حكومة العالم – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: عبير العبيد، مراجعة: سيرين الحاج حسين


نبذة تاريخية عن فكرة الحكومة العالمية ومناظرات في النظرية السياسية المعاصرة

نبذة تاريخية عن حكومة العالم ، ومناظرات في النظرية السياسية المعاصرة (العلاقات الدولية، والرفض الليبرالي للحكومة العالمية، ورفض الهيمنة)؛ نص مترجم للـد. كاثرين لو، ترجمة: عبير العبيد. مراجعة: سيرين الحاج حسين. منشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


يشير مصطلح حكومة العالم إلى فكرة توحيد البشرية كلها تحت سلطة سياسية واحدة مشتركة. يُمكن القول بأن حكومة من هذا النوع لم تتواجد من قبل في التاريخ البشري، مع أنّ الفكرة نفسها ظهرت في العصور القديمة وكانت طموحًا للملوك والسلاطين، وحُلما للشعراء والفلاسفة.

قدم مؤيدو حكومة العالم أسبابًا مختلفة في سبيل إثبات أنها أفضل تنظيم سياسي، فيرى البعض حكومة العالم حلا لمشاكل البشرية القديمة والحديثة، مثل الحروب، وتطوير أسلحة الدمار الشامل، والفقر، والظلم، والانحلال البيئي. وأيدها المتفائلون بوصفها انعكاس مناسب للوحدة التي يجب أن يكون عليها الناس أما وفقا للحكم الوضعي، أو تحت الحكم الشرعي (حكم الإله). تختلف آراء المؤيدين تاريخيا من حيث الشكل الذي يجب أن تكون عليه هذه الحكومة. فقد نادى مفكرو العصور الوسطى لحكومة عالمية تحت سلطة حاكم أو امبراطور واحد يملك سلطة مطلقة على أي حاكم تحته. أما المفكّرون المعاصرون فلا يشجعون تفكيك الدول ذات السيادة، وإنما يدعون إلى خلق نظام يعمل خطوة بخطوة داخل المؤسسات العالمية، مصمم لقيادة البشرية نحو نظام فدرالي عالمي، أو ديمقراطية عالمية كوزموبوليتية.

في المقابل، طرح نقاد حكومة العالم ثلاث أنواع رئيسية من الاعتراضات تتعلق بإنشاء سلطة سياسية وعالمية مشتركة، وهي الاعتراض على أساس الكفاءة، والحاجة المنطقية، وقابلية التنفيذ.  

أولا، طور منظّرو الواقعية المعاصرة الحجة القائلة بأن حكومة العالم [فكرة] غير قابلة للتنفيذ، وأفكارها خيالية مثل التصور الطوباوي، وليست عملية، إذ لا تحقق أهم أهدافها، وهو تنظيم البشر سياسيا. وقد شكك الواقعيون بنتائج هذه الحكومة، فإذا افترضنا على سبيل المثال أن حكومة العالم قد تحقق نتائج مطلوبة مثل السلام الدائم، فهذا لا يعني بالضرورة تحقيقها كواقع مؤسسي وفقا للمشكلة الطبيعة البشرية الأنانية، أو بسبب الفوضى العالمية التي تتسم بها الدول، مثل حرص كل دولة على حماية سيادتها، أو مطالبتها بسلطة أعلى. إذا هي حل غير واقعي للمشاكل العالمية بسبب العقبات التي لا يمكن تجاوزها في حال إنشاء سلطة هرمية على المستوى العالمي، أو الدولي (Krasner 1999, 42). أما الحجة العواقبية consequentialist فترى بأن حكومة العالم حتى لو كانت فكرة حسنة بحد ذاتها، فمن المتوقع أن يلحق عملية إنشائها ضرر أكثر من النفع. وقد تطغى مفاسد إنشاء حكومة العالم على المنافع التي قد تأتي بعدها (Rousseau 1756/1917).

ثانيا، حتى لو تبين لنا إمكانية تطبيق الحكومة العالمية كمشروع سياسي؛ فربما يكون ذلك غير مرغوبًا. أولا بسبب القوة المحتملة واحتكار السلطة السياسية العالمية. إحدى حجج هذا الاعتراض، هي الحجة المتعلقة بالاستبداد tyranny argument، ستقوم حكومة العالم بالاستبداد، مما يعيق الاستقلال الذاتي للإنسان بدلا من تعزيزه (Kant 1991). فعوضا عن تحقيق السلام والعدالة عالميا، يمكن لها أن تتخذ الاستبداد وسيلة للخدمة مصالحها الخاصة، ومعارضتها قد تؤدي إلى حرب لا نهاية لها (Waltz 1979). حجة أخرى هي حجة الاندماج homogeneity argmuent- فقد يكون للحكومة العالمية قوة ونفوذ، فتمحو مجتمعات وثقافات مختلفة ذات قيمة حقيقة. قد يسهم تأسيس حكومة عالمية في تدمير التعددية الاجتماعية الغنية، تلك السمة التي تجعل الحياة أكثر جمالا وحيوية (Walzer 2004). وبما أن الاعتراضين السابقين نابعان من خشية قوة السلطة في حكومة العالم ، إلّا أن الاعتراضات الأخرى ترتبط بجانب الكفاءة، وتركز في إمكانية ضعفها كمنظمة سياسية، والحجة أن القوانين ستضعف نظرا للبعد الحتمي للسلطة السياسية العالمية، مما يجعلها غير فعّالة وبلا مفهوم. سيؤدي ضعف الحكومة العالمية المفترض إلى معارضة تستند على عدم كفاءتها وإنسانيتها (Kant 1991).

ثالثا، يناقش الباحثون الليبراليون المعاصرون كون حكومة العالم -في صيغة عالمية ضخمة بسلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية عليا، وسلطة تنفيذ الأحكام- غير ضرورية عموما لحل مشاكل مثل الحرب، والفقر العالمي، والكوارث البيئية. وبالتالي فإن حكومة العالم ليست ضرورية أو فعّالة لتحقيق أهداف الأجندة الليبرالية. حتى أن الليبراليين من أتباع الكوزموبوليتية cosmopolitan liberals لا يرون الحكومة العالمية كنظام كوزموبوليتي سياسي يحقق المثل الأخلاقية الكوزموبوليتية. واعتراضهم هذا لا يعني تأييد النظام التقليدي للدول ذات السيادة أو النظام الدولي المعاصر “بما فيه من انتشار الظلم، والفقر، واللامساواة” (Rawls 1999, 117). بالمقابل، يتصور معظم المنظّرين الليبراليين الحاجة إلى مؤسسات رسمية عالمية ودولية، تغير السلطة والامتيازات المسندة تقليديا إلى الدول ذات السيادة.

يناقش هذا البحث في البدء الأهداف السلبية والإيجابية خلف مقترح حكومة العالم ، وفقا لمناقشات مختارة من الماضي. حيث يلقي الضوء على أطروحة دانتي من العصور الوسطى حول الحاجة لحاكم أو إمبراطور عالمي. ومن ثم ينظر في حجج مفكرين مثل هوبز، وروسو، وكانط، ويكشف المزيد من الثغرات حول تصوّر إنشاء حكومة العالم لحل مشكلة الحرب والسلام بين الدول ذات السيادة. وردت أغلب الاعتراضات التي أوردت سابقا ضد فكرة الحكومة بالتفصيل في أعمالهم. في قسم النبذة التاريخية سنرى فكرة إحياء حكومة العالم في القرن العشرين بدوافع مثل التقدم التكنولوجي، والعولمة الاقتصادية، وتجربتنا من الحربين العالميتين المدمرتين. حتى بعدها لم تخفت المداولات حول حكومة العالم ، بسبب انتشار الانقسام الفكري في العالم خلال الحرب الباردة. وختاما سنستكشف وجهات النظر الاشتراكية حول حكومة العالم .

أما الجزء الثاني من البحث فيستعرض النقاش في النظرية المعاصرة. جزء منه في إطار نظرية العلاقات الدولية ما بين الواقعية والواقعية الجديدة، والمجتمع الدولي والمدارس الليبرالية الدولية، والجمهورية، والبنائية. ويتضمن الجزء الآخر من النقاش النظرية الليبرالية المعاصرة بمشاركة الفيلسوف السياسي الأبرز في القرن العشرين جون رولز John Rawls، ومعارضيه من اتباع الليبرالية الكوزموبوليتية. ظهر الجزء الثالث من النقاش في أوساط الجمهوريين المعاصرين، والديمقراطيين، وعلماء النقد. برزت هذه النقاشات الحية حول الحاجة المنطقية، وكفاءة، وقابلية تنفيذ هذا المشروع السياسي لإنشاء دولة ذات سيادة عالمية بسلطة لها بعض الإجراءات المركزية، والتدابير القسرية. بالرغم من أنه كان هناك طفرة فكرية حول مفهوم حكومة العالم خلال السنوات الخمس الماضية، إلّا أنها وجدت جنبا إلى جنب مع فكرة الحوكمة العالمية global governance، والتي تسلط الضوء على الزيادة في مؤسسات المجتمع المدني العالمي والقوى الفاعلة غير الحكومية، وإقصاء العناصر المركزية للنموذج المحلي بتطبيق أساليب لامركزية وأكثر مرونة في تحقيق ما يمكن أن يكون وظيفة الحكومة. وفي الختام نطرح تساؤلا حول إمكانية تحقيق الأمن العالمي، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، في ظل الحوكمة العالمية، عوضًا عن الحكومة العالمية، مما يجعل من مُثل الحكومة العالمية طموحًا إنسانيًا بعيد المنال.

 

  1. نبذة تاريخية

  2. مناظرات في النظرية السياسية المعاصرة

    • نظرية العلاقات الدولية

    • الرفض الليبرالي للحكومة العالمية

    • رفض الهيمنة (من المنظور الجمهوري)، والديمقراطية العالمية

  3. الخاتمة: القوة، والاستجابة، والمسؤولية

  • المراجع

  • الأدوات الاكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مواضيع ذات صلة


  1. نبذه تاريخية

For I dipt into the future, far as human eye could see, 
 Saw the Vision of the world, and all the wonders that would be; 
… 
Till the war-drum throbb’d no longer, and the battle-flags were furl’d
In the Parliament of man, the Federation of the world.

There the common sense of most shall hold a fretful realm in awe,
And the kindly earth shall slumber, lapt in universal law. 

 —Alfred, Lord Tennyson, “Locksley Hall” (1837)

 

كان الرئيس الأمريكي هاري ترومان، والذي عرف بمؤسس الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، يحتفظ بهذا المقطع من قصيدة تينسون في جيب محفظته. بعد نهاية الحرب العالمية التي حصدت حوالي خمسة ملايين نسمة، والحرب التي سبقتها حاصدةً الضعف، بدأ رجال الدولة وحتى العامة بالتفكير في إنشاء نظام عالمي لما بعد الحرب، مما قد يمنع حدوث أي حرب كارثية أخرى. حقيقة، لا يعد مفهوم المجتمع العالمي للبشرية أجمع حيث يعيش الناس بسلام جديدًا على الإطلاق، إذ ان مشاكل الحرب، والعنف المنظم اجتماعيا على نطاق واسع قائمة منذ بدء التاريخ.

