مع قضايا مُعينة بطريقةٍ مماثلة كما تفعل الوكالات السياسية الوطنية. فهي أجهزة تنسيق يتم إنشاؤها لحل المشاكل التي تنشأ على المستوى العالمي.

يمتلك جوشوا كوهين (Joshua Cohen) وتشارلز سابل (Charles Sabel) (2005)، توجهات واسعة قليلاً  لمؤسسات الحوكمة العالمية – فإحداها لا تقتصر على كونها جهاز تنسيق، ولكنها تؤكد الإكراه بدلاً من ذلك. ووفقاً لهما (2005: 765)، فإن “وضع القواعد يؤثر إلى حدٍ كبير، ومتزايد، وبشكلٍ مُباشر، على حرية عمل الأفراد والشركات والدول القومية (ووضع قواعد لتنظيم عملية اتخاذ القرار)، يحدث في الأوضاع العالمية التي أنشأتها دول العالم ولكن لم تعد تحت السيطرة الفعلية”. أثناء إجابتهما على السؤال الثاني، قاما أيضا بربط مشكلة شرعية مؤسسات الحوكمة العالمية بغياب السلطة السياسية، التي تُفهم على أنها ممارسات مشروعة للسلطة السياسية القسرية، على المستوى العالمي. ويقولان أنه للتغلب على هذه المشكلة، يجب إنشاء نمط جديد للحُكم، مع هياكل خاصة بهم للمساءلة. حيث أنها ضرورية للتعامل بشكلٍ صحيح مع القوة القسرية التي تُمارسها هذه المؤسسات.

وهما يتفقان أيضاً، على أن محاولة الحُكم بدون شرعية هي ممارسة غير مُبررة للسلطة. كما يناقشان أيضاً بأن محاولة الحُكم بدون شرعية لا تُثير فقط مشكلة معيارية، ولكن لها عواقب عملية مبُاشرة، لأن المؤسسات التي تبدو غير مُبررة لن تكون فعالة. ذلك أن مشكلة الشرعية التي تواجهها مؤسسات الحوكمة العالمية هي أنه حتى عندما يكون هناك اتفاق واسع على أن هذه المؤسسات التي يمكنها أن تلعب دور أجهزة تنسيق ضرورية، سيكون هناك خلاف واسع أيضا حول أي المؤسسات تحديدا ستصبح ضرورية، وما هي القواعد التي يجب الاتفاق عليها (Buchanan and Keohane 2006: 408ff).

يقترح بوتشان وكوهين (2006) مفهوماً أخلاقياً للشرعية للإجابة على السؤال الثالث، فهي تعني “الحق في الحُكم، وتُفهم على أنها تعني أن العوامل المؤسسية لها ما يبررها أخلاقياً في وضع القواعد ومحاولة ضمان الامتثال لها، وأن الأشخاص الخاضعين لهذه القواعد لديهم أسبابهم الأخلاقية والمستقلة عن المحتوى لمتابعتهم/ أو عدم التدخل في امتثال الآخرين لها”.(2006: 411). من الناحية الجوهرية، يقترحان أن المؤسسة لها ما يبررها أخلاقياً بهذه الطريقة إذا لم تُساهم في الظلم الجسيم (“الحد الأدنى من القبول الأخلاقي”)، و إذا لم يكن هناك بديل واضح يحقق (“المنفعة المقارنة “) بشكلٍ أفضل، وإذا كان يحترم المبادئ التوجيهية والإجراءات الخاصة بها (النزاهة المؤسسية) (Buchanan and Keohane 2006: 419ff).

والسؤال المهم بالنسبة للعالمية السياسية هو إلى أي مدى تتطلب الشرعية الدولية والعالمية الديمقراطية، سواء على مستوى الدول والحكومات الوطنية أو على مستوى مؤسسات الحوكمة العالمية. حيث تميل الكثير من الكتابات حول هذا الموضوع إلى اتخاذ موقف إيجابي حذر بشأن هذه القضية ( Beitz, 1979, 1998; Held 1995, 2002; Buchanan 2003; Buchanan and Keohane 2006). الاستثناء الوحيد هو راولز في قانون الشعوب، ومع ذلك فقد دعى إلى مفهوم الشرعية الدولية التي تتطلب أن تكون الشعوب ودولها منظمة بشكلٍ جيد، بلا ربط حسن التنظيم بالديمقراطية.

