الجمال عند هيجل – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فراس حمدان، مراجعة: سيرين الحاج حسين

الجمال عند هيجل – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فراس حمدان، مراجعة: سيرين الحاج حسين

حول الجمال عند هيجل في الفن والشعر والموسيقى، و الجمال والحرية، وحول الفن والدين والفلسفة في سيستم هيجل؛ نص مترجم للـد. ستيفين هولغيت، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


تشكل جماليات هيجل أو “فلسفة الفن” جزءًا من الإرث الجمالي الألماني الغني والاستثنائي والذي يمتد من تأملات يوهان فينكلمان في تقليد الرسم والنحت عند اليونانيين (1755) و”لاوكون” لإفرايم ليسينج (1766) مروراً بإيمانويل كانط في “نقد مَلَكة الحكم” (1790) وفريدريش شيلر في “أدبيات التربية الجمالية للإنسان” (1795) إلى “ميلاد التراجيديا” لفريدريك نيتشه (1872) و”أصل العمل الفني” لمارتن هايدغر في القرن العشرين (1935-196) ونظرية تيودور أدورنو الجمالية (1970). كان هيجل متأثرا بشكلٍ خاص بفينكلمان وكانط وشيلر، وكانت أطروحته عن “نهاية الفن” (أو ما اعتُبرت أنها الأطروحة) هي نفسها محطّ اهتمام بالغ من قبل هايدغر وأدورنو. فلسفة هيجل في الفن هي نظرة ​​واسعة النطاق للجمال في الفن وللتطور التاريخي للفنون وللفنون الفردية في العمارة والنحت والرسم والموسيقى والشعر. تتضمن فلسفته في الفن تحليلات مميزة ونافذة للفن المصري، والنحت اليوناني، والتراجيديا القديمة والحديثة، ويعتبرها الكثيرون واحدة من أعظم النظريات الجمالية التي رأت النور منذ شعر أرسطو.

 

  1. معرفة هيجل بالفن

  2. نصوص ومحاضرات هيجل في الجماليات

  3. الفن والدين والفلسفة في سيستام هيجل

  4. كانط وشيلر وهيجل عن الجمال والحرية

  5. الفن والسعي إلى المثالية

  6. استطيقا هيجل السيستيماتيكية أو فلسفة الفن

    • الجمال المثالي كما هو

    • الأشكال والهيئات الخاصة بالفن

    • سيستام الفنون الفردية

  7. الخاتمة

  • بيبلوغرافيا

  • أعمال هيجل المجمّعة

  • الترجمات الإنجليزية لنصوص هيجل المفتاحية

  • نصوص محاضرات هيجل في الجماليات

  • مصادر ثانوية بالإنجليزية

  • مصادر ثانوية بالألمانية

  • أعمال أخرى مرتبطة

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الانترنت

  • مداخل مرتبطة

 

 

  1. معرفة هيجل بالفن

تتضمن فينومينولوجيا الروح لهيجل (1807) فصولاً عن “ديانة الفن” اليوناني القديم (Kunstreligion) وتتضمن أيضاً تلك النظرة إلى العالم المُقدّمة في أنتيجون وأوديب ملكاً لسوفوكليس. غير أن فلسفته في “الفن الحق” تشكل جزءاً من فلسفة الروح الخاصّة به (بدلاً من الفينومينولوجيا). يمكن اعتبار الفينومينولوجيا كفاتحةٍ أو كمقدمةٍ لنظام هيجل الفلسفي. يتألف السيستام نفسه من ثلاثة أقسام: المنطق، وفلسفة الطبيعة، وفلسفة الروح، وهي موضوعة (بفقرات مرقمة) في موسوعة هيجل للعلوم الفلسفية (1817،1827، 1830). تتفرّع فلسفة الروح بدورها إلى ثلاثة أفرع: في الروح الذاتي، وفي الروح الموضوعي، وأخيراً في الروح المطلق. تشكل فلسفة الفن لدى هيجل أو “علم الجمال” أول قسمٍ فرعي من فلسفته في الروح المطلق، وتليها فلسفته في الدين ورؤيته حول تاريخ الفلسفة.

تزوّدنا فلسفة الفن لهيجل باستدلالٍ قَبليّ – من الأصل الأساسي لمفهوم الجمال نفسه – لأشكال عديدة من الجمال وللعديد من الفنون الفردية. وفي تباينٍ واضحٍ مع كانط، يربط هيجل في دراسته الفلسفية للجمال الكثير من الإحالات والتحليلات بأعمال فنيّة فرديّة – إلى المدى الذي يُقال به حسب كلمات هاميرمايستر بأن جماليّاته (أي هيجل) تُشكّلُ “تاريخاً عالمياً حقيقياً للفن” (Hammermeister, 24).

قرأ هيجل كلتا اللغتين اليونانية واللاتينية (في الواقع، فقد كتب مذكراته جزئيًا باللغة اللاتينية مذ كان في الرابعة عشرة من عمره)؛ وقد قرأ أيضا الإنجليزية والفرنسية. وبذلك فقد كان قادرًا على دراسة أعمال هوميروس، وأسخيليوس، وسوفوكليس، ويوريبيدس، وفيرجيل، وشكسبير، ومولير باللغات الأصلية. لم يسافر قطّ إلى اليونان أو إيطاليا، لكنه قام بعدّة رحلاتٍ طويلة من برلين (حيث تم تعيينه بروفيسوراً فيها عام 1818) إلى دريسدن (1820،1821، 1824) والبلدان المنخفضة من أوروبا (1822، 1827) وفيينا (1824) وباريس (1827). رأى في هذه الرحلات لوحة سيستين مادونا التي رسمها رافائلو سانزو وعدّة لوحات رسمها كوريجيو (في دريسدن)، ولوحة “دوريّة الليل” لرامبرانت (في أمستردام)، والقسم المركزي من لوحة المذبح الكنسي “تقديس الحمَلَ” للأخوين فان إيك (في غنت) – كانت اللوحات الجانبية في ذلك الوقت في برلين – وشاهد أيضاً “الأعمال الشهيرة لأنبل الأسياد التي كان المرء قد رآها مئات المرّات في النقوش النحاسية: وهم رافائيل وكوريجيو وليوناردو دافنشي وتيتيان” (في باريس) (Hegel: The Letters, 654). كان يحب زيارة المسرح والأوبرا، سواء في رحلاته أو في برلين، وكان على معرفة بروّاد المغنّين، مثل آنّا ميلر هاوبتمان (التي غنت في الإنتاج الأول لأوبرا بيتهوفين “فيديليو” عام 1814)، وكذلك الملحن فيليكس مندلسون بارتولدي (الذي حضر له هيجل إحياءه لأوراتوريو “آلام القدّيس ماثيو” في مارس 1829). كان هيجل أيضًا على علاقة شخصية وثيقة مع غوته، وكان يعرف دراماه وشعره جيدًا بشكل مخصوص (مثلما كان يعرف دراما بوشعر فريدريك شيلر).

ينقُدُ أدورنو على هيجل وكانط [ … ] بأنهما كانا قادرين على كتابة نظريات جماليّةٍ رائدة دون فهم أي شيء عن الفن” (Adorno, 334). قد يحتمل هذا الرأي الصواب والخطأ بالنسبة إلى كانط، لكنه وبوضوحٍ كبير غير صحيح بالنسبة لهيجل: فقد كان لديه معرفة واسعة وفهم جيّد للعديد من الأعمال الفنية العظيمة في التقليد الغربي. لم يكن اهتمام هيجل ولا معرفته مقيدينّ بالفن الغربي: فقد قرأ أعمالاً من الشعر الهندي والفارسي (مُترجمةً)، ورأى بشكلٍ مباشر أعمالاً من الفن المصري في برلين (Pöggeler 1981, 206–8). بالتالي فإن فلسفة هيجل في الفن هي استدلالٌ قبليّ للأشكال المختلفة للجمال مُخبرٌ ومُتَوَسَّطٌ بمعرفة وفهم متتَامّين – لنتخطى أدورنو – لأعمال فنيّة فردية من أنحاء العالم.

 

  1. نصوص ومحاضرات هيجل في الجماليات

يمكن العثور على أفكار هيجل المنشورة حول علم الجمال في الفقرات من 556 إلى 563 من موسوعة العلوم الفلسفية 1830. أعطى هيجل أيضًا محاضراتٍ حول الجماليات في هايدلبرغ عام 1818 وفي برلين في 1820/1821 (من الفصل الدراسي الشتوي)، وفي 1823 و1826 (في الفصول الدراسيّة الصيفية)، وفي 1828/1829 (في الفصل الدراسي الشتويّ). نُشرت الآن نصوص محاضرات هيجل التي أعدّها طلابه في الأعوام 1820/21 و1823و1826 (رغم ذلك لم يُتَرجَم منها بعد إلا محاضرات عام 1823 إلى الإنجليزية) (انظر المراجع). في عام 1835 (ثم مرة أخرى في عام 1842)، نشر أحد طلاب هيجل، هاينريش غوستاف هوذو، طبعةً من محاضرات هيجل حول علم الجمال استند فيها إلى مخطوط كتابيّ لهيجل (مفقود الآن) وسلسلةً من نصوص المحاضرات. هذه الطبعة متاحة باللغة الإنجليزية: GG.W.F. Hegel, Aesthetics. Lectures on Fine Art, trans. T.M. Knox, 2 vols. (Oxford: Clarendon Press, 1975). تُحيل أغلب المؤلفات الثانوية عن جماليات هيجل (باللغتين الإنجليزية والألمانية) إلى طبعة هوثو. لكن وفقًا لأحد المتخصصين البارزين في جماليات هيجل، أنيماري جيتمان – سيفرت، فإن هوذو قد حرّف أفكار هيجل بطرق متعددة: فقد أعطى منظور هيجل للفن بنيةً سيستيماتيكية أشدّ صرامة مما قدمه هيجل نفسه لمنظوره للفن، وقام بإلحاق أدواته الخاصة (أي هوذو) بمنظور هيجل (PKÄ, xiii–xv). ناقش جيتمان سيفرت بأنه يجب لذلك ألا نعتمد على طبعة هوذو في سعينا لفهم جماليات هيجل، وأن نبني تفسيرنا على نصوص المحاضرات المتاحة.

منذ أن فُقد مخطوط هيجل الذي اعتمد عليه هوذو بشكل كبير في طبعته؛ لم يعُد بالإمكان الجزم بشكلٍ قطعي إلى أيّ مدى قد حرّف هوذو منظور هيجل للفن (هذا إن لم يكن قد حرّفه بشكلٍ كلّي). تجدر الإشارة أيضًا إلى أن تفسير جيتمان سيفرت لجماليات هيجل قد أصبح موضع تساؤل أيضاً (see Houlgate 1986a). ومع ذلك، فإن جيتمان سيفرت محقة في حثّ القراء الذين لديهم معرفة باللغة الألمانية على الرجوع والاطلاع على النصوص المنشورة كونها مليئة بالمواد المهمّة، وفي بعض الحالات مواد مفقودة من طبعة هوذو (مثل الإشارة القصيرة إلى محاضرات كاسبر ديفيد فريدريش في عامي 1820/١٨٢١ [, 192]).

أثارت فلسفة هيجل في الفن جدلاً كبيراً منذ وفاته عام 1831. هل يعتقد أن الفن اليوناني هو الجميل فقط؟ هل ارتأى أن الفن سيؤول إلى نهايته في العصر الحديث؟ يجب مع ذلك أن تكون الإجابات المقدّمة لمثل هذه الأسئلة على درجة من الحيطة لأنه، للأسف، لا توجد فلسفة فنٍّ مصاغة ومؤيدة أو مُثبتة بشكل كامل ورسمي بواسطة هيجل نفسه. الفقرات المعنيّة بفلسفة الفن كُتبت بواسطة هيجل، لكنها مختصرة للغاية وموجزة وكانت النيّة في أن تكون مكمّلةً لمحاضراته ومُضافةً عليها؛ كُتبت نصوص المحاضرات بواسطة طلابه (بعضها دوِّن في الصف، والبعض الآخر قد دوّن بعد ذلك من ملاحظات أُخذت في الصف)؛ والطبعة النظامية لمحاضرات هيجل هي عمل جمعه تلميذه هوذو (ولو أنه استخدم مخطوطة كتبها هيجل بنفسه). وبالتالي، فليس هنالك طبعةٌ نهائية لنظرية هيجل الجمالية كاملة التطوّر يمكنها أن تتفوق على باقي النظريات أو تحسم كل الجدل القائم.

 

  1. الفن والدين والفلسفة في سيستام هيجل

تشكل فلسفة هيجل في الفن جزءًا من سيستامه الفلسفي الشامل. ومن أجل فهم فلسفته في الفن، يجب على المرء أن يفهم الادعاءات الأساسية لفلسفته بالمجمل والكُل. يحاجّ هيجل في منطقه النظريّ بأن الوجود مسلَّمٌ به أو مفهومٌ على أنه عقل متعيّنٌ بذاته أو “فكرة” (Idee). ومع ذلك يتابع في فلسفة الطبيعة ليظهر أن المنطق يروي نصف الحكاية فقط: فالعقل على سبيل المثال ليس شيئاً مجرداً – فهو ليس لوجوس غير متجسّد – بل يتشكل على هيئة مادة منظمة بشكلٍ عقلانيّ. يستتلي ذلك أن العقل الموجود حسب هيجل ليس عقلاً محضاً، بل مادة فيزيائية وكيميائية حيّة تخضع للمبادئ العقلانية.

وبالأحرى يمكن القول بأن الحياة أكثر عقلانية من مجرد مادة فيزيائية لأنها حياةٌ مقررة لمصيرها وبشكل جليّ جداً. وتُصبح الحياة أكثر تعقّلاً وتقريراً لمصيرها بشكل صريح عندما تصبح واعية ومن ثمّ واعيةً بذاتها، أي حياةً تتخيّل وتستخدم اللغة وتفكر وتختبر الحرية. يسمّي هيجل هذه الحياة الواعية بذاتها “بالروح” (Geist). يصبح العقل أو الفكرة بناءً على ذلك عقلانياً ومحدداً لمصيره بشكل كامل عندما يأخذ هيئة الروح الواعية بذاتها. يحدث هذا في نظر هيجل مع بزوغ الوجود الإنساني. فالبشر بالنسبة لهيجل ليسوا مجرد عوارض طبيعية؛ بل هم العقل ذاته – العقل المتضمن في الطبيعة – العقل الذي أصبح حيّاً وواعياً بذاته. لا يوجد في كَون هيجل عقلٌ واعٍ خارج نطاق الوجود البشري (أو أي موجودات متناهية عقلانية من الممكن أن توجد على كواكبَ أخرى).

يحلل هيجل في فلسفته للروح الموضوعي البُنى المؤسساتية المطلوبة لتكون الروح – أو لنقل – الإنسانية حرّةً ومقررةً لمصيرها بشكلٍ صحيح فعليّ. تتضمن تلك البنى مؤسسات الحق القانوني ومؤسسة العائلة ومؤسسة المجتمع المدني ومؤسسة الدولة. يحلل هيجل بعد ذلك في فلسفة الروح المطلق الطرق العديدة التي تُظهر بها الروح فهمها الأقصى والمطلق لنفسها. يتم التوصل إلى الفهم الأعلى والأكثر تطوراً والأكثر ملاءمةً للروح من خلال الفلسفة (التي تُعتبر البنية الأساسية “اللُّبنة الأساسية” التي فُهِمَ العالم من خلالها). تزودنا الفلسفة بإدراك تصوّري وعقليّ واضح لطبيعة العقل أو الفكرة. وتفسّر بشكل دقيق لمَ على العقل أن يأخذ هيئة المكان والزمان والمادة والحياة والروح الواعية لذاتها.

في الدين – وبشكل أساسي في المسيحية – تعبّر الروح عن الفهم ذاته الموجود في الفلسفة، للعقل ولنفسها. من ناحية ثانية في الدين أيضًا فإن العملية التي تصبح فيها الفكرة روحاً واعية بذاتها متمثّلة بالصور والاستعارات هي مثل العملية التي يتحول فيها الله إلى الروح القُدُس الساكنة للإنسانية. بالإضافة إلى ذلك فهذه هي العملية التي نضع فيها إيماننا وثقتنا. إنها موضوع الشعور والاعتقاد، بدلاً من الفهم التصوّري.

من وجهة نظر هيجل فإن الفلسفة والدين– أو إن جاز القول بالمقابل، فلسفة هيجل النظرية والمسيحية – تفهمان الحقيقة نفسها. لكن الدين يعتقد بتمثيلٍ للحقيقة أو بشيءٍ ينوب عنها، بينما تفهم الفلسفة تلك الحقيقة بجلاء مفاهيميّ متكامل. قد يبدو غريباً أننا نحتاج إلى الدين إن كنا نملك الفلسفة: من المؤكد أن الأخيرة تجعل الأول زائدا أو ثانوياُ. لكن حسب هيجل فلا تستطيع الإنسانيّة العيش بالمفاهيم وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى أن تتصور وتتخيل تلك الحقيقة وتؤمن بها. يزعم هيجل حقيقةً بأنه في الدين وبشكلِ أساسيّ فإن “القوم يحددون ما يرتؤونه صائباً” (Lectures on the Philosophy of World History, 105).

يُعطي الفن أيضاً بالنسبة لهيجل تبياناً للروح في فهمها لنفسها. إلا أنه يختلف عن الفلسفة والدين في التعبير عن فهم الروح لذاتها، فهو لا يقدمه على شكل مفاهيم مجردة خالصة، ولا على صور إيمان محض، ولكن من خلال أجسامٍ ومواد صنعها البشر خصيصاً لهذا الغرض. مثل هذه الأجسام أو المواضيع- المُبتكرة والمُبتدعة من الحجر أو الخشب أو اللون أو الصوت أو الكلمات – تصيِّرُ حرية الروح مرئية أو مسموعة للجمهور. من منظور هيجل، يكوّن هذا التعبير الحسي للروح الحرة “الجمال”. بالتالي فالغرض من الفن بالنسبة لهيجل هو خلق أجسام ومواضيع جميلة بحيث تُعطى من خلالها السمة الحقيقية للحرية تعبيرًا حسيًا.

وبالتالي، ليس القصد الأساسي للفن محاكاة أو تقليد الطبيعة، أو تجميل وبهرجة محيطنا، أو حثنا على الانخراط في العمل الأخلاقي أو السياسي، أو سحبنا عنوةً من منطقة الرضا الذاتي عن النفس. بل مقصده الأساسي إفساح المجال لنا لنتأمل ونتفكر ونستمتع بالصور المتشكلة لحريتنا الروحية – صورٌ جميلة تحديداً لأنها تعبر عن حريتنا. وبكلماتٍ أخرى فإن الغرض من الفن أن يتيح لنا جلب حقيقة أنفسنا للعقل، ولِنُدرك ما نحنُ عليه حقاً. فالفن ليس موجوداً بغية الفن فقط، بل بغيةَ الجمال أيضاً، أو: بغيةَ الشكل الحسي المميز للتعبيرِ عن الذات الإنسانية، وفهمها لنفسها.

 

  1. كانط وشيلر وهيجل عن الجمال والحرية

إن الارتباط الوثيق للفن مع الجمال والحريّة عند هيجل يُظهر دَين كانط وشيلّر عليه بشكلٍ واضح. ادّعى كانط أيضاً أن تجربتنا للجمال هي تجربةٌ للحرية. وقد حاجج على أن الجمال ليس ميزةً موضوعية للأشياء. من وجهة نظر كانت، فعندما نحكم على جسمٍ أو شيء طبيعي أو عملٍ فني بأنه جميل، فإننا حقيقةً نصدر حكمًا على موضوعٍ ما خارج ذواتنا، لكننا نؤكد أن هذا الموضوع له تأثير معين علينا (وأنه لا بدَّ أن يكون له نفس التأثير على كل من يشاهده أو يُبصره). فالأثر الناتج عن الموضوع الجميل يضع فهمنا وخيالنا في حالةٍ من “اللعب الحر” حسب كانط مع بعضهما البعض، وهذا الأثر هو المتعة الناجمة عن هذا اللعب الحر وهو الذي يدفعنا ويقودنا للحكم على الموضوع المعيّن بأنه جميل (Kant, 98, 102–3).