أشار كتاب ديريك هيتر المواطنية العالمية والحكومة (history of ideas of world government and citizenship) إلى وجود هذا المفهوم في الحضارة الصينية القديمة، والهندية، وفي الفكر الروماني. ولّد لنا مفهوم الاتّحاد الإنساني وفقا لهيتر، فكرة يمكن أن تُطبّق بصيغة سياسية، ولكن طبيعة هذا الصيغة تغيرت جذريا بمرور الوقت. وقد ألهمت الأفكار الرواقية حول وحدة الكون بالرغم من عدم اكتمالها، المقترحات المسيحية المطالبة بسلطة عالمية سياسية في القرون الوسطى. كما كان النموذج التاريخي لروما الإمبراطورية (أو اساطيرها) ذا تأثير واضح على مطالبهم أيضا.

ربما كان دانتي Dante (1265-1321) وهو شاعر، وفيلسوف، ومن رجال الدولة في إيطاليا من أفضل الذين بينوا المفهوم النصراني للوحدة البشرية وتجسيده في صورة ملك عالمي يحكم العالم. يقول في كتابه المأدبة (The Banquet [Convivio]) بأنه يمكن القضاء على الحروب ومسبباتها إذا صارت الأرض ومن عليها تحت حكم ملك واحد، وبما أن له اليد العليا على كل شيء فلن يكون له طموح بالتوسع، أو رغبة حيال شيء آخر. وبوجوده سيكون الملوك في حالة رضا ضمن حدود ممالكهم، فيعم السلام بينهم (المأدبة، 169). وكتب في أطروحته السياسية الملكية (Monarchia [1309–13]) (1995،13) التي تؤيد النظام الملكي العالمي بالاستناد إلى أعمال أرسطو أن الوحدة الإنسانية تنبثق من مصير، أو غاية، أو هدف مشترك، لتحقيق وتطوير القدرة الفكرية المتميزة للبشر بالكامل وبصورة دائمة. في الكتاب الأول، يقول بأن السلام ظرف أساسي لتحقيق هذا المصير المشترك، والذي لا يمكن الوصول اليه والبشرية متفرقة” كل مملكة تنقسم داخليا ستؤول إلى خراب”(15)، وبما أن للبشرية نفس الغاية “يجب أن يوجد شخص واحد ليقود ويحكم البشرية، يدعى: إمبراطور أو ملك، وجوده لازم لخير ورفاه البشرية”(15). الأهم من ذلك إذا حصل صراع بين حاكمين متساويين “فيجب أن يوجد طرف ثالث له صلاحيات أوسع يحكم بينهما بالحق”. تكمن أهمية الحاكم العالمي في كونه “أول وأعلى قاضي حيث يفصل في كل الصراعات بشكل مباشر أو غير مباشر”(21-2). ستتحول البشرية بدون حاكم عالمي إلى “كائن وحشي له عدة رؤوس” متعطّش “للصراع مع كل شيء”(43-4)، أما إذا نظمت البشرية وفقا لهذا فستكون أقرب إلى الإله لأنها تعكس مبدأ الوحدة وهو الشكل الاسمى”(xvii and 19).  ثم يكمل دانتي كتابه في تمجيد الإمبراطورية الرومانية باعتبارها” الخطة الإلهية من الله لبني البشر”(xxxiii). ويطالب بإمبراطور عالمي لكنه يرى أن سلطته مختلفة عن سلطة البابا الدينية وليست مشتقة منها. وأن إرادة الإله تفرض أن يُكوّنا علاقة تعاونية وتصالحية لا علاقة خصومة ومنافسة.

غير أن فكرة توحيد البشرية في إمبراطورية أو تحت حكم ملك أصبحت تتعارض مع الواقع في القرن السابع عشر بعد ترسيخ نظام الدول ذات السيادة وفقا لصلح وستفاليا (1648).

يعرف هوبزHobbes  (1679-1588) في كتابه اللفياثان(Leviathan) الصيغة الجوهرية للسيادة بعتبارها سلطة عليا قضائية، وشرعية على شعب، وإقليم معين. ويرى أن الأفراد تقودهم مواطن الضعف والمصالح المشتركة للتخلي عن حرياتهم في الحالة الطبيعية مقابل الحماية، ما يعني إرساء الدول ذات السيادة. ليست المآسي المصاحبة لتعددية الدول ذات السيادة عبئا على الأفراد، وبالتالي هناك أساس أقل عقلانية للتنظيم السياسي للإنتقال نحو دولة عالمية ضخمة global leviathan. “لأن الدول تتمسك بصناعة رعاياها، فقد لا تتحقق بالضرورة في الحالة الطبيعية العالمية تلك المآسي التي تصاحب حرية شخص معين” (1986, 188). لا يظن هوبز خلافا لتفسيراته الواقعية للعلاقات الدولية، باستحالة القانون الدولي، أو التعاون بين الدول ذات السيادة، أو اعتبارها غير عملية. بل يؤكد إمكانية وفاعلية اتّحادات الكومنولث التي تأسست على مصالح الدول في السلام والعدالة، فيقول معتمدا على التنبؤ بتطوير القانون الدولي، ومنظمات الأمن الجماعي، وعصبة الأمم المتحدة: “هذه الرابطة بين الدول المشتركة في الثروات على أولئك الذين انعدمت عندهم القوة لإبقائهم في حالة رهبة، ليست مشروعة فقط (لأن الكومنولث شرعها) بل مربحة أيضا خلال وقتها”(286). ومع أنّ هوبز قال سالفا بأن حكومة العالم ، أو الدولة العالمية غير ضرورية، إلّا أنه توقع إمكانية ونجاح تطوير نظام قانوني للدول.

في القرن الثامن عشر أضاف تشارلز كاستل Charles Castel, Abbé de Saint-Pierre (1658-1743) في كتابه مشروع صناعة السلام في أوروبا (Project for Making Peace Perpetual in Europe) (1713) إلى حجة هوبز التي ذكر فيها اقتضاء المصلحة العقلانية في حماية الذات لخلق دولة في الساحة الدولية، وأكد أن هذا السبب يجب أن يقود أمراء أوروبا لإنشاء اتّحاد فدرالي للدول عن طريق عقد اجتماعي. ستخلق الدول السيادية المتعاقدة تحالفا دائمًا لا رجعة فيه بتكوين برلمان، أو كونغرس دائم مهمته الفصل في خلافات الأطراف المتعاقدة. يصف هذا الاتّحاد الفدرالي أي عضو يكسر المعاهدات، أو يعترض على قرار الكونغرس على أنه “عدو الدولة” (Rousseau 1756/1917, 63). في مثل هذه الحالة فإن جميع الأعضاء “سيتسلحون ويشنون هجومًا مشتركًا، ويتحملون التكاليف بشكل مشترك، ضد أي دولة تعلن الحرب على أوروبا”، منفذين بذلك قرارات الفدرالية (61-4). بالمختصر، تحقيق السلام الدائم ممكن في حال تنازل أمراء أوروبا عن حقوقهم السيادية في شن الحروب، أو إحلال السلام لصالح هيئة فدرالية أعلى بمقابل ضمان حماية مصالحهم الأساسية.

يقر روسو بمنطقية هذا الاقتراح قائلا “لاحظ الكومونولث الأوروبي ليوم واحد فقط وستكون متأكدا أنه مستمر لأبد، مع التجربة سيقتنع الرجال بأن مصالحهم الشخصية موجودة حيثما وجدت مصالح الجماعة “(93). مع هذا يرى روسو أن المجتمعات الحالية أفسدت البراءة الطبيعية للبشر مما جعلهم غير قادرين على اكتشاف مصالحهم الحقيقة. وهكذا فإن مقترح كاسل ليس وهميا، ولكن من المستبعد تحقيقه “لأن البشر مجانين، وإنه لضرب من الجنون أن تكون عاقلا في عالم المجانين”(91). في نفس الوقت يشير روسو إلى أنّ الدول الأوروبية السيادية لن توافق طوعيا لإنشاء اتّحاد فدرالي، لكنه يضيف بنظرة عواقبية: “الطريقة الوحيدة لإنشاء أي اتّحاد هو الثورة، وإن كان كذلك، فمن يجرؤ أن يقول أن هذا الاتّحاد الأوروبي قرار صائب، أو يخشى منه؟ ربما يكون ضرره أكبر لحظتها بدلا من حمايتنا لسنوات “(112).

الحرب بالنسبة لروسو هي نتيجة المؤسسات الاجتماعية المنظمة بكفاءة، حيث تعتبر الدول كيانات عامة تشن الحرب، والأفراد مجرد مشاركين، أما كأعضاء، أو مواطنين لدول ذاتها. بغض النظر عن اعتبار تحقيق دولة ضخمة تقدما أخلاقيا، يشير روسو إلى أنّ الخطر على البشر من الدول ذات السيادة سيكون أكبر إذا لم توجد هذه المؤسسات. يقول روسو: “يعتبر أي واحد منا في الدولة المدنية مواطنًا، لكن في الحالة الطبيعية يعتبر النصف الباقي العالم، فلو اتّخذنا كافة التدابير ضد الحروب الخاصة، لنشعل فقط حروبًا وطنية أشد فظاعة بألف مرة؟  إذا إنضممنا إلى جماعة من الرجال ضد جماعة أخرى، نحن إذًا أعلنا أنفسنا كأعداء للبشرية أجمع”(56). والحل عند روسو لإنهاء الحرب هو إنشاء مجتمعات محكومة جيدة، وقد كتب عمله العقد الاجتماعي (The Social Contract 1762) من هذا المنطلق. فقط في سياق مثل هذا ستدرك البشرية إمكانياتها العقلية والأخلاقية. يجب ألّا نسعى لإنشاء حكومة عالمية بل دول نموذجية من الناحية الأخلاقية ليعم السلام. إذا وجد في هذا العالم مجتمعات مثالية فلا حاجة لنا بحكومة عالمية ولن توجد دوافع لشن الحروب.

أما كانط Kant فقد حاول في مقاله (مقترح لتاريخ عالمي بغرض كوزموبوليتاني) دحض الادعاء القائل بأن الحكومة المحلية  تمثل خطوة أخلاقية إلى الوراء بالنسبة للبشرية، عبر وضعها هي وقضاياها “في تاريخ كل الجنس البشري، كتطور بطيء لكن مستمر للقدرات الإنسان الأصلية (العقلية)”(41). الطبيعة توظف “عزلة الإنسان لدفع التقدم الأخلاقي، وبالتالي فالحرب وسيلة بيد الطبيعة لتحريك الدول” لاتّخاذ خطوة وفقا للعقل لا للتجربة، للتخلي عن الحالة الوحشية بلا قوانين، والانضمام لاتّحاد إنساني حيث كل الدول حتى الصغيرة منها، من المتوقع أن تستمد أمنها وحقوقها، لا من قوتها، وقراراتها القانونية، بل من هذا الاتّحاد العظيم (Foedus Amphictyonum)، ومن سلطة متحدة وأحكام منظمة قانونيا(47). وكما قال كانط عدة مرات في مقالته السلام الدائم (Perpetual Peace 1795): “هذه نتيجة حتمية”(48) لتاريخ البشرية، عندما ناقش بأن المنطق يستدعي إنشاء “دولة عالمية (international state (civitas gentium)) ستكبر حتما حتى تحتضن جميع البشر على سطح الأرض”(105).