هناك نوعان من المخاوف التي تميل إلى تأكيد الموقف الحذر. الأول هو الجدوى: غالباً ما يقال بأن الديمقراطية طوباوية ولا يمكن تحقيقها على المستوى الدولي، ناهيك عن مستوى مؤسسات الحوكمة العالمية. النوع الثاني ذو طبيعة أخلاقية: لا ينبغي فرض الديمقراطية على الناس والشعوب الذين يؤيدون مجموعة مختلفة من القيم (انظر: Valentini 2014، للحصول على مناقشة أوسع).

في رده على النوع الثاني، يناقش كريستيانو (2015)، بأن حق الإنسان في الديمقراطية يتوافق مع حق تقرير المصير، وأن الحق في تقرير المصير، المفهوم بشكلٍ صحيح، يفترض حق الإنسان في الديمقراطية. يقدم عمل كريستيانو الدفاع الأكثر شمولاً عن حق الإنسان في الديمقراطية على المستوى المحلي  (Christiano 2011; 2015). تهدف حجة كريستيانو المفيدة إلى إظهار أن الديمقراطيات تقدم حماية أفضل لمجموعة من حقوق الإنسان من غير الديمقراطيات. حيث تبنى حجته الجوهرية لحق الإنسان في الديمقراطية على حجة نوقشت سابقاً (القسم 4.2)، وهي أن الديمقراطيات قادرة وبشكلٍ فريد على إدراك قيمة المعاملة العلنية للناس على قدم المساواة.

يسعى كوهين وسابل (2005) إلى إنقاذ النموذج المثالي للديمقراطية العالمية، من الميول الأكثر تشكيكا المتوفرة في الأدبيات، إذ يستجيبا لهذه الاعتبارات من خلال الدعوة إلى فكرة الديمقراطية التي تؤكد على الجانب التداولي. مقابل المشككين في آليات صنع القرار الديمقراطي؛ قد تكون الإشكالية تتعلق بالجدوى، وبالأسباب الأخلاقية على حدٍ سواء، حيث ناقش كوهين وسابل أيضا بأن شكلاً من أشكال المداولات يعد مطلوبا في المقام الأول لمعالجة عجز الشرعية الذي تواجهه مؤسسات الحوكمة العالمية (انظر أيضا: Appiah 2006،  List and Koenig-Archibugi 2010).

 

 

 


بيبلوغرافيا:

  • Abizadeh, Arash, 2008. “Democratic Theory and Border Coercion No Right to Unilaterally Control Your Own Borders,” Political Theory, 36(1): 37–65.
  • Anscombe, G.E.M., 1981. “One the Source of Authority of the State,” Ethics, Religion, and Politics (Collected Philosophical Papers: Volume 3), Oxford: Blackwell, pp. 130–155.
  • Appiah, Anthony, 2007. Cosmopolitanism, London: Penguin.
  • Applbaum, Arthur, 2010. “Legitimacy without the Duty to Obey.” Philosophy & Public Affairs, 38(3): 215–239.
  • Arendt, Hannah, 1992. Lectures on Kant’s Political Philosophy, Chicago: University of Chicago Press.
  • Arrow, Kenneth, 1963. Social Choice and Individual Values, New Haven: Yale University Press.
  • Barnard, Frederick M., 2001. Democratic Legitimacy: Plural Values and Political Power, Montreal: McGill-Queen’s University Press.
  • Beetham, David, 1991. The Legitimation of Power, Basingstoke: Palgrave.
  • Beitz, Charles, 1979a. Political Theory and International Relations, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1979b. “Bounded Morality: Justice and the State in World Politics,” International Organization, 33: 405–424.
  • –––, 1998. “International Relations, Philosophy of,” in Edward Craig (ed.), Routledge Encyclopedia of Philosophy, London: Routledge.
  • Benhabib, Seyla, 1994. “Deliberative Rationality and Models of Democratic Legitimacy,” Constellations, 1(1): 25–53.
  • Bentham, Jeremy, 1987 [1843]. “Anarchical Fallacies,” In Waldron, Jeremy (ed.), Nonsense upon Stilts, London: Taylor and Francis, pp. 46–69.
  • Binmore, Ken, 2000. “A Utilitarian Theory of Legitimacy,” in Economics, Values, and Organization, Ben-Ner, Avner and Louis G. Putterman (eds.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 101–132.
  • Blake, Michael, 2001. “Distributive Justice, State Coercion, and Autonomy,” Philosophy and Public Affairs, 30(3): 257–296.
  • Bohman, James, 1996. Public Deliberation, Cambridge, MA: MIT Press.
  • –––, 1997. “Deliberative Democracy and Effective Social Freedom: Capabilites, Resources, and Opportunities,” in Deliberative Democracy: Essays on Reason and Politics, James Bohman and William Rehg (eds.), Cambridge, Mass.: MIT Press, pp. 321–348.
  • Brink, David, 1992. “Mill’s Deliberative Utilitarianism,” Philosophy and Public Affairs, 21(1): 67–103.
  • Buchanan, Allen, 2002. “Political Legitimacy and Democracy,” Ethics, 112(4): 689–719.
  • –––. 2003. Justice, Legitimacy and Self-Determination, Oxford: Oxford University Press.
  • Buchanan, Allen and Robert O. Keohane, 2006. “The Legitimacy of Global Governance Institutions,” Ethics and International Affairs, 20(4): 405–437.
  • Byrd, B. Sharon and Joachim Hruschka, 2008. “From the State of Nature to the Juridical State of States,” Law and Philosophy, 27: 599–641.
  • Caney, Simon, 2006. “Cosmopolitan Justice and Institutional Design: An Egalitarian Liberal Conception of Global Governance,” Social Theory and Practice, 32(4): 725–756.
  • Cavallero, Eric, 2003. “Popular Sovereignty and the Law of Peoples,” Legal Theory, 9(3):181–200.
  • Christiano, Thomas, 1996. The Rule of the Many, Boulder, CO: Westview Press.
  • –––, 2004. “The Authority of Democracy,” The Journal of Political Philosophy, 12(3): 266–90.
  • –––, 2008. The Constitution of Equality, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2011. “An Instrumental Argument for a Human Right to Democracy,” Philosophy and Public Affairs, 39(2): 142–176.
  • –––, 2015. “Self Determination and the Human Right to Democracy.” In Cruft, Rowan, S. Matthew Liao, and Massimo Renzo (eds.) Philosophical Foundations of Human Rights. Oxford: Oxford University Press, pp. 459–480.
  • Cohen, Joshua, 1997a. “Deliberation and Democratic Legitimacy,” in Deliberative Democracy, James Bohman and William Rehg (eds.), Cambridge: MIT Press, pp. 67–91.