على عكس كانط، يفهم شيللر الجمال بأنه ميزة خاصة بالموضوع الجمالي نفسه. إنه خاصيّة، تمتلكها الكائنات الحية والأعمال الفنية على حد سواء، لتُظهرها على أنها حرّة أو منعتقة من القيود بينما لا تكون كذلك في الواقع. وكما سطّرها شيللر في مراسلات “Kallias”، فـ الجمال هو “الحرية كما تظهر للعيان، والاستقلالية كما تظهر للعيان” (Schiller, 151). يُصرُّ شيللر على أن الحرية شيء “نومينيّ أو أنها من ضمن (الشيء في ذاته)” (باستخدام مصطلحات كانط)، وبالتالي فلا يمكنها حقيقةً أن تبيّن نفسها في حيّز الحواس. لا يمكننا إطلاقاً رؤية الحرية في العمل الجمالي في حدود عالم الزمان والمكان أو رؤيتها متجسّدةً فيه. بالتالي ففي حالة المواضيع الجميلة – سواءً كانت نتاجاً للطبيعة أو للخيال البشري – فكل ما يهم هو [ … ] أن هذه المواضيع الجمالية تظهر على أنها حرّة أو منعتقة من القيود بينما هي ليست كذلك (Schiller, 151).

يتفق هيجل مع شيللر (ضد كانط) على أن الجمال هو خاصية موضوعية للأشياء. لكن في رأيه فإن الجمال هو التبيان الحسي المباشر للحرية، وليس مجرد مظهر للحرية أو محاكاةً وتمثّلاً لها. فهو (أي الجمال) يُرينا كيف تبدو الحرية حقاً وكيف تُسمع عندما تُعبّر عن نفسها تعبيراً حسياً (وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة من المثالية). وبما أن الجمال الحق هو التعبير الحسي المباشر عن حرية الروح، فيجب أن يتم إنتاجه بواسطة روح حرة من أجل روح حرة، ومن ثمّ لا يمكن أن يكون مجرد نتاج للطبيعة. الطبيعة كفيلة بـ الجمال الرسمي أو الصوري، والحياة كفيلة بما يسميه هيجل الجمال “الحسي” (PK, 197)، ولكن الجمال الحق موجود فقط في الأعمال الفنية المُبتكرة بحرية بواسطة الموجودات الإنسانية لاستحضار ما تكونه الحرية الحقيقية إلى عقولنا.

 

للجمال عند هيجل سمات شكليّة متحققة: فهو وحدة أو تناغم عناصر مختلفة بحيث لا تكون هذه العناصر مرتبة بنمطٍ منتظم أو متماثل فقط بل أن تكون متوحدةً بشكل عضويّ. يعطي هيجل مثالاً على الشكل الجميل حقًا في خضمّ حديثه عن النحت اليوناني: فالمظهر الجانبي الإغريقي الشهير جميل كما قيل لنا، لأن الجبين والأنف يتهدلان بسلاسة بعضهما إلى الآخر، على عكس المظهر الجانبي الروماني حيث تكون الزاوية بين الجبين والأنف أكثر حدة (Aesthetics, 2: 727–30).

لكن الجمال ليس مسألة شكل وحسب، بل هو أيضاً مسألة مضمون. هذه واحدة من أكثر أفكار هيجل إثارة للجدل، وهي التي تضعه في محل خلاف مع هؤلاء الفنانين ومنظري الفن المعاصرين الذين يصرون على أن الفن يمكن أن يشمل أي مضمون نستهويه، ويمكن أيضاً بالفعل الاستغناء عنه بشكل كليّ. كما رأينا، فإن المضمون الذي يدعي هيجل أنه أساسي وضروري للجمال الأصيل (وبالتالي للفن الأصيل) هو حرية وثراء الروح. بعبارة أخرى، هذا المحتوى هو الفكرة، أو العقل المطلق، كروح عارفة بذاتها. نظرًا لأن الفكرة مصورة في الدين على أنها “الله”، فإن مضمون الفن الجميل حقًا هو الإلهي من نفس المنظور. يناقش هيجل حتى الآن وكما رأينا أعلاه بأن الفكرة أو (الله) تعي ذاتها فقط في ومن خلال الوجود الإنساني المتناهي. وبالتالي فإن مضمون الفن الجميل يجب أن يكون الإلهي متمثلاً بالهيئة الإنسانية أو الإلهي متماهياً بالإنسانية نفسها (كما هو حال الحرية الإنسانية الخالصة والنقية).

يُقرّ هيجل ويعترف بأن الفن يمكن أن يصور الحيوانات والنباتات والطبيعة غير العضوية، لكنه يرى أن مهمة الفن الأساسية هي تمثيل الحرية الإلهية والإنسانية. في كلتا الحالتين، ينصب تركيز الانتباه على القوام الإنساني بشكل خاص. هذا لأن القوام الإنساني هو التجسيد الحسي الأكثر ملاءمة للعقل من وجهة نظر هيجل، وأن التعبير المنظور أو المرئي الأوضح والأكثر نقاوة للروح هو الشكل الإنساني. تستطيع الألوان والأصوات في حال كانت لوحدها أن تنقل الحالة المزاجية أو النفسية بكل تأكيد، لكن الهيئة الإنسانية فقط هي التي تجسد الروح والعقل. وبالتالي يُرينا الجمال الحق صوراً منحوتةً أو مرسومةً أو شعرية للآلهة الإغريقية أو ليسوع المسيح – أي الإلهي في الهيئة الإنسانية – أو يُرينا صوراً للحياة الإنسانية الحرة ذاتها.

 

  1. الفن والسعي إلى المثالية

الفن مجازي أساساً بالنسبة إلى هيجل. ليس لأنه يسعى إلى محاكاة الطبيعة، ولكن لأن الغرض منه هو التعبير عن الروح الحرة وتجسيدها، وأكثر الطرق ملاءمة لتحقيق ذلك هي من خلال صور الموجودات البشرية. (سنأخذ بالاعتبار الاستثناءات لهذه الطريقة – العمارة والموسيقى – أدناه). وبشكل أكثر تخصيصاً، يتمثل دور الفن في استحضار تلك الحقائق عن أنفسنا وعن حريتنا التي غابت عن ناظرنا خلال نشاطنا اليومي إلى عقولنا. فدوره هو أن يُرينا (أو يذكرنا بـ) السمة أو الخاصية الحقيقية للحرية. يُتم الفن هذا الدور بإظهاره حرية الروح بشكلها الأنقى لنا بدون شوائب الحوادث الطارئة اليومية. بشكل أكثر تحديداً فالفن في أحسن حالاته لا يمثل ملحقات الوجود اليومي المألوفة والكدح الملول لهذا الوجود اليومي، ولكنه يمثلنا بالحالة المثالية (مثال الحرية) للحرية (see Aesthetics, 1: 155–6). هذه الحالة المثالية للحرية الإنسانية (والإلهية) تؤسس الجمال الحق، وهي موجودة في المقام الأول حسب ادعاء هيجل في المنحوتات الإغريقية القديمة للآلهة والأبطال.

لاحظ أن العمل الفني الساعي إلى المثالية لا يتم (مثل تصوير الأزياء الحديثة) لتوفير مهرب من الحياة إلى عالم من الفانتازيا، ولكن لتمكيننا من رؤية حريتنا بشكل أكثر وضوحًا. يتم السعي نحو المثالية بالتالي بالاهتمام بتجلّ أكثر وضوحاً للسمة الحقيقية للإنساني (وللإلهي). المفارقة هي أن الفن ينقل الحقيقة من خلال صور تنشد المثالية للموجودات الإنسانية (وفي الواقع – في الرسم – من خلال الوهم بواقع خارجي).

من الجدير بالملاحظة عند هذه المرحلة أن “منظور هيجل إلى الفن” من المفترض أن يكون وصفياً ومعيارياً في آن. يعتقد هيجل أن المنظور الذي يقدمه يصف ويرسم السمات الرئيسية لأعظم الأعمال الفنية في التقليد الغربي، مثل منحوتات فيدياس أو براكسيتيليز أو دراما أسخيليوس أو سوفوكليس. في الآن نفسه فإن منظوره معياري طالما أنه يخبرنا ما هو الفن الحق. هناك العديد من الأشياء التي نلقي عليها تسمية “عمل فني أو أنها فن”: مثل لوحات الكهوف ورسوم الأطفال والنحت اليوناني ومسرحيات شيكسبير وأشعار حب المراهقين، وطوب كارل أندريه (في القرن العشرين). لكن ليس كل شيء يسمى “فناً” يستحق هذا الاسم، لأنه ليس كل شيء يُسمى أو يُدعى فناً يُؤدي ما ينبغي أن يؤديه أو يفعله الفن الحق: أي يُعطي تعبيراً حسياً للروح الحرة، وبالتالي يبتكر عملاً جميلاً. لا يسن هيجل قواعد صارمة للإنتاج الجمالي؛ لكنه يحدد معايير جامعة يجب أن يستوفيها الفن الجميل حقًا، وهو دقيق وناقد للأعمال التي تدّعي أنها أعمال فنية ولكنها تفشل في استيفاء تلك المعايير. بالتالي فلا يعتمد نقد هيجل لتطورات معينة في الفن الما بعد إصلاحي – مثل المرام بالاكتفاء بتقليد ومحاكاة الطبيعة – على تفضيلات وميولات شخصية مشروطة، ولكن على فهمه الفلسفي للطبيعة الحقيقية للفن والغرض منه.

 

  1. إستطيقا هيجل السيستيماتيكية أو فلسفة الفن

يتكون منظور هيجل الفلسفي للفن و الجمال من ثلاثة أجزاء: 1) الجمال المثالي في حد ذاته أو كما هو، أو الجمال الحق، 2) الأشكال المختلفة التي يتشكل بها الجمال في التاريخ، 3) الفنون المختلفة التي يتلاقى فيها الجمال. سننظر أولاً في منظور هيجل للجمال المثالي كما هو أو في حد ذاته.

6.1 الجمال المثالي كما هو

يعي هيجل جيداً أن للفن وظائف متعددة يؤديها: فهو يُعلِّم ويُثقِّف ويُزخرف ويُجمِّل ويحثّ وهلمَّ جرَّا. إلا أن اهتمامه الأساسي كان في تحديد الوظيفة الأكثر تمييزاً والأكثر ملاءمة للفن. هذه الوظيفة على حد زعمه هي إعطاء تعبير بديهي حسي لحرية الروح. وبالتالي فنقطة الفن ليست أن يكون واقعياً – أن يعكس أو يحاكي ويقلد الحوادث اليومية الطارئة – بل ليُرينا كيف تبدو الحرية الإنسانية والإلهية. مثل هذا التعبير الحسي عن الحرية الروحية هو ما يسميه هيجل “المثالي”، أو الجمال الحق.

العالم الحسي هو عالم الأشياء الفردية الموجودة في المكان والزمان. بالتالي تُعطى الحرية تعبيرًا حسيًا عندما يتم تجسيدها في شخص مُنفرد (ذكر أو أنثى) يقف لوحده “يمارس استمتاعه الذاتي أو استكنانه أو تنعّمه [Seligkeit]” (Aesthetics, 1: 179). مثل هذا الفرد لا يجب أن يكون مجرداً وشكلياً (كما في الأسلوب الهندسي اليوناني القديم)، ولا ينبغي أن يكون ساكناً وصلداً (كما هو الحال في الكثير من المنحوتات المصرية القديمة) ولكن يجب أن يكون جسده وطريقة جلوسه مفعمين بالحرية والحياة ولكن من دون التضحية بالصفاء والهدوء والسكينة اللواتي يتبعن للانكفاء الذاتي المثالي. مثل هذا الجمال المثالي يوجد في المقام الأول في التماثيل اليونانية للآلهة في القرن الخامس والرابع كما يزعم هيجل، كتمثال زوس في درسدن الألمانية (ألقى هيجل نظرةً عليه في بدايات عشرينيات القرن التاسع عشر) أو تمثال براكسيتيليس “أفروديت القينيدية” (see PKÄ, 143 and Houlgate 2007, 58).

يمثل النحت اليوناني القديم الذي عرفه هيجل غالباً من النسخ الرومانية أو من قوالب الجبس على وجه الحصر ما يسميه الجمال الخالص أو “المُطلق” (PKÄ, 124). ولكنه مع ذلك (أي النحت) لا يستنفد فكرة الجمال أو يمثلها بشكل كامل، لأنه لا يعطينا الجمال بأكثر أشكاله واقعيةً وتعيّناً وتطوراً. نجد هذا الشكل الأكثر تطوراً وواقعية في الدراما اليونانية القديمة – خصوصاً في التراجيديا – حيث يسعى الأفراد الأحرار إلى القيام بفعل يقود إلى صراع أو صِدام ومن ثم أخيراً إلى حل للعقدة وللمشكلة (بعنف في بعض الأحيان، كما هو الحال في أنتيجون سوفوكليس، وأحيانًا بسلام، كما هو الحال في ثلاثية أسخيليوس  الشعرية أوريستيا). الآلهة الذين يصورهم النحت اليوناني جميلون لأن شكلهم الجسدي يجسّد بشكل مثالي حريّتهم الروحية وهو (أي شكلهم الجسدي) غيرُ مشوبٍ بعلامات الوهن الجسدي أو التبعية والاتكاليّة. الأبطال والبطلات الرئيسيون في التراجيديا اليونانية جميلون لأن نشاطهم الحر متعمّقٌ ومُفعمٌ باهتمامٍ أخلاقي أو تحننٍ وشفقة ورثاء “pathos” (مثل الاهتمام ورعاية الأسرة كما في حالة أنتيجون، أو الاهتمام بمصلحة ومنفعة الدولة كما هو الحال عند كريون)، وليس مفعماً بنواقص الإنسان الثانوية التافهة وعواطفه. هؤلاء الأبطال ليسوا تمثيلًاتٍ رمزية أو استعارية للفضائل والمناقب المجردة، بل هم كائنات حية ذات خيال وشخصية وإرادة حرة؛ ولكن ما يحركهم هو شغف لجانب من جوانب حياتنا الأخلاقية، وهو جانب يدعمه الله ويقويه.

هذا التباين بين الجمال الخالص الموجود في النحت اليوناني و الجمال الأكثر عينيّةً الموجود في الدراما اليونانية يعني أن الجمال المثالي يأخذ في الواقع شكلين مختلفين بمهارة من الصعب ملاحظتها. يستخدم الجمال هذه الهيئات لأن الجمال النحتي الخالص – رغم أنه يمثل قمة إنجاز الفن – فيه بعض التجريد. الجمال هو التعبير الحسي للحرية، ولذا يجب أن يُظهِر العينيّة[2] والحركة والإنسانية المفقودة في النحت المصري على سبيل المثال. وبما أن الجمال الخالص كما هو متمثل في النحت اليوناني، هو الحرية الروحية منغمسةً في الحيز المكاني والجسدي، فإنه يفتقر إلى الدينامية الأكثر عينيةً للفعل في الزمن، فعلٍ يتم تحريكه بواسطة الخيال واللغة. هذا هو ما يضفي “تجريدًا” معينًا (وبالفعل برودةً) على الجمال الخالص (PKÄ, 57, 125). إذا كان دور الفن هو إعطاء تعبير حسي للحرية الحقيقية، فيجب أن يتجاوز التجريد نحو العينيّة. هذا يعني أنه يجب أن يتجاوز الجمال الخالص إلى الجمال الإنساني الأكثر أصالة وعينيةً الموجود في الدراما. بالتالي يشكّل هذان النوعان من الجمال المثالي الأعمال الخليقة بمسمى الفن، ويشكلان معًا ما يسميه هيجل “مركز” (Mittelpunkt) الفن نفسه (PKÄ، 126).

 

6.2 الأشكال والهيئات الخاصة بالفن

يُقرُّ هيجل بأن الفن يستطيع – في الواقع يجب عليه –  أن يتخلف عن مثل هذا الجمال المثالي في حالات، ويتجاوزه في حالات أخرى. فهو يتخلف عنه عندما يأخذ شكل الفن الرمزي، ويتجاوزه عندما يأخذ هيئة الفن الرومانسي. وهيئة الفن التي تتصف أعمالها بأنها تُطابق الجمال المثالي نفسه تدعى بالفن الكلاسيكي. هذه هي هيئات الفن الثلاثة (Kunstformen) أو “هيئات الجميل” (PKÄ, 68)، التي يعتقد هيجل أن فكرة الجمال الأكثر أصالة تخلقها بشكل ضروري. تطور الفن من هيئة إلى أخرى يولّد ما يعتبره هيجل التاريخ الفارق أو المُميِّز للفن.

ما يُنتج هذه الهيئات الثلاث للفن هو العلاقة المتغيرة بين مضمون الفن – الفكرة بوصفها روحاً – وكيفية عرض هذا المضمون. في المقابل، تتحدد التغيرات في هذه العلاقة من خلال الطريقة التي يتم فيها تخيل أو تصور هذا المضمون. يُتصوّر المضمون في الفن الرمزي بصورة تجريدية، بحيث لا يستطيع تبيان نفسه بشكلٍ كافٍ في هيئة محسوسةٍ وجليّة (أي أنه يقبع في عالم الحواس لكن بصورةٍ مُبهمة وضبابية لا يرقى لها فهم المُلاحظ). على النقيض، ففي الفن الكلاسيكي يتم تصوّر المضمون بطريقة قادرة على إيجاد تعبير مثالي ومناسب في هيئة محسوسة وجليّة للفهم. أما في الفن الرومانسي فيتم تصور المضمون بطريقة قادرة على إيجاد تعبير ملائم في هيئةٍ حسيّة وجليّة، حتى أن هذه الهيئة تستطيع في النهاية أن تربو على العالم الحسي والمنظور.

الفن الكلاسيكي هو موطن الجمال المثاليّ الحق، أما الفن الرومانسي فهو موطن ما يدعوه هيجل “بـ الجمال الباطني أو الداخلي” (Schönheit der Innigkeit) أو كما يترجمه نوكس “جمال الشعور العميق” (Aesthetics, 1: 531). على النقيض، فـ الجمال الرمزي يتخلّف عن الجمال الأصيل بشكلٍ كلّي. لا يعني هذا أن الفن الرمزي مجرد فنٍّ سيء: فهيجل يعترف بأن الفن الرمزي هو غالباً نتاج أعلى المستويات الفنية. إلا أنه (أي الفن الرمزي) يتخلف عن الجمال لأنه لا يملك بعد فهماً كافياً وغنياً لطبيعة الإلهي ولطبيعة الروح الإنسانية. بالتالي فالأشكال الفنية التي يُنتجها الفن الرمزي ناقصة لأن المفاهيم التي يستند عليها بخصوص الروح – المفاهيم المُتضَمنة في المقام الأول في الدين – ناقصة بدورها (PKÄ, 68).

 

6.2.1 الفن الرمزي

تُحيط نظرة هيجل للفن الرمزي بالفن الخاص بعدة حضارات مختلفة وتُظهر فهمه البليغ وامتنانه للفن غير الغربي. رغم ذلك، ليست كل أنواع الفن الرمزي التي تطرق إليها هيجل رمزيّةً بحق وبشكل كامل. إذن ما الذي يربطها جميعاً ببعض؟ ما يربط هذه الأنواع ببعضها هو انتماءها جميعها إلى ميدانٍ يدعوه هيجل بميدان “ما قبل الفن” (Vorkunst) (PKÄ, 73). الفن الحق بالنسبة إلى هيجل هو التعبير الحسي أو تبيان الروح الحرة في وسطٍ من (المعدن أو الحجر أو الألوان) مُشكَّلٍ أو مشغوٍلٍ بأناةٍ بواسطة البشر من أجل الحصول على هيئة تعبر عن الحرية. ميدان “ما قبل الفن” يشمل الفن الذي يتخلّف (بمعنى لا يصل إلى حدود) عن الفن الحق بطريقةٍ ما. هذا التخلف عن الفن الحق هو إما لأن هذا الميدان هو نتاج روحٍ لا تفهم أنها روح حرةٌ بحق بعد، أو أنه نتاج روحٍ لديها تصوّرٌ عن حريتها الخاصة لكنها لا تفهم بعد مثل هذه الحرية التي تشمل تبيان نفسها في وسط محسوس شُكِّل خصيصاً من أجل هذه الهيئة النهائية (أي الفن الحق). في كل الأحوال فإن “ما قبل الفن” يستند على مفاهيم مجرّدة نسبياً عن الروح إذا ما قورن بالفن الأصيل.

لم تكن غاية هيجل في نظرته للفن الرمزي أن يعلّق بشكل مفصّل على كل أنواع ميدان “ما قبل الفن” الموجودة. فهو مثلاً لا يقول شيئاً عن فن ما قبل التاريخ (كرسومات الكهوف)، ولا يتطرق إلى الفن الصيني أو الفن البوذي (على الرغم من أنه تطرق للديانتين الصينية والبوذية في محاضراته عن فلسفة الدين). بل كانت غايته من نظرته إلى الفن الرمزي أن يستعرض ويفحص ويختبر الأنواع المتعددة للفن التي تتخلق بشكل ضروري بواسطة فكرة الفن الأساسية نفسها، أو المراحل التي يتعيّن على الفن عبورها في رحلته من “ما قبل الفن” إلى “الفن الحق”.