حول الظروف الراهنة، يقول كانط أن “التصور الحقيقي للجمهورية العالمية لا يمكن تحقيقه”. إن مقالته حول السلام الدائم بدأت بحقيقة اجتماعية، وهي أن دول العالم مختلفة لكنها متفاعلة مع بعضها لبعض. بالنظر إلى عالمنا، ما هو مفتاح تحقيق السلام الدائم؟ يجيب كانط بثلاثة اقترحات هي:

أولا، يجب أن يكون لكل دولة دستور جمهوري يضمن الحرية والمساواة للمواطنين، بأنظمة قانونية، ومؤسسات سياسية تمثيلية. فالدولة الجمهورية المنظمة داخليا بشكل جيد من المستبعد لها ان تنخرط في الحرب بدون سبب مقنع”. إن أسهل شيء في الدول التي لا يعطي دستورها الأولوية للمواطن، وبالتالي لا تكون جمهورية، هو الدخول في الحرب “(100).

ثانيا، تحتاج الدول المنظمة داخليا بشكل جيد أن تتحد ضمن اتّحاد فدرالي إنساني، وهو مختلف عن الدولة العالمية (102). وهذا “الاتّحاد السلمي (foedus pacificum) لا يهدف إلى حيازة أي قوة مثلما تفعل أي دولة، إلّا في نطاق أمن وحماية كل دولة على حده، والدول المتحدة الأخرى”(104). في هذا السياق، يقول كانط “لايزال من الأفضل دمج الدول المستقلة تحت سلطة واحدة تفوق الدول وتخلق نظاما عالميا”. إن أسباب رفضه لنظام العالمي تكمن في الخوف من الحكومات التي بيدها أغلب السلطة والأخرى التي لا سلطة لها فيقول “تفقد القوانين تأثيرها تدريجيا مع توسع الحكومة، والاستبداد، وسحق بذرة الخير، سنقع جميعا في الفوضى”(113). يقول كانط بحزم موضحا رفضه على أساس الاستبداد: سينتهي “الاستبداد العالمي” في “مقبرة الحرية”(114). ثالثا، التقيد بالحق الكوزموبوليتي في عالم من الدول المختلفة، والمتفاعلة مع بعضها البعض هو شرط للسلام الدائم الذي أسماه كانط بالترحيب العالمي universal hospitality. بالتأكيد لجميع الجنس البشري حق مشترك للعيش على سطح الأرض، إلّا أن الأجانب لا حق لهم في الاستقرار في منطقة أجنبية بدون إتفاقية سكن inhabitants’ agreement. إن الحقوق العالمية التي تسوغ زيارة أرض اجنبية لا تسوغ استباحتها. انتقد كانط خلال حياته الدول التجارية  commercial states لما فعلته في “أمريكا، والدول الافريقية، وجزر التوابل (جزر الملوك أو جزر مالوكوأيضًا) ورأس الرجاء الصالح” والهند الشرقية (106).

وهكذا نرى التعقيد الواضح في آراء كانط حول كفاءة حكومة العالم (Kokaz 2005, 87–92, and Pogge 2009) يؤيد كانط فكرة الاتّحاد الإنساني في شكل عالم جمهوري، يتمتع أفراده بالحرية والمساوة، تحت سيادة عالمية. ستتحق بذلك “ظروف قانونية بشكل كامل”(Pogge 2009, 198)، كأفضل مصير إنساني في التاريخ البشري. في نفس الوقت، يستنكر أي خطوة نحو ملكية عالمية لأنها، على عكس الجمهورية، لا ضمانة فيها، وتعيق تحقيق المساواة وحرية الأفراد. لدى كانط تصورين لهذا العالم، الأول هو الجمهورية العالمية وهو أفضل مفهوم سياسي، والثاني مايسمى بالمدينة الفاسدة dystopia يقودها حاكم عالمي مستبد، يمارس سلطته بصورة تعسفية، مثل الفوضوية العالمية في الحالة الطبيعية (هوبز). وبين هذه الصورتين تكمن اليوتوبيا الواقعيةrealistic utopia (Rawls 1999:11–6) وهو اتّحاد فدرالي يتألف من دول جمهورية مستقلة، بشكل أصغر من دولة عالمية. وقد وصفها هابرماس Habermas بقوله: “يبدو مفهوم الترابط الطوعي بين الدول الموافقة على التواجد سلميا مع بعضها ضعيفا، حين تحتفظ كل دول بسيادتها، وكأنها في مرحلة انتقالية نحو جمهورية عالمية “(2010، 268).

بالنظر إلى أعمال كانط يتبين لنا أن المناظرات حول حكومة العالم كانت حية حتى في القرن الثامن عشر. مثل  النقاشات الأناركية (Jean-Baptiste du Val-de-Grace, baron de Cloots, 1755–1794 ) التي دعت إلى إلغاء نظام الدول ذات السيادة في مقابل جمهورية عالمية تضم البشرية أجمع، استنادًا إلى نظرية العقد الاجتماعي (Kleingeld and Brown 2002).

أما القرن التاسع عشر والقرن العشرين، فقد شهدا إحياءً للمطالبات بـ حكومة العالم ، والتي عززتها التطورات الإيجابية، مثل التقدم التكنولوجي في السفر والاتصالات، مما مكّن العولمة الاقتصادية المتسارعة. وحتى التطورات السلبية مثل النتائج المدمرة لحرب مع التكنولوجية الحديثة كان لها أثر.

بعد مأساة القنبلة الذرية على هيروشيما، وناجازاكي، ناضل علماء الذرة لفرض رقابة دولية على الطاقة الذرية، واعتبروا هذه الرقابة إحدى الوظائف الرئيسية للحكومة الفدرالية العالمية. في هذا الشأن، كتب ألبرت أينشتاين Albert Einstein عام 1946 ميلادي أن الكرة الأرضية تقلصت بسبب التطورات التكنولوجية من خلال الترابط الاقتصادي، واحتمال الكوارث المشترك بسبب أسلحة الدمار الشامل. ولتأمين السلام، أكد على “وجوب إنشاء حكومة عالمية تحل الصراعات بين الدول بحكم قضائي. وأن تتأسس بناء على دستور قاطع توافق عليه الحكومات، والدول، بحيث تعطي هذه الحكومة حق التصرف في الأسلحة الهجومية” (1956، 138). دعت منظمة United World Federalists التي تأسست عام 1947 إلى تحويل منظمة الأمم المتحدة لاتّحاد فدرالي عالمي للدول، له سلطة ضبط الأسلحة والتسلح. يستلزم السلام العالمي أن تتخلي الدول عن حقوقها المطلقة السيادية التقليدية في حشد الأسلحة وشن الحرب، وأن يرفعوا صراعتهم لمؤسسات دولية رسمية لإصدار الأحكام وتنفيذها. وهكذا فإن تحقيق السلام العالمي يتوقف على إنشاء قانون عالمي (Clark and Sohn 1962).

وفي الفترة التي تبعت الحرب العالمية الثانية فقد انطوت المطالبات بحكومة عالمية شكوكا عميقة بإمكانيات الدول ذات السيادة كوسيلة للتقدم الأخلاقي في السياسية العالمية. أما إمري ريفس (Emery Reves) فقد كان كتابه المؤثر تشريح السلام (The Anatomy of Peace) إدانة  للدول القومية بوصفها مؤسسة سياسية: “الدول القومية هي الباستيل الحديث، لا يهم إن كان السجانون محافظون، أو ليبراليون، أو اشتراكيون” (1945، 270). وعلى خطى روسو يقول Reves أن الدول القومية تهدد السلام والعدل والحرية الإنسانية بتحويلها الأموال بعيدا عن الحاجات الضرورية، وإيجاد ظروف عالمية يحفها الخوف والارتياب، وخلق آلة حرب تؤدي في النهاية إلى اندلاع حرب حقيقية. وبالنظر إلى تجربة الحربين العالميتين، فمن الصعب أن نرى الدول كعامل من عوامل التقدم الأخلاقي. ولربما كانت هذه الشكوك هي ما دفع ديفيد ميتراني (David Mitrany) لوضع فكرة الاتّحاد العالمي، أو الدولة العالمية والتركيز على دورها في “نشر شبكة أنشطة ومؤسسات عالمية”، قد تلعب دورا مهما في سبيل تحقيق الوحدة والسلام للعالم (2003، 101).

إن رفض البعض للدول القومية لم يكن لذاتها بل لاعتبارها دولا غير ديمقراطية مستبدة، وشريكا لا فائدة منه في بناء نظام عالمي آمن. على سبيل المثال، تأسست لجنة الاتّحاد الأطلسي The Atlantic Union Committee على يد كلارنس ستريت عام (1949)، حيث تدعو إلى اتّحاد فيدرالي لدول الديمقراطية. قد يكون هذا الاتّحاد أساسا “لحكومة عالمية حرة، تشجع الدول من خلال الأمثلة الحية لممارسة مبادئ تؤهلهم للعضوية. وتحديدا مبادئ الحكومة التمثيلية، وحماية حرية الأفراد بالقانون” (quoted in Baratta 2004, 470).

خلال الحرب الباردة انقسم العالم إلى جهتين مختلفتين أيدولوجيا، الولايات المتحدة من جهة والاتّحاد الاشتراكي السوفيتي من جهة أخرى، مما أدى إلى موجة من الشك المتبادل الذي انتقل بدوره إلى مقترحات حكومة العالم . فاعتبر السوفييت كل المقترحات محاولة لفرض “الرأسمالية الاحتكارية الأمريكية” على العالم (جودمان 1953، 234)، وبذلك تعذر تحقيق هدف الحركة الفدرالية العالمية بتأسيس اتّحاد عالمي. وأدان القادة السوفييت اقتراح مفوضية الاتّحاد الأفريقي AUC بإقامة اتّحاد يقتصر على الأنظمة الديمقراطية، وأعتبروها محاولة لتعزيز الكتلة المناهضة للشيوعية (المعادية للسوفييت)، وسط سجالات الحرب الباردة.