  • –––, 1997b. “Procedure and Substance in Deliberative Democracy,” in Deliberative Democracy, James Bohman and William Rehg (eds.), Cambridge: MIT Press, 407–437. Reprinted from Democracy and Difference, Seyla Benhabib (ed.), Princeton: Princeton University Press, pp. 95–119.
  • Cohen, James and Charles Sabel, 2005. “Global Democracy?” New York University Journal of International Law and Politics, 37(4): 763–797.
  • Dahl, Robert A., 1956. A Preface to Democratic Theory, Chicago: Chicago University Press.
  • Dworkin, Ronald, 1986. Law’s Empire, Cambridge: Harvard University Press.
  • Edmundson, William A., 1998. Three Anarchical Fallacies, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Enoch, David, 2015. “Against Public Reason,” in David Sobel, Peter Vallentyne, and Steven Wall (eds.), Oxford Studies in Political Philosophy, Oxford: Oxford University Press, pp. 112–142.
  • Estlund, David, 2008. Democratic Authority, Princeton: Princeton University Press.
  • Flikschuh, Katrin, 2008. “Reason, Right, and Revolution: Kant and Locke,” Philosophy and Public Affairs, 36(4): 375–404.
  • Gaus, Gerald F., 1997. “Reason, Justification, and Consensus: Why Democracy Can’t Have It All,” in Deliberative Democracy, Bohman, James and William Rehg (eds.), Cambridge: MIT Press, pp. 205–242.
  • –––, 2011. The Order of Public Reason, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Goodin, Robert, 2007. “Enfranchising all Affected Interests, and its Alternatives,” Philosophy and Public Affairs, 35(1): 40–68.
  • Green, Leslie, 1988. The Authority of the State, Oxford: Oxford University Press.
  • Greene, Amanda, 2016. “Consent and Political Legitimacy,” in David Sobel, Peter Vallentyne, and Steven Wall (eds.), Oxford Studies in Political Philosophy, Oxford: Oxford University Press, pp. 71–97.
  • Grofman, Bernard and Scott L. Feld, 1988. “Rousseau’s General Will: A Condorcetian Perspective,” The American Political Science Review, 82(2): 567–76.
  • Gutmann, Amy and Dennis Thompson, 1996. Democracy and Disagreement, Cambridge: Harvard University Press.
  • Habermas, Jürgen, 1979. Communication and the Evolution of Society, transl. by Thomas McCarthy. Boston: Beacon Press.
  • –––, 1990. Moral Consciousness and Communicative Action, transl. by Christian Lenhardt and Shierry Weber Nicholsen. Cambridge: MIT Press.
  • –––, 1996. Between Facts and Norms, Transl. by William Rehg. Cambridge: MIT Press.
  • Hampton, Jean, 1998. Political Philosophy, Boulder: Westview Press.
  • Hassoun, Nicole, 2012. Globalization and Global Justice, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Held, David, 1995. Democracy and the Global Order, Paolo Alto: Stanford University Press.
  • –––, 2002. “Law of States, Law of Peoples: Three Models of Sovereignty,” Legal Theory 8(1):1–44.
  • Hershovitz, Scott, 2003. “Legitimacy, Democracy, and Razian Authority,” Legal Theory, 9: 201–220.
  • –––, 2011. “The Role of Authority,” Philosopher’s Imprint, 11(7): 1–19.
  • Hobbes, Thomas, 1668. Leviathan, edited by Edwin Curley, Indianapolis: Hackett, 1994.
  • Horton, John, 2012. “Political Legitimacy, Justice and Consent,” Critical Review of International Social and Political Philosophy, 15(2): 129–148.
  • Hume, David, 1748. “Of the Original Contract.” In Hume’s Ethical Writings, ed. Alasdair MacIntyre. London: University of Notre Dame Press, 1965.
  • Hurrell, Andrew and Terry Macdonald, 2012. “Global Public Power: The Subject of Principles of Global Political Legitimacy,” Critical Review of International Social and Political Philosophy, 15(5): 553–571.
  • Kant, Immanuel, 1999. Practical Philosophy, Cambridge Edition of the Works of Immanuel Kant in Translation, edited by Mary J. Gregor, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Klosko, George, 2004 [1992]. The Principle of Fairness and Political Obligation, 2nd edition, Lanham, MD: Rowman & Littlefield.
  • Knight, Jack and James Johnson, 1994. “Aggregation and Deliberation: On the Possibility of Democratic Legitimacy,” Political Theory, 22: 277–296.