المرحلة الأولى هي التي يتم تصوّر الروح فيها كوجود في انسجامٍ ووَحدة مباشرة مع الطبيعة. تُواجَه هذه المرحلة في الديانة الفارسية القديمة، الزرادشتية. يدّعي هيجل أنه الزرادشتيين يعتقدون بقوة إلهية – الخير – لكنهم يحددون هذه الألوهية باعتبار أنها الطبيعة نفسها، أي أن هذه الألوهية أو هذا الخير هو النور. لا يرمز أو يُشير النور إلى إلهٍ أو خيرٍ منفصل، بالأحرى، ففي الزرادشتية (كما يفهمها هيجل) فإن النور هو نفسه الخير، هو نفسه الله (Aesthetics, 1: 325). بالتالي فالنور هو الجوهر في كل الأشياء وهو الذي يُعطي الحياة للنباتات والحيوانات. يخبرنا هيجل أن هذا النور يُجسّد في هيئة “أورمزود” أو “أهورامازدا”. لكن على عكس إله اليهود فأورموزد ليس ذاتاً حرةً واعيةً بذاتها، بل هو (أو هذا الشيء المسمى أورموزد) الخير في هيئة النور نفسها، وعلى هذا فهو حاضر في كل مصادر النور، مثل الشمس والنجوم والنار.

يأخذ هيجل السؤال الذي يتحتم علينا طرحه بعين الاعتبار، فهل رؤية النور وكأنه الخير (أو إطلاق تعبير لفظي على مثل هذه البديهة) يُمكن اعتباره فناً؟ (PKÄ, 76). لا يمكن اعتبار ذلك فناً حسب هيجل لسببين: فعلى الكفة الأولى، لا يُفهم الخير على أنه روح حرة متمايزة عن النور، بل يبيّن نفسه فيه، وعلى الكفة الأخرى فالعنصر الحسي الذي يكون الخير فيه حاضراً – أي النور نفسه – لا يُفهم على أنه شيءٌ شُكِّل أو أُنتج بواسطة روح حرة بغية التعبير عن نفسها، لكنه يُفهم ببساطة “أي النور” على أنه ميزة مُوهوبة من الطبيعة حيث يكون الخير في حالة تطابق مباشر معها.

في الرؤية الزرادشتية للخير على أنه النور، نواجه “تمثيلاً حسياً للإلهي [Darstellung]”  (PKÄ, 76). لا تؤسس هذه النظرة رغم ذلك لعمل فني، حتى إن وجدت لها تعبيراً مناسباً في صلوات مُتقنة النظم والمعنى وفي تعابير لفظية مناسبة.

المرحلة الثانية في تطور ما قبل الفن هي التي يكون فيها اختلافٌ مباشرٌ بين الروح والطبيعة. نجد هذا الاختلاف المباشر، من وجهة نظر هيجل، في الفن الهندوسي. الاختلاف بين الروحي والطبيعي يعني أن هذا الروحي – الإلهي مثلا – لا يمكن فهمه (كما في فارس) على أنه متطابق ببساطة مع جانب من جوانب الطبيعة التي تهبها بشكل مباشر. من جهة أخرى، يدعي هيجل أن الإلهي في الهندوسية يتم تصوره بطريقة مجرّدة وغير محددة، ولا يكتسب هذا التصور هيئةً محددةً إلا في ومن خلال شيء حسّيٍ مباشر، خارجي وطبيعي. وبالتالي يُفهم الإلهي بأنه حاضر في الهيئة الأساسية للحسي والطبيعي. وكما صاغها هيجل في محاضراته عام 1826 عن الجماليات: “المواضيع الطبيعية – الإنسان  والحيوانات – تُقدَس كإلهية” (PKÄ, 79).

يميّز الفن الهندوسي الفرق بين الروحي (أو الإلهي) وبين الطبيعي المجرّد بتشويه وتوسيع الأشكال الطبيعية التي يُتخَيّل أن الإلهي حاضرٌ فيها والمبالغة فيها. إذن لا يُصوَّر الطبيعي بالهيئة الطبيعية الخالصة للإنسان والحيوان وإنما بهيئة غير طبيعيةٍ مشوهة للإنسان والحيوان. (فشيفا مثلاً مصوّرٌ بعدة أذرع، وبراهما بأربعة وجوه).

يلاحظ هيجل أن مثل هذا التصوير أو الوصف ينطوي على عمل “تشكيل” أو “قولبة” لحيّز التعبير (PKÄ, 78). من هذا المنظور، يمكن للمرء أن يتحدث عن “الفن الهندوسي”. ومع ذلك، يدعي هيجل أن الفن الهندوسي لا يحقق الغاية الحقيقية للفن لأنه لا يعطي هيئة ملائمة وخَليقة بالروح الحرة، وبذلك يخلق صورًا للجمال. وبدلاً من ذلك فإنه يشوه ببساطة الشكل الطبيعي للحيوانات والإنسان – إلى الحد الذي يصبح فيه هذا الشكل “قبيحاً”  (unschön) أو “غريباً” أو “مريعاً” أو “شاذاَ” (PKÄ, 78, 84) – من أجل تبيين أن الإلهي أو الروحي، والذي لا يمكن فهمه إلا في حدود الطبيعي والحسي، هو في ذات الوقت مختلف عن العالم الطبيعي والحسي ولا يمكنه إيجاد تعبير ملائم له فيه. إذن فالألوهة الهندوسية غير منفصلة عن الهيئات والأشكال الطبيعية، ولكنها تشير إلى حضورها المميز بواسطة لا طبيعية الأشكال الطبيعية التي تتخذها للتعبير عن نفسها.

وبالمناسبة، فحكم هيجل على الفن الهندوسي لا يعني أنه لا يجد هذا الفن بلا أهلية أو جدارة على الإطلاق. فهو يأخذ بعين الاعتبار بهاء الفن الهندوسي و”الشعور الأكثر رقةً” و”وفرة البداهة الحسية” التي يعرضها مثل هذا الفن. لكنه مع ذلك يصرُّ بأن الفن الهندوسي يفشل في الوصول إلى ذروة الفن، حيث تظهر الروح حرةً بذاتها مُعطاةً هيئة طبيعية ومرئية ملائمة (PKÄ, 84).

المرحلة الثالثة من تطور “ما قبل الفن” هي مرحلة الفن الرمزي الأصيل الذي يتم فيه تصميم وخلق الأشكال والصور بأناة للإشارة إلى ميدانٍ محددٍ ومنفصل تمامًا من “الجوانيّة” أو “الجوهرانية”(Innerlichkeit) (PKÄ, 86). هذا الميدان هو ميدان الفن المصري القديم. يخبرنا هيجل أن المصريين هم أول من ثبّتوا (fixieren) فكرة أن الروح شيء باطنيّ منفصلٌ ومستقلٌّ بذاته (PKÄ, 85). (يشير في هذا السياق إلى هيرودوتوس الذي زعم أن المصريين كانوا “أول من طرح مبدأ تخليد الروح” [Herodotus, 145 [2: 123]]). الروح، كما يفهمها هيجل (في فلسفته عن الروح الذاتي والموضوعي) هي سيرورة تجسيد نفسها والتعبير عن نفسها في هيئة كلماتٍ وصور وأعمال ومؤسسات. وبهذه الفكرة عن الروح كجوانيّة يأتي بشكل ضروري المحرك ليُعطي شكلاً خارجياً لهذه الروح الداخلية، أي، ليُنتج هذا المحرِّكُ شكلاً للروح مُستخرجاً من الروح ذات نفسها. إذن فهذا الدافع – لخلق وإبداع صورٍ وأشكال (فنيّة) يستطيع من خلالها العالم الداخلي جعل نفسه محدداً ومعلوماً – غريزيٌّ لدى المصريين ومتجذِّرٌ بعمق في طريقة فهمهم للروح. بهذا المعنى، وفي رأي هيجل، فالحضارة المصرية حضارةٌ فنيّةٌ أعمق من الحضارة الفنية الخاصة بالهندوسيين  (Aesthetics, 1: 354; PKÄ, 86).

مع ذلك فالفن المصري مجرد فنٍّ رمزي وليس فناً بالمعنى الكامل. هذا لأن الأشكال والصور التي يبتكرها الفن المصري لا تُعطي تعبيراً مباشراً وملائماً أو كافياً للروح، ولكنها ترمز فقط أو تُشير إلى جوانيّةٍ تظلُّ محجوبةً عن الأنظار. بالإضافة إلى ذلك، فإن الروح الداخلية، على الرغم من ثبوتها في الفهم المصري باعتبارها “جوهراً منفصلاً ومستقلًا” (PKÄ, 86)، فإنها ذاتها غير مفهومةٍ كروحٍ حرةٍ بالكامل. في الحقيقة، يفهم المصريون إلى حد كبير عالم الروح على أنه السلب أو النفي الطبيعي لعالم الطبيعة والحياة. أي أنهم يفهمون عالم الروح في المقام الأول على أنه عالم الموت.

تفسر الحقيقة القائلة بأن الموت هو العالم الأساسي الذي يكون تحرر الروح فيه مصوناً لماذا يكون مبدأ تخليد الروح مهماً جداً للمصريين. وتفسر أيضًا سبب رؤية هيجل للهرم على أنه الصورة التي توجز الفن الرمزي المصري. فالهرم هو شكل مُبتكر يُخفي في ثناياه شيئاً منفصلاً عنه، ألا وهو الجسد الميت. فهو بذلك يحقق الصورة الوافية للرموز المصرية التي تشير إلى كيانٍ من الجوانيّة المستقلة لكنه ما يزال يفتقر إلى الحرية وحياة تلك الروح الأصيلة، وهي في ذات الآن، هذه الرموز، لا تكشف عن هذا الكيان ولا تُعبر عنه (Aesthetics, 1: 356).

يحتوي الفن الإغريقي على عناصر رمزية بالنسبة لهيجل، (مثل العقاب الذي يرمز إلى قوة زوس)، لكن الرمز ليس لُبَّ الفن الإغريقي. على النقيض، فالفن المصري رمزيٌّ حتى الجذور. في الواقع، من وجهة نظر هيجل، فإن الوعي المصري ككل رمزيٌّ بالأساس. على سبيل المثال، تُعتبر الحيوانات كرموز أو أقنعة لشيء أعمق، ولذا غالبًا ما تستخدم هذه الوجوه الحيوانية كأقنعة مُحنطةٍ (من بين أشياء أخرى). يمكن أن تكون الرمزية متعددة الطبقات أيضًا: فسيرورات الاختفاء ومعاودة الرجوع الطبيعية (وخاصةً السماوية منها) يُرمز إليها حسب زعم هيجل بصورة العنقاء، لكن هذه السيرورات نفسها تُعرض كرموزٍ للانبعاث الروحي (PKÄ, 87).

كما ذُكر أعلاه، فإن الهرم يوجز الفن الرمزي للمصريين. مع ذلك، فهذا الفن لا يشير رمزياً إلى عالم الموت فقط؛ بل إنه أيضاً يحمل إقراراً بإدراكٍ أوليٍّ غير متطورٍ بعد بأن الجوانيّة الحقيقية موجودة في الروح الإنسانيّة الحية. فهو يفعل ذلك كما يؤكد هيجل، من خلال إظهار الروح الإنسانية وهي تجاهد من أجل التخارج من الحيوان. إن الصورة التي تصور هذا التخارج بشكله الأمثل هي بالطبع صورة أبي الهول (الذي لديه جسد أسد ورأس كائن بشري). الهيئة البشرية أيضاً مشوبة بهيئة الحيوانات في صور الآلهة، مثل حورس (الذي لديه جسم بشري ورأس صقر). لكن مثل هذه التصويرات لا تؤسس للفنٍّ بمعناه الكامل لأنها لا تُعطي تعبيراً ملائماً للروح البشرية في هيئةٍ بشرية تامة. فهي مجرد رموز تكشف جزئياً عن جوانيّةٍ تبقى سمتها الحقيقية خفيّة (وغامضة حتى بالنسبة للمصريين أنفسهم).

حتى وإن كانت الهيئة البشرية في الفن المصري مُصوّرةً بدون شوائب أو خلط مع الهيئات الحيوانية، فإنها لا تزال غير مفعمةٍ بروحٍ حرةٍ أصيلةٍ حيّة، وعليه فإنها لا تتوافق وهيئة الحريّة. من منظور هيجل، فالتماثيل الآدمية مثل تمثالي ممنون الخاصين بأمينحوتيب الثالث في طيبة الغربية (الأقصر حالياً) لا تّظهر أي “حريّةٍ في الحركة” (PKÄ, 89)، وتفتقر تماثيل أخرى أصغر – تكون أيديها مرصوصة إلى جوانبها وأقدامها منصوبةّ على الأرض أو مغروسة فيها بشكلٍ مُحكم – إلى “نعمة الحركة” [Grazie]. وقد أشاد هيجل بالنحت المصري باعتباره نحتاً “يستحق الإجلال”؛ في الواقع، يدعي أن النحت المصري أظهر في عهد البطالمة (305-30 ق.م.) إتقاناً وتأنقاً (Zierlichkeit) عظيمين. ومع ذلك وعلى الرغم من مزاياه، فإن الفن المصري لا يُعطي هيئةً مناسبةً للحرية والحياة الحقيقية، وبالتالي يفشل في تحقيق الغاية الحقيقية للفن.

المرحلة الرابعة من مرحلة “ما قبل الفن” هي تلك التي تكتسب فيها الروح درجة من الحرية والاستقلالية، حيث تنفصل فيها “الروح” عن الطبيعة (PKÄ, 89). تنقسم هذه المرحلة بدورها إلى ثلاثة أقسام فرعية. يضم القسم الفرعي الأول فنًا ساميًا: الفن الشعري للشعب اليهودي.

يؤكد هيجل أن الروح مفهومة في اليهودية على أنها حرّةٌ ومستقلة. لكنّ هذه الحرية والاستقلاليّة معزوّةٌ إلى الإلهي بدلاً من الروح البشريّة. فالله بالتالي مُتصوَّرٌ على أنه “ذاتٌ روحيةٌ حرة” (PKÄ, 75)، وهو الموجِد للعالم والقوة فوق كل شيء طبيعيٍّ ومتناهٍ. وما هو طبيعيٌّ ومتناهٍ يُعتبر على النقيضٍ، كمقابلٍ سلبي لله، أي شيءٍ لم يوجد من أجل ذاته، بل وُجِد لخدمة الله  (PKÄ, 90).

الروحانية اليهودية من وجهة نظر هيجل، غير حقيقةٍ بإنتاج أعمال جماليّةٍ حقّة لأن الإله اليهودي متجاوزٌ لعالم الطبيعة والتناهي وعليه فلا يمكنه تبيان نفسه في هذا العالم ولا أن يكون شكلاً مرئياً مُعطى فيه. فالشعر اليهودي (سفر المزامير) يعبر عن تسامي الله بإعلائه والإشادة به ومدحه بوصفه مصدر الأشياء كلها، عوضاً عن الإشادة بالعالم الطبيعي والمتناهي. يُعطي مثل هذا الشعر، في الوقت ذاته، تعبيراً متألقاً (glänzend) للألم والخوف اللذين يشعر بهما الآثمون تجاه مولاهم (PKÄ, 91).

يضم التفرع الثاني في المرحلة الرابعة من ميدان “ما قبل الفن” ما يسميه هيجل “الحلولية الشرقيّة” أو “وحدة الوجود” الشرقية الموجودة في الشعر الإسلامي (العربي والتركي والفارسي) (PKÄ, 93)، كالشاعر الغنائي الفارسي حافظ على سبيل المثال (Hafis في الألمانية) (1310-1389 ميلادية). في مثل وحدة الوجود هذه يُفهم الله أنه يقف متسامياً فوق عالم الطبيعة والتناهي منفصلاً عنه، لكن يُعتقد بأن علاقته بذلك العالم علاقة إيجابيّة ثبوتيّة، وليست سلبية كما في اليهودية. يُعلّي الإلهي الأشياء إلى سموّها الذاتي ويملأها بالروح ويعطيها الحياة، وبهذا المعنى فهو جوهريٌّ راسخ في الأشياء (Aesthetics, 1: 368; PKÄ, 93).

 

وهذا بدوره يحدد العلاقة التي تربط الشاعر بالكائنات والمواضيع الخارجية. فالشاعر حرٌّ أيضاً ومستقلٌّ عن الأشياء، ولكن تربطه بها أيضاً علاقة محايثة إيجابية. بمعنى أنه يشعر بوحدةٍ وتجانس مع هذه الكائنات ويرى حريته الرائقة الصافية مُنعكسةً فيها. وهكذا تقترب وحدة الوجود هذه من الفن الأصيل، لأنها تستخدم كائناتٍ طبيعية، مثل الوردة، كصورٍ “شعرية” (Bilder) لشعورها “بالبهجة الداخلية الميمونة”  (PKÄ, 94–5). ومع ذلك، تظل هذه الروح الحلولية حرّةً ضمن ثنايا نفسها في تمايزٍ عن الكائنات والموضوعات الطبيعية وفي علاقة معها في ذات الوقت، فلا تبتكر أشكالاً لها – كالصور المستمثلة للآلهة اليونانية – بل تظهر حريّتها للعيان مباشرةً. (لاحظ إنه في إصدار هوذو لمحاضرات هيجل في الجماليات، يوضع الشعر الإسلامي الحلوليّ قبل الشعر اليهودي بدلاً من أن يكون بعده see Aesthetics, 1: 364–77.).

التفرع الثالث في المرحلة الرابعة من “ما قبل الفن” هو ذلك الذي تحصل فيه القطيعة الأوضح بين الروح والعالم الطبيعي أو الحسي. في هذه المرحلة يأخذ الجانب الروحي – الذي كان داخلياً وغير مرئي – شكلا متمايزاً ومنفصلاً تماماً. هذا الشكل هو أيضاً متناهٍ ومحدود: فكرةٌ أو معنىً فكّر فيه الإنسان. العنصر الحسي هو أيضاً بدوره شيء منفصل ومتمايز عن المعنى. وليس له أي صلة جوهرية بالمعنى، لكنه، كما يقول هيجل، “ظاهر” هذا المعنى أو هيئته الخارجية. وبالتالي فإن العنصر الحسي – الصورة التصويرية أو الشعرية – غير مرتبط بالمعنى إلا من خلال العقل أو الخيال الذاتيين للشاعر  (PKÄ, 95) . يظهر هذا التكوين كما يدّعي هيجل في الخرافات والأمثال والاستعارات والقصص الرمزية والتشبيهات.

لا يرتبط هذا التفرع الثالث بأي حضارة معينة، ولكنه شكل من أشكال التعبير موجود في العديد من الحضارات المختلفة. يؤكد هيجل رغم ذلك أن هذه الاستعارات والتشبيهات والقصص الرمزية لا تُشكّل لُبَّ الفن الجميل الحق، لأنها لا تقدم لنا الحرية الحقّة والأساسية الخاصة بالروح، ولكنها تشير إلى (وبالتالي ترمز إلى) معنى منفصل ومستقل. فالاستعارة القائلة بأن “أخيل أسد” لا تجسّد روح البطل المستقل كما يفعل النحت اليوناني، بل هي استعارة ومجاز لشيء متمايز عن الاستعارة نفسها (see Aesthetics, 1: 402–8; PKÄ, 104).

تعتمد نظرة هيجل إلى الفن الرمزي أو “ماقبل الفن” إلى حدٍّ كبير على أعمال كُتّابٍ آخرين، مثل كتاب زميله السابق في هولدلبيرغ، جورج فريدريخ كروزر “رمزيّة وميثولوجيا الشعوب القديمة، اليونانيون بشكل خاص”  (1810–12). لا يُقصد بمنظور هيجل أن يكون تاريخياً تماما، بل أن يضع ويناقش الأشكال المختلفة لميدان “ما قبل الفن” في حدود علاقة منطقية مع بعضها البعض. وتتحدد هذه العلاقة بدرجة اختلاف الروح والطبيعة (أو المحسوسات) عن بعضها البعض في كل شكل وكل هيئة من هذا الميدان.

تلخيصٌ لما سبق: في الزرادشتية تكون الروح والطبيعة في وحدةٍ مباشرةٍ مع بعضهما البعض (مثل النور). في الفن الهندوسي، هناك اختلافٌ مباشرٌ بين الروحي (الإلهي) وبين الطبيعة، لكن الروحي يبقى مجرداً غير محدداً في ذاته، ولذا لا يمكن أن يحضر إلى العقل إلا من خلال صور الأشياء الطبيعة (التي تكون مشوّهة وغير طبيعية). في الفن المصري، يختلف الروحي مجدداً عن المجال الطبيعي والحسي الصرف. وعلى عكس الألوهية الهندوسية غير المحددة، فإن الروحانية المصرية (في شكل الآلهة والروح البشرية) معلومة، منفصلة ومحددة في ذاتها. بالتالي فصور الفن الرمزي تشير إلى مجالٍ للروح يبقى متوارياً عن الأنظار المباشرة. ومع ذلك، تفتقر هذه الروح التي تُشير إليها الصور الرمزية إلى الحرية الأصيلة والحياة، وغالبا ما تُعرَّف وتُحدّد بمجال أو عالم الموت.