يعتبر الاتّحاد السوفييتي تجسيدا مشوها للفكر الشيوعي، أو الاشتراكي. قبل ذلك وجدت الأفكار الشيوعية في الثورة الفرنسية لكنها تطورت أكثر خلال القرن التاسع في صورة ردة فعل على الجوانب السلبية للنمو السريع للصناعة. وعدت التطورات التكنولوجية بتقدم مادي عظيم، لكن التغييرات التي أوقعتها على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية لم تكن إيجابية. لئن حصد بعض البرجوازيين (الرأسماليين) من أصحاب المصانع على شيء عظيم من الثروة والسلطة، فإن العمال (البروليتاريين) في المصانع الجديدة، يعملون في ظروف مروعة، ويتلقون أجورا ضعيفة. ليس التاريخ بالنسبة إلى كارل ماركس  Karl Marx صراع دول بل صراع الطبقات الاجتماعية، التي خُلِقت، ودُمّرت عبر تغيير أنماط الإنتاج. فالدولة هي سلطة مركزية قهرية خاضعة لنمط الإنتاج الاجتماعي في مرحلة معينة من التطور، وهي ضرورية فقط في المجتمع الطبقي كأداة قمعية بيد الطبقة الحاكمة. يحمل النظام الاقتصادي الرأسمالي في ثناياه بذور تدميره، لأن أساس هذا النظام يكمن في خلق طبقة بروليتارية تنمو باستمرار. وبالتالي فإن ثورة عالمية للبروليتاريين تكفي لمحو “الظروف التي أوجدت الطبقات والصراع الطبقي” (Marx 1948, 75). ستنهار الدولة والطبقات في آن معا: “‘ذا نظم أي مجتمع الإنتاج على أساس حر وبالتساوي لكل المنتجين، وستنتهي كل أجهزة الدولة إلى حيث تنتمي، في متحف الآثار إلى جانب عجلة المغزل، والفؤوس البرونزية” (Engels 1884/1978, 755). وفقا للرؤية الشيوعية، فإن النظام الرأسمالي ضروري، ولكنه انتقالي، وزائل، وبالتالي وجب أن يسقط النظام ثوريا بالقوى التي أطلقها بنفسه لتحقيق نظام عالمي جديد”، حيث تكون فيه التنمية الحرة للواحد شرط التطور للجميع” (Marx 1948, 75). سيتحقق السلام والحرية للجميع، لاسيّما التحرر من “الاغتراب” (Marx 1844/1978, 71–81) الذي رافق ظهور الرأسمالية، عبر التحول من الرأسمالية لنظام شيوعي اجتماعي: “سيزول العداء بين الشعوب، إذا زال العداء الطبقي بين الشعب الواحد” (73).

يحتج قائد الثورة الروسية لينين V.I. Lenin بالاستناد إلى ماركس بأن الطبقة البروليتارية تحتاج إلى أدوات الدولة القمعية، لقمع البرجوازيين بوصفهم مستغلين ومقاومين. مع ذلك فقد كان لينين ملتزما بالثورة العالمية وبالرأي الذي يقول بأن الدولة “قلب النظام الطبقي”. حتى “الدولة البروليتارية ستتلاشى بعد فوزها، لن توجد دولة، إذا لم يوجد العداء الطبقي” (Lenin 1978, 135). فيما بعد، توقع قادة ونخب السوفييت الرافضين لاقتراحات الغرب لإنشاء اتّحاد عالمي تفوق الدول القومية والرأسمالية العالمية، كما توقعوا إنشاء اقتصاد اشتراكي عالمي بإدارة “الدولة البلشفية العالمية” (Goodman 1953, 231). وأخيرا، لم تكن سياسة توازن القوى بين الدول ذات السيادة المفتوحة سببا للحرب في الأيدولوجية الشيوعية، بل ألصقوها بالرأسمالية. عمليا، صارت الأفكار الاشتراكية مثل المجتمع اللاطبقي، أو وجود عالم من جمهوريات اشتراكية سلمية موضع سخرية، بسبب سياسات الاتّحاد السوفييتي القمعية داخليا وخارجيا. أضف إلى ذلك أن تفكك الاتّحاد تسبب بنهاية فعلية لإحدى بدائل النظام العالمي الاقتصادي الرأسمالي  (73).

أما التنافس اليوم، فهو بين مقترحين إحداهما الحكومة العالمية ذات السلطة القهرية، والهياكل المركزية، والثانية هي الحوكمة العالمية، بهياكل لامركزية ولاقهرية. صاحبت التقييمات النقدية للتطور من الحكومة العالمية إلى الحوكمة العالمية، إحياء الحجج المؤيدة للحكومة العالمية في النقاشات الفكرية في نظرية العلاقات الدولية، والنظرية السياسية حول النظام، والعدالة العالمية (Cabrera 2004; Tännsjö 2008; Weiss 2009).

 

  1. مناظرات في النظرية السياسية المعاصرة

    • نظرية العلاقات الدولية

تطورت نظرية العلاقات الدولية المعاصرة إثر الحاجة الماسة لفهم أسباب الحرب والسلام بين الدول ذات السيادة، والتنبؤ بالحرب حال الفوضى السياسية، أو في حال انعدام السلطة العليا المركزية.

يدعي منظرو المدرسة الدولية المعاصرة الواقعيين، أو الواقعيين الجدد Contemporary international  “realists” or “neorealists” بعدم تقييمهم نظام الدول المعاصرة من الناحية المعيارية. فشبهوا النظام الدولي بالحالة الطبيعية (هوبز)، إذ ينعدم مفهوما العدالة والظلم، وتبذل كل جماعة بدوافع منطقية كل ما بوسعها، لتضمن بقاءها، ولو كان على حساب مصالح الآخرين الأساسية. يؤيد كينيث والتز بوضوح في كتابه المنهجي عن الواقعية الجديدة نظرية السياسية الدولية (Theory of International Politics) نظام الدول ذات السيادة، فالحكومة العالمية بحسب ظنه قد لا تحقق عدالة منصفه، أو عالمية، أو منظمة، أو آمنة. أما الحكومات المحلية فستسيرها مصالحها التي إما أن تكون خاصة، أو محددة، ومبنية على مصالح وحقوق دول أخرى. كما يأسف على الفوضى العالمية باعتبارها سمة ضرورية للعلاقات بين الدول، وقد مجد فضائلها، ومنها سعة ما توفره من الحرية الوطنية. يظهر والتز وكأنه يدعي بأن النظام المتعارض للدول ذات السيادة مفضل من وجهة نظر أخلاقية أكثر من النظام المتكامل. قد يشكل النظام الواحد حملا على الدول ويمنع استقلالها ذاتيا (2006Lu ). لكن هذه الاستنتاجات تثير السخرية، لأن تفسير الواقعيين الجدد neorealist لأسباب الحرب داخل الدول يرجعها إلى أوضاع الفوضى الدولية، وغياب حكومة العالم بسلطتها العليا. بالنسبة للواقعيين المعاصرين contemporary realist فهذه الصفة لنظام الدول حقيقة اجتماعية لا يمكن تغييرها، إن الحرب بين الدول، مآسي لا مناص منها (Mearsheimer 2001).

مؤخرا، قال وليام شيرمان William Scheuerman (2011 ، 67-97) أن من يطلق عليهم بالواقعيين التقليديين classical realists  في منتصف القرن العشرين يُعدّون أكثر تعاطفاً مع أفكار الإصلاح المؤسسي العالمي من الواقعيين المعاصرين. دعم ثلة من أتباع الواقعية الكلاسيكية والتقدّمية Classical and progressive realists (مثل رينولد نيبورReinhold Niebuhr، وإدوارد هاليت كار E.H. Carr، وهانز مورغنثاو  Hans Morgenthau، وجون هيرمان John Herz، وفريديرك شومان  Frederick Schuman) الأجندة الاصلاحية العالمية بحجج مختلفة كظهور العولمة الاقتصادية، والتغيرات التكنولوجية، والحرب الشاملة الحديثة، والثورة النووية. وفقا رينولد نيبورReinhold Niebuhr، سيحتاج الشكل النهائي المنشود، وقابلية التحوّل السياسي العالمي نحو حكومة عالمية بصيغة نظام فدرالي عالمي، على اندماج وتلاحم اجتماعي وعالمي أعمق مما كان واضحا في منتصف القرن العشرين (Scheuerman 2011, 73).  لكن نيبور قلق إزاء إمكانية عدم استحسان تحقيق حكومة العالم بالنظر إلى غياب الأساس الثقافي والاجتماعي المطلوب للاتّحاد العالمي السياسي، إذ ستحتاج الحكومة العالمية في مثل هذه الظروف لأدوات للحكم، مما يثير شبح السلطة الاستبدادية العالمية (ibid., 72-6).

أما باحثوا العلاقات الدولية International society or the English school فيحتجون بأن علاقات الدول ذات السيادة لا ينعدم فيها القانون، وخاضعة لقواعد ولوائح سلوكية نافذة، وذلك على الرغم من عدم وجود سلطة رئيسية مهيمنة عليها. لا تتعارض الفوضى السياسية بين الدول مع مفهوم مجتمع الدول المحكومة بالقانون (Bull 1977). يرى الباحثون في المجتمع الدولي بأن عدم وجود سلطة مركزية عالمية، لايعني أن الدول تأكل بعضها. وأن الحكومة العالمية غير ضرورية، وربما تكون خطرة باستخدامها ذريعة في الصراع نحو الهيمنة الإمبريالية بين الدول. لاحظ مارتن وايت Martin Wight أن النموذج الأخلاقي للكوزموبوليتية يترجم عادة في الواقع العملي إلى طغيان سياسي وإمبريالي (1991). وكبديل للحكومة العالمية، يردد كل من روسو Rousseau، وكانط Kant، وكريس بروانChris Brown” أن المثل الأخلاقية المتعددة والمستقلة بذاتها، هي المجتمعات المترابطة في إطار السلام، والقانون” ( 1995, 106)، وبالتالي، ستكون الحكومة العالمية العليا غير ضرورية، إذا وجد مجتمع عالمي برؤية مثالية.

يتجاوز دافع الحركات الليبرالية الدولية الانشغال التقليدي بمشاكل الحرب والسلام فيما يتعلق بالنظام العالمي. تنتقد هذه الحركة بشكل صريح وأكثر من الحركتين السابق ذكرهما، التفسير التقليدي للدول ذات السيادة. يصف ريتشارد فولك Richard Falk العالم المعاصر بالحكم اللاإنساني، مبيّنا العلل التالية: يعيش أكثر من بليون شخص تحت خط الفقر، ويتم تجاهل حقوق الإنسان في المجتمعات الضعيفة اجتماعيا وثقافيا، واستخدام الحرب والتهديد بها كأداة سياسة لازال مستمرًا، وكذلك الحال بالنسبة للتدهور البيئي، وانعدام قابلية المساءلة الديمقراطية دوليا (1995, 1–2). ستكون الأجندة الليبرالية الدولية متقدمة إذا ما تم إحراز تقدم في تخفيف أو تصحيح هذه العلل. كان فالك صريحًا يوم قال “من الممكن تحقيق الحكم الإنساني بدون حكومة عالمية، وهذا مسلك محتمل، ومرغوب أكثر” (8). يرى فالك الحكومة العالمية شكلا من أشكال التنظيم السياسي العالمي والتي تحمل هذه السمات على أقل تقدير: “التسوية السلمية الإلزامية لكل الصراعات بموجب قرار قانوني من طرف ثالث، ونزع السلاح بشكل كامل على المستوى الدولي والإقليمي، والقدرة التشريعية التي تتبعها إمكانيات التنفيذ، إضافة إلى أي شكل من اشكال القيادة المركزية”(7). وبدلا من حكومة العالم ، يدعو فالك المجتمع المدني إلى “مبادرات ديمقراطية عابرة للحدود”، وإصلاح الأمم المتحدة. ويعد كلاهما تحدي وتكميل لقوى الدولة والسوق المسببة لمشاكلنا العالمية المعاصرة (207).