  • Kolodny, Niko, 2014a. “Rule Over None I: What Justifies Democracy.” Philosophy and Public Affairs, 42(3): 195–229.
  • –––, 2014b. “Rule Over None II: Social Equality and the Justification of Democracy.” Philosophy and Public Affairs, 42(4): 287–336.
  • Korsgaard, Christine, 1997. The Sources of Normativity, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Landemore, Hélène, 2012. Democratic Reason, Princeton: Princeton University Press.
  • List, Christian, 2006. “The Discursive Dilemma and Public Reason,” Ethics, 116(2): 362–402.
  • List, Christian and Robert Goodin, 2001. “Epistemic Democracy: Generalizing the Condorcet Jury Theorem,” Journal of Political Philosophy, 9(3): 277–306.
  • List Christian and Mathias Koenig-Archibugi, 2010. “Can There Be a Global Demos? An Agency-based Approach,” Philosophy and Public Affairs, 38(1): 76–110.
  • List, Christian and Philip Pettit, 2002. “Aggregating Sets of Judgments: An Impossibility Result,” Economics and Philosophy, 18(1): 89–110.
  • Locke, John, 1690. Second Treatise on Civil Government, edited by C. B. MacPherson, Indianapolis: Hackett, 1990.
  • Manin, Bernard, 1987. “On Legitimacy and Political Deliberation,” Political Theory, 15: 338–368.
  • May, Kenneth O., 1952. “A Set of Independent, Necessary, and Sufficient Conditions for Simple Majority Decision,” Econometrica, 20(4): 680–84.
  • Mill, John. Stuart, 1998. On Liberty and Other Essays, edited by John Gray, Oxford: Oxford University Press.
  • Miller, David, 2008. “Why Immigration Controls Are Not Coercive: A Reply to Arash Abizadeh,” Political Theory, 38(1): 111–120.
  • Mommsen, Wolfgang, 1989. The Political and Social Theory of Max Weber, Oxford: Blackwell.
  • Nagel, Thomas, 1987. “Moral Conflict and Political Legitimacy,” Philosophy and Public Affairs, 16(3): 215–240.
  • –––, 2005. “The Problem of Global Justice,” Philosophy and Public Affairs, 33(2): 113–147.
  • Näsström, Sofia, 2007. “The Legitimacy of the People,” Political Theory, 35(5): 624–658.
  • Nozick, Robert, 1974. Anarchy, State, and Utopia, Oxford: Blackwell.
  • Nussbaum, Martha, 2011. “Perfectionist Liberalism and Political Liberalism,” Philosophy and Public Affairs, 39(1): 3–45.
  • Pateman, Carol, 1970. Participation and Democratic Theory, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Pateman, Carol, 1988. The Sexual Contract, Cambridge: Polity Press.
  • Perry, Stephen, 2013. “Political Authority and Political Obligation,” in Oxford Studies in Philosophy of Law: Volume 2, Leslie Green and Brian Leiter (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 1–74.
  • Peter, Fabienne, 2008. Democratic Legitimacy, New York: Routledge.
  • –––, 2013. “The Procedural Epistemic Value of Deliberation,” Synthese, 190(7): 1253–1266.
  • Pettit, Philip, 2001. “Deliberative Democracy and the Discursive Dilemma,” Philosophical Issues, 11: 268–299.
  • –––, 2003. “Groups with Minds of Their Own,” in Socializing Metaphysics, F. F. Schmitt (ed.), New York: Rowman & Littlefield, pp. 167–193.
  • –––, 2012. On the People’s Terms, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Pitkin, Hannah, 1965. “Obligation and Consent I,” American Political Science Review, 59: 991–999.
  • Pogge, Thomas, 2008. World Poverty and Human Rights, 2nd edition, Cambridge: Polity Press.
  • Quong, Jonathan, 2011. Liberalism without Perfection, Oxford: Oxford University Press.
  • Rawls, John, 1971. A Theory of Justice, Cambridge: Harvard University Press.
  • –––, 1993. Political Liberalism, New York: Columbia University Press.
  • –––, 1995. “Reply to Habermas,” The Journal of Philosophy, 92(3): 132–180.
  • –––, 1999. The Law of Peoples, Cambridge: Harvard University Press.
  • –––, 2001. Justice as Fairness: A Restatement, Cambridge: Harvard University Press.
  • –––, 2007. Lectures on the History of Political Philosophy, Cambridge: Harvard University Press.