في الشعر الساميِّ الخاص باليهود، يتم تمثيل الله باعتباره “ذاتاً روحيّةً حرّةً” متعالية. أما البشر المتناهون فيتم تصويرهم في علاقة سالبة مع الله، حيث أنهم خُلقوا لخدمة وتسبيح الله والتألم والعذاب بسبب آثامهم. في الشعر السامي الخاص “بالحلولية الشرقية” يُصَوَّرُ الله مرة أخرى على أنه متعالٍ، لكن على عكس اليهودية، فالله والأشياء المتناهية يظهران وكأنهما في علاقة إيجابية إثباتية مع بعضهما البعض: بحيث يغرس الله الروح والحياة في الأشياء. وعليه، فإن علاقة الشاعر بالأشياء هي علاقة تجد فيها روحه الحرة نفسها منعكسة في الأشياء الطبيعية من حوله.

في المرحلة الأخيرة من ميدان ما قبل الفن، يصل الاختلاف بين الروحي والطبيعي (أو الحسي) إلى أقصاه: فيكون العنصر الروحي (“المعنى”) والعنصر الحسي (“الشكل” أو “الصورة”) مستقلين تماماً عن بعضهما ويشكل كل منهما ظاهر الآخر وهيئته. وفوق ذلك فهما متناهيان ومحدودان. وهذا هو عالم أو مجال القصة الرمزية  والاستعارة والمجاز.

 

6.2.2 الفن الكلاسيكي

لا ينكر هيجل حُسنَ وسموَّ أشكال وهيئات ميدان ما قبل الفن، لكنه يدّعي أنها تتخلف عن الفن الحق. وهذا الأخير موجودٌ في الفن الكلاسيكي، أو فن اليونانيين القدماء.

يؤكد هيجل أن الفن الكلاسيكي يحقق مفهوم الفن من حيث أنه التعبير الحسي المثالي لحرية الروح. يوجد الفن الحق إذن في الفن الكلاسيكي – في النحت اليوناني القديم في المقام الأول – (وفي  الدراما). ويدّعي هيجل في الواقع أن آلهة اليونان القديمة تُبرز “الجمال المُطلق مثلما هو”: “لا يمكن  وجود شيءٍ أجمل من الكلاسيكي؛ إلا المثالي” (PKÄ, 124, 135; see also Aesthetics, 1: 427).

تكمن ميزة هذا الجمال في الانصهار المثالي بين الروحي والحسي (أو الطبيعي). في الجمال الحقيق، لا يكتفي الشكل المرئي المعروض أمامنا بمجرد الإشارة إلى حضور الإلهي من خلال التشويه غير الطبيعي لهيئته، ولا يتجاوز نفسه (أي هذا الشكل المرئي) بالإشارة إلى روحانيّة متوارية أو متخفية أو إلى تجاوزٍ وتعالٍ إلهي. بل يُجسِّد ويبين هذا الروحانيّة الحرة في أتمِّ معالمها. بالتالي فالشكل في الجمال الحق ليس رمزاً أو استعارةً لمعنى يقبع وراء الهيئة أو الشكل، بل هو التعبير عن حرية الروح الذي يستجلب تلك الحرية إلى مرأى النظر مباشرةً. الجمال إذن شكلٌ مرئيٌّ محسوس قد تحول ليكون بمثابة التجسيد المرئي للحرية نفسها.

 

لا ينكر هيجل أن الفن اليوناني والميثولوجيا اليونانية يتضمنان العديد من العناصر الرمزية: على سبيل المثال، فالقصة التي تحكي أن كرونوس والد زيوس قد التهم أبناءه ترمز إلى القوة المدمّرة للزمن (Aesthetics, 1: 492; PKÄ, 120). رغم ذلك، فمن منظور هيجل، يكمن الجوهر الفارق للفن الإغريقي في الأعمال الجمالية المثالية التي أصبحت فيها حرية الروح مرئية للمرة الأولى في التاريخ. ومن أجل إنتاج مثل هذا الجمال يجب تلبية ثلاثة شروط.

أولاً، يتحتم فهم الإلهي على أنه روحٌ حرّة مقررةٌ لمصيرها، أن تُسبغ الذاتية على هذا الإلهي، أن يكون ذاتيّةً إلهية (أي ألا يكون مجرد قوة مجردة مثل النور). ثانياً، يجب أن يُفهم الإلهي على أنه آخذٌ لهيئة الأفراد المستقلين الذين يمكن تصويرهم في النحت والدراما. بمعنى آخر، يجب تصوُّر الإلهي ليس على أنه متعالٍ سامٍ رفيع، ولكن على أنه روحانيّةٌ متجسدِّةٌ بعدة طرق مختلفة. فجمال الفن اليوناني يستلزم بالتالي تعدداً للآلهة اليونانية. ثالثًا، يجب أن تُدرك الهيئة الحقيقية للروح الحرة على أنها هيئة الجسد البشري وليست هيئة الجسد الحيواني. غالبًا ما كانت تُصوَّر الآلهة المصرية والهندوسية على أنها انصهارٌ بين هيئتي الإنسان والحيوان، لكن على النقيض، فالآلهة اليونانية الأساسية صُوِّرت في هيئة الإنسان المثالية. يلاحظ هيجل أن زوس قد يأخذ هيئة الحيوان في بعض الأحيان، عندما عكف على الغواية على سبيل المثال؛ لكنه يرى تحويل زوس نفسه إلى ثور بغيةَ الجذب كصدى متأخر للميثولوجيا المصرية في العالم اليوناني (PKÄ, 119–20، حتى أن هيجل نفسه يتداخل عليه الأمر بين “إيو”، التي حولتها هيرا إلى بقرة في قصة أخرى، وبين أوروبا، معشوقة زوس في القصة التي يعرفها هيجل).

علاقة الاستلزام بين الفن و الجمال الإغريقيين مع الدين الإغريقي والميثولوجيا الإغريقية ليست من ناحية الفن فقط، ولكن الدين الإغريقي نفسه يستلزم وجود الفن من أجل إعطاء هويّة محددة للآلهة الخاصة به. يُشير هيجل (معتمداً على هيرودوت) أن الشاعرين هوميروس وهسيودوس هما من وهب الإغريق آلهتهم، وأن فهم الإغريق لآلهتهم قد عُبِّر عنه وشُيِّد في المقام الأول في نحتهم والدراما الخاصة بهم (و ليس في كتابات ثيولوجيّة مميزة) (PKÄ, 123–4). بالتالي أخذت الديانة الإغريقية الهيئة التي أطلق عليها هيجل في الفينومينولوجيا اسم “ديانة الفن”. علاوةً على ذلك، فقد حقق الفن الإغريقي أعلى درجات الجمال حرفياً من منظور هيجل، لأنه كان التعبير الأسمى عن حرية الروح المحفوظة والمقدسة في الديانة الإغريقية.

على الرغم من أن النحت والدراما الإغريقية قد حققا سمواً لا نظير له من الجمال، إلا أن هذا الفن لم يُعطي تعبيراً عن الحرية الأعمق للروح. وهذا بسبب علّةٍ في المفهوم الإغريقي عن الحرية الإلهية والإنسانية. كانت الديانة الإغريقية مناسبة جداً للتعبير الجمالي لأن الآلهة كانوا مُصوّرين كأفراد أحرار مستقلين في كليّةٍ واحدة مع أجسادهم وحياتهم الحسيّة. بعبارة أخرى، كانوا أرواحاً حرةً ما زالت مغمورة في الطبيعة (PKÄ, 132–3). لكنّ الحرية الأعمق تتحقق في رأي هيجل عندما تعزل الروح نفسها عن الطبيعة وت صبح جوانيّةً خالصة عارفة لذاتها. مثل هذا الفهم للروح مُعبَّرٌ عنه وفقاً لهيجل في المسيحية. يستتلي ذلك أن الإله المسيحي هو روح خالصة عارفة لذاتها وهو المحبّة التي خلقت الكائنات البشرية والتي بدورها أيضاً من الممكن أن تصبح أرواحاً خالصة ومَحبّة. مع نشأة المسيحية تأتي هيئة جديدة للفن: الفن الرومانسي. يستخدم هيجل مصطلح “الرومانسي” لا ليشير إلى فن الرومانسيين الألمان في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر (والعديد منهم كان يعرفهم شخصياً)، بل ليشير إلى كل الأسلوب الفني الذي ظهر في المسيحية الغربية.

 

6.2.3 الفن الرومانسي

الفن الرومانسي هو التعبير الحسي أو تجلّي حرية الروح، مثل الفن الكلاسيكي. فهو إذن حقيقٌ بـ الجمال الأصيل. لكن الحرية التي يُبيّنها حريّة داخليّة عميقة، تجد أسمى تعبير وإفصاحٍ عنها في الإيمان الديني والفلسفة وليس في الفن نفسه. على عكس الفن الكلاسيكي، فإن الفن الرومانسي بالتالي يعبّر عن حرية الروح التي يكمن موطنها الحقيقي وراء الفن أو خارج حدوده ويتجاوزه. إن كان بالإمكان تشبيه الفن الكلاسيكي بالجسد الإنساني المغمور كليّاً بالروح والحياة، فبالإمكان تشبيه الفن الرومانسي بالوجه الإنساني الذي يُبدي للعيان الروح والشخصية التي بداخله. ونظرًا لأن الفن الرومانسي يكشف فعلاً عن الروح الداخلية، بدلاً من مجرد الإشارة إليها، فهو يختلف عن الفن الرمزي، أما خلاف هذا فهو يشابهه.

يأخذ الفن الرومانسي حسب هيجل ثلاث هيئات أساسية. الهيئة الأولى هي هيئة الفن الديني الجليّ. يؤكد هيجل أن الطبيعة الحقيقية للروح قد بُيِّنت في المسيحية. إن فكرة الحياة الإلهية الحقيقية للحرية والمحبة المُمثلة في قصة المسيح في موته وقيامته هي في ذات الوقت حياة إنسانيّة كاملة نرغب فيها بالتضحية بأنفسنا وترك أثمن ما لدينا يذهب مع هذه التضحية. ولذلك يركّز الكثير من الفن الرومانسي الديني على معاناة المسيح وموته.

يأخذ هيجل بعين الاعتبار أنه من غير المناسب أن يُصوِّر الفن الرومانسي المسيح بجسدٍ يمثّل الإله أو البطل الإغريقي، لأن ما هو أساسي في المسيح هو إنسانيته وفناءه غير القابلين للاختزال. بالتالي يقطع الفن الرومانسي صلته بالمثل الأعلى الكلاسيكي للجمال ويدمج الألم والهشاشة والمعاناة الإنسانية في صوره للمسيح (و في صوره للشهداء الدينيين أيضاً). في الحقيقة، يمكن لهذا الفن أن يصل إلى درجةٍ يكون فيها غير جذاب أو قبيحاً  (unschön)في تصويره للمعاناة (PKÄ, 136).

وكيفما كان على الفن الرومانسي أن يحقق غرض الفن وأن يُبرز الهيئة الجميلة لحريّة الروح الحقة، فكان لزاماً عليه أن يُظهر معاناة المسيح ومعاناة الشهداء مخضّبةً بشعورٍ داخليٍّ  (Innigkeit) عميق وحسٍّ أصيلٍ بالتوافق والتآلف (Versöhnung) (PKÄ, 136–7): مثل هذا الحس الداخلي بالتآلف هو حسب هيجل الحرية الروحية الأعمق والأصدق. يشكل التعبير الحسي (بالألوان أو الكلمات) عن هذا الحس الداخلي بالتآلف ما يسميه هيجل “الجمال الداخلي” أو “الجمال الروحي” (geistige Schönheit) (PKÄ, 137). بالأحرى، هذا الجمال الروحي ليس جميلاً بشكل كامل كما الجمال الكلاسيكي، الذي تكون فيه الروح منصهرة مع الجسد بشكل مثالي. رغم ذلك، فإن الجمال الروحي نتاج لحرية روحيّة داخليّة أعمق بكثير من تلك التي للجمال الكلاسيكي، وكاشفٌ عنها، وعليه، فإنه يستحوذ علينا ويحرّكنا بيُسر وسهولة أكثر بكثير مما تفعله بنا تماثيل الآلهة الإغريقية الباردة نسبياً.

في الفنون البصرية، يوجد الجمال الروحي الأكثر صدقاً وعمقا حسب هيجل في الصور المرسومة لمادونا والطفل، لأن ما هو مُعَبَّرٌ عنه في هذه الرسومات هو شعور الحب اللامتناهي. كان لدى هيجل ولعٌ خاصٌ برسومات الفلمنك البدائيين، أمثال يان فان إيك وهانس ميملنغ، الذين رأى أعمالها في زياراته إلى غينت وبروج عام 1827 (Hegel: The Letters, 661–2)، وكان أيضاً يُكنّ عظيم التقدير لرافائيل وقد تأثر بشكل خاص بحب الأم التقي الطاهر المُعَبَّر عنه في رسمته للسيستين مادونا التي رآها في درسدن  عام 1820 (PKÄ, 39; Pöggeler et al 1981, 142). صوّر النحاتون اليونانيون نيوبي على أنها ببساطة “متحجرة في ألمها” على فقدان أطفالها. وعلى النقيض من ذلك، فإن الصور المرسومة بواسطة فان إيك ورافائيل لمريم العذراء مشبّعةٌ بـ”الحب الأبدي” و”العاطفة” التي لا يمكن للتماثيل اليونانية أن تصل إليها أبداً (PKA، 142، 184).

تصور الهيئة الثانية الأساسية للفن الرومانسي التي حددها هيجل ما يسميه “بالفضائل” الدنيوية للروح الحرة (Aesthetics, 1: 553; PKÄ, 135) ). هذه الفضائل ليست نفسها الفضائل الأخلاقية التي يعرضها أبطال وبطلات التراجيديا اليونانية: فهي لا تنطوي على التزام بمؤسسات الحرية الضرورية، مثل الأسرة أو الدولة. بل هي الفضائل الرسمية للبطل الرومانسي: أي أنها تنطوي على التزام من جانب الفرد الحر بكيان أو شخص يحدده اختيار الفرد أو شغفه.

تشمل هذه الفضائل فضيلة الحب الرومانسي (التي تركز على شخص معين وعرَضيّ)، وفضيلة الولاء تجاه الفرد (الذي يمكن أن يتغير إذا كان ذلك في صالح الواحد)، وفضيلة الشجاعة (التي تظهر غالبًا في السعي لتحقيق غايات شخصية، مثل إنقاذ فتاة في محنة، ولكن يمكن عرضها أيضًا في السعي لتحقيق أهداف شبه دينية، مثل البحث عن الكأس المقدسة (PKÄ, 143–4).

توجد مثل هذه الفضائل بادئ ذي بدء في عالم الفروسية القروسطي (وهي مُسخّرةٌ للهزء، يشير هيجل هنا إلى دون كيشوت ثيربانتس) (Aesthetics, 1: 591–2; PKÄ, 150). لكن من الممكن لهذه الفضائل أن تظهر بالصدفة وبشكل غير متوقع في أعمال أكثر حداثة، في الحقيقة، تظهر هذه الفضائل حرفياً في شكل فنيّ لم يتسّن لهيجل معرفته قط، ألا وهو الشكل الفني للغرب الأميركي.

تصوّر الهيئة الأساسية الثالثة للفن الرومانسي الحرية الشكلية للشخصية واستقلاليتها. لا ترتبط هذه الحرية بأي مبادئ أخلاقية، أو في الواقع، مع أي من الفضائل الرسمية المذكورة للتو، ولكنها تكمن ببساطة في “قوّة” (Festigkeit) الشخصية (Aesthetics, 1: 577; PKÄ, 145–6). هذه هي الحرية في هيئتها الدنيوية العلمانية الحديثة. ويعتقد هيجل أنها معروضة بشكل رائع في شخصيات مسرحيات شكسبير مثل ريتشارد الثالث وعطيل وماكبيث. لاحظ أن ما يهمنا بشأن هؤلاء الأفراد ليس أي غاية أخلاقية قد تكون لديهم، ولكن ببساطة ما تعرضه هذه الشخصيات من طاقة وتقريرٍ للمصير (وانعدامٍ للرحمة غالباً). يجب أن يكون لهذه الشخصيات ثراء داخلي (يتم الكشف عنه من خلال الخيال واللغة) وألا تكون مجرد شخصيات أحادية البعد، ولكن جاذبيتها الأساسية هي حريتها الرسمية في الالتزام بسلوك ما، حتى ولو كان على حساب حياتها الخاصة. لا تؤسس هذه الشخصيات لمُثُلٍ أخلاقية أو سياسية، لكنها تمثل الموضوعات الملائمة للفن الرومانسي الحديث الذي تتمثل مهمته في تصوير الحرية حتى في أكثر أشكالها علمانيّةً ولا أخلاقيّة.

يرى هيجل أيضًا الجمال الرومانسي في شخصيات أكثر حساسية وداخليّة، مثل جولييت لشكسبير. فبعد لقائها بروميو كما يلاحظ هيجل تتفتح جولييت على الحب وتصبح أكثر قابليّةً له كبرعم الورد، مملوءةً بالبراءة الطفولية الساذجة. بالتالي يكمن جمالها في كونها تجسيدا للحب. هاملت شخصية مشابهة إلى حد ما: بعيدًا عن كونه ضعيفًا (كما اعتقد غوته)، فإنه يعرض في رأي هيجل الجمال الداخلي للروح النبيلة العميقة  (Aesthetics, 1: 583; PKÄ, 147–8).

 

6.2.4 “نهاية” الفن

ينبغي للمرء أن يلاحظ أن تطور الفن الرومانسي، كما يصفه هيجل، ينطوي على زيادةٍ في علمنة (كناية عن طغيان الدنيوية) وأنسنة الفن. ففي العصور الوسطى وعصر النهضة (كما في اليونان القديمة) كان الفن مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالدين: كانت وظيفة الفن إلى حد كبير هي أن يجعل الإلهي مرئياً. لكن مع الإصلاح الديني فقد تحول الدين إلى الداخل ووجد الله حاضرًا في الإيمان وحده، وليس في أيقونات وصور الفن. كنتيجة لذلك، يشير هيجل إلى أننا نحن الذين نعيش بعد الإصلاح الديني “لم نعد نوقّر أو نبجّل الأعمال الفنية” (VPK, 6).وبالإضافة إلى ذلك، فقد تم تحرير الفن نفسه من ارتباطه الوثيق بالدين وأُحِلَّ له أن يُصبح دنيوياً بشكلٍ كامل. يُعبّر هيجل عن هذه الفكرة قائلاً: “إن الشيء الأهم للبروتستانتية هو أن تضع لنفسها موطئ قدم ثابت في هباء الحياة المنثور، أن تجعله معقولاً بشكل كلّيٍّ في ذاته مستقلاً عن الارتباطات الدينية، وأن تجعله يتطوّر بحريّةٍ مطلقة” (Aesthetics, 1: 598).

لهذا السبب، يرى هيجل أن الفن في العصر الحديث لم يعد يلبي أعلى احتياجاتنا ولم يعد يمنحنا الاكتفاء أو الإشباع الذي أعطاه للثقافات والحضارات السابقة. لبى الفن احتياجاتنا الأسمى عندما شكّل جزءا مكملاً من حياتنا الدينية وكشف لنا عن الطبيعة الإلهية، (وكما في اليونان عندما كشف لنا عن السمة الحقّة لالتزاماتنا الأخلاقية الأساسية). أما في عالم ما بعد الإصلاح الحديث، فقد استبرأ الفن من (أو أعتق نفسه من) الاستسلام والانقياد للدين. نتيجة لذلك، “فالفن الذي اعتُقِدَ أنه في أسمى رسالةٍ له، هو شيء من الماضي وسيظلّ بالنسبة لنا شيئاً من الماضي  (Aesthetics, 1: 11).

لا يعني هذا أن ليس للفن دورٌ يلعبه أو أنه لا يمنح ذلك الاكتفاء أو ذلك الإشباع على الإطلاق. لم يعد الفن الطريقة الأسمى أو الأكثر ملاءمةً للتعبير عن الحقيقة (كما كان حسب هيجل في أثينا القرن الخامس)؛ فنحن أبناء العصر الحديث نبحث عن الحقيقة النهائية أو “المطلقة” في الإيمان الديني والفلسفة وليس في الفن. (في الواقع، فإن الأهمية البالغة التي نُفردها للفلسفة، من منظور هيجل، بائنةٌ في ظهور الدراسة الفلسفية للفن نفسه في العصر الحديث [Aesthetics, 1: 11; VPK, 6] ). إلا أن الفن في العصر الحديث مستمّر في أداء وظيفته الجليّة بالتعبير بشكل مرئي وسمعيّ عن حريّتنا الإنسانية المتميّزة والتعبير عن فهمنا لأنفسنا في كلِّ إنسانيتنا المحدودة.