في الوقت الذي يرفض فيه منظرو العلاقات الدولية المعاصرين فكرة كفاءة حكومة العالم وقابلية إنشاءها، يرى المنظر البنائي الكسندر ونديت Alexander Wendt أن منطق الفوضى يحتوي في ثناياه بذور التحول نحو “احتكار عالمي للاستخدام المشروع للعنف المنظم-دولة عالمية” (2003, 491). يعرض وينديت متأثرا بأفكار أرسطو وهيغل وصفا غائيا لتطور النظام العالمي من دول الفوضوية إلى نظام عالمي بحجة أن “الصراع من أجل الاعتراف بين الدول له نفس نتيجة صراع الأفراد ومن ثم تكوين الهوية المشتركة وأخيرا الدولة” (493). إن التغيرات التكنولوجية خصوصا تلك التي تزيد من “ثمن الحرب”، “ومجال إمكانية تنظيم الدولة” تؤثر على الصراع من أجل الاعتراف بين الدول وتضعف اكتفاءها الذاتي، مما يجعل وجود دولة عالمية “قدرا محتوما” (493–4). واستند إلى أعمال دانيال ديودني Daniel Deudney (1995، و1999) الذي احتج بأن تطور التكنولوجيا المدمرة يجعل الدول هشة مثل الأفراد في الحالة الطبيعية (بحسب هوبز)، “إذا كانت الحالة الطبيعة تجعل الأفراد يخضعون تلقائيا لقوة مشتركة، ففي العالم النووي تخضع الدول تلقائيا حال التغير في قوى التدمير” (Wendt 2003, 508). تتضمن آراء ديودني في إعادة بناء التقاليد الجمهورية في نظرية العلاقة الدولية الرأي القائل بأن التحول الهيكلي العالمي من دول فوضوية لحكومة عالمية موضوعية تتميز بنظام جمهوري فيدرالي، بدافع عولمة القابلية المشتركة للتدمير “لن يكون شيئا مبتكرا على أرض الواقع (على المستوى المفاهيمي) بل بشكل أبسط هو استمرار نمط مألوف” (2007, 275–7).

أما ويندت فيرى أن إنشاء دولة عالمية قد يرافق ظهور “مجتمع أمني عالمي” يتوقع من أفراده حل الصراعات سلميا عوضا عن استخدام القوة، و ظهور نظام “أمني جماعي وشامل ” مما يضمن حماية كل فرد من الجرائم التي لا مفر من حدوثها، وسلطة عالمية عابرة للحدود الوطنية تتخذ قرارات إلزامية حول الاستخدام الجماعي للقوة(505).يقود هذا التحول الصراع من أجل الاعتراف ” لن ينتهي التطور السياسي لهذا النظام حتى يتم الاعتراف بكل فرد وجماعة ويتم حمايتهم من قبل دولة عالمية(وفقا لفكر فيبر)”(506).

يدرك ويندت حقيقة أن الدول القوية التي تتمتع بفوائد الاعتراف الغير متكافئ قد تكون أكثر مقاومة لتنضم تحت مظلة الدول العالمية، لكنه يحتج بأن الانتشار الكبير للعنف إلى القوى الأصغر مثل تنظيم القاعدة وكوريا الشمالية سيجعل “قدرة الدول الكبرى على عزل نفسها عن المطالب العالمية للاعتراف تتزعزع، وسيتعذر الحفاظ على نظامهم بحيث لا ترتبط صلاحيتهم وامتيازاتهم بسيادة القانون النافذة (524). ستكون الدولة العالمية هي الغاية النهائية التي لا مفر منها للصراع الإنساني من أجل الاعتراف، بناء على فرضية أن الأنظمة تميل للتطور كدولة مستقلة في النهاية، حيث الأفراد “والدول على حد سواء سيفقدون الحرية السلبية في الانخراط في أعمال العنف الفردية، لكن بالمقابل سيحصلون على الحرية الإيجابية في الاعتراف بذواتهم” (525). يرى ويندت حتمية النضال خلال تشكيل الدولة العالمية من أجل الاعتراف بين الأفراد والجماعات، وقد تتخذ الدولة أشكالا مختلفة: لن تحتاج لتنظيم ثقافي، اقتصادي، أو سياسي محلي على النطاق العالمي، خلال تنظيم العنف المنظم. لن تحتاج لإلغاء الجيوش الوطنية، والاعتماد على جيش الأمم المتحدة حين يستدعي وجود هيكل: يفرض وينفذ إستجابة جماعية للتهديدات. وأخيرا، في حال الحاجة لاتّخاذ قرارات إلزامية، لن يكون هناك حاجة حتى لحكومة عالمية، كسلطة موحدة ترجع لقائدٍ ما عند القرارات النهائية (506).

 

2.2 موقف الليبراليين الرافض للحكومة العالمية

نناقش في هذا الجزء فكرة الحكومة العالمية عند الليبراليين المعاصرين، فمنذ إصدار كتاب جون رولز John Rawls نظرية العدالة (A Theory of Justice) عام 1971، سعى العديد من المنظرين الليبراليين أمثال تشارلز بيتز Charles Beitz، وتوماس بوج Thomas Pogge، لصياغة نسخة عالمية لليبرالية، عبر توجيه مبادئ رولز في العدالة المحلية إلى الساحة الدولية. وفقا لتشارلز بيتز يعنى مفهوم الأخلاق العالمية لليبرالية الكوزموبوليتية ” بالعلاقات الأخلاقية لأفراد المجتمع العالمي حيث الحدود بين الدول لها أهمية ثانوية فقط (1999a، 181-2). تُقيّم الليبرالية الكوزموبوليتية أخلاقيات المؤسسات المحلية، والدولية على أساس “دراسة محايدة لمطالبات كل فرد يمكن أن يصاب بضرر” (1999b، 287). وقد بدأت النظرية الليبرالية الكوزموبوليتية للعدالة العالمية مع مفهوم الإنسانية باعتبارها مجتمع أخلاقي مشترك للمساواة وحرية الفرد. وتختلف هذه الأخلاق العالمية التي أيدها منظرين ليبراليين أمثال بيتز عن الكوزموبوليتية السياسية أو المؤسسية والتي تأتي في شكل دولة أو حكومة عالمية (Beitz 1994).

 لكن رولز نفسه رفض الكوزموبوليتية الليبرالية معارضا النقاد الليبراليين في مسائل جوهرية تتعلق بعدالة التوزيع العالمي، واتفق معهم على أن الحكومة العالمية ليست فكرة ليبرالية مثالية لتنظيم العالم. يقدم رولز في كتابه حول النظام العالمي قانون الشعوب (The Law of Peoples) مفهوم مجتمع تكون الشعوب فيه محكومة بمبادئ تستوعب “جمعيات واتّحادات تعاونية بين الشعوب- لكن لا تقر دولة عالمية” (1999، 36). وذكر أسبابة للفض الحكومة أو الدولة العالمية بشكل صريح “أنا أسير على خطى كانط في السلام الدائم (Perpetual Peace) (1795)، وفي اعتقاد أن الحكومة العالمية – كنظام سياسي موحد بصلاحيات قانونية تمارسها عادة الحكومات المركزية- لها وجهين، فهي إما أن تشكل استبدادا عالميا، أو أن تحكم على إمبراطورية أهلكها الضعف بعد حروب وصراعات متكررة؛ بسبب دفاع عدة شعوب ومناطق عن حريتهم السياسية واستقلالهم” (36). رفض مفكرون ليبراليون أخرون كفاءة الحكومة العالمية في شكل دولة محلية تغطي العالم أجمع (Beitz 1999، 182؛ Jones 1999، 229؛ Tan 1994، 100؛ Tan 2000، Pogge 1988، 285؛ Satz 1999، 77–8).

وفي اعتراض مشابه يحتج ليبراليون جماعاتيون communitarian liberals مثل مايكل فالزر Michael Walzer بقولهم أن حكومة العالم المركزية تهدد التعددية الاجتماعية. فالزر من مؤيدي “الدولة ذات السيادة” كوسيلة لحماية الثقافات التاريخية المختلفة التي قد تكون وطنية، أو دينية، أو عرقية”، وهو يرفض النظام المركزي العالمي لأنه لا يرى “كيف يمكن أن يستوعب شيئًا مثل كالاختلافات الثقافية والدينية في زمننا هذا…. قد تستطيع بعض الثقافات وأكثر المذاهب الارثودوكسية النجاة إذا سمحت بدرجاتمن الفصل لا تتعارض مع العولمة، لذا سيكون وجود هذه الجماعات معرضًا للخطر، إذ لن تكون لها إمكانية الحفاظ على أسلوب حياتها وتجاوز التغييرات، وفقا لأنظمة الدولة العالمية” (176،172،2004). في نفس الوقت الذي تشكل فيه المجتمعات المختلفة مصالح بشرية جوهرية متأصلة. يؤيد فالزر التعددية الاجتماعية والسياسية كمصلحة أساسية، نظرا لتنوع القيم الإنسانية، بحجة “أن تحقيقها سياسيا أفضل حين توجد عدة سبل، وعدة ممثلين في سبيلها… إن حلم ممثل واحد، حاكم مطلق، وإمبراطورية حضارية، وطليعة شيوعية، وحكومة عالمية هو في النهاية مجرد وهم” (188). ووجود عالم من المجتمعات المستقلة ذاتيا مهم لدرء خطر وجود دولة مهيمنة، أو عالمية لإعادة تشكيل العالم وفق تصورها الخاص.

لا يعني رفض منظري المذهب الليبرالي السياسيين لـ حكومة العالم بالضرورة تأييدهم للوضع الراهن وسيادة الدول التقليدية. ولا يتنافى رفض رولز للحكومة العالمية مع شرعية، وقابلية إنشاء مؤسسات عابرة للحدود، ومؤسسات دولية لضبط التعاون بين الشعوب، وأداء بعض الواجبات المجتمعية المشتركة. يستطرد رولز بعد تعبيره عن الرفض، في القول بأنه في المجتمعات البشرية المنظمة جيدا، لبعض المنظمات صلاحية التعبير عن استنكار الشعوب لمؤسسات محلية جائرة في الدول الأخرى، وحل قضايا تنتهك حقوق الإنسان، مثل منظمة الأمم المتحدة المصممة بشكل مثالي”. بعض القضايا الحرجة قد تحل بالعقوبات الاقتصادية، أو تصل حتى للتدخل العسكري. تغطي حدود هذه الصلاحيات كل الشعوب وصولا إلى شؤونهم الداخلية” (36). ومع أنّ رؤية رولز ترفض تماما عالما من الدول المتنافرة ذات السيادة إلّا انها تتضمن أيضا “مؤسسات وأساليب جديدة، لإعاقة وتقييد أي دولة قد تخرج عن القانون”(48)، وتعزيز حقوق الإنسان، والنظر لواجبات مثل مد يد العون للمجتمعات التي تحتاج مساعدة.

يرى توماس بوج (Thomas Pogge) أن الوصول إلى “مستقبل آمن وسليم بيئيا قد يتطلب مؤسسات ومنظمات فوق-وطنية، تحد من حق السيادة في الدول بصورة أكبر من الشكل الحالي” (213، 2000). وأن هذا التطور ممكن فقط في حال كانت غالبية الدول مستقرة ديمقراطيا (4-213). يتضح هنا أن توماس بوج ورولز متفقان على أن الطريق إلى السلام الدائم (وسلامة البيئة) يكمن في تعزيز تطور الدول المنظمة جيدا، والتي تتميز بحكومة محلية مسؤولة ومتجاوبة، وممثّلة ديمقراطيا.