  • Raz, Joseph, 1986. The Morality of Freedom, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 1995. Ethics in the Public Domain: Essays in the Morality of Law and Politics, Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 2006. “The Problem of Authority: Revisiting the Service Conception,” Minnesota Law Review, 90: 1003–1044. [Available at SSRN]
  • Riley, Patrick, 1982. Will and Political Legitimacy, Cambridge: Harvard University Press.
  • Ripstein, Arthur, 2004. “Authority and Coercion,” Philosophy and Public Affairs, 32(1): 2–35.
  • Rousseau, Jean-Jacques, 1988 [1762]. On the Social Contract, Indianapolis: Hackett.
  • Schneewind, J. B., 1998. The Invention of Autonomy, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Simmons, A. John, 1976. “Tacit Consent and Political Obligation,” Philosophy and Public Affairs, 5(3): 274–291.
  • –––, 2001. Justification and Legitimacy: Essays on Rights and Obligations, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Stilz, Anna. 2009. Liberal Loyalty: Freedom, Obligation, and the State, Princeton: Princeton University Press.
  • Sunstein, Cass, 2003. Why Societies Need Dissent, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Ten, C. L., 1998. “Democracy, Socialism, and the Working Class,” in The Cambridge Companion to Mill, John Skorupski (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 372–395.
  • Tuck, Richard, 1993. Philosophy and Government 1572–1651. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Turner, Piers Norris, 2014. “‘Harm’ and Mill’s Harm Principle,” Ethics, 124(2): 299–326.
  • Valentini, Laura, 2012. “Assessing the Global Order: Justice, Legitimacy, or Political Justice?,” Critical Review of International Social and Political Philosophy, 15(5): 593–612.
  • –––, 2014. “No Global Demos, No Global Democracy? A Systematization and Critique,” Perspectives on Politics, 12(4): 789–807.
  • Waldron, Jeremy, 1987. “Theoretical Foundations of Liberalism,” The Philosophical Quarterly, 37(147): 127–150.
  • –––, 1999. Law and Disagreement, Oxford: Clarendon Press.
  • Walzer, Michael, 1977. Just and Unjust Wars: A Moral Argument with Historical Illustrations, New York: Basic Books.
  • –––, 1980. “The Moral Standing of States: A Response to Four Critics,” Philosophy and Public Affairs, 9(3): 209–229.
  • Weber, Max, 1918. “Politics as a Vocation,” in From Max Weber: Essays in Sociology, H. H. Gerth and C. Wright Mills (eds.), London: Routledge, 1991.
  • –––, 1964. The Theory of Social and Economic Organization, Talcott Parsons (ed.), New York: Free Press.
  • Wellman, Christopher, 1996. “Liberalism, Samaritanism, and Political Legitimacy,” Philosophy and Public Affairs, 25(3): 211–237.
  • Wenar, Leif, 2002. “The Legitimacy of Peoples,” in Pablo De Greiff and Ciaran Cronin (eds.), Global Justice and Transnational Politics, Cambridge: MIT Press, pp. 53–76.
  • Wolff, Robert Paul, 1970. In Defense of Anarchism, New York, Harper & Row.
  • Ypi, Lea L., 2008. “Statist Cosmopolitanism,” Journal of Political Philosophy, 16(1): 48–71

 

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

مقالات ذات صلة

Arendt, Hannah | authority | coercion | democracy | feminist philosophy, interventions: political philosophy | Habermas, Jürgen | Hobbes, Thomas: moral and political philosophy | justification, political: public | Kant, Immanuel: social and political philosophy | legal obligation and authority | Locke, John: political philosophy | perfectionism, in moral and political philosophy | political obligation | public reason | Rawls, John | social contract: contemporary approaches to | sovereignty

Acknowledgments

I would like to thank Thomas Pogge and Laura Valentini for very helpful comments on earlier versions of this article.


[1] Peter, Fabienne, “Political Legitimacy”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2017/entries/legitimacy/>.