لا يدّعي هيجل بالتالي أن الفن يؤول ببساطة إلى النهاية أو أنه يموت في العصر الحديث. لكن وجهة نظرة هي أن الفن يلعب دوراً (أو يجب أن يلعب دوراً) أكثر محدودية من الدور الذي لعبه آنذاك في اليونان القديمة أو في العصور الوسطى. مع ذلك فهو يعتقد أن الفن في العصر الحديث يؤول إلى النهاية من جانب معيّن. ومن أجل فهم لماذا يعتقد بذلك، نحتاج إلى أن نأخذ بعين الاعتبار ادعاءه بأن الفن في العصر الحديث يتخلّف (zerfällt) منغمساً في استكشاف الحوادث والعوارض اليومية من ناحية، وتقديس الألمعيّة الهزليّة الذاتية من ناحية أخرى (PKÄ, 151).

يركز الكثير من الرسم والشعر بعد الإصلاح اهتمامه على التفاصيل غير المنتظمة للحياة اليومية العادية من وجهة نظر هيجل، بدلا من تركيزه على حميمية الحب الديني أو إصرار الأبطال التراجيديين المهيب وطاقتهم. حملت مثل هذه الأعمال الفنية في المجال الذي لم تعد فيه تطمح لإعطاء تعبير عن الإلهي أو الحرية الإنسانية، بل تبتغي (ظاهرياً على الأقل) أن تحاكي الطبيعة فحسب هيجل على التفكير فيما إن كانت لا زالت تُعتبر “أعمالاً فنية” بالمعنى الفلسفي الصارم (على عكس المعنى الأكثر استخداما) للمصطلح. على سبيل المثال، فإن التكوينات المجردة التي ابتكرها جاكسون بولوك أو كارل أندريه هي التي استدعت السؤال: “هل هذا فن؟”. لكن في رأي هيجل فإن الأعمال التي تثير هذا السؤال هي الأعمال التي تظهر على أنها طبيعية (بمعنى أنها لا تمثّل سوى الطبيعة فحسب) خالصة وتمثيلية. وجهة نظره هي أن مثل هذه الأعمال تعتبر أعمالًا فنية أصيلةً فقط عندما تتعدى محاكاة الطبيعة. ويؤكد أن الأعمال الطبيعية والنثرية غير المنتظمة (في الرسم) التي تحقق هذا المعيار على أفضل وجه، هي رسومات السادة الهولنديين (رسامو العصر الذهبي الهولندي) في القرن السادس عشر والسابع عشر.

يدّعي هيجل أنه في مثل هذه الأعمال، فإن الرسام لا يسعى ليرينا كيف يبدو العنب أو كيف تبدو الورود والأشجار: لأننا نعرف ذلك مسبقاً من الطبيعة. يسعى الفنان بدلاً من ذلك إلى تصوير الحياة (Lebendigkeit)  سريعة الأفول للأشياء: “بريق المعدن، أو تلألأ عنقودٍ من العنب على ضوء الشمعة، أو لمحةً متلاشيةً خاطفةً للقمر أو الشمس، أو ابتسامة، أو التعبير عن عاطفة عابرة سريعة”  (Aesthetics, 1: 599).  في الحقيقة، غالباً ما يسعى الفنان لإبهاجنا على وجه التحديد من خلال اللعب الحركي بألوان الذهب والفضة والمخمل والفراء. يلاحظ هيجل أننا في مثل هذه الأعمال لا نواجه تصويراً للأشياء فقط، بل “بشكلٍ أساسي، موسيقى موضوعية، ونغمةً في اللون [ein Tönen in Farben] ” (Aesthetics, 1: 598–600).

العمل الفني الأصيل هو التعبير الحسي عن الحرية الإلهية والإنسانية والحياة. يتضّح بالتالي أن الأعمال التي ليست إلا تصويراتٍ طبيعيةٍ نثريّة غير منتظمة للموضوعات اليومية أو للنشاطات الإنسانية ستتخلف عن الوصول للفن الأصيل. لكن الفنانين الهولنديين يحولون هذه التصويرات إلى أعمال فنية حقيقية حرفياً بتخضيب الموضوعات بـ”ربالة أو بشموليّة الحياة”. وبذلك يدّعي هيجل أنهم يعبرون عن حسّهم الخاص بالحرية، ذلك الحسّ المليء “بالسلوان” و”الاكتفاء”، ويعبرون أيضاً عن مهارتهم الذاتية المدرارة (Aesthetics, 1: 599; PKÄ, 152) . قد تفتقر لوحات هؤلاء الفنانين إلى الجمال الكلاسيكي للفن اليوناني، ولكنها تظهر بعظمة المحاسن الأريبة للحياة اليومية العصرية ومباهجها.

وُجد تعبير أكثر وضوحاً عن الذاتية بواسطة هيجل في أعمال الفكاهة الحديثة. تُبيّن مثل هذه الذاتية الفَكِهة الألمعية الساخرة – التي من الممكن أن ندعوها بـ”الفوضوية” – نفسها من خلال التلاعب بالمواضيع، و”تحوير” و”تشويش” ما هو جوهريٌّ ومهم، وفي “الحركة غير المنتظمة جيئة وذهاباً بين تقاطعات التعبيرات والاتجاهات ووجهات النظر الذاتية التي يضحي المؤلف بنفسه وبمواضيعه فيها على حد سواء”  (Aesthetics, 1: 601). يدعي هيجل أن أعمال “الفكاهة الحقيقية” مثل عمل لورنس ستيرن “آراء وحياة تريسترام شاندي” (1759) قد نجحت في جعل “ما هو أساسي وجوهري ينبثق من العوارض والأحداث غير المتوقعة”. “بالتالي تمنحنا الأحداث التافهة أو صغائر الأمور في مثل هذه الأعمال الفكرة الأسمى للعمق حرفياً” (Aesthetics, 1: 602). على النقيض، فإننا لا نواجه في أعمال أخرى – مثل أعمال أحد معاصري هيجل، جين بول ريختر – إلا “دمجاً باروكيّاً لأشياء تتباعد موضوعياً فيما بينها إلى أبعد حد” و”الخلط الأكثر اضطرابا وتشابكاً للمواضيع المتعلقة بخيال الكاتب الذاتي فقط (Aesthetics, 1: 601). لا نرى في مثل هذه الأعمال حريّة إنسانية تُعطي نفسها تعبيراً موضوعياً، بل نشهد بدلاً من ذلك ذاتيّة “تدمّر وتُحلل كل شيء يعتزم جعل نفسه موضعياً وأن يكتسب هيئة مكينة ً متراصةً في العالم الواقعي” (Aesthetics, 1: 601).

ولأن الأعمال الفكاهية لا تُعطي تجسيداً للحرية الحقيقية المحددة لمصيرها والحياة – أو أنها تقدّم الفكرة الأسمى للعمق – بل تكتفي بتبيين القوة الاعتباطيّة لهذه الألمعيّة الذاتية في تقويض التراتبية المستقرة – فإنها حسب رؤية هيجل ليست أعمالاً فنية أصيلة. وبالتالي، فعندما يمضي الفن بنفسه في هذا السبيل فإنه يؤول إلى النهاية  [so hört damit die Kunst auf]  (PKÄ, 153).  يُعلن هيجل بهذا المعنى أن الفن ينتهي في العصر الحديث. ليس لأن الفن لم يعُد يؤدي وظيفة فنيّة وبالتالي لم يعد يُلبّي الرسالة الأسمى للفن؛ بل لأن هناك “أعمالاً فنية” معيّنة قد ظهرت في العصر الحديث لم تعد تعبيراً عن الحرية الإنسانية الحقّة والحياة وبذلك لم تعُد أعمالاً فنية أصيلة على الإطلاق.

و رغم ما لوحظ أعلاه، فلا يعني هذا أن الفن ككل ينتهي في بدايات القرن التاسع عشر. للفن مستقبل حسب رؤية هيجل، يقول: “نأمل ذلك، فالفن سيواصل السموَّ للأعلى والسعي إلى الكمال دائماً” (Aesthetics, 1: 103). إن الطابع المميز للفن الأصيل بالنسبة لهيجل في الحداثة المعاصرة (والمستقبلية) – وبالتالي للفن الحديث الأصيل – ذو وجهين. فهو من جهةٍ مُلزم بالتعبير عن الحياة الإنسانية والحرية الإنسانية العينيّتين، ومن جِهة أخرى فهو لم يعُد مقيداً بأيٍّ شكلٍ من الأشكال الثلاثة للفن. إن صحّ القول فإنه لا لزام على الفن الحديث في أن يمثُل لخصائص الفن الكلاسيكي أو أن يستكشف الجوانيّة العاطفية العارمة أو الحرية البطوليّة أو العمومية أو العادية الوثيرة المستريحة اللواتي نجدهن في الفن الرومانسي. يستطيع الفن الحديث حسب هيجل الاستفادة من مميزات أي شكل من أشكال الفن (بما في ذلك الفن الرمزي) والاعتماد عليها في تمثيله للحياة الإنسانيّة. في الحقيقة فإنه يستطيع تمثيل الحياة الإنسانية والحرية على نحوٍ غير مباشر عبر تصوير الطبيعة.

 

بالتالي لا ينبغي أن ينصبّ تركيز الفن الحديث على تصوّر محدد واحد عن الحرية الإنسانيّة وتفضيله على تصوّرٍ آخر. “قدس الأقداس” الجديد في الفن هو الإنسانية نفسها Humanus”” أي “أعماق وأعالي القلب الإنساني في حد ذاته، الأنامُ في حبورهم ومآسيهم، في كفاحهم وأعمالهم، وفي مصائرهم” (Aesthetics, 1: 607).  يتمتع الفن الحديث، من وجهة نظر هيجل، بحرية غير مسبوقة في استكشاف “لا نهائية الفؤاد البشري” بطرق متعددة (, 181) . لهذا السبب، لا يمكن لهيجل إلا قول القليل عن المسار الذي يجب على الفن أن يسلكه في المستقبل؛ وهو المسار الذي يتحتم على الفنانين تحديده.

حُكم هيجل بأن الفنانين المعاصرين أحرار في تبنّي أي أسلوب يحلو لهم – وهم مستأهلون لذلك تماماً – لمُتحققٍ بواسطة تاريخ الفن منذ وفاته عام 1830.  ولكن هناك سبب للشك في أن هيجل ربما لم يرحب بالعديد من التطورات في الفن ما بعد الهيجلي. ويرجع ذلك إلى حقيقة أنه على الرغم من أنه لم يضع أي قواعد تحكم الفن الحديث، إلا أنه يحدد بعض الشروط المعينة التي يجب أن تتوافر إذا ما أُريدَ للفن الحديث أن يكون فناً أصيلاً. يُشير هيجل على سبيل المثال إلى أن مثل هذا الفن “يجب ألا يناقض الميثاق الرسمي في كونه جميلًا ببساطة وكفيلاً بالتناول الفني” (Aesthetics, 1: 605; VPK, 204). فهو يُصرّ على أن الفنانين المعاصرين يجب أن يستقوا محتواهم أو مضمونهم الفني من روحهم الإنسانية و”أن لا شيء يمكن أن يعيش في [lebendig] في صدر الإنسان يمكن أن يكون غريباً عن تلك الروح”. وهو يرى أيضاً أنه يمكن للفن الحديث أن يمثل “كل شيء حيث يستطيع الوجود البشري في حد ذاته أن يكون في منزله [heimisch]” (Aesthetics, 1: 607) . قد تبدو هذه ظروفًا حميدةً غير ضارة إلى حد ما، لكنها تشير إلى أن بعض الأعمال الفنية الما بعد هيجلية قد لا تُحتسب كأعمال فنية أصيلة في عينيّ هيجل. قد تشمل هذه الأعمال أعمالًا لا يمكن بأي حال من الأحوال إطلاق لفظة “جميل” عليها (مثل بعض لوحات ويليم دي كونينج أو فرانسيس بيكون)، أو الأعمال التي من الصعب بشكلٍ جليٍّ أن تشعر بأنها “في المنزل” ( مثل كتابات فرانز كافكا). وتُظهر رؤية هيجل للفنون المختلفة (مثل النحت والرسم) أيضًا أنه لم يكن يعتبر النقلة في الفن البصري من الاستعارية إلى التجريدية نقلةً سديدة: فقد برعَ الرسامون الهولنديون في الفترتين (الفلمنكية البدائية وفي العصر الذهبي للرسم الهولندي) في خلق “موسيقى موضوعية” عبر اللعب بالألوان، لكنهم لم يبرعوا في الموضوعات المجردة بل برعوا في تصوير المواضيع العينيّة المعرّفة والمحدَّدة فقط. (يتبنى روبرت بيبين وجهة نظر مختلفة حول هذه النقطة الأخيرة ؛ انظر بيبين 2007.)

قد يبدو موقف هيجل تقليدياً محافظاً من وجهة نظر القرن العشرين أو القرن الحادي والعشرين. لكنه كان يحاول، من وجهة نظره، أن يفهم الشروط والظروف الواجب توافرها في الأعمال الفنية حتى تكون أعمالاً فنية أصيلة وحديثة حقاً. لم يجد بعض الفنانين الحديثين أي مشكلةٍ في توفير الشروط التي حددها هيجل – أي أنه لزامٌ على الفن أن يمثّل ثراء حرية الإنسان وثراء الحياة وأنه يجب أن يُتيح لنا أن نشعر وكأننا في موطننا ومسكننا بتصويراته –  (الانطباعيون مثل مونيه وسيسلي وبيزارو على سبيل المثال). أما بالنسبة لبعض الفنانين الحديثين الآخرين فقد كانت هذه الشروط ببساطة، تقييديةً للغاية. بالتالي فقد سلك الأخيرون مسلكاً ينقطع فيه الفن الحديث عن كونه فناً بالمعنى الحق نهائياً من المنظور الهيجلي.

 

6.3 سيستام الفنون الفردية

ليس الفن تطوراً تاريخياً فحسب تبعاً لرواية هيجل (من الفن الرمزي مروراً بالفن الكلاسيكي ثم إلى الفن الرومانسي ثم الحديث)، بل يميز نفسه أيضًا في فنون مختلفة. كل فن له سمةٌ مميزة ويُظهر تقارباً أو تآلفاً معيناً مع شكلٍ أو أكثر من أشكال الفن. لا يقدم هيجل سردًا شاملاً لجميع الفنون المُعتمدة (فلا يقول الشيء الكثير عن الرقص مثلاً، ولا شيء بالطبع عن السينما)، لكنه يتطرق إلى الفنون الخمسة التي يعتقد أن فكرة الفن الأساسية نفسها جعلتها ضرورية.

 

6.3.1 العمارة

كما نتذكر، فإن الفن هو التعبير الحسي عن الحرية الإلهية والإنسانية. وإذا كان الهدف هو إثبات أن الروح حرة بالفعل، فيجب أن يُظهر الفن أن الروح حرة بالنسبة لما هو في ذاته غير حُر، مجرّدٌ من الروح والحياة – أي تلك المادة غير العضوية ثلاثية الأبعاد والمُثقلةِ بالجاذبية. لذلك يجب أن يكون الفن هو تحول هذه المادة البكماء الثقيلة إلى تعبير عن الحرية الروحية، أو ما يسميه هيجل “تشكيلُ اللاعضوي” (VPK, 209). الفن الذي يعطي المادة الثقيلة الهيئة الصريحة أو الشكل الأكثر وضوحاً للحرية الروحية هو فن النحت، ويفعل ذلك عبر تحويل الحجر والمعدن إلى هيئة إنسانٍ أو إله. على النقيض من ذلك، تُعطي العمارة هيئة مجرّدةً غير عضويّةٍ للمادة يبتكرها الفهم الإنساني. فالعمارة لا تُضفي طابعاً حيوياً على المادة كأسلوب النحت لكنها تمنح المادة تناغماً وتناسقاً وتماثلاً بشكلٍ مكثّف (PKÄ, 155, 166). وبذلك لا تحوِّل العمارة المادّة إلى تعبيرٍ حسيٍّ مباشر عن الحرية الروحية، بل تحولها إلى محيطٍ اصطناعيٍّ إبداعيّ مُشكَّلٍ ليُحيطُ بالتعبير المباشر عن الحرية الروحية الموجودِ في فن النحت. يحقق فن العمارة مبتغاه وغايته إذن عندما يبتكر معابدَ كلاسيكية تسكنها تماثيل الآلهة (VPK, 221).

ومع ذلك، يشير هيجل إلى أن العمارة قد أخذت الهيئة الأكثر بدائية للعمارة “الاستقلالية” (selbständig) أو “الرمزية” قبل ظهور العمارة الكلاسيكية في اليونان القديمة (Aesthetics, 2: 635; PKÄ, 159). لا تأوي المنشآت التي تندرج ضمن هذه الفئة أو تُحيطُ بالمنحوتات الفردية، بل هي ذاتها نحتيّةٌ جزئياً ومعماريّةٌ جزئياً. فهي أعمالُ نحتٍ معماريّ أو عمارةٍ نحتيّة. تكون هذه المنشآت نحتيةً طالما أنها موجودةٌ لكونها نحتاً فقط، ولا تُتّخذُ كمأوى أو تُحيطُ بشيء آخر. وتكون معماريّةً طالما أنها ثقيلة وضخمةٌ بشكلٍ ظاهر وتفتقر إلى الحيوية الموجودة في النحت. ويتمّ ترتيبها أيضاً في بعض الأوقات على هيئة صفوف، كالأعمدة، بلا أي فرديّةٍ فارقة متميزة.

بعض أعمال العمارة المستقلة هذه لها أشكال هندسية غير عضوية منتظمة (مثل معبد بل في تدمر الذي وصفه هيرودوت) (انظر هيرودوتوس، 79-80 [1: 181]) ؛ وبعضها تجسيد واضح “للقوة العضوية للحياة في الطبيعة” (مثل فالوس ولينغام) (Aesthetics, 2: 641)؛ وبعضها له هيئة إنسانية، وإن كان الواحد منها مجرداً وعملاقاً (مثل تمثالي ممنون المصريين لأمينحوتيب الثالث). إلا أن مثل هذه الأبنية أو المنشآت لها أهمية رمزية لأولئك الذين شيّدوها في رأي هيجل. فهي لم تُشيّد ببساطة لتُتّخذ كمأوى أو لتوفّر حمايةً للناس (مثل البيت أو القصر)، إنما هي أعمالٌ فنيّةٌ رمزية.

لهذه الإنشاءات أو الأبنية “المستقلة” معنىً في حد ذاتها: فمعانيها تكمن على سبيل المثال، في شكلها أو في عدد أجزائها. على النقيض من ذلك، فللأهرامات المصرية “معنى” منفصل عن البناء نفسه. ذلك “المعنى” هو بالطبع جسد الفرعون الميت. وبما أن الأهرامات تضمُّ بين ثناياها شيئاً غير ذاتها فهي حسب هيجل على الطريق القويم لتكون، بشكلٍ أساسيّ، أعمالاً معماريّةً بحق. لكنها على الرغم من ذلك لا تصل إلى أن تكون عمارةً كلاسيكية حقّة، لأنها تحتوي داخلها الموت، وليس تجسيد الإله الحي: فهي كما يصفها هيجل “بلّورات تتغمّدُ أرواحاً مُفارقة” (VPK, 218) . علاوة على ذلك، فإن “المعنى” الذي تحتويه مخفي بالكامل داخلها، وغير مرئي للجميع. وبالتالي تظل الأهرامات أعمالًا فنية رمزية تشير إلى معنى خفي مدفون فيها. في الواقع، كما لوحظ أعلاه، يزعم هيجل أن الهرم هو صورةٌ أو رمز للفن الرمزي نفسه (Aesthetics, 1: 356) .

زُبدة الفن الرمزي هي العمارة الرمزية (على وجه التحديد، الأهرامات). ورغم ذلك، فإن العمارة نفسها لا تصل إلى مستوى الاستقلالية والنضوج إلا بظهور الفن الكلاسيكي: وفقط في العهد الكلاسيكي توفّر العمارة إحاطةً بالنحت الذي هو ذاته تجسيدٌ للروح الحرّة، وبالتالي تُصبح موظَّفةً له.

لدى هيجل الكثير ليقوله عن الهيئة الحقة لمثل هذا الوسط المحيط. النقطة الأساسية هي أن الحرية الروحية تتجسد في نحت الإله. بيت الإله – المعبد – هو شيء مختلف تمامًا عن النحت الذي يحيط به والذي هو (بيت الإله) مُطوَّعٌ له؛ وبالتالي يجب ان تكون هيئة ذلك المعبد متمايزةً تماماً عن هيئة المنحوتة. ثمّ لا يجب أن يكون المعبد محاكياً لمعالم الجسد الإنساني المنسابة، بل عليه أن يكون محكوماً بالمبادئ المجردة المنتظمة والمتماثلة والمتناغمة.