بالنظر إلى حجج رولز وتوماس السابق ذكرها، نرى كيف سارع الليبراليون في رفض تأطير النظام العالمي، إما بين السيادة التقليدية، أو حكومة عالمية مركزية فقط. أكد بوج على وجوب “تخلي الليبرالية عن الفكرة التقليدية للسيادة، وترك المداولات في حكومة العالم بصيغة الكل أو العدم”، ودعا إلى “حل وسط يجيز نوعا من السلطة لبعض العناصر المركزية في حكومة العالم ، ولكن بدون إعطائهم سلطة وصلاحيات سيادية مطلقة” (1988،285). وهكذا فإن الدول التي ستحتفظ بسلطتها السياسية في بعض المناطق سترتبط في “آليات تنفيذ القانون القسرية والمركزية” بالحكومة العالمية التي تتمتع بسلطة سياسية عليا في مناطق أخرى وفقا لهذا النظام متعدد الطبقات، والذي تكون فيه السلطة سياسية موزعة عاموديا (بوج 2009، 205-6). تقول ديبرا ساتس (Debra Satz) بأن تأطير الخيار بين نظام الدول الحالية، أو دولة عالمية، ينطوي على معضلة: “الفرق بين نظام الدول السيادية والدولة العالمية المركزية بسيط جدا. توجد العديد من البدائل، مثل نظام الدول المقيدة بالمؤسسات الحكومية الدولية، ونظام اقتصادي لا يتبع للدول، ومخطط عالمي للفصل بين السلطات  a global separation-of-powers scheme، وفيدرالية دولية، وهياكل سياسية واقتصادية إقليمية، أمثال تلك التي تنفذ حاليا في أوروبا الغربية والأمريكيتين (بواسطة نافتا NAFTA)” (1999، 77-8).

تشير المقترحات الليبرالية لتعزيز الأخلاق في النظام العالمي أن اعتراضها على حكومة العالم –سواء بسبب الاستبداد/الاندماج المحتمل، أو من باب عدم الكفاءة أو أليتها اللاإنسانية- هو ليس نابعا من رضاها على النظام المعاصر وأوضاعه الناجمة (Pogge 2000). يقول تشارلز جونز (Charles Jones) بأن الاعتراضات الصحيحة والمقنعة حول حكومة العالم لا تبيّن كون “الأوضاع الحالية أفضل من بعض الترتيبات البديلة” (1999،229). يقر المنظرون الليبراليون باحتمال استبداد حكومة العالم ، ويقرّون أيضًا بأن “الدول ذات السيادة هي غالبا السبب في انتهاكات حقوق مواطنيها” (229). يصف كوك تشور تان (Kok-Chor Tan)  مقترحات الليبراليين للنظام العالمي بأنها لا تشمل حكومة عالمية، ولا دولة ذات سيادة مطلقة، بل طالبوا مرارًا وتكرارًا من أجل فرض القيود على الصلاحيات التقليدية لدول ذات السيادة، والانتشار العامودي للسيادة” تصاعديًا نحو الهيئات الوطنية، وتنازليًا نحو مجتمعات محلية معينة داخل الدول” (2000، 101). في مثل هذا النظام العالمي ستصبح الدول في مرحلة استئناف، لا المرحلة الوحيدة النهائية (101).

يحتج ديفيد هيلد David Held بأن انتشار السيادة أمر لا مفر منه، إذ أن الدولة القومية لا توجد في عالم معزول، بل وسط نظام شديد التشابك والتعقيد: يتكون الواقع المعاصر من اقتصاد عالمي، ومنظمات دولية، ومؤسسات إقليمية وعالمية، وقانون دولي، وتحالفات عسكرية، تساهم في تشكيل الدول الفردية أو تقييدها. للسيادة الوطنية مكانتها في النظام العالمي المعاصر، لكن “هياكل السلطة المترابطة تزحزح مفاهيم السيادة لأنها شكل من أشكال السلطة العامة المطلقة، والتي لا يمكن تقسيمها” (1995،137). في وصف هيلد للديمقراطية الكوزموبوليتية، يتطلب الوعي العالمي بالنموذج الليبرالي للحكم الذاتي (استنادا إلى كانط) تطورات مؤسسية طويلة الأجل، مثل إنشاء برلمان عالمي، ومحكمة جنائية دولية، ونزع الأسلحة من الدول، وعدالة عالمية في التوزيع تضمن لكل فرد دخل سنوي (279 – 80).

 

2.3 رفض الهيمنة (من المنظور الجمهوري)، والديمقراطية العالمية

بات القلق يساور منظري النظرية النقدية، والديمقراطيين، والجمهوريين حيال السياق العالمي للنظام والعدالة بسبب أهميته في خلق ظروف خارجية آمنة للمنجزات الأخلاقية والسياسية، التي تطلبت قرون من النضال السياسي الديمقراطي الداخلي. لطالما كانت الحرب بين الدول هي التهديد العالمي الأكبر والتي تقودنا إلى مشاريع السلام الدائم. أما قلق الباحثين الديمقراطيين اليوم فهو حيال عمليات العولمة المعاصرة، التي تزعزع إنجازات المجتمعات الديمقراطية في مجالات الحقوق المدنية والاجتماعية التي توفرها دولة الرفاه، مثل فرص الحصول على التعليم، والرعاية الصحية، والأمن الاقتصادي. من هذا المنطلق تعتبر العولمة الاقتصادية وتطور المؤسسات العالمية، والمؤسسات العابرة للحدود الوطنية تهديدا محتملا للقيم الديمقراطية كحق تقرير المصير، والمساواة بين المواطنين. إن مهمة الديمقراطي هو أن يفكر في السبل التي قد تواجه بها الديمقراطية التطور العالمي بشكل يحافظ على الإنجازات الهشة للعدالة الديمقراطية الداخلية domestic democratic justice (Habermas 2006; see also Scheuerman 2008). يبحث منظرو الإصلاح الديمقراطي العالمي بشكل متزايد الحاجة لتطوير مؤسسات وممارسات جديدة للتمثيل والمسائلة بدلا من توسيع الصيغ الدستورية التقليدية وآليات انتخاب الحوكمة المحلية الديمقراطية domestic democratic governance (Archibugi 2008; Macdonald 2008; Marchetti 2008).

يعتبر المفهوم السياسي “رفض الهيمنة” أساس المباحثات في النظريات النقدية، والديمقراطية، والجمهورية حول النظام العالمي والعدالة. إن الالتزام بهذا المفهوم بالنسبة لفيليب بيتيت (Philip Pettit)، وهو من الجمهوريين الجدد، يعني تقليص تعرض الشعوب لسيطرة خارجية، أو أي سلطة تعسفية، مثل التدخل في خياراتهم وحياتهم. أما على الصعيد الدولي، حدد بيتيت في مقالته القانون الجمهوري للشعوب (republican law of peoples) هدفين للتأكد من أن كل مواطن تمثله حكومة حرة ليست تحت أي هيمنة، في نظام دولي حر بلا استبداد (2010). وقد بدأ نقاشه على أساس أن العالم يحتضن دول منفصلة، فالدول “الفعالة والممثلة لشعبها” تحقق مبدأ الحرية الجمهورية، وتجاوز الدول وحمل مسؤولية مواطنيها “يعتبر تدخلا مرفوضا من أطراف أخرى في النظام الدولي” (2010، ص2-71). النظام الشرعي الدولي هو “ما تكون فيه الدول فعالة، وتمثيلية بدون سيطرة دولة أخرى أو هيئة غير حكومية- وتسعى في الدول الأخرى لتصبح فعالة وتمثيلية أيضا”(73). على الصعيد الدولي، قد تكون مصادر السيطرة “دولا أخرى، أو هيئات خاصة غير محلية” مثل “المؤسسات، والكنائس، والحركات الإرهابية، وحتى الأفراد الذين بيدهم سلطة”، و”الهيئات العامة غير المحلية” مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة حلف الشمال الأطلسي(77). وحتى لو حققت الدول التمثيلية الاستقلال داخليا لمواطنيها، فإن حريتها كدول مستقلة بدون هيمنة دولة أخرى ليست مضمونة حتى تكون علاقات الدولة خارجيا محمية من استراتيجيات السيطرة مثل “العراقيل المتعمدة، والقمع، والتضليل، والتلاعب، و”المراقبة” و”التهديد”(74).

يفترض فيليب بيتت مسبقا شرعية الديمقراطيات الداخلية التي تعزز رفض الهيمنة كقاعدة للتفكير بنظام عالمي شرعي، وترفض بصريح العبارة الدولة العالمية على غرار النظام الجمهوري الداخلي، كتصحيح التحديات التي تشكلها الهيمنة في السياق العالمي (2010)، أنظر أيضا (Koenig-Archibugi 2011). حتى ولم يتواجد هناك حل سهل، فمن الممكن تحسين النظام العالمي الحالي بتطوير الوكالات والمحافل الدولية لحل العلاقات والمشاكل بين الدول في حيز مشترك إلى حد ما. وأيضا تعزيز التضامن بين الدول الأضعف لتُشكّل تكتلا منافسا من شأنه مقاومة هيمنة الدول الأقوى(84). يرى بيتت بالرغم من قلقه إزاء احتمالية السيطرة على الدول الأقوى، أن الوكالات الدولية أقل تهديدا(86). يضيف لابورد Cecile Laborde أن القلق ليس فقط من الهيمنة النسبية للأحزاب، بل للهيمنة الممنهجة التي تستدعي وعي أكبر باحتمالية السيطرة على المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي(2010). إن “ترسيخ وتشريع” مكانتهم السلطوية من خلال الأنظمة الاجتماعية الدولية الجائرة في مجالات مثل التجارة، هي واحدة من الأساليب التي تسيطر بها الدول القوية على الدول الأضعف (2010،57).

تقول نانسي كوكاز (Nancy Kokaz) في تفسيرها -الجمهوري- لكتاب رولز قانون الشعوب (Law of Peoples) بأنه” لا يمكن فصل الجمهورية العالمية عن النظرية الجمهورية المدنية للعدالة العالمية” (2005،94). فوجود “دولة عالمية قوية بما فيه الكفاية لحماية المجتمعات المحلية” من أي نزعة نحو الهيمنة، أو “تجاوزات الرأسمالية الدولية”، يعد مطلبًا لحماية النموذج المدني المتعدد، إذ يشكل ظهور الرأسمالية ومحاولات اجتثاثها أكبر تهديد (93). ووفقا لتطور الأفكار الجمهورية حول النظام العالمي والعدل، يحتج جميس بوهمان (James Bohman ) بأن المثل الجمهورية للحرية كرفض الهيمنة في الظروف السياسية العالمية الجديدة، تتطلب نضالا سياسيا في الطريق نحو ديمقراطية عابرة للحدود الوطنية (2006و 2007). بحسب بوهمان ” لا يمكن التحرر من الهيمنة والطغيان في ظل العولمة بدون أن نوسع آفاقنا السياسية المتمثلة في الديمقراطية، والمجتمع، الانتماء” (2004،352). فالمجتمعات الديمقراطية المحاصرة عاجزة عن مقاومة مصادر وأشكال الهيمنة. وهي أيضا عديمة النفع إذ تشكل “ألفا من الحصون الصغيرة التي يمارس فيها أقدم شكل من اشكال الهيمنة على مختلف الأصعدة، كتسلط المواطنين على الأجانب، والأعضاء على غيرهم، مستخدمين صلاحياتهم لإدارة عدم التدخل، مثل من يعيش داخل مجتمعات محصنة” (2007،175و180). أطلق المفكر دانيال أركبوجي (Daniele Archibugi) مصطلح فصام الديمقراطية democratic schizophrenia على الانخراط في سلوك ديمقراطي معين في الداخل وسلوك مناقض غير ديمقراطي في الخارج” (2008،6). يمكن القضاء على الدائرة المغلقة “للهيمنة الديمقراطية” فقط بمداولات ديمقراطية بين جميع الشعوب dêmoi تتناول مواضيع مثل الحدود، العضوية، والسلطة القضائية (بوهمان 2007،179). حتى لو خدمت أو لم تخدم الديمقراطية العدالة العالمية بالاعتماد على إمكانية التحول الديمقراطي العابر للحدود، يرى بوهمان بأن مثل هذا التحول يقوده عاملان رئيسيان: سعي الدول الديمقراطية لمشاريع فدرالية وإقليمية واسعة النطاق لتكامل سياسي مثل الاتّحاد الأوروبي، والأنشطة المؤسسية “للمشاركين في الميادين العامة والمنظمات العابرة للحدود الوطنية” (189).