يصر هيجل أيضًا على أنه يجب ان تتحدد هيئة المعبد من خلال الغرض الذي تخدمه: أي أن يوفر إحاطةً وحمايةً للإله (VPK, 221). يعني هذا أن الشكل الأساسي للمعبد يجب أن يحتوي فقط على الميزات المطلوبة لتحقيق ذلك الغرض. علاوة على ذلك، فهذا يعني (من وجهة نظر هيجل) أن كل جزء من المعبد يجب أن يؤدي وظيفة محددة ضمن نظام المبنى بالكامل وأنه يجب الا تُخلط الوظائف المختلفة لكل جزء مع بعضها البعض. هذا المتُطلّب الاخير هو ما يجعل الأعمدة ضرورية. هناك فرق بالنسبة لهيجل بين مهمة رفع السقف وبين مهمة الإحاطة بالمنحوتة ضمن مساحة مُعطاة. المهمة الثانية – مهمة الإحاطة – يتم تنفيذها بواسطة جدار. إذا كان لزاماً على المهمة الأولى أن تكون متمايزة بشكل واضح عن المهمة الثانية، فيجب ألا يتم تنفيذها بواسطة جدار بل بواسطة معلمٍ منفصلٍ خاص بالمعبد. الأعمدة ضرورية في المعبد الكلاسيكي حسب هيجل، لأنها تؤدي المهمة الخاصة المتمثلة برفع السقف دون تشكيل أي حائط. وبالتالي فإن المعبد الكلاسيكي هو أكثر الأبنيةِ جلاءً نظرًا لأنه يتم تنفيذ وظائف مختلفة بهذه الطريقة بواسطة ميزات معمارية مختلفة، وتبقى تلك الميزات متناغمة مع بعضها البعض دون شائبةٍ تشوبها. وهنا في الحقيقة، يكمن جمال مثل هذا المعبد (VPK, 221, 224).

على عكس العمارة الكلاسيكية، فإن العمارة الرومانسية أو “القوطية” تعتمد على فكرة البيت المُغلق حيث تجد الجوانية المسيحية ملاذاً لها من العالم الخارجي. تتموضع أعمدة الكاتدرائية القوطية ضمن المساحة المطوقة المغلقة بدلاً من أن تكون مُحيطةً بخارجها، ووظيفتها البائنة لم تعد رفع الثِّقَل فحسب، بل أصبحت وظيفتها توجيه الأرواح  إلى السماوات. وبالتالي، لا تنتهي الأعمدة أو الدعامات بنهايات محددة (بتيجان الأعمدة التي ترتكز عليها العضادة الأفقية للمعبد الكلاسيكي)، بل تمتدُ مكمّلةً بعضها البعض مشكِّلةً قوساً مدبباً أو سقفاً مسنّماً. وبهذه الطريقة لا تأوي الكاتدرائية القوطية روح المجتمع الديني فحسب، لكنها أيضاً ترمز إلى الحركة الصعودية لتلك الروح في بنيتها وتكوينها الأساسيين. (PKÄ, 170–1).

يستعرض هيجل مجالاً صغيراً نسبياً من المباني: فهو لا يكاد يقول شيئًا على سبيل المثال، عن المباني المدنية أو العلمانية البعيدة عن الدين. لكن ينبغي على المرء أن يضع في باله أنه مهتم بالعمارة بقدر ما هي فن فقط، وليس بقدر ما توفره لنا من حماية وأمانٍ في حياتنا اليومية. وعليه فتجدر الإشارة إلى أن العمارة تتخلف عن كونها فناً أصيلاً كما يصفها ويعرّفها هيجل، طالما أنها ليست التعبير الحسيّ المباشر عن الحرية الروحية ذاتها (كما هو الحال في النحت) (see Aesthetics, 2: 888). يُعتبر هذا التحديد أساسياً بالنسبة للعمارة: فبُنيات “العمارة المُستقلة” تُشير إلى معانٍ غير محددةٍ تقريباً؛ تُشير الأهرامات إلى حضورِ معنى خفيّ، أي الموت؛ وحتى في هيئاتها الكلاسيكية والرومانسية تبقى العمارة فناً “رمزياً”، طالما أن البُنيان الذي تنتجه يبقى منفصلاً عن الروح التي يحتضنها في جوفه (Aesthetics, 2: 888). لا يمكن للعمارة بأي حال من الأحوال أن تكون تبياناً صريحاً أو تجسيداً للروحانية الحرة ذاتها. لا يجعل هذا الأمر العمارة أقلّ ضروريّة رغم ذلك، كونها جزء من جماليّاتنا وحياتنا الدينية. ولا يمنع هذا الأمر هيجل أيضاً من السعي إلى فهم الفارق في فن العمارة (خلافاً للممارسة اليومية للعمارة والأعمال الخاصة بها) بين الحقبتين الكلاسيكية والرومانسية والتمييز بينهما.  

 

6.3.2 النحت

على عكس العمارة، يحوّل النحت المادة الثقيلة إلى التعبير العينيّ عن الحرية الروحيّة بإعطائها هيئة الكائن الإنساني. بلغ النحت نقطته الأسمى بالنسبة لهيجل في اليونان الكلاسيكية. فغالباً ما كانت تماثيل النحت المصري تنتصب على قدميها ثابتةً وتسبق إحدى القدمين الأخرى بينما اليدان ملتصقتان بإحكامٍ بجانبي الجسد، مما يعطي التماثيل مظهراً ميتاً فوق المظهر الأصم الذي تبدو عليه. على النقيض من ذلك، فالتماثيل المُستمثلة للآلهة التي صنعها النحاتون الإغريقيون، مثل فيدياس وبراكسيتيليز، تبدو مفعمةً بالحيوية والحركة والحياة بشكلٍ واضح، حتى عندما تُصوَّر الآلهة على أنها ساكنةٌ أو راقدة. يكون التحريك واضحاً للعيان في وضعة التمثال وفي معالم الجسد الدقيقة وفي السقوط الحرّ لملابسه أيضاً. يُكنّ هيجل عظيم الإجلال والتقدير لنحت مايكل آنجلو – كانت منحوتته “بييتّا” بعضاً مما ألقى هيجل عليه النظر في برلين (Aesthetics, 2: 790) – لكنّ الإغريقيين هم الذين وضعوا معايير الجمال النحتيّ “المثالي” في نظره. في الواقع، يجسّد النحت الإغريقي حسب هيجل الجمال الأنقى الجدير بالفن نفسه. (لدراسةٍ أكثر تفصيلاً لمنظور هيجل للنحت، انظر Houlgate 2007, 56–89 ).

 

6.3.3 الرسم

كان هيجل يدرك جيدًا أن التماثيل اليونانية غالبًا ما كانت تُرسم بطريقةٍ مُبهرجة تماماً. لكنّه يدّعي أن النحت يعبّر عن الحرية الروحية والحيوية بالهيئة ثلاثية الأبعاد للتمثال، وليس بالألوان المطبّقة عليه. في الرسم على النقيض من ذلك، فاللون هو الوسط التعبيري الأساسي. ليس المغزى من الرسم بالنسبة لهيجل أن يُرينا كيف تبدو الروح الحرة مجسّدةً بالكامل، بل المغزى هو أن يُرينا كيف تبدو الروح الحرّة فقط، كيف تُظهر نفسها للعين. بالتالي تفتقر صور الرسم ثلاثيَّةَ الأبعادِ الموجودة في النحت، لكنها تُضيف التفصيل والخصوصية التي يوفرها اللون.

يُقرّ هيجل بان الرسم قد بلغ مرحلةً من الكمال في العالم الكلاسيكي، لكنه يحافظ على موقفه القائل بأن الرسم ملائمٌ أكثر للتعبير عن الروحانيّة المسيحية والرومانسية (والحرية العلمانية لحداثة ما بعد الإصلاح الديني) (PKÄ, 181). هذا لأن غياب الصلابة الجسدية وحضور اللون يسمح للروحانية الداخلية للعالم المسيحي بأن تبيّن نفسها بشكلٍ أكبر مثلما هي. فإذا كان النحت هو التجسيد الماديّ للروح، فالرسم، بشكلٍ أساسي، يمنحنا وجه الروح الذي تبيّن الروح في الداخل نفسها من خلاله كما هي بالضبط (PKÄ, 183).

من ناحيةٍ ثانية، فالرسم قادرٌ أيضاً -على عكس النحت- أن يضع الروح الإلهية والإنسانية في علاقة مع بيئتهما الخارجية: فهو قادرٌ على أن يُضمّن المناظر الطبيعية والعمارة التي تُحيط بالمسيح ومريم العذراء والقديسين أو المدنيين في الصورة المرسومة ذاتها (Aesthetics, 2: 854). في الواقع، يُحاجّ هيجل بأن الرسم بالمجمل – على عكس النحت الذي برَعَ في تمثيل الأفراد االمستقلين الواقفين بحريّةٍ دون الاعتماد على الآخر – ملائمٌ أكثر في إظهار علاقة الإنسان ببيئته وبالإنس الآخرين: ومن هنا تبرز الأهمية في رسم تصويرات الحب بين مريم العذراء والمسيح الطفل على سبيل المثال.

منظور هيجل للرسم غنيٌّ بشكلٍ استثنائي وواسع النطاق. ولديه إشادة مستفيضة برافائيل وتيتيان والسادة الهولنديين، وهو كما ذُكر مسبقاً مهتمٌّ بشكلٍ خاص بالطريقة التي يستطيع بها الرسامون مزج الألوان مبتكرين بذلك ما يدعوه هو “بالموسيقى الموضوعية” (Aesthetics, 1: 599–600). ويجب أن يُذكر رغم ذلك أن هيجل يرى الدور المجرّد للألوان كجزء مكمِّل في تصوير الإنس الأحرار، ولا يقترح أن يُصبح الرسم مجرداً وموسيقياً بشكلٍ خالص على الإطلاق (كما أصبح في القرن العشرين).

 

6.3.4 الموسيقى

الفن التالي في “سيستام هيجل للفنون الفردية” هو الموسيقى نفسها. حيث تبلغ هي أيضاً مرحلة النضج والاستقلالية والكفاءة في الفترة الرومانسية. وتُعطي الموسيقى على غرار النحت والرسم، تعبيراً مباشراً للذاتيّة الحرّة، بعكس العمارة. لكنّ الموسيقى تُبحر أكثر في اتجاه التعبير عن جوانيّة الذاتية بإسقاط أبعاد المكان بالمجمل. بالتالي لا تُعطي الموسيقى تعبيراً بصرياً مستديماً لمثل هذه الذاتية، إنما تعبّر عنها بواسطة التسلسل المنظم للأصوات المتلاشية. تنشأ الموسيقى بالنسبة لهيجل في الإفصاح المباشر عن المشاعر، أو ما يدعوه “بالملاحظة الاعتراضية أثناء الحديث، أو النداء الصوتي الذي يفيد التعبير عن مشاعر الدهشة أو الخوف أو التعجب أو الألم، أو الإقحام” “interjection” – “أوّاه القلب وآهه” – (Aesthetics, 2: 903) . لكنّ الموسيقى أكثر من مجرد البكاء بسبب الألم أو التنهّد؛ بل هيَ إقحامٌ منتظمٌ متطورٌ إيقاعي. بالتالي فالموسيقى ليست تتالياً للأصوات من أجل التعافي فحسب، إنما هي التعبير المُهيكل المشيّد في أصوات الذاتية الداخلية. تسمح الموسيقى للروح من خلال الهارمونيكا والإيقاع واللحن بأن تستمع إلى حركتها الداخلية وأن تتأثر بالمقابل بما تسمعه. “إنها روحٌ، نفسٌ تُرجع الصدى لنفسها توّاً وتشعر بالرضى لسماع ذاتها [in ihrem Sichvernehmen]” (Aesthetics, 2: 939, translation altered).

تعبر الموسيقى عن حركة الروح في الزمن عبر التباين والنشاز وعودتها إلى وحدتها مع ذاتها وتسمح لنا بسماع هذه الحركة والاستمتاع بها. وتعبّر أيضاً عن مشاعر مختلفة عدّة مثل الحب والشوق واللهفة والبهجة والفرح وتقودنا إليها (Aesthetics, 2: 940). لكن الغاية من الموسيقى حسب هيجل ليست فقط إثارة تلك المشاعر فينا بل – كما هو الحال في كل الفن الأصيل – أن تمكننا من الاستمتاع بحسٍّ من التآلف والرضا مع ما نواجهه. هذا هو سر الموسيقى “المثالية” الحقّة كما يدّعي هيجل، موسيقى باليسترينا وغلوك وهايدن وموتزارت: حتى في الكَدَرالأعمق، “لا تُفقد سكينة الروح مطلقاً [ … ]؛ يُعبَّرُ عن الكَدَر أيضاً هناك في الموسيقى، لكنه ما ينفكُّ يُخفف حالاً؛ [ …]  يُستبقى كُلّ شيءٍ مع بعضه بإحكامٍ في شكلٍ مضبوطٍ مقيّد حتى لا يتداعى التهلّلُ إلى جعجعةٍ منفّرة، حتى الرثاء يعطينا السكينة الأكثر مباركة” (Aesthetics, 2: 939).

يلاحظ هيجل أن الموسيقى قادرة على التعبير عن المشاعر بجلاءٍ خاص عندما تكون مصحوبة بنص شعريّ، وقد كان لديه تعلُّق مميز بالموسيقى الكنسيّة والأوبرا. لكنه وبشكل مثير للانتباه يحاجّ بأنه في مثل هذه الحالات فإن النص هو الذي يخدم الموسيقى وليس العكس حيث تكون الموسيقى هي التي تعبّر عن الحركات العميقة للروح في المقام الأول (Aesthetics, 2: 934). لكن ليس على الموسيقى أن تكون مصحوبةً بنص؛ حيث بإمكانها أيضاً أن تكون موسيقى آلاتية “مستقلّة”. تحقق مثل هذه الموسيقى الهدف من الفن عن طريق التعبير عن حركة النفس وقيادة النفس بالمقابل لملاقاة “انفعالات منسجمة معها” (Aesthetics, 2: 894). وبالإضافة إلى هذا التعبير عن حركة النفس، تواصل الموسيقى في الارتقاء المنهجيّ البحت لثيماتها وتوافقياتها harmonics من أجل ذاتها فقط لا من أجل شيء آخر. ملائمٌ بشكلٍ مثالي للموسيقى أن تفعل هذا الشيء، في الواقع إنه لمن الضروريّ أن تفعله من وجهة نظر هيجل. لكن الخطر الذي يراه هو أن يصبح هذا الارتقاء المنهجي مسلوخاً تماماً عن التعبير الموسيقي عن المشاعر الداخلية والذاتية، وبالتالي كنتيجة لذلك يمكن للموسيقى أن تكفَّ عن كونها فنّاً أصيلاً وتصبح مجرّد شيءٍ فنّي. تفقد الموسيقى نفسها بطريقةٍ ما وتصبح “مهارةً وبراعةً في التأليف” ليس إلا (Aesthetics, 2: 906). لا تعود الموسيقى تثير أي مشاعر لدينا عند هذه النقطة، لكنها ستشغل عقلنا المجرد فقط بكل بساطة. تُصبح الموسيقى عندئذٍ حقل “الخبير” العالم، وتترك العاميّ “الذي أكثر ما يحبّه في الموسيقى [ … ] هو تعبيرها الجليّ الواضح عن الأفكار والمشاعر وراءها” (Aesthetics, 2: 953).

يعترف هيجل بأنه ليس ضليعاً في الموسيقى كما هو حاله في بقيّة الفنون التي ناقشها وتدارسها. غير أنه كان يكنّ عظيم التقدير ليوهان سيباستيان باخ وهايدن وموتزارت وتحليلاته للإيقاع، وأن اللحن والهارمونيكا لديه نيّران على أعلى المستويات. وقد كان متآلفاً مع موسيقى كارل ماريا فون فيبر الذي عاصره ولو أنه كان ناقداً لها، وقد تعلّق بشكل خاص بموسيقى روزيني (Aesthetics, 1: 159, 2: 949). ومن المثير للدهشة أنه لم يذكر بيتهوفن قط.

 

6.3.5 الشعر

الفن الأخير الذي يعتبره هيجل أيضًا فنَّ صوت، لكنّه صوتٌ يُفهم على أنه علامة تدل على الأفكار والتمثلات الداخلية – الصوت ككلام أو كخطاب، هو فن الشعر (Poesie) بالمعنى الواسع للمصطلح. يعدّ هيجل الشعر على أنه “الفن الأكثر جمالاً وتماماً” (PKÄ, 197)، لأنه يزوّدنا بالتعبير الأغنى والأكثر عينيّةً عن الحرية الروحية (على عكس النحت الذي في هيئته الكلاسيكية يعطينا الجمال المثاليّ الأنقى). الشعر كفيلٌ بإظهار الحرية الروحية كجوانيّة متمركزةٍ مكثّفة أو كأفعال لها حيز في الزمان والمكان. وهو موجودٌ بالتساوي في الفن الرمزي والفن الكلاسيكي والفن الرومانسي، مما يُفيد بأنه “أكثر الفنون طلاقةً” (Aesthetics, 2: 626).

ليس الشعر بالنسبة لهيجل عرضاً مهيكلاً منظماً للأفكار، بل هو الإفصاحُ والتعبير عنها في اللغة، في الواقع، في اللغة المحكيّة المنطوقة عوضاً عن المكتوبة. وعليه فالجانب المهم لفن الشعر – والذي يفرّقه بوضوحٍ عن النثر – هو الترتيب الموسيقي للكلمات نفسها أو “النظم”، يدّعي هيجل في هذا الصدد أن هناك فروقاتٍ مهمّة بين الفنّين الكلاسيكي والرومانسي: فقد وضع القدماء الكثير من التوكيد والتشديد على بنيات نظمهم الإيقاعية، بينما كانت القافية أكثر ما استُخدم في العالم المسيحي (وخصوصاً في فرنسا وإيطاليا) (PKÄ, 201–4).

الأشكال الثلاثة الأساسية للشعر التي حددها هيجل هي الشعر الملحمي والغنائي والدرامي.

 

6.3.5.1 الشعر الملحمي والغنائي

يعرض الشعر الملحمي الحرية الروحية – أي البشر الأحرار – في سياق عالم من الأحداث والأحوال والظروف. ينوّه هيجل إلى أن “الأفراد في الملحمة يتصرفون ويفعلون ويشعرون؛ إلا أن أفعالهم غير مستقلّة، فللأحداث حقّها أيضاً”. بالتالي فإن ما هو موصوف في مثل هذا الشعر هو “مسرحيّة بين الأحداث والأفعال” (PKÄ, 208). الأفراد الملحميون أفرادُ موضوعون مغمورون بإرادة وإقدامٍ بالغين (مثل حرب طروادة في إلياذة هوميروس). ما يفعلونه بالتالي يتحدد بالموقف الذي يجدون أنفسهم فيه حسب إرادتهم، وعواقب أفعالهم تخضع بشكلٍ كبير لرحمة الظروف. بالتالي يُظهر لنا الشعر الملحمي السمة العالمية (من ناحية العادية والإنسانية وليس الدينية والروحية) للحرية الإنسانية مصحوبةً بتحديداتها. (يشير هيجل إلى أنه في هذا الشأن فالإسكندر الأكبر لم يشكّل موضوعاً جيداً للشعر الملحمي، لأن “جيشه كان عالمه، كان خَلقُه تحت سيطرته، وبذلك لم يكن حقاً مستقلاً بإرادته [PKÄ, 213].)

من بين كل القصائد الملحمية العظيمة فالقصائد التي ناقشها هيجل ودرسها هي أوديسة هوميروس وكوميديا دانتي الإلهية والقصيدة الملحمية الإسبانية القروسطية “السِّيد”. لكنّ الكثير مما كان عليه قوله حول الملحمة معتمدٌ على قراءته لإلياذة هوميروس. يزعم هيجل أن الملحمة تتنحى عن الطريق للرواية في الفترة الحديثة (PKÄ, 207, 217).

على عكس البطل الملحمي، فلا يقوم موضوع الشعر الغنائي بأداء المهام أو القيام بالرحلات أو المغامرات في العالم، ولكنه ببساطة يعطي تعبيرًا لأفكار الذات ومشاعرها الداخلية من خلال (التراتيل أو القصائد المغنّاة أو الأغاني). يمكن القيام بذلك مباشرة أو عبر الوصف الشعري لشيء آخر، مثل الورد أو النبيذ أو شخص آخر. كما هو الحال دائمًا، فإن ملاحظات هيجل حول الشعر الغنائي تشهد على معرفته الاستثنائية وبصيرته الناقدة. وهو يثني بشكل خاص ووفير على ديوان غوته الغربي الشرقي (1819) لكنه ينتقد شاعر القرن الثامن عشر فريدريش غوتليب كلوبستوك بسبب رغبته في إنشاء “ميثولوجيا شعرية” جديدة (Aesthetics, 2: 1154–7; PKÄ, 218).

 

6.3.5.2 الشعر الدرامي

يجمع الشعر الدرامي بين مبادئ الشعر الملحمي والشعر الغنائي. فهو يعرض شخصياتٍ فاعلة في العالم – في موقف معين – ولكن أفعالهم تصدرُ مباشرةً من إرادتهم الداخلية. (بدلاً من أن تتحدد بشكلٍ تشاركي بواسطة أحداثٍ تحت سيطرة وسيطٍ ما). وبالتالي تمثّل الدراما عواقب أفعال الإنسان الحر نفسه – وغالباً ما تكون تدميراً ذاتيًا – .

الدراما بالنسبة لهيجل هي الفن “الأسمى” والأكثر عينيّة (PKÄ, 205) – الفن الذي يكون فيه البشر هم أنفسهم وسط التعبير الجمالي. (إن رؤية مسرحية مؤداةٍ بواسطة ممثلين، بدلاً من سماعها تقرأ بصوت عالٍ أو قراءتها بأنفسنا، هي مسألةٌ أساسية من وجهة نظر هيجل، للتجربة الدرامية [Aesthetics, 2: 1182–5; PKÄ, 223–4]). الدراما بالفعل، هي الفن الذي يحتوي كل الفنون الأخرى (فعليًا أو افتراضياً): “الكائن البشري هو التمثال الحي، وتُمثّل العمارة بالرسم أو تكون هناك عمارةٌ حقيقية”، – وفي الدراما الإغريقية خصيصاً – “هنالك موسيقى ورقصٌ وإيماء” (PKÄ, 223). من المغري القول في هذه المرحلة بأن الدراما بالنسبة لهيجل وباستخدام تعبير فاغنر هي “العمل الفني الكامل” (Gesamtkunstwerk). لكن من المشكوك فيه أن يكون هيجل متوافقاً مع مشروع فاجنر. فهيجل يأخذ بعين الاعتبار أن الدراما تأخذ الهيئة الصريحة للكليّة أو “التماميّة” في الأوبرا، والتي تنتمي إلى مجال الموسيقى أكثر من مجال الدراما الحقّة (PKÄ, 223). (وقد كان يدور في ذهنه أوبرا غلوك وموتزارت بشكل مخصوص). على النقيض، ففي الدراما “مثلما هي”، تسود اللغة، وتلعب الموسيقى دوراً ثانوياً وقد لا تكون حاضرةً إلا في الهيئة الافتراضية لنظم الشعر. إن فكرة فاغنر عن “الدراما الموسيقية” التي لا هي أوبرا صريحة ولا دراما بسيطة ستمثّل بالتالي من وجهة نظر هيجل خلطاً بين فنين متمايزين.

لا تصوّر الدراما حسب هيجل ثراء العالم الملحمي أو تستكشف العالم الداخلي للشعور الغنائي.  بل تعرض لنا شخصياتٍ مشتغلةً بالسعي إلى إرادتها الخاصة واهتماماتها، وبالتالي تدخل في صراعٍ مع الأفراد الآخرين (حتى ولو كان كما في حالة هاملت، بعد ترددٍ أوليّ). يفرّق هيجل بين الدراما التراجيدية والكوميدية وبين الإصدارات الكلاسيكية والرومانسية لكل منهما. (يلاحظ أيضًا أن التراجيديا تشكّل تهديداً في بعض المسرحيات، مثل مسرحية غوته “ايفيجنيه في تاورس”، ولكن يتم اتقاؤها بسبب أفعال الثقة أو الصفح والتسامح [Aesthetics, 2: 1204]).

يُدفع الأفراد إلى التصرف أو الفعل في التراجيديا اليونانية الكلاسيكية بواسطة اهتمامٍ أخلاقي أو بما يُثير الشفقة والرثاء “pathos” مثل الاهتمام بالعائلة والدولة والقلق عليهما. الصراع بين أنتيجونا وكريون في “أنتيجونا” لسوفوكليس هو من هذا النوع، ومثله الصراع الذي مُثّلَ في “أوريستيا” لأسخيليوس. ليس الصراع في “أوديب ملكاً صراعاً أخلاقياً واضحاً بسيطاً، بل هو علاوةً على ذلك صراعٌ بين “حقّين”:  حق الوعي بقبول المسؤولية عما يعرف أنه حصل فقط، وحق “اللاوعي” – فيما لا نعرفه – وأن يُعطى الذي لا نعرفه الاهتمام. مأساة أوديب هي أنه يواصل حقه في كشف حقيقة مقتل لايوس دون الأخذ بالحسبان بأنه هو نفسه قد يكون مسؤولاً عن القتل، أو أن يأخذ بالحسبان حقيقة أن يكون هنالك أي شك حوله أو أي شيء له علاقة به دون أن يحيط به علماً (Aesthetics, 2: 1213–14).

يُدفع الأبطال والبطلات الإغريقيون والإغريقيات إلى التصرف والفعل بواسطة الاهتمام الأخلاقي أو النفعية الأخلاقية (أو خلافاً لذلك يُبرّر فعلهم بالاهتمام الأخلاقي) الذي يحددونه هم، لكنهم يتصرفون بحريّة ساعين إلى تلك النفعيّة. تُظهر لنا التراجيديا كيف أن تلك التصرفات الحرّة تقود إلى صراعٍ ومن ثم إلى حلٍّ عنفيّ أو (سلميّ في بعض الأحيان) لذلك الصراع. يزعم هيجل أننا نتحطم في نهاية الدراما بسبب مصير الشخصيات (على الأقل عندما يكون الحل عنيفاً). ونرضى بالنتيجة لأننا نرى أن العدالة قد أخذت مجراها وتحققت. يضع هؤلاء الأفراد منافعهم واهتماماتهم التي يجب أن تكون متناغمة ومتوافقة مع بعضها البعض – مثل العائلة والدولة – في تعارض وتقابل مع بعضها البعض، وبسبب ذلك، تدمّر بعضها البعض لاغيةً بالتالي ذلك التعارض والتقابل. يعتقد هيجل أننا نحن الجمهور نرى “العدالة الأبدية” في التدمير الذاتي لهذه الشخصية أحادية الجانب (Aesthetics, 2: 1198, 1215). يُؤلّف هذا الأمر بيننا وبين مصير الشخصية وبالتالي يزوّدنا بإحساس “التآلف الذي يجب ألا يفقده الفن” (Aesthetics, 2: 1173).

لا تُدفع الشخصيات في التراجيديا الحديثة – التي يعني بها هيجل التراجيديا الشيكسبيرية في المقام الأول – باهتمامٍ أخلاقي أو منفعة أخلاقية، بل تُدفع بشغفٍ ذاتي، مثل الطموح أو الغيرة. لكن تظلّ هذه الشخصيات تتصرف بحريّة مدمّرةً ذاتها في سعيها لتحقيق شغفها. بالتالي لا تسقط هذه الشخصيات التراجيدية – سواءً كانت قديمةً أو حديثة – بسبب مصائرها، بل تكون مسؤولة بشكلٍ نهائيّ عن موتها. يزعم هيجل في الحقيقة “أن المعاناة الساذجة البريئة ليست موضوعاً للفن السامي” (PKÄ, 231–2). وأن الدراما التي ترى الناس في المقام الأول كضحايا للظروف أو الاضطهاد (مثل مسرحية “وويزيك” لجورج بوشنر [١٨٣٦])، هي بالتالي من وجهة نظرٍ هيجلية دراما من غير تراجيديا أصيلة.

يقوّض الأفراد في الكوميديا مساعيهم أيضاً بطريقةٍ أو بأخرى، لكن الغايات التي تحفّزهم إما أن تكون سخيفة وتافهةً أصلاً وإما أن تكون عظيمة وكبيرة بحيث أنهم يسعون إليها بطريقةٍ مضحكة وغير ملائمة. على عكس الشخصيات التراجيدية، فلا تحدد الشخصيات الكوميدية الحقيقية نفسها بنهايتها أو بوسائلها وسبلها المضحكة. بالتالي يمكنها النجاة من إخفاق مقاصدها، وغالباً الضحك على أنفسها بطريقةٍ لا تستطيع الشخصيات التراجيدية أن تفعلها أو تحذو حذوها فيها. بهذا المعنى يدّعي هيجل أن الشخصيات في العديد من الأعمال الكوميدية الحديثة غالباً ما تكون مضحكةً، مثل شخصيات موليير، لكنها ليست شخصيات كوميدية أصيلة: من الممكن أن نضحك على بخيل موليير أو على ميلفوليو شيكسبير، لكنها لا يضحكان معنا على تصرفاتهم الغريبة والشاذة. وُجدت الشخصيات الكوميديّة الحقّة بواسطة هيجل في مسرحيات الكاتب الدراميّ اليونانيّ القديم أريستوفان. يدّعي هيجل أن ما نلقاه في مثل هذه المسرحيات هو “خلوٌّ لا نهائيٌّ من الهموم، وثقة يشعر بها شخصٌ ما قد تسامى بالمجمل عن تناقضاته الداخلية ولا مرارة ولا بؤسَ في هذه الثقة على الإطلاق: وهذا هو النعيم والهناء والسكون والطمأنينة الذين يكون فيهم الواحد واثقاً بنفسه بأنه يستطيع هزيمة إخفاق إنجازاته ومقاصده وأهدافه” (Aesthetics, 2: 1200). نستطيع أن نجد المكافئات الحديثة للمرح الأريستوفاني في أوبرا “فالستاف” لفيردي (١٨٩٣) وفي ​​العبقرية الكوميدية منقطعة النظير لهومر سيمبسون، والذين لم يكونا معروفين بالطبع لهيجل.  

تُمثّل الكوميديا ​​في رأي هيجل إشارةً إلى “انحلال الفن”(Aesthetics, 2: 1236) . لكن الطريقة التي “تُحلّ” الكوميديا بها الفن تختلف عن الطريقة التي تفعل بها أعمال الفكاهة الساخرة الحديثة ذلك. الفكاهة الساخرة – على الأقل النوع الذي نجده في أعمال جان بول ريختر – هي التعبير عن “قوة الأفكار الذاتية وومضات الفكر، التي من شأنها تدمير وإحلال كل ما يعتزم جعل نفسه موضوعياً” (Aesthetics, 1: 601) إنها التعبير عن الإجادة التي لا شكّ فيها للألمعيّة والكياسة. وبما أن هيجل لا يعتبر مثل هذه الإجادة الاعتباطيّة حريّةً أصيلة، فهو يجادل بأن أعمال الفكاهة الساخرة التي تُقدَّم فيها مثل هذه الإجادة لم تعد أعمالاً فنيّةً أصيلة. لكن الكوميديا الحقيقية بالمقابل هي التعبير عن حسٍّ بكمال – حرية الفرد الذاتية وحياته – والثقة بنفسها وسرورها ورخائها، والتي تجعله ينجو من خسارة إجادته والسيطرة على حياته. وتُحتسب المسرحيات التي تعبّر عن مثل هذه الحرية على أنها أعمالٌ فنيّةٌ أصيلة. بالتالي فهي أعمال تُظهر الحرية التي تستقر حرفياً في الذاتية نفسها، الذاتية التي تتحمل بسعادةٍ إخفاق مقاصدها المضحكة، وليس في الأعمال التي نهتم نحن بها.

حسب هيجل، تكمن الفكرة القائلة بأن الكوميديا الحقيقية الموجودة في الروحانية الداخلية المستعدة للتخلي عن غاياتها الأنانية أو الموت من أجلها، في الدين، وخصوصاً في المسيحية. بالتالي تتجاوز الكوميديا الحقيقية الفن بشكلٍ ضمنيٍّ إلى الدين. بهذه الطريقة “تُحلُّ” الكوميديا الفن، وليس بتوقفها عن كونها فناً أو أنها ما عادت لتكون فناً.

بهذا تأخذ الكوميديا الفن إلى أقصاه: ليس من بعد الكوميديا أي تبيانٍ جماليٍّ للحرية، هنالك فقط الدين (والفلسفة). لا يجعل الدين من وجهة نظر هيجل التعبير الجمالي عن الحريّة زائداً أو فائضاً عن الحاجة؛ بل لطالما كان في الحقيقة مصدر الفن الأعظم. بل يزودنا الدين بفهمٍ أعمق وأكبر للحرية من الفن​​، كما تزوّدنا الفلسفة بفهمٍ أوضح وأكثر عمقاً للحرية مما يزودنا به الدين عنها.

 

  1. الخاتمة

كانت جماليات هيجل محط اهتمام فلاسفةٍ مثل هايدغر وأدورنو وغادامير- وكثيرًا ما كانت محلّ نقد – منذ وفاته. وكان الكثير من هذا الاهتمام مخصصاً لنظريته المُقترحة “لنهاية الفن”. ربما يكمن إرث هيجل الأكثر أهميةً في ادعاءاته بأن مهمة الفن هي عرض الجمال وتمثيله، وأن هذا الجمال هو مسألة مضمون كما هو مسألة هيئةٍ أو شكل. ليس الجمال بالنسبة لهيجل تماثلاً وانسجاماً صورياً أو مجرد أناقةٍ وجمال؛ بل هو التبيان الحسي للحرية الروحية والحياة في الحجر واللون والصوت أو الكلمات. يأخذ مثل هذا الجمال هيئاتٍ مختلفةً ببراعة في الفترتين الكلاسيكية والرومانسية، وفي الفنون الفردية المختلفة أيضاً. ورغم ذلك وبشكلٍ أو بآخر، يبقى هذا الجمال غاية الفن، حتى في العصر الحديث.

ليست هذه الادعاءات التي وضعها هيجل وصفيّةً فقط، بل هي معياريّة أيضاً، وتفرض علينا تحديداتٍ معيّنةٍ لما يمكن أن نحتسبه كفنٍّ أصيل في العصر الحديث. وليست مع ذلك ادعاءاتٍ صادرة عن نزعةِ محافظةٍ بسيطة. فهو يعي تماماً أن الفن يمكن أن يكون تزيينيّاً، أو أن يروّج لأهدافٍ أخلاقية أو سياسية، أو أن يستكشف أعماق الاغتراب الإنساني، أو أن يسجّل ببساطة  الأحداث اليومية غير المنتظمة، وأنه يستطيع أن يفعل ذلك بفنيّةٍ عالية عظيمة. لكنّ قلقه هو أن الفن الذي يفعل هذه الأشياء من دون أن يمنحنا الجمال يفشل في تقديم التعبير الجمالي عن الحرية لنا. وبفعله لذلك يجعلنا نفقد بُعداً أساسياً من أبعاد الحياة الإنسانية الحقة.


 بيبلوغرافيا

أعمال هيجل المجمّعة

  • Gesammelte Werke, ed. Rheinisch-Westfälische Akademie der Wissenschaften, Hamburg: Felix Meiner, 1968–.
  • Vorlesungen: Ausgewählte Nachschriften und Manuskripte, ed. Members of the Hegel-Archiv, Hamburg: Felix Meiner, 1983–.
  • Werke in zwanzig Bänden, eds. E. Moldenhauer and K.M. Michel, 20 vols. and Index, Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 1969–.

ترجمات إنجليزية لنصوص هيجل المفتاحية

  • Lectures on Fine Art, trans. T.M. Knox, 2 vols., Oxford: Clarendon Press, 1975.
  • Hegel’s Philosophy of Mind. Being Part Three of the Encyclopaedia of the Philosophical Sciences(1830), trans. W. Wallace, together with the Zusätze in Boumann’s text (1845), trans. A.V. Miller, Oxford: Clarendon Press, 1971 (see 293–7 [pars. 556–63] on art).
  • Hegel: The Letters, trans. C. Butler and C. Seiler, Bloomington: Indiana University Press, 1984.
  • Lectures on the Philosophy of Art. The Hotho Transcript of the 1823 Berlin Lectures, trans. R.F. Brown, Oxford: Clarendon Press, 2014 (see VPKbelow).
  • Lectures on the Philosophy of World History. Introduction: Reason in History, trans. H.B. Nisbet, Cambridge: Cambridge University Press, 1975.
  • Phenomenology of Spirit, trans. A.V. Miller, Oxford: Oxford University Press, 1977 (see 266–89 on “the ethical order” and 424–53 on “religion in the form of art”).

نصوص محاضرات هيجل في الجماليات

  • Philosophie der Kunst oder Ästhetik. Nach Hegel. Im Sommer 1826. Mitschrift Friedrich Carl Hermann Victor von Kehler, eds. A. Gethmann-Siefert and B. Collenberg-Plotnikov, Munich: Wilhelm Fink Verlag, 2004. (PKÄ)
  • Philosophie der Kunst. Vorlesung von 1826, eds. A. Gethmann-Siefert, J.-I. Kwon and K. Berr, Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 2004. (PK)
  • Vorlesung über Ästhetik. Berlin 1820/21. Eine Nachschrift, ed. H. Schneider, Frankfurt am Main: Peter Lang, 1995. ()
  • Vorlesungen über die Philosophie der Kunst, ed. A. Gethmann-Siefert, Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2003. (VPK)
  • Vorlesungen über die Philosophie der Kunst I. Nachschriften zu den Kollegien der Jahre 1820/21 und 1823, ed. N. Hebing, Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2015.
  • Vorlesungen zur Ästhetik: Vorlesungsmitschrift Adolf Heiman (1828/1829), ed. A.P. Olivier and A. Gethmann-Siefert, Paderborn: Wilhelm Fink Verlag, 2017.

مصادر ثانوية بالإنجليزية

  • Ameriks, Karl, 2002, “Hegel’s Aesthetics: New Perspectives on its Response to Kant and Romanticism,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 45(6): 72–92.
  • Andina, Tiziana, 2013, The Philosophy of Art: the Question of Definition. From Hegel to Post-Dantian Theories, trans. N. Iacobelli, London: Bloomsbury.
  • Aschenberg, Reinhold, 1994, “On the Theoretical Form of Hegel’s Aesthetics,” in Hegel Reconsidered. Beyond Metaphysics and the Authoritarian State, eds. H. T. Engelhardt, Jr. and T. Pinkard, Dordrecht: Kluwer, 79–101.
  • Bates, Jennifer A., 2010, Hegel and Shakespeare on Moral Imagination, Albany: SUNY Press.
  • Baur, Michael, 1997, “Winckelmann and Hegel on the Imitation of the Greeks,” in Hegel and the Tradition: Essays in Honour of H.S. Harris, eds. M. Baur and J. Russon, Toronto: University of Toronto Press, 93–110.
  • Bird-Pollan, Stefan, and Marchenkov, Vladimir (eds.), 2020, Hegel’s Political Aesthetics. Art in Modern Society, London: Bloomsbury.
  • Bowie, Andrew, 2003, Aesthetics and Subjectivity from Kant to Nietzsche, 2nd edition, Manchester: Manchester University Press.
  • –––, 2009, Music, Philosophy, and Modernity, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Bungay, Stephen, 1984, Beauty and Truth. A Study of Hegel’s Aesthetics, Oxford: Oxford University Press.
  • Carter, Curtis, 1986, “Hegel and Whitehead on Aesthetic Symbols,” in Hegel and Whitehead: Contemporary Perspectives on Systematic Philosophy, ed. G.R. Lucas Jr., Albany: SUNY Press, 239–57.
  • –––, 1993, “A Re-examination of the ‘Death of Art’ Interpretation of Hegel’s Aesthetics,” in Selected Essays on G.W.F. Hegel, ed. L.S. Stepelevich, Atlantic Highlands, NJ: Humanities Press, 11–27.
  • Danto, Arthur C., 2004, “Hegel’s End-of-Art Thesis,” in A New History of German Literature, eds. D.E. Wellbery and J. Ryan, Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 535–40.
  • De Man, Paul, 1982, “Sign and Symbol in Hegel’s ‘Aesthetics’,” Critical Inquiry, 8(4): 761–75.
  • Desmond, William, 1985, “Hermeneutics and Hegel’s Aesthetics,” Irish Philosophical Journal, 2: 94–104.
  • –––, 1986, Art and the Absolute. A Study of Hegel’s Aesthetics, Albany: SUNY Press.
  • –––, 1999, “Gothic Hegel,” in The Owl of Minerva, 30(2): 237–b52.
  • Donougho, Martin, 1982, “Remarks on ‘Humanus heißt der Heilige’,” Hegel-Studien, 17: 214-25.
  • –––, 1989, “The Woman in White: On the Reception of Hegel’s Antigone,” The Owl of Minerva, 21, 1 (Fall): 65–89.
  • –––, 1997, “Hegel as Philosopher of the Temporal [irdischen] World: On the Dialectics of Narrative,” in Hegel and the Tradition: Essays in Honour of H.S. Harris, eds. M. Baur and J. Russon, Toronto: University of Toronto Press, 111–39.
  • –––, 1999, “Hegel’s Art of Memory,” in  Questions of Memory in Hegel and Heidegger, eds. R. Comay and J. McCumber, Evanston, Ill.: Northwestern University Press, 139–59.
  • D’Oro, Guiseppina, 1996, “Beauties of Nature and Beauties of Art: On Kant and Hegel’s Aesthetics,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 33 (Spring/Summer): 70–86.
  • Etter, Brian K., 1999, “Beauty, Ornament, and Style: The Problem of Classical Architecture in Hegel’s Aesthetics,” in The Owl of Minerva, 30(2): 211–35.
  • –––, 2006, Between Transcendence and Historicism. The Ethical Nature of the Arts in Hegelian Aesthetics, Albany: SUNY Press.
  • Fowkes, William, 1981, A Hegelian Account of Contemporary Art, Ann Arbor: UMI Research Press.
  • Gaiger, Jason, 2000, “Art as Made and Sensuous: Hegel, Danto and the ‘End of Art’,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 41(2): 104–19.
  • –––, 2006, “Catching up with History: Hegel and Abstract Painting,” in Hegel: New Directions, ed. K. Deligiorgi, Chesham: Acumen, 159–76.
  • Gardiner, Patrick, 1987, “Kant and Hegel on Aesthetics,” in Hegel’s Critique of Kant, ed. S. Priest, Oxford: Oxford University Press, 161–71.
  • Geulen, Eva, 2006, The End of Art. Readings in a Rumor after Hegel, trans. J. McFarland, Stanford: Stanford University Press.
  • Gray, Richard T. et al(eds.), 2011, Inventions of the Imagination. Romanticism and Beyond, Seattle: University of Washington Press.
  • Guyer, Paul, 1990, “Hegel on Kant’s Aesthetics: Necessity and Contingency in Beauty and Art,” in Hegel und die “Kritik der Urteilskraft”, eds. H.-F. Fulda and R.-P. Horstmann, Stuttgart: Klett-Cotta, 81-99.
  • Hamacher, Werner, 1998, “(The End of Art with the Mask),” in Hegel after Derrida, ed. S. Barnett, London: Routledge, 105–30.
  • Hammermeister, Kai, 2002, The German Aesthetic Tradition, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Harries, Karsten, 1974, “Hegel on the Future of Art,” The Review of Metaphysics, 27: 677–96.
  • –––, 1999, “The Epochal Threshold and the Classical Ideal: Hölderlin contra Hegel,” in The Emergence of German Idealism, eds. M. Baur and D. Dahlstrom, Washington, D.C.: Catholic University of America Press, 147–75.
  • Harris, H.S., 1984, “The Resurrection of Art,” The Owl of Minerva, 16(1): 5–20.
  • Hendrix, John Shannon, 2005, Aesthetics and the Philosophy of Spirit. From Plotinus to Schelling and Hegel, New York: Peter Lang.
  • Henrich, Dieter, 1979, “Art and Philosophy of Art Today: Reflections with Reference to Hegel,” in New Perspectives in German Literary Criticism, eds. R.E. Amacher and V. Lange, trans. D.H. Wilson et al., Princeton: Princeton University Press, 107–33.
  • –––, 1985, “The Contemporary Relevance of Hegel’s Aesthetics,” in Hegel, ed. M. Inwood, Oxford: Oxford University Press, 199–207.
  • Hilmer, Brigitte, 1998, “Being Hegelian after Danto,” History and Theory, 37(4): 71–86.
  • Houlgate, Stephen, 1986a, “Review of A. Gethmann-Siefert, Die Funktion der Kunst in der Geschichte,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 13 (Spring/Summer): 33–42.
  • –––, 1986b, “Review of S. Bungay, Beauty and Truth,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 14 (Autumn/Winter): 4–20.
  • –––, 1986c, Hegel, Nietzsche and the Criticism of Metaphysics, Cambridge: Cambridge University Press (chapter 8: “Hegel and Nietzsche on Tragedy”).
  • –––, 1997, “Hegel and the ‘End’ of Art,” The Owl of Minerva, 29(1): 1–21.
  • –––, 2000, “Hegel and the Art of Painting,” in Hegel and Aesthetics, ed. W. Maker, Albany: SUNY Press, 61–82.
  • –––, 2005, An Introduction to Hegel. Freedom, Truth and History, 2nd edition, Oxford: Blackwell (chapter 9: “Art and Human Wholeness”).
  • ––– (ed.), 2007, Hegel and the Arts, Evanston, Ill.: Northwestern University Press.
  • –––, 2013a, “Hegel, Danto and the ‘End of Art’,” in The Impact of German Idealism: the Legacy of Post-Kantian German Thought, eds. N. Boyle and L. Disley, 4 volumes, Cambridge: Cambridge University Press (Volume 3, eds. C. Jamme and I. Cooper), 264–92
  • –––, 2013b, “Review of Benjamin Rutter, Hegel on the Modern Arts,” British Journal for the History of Philosophy, 21(5): 1009–15.
  • –––, 2018, “[Hegel on] Architecture,” in W.F. Hegel: Vorlesungen über die Ästhetik, ed. B. Sandkaulen, Berlin: De Gruyter, 151–68.
  • Huddlestone, Andrew, 2014, “Hegel on Comedy: Theodicy, Social Criticism, and the ‘Supreme Task’ of Art,” British Journal of Aesthetics, 54(2): 227–40.
  • James, David, 2009, Art, Myth and Society in Hegel’s Aesthetics,London: Continuum.
  • Johnson, Julian, 1991, “Music in Hegel’s Aesthetics: A Re-evaluation,” British Journal of Aesthetics, 31: 152–62.
  • Kain, Philip J., 1982, Schiller, Hegel, and Marx: State, Society, and the Aesthetic Ideal of Ancient Greece, Kingston, Ontario: McGill-Queen’s University Press.
  • Kaminsky, Jack, 1962, Hegel on Art. An Interpretation of Hegel’s Aesthetics, Albany: SUNY Press.
  • Kottman, Paul A., and Squire, Michael (eds.), 2018, The Art of Hegel’s Aesthetics: Hegelian Philosophy and the Perspectives of Art History, Paderborn: Wilhelm Fink Verlag.
  • Lampert, Jay, 2001, “Why is there no Category of the City in Hegel’s Aesthetics?,” British Journal of Aesthetics, 41: 312–24.
  • Magnus, Kathleen Dow, 2001, Hegel and the Symbolic Mediation of Spirit, Albany: SUNY Press.
  • Maker, William (ed.), 2000, Hegel and Aesthetics, Albany: SUNY Press.
  • McCumber, John, 1989, Poetic Interaction: Language, Freedom, Reason, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 1999, “Schiller, Hegel, and the Aesthetics of German Idealism,” in The Emergence of German Idealism, eds. M. Baur and D. Dahlstrom, Washington, D.C.: Catholic University of America Press, 133–46.
  • Millàn, Elizabeth, 2010, “Searching for Modern Culture’s Beautiful Harmony: Schlegel and Hegel on Irony,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 62 (Autumn/Winter): 61–82.
  • Moland, Lydia L., 2016, “‘And Why Not?’ Hegel, Comedy, and the End of Art,” Verifiche, XLV(1–2): 73–104.
  • Moland, Lydia L., 2019, Hegel’s Aesthetics. The Art of Idealism, Oxford: Oxford University Press.
  • Moran, Michael, 1981, “On the Continuing Significance of Hegel’s Aesthetics,” British Journal of Aesthetics, 21: 214–39.
  • Peters, Julia, 2009, “Beauty, Aesthetic Experience and Immanent Critique,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 59/60: 67–81.
  • –––, 2015, Hegel on Beauty, New York: Routledge.
  • Pillow, Kirk, 2000, Sublime Understanding: Aesthetic Reflection in Kant and Hegel, Cambridge, Mass.: MIT Press.
  • Pippin, Robert B., 2007, “What was Abstract Art? (From the Point of View of Hegel),” in Hegel and the Arts, ed. S. Houlgate, Evanston, Ill.: Northwestern University Press, 244–70.
  • –––, 2008, “The Absence of Aesthetics in Hegel’s Aesthetics,” in The Cambridge Companion to Hegel and Nineteenth-Century Philosophy, ed. F.C. Beiser, Cambridge: Cambridge University Press, 394–418.
  • –––, 2014, After the Beautiful: Hegel and the Philosophy of Pictorial Modernism, Chicago: University of Chicago Press.
  • Roche, Mark William, 1998, Tragedy and Comedy. A Systematic Study and a Critique of Hegel, Albany: SUNY Press.
  • Rush, Fred, 2010, “Hegel, Humour, and the Ends of Art,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 62(Autumn/Winter): 1–22.
  • –––, 2016, Irony and Idealism. Rereading Schlegel, Hegel, and Kierkegaard, Oxford: Oxford University Press.
  • Rutter, Benjamin, 2010, Hegel on the Modern Arts, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Sallis, John, 1994, Stone, Bloomington: Indiana University Press.
  • –––, 2011, Transfigurements: On the True Sense of Art, Chicago: University of Chicago Press.
  • Schmidt, Dennis J., 2001, On Germans and Other Greeks. Tragedy and Ethical Life, Bloomington: Indiana University Press.
  • Snyder, Stephen, 2018, End-of-Art Philosophy in Hegel, Nietzsche and Danto, Basingstoke: Palgrave Macmillan.
  • Speight, Allen, 2008, “Hegel and Aesthetics: The Practice and ‘Pastness’ of Art,” in The Cambridge Companion to Hegel and Nineteenth-Century Philosophy, ed. F.C. Beiser, Cambridge: Cambridge University Press, 378–93.
  • –––, 2010, “Hegel and Lukàcs on the Novel,” Bulletin of the Hegel Society of Great Britain, 62(Autumn/Winter): 23–34.
  • –––, 2013, “Artisans, Artists and Hegel’s History of Art,” Hegel Bulletin, 68: 203–22.
  • Steinkraus, Warren, and Schmitz, Kenneth (eds.), 1980, Art and Logic in Hegel’s Philosophy, New Jersey: Humanities Press.
  • Taft, Richard, 1987, “Art and Philosophy in the Early Development of Hegel’s System,” The Owl of Minerva, 18(2): 145–62.
  • Taminiaux, Jacques, 1999, “The Hegelian Legacy in Heidegger’s Overcoming of Aesthetics,” in  Questions of Memory in Hegel and Heidegger, eds. R. Comay and J. McCumber, Evanston, Ill.: Northwestern University Press, 114–38.
  • Tsakiridou, Cornelia A., 1991, “Darstellung: Reflections on Art, Logic, and System in Hegel,” The Owl of Minerva, 23(1): 15–28.
  • Westphal, Kenneth, 1997, “Hegel, Formalism, and Robert Turner’s Ceramic Art,” Jahrbuch für Hegelforschung, 3: 259–83.
  • Wicks, Robert, 1993, “Hegel’s Aesthetics: An Overview,” in The Cambridge Companion to Hegel, ed. F.C. Beiser, Cambridge: Cambridge University Press, 348–77.
  • –––, 1994, Hegel’s Theory of Aesthetic Judgment, New York: Peter Lang.
  • Winfield, Richard Dien, 1994, “The Individuality of Art and the Collapse of Metaphysical Aesthetics,” American Philosophical Quarterly, 31(1): 39–51.
  • –––, 1995, “Hegel, Romanticism, and Modernity,” The Owl of Minerva, 27(1): 3–18.
  • –––, 1996,  Rethinking the Artforms after Hegel, Albany: SUNY Press.
  • Wyss, Beat, 1999, Hegel’s Art History and the Critique of Modernity, Cambridge: Cambridge University Press.

مصادر ثانوية بالألمانية

  • Arndt, Andreas, Bal, Karol, and Ottmann, Henning (eds.), 1999/2000, Hegels Ästhetik. Die Kunst der Politik — Die Politik der Kunst, 2 vols., Berlin: Akademie Verlag.
  • Arndt, Andreas, Kruck, Günter, and Zovko, Jure (eds.), 2014, Gebrochene Schönheit. Hegels Ästhetik – Kontexte und Rezeptionen, Berlin: de Gruyter.
  • Belli, Alessandra Lazzerini, 1998/99, “Hegel und Rossini. Das Singen, das man in der Seele empfindet,” Jahrbuch für Hegelforschung, 4/5: 231–61.
  • Braune-Krickau, Tobias, Erne, Thomas, and Scholl, Katharina (eds.), 2014, Vom Ende her gedacht. Hegels Ästhetik zwischen Religion und Kunst, Freiburg: Verlag Karl Alber.
  • Bubner, Rüdiger, 1990, “Gibt es ästhetische Erfahrung bei Hegel?,” in Hegel und die “Kritik der Urteilskraft,”, eds. H.-F. Fulda and R.-P. Horstmann, Stuttgart: Klett-Cotta, 69-80.
  • Düsing, Klaus, 2012, Aufhebung der Tradition im dialektischen Denken. Untersuchungen zu Hegels Logik, Ethik und Ästhetik, Munich: Wilhelm Fink Verlag.
  • Espiña, Yolanda, 1997, “Kunst als Grenze: Die Musik bei Hegel,” Jahrbuch für Hegelforschung, 3: 103–33.
  • Franke, Ursula, and Gethmann-Siefert, Annemarie, 2005, Kulturpolitik und Kunstgeschichte. Perspektiven der Hegelschen Ästhetik, Hamburg: Felix Meiner.
  • Gethmann-Siefert, Annemarie, 1984, Die Funktion der Kunst in der Geschichte. Untersuchungen zu Hegels Ästhetik, Bonn: Bouvier Verlag.
  • –––, and Pöggeler, Otto (eds.), 1986, Welt und Wirkung von Hegels Ästhetik, Bonn: Bouvier Verlag.
  • ––– (ed.), 1992, Phänomen versus System: Zum Verhältnis von philosophischer Systematik und Kunsturteil in Hegels Berliner Vorlesungen über Ästhetik oder Philosophie der Kunst, Bonn: Bouvier Verlag.
  • –––, 1993, “Hegel über Kunst und Alltäglichkeit: Zur Rehabilitierung der schönen Kunst und des ästhetischen Genusses,” Hegel-Studien, 28: 215–65.
  • –––, 2005, Einführung in Hegels Ästhetik, Stuttgart: UTB.
  • Gethmann-Siefert, Annemarie, et al(eds.), 2013, Hegels Ästhetik als Theorie der Moderne, Berlin: Akademie Verlag.
  • Haas, Bruno, 2003, Die freie Kunst. Beiträge zu Hegels Wissenschaft der Logik, der Kunst und des Religiösen, Berlin: Duncker und Humblot.
  • Hast, Klaus, 1991, Hegels ästhetische Reflexion des freien Subjekts. Der Satz vom Ende der Kunst im Lichte eines vernachlässigten Aspekts, New York: Peter Lang.
  • Hebing, Niklas, 2015, Hegels Ästhetik des Komischen, Hamburg: Felix Meiner.
  • –––, 2016, “Die Außenwelt der Innenwelt: Hegel über Architektur,” Verifiche, XLV(1–2): 105–48.
  • Hilmer, Brigitte, 1997, Scheinen des Begriffs. Hegels Logik der Kunst, Hamburg: Felix Meiner Verlag.
  • Ianelli, Francesca, 2007, Das Siegel der Moderne. Hegels Bestimmung des Hässlichen in den Vorlesungen zur Ästhetik und die Rezeption bei den Hegelianern, Munich: Wilhelm Fink Verlag.
  • Kwon, Dae-Joong, 2004, Das Ende der Kunst. Analyse und Kritik der Voraussetzungen von Hegels These, Würzburg: Königshausen und Neumann.
  • Kwon, Jeong-Im, 2001, Hegels Bestimmung der Kunst. Die Bedeutung der “symbolischen Kunstform” in Hegels Ästhetik, Munich: Wilhelm Fink Verlag.
  • –––, 2012, “Eine Untersuchung zu Hegels Auffassung der modernen Musik,” Journal of the Faculty of Letters, 37: 7–25.
  • Oetjen, Malte, 2003, Das Ende der Kunst bei Hegel, Norderstedt: GRIN Verlag.
  • Pocai, Romano, 2014, Philosophie, Kunst und Moderne. Überlegungen mit Hegel und Adorno, Berlin: Xenomoi Verlag.
  • Pöggeler, Otto, 1984, Die Frage nach der Kunst. Von Hegel zu Heidegger, Freiburg: Verlag Karl Alber.
  • Pöggeler, Otto et al(eds.), 1981, Hegel in Berlin. Preußische Kulturpolitik und idealistische Ästhetik. Zum 150. Todestag des Philosophen, Berlin: Staatsbibliothek Preußischer Kulturbesitz.
  • Pöggeler, Otto, und Gethmann-Siefert, Annemarie (eds.), 1983, Kunsterfahrung und Kulturpolitik im Berlin Hegels, Bonn: Bouvier Verlag.
  • Rinaldi, Giacomo, 2002/03, “Musik und Philosophie im Ausgang von Hegel,” Jahrbuch für Hegelforschung, 8/9: 109–117.
  • Roche, Mark William, 2002/03, “Größe und Grenzen von Hegels Theorie der Tragödie,” Jahrbuch für Hegelforschung, 8/9: 53–81.
  • –––, 2002/03, “Hegels Theorie der Komödie im Kontext hegelianischer und moderner Überlegungen zur Komödie,” Jahrbuch für Hegelforschung, 8/9: 83–108.
  • Rollmann, Veit-Justus, 2005, Das Kunstschöne in Hegels Ästhetik am Beispiel der Musik, Marburg: Tectum.
  • Sandkaulen, Birgit (ed.), 2018, W.F. Hegel: Vorlesungen über die Ästhetik, Berlin: De Gruyter.
  • Schneider, Helmut, 1995, “Hegels Theorie der Komik und die Auflösung der schönen Kunst,” Jahrbuch für Hegelforschung, 1: 81–110.
  • Simon, Ralf, 2013, Die Idee der Prosa. Zur Ästhetikgeschichte von Baumgarten bis Hegel mit einem Schwerpunkt bei Jean Paul, Munich: Wilhelm Fink Verlag.
  • Vieweg, Klaus, 2019,  Der Philosoph der Freiheit. Biographie, München: C.H. Beck.
  • Ziemer, Elisabeth, 1993, Heinrich Gustav Hotho (1802–1873). Ein Berliner Kunsthistoriker, Kunstkritiker und Philosoph, Berlin: Reimer Verlag.

أعمال أخرى مرتبطة

  • Adorno, T.W., Aesthetic Theory, trans. R. Hullot-Kentor, London: Athlone Press, 1977.
  • Gethmann-Siefert, Annemarie, and Pöggeler, Otto (eds.), 1995, Kunst als Kulturgut. Die Bildersammlung der Brüder Boisserée, Bonn: Bouvier Verlag.
  • Herodotus, The Histories, trans. A de Sélincourt, rev. J. Marincola, Harmondsworth: Penguin Books, 2003.
  • Kant, Immanuel, Critique of the Power of Judgment, trans. P. Guyer and E. Matthews, Cambridge: Cambridge University Press, 2000.
  • Pippin, Robert, 2005, The Persistence of Subjectivity. On the Kantian Aftermath, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Schiller, Friedrich, 1793, “Kallias or Concerning Beauty: Letters to Gottfried Körner”, in Classical and Romantic German Aesthetics, ed. J.M. Bernstein, Cambridge: Cambridge University Press, 2003, 145–83.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مداخل مرتبطة

Adorno, Theodor W. | aesthetics: German, in the 18th century | art, definition of | Gadamer, Hans-Georg: aesthetics | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich | Herder, Johann Gottfried von | Kant, Immanuel: aesthetics and teleology | Nietzsche, Friedrich | Nietzsche, Friedrich: aesthetics | Schelling, Friedrich Wilhelm Joseph von | Schlegel, Friedrich | Schopenhauer, Arthur | Schopenhauer, Arthur: aesthetics


[1] Houlgate, Stephen, “Hegel’s Aesthetics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2016/entries/hegel-aesthetics/>.

[2] ملاحظة: ستَرد كلمة العينيّ في عدة مواضع في هذا المدخل؛ “حيث لا يعني العينيُّ المُعطى المُباشر للحواس، بل هو من حيث أصله اللغويّ concretum من concrescere، يدلُّ على ما ينمو و يتكاثر بنمو مجموع أجزائه، كالنبات الذي ينمو. وبعبارة أخرى، فالعينيّ عند هيجل، هو الشمول المبنيُّ ديالكتيكياً انطلاقاً من لحظاته. وينبغي أن تكون هذه اللحظات في البدايات مجرّدةً، أي منفصلةً ومنتزعة من المعطيات المباشرة والغامضة.”