وعلى نفس المنوال، تدعو الناقدة والمنظرة إرس يونق (Iris Marion Young) إلى سياسية عالمية لرفض الهيمنة والتي قد تدعم “رؤية حكم ذاتي ثقافي ومحلي في آن معا، في سياق قواعد تنظيمية عالمية” (2002،237). أما نموذجها للحوكمة العالمية فهو ما بعد السيادة وهو بديل للنظام الحالي للدول (2000، 238) والذي يقتضي “فدرالية ديمقراطية لامركزية decentred متعددة” (253). ستنفذ الحوكمة المتابعة محليا بشكل أساسي، ووفق الأطر التنظيمية العالمية بالاعتماد على المنظمات العالمية الموجودة حاليا. ووظيفة هذه المنظمات كالتالي: الأمن والسلام، والبيئة، والشؤون التجارية والمالية، والاستثمار المباشر، والاستثمار في رؤوس الأموال، والاتصالات والنقل، وحقوق الإنسان، مثل معايير العمالة، وحقوق الرعاية الاجتماعية، والمواطنة، والهجرة. تتصور يونق تطبيق القواعد التنظيمية العالمية هذه على الدول والمنظمات غير الدولية مثل الهيئات والأفراد على حد سواء. أما من ناحية قابلية التنفيذ، فتشير إلى التطور النشط للساحة العالمية العامة (Habermas 1998) كعامل حاسم لتحقيق منظمات عالمية تنظيمية صارمة مرتبطة بالمبادئ الديمقراطية العالمية والمحلية (Young 2002, 272).

يعتقد عدة ديمقراطيين وباحثين من أتباع النظرية النقدية مثل ارس يونق بأن الحوكمة العالمية يجب أن تكون منظمة ديمقراطيا (265) لكن آن ماري سلوتر (Anne-Marie Slaughter) ترفض فكرة الديمقراطية الكوزموبوليتية والبرلمان العالمي لأنه غير عملي باعتقاده، ولا يمكن تحقيقه (2004, 8, 238). وتؤيد الحوكمة العالمية “بمبدأ خاسرون كثر وتهديد أقل، حيث يكون التنظيم الجماعي collective organization بلا قمع، لحل مشاكل عالمية مثل الجرائم العابرة للحدود، والإرهاب، والكوارث البيئية (9). بالنسبة لسلوتر، ليست الدول وحدوية (مركزية) بل “منفصلة”، و”مرتبطة” بشكل مستمر عن طريق شبكات المعلومات، والإجراءات، والشبكات المتجانسة (167)، مما ينتج عالم من الحكومات بمؤسسات مختلفة تؤدي وظائف أساسية للحكومات مثل التشريع، والقضاء، والتنفيذ، متفاعلة محليا وخارجيا مع نظيراتها الأجنبية، وفوق الوطنية (5). قد يكون النظام العالمي المترابط أكثر نجاحا من عالمنا الحالي، أو حكومة العالم ، بما فيها من مؤسسات عالمية تعلو على القواعد العالمية المفروضة على الدول القومية” (7-6). وبالرغم من حرص سلوتر على تسليط الضوء على “الحوكمة العالمية عبر الشبكات الحكومية” بوصفها “سياسة عامة وسياسة خارجية وطنية صالحة”(261)، إلّا أنها تقر بأن ظروف العالم المعاصر مثل التفاوت الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي المتجذر بين الدول والشعوب، يتطلب أن تلتزم شبكة الحوكمة العالمية العادلة والصالحة بمعايير “المساواة التداولية العالمية”، والتسامح مع الاختلافات المعقولة، والقانونية، و”المجاملة القضائية الإيجابية” في أشكال الشورى والمساعدة النشطة بين المنظمات. ينبغي على شبكات الحوكمة العالمية أن تكون أكثر قابلية للمساءلة عبر نظام الضوابط والتوازنات، وأكثر تجاوبا مع مبدأ تفريع السلطة (60-244). سيصعب علينا أن نرى شبكات الحوكمة العالمية على أرض الواقع إذا لم نخطو باتّجاه عالم أكثر إنصافا واحتراما، حيث تعمل هذه الشبكات بعدل وسخاء لمساعدة الدول والشعوب كافة لتحقيق وافر الازدهار، وإدارة الأرض بشكل مشترك، وليعم السلام، وينال الإنسان كرامته” (166).

من هذا المنطلق، أعرب الباحث في العلاقات الدولية توماس ويس (Thomas Weiss) عن أسفه إزاء التحول في الرؤية من حكومة عالمية إلى الحوكمة العالمية، بحجة القصور الواضح في المؤسسات، والمنظمات، والشبكات الطوعية على المستوى العالمي في مواجهة التحديات العالمية. وهنا “يجب أن نسأل أنفسنا: هل نستطيع إنشاء شيء مشابه لحكومة فعالة لهذا العالم بدون مؤسسات تتعدى الحدود الوطنية على المستوى العالمي” (2009، ص264)؟

 

  1. الخاتمة: السلطة، والاستجابة، والمسؤوليات

يرى البعض أن فكرة حكومة العالم تنطوي على تناقضات، فلو صارت الظروف مناسبة لإنشاء حكومة عالمية ذات كفاءة أو تطبيق الحوكمة العالمية على الصعيد المؤسسي (ضمان الأمن البشري والحرية الفردية، وحماية البيئة، والعدل الاجتماعي العالمي المتقدم) فلا حاجة لها إذن. (Nielsen 1988, 276) لن يكون إنشاء سلطة عالمية سياسية ضروري، في اللحظة التي ستكون فيها الحكومات مستعدة، خصوصا القوية منها، لاستخدام سلطتها في بناء شبكة حكومية تحقق السلام العالمي، والعدالة، وحماية البيئة، وتتخلى عن بعض حقوقها التقليدية السيادية لصالح المؤسسات العالمية في مجالات مثل استخدام القوة العسكرية، وإدارة وحماية البيئة والمصادر الطبيعية، وتوزيع الثروة. وضح ألكسندر ويندت (Alexander Wendt) أن تطور الشكل النهائي للنظام العالمي يتطلب ظروفا مثالية تتبلور ليكون للحكومة العالمية طابع مؤسسي يشرع “الاحتكار العالمي للاستخدام الشرعي للعنف المنظم” (491). إن آليات التنفيذ ليست عديمة الجدوى في ظل احتمال ظهور دول وجماعات خارجة عن القانون.  يضيف الفيلسوف السويدي توربيورن (Torbjörn Tännsjö) أن التعاون الطوعي متعدد الأطراف في ظل الظروف الفوضوية، أو الترتيبات المختلطة للسيادة المشتركة بين الدول والحكومة العالمية ليست مجدية في حل التحديات المعاصرة في مجالات الأمن البشري، والعدل الدولي، والبيئة (2008، 122و125). وبما أن تقسيم السيادة مستحيل، يفترض أن يكون لدولة العالمية سلطة اتخاذ القرار النهائي على الدول في مسائل الاختصاص القضائي، “مالم توجد عقوبات للسلطة المركزية للمراجعة قرار مثل مسألة يجب معالجتها، وهنا سيرجع نظام الدول للحالة الطبيعية” (125-6).

قد يتساءل المرء حول ما إن كان ربط تحقيق الأهداف الأخلاقية الكوزموبوليتية بأجندة حكومة العالم قد يعرقلها (Lu 2006, 106–7). لذا يدعو توماس بوج لما يسمى باستراتيجية توزيع الموارد المالية (GRD) للقضاء على الفقر المدقع (215). والتي قد تعمل بشكل فعال مع أساليب التنفيذ اللامركزية. مع الأخذ بعين الاعتبار” كون القضاء على الفقر العالمي والجوع على نطاق واسع لن يتواجد في حياتنا بالتأكيد، مالم نأخذ الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، والاتّحاد الأوروبي” (211). أما ستيفن لويس وهو مبعوث الأمم المتحدة السابق إلى أفريقيا لمكافحة الايدز فلم ينتقد غياب حكومة العالم كسبب لانعدام العلاج لعدد هائل من سكان أفريقيا المصابين بالإيدز، لكنه مع ذلك كان خائب الأمل أثر الفرق الهائل بين الأموال الموعودة والأموال التي وصلت لمساعدة سبع ملايين من الفقراء المصابين بالإيدز في افريقيا (متوقع أن يصل العدد لاحقا إلى ثلاثين مليون). أدان لويس “الحكومات الغنية في العالم الغربي، لأن الثقة معدومة في مسألة الوفاء بالوعود” (2006،198). إذا لم توجد التزامات لمثل هذه القضايا في بُنية نظام الحكومة العالمية أو الحوكمة العالمية، فمن المرجح فشلها بالالتزام بالوعود.

تقول مجموعة العمل المستقل لمستقبل الأمم المتحدة (Independent Working Group on the Future of the United Nations) أنه بحلول منتصف هذا القرن “من المرجح تطور طبيعة الدول والفرضيات حول السيادة الوطنية، استجابةً للاحتياجات العالمية، وسينمو الوعي بالمجتمع الدولي” (مقتبس من Baratta 2004, 527).في ظل المعطيات الحالية من ظروف العالم المعاصر، مثل الفوارق الاقتصادية الجذرية، والتفاوت الهائل في توزيع السلطة، من المحتمل جدًا طمس النظام والأجندة السياسية العالمية التي حددتها مسائل مثل المجتمع العالمي، والاحتياجات العالمية بخطاب “الحوكمة العالمية”.

لأما مؤيدو حكومة العالم فقدت أثلج صدورهم إنجاز تطور مؤسسي في النظام العالمي المعاصر وهو تأسيس المحكمة الجنائية الدولية (ICC) لمحاكمة الأفراد مثل رؤساء الدول المتورطين في جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية. وقد أنشئت المحكمة الجنائية الدولية بموجب معاهدات كمؤسسة دولية يحدد اختصاصها بمفهوم “التكاملية” التي تسمح للمحكمة بممارسة سلطتها حينما تفشل المحاكم الوطنية المحلية بأسباب مثل عدم وجود الرغبة، أو عدم الاختصاص. من حيث المبدأ، لا تهدد هذه الحكومة بتقويض سلطة القرارات القانونية المحلية حسنة الأداء، لكنها في نفس الوقت تقيد وتحسن حقوق، وصلاحيات الدولة. وهكذا لن تحتاج السلطة العالمية إلى تقويض هياكل السلطة الوطنية. مع ذلك قد يستاء البعض كون أول مؤسسة تمثل العدالة العالمية والمتأصلة على المستوى الدولي معنية بالعدالة الجنائية لا العدالة التوزيعية العالمية. نعم، يتوافق إنشاء المحكمة الجنائية الدولية مع مفهوم العالمية الكوزموبوليتية، لكن النظام العالمي الذي يعاقب قبل أن يمد يد العون للمعدومين والمهمشين، قد ينطوي على فساد عوضا عن تحقيق نظام أخلاقي كوزموبوليتي.

يعبر مفهوم الحكومة العالمية عن التطلع إلى الحكم القانوني، والعلاقة السلمية بين الجماعات المختلفة متمثلة بالمجتمع الأخلاقي المشترك للبشرية. حتى لو كانت هذه الحكومة فكرة، أو مطلب لتنظيم العالم سياسيا، فقد لا تصل في النهاية إلى الشكل المرسوم لها. ولو افترضنا وجود دولة عالمية لها سلطة تشريعية، وقضائية، وتنفيذية، فقد لا يعني هذا أن القضاء على العنف المنظم، والفقر، والتدهور البيئي سيحدث تلقائيا. يواجه مؤيدو الحوكمة العالمية نفس التحدي. لم يتضح بعد ما إن كان تطوير الأفراد، والشبكات، وهياكل الحوكمة العالمية سببا لتعزيز حماية البيئة بصورة فعالة. وما إن كانت قادرة على تطوير آلية رسمية تضبط استخدام القوة من قبل الدول القوية، والفاعلين من غير الدول. أو إن كانت ستخدم مصالح نصف البشرية الذين يكدحون لكسب معيشتهم، حتى لو عنى هذا أن نطلب التضحية من خمس عشرة في المئة من المحظوظين الذين يعيشون في الدول عالية الاقتصاد. أما الذين يندبون الأوضاع الحالية فقد توفر لهم نظرية فيندت الغائية (Wendt’s teleological theory) لتطوير النظام العالمي بعض الراحة والإلهام، وذلك في تذكيرنا بأن التاريخ لم ينتهي بعد.

 

 

 

 

 

 


المراجع

  • Archibugi, D., 2008,The Global Commonwealth of Citizens: Toward Cosmopolitan Democracy, Princeton: Princeton University Press.
  • Baratta, J., 2004,The Politics of World Federation: United Nations, UN Reform, Atomic Control, 2 vols., Westport, Connecticut: Praeger.
  • Beitz, C., 1994, “Cosmopolitan Liberalism and the States System,” inPolitical Restructuring in Europe: Ethical Perspectives, Chris Brown (ed.), London: Routledge.
  • –––, 1999a,Political Theory and International Relations [1979], Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1999b, “International Liberalism and Distributive Justice: A Survey of Recent Thought,” World Politics51, 2, 269–
  • Bohman, J., 2004, “Republican Cosmopolitanism,” The Journal of Political Philosophy12, 3, 336–
  • –––, 2007,Democracy Across Borders: From Dêmos to Dêmoi, Cambridge, MA: MIT Press.
  • Bull, H., 1977,The Anarchical Society: A Study of Order in World Politics, New York: Columbia University Press.
  • Cabrera, L., 2004,Political Theory of Global Justice: A Cosmopolitan Case for the World State, New York: Routledge.
  • Clark, G. and L. Sohn, 1960,World Peace Through World Law, 2nd  Cambridge: Harvard University Press.
  • Dante, 1304–7 / 1993,The Banquet [Convivio], in Readings in Medieval Political Theory 11001400, C.J. Nederman and K.L. Forhan (eds.), Indianapolis: Hackett.
  • –––, 1309–13 / 1995,Monarchia, Prue Shaw (trans. and ed.), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Deudney, D., 1995, “Nuclear Weapons and the Waning of theReal-State,” Daedalus 124, 2, 209–
  • –––, 1999, “Geopolitics and Change,” inNew Thinking in International Relations Theory, M. Doyle and G.J. Ikenberry (eds.), Boulder, Colorado: Westview Press.
  • –––, 2007,Bounding Power: Republican Security Theory from the Polis to the Global Village, Princeton: Princeton University Press.
  • Einstein, A., 1956, “Towards a World Government (1946),” inOut Of My Later Years: the Scientist, Philosopher and Man Portrayed Through His Own Words, New York: Wings Books.
  • Engels, F., 1884 / 1978,The Origin of the Family, Private Property, and the State, in The Marx-Engels Reader, R. Tucker (ed.), 2nd , New York: W.W. Norton.
  • Falk, R., 1995,On Humane Governance: Toward a New Global Politics, University Park, Pennsylvania: Pennsylvania State University Press.
  • Goodman, E., 1953, “The Soviet Union and World Government,” The Journal of Politics15, 2, 231–
  • Habermas, J., 1998, “Kant’s Idea of Perpetual Peace: At Two Hundred Years’ Historical Remove,” inThe Inclusion of the Other: Studies in Political Theory, C. Cronin and P. De Greiff (eds.), Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • –––, 2006,The Divided West, C. Cronin (trans.), Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2010, “A Political Constitution for the Pluralist World Society?” inThe Cosmopolitanism Reader, G.W. Brown and D. Held (eds.), Cambridge: Polity Press, 267–
  • Heater, D.B., 1996,World Citizenship and Government: Cosmopolitan Ideas in the History of Western Political Thought, London: Macmillan.
  • Held, D., 1995,Democracy and the Global Order: From the Modern State to Cosmopolitan Governance, Stanford: Stanford University Press.
  • Hobbes, T., 1986,Leviathan, Markham: Penguin.
  • Jones, C., 2001,Global Justice: Defending Cosmopolitanism, Oxford: Oxford University Press.
  • Kant, I., 1991, “Idea for a Universal History with a Cosmopolitan Purpose” and “Perpetual Peace: A Philosophical Sketch,” inPolitical Writings, H. B. Nisbet (trans.), Hans Reiss (ed.), 2nd ed., New York: Cambridge University Press, 41–53 and 93–
  • Kennedy, P., 2006,The Parliament of Man: The Past, Present, and Future of the United Nations, New York: Harper Collins.
  • Kleingeld, P. and Brown, E., 2006, “Cosmopolitanism,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2006 Edition), Edward N. Zalta(ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2006/entries/cosmopolitanism/>.
  • Koenig-Archibugi, M., 2011, “Is Global Democracy Possible?” European Journal of International Relations17, 519–
  • Kokaz, N., 2005, “Institutions for Global Justice,” Canadian Journal of Philosophy31, 65–
  • Krasner, S., 1999,Sovereignty: Organized Hypocrisy, Princeton: Princeton University Press.
  • Laborde, C., 2010, “Republicanism and Global Justice: A Sketch,” European Journal of Political Theory9, 48–
  • Lenin, V., 1978, “TheCommunist Manifesto and the State,” in The Communist Manifesto, F. Bender (ed.), New York: W.W. Norton.
  • Lewis, S., 2006,Race Against Time: Searching for Hope in AIDS-Ravaged Africa, 2nd , Toronto: House of Anansi.
  • Lu, C., 2006,Just and Unjust Interventions in World Politics: Public and Private, London: Palgrave Macmillan.
  • Macdonald, T., 2008,Global Stakeholder Democracy: Power and Representation Beyond Liberal States, Oxford: Oxford University Press.
  • Marchetti, R., 2008.Global Democracy: For and Against, New York: Routledge.
  • Marx, K., 1844 / 1978,Economic and Philosophic Manuscripts of 1844, in The Marx-Engels Reader, R. Tucker (ed.), 2nd , New York: W.W. Norton.
  • –––, 1848 / 1988,The Communist Manifesto, F. Bender (ed.), New York: W.W. Norton.
  • Mearsheimer, J., 2001,The Tragedy of Great Power Politics, New York: W.W. Norton.
  • Mitrany, D., 2003,A Working Peace System [1966], in The European Union: Readings on the Theory and Practice of European Integration, B. Nelson and A. Stubb (eds.), Boulder, Colorado: Lynne Rienner, 99–
  • Nielsen, K., 1988, ‘World Government, Security, and Global Justice,” inProblems of International Justice, Steven Luper-Foy (ed.), Boulder: Westview Press, 263–
  • Pettit, P., 2010, “A Republican Law of Peoples,” European Journal of Political Theory, 9, 70–
  • Pogge, T., 1988, “Moral Progress,” inProblems of International Justice, Steven Luper-Foy (ed.), Boulder: Westview, 283–
  • –––, 2000,World Poverty and Human Rights, Oxford: Polity Press.
  • –––, 2009, “Kant’s Vision of a Just World Order,” inThe Blackwell Guide to Kant’s Ethics, T.E. Hill (ed.), Blackwell, 196–
  • Reves, Emery, 1945,The Anatomy of Peace, New York: Harper and Brothers.
  • Rousseau, J., 1756 / 1917,A Lasting Peace through the Federation of Europe and The State of War, C.E. Vaughan (trans.), London: Constable and Co.
  • Satz, D., 1999, “Equality Of What among Whom? Thoughts on Cosmopolitanism, Statism, and Nationalism,” inNomos XLI: Global Justice, Ian Shapiro and Lea Brilmayer (eds.), New York: New York University Press.
  • Scheuerman, W.E., 2008, “Global Governance without Global Government? Habermas on Postnational Democracy,” Political Theory36, 1, 133–
  • –––, 2011,The Realist Case for Global Reform, Cambridge: Polity Press.
  • Slaughter, A., 2004,A New World Order, Princeton: Princeton University Press.
  • Tan, K.C., 2000,Toleration, Diversity, and Global Justice, Pennsylvania: The Pennsylvania State University Press.
  • –––, 2004,Justice Without Borders: Cosmopolitanism, Nationalism and Patriotism, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Tännsjö, T., 2008,Global Democracy: The Case for a World Government, Edinburgh: Edinburgh University Press.
  • Waltz, K.N., 1979,Theory of International Politics, Toronto: McGraw-Hill Publishing Company.
  • Walzer, M., 2004,Arguing About War, New Haven: Yale University Press.
  • Weiss, T.G., 2009, “What Happened to the Idea of World Government,” International Studies Quarterly53, 253–
  • Wendt, A., 2003, “Why a World State is Inevitable,” European Journal of International Relations9, 4, 491–
  • Wight, M., 1991, “The Three Traditions of International Theory,” inInternational Theory: The Three Traditions, Leicester: Leicester University Press.
  • Young, I.M., 2000, “Hybrid Democracy: Iroquois Federalism and the Postcolonial Project,” inPolitical Theory and the Rights of Indigenous Peoples, Duncan Ivison (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 199–
  • –––, 2002,Inclusion and Democracy, Oxford: Oxford University Press.

أداوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

citizenship | cosmopolitanism | Dante Alighieri | globalization | Hobbes, Thomas | justice: international distributive | Kant, Immanuel | Rousseau, Jean Jacques | sovereignty | war

[1] Lu, Catherine, “World Government”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2016/entries/world-government/>.

error: