الجماليات الوجودية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني

الجماليات الوجودية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني


مدخل حول الجماليات الوجودية والظاهراتية فيها، وعن الفن كتعبير عن حرية الإنسان، وعن أنطولجيا الفنون؛ نص مترجم لد. جان فيليب ديرانتي، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


قدم العديد من الفلاسفة الموصوفين، بشكل عام، بأنهم “وجوديون”، مساهمات أصلية وحاسمة في مجال التفكير الجمالي. في أغلب الحالات، غذت مشاركاتهم المهمة في الممارسات الفنية (كروائيين، أو كتاب مسرحيين، أو موسيقيين) تفكيرهم في التجربة الجمالية. وهذا صحيح بالفعل، بالنسبة لاثنين من الفلاسفة الرئيسيين، اللذين ألهما الفلسفة الوجودية في القرن العشرين: سورين كيركيجارد Søren Kierkegaard وفريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche. ومع ذلك، لأسباب تتعلق بالمساحة المتاحة، يقتصر هذا المدخل على مفكري القرن العشرين، الذين قبلوا، في وقت أو آخر، لقب “الوجودي” كتوصيف دقيق لفكرهم، والذين قدموا أهم المساهمات للفكر الجمالي: ألبير كامو Albert Camus، سيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir، وجابرييل مارسيل Gabriel Marcel, وموريس ميرلو بونتي Maurice Merleau-Ponty، وجان بول سارتر Jean-Paul Sartre.  

تدين الوجودية باسمها لتأكيدها على “الوجود existence”. حيث يشير الوجود، بالنسبة لجميع المفكرين المذكورين آنفا، بغض النظر عن اختلافاتهم، إلى الطريقة الخاصة التي يتواجد بها البشر في العالم، على نحو مغاير للكائنات الأخرى. بالنسبة للفيلسوف الوجودي، فإن الوجود الإنساني “أكثر” مما هو عليه: لا يقتصر الإنسان على معرفة أنه موجود فحسب، وإنما، على أساس من هذه المعرفة الجوهرية، يمكن لهذا الوجود أن يختار كيف “سيوظف” وجوده الخاص، وبالتالي كيف سينشئ علاقته بالعالم. وهكذا، فإن “الوجود” يرتبط ارتباطا وثيقا بالحرية، بمعنى المشاركة الفعالة في العالم. تؤدي هذه النظرية الميتافيزيقية، المتعلقة بحرية الإنسان، إلى نهج مميز للأنطولوجيا، أي: دراسة طرق الوجود المختلفة.

يوثق هذا الجانب الأنطولوجي للوجودية صلتها بالاعتبارات الجمالية. يعتقد المفكرون الوجوديون أن الحرية، في ظل ظروف معينة، تمنح الإنسان القدرة على الكشف عن السمات الأساسية للعالم، وللكائنات الموجودة فيه. نظرا لأن الممارسة الفنية هي أحد الأمثلة الأولية على النشاط الإنساني الحر، فهي بالتالي، أيضا، أحد الأساليب المميزة للكشف عن كيف هو العالم. ومع ذلك، بما أن معظم الوجوديين تبعوا نيتشه في اعتقاده بأن “الإله مات”، فإن قوة الوحي في الفن قد كُرست، إلى حد كبير، للتعبير عن عبثية الحالة الإنسانية. بالنسبة للوجوديين، لم يعد العالم مضيافا لرغبتنا البشرية في المعنى والنظام.

يعزز هذا النهج الأنطولوجي للفن بعضا من أكثر السمات تميزا في الجماليات الوجودية. ولأن الفلسفة الوجودية تنظر إلى الفن على أساس “الوحي”، فإنها تحبذ الفن التمثيلي، وتشكك في الفنون الطليعية الشكلية. ولأنها تؤسس لقدرة تعبيرية تقوم على فكرة حرية الإنسان، فإن الأمر يتطلب أن يكون التمثيل الفني على اطلاع وافٍ بالاهتمامات الأخلاقية والسياسية. هذا هو السبب في أن الجماليات الوجودية تظهر، أحيانا، بعيدة عن الطليعة الجمالية للقرن العشرين.

كتب بعض الوجوديين تحليلات مهمة حول أشكال الفن المختلفة، وكيف يمكن المقارنة فيما بينها، وأنشأوا ما يمكن أن يكون “منظومة الفنون” مشابها للمنظومة الخاصة بالجماليات الكلاسيكية. اعتقد جميع المفكرين الوجوديين، باستثناء ميرلو بونتي، أن الشكل الأفضل في إتاحة الإمكانات الموحية في الفن، هو المسرح، تليه الرواية.

  1. الأسس الميتافيزيقية لـ الجماليات الوجودية

  2. الجوهر الظاهراتي لـ الجماليات الوجودية

  3. الفن ككشف للعالم

  4. الفن كتعبير عن حرية الإنسان

  5. الفن والعبث

  6. أنطولوجيا العمل الفني

  7. نظرية التعبير

  8. الفنان

  9. الجمهور

  10. منظومة الفنون” الوجودية

10. 1 المسرح

10 . 2  الرواية

10 . 3  الشعر

10 . 4  الفنون غير اللغوية: التصوير والموسيقى

10 . 5  السينما

  • المراجع

    • المصادر الأولية

    • مصادر ثانوية مختارة

  • أدوات أكاديمية

  • موارد الإنترنت الأخرى

  • مدخلات ذات صلة


 

 

  1. الأسس الميتافيزيقية لـ الجماليات الوجودية

اشتمل مصطلح “الجماليات أو علم الجمال aesthetics”، كما ظهر لأول مرة في الفلسفة الحديثة (في كتاب Aesthetica لبومجارتن عام 1750) على نظرية في الإدراك، ونظرية في الجمال، ونظرية في الفن. وانطبق هذا على كل فلسفات الجمال الكلاسيكية، في أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. في هذا النوع من الجماليات، ليست اللحظة الجمالية سوى أحد جوانب النظرية العامة المتعلقة بكيف يدرك البشر، ويعرفون، ويتصرفون في العالم، تعتمد نظريات الجمال ونظريات الممارسة الفنية على نظريات الإدراك، والمعرفة، والحكم، وتلك بدورها مبنية على اعتبارات أكثر جوهرية، فيما يتعلق بطبيعة الواقع وعلاقتنا به. على النقيض من النظريات الجمالية المتخصصة، التي تم تطويرها في العقود القليلة الماضية، فإن الجماليات الوجودية استمرار لهذا التقليد العظيم. ترتبط الجماليات الوجودية ارتباطا وثيقا ببعض الآراء الميتافيزيقية، ويدين بغناه واتساقه لحقيقة أنه جزء من نظام فلسفي معقد ومتماسك. لذلك يجب أن نبدأ بالتحديد الدقيق لأبرز سمات هذه النظرة الميتافيزيقية.  

إن التصور الرئيسي، الذي يحدد الوجودية ويوحدها كموقف فلسفي، على الرغم من كل الاختلافات بين المؤلفين المدرجين تحت هذا اللقب، هو التأكيد على الطبيعة الراديكالية لحرية الإنسان، والدلائل الميتافيزيقية والأنطولوجية لتلك الحرية. تسبق الأهمية الميتافيزيقية والأنطولوجية للحرية مبادئها الأخلاقية، وقواعد السلوك الأخلاقية، وجوانبها السياسية، حيث يجب مراعاة الطرق التي “يرتبط” بها البشر بالعالم، قبل مراعاة قضايا الواجب أو العدالة. إن الحرية الإنسانية، بالنسبة للوجودية، تؤسس لإمكانية المعرفة في أعمق أشكالها، أي: قدرة البشر على الكشف عن شيء ما عن الواقع. يفسر الوجودي المسيحي جابرييل مارسيل Gabriel Marcel الامتداد الميتافيزيقي لحرية الإنسان، من حيث قدرة ومسؤولية الأفراد على أن يجعلوا أنفسهم “جاهزين” لسر مشاركتهم في الخلق، وبشكل خاص بالاستجابة لنداء “الأنت thou” الأعظم. (see in particular Marcel 1960b). أما الوجوديون الملحدون (كامو ، سارتر ، دي بوفوار ، ميرلو بونتي( فعلى العكس من ذلك، لا يؤسسون الحرية على الإيمان، والأمل في الارتباط بالمتعالي، بل يؤكدون على صعوبة افتراض هذه الحرية، حيث لا يمكن لشيء ضمان أن تؤدي محاولاتنا لإيجاد المعنى في العالم، في الواقع، إلى شيء حاضر بشكل موضوعي فيه. ولكن، في جميع الأحوال، الحرية هي الأساس النهائي لقدرة البشر على الارتباط بالعالم.

 

  1. الجوهر الظاهراتي لـ الجماليات الوجودية

بالنسبة للوجوديين، في القرن العشرين، كان الإلهام الفلسفي الحاسم هو المنهج الظاهراتي phenomenology، وهو المنهج الفلسفي الذي ابتكره الفيلسوف الألماني، إدموند هوسرل Edmund Husserl، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والذي طوره تلميذه الشهير مارتن هايدجر Martin Heidegger إلى مزيج من التحليل النفسي الوجودي والأنطولوجيا العميقة. حتى كامو، الذي لا يعرّف نفسه على أنه ظاهراتي، ويرفض أحيانا لقب “الوجودي” (1945)، يستحوذ على فكرة القصدية، المركزية في ظاهراتية هوسرل، في أكثر أعماله شهرة، أسطورة سيزيف (Camus 1942b, 44–50). ويتبع ذلك أن صار الجماليات الوجودية والمقاربة الظاهراتية للإدراك والحكم الجماليين (Ingarden 1962, 1965) مجالين وثيقا الصلة. يضع مايكل دوفرين Mikel Dufrenne  عمله، على وجه التحديد، عند هذا التقاطع (see especially Dufrenne 1973). ومع ذلك، فإن نهج الوجوديين في الظاهراتية أصيل للغاية، وله آثار مهمة ومميزة على الفكر الجمالي.

ماذا تعني القصدية intentionality ، ولماذا هي فكرة مركزية في التفكير الوجودي عن الفن؟ يوضح هوسرل أنه عندما يتم الإفصاح عن أي نوع من المعنى (في المواقف المعرفية، والأخلاقية، والعاطفية، والجمالية، وما إلى ذلك)، يحدث فعل محدد لـ الوعي. تعتمد خصوصية المعنى قيد البحث على الطريقة الخاصة التي “يتقصد” بها الوعي مضمونه في كل حالة، أي: الطريقة المحددة التي يرتبط بها بمعطى معين (على سبيل المثال: موضوع معرفي، الحكم عليه، إدراكه، الاستمتاع به، وهلم جرا). بعبارة أخرى، تعتمد الأنواع المختلفة من المعنى على البنية المحددة لأفعال الوعي التي تحملها، وبنحو خاص، تعتمد على الزمنية المحددة لهذه الأفعال العقلية. نذكر مثالا انتشر في بعض الأعمال الأدبية الوجودية الأكثر شهرة (على سبيل المثال: في الأوصاف الشهيرة في رواية الغثيان، رواية سارتر الأولى): توجد زمانية محددة مرتبطة بإدراك شيء ما في مكان. لا يكون الموضوع معطى على الفور، وكل لحظة إدراك تحيل إلى إدراك جديد محتمل، يؤكد، أو يعدل لحظات الإدراك السابقة. تعني زمانية الإدراك هذه اللجوء إلى الذاكرة، وتوحيد لحظات الإدراك الماضية. هذا التركيز على الطريقة التي “يقصد” بها الوعي البشري العالم، بطرق مختلفة، لا يفسر فقط محتوى المعرفة البشرية، ولكن أيضا، وبشكل جذري، علاقة الكائن البشري بالواقع. إنه ليس مجرد موقف معرفي، بل موقف ميتافيزيقي.

هذا النهج المتبع إزاء المشكلة الأساسية للميتافيزيقا مهم للغاية؛ لأنه يروغ من ثنائيات الفلسفة الكلاسيكية: الذات مقابل الموضوع، والانطباع مقابل المبادئ الأولية كأساس للمعرفة، والحرية مقابل الحتمية، وما إلى ذلك. إن التركيز على القصدية يتجنب هذه الثنائيات؛ لأنه يستلزم، من ناحية، أن جميع المعاني تتشكل عبر أفعال الوعي البشري، وبالتالي، الإصرار على الدور الفعَّال للذات في صياغة أي مظهر ذي معنى من العالم. من ناحية أخرى، تقتضي نظرية القصد theory of intentionality أن العالم يشتمل بالفعل على المعاني التي يكشف عنها الوعي، إما لأن هذه المعاني هي إمكانات، من وجهة نظر الفعل البشري (هذا هو رأي سارتر)، أو، ببساطة، لأن هذه المعاني موجودة بالفعل في العالم (وجهة نظر ميرلو بونتي، ولكن أيضا وجهة نظر مارسيل، الذي تنشأ المعرفة الحقيقية، بالنسبة له، من الانفتاح على ملاء الوجود).

اعتنق الوجوديون، صراحة، الحل الفلسفي الذي قدمته الظاهراتية. على سبيل المثال، يبدأ كتاب سارتر ما الأدب؟ وهو النص الأساسي لـ الجماليات الوجودية، بإعادة صياغة الدرس الأساسي في ظاهراتية هوسرل:  

كل إدراك من إدراكاتنا مصحوب بوعي بأن الواقع البشري هو “الكاشف”، أي أنه بواسطة الواقع البشري وحده “يوجد” وجود، أو، بعبارة أخرى، أن الإنسان هو الواسطة التي بها تتبدى الأشياء. إن وجودنا في العالم هو ما يكاثر العلاقات. إنه نحن من أقام تلك العلاقة بين هذه الشجرة وهذا الجزء من السماء. بفضلنا، يرتبط ذلك النجم، الذي مات منذ آلاف السنين، وذاك الهلال، وذلك النهر المظلم، في منظر طبيعي متناغم. إن سرعة سيارتنا، وطائرتنا، هي التي توحد الكتلة الهائلة للأرض. مع كل فعل من أفعالنا، يكشف لنا العالم وجها جديدا. ولكن، إذا علمنا أننا من يدير هذا الوجود، فكذلك نعلم أننا لسنا من أنتجه. إذا انصرفنا عن هذا المنظر الطبيعي، فسوف يغوص مرة أخرى في الديمومة المظلمة. على الأقل، سوف يتراجع. فليس هناك من مجنون بما يكفي ليعتقد بأنه سيؤول إلى عدم (Sartre 1948a, 26).

  1. الفن ككشف للعالم

يستخلص سارتر تضمينا جماليا أساسيا من الأطروحة القائلة بأن المعنى في العالم يعتمد على أفعال الوعي: الهدف الأساسي للعمل الفني هو صرف هذه الملكة الإنسانية الفريدة، بشكل متعمد ومتسق، إلى إنتاج نظام ذي مغزى وضوابط في العالم. بينما في “الموقف الطبيعي” يحدث هذا دون وعي الفاعل (في شكل إدراك طبيعي، المعرفة الشعبية والعلمية)، أما في الممارسة الفنية، فإن النظام، والضوابط، ووجهات النظر، والعلاقات الهادفة، تكون قد تمت صياغتها، وتأكيدها، وتنظيمها، وترتيبها بنحو عمدي. التأثير المتزامن هو “الكشف” عن السمات المهمة للعالم، واكتساب شعور منعكس بكوننا كاشفين عن العالم، وأننا “نظهره”. وهكذا، يزداد إحساسنا بالحرية بنحو هائل:

من المؤكد أن أحد الدوافع الرئيسية للإبداع الفني هو حاجتنا إلى الشعور بأننا جوهريين في العلاقة مع العالم. إذا قمت بتصوير مشهد معين، في لوحة أو مقال، للحقول، أو للبحر، أو نظرة في وجه شخص ما، مما بدى لي، فأنا واع بأنني أنتجت تلك الأعمال بواسطة تكثيف العلاقات، وإنشاء نظام لم يكن موجودا، وفرضت وحدة العقل على تنوع الأشياء (Sartre 1948a, 27).

وهكذا، فإن أول مظاهر المتعة الجمالية هو “السرور joy” المزدوج (Sartre 1948a, 41)، “لكشف” العالم، وحيازتنا التامة للقوة الفريدة اللازمة للقيام بذلك، وإدراكنا لحريتنا الأصيلة وممارستها. يمكن لهذا الجانب الأول من المتعة الجمالية أن يطلق عليه: “ميتافيزيقي”، حيث أنه ينشأ عن العلاقة الأساسية بين الإنسان والعالم  (Howells 1988).

المؤكد، أن هذا هو الامتداد الميتافيزيقي لحرية الإنسان، الذي تتوخاه كل محاولة للكشف عن جزء من العالم، من أجل الكشف عن “كلية totality” الموجودات. هذا (كما أصر هوسرل بالفعل) لأن أصغر أو أدق فعل للإدراك يستلزم الإحالة إلى أفق أوسع من التصورات المستقبلية المحتملة. شدد العديد من الكتاب الوجوديين على هذه الوظيفة الميتافيزيقية الأولية للعمل الفني، باعتبارها كشفا جزئيا، يهدف إلى الكشف عن كلية الوجود. نجد هذه الفكرة، في أوضح صورة، في دفاع سيمون دي بوفوار عن الرواية الميتافيزيقية (de Beauvoir 1946, 1965, 73; انظر أيضا: انطباعات ميرلو بونتي في مراجعته لرواية دي بوفوار الأولى،  c1945).

يفسر ذلك الارتباط الوثيق بين الميتافيزيقيا والفن السبب في أن الوجوديين كثيرا ما يضعون فنانين معينين في مرتبة مساوية، لمرتبة الفلاسفة، أو أعلى: كامو مع دوستويفسكي Dostoievski، ومارسيل مع باخ Bach، وميرلو بونتي مع سيزان Cézanne، وسارتر، ودي بوفوار مع فولكنر Faulkner وكافكا Kafka. كما أنه يفسر، جزئيا، سبب كون معظم الفلاسفة الوجوديين هم على حد سواء، أو في الواقع أكثر نشاطا، ككتاب مبدعين. ووفقا لهم، فإن البحث الميتافيزيقي والممارسة الفنية يشتركان في غاية أساسية: كلاهما وسيلة لتكشف للبشر حريتهم ومسؤوليتهم.

 

  1. الفن كتعبير عن حرية الإنسان

ترتبط الأبعاد الميتافيزيقية والأخلاقية لحرية الإنسان ارتباطا وثيقا. هذا هو الاختلاف الأكثر أهمية بين الوجوديين وبين ظاهراتية هوسرل: يربط الوجوديون القدرة على كشف العالم بضرورة تقرير البشر ما يجب أن يكونوا عليه، من حيث القيم الأساسية التي توجه حياة المرء. يعين مفهوم “الوجود existence”، على وجه التحديد، هذا البعد الأخلاقي للحياة الإنسانية. يقول الوجوديون إنه من بين جميع الكائنات الموجودة في العالم، فإن الكائن البشري هو الوحيد الذي يمكنه أن يقرر ما يجب أن يكون عليه، في الواقع، إنه مجبر على القيام بذلك؛ إذ ليس له طبيعة محددة. كما يقول الشعار الوجودي، “محكوم على الإنسان أن يكون حرا”. هنا، الحرية ليست مجرد استقلال بمعنى الاستقلال عن، ولكن بمعنى القدرة على تقرير من، وماذا، ينبغي أن يكون. هذا البعد الأخلاقي للحرية كالقدرة على تقرير المصير (والذي يستلزم أيضا وجوب استخدامها) يفسر المكانة المركزية لمفهوم ” الالتزام engagement (commitment)”. قبل أن تعين أي ضرورة للاختيار في مواقف معينة، تشير كلمة “الالتزام” إلى الموقف الأساسي للإنسان الفرد، الذي يقوم كيانه على الاستفادة من حريته. من وجهة نظر الوجوديين، فإن السمة الإيجابية الوحيدة لـ “الواقع الإنساني”، بالمعنى الدقيق للكلمة، هي المسؤولية تجاه الآخرين، وتجاه الذات (وبالنسبة للوجوديين المسيحيين، تجاه الله). يرفض العديد من البشر هذا العبء، ويتهربون من مسؤوليتهم الأنطولوجية بقبول الأدوار المحددة مسبقا. هذا ما يسميه سارتر “إيمان سيء bad faith” ويسميه مارسيل “الرجل الوظيفيfunctional man “.  

ما الرابط بين الأبعاد الميتافيزيقية والأخلاقية لحرية الإنسان، وكيف تتعلق هذه الأخيرة بالجماليات؟ لنبدأ بالقسم الأول من السؤال. سنقوم أولا بتناوله باستخدام حجة نموذجية بالنسبة للظاهراتية. يصر العديد من الوجوديين على أن الطرق التي “يتقصد” بها الوعي البشري العالم (أي: التي يفرض بها نظام وانتظام معينين على الظواهر الخارجية) تعتمد، بشكل جوهري، على القيم التي حددها الشخص لنفسه. فمتسلق الجبال ينظر إلى الجبل بطريقة تختلف اختلافا جذريا عن نظرة المثقف الذي كرس حياته للكتب. الاختلاف في وجهات نظرهما يتعلق بالمشاريع العميقة للذات، التي تميز بين هذين الشخصين. بعبارة أخرى، وراء كل إدراك هناك قيمة تؤثر على هذا الإدراك بنحو مسبق، وبالتالي، تحدد، في نهاية الأمر، محتواه الدقيق. على مستوى أنطولوجي أعمق، فإن الخبرة بوجود شيء ما، والخبرة بالكينونة، لا يمكن تصورهما إذا لم تكن هناك رغبة في ذلك (“ضرورة وجودية” يقول جابرييل مارسيل). تعتمد قدرة البشر على إدراك شيء ما في العالم، بنحو تام، على قدرتهم على فرض قيم (Sartre 1943a; Marcel 1960a, for the religious perspective).

إذا كان ذلك صحيحا، فإن كل “كشف” للعالم، في البداية، هو معنى ميتافيزيقي، يستلزم أيضا كشفا للمشروع الأخلاقي الأساسي (أو الوجودي، كما يفضل المفكر الوجودي) الذي يقوم عليه هذا الإدراك. يجيب هذا، إذن، على القسم الثاني من السؤال الخاص بالعلاقة بين العمل الفني والجانب الأخلاقي للحرية. بالنسبة للوجوديين، كما رأينا آنفا، يرقى العمل الفني، بالقدرة الفطرية للبشر للكشف عن العالم، إلى مستوى أعلى من الانعكاسية reflexivity والاتساق. ومع ذلك، نظرا لأن هذه القدرة نفسها متجذرة في الطبيعة الأخلاقية أو الدينية للبشر، فإن العمل الفني يلعب دورا مركزيا في نقل إحساس أكثر دقة بالمسؤولية الأخلاقية. يترتب على ذلك وجود رابط وثيق بين الفن والالتزام: كل تنظيم جمالي للعالم يجلب معه مفهوما للحرية البشرية، وطرقا مقترحة لاستخدامها.

ومن ثم، فإن تعريف سارتر للعمل الأدبي، والذي ينطبق بشكل عام على جميع الأعمال الفنية: “. . . عرض خيالي للعالم بقدر ما يستلزم من حرية الإنسان” (1948a, 45). بعبارة أخرى، يخدم العمل الفني الغاية من “جعلنا نشعر بأننا أساسيون فيما يتعلق بالعالم”. يقدم العمل الفني العالم، ليس فقط بمعنى أنه يكشف جوانب منه، ولكن أيضا بمعنى أنه يدعو إلى المشاركة الإنسانية، لا سيما في العمل الجماعي (أو، عند جابريل مارسيل: التعاونيات) (Goldthorpe 1992).

يظل هذا التعريف للعمل الفني غامضا نظرا لأنه لا يحدد حرية من هي المطلوبة. يمكن تحديد عدد من السمات نتيجة لذلك، اعتمادا على حرية مَن التي يتم التأكيد عليها في كل حالة.

الحرية التي يتطلبها العالم هي، أولا وقبل كل شيء، حرية الفنان. يكشف كل عمل فني عن موقف أساسي ووجودي تجاه العالم، وهو تعبير عن خيار وجودي. سنعود إلى المفهوم الأساسي للتعبير فيما يلي، لكن يمكننا، بالفعل، أن نلاحظ أن وضع وزن وجودي على كل عمل من أعمال الكشف، يؤدي مباشرة إلى استنتاج، مفاده أن الممارسة الفنية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالخيارات الأخلاقية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجانب “التعبيري” للعمل الفني، وحقيقة أنه تجلي ذاتي فريد، ليس هو الجانب الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة للوجوديين، من هذا المنظور، فإن الجماليات الوجودية بعيدة تماما عن الرومانسية. هذا لأن الوجود، والحرية، وتقرير المصير، بالنسبة للوجوديين، مفاهيم فعالة وعملية في الأساس. إن الاختيار الوجودي ليس مجرد اختيار المرء مَنْ يجب أن يكون، بمعنى اختيار الهوية أو الشخصية، فنظرية الوجود لا تترجم إلى نظرية في النبوغ. بل بالأحرى، ينصب التركيز على العلاقة النشطة داخل العالم، وخاصة مع الآخرين. وفقا لذلك، يحدد المرء من هو، من خلال ما يفعله الفرد بحريته في العالم، من خلال الطرق التي يقترحها لتغيير العالم، لا سيما فيما يتعلق بالآخرين من البشر. عندما يقدم الفنان العالم، سواء أحب ذلك أم لا، فإن هذا التقديم يقترح أيضا على الآخرين طرقا للعيش في العالم، وربما (على الأقل بالنسبة للمؤلفين الأكثر ميلا للفكر السياسي، مثل سارتر، ودي بوفوار، وميرلو بونتي) يقترحون طرقا لتغييره. بنص كلمات سارتر، كل “عرض خيالي للعالم” هو فعل حرية “مفرد” يخاطب الحريات “الأخرى”، حول الطرق الممكنة لانخراط الحرية في العالم. بتوسيع تعريف سارتر للرواية، يمكننا القول إن كل عمل فني هو “مناشدة appeal” (Sartre 1948a, 32).

هكذا، فإن العمل الفني ينطوي على حرية، ليس للفنان فحسب، ولكن حرية للجمهور أيضا. في اللغة الوجودية، تُعتبر الحرية “ملتزمة”، أي: أنها محصورة، بنحو غير قابل للاختزال، في الالتزام، ومجبرة على فعل شيء حيال ذلك. ومن ثم، يقدم سارتر تعريفا آخر للعمل الفني، يحدد الأقطاب المختلفة للقوة الميتافيزيقية للفن: “. . . اختار الكاتب أن يكشف العالم، وبشكل خاص أن يكشف الإنسان للآخرين من البشر، حتى يتحمل الأخير المسؤولية الكاملة أمام الموضوع الذي تم الكشف عنه”(Sartre 1948a, 14).

في ممارستهم الفنية وعملهم كنقاد، مال الوجوديون إلى تفسير هذا التصور لمهمة الفن (ككشف ومناشدة) كحجة لصالح المناهج التمثيلية، وضد المناهج الشكلية formalistic والأصولية puristic . فقد كانوا متشككين، بشكل عام، تجاه التصورات “الذاتية الغاية autotelic” للعمل الفني، التي تنظر إليه باعتباره موضوع قائم بذاته، لا يخضع إلا لقواعده الشكلية الخاصة. في هذا الصدد، مرة أخرى، يختلفون عن بعض وجهات النظر الحداثية. في الواقع، قد يبدو هذا الإصرار على البعد التمثيلي للفن قديم الطراز، بقدر ما كان الإصرار الأكثر حداثة على استقلالية العمل الفني، قد وسم معظم المشاريع الجمالية لنهاية القرن 19، وأتباعها في القرن 20. إن إصرار الوجوديين على الأهمية الأخلاقية والسياسية الجوهرية للعمل الفني، يبعد بهم عن هذه المناهج الجمالية الأخرى.

 

  1. الفن والعبث

لم ننظر حتى الآن إلا إلى الجانب الذاتي للصلة بين الكشف الإنساني للعالم، والعالم نفسه. ومع ذلك، يؤكد المذهب الوجودي أيضا على الجانب الموضوعي للصلة؛ أي: العالم نفسه كموضوع للإدراك والمعرفة، وكسياق يتم فيه الفعل الإنساني. هنا، توجد بعض الاختلافات الجديرة بالذكر، بين التصورات “المتفائلة” و”التراجيدية” للعالم، من جهة مساعينا البشرية.

ترى الأنطولوجيات “المتفائلة”، مثل نظريات مارسيل، أو مريلوبونتي، العالم، كما هو في مجمله، على أنه مكان يرحب بالمعرفة والفعل البشريين. ومارسيل، على الرغم من تحليلاته النقدية لما يراه من أمراض المجتمع الحديث، هو الأكثر تفاؤلا، ويرجع ذلك إلى الأساس اللاهوتي للانطولوجيا الخاصة به. في نهاية المطاف، لا توجد فجوة، بالنسبة له، بين التوق إلى المشاركة الكاملة في العالم (متضمنا المشاركة في الإله) والعالم نفسه، لأننا ندين بوجودنا، وقدرتنا على المشاركة، للأصل المطلق لهذا العالم. كما يكتب في يومياته: “المعرفة منطوية في الوجود، مغطاة به” (1935, 115). على الرغم من أن مارلو بونتي لا يشارك هذا القناعة اللاهوتية، إلا أنه يتفق مع مارسيل في نقطة حاسمة: إن تجسدنا في العالم من خلال أجسامنا هو البداية الأساسية لتعلمنا أن نعيش في العالم بشكل هادف. نتيجة لوجودنا في العالم ومن العالم، خلال أجسادنا، يعتقد ميرلو بونتي أن مجمل تقديماتنا للعالم تكشف عن سمات موضوعية له.

من ناحية أخرى، تصر الأنطولوجيات “التراجيدية” لسارتر، ودي بوفوار، وكامو، على الموقف غير المرحِّب للعالم تجاه المساعي البشرية، طالما أن العالم يغلب عليه التحفظ تجاه محاولاتنا لإدخال المعنى والوحدة فيه. بالنسبة لكامو، فإن “العبث absurd” يعين، بشكل أساسي، مقاومة العالم لمساعينا. بينما نتلمس المعنى والتناغم، فليس لدى العالم ما يقدمه سوى تلاعب القوى العمياء الفوضوية والعشوائية. ولهذا، فإن كل جهودنا من أجل فرض النظام والمعنى على عالم لا يمكنه، في النهاية، استيعاب أي منهما، محكوم عليها بالفشل. العبث، إذن، هو اسم لكلٍ من الحالة الأصلية للعالم، وعبثية المحاولات البشرية للتغلب على هذه الحقيقة الأساسية.

ومع ذلك، في حين أن “عبثية” كامو تسمي الحالة المأساوية جوهريًا للإنسانية، إلا أنه يقابلها هلعه تجاه الجلال اللامبالي للطبيعة. بالنسبة لكامو، فإن إحدى الطرق للتحرر من وهم المعنى والوحدة، هي الانفتاح على جمال الطبيعة والاندماج فيها، والتخلي عن الذات، في لحظات مميزة، من التواصل الممتع، مع البيئات البرية، مثل المناظر الطبيعية الوعرة في الجزائر، أو البحر الأبيض المتوسط، أو في الإثارة الجنسية (1938a; see the moments of happiness in The Outsider, for example, 1942a, 23–24, 116–117).

من ناحية أخرى، يصر سارتر على الجانب “المقزز” و “المقرف” لعالم يتحفظ على المعنى، والنظام، والجمال. تؤرخ روايته الأولى، الغثيان Nausea، بدقة لهذا الاشمئزاز الأنطولوجي تجاه غرابة العالم. اليد الممدودة تصبح “دودة بيضاء كبيرة”، وكأس البيرة شريك مضياف، يحاول البطل تجنب “تحديقه” لنصف ساعة، وتكشف حصاة على الشاطئ “الغثيان”، الذي ينتقل من العالم “عبر الأيدي”. ومع ذلك، حتى في هذه الحالة، تثير التجارب الجمالية بعض اللحظات الاستثنائية، التي يتمكن فيها البطل من الفرار من “الغثيان” الأنطولوجي. يحدث هذا، على سبيل المثال، عندما تسمع الشخصية الرئيسية للرواية فجأة أغنية جاز في أحد المقاهي، والتي تشير، مثل “حزام من الصلب band of steel “، إلى زمن مختلف يتجاوز كد الحياة اليومية (Sartre 1938, 21–23).

تحاول العديد من إبداعات الوجوديين الأدبية وصف تشابكات حرية الإنسان، بتلك الملامح الأنطولوجية الأساسية للعالم. من المسلم به أن هذا ينطبق على بعض المؤلفين الوجوديين أكثر من غيرهم. على سبيل المثال؛ تستكشف مسرحيات مارسيل الصعوبات التي يواجهها الأشخاص المعاصرون في الاستجابة لمناشدة التعالي transcendence، والاستسلام للإيمان والأمل. لكن هذه العوائق تنشأ بشكل أساسي من المؤسسات الاجتماعية (لا سيما الزواج)، والأحداث التاريخية (الظروف المأساوية للقرن العشرين، وما يراه مارسيل كموضوعية خطيرة للمجتمع الحديث). بالمثل، تميل روايات دي بوفوار إلى تصوير الأشخاص الذين يبحثون عن ذواتهم الحقيقية، خارج تضييقات الأخلاق الاجتماعية. في المقابل، فإن قسما كبيرا من الأعمال الأدبية لكامو وسارتر قد تم تخصيصه لوصف الصعوبات التي يواجهها الناس عند محاولة إيجاد موضعهم، ليس في بيئاتهم الاجتماعية فحسب، بل أيضا في بيئاتهم الطبيعية والمادية. كما لاحظنا، فإن بعض المقاطع، الأكثر شهرة في كتاباتهما الأدبية، تصف اللحظات التي يتم فيها التغلب على اقتحام العالم، مما يثمر خبرات عابرة، ولكن سامية، للتواصل الحسي مع الطبيعة والآخرين.

 

  1. أنطولوجيا العمل الفني

استخلص سارتر بعض الاستنتاجات المثيرة للاهتمام بشكل خاص من تعريف وظائف الفن، على أساس الميتافيزيقيا الوجودية. تتعلق هذه الاستنتاجات، بما يسمى، في المناقشات المعاصرة، “أنطولوجيا” العمل الفني: نمط حقيقة العناصر المختلفة للعمل الفني، وعلاقاتها الداخلية. وقد تابع مايكل دوفرين Mikel Dufrenne هذا النهج الأنطولوجي بدقة.

قدمت النصوص المبكرة لسارتر حول التخيل imagination رؤى مهمة في هذا الصدد (انظر، على وجه الخصوص: مناقشات دوفرين المطولة عنها في كتابه  The Phenomenology of Aesthetic Experience  1973). تتجلى الحرية التي تميز الذاتية البشرية، بشكل أكثر وضوحا، في نوع معين من القصدية intentionality: تخيُّل موضوع ما. يمثل الخيال قوة الوعي البشري؛ لأنه نوع من القصدية التي تفرض في الفعل نفسه وجود الشيء وعدم وجوده، لأنه “يقصده” على وجه التحديد كموضوع افتراضي. في التخيل، يتم بالفعل قصد الموضوع بواسطة الوعي، ولكنه “غائب”، باعتبار أنه “يشتمل على جزء معين من العدم” بقدر ما يُفترض أنه غير موجود هنا والآن (Sartre 1940). وهذا ما يميزه عن نوع القصد المتضمَّن في الإدراك الحسي، وأحد جوانبه الرئيسية، هو تحديدا، الافتراض أن موضوعه موجود.

هذا التركيز على جانب “تبدد الواقع derealising” حين الوعي بصورة ما، له آثار مهمة على الحالة الأنطولوجية للعمل الفني. إن العناصر الحقيقية، والمادية، للعمل الفني، بالمعنى الصحيح، ليست هي العناصر الفعلية التي يتحدد بحسبها الحكم الجمالي. إنما يتحدد، بدلا من ذلك، بحسب موضوع افتراضي، أي: الصفات المثالية للعمل، حيث يتجلى معنى العمل وقوته وجماله (Sartre 1940, 213; see also Dufrenne 1973, 3). على أساس من ذلك، فإن الجوانب المادية للعمل الفني هي “مناسبات” لإظهار الجوانب المثالية. يصر سارتر على وجوب رفض المرء أي اشتباه في الثنائية هنا: “ليس هناك تحقق للخيال، ولا يمكننا التحدث عن تجسيده” (المرجع السابق نفسه) كما لو أن تمثلا عقليا أوليا قد “تمت موضعته objectified” وتحققه في العمل الفني الفعلي. بدلا من ذلك، فإن العمل الفني “الواقعي” له جانبان: جانب واقعي وجانب “غير واقعي” (غير حقيقي irréel، أو افتراضي، أو مثالي(. هذان الجانبان، مع ذلك، لا يمكن تمايزهما. “يجب إذن إن يتم إدراك اللوحة باعتبارها شيئا ماديا، يزوره، من حين لآخر، شيء غير واقعي، وهو بالضبط الموضوع الذي تصوره اللوحة” (ibid; see Dufrenne 1973, 3–18). الواقعي، كما يقول سارتر، هو نظير المثالي. يضعه ميرلو بونتي في مصطلحات مماثلة، في البداية في مصطلحي المعنى واللامعنى، وفيما بعد في المرئي واللامرئي: المحتوى المثالي للعمل الفني هو “في الشفافية وراء المحسوس أو في قلب المحسوس” ، إنها” تبطن الأضواء والأصوات، وهي جانبها الآخر، أو عمقها” (Merleau-Ponty 1964a, 150–151, but already in 1945a, 182–183).

هذا البعد “السلبي” العام للعمل الفني (حقيقة أنه كموضوع مثالي لا يمكن اختزاله في الحالة المادية التي تحمله) ينطبق أيضا على كل عنصر من عناصر العمل الفني وعلاقاتهم (الألوان والأشكال في اللوحة، الكلمات والجمل في الرواية، وهكذا). يصر الفكر الجمالي الوجودي، عموما، على الوحدة التي يجلبها التعبير الفني إلى العالم. كنتيجة لهذا التركيز على الوحدة العضوية، يبدو أنه يطرح صورة تقليدية، إلى حد ما، للصفات الجمالية للعمل الفني (انظر، على سبيل المثال، من منظور لاهوتي مستنير، مناقشة جابريل مارسيل للسيمفونية symphony  والفوجا fugue  الموسيقية، كأمثلة على “الكمال” الذاتي [1960b, 53–54]).

ومع ذلك، تُظهر تحليلات سارتر للعلاقة بين عناصر العمل الفني أن الإصرار على الوحدة unity، كمعيار للجمال الفني، ربما لا يكون عاديا كما قد يبدو. إن نصوص سارتر عن التخيل، في فترة ما قبل الحرب، مفيدة بشكل خاص حول هذا الموضوع. يوضح سارتر، في تلك النصوص، العلاقة المهمة بين قوة الوعي الإنساني في “نبذ nihilate” العالم (للتغاضي عن بعض جوانبه، والتأكيد على البعض الآخر، على أساس مجموعة من القيم الوجودية) والتماسك الداخلي للعمل الفني:

. . . كل ضربة من الفرشاة (ليست) لذاتها (. . . ) إنـ(ها) تُعطَى مع كلٍ مصطنع غير حقيقي (irréel) وغاية الفنان هي بناء كلٍ من الألوان الحقيقية، يمكِّن غير الواقعي من التعبير عن نفسه. (…) إن تكوين هذه الأشياء غير الواقعية هو ما أعتبره جميلا (Sartre 1940, 216).

يعني ذلك أن تناسق المشروع الوجودي، الذي يتم كشف العالم عبره بطريقة خاصة، يتطلب أيضا اتساق العمل الفني. غير أن الاقتباس أعلاه يشير أيضا إلى العلاقة بين العناصر المختلفة، التي تشكل مجمل التكوين: في النهاية، يرتبط كل عنصر مادي معين، مما يساهم في التكوين العام، بالعناصر الأخرى خلال علاقة سلبية.

وهكذا يبدو أن نظرية المعنى، التي تدعم هذه الوجهة من النظر تجاه بنية العمل الفني، تتوقع تعريفا للغة ينتمي إلى سوسيرSaussure . على نحو معروف، حلل سوسير وظيفة اللغة كنظام “تمييز حَرَكي diacritical”، تدين فيه كل إشارة بدلالتها، ليس إلى علاقة تقابل بين الكلمة والمرجع referent، بل بالأحرى إلى موضعها داخل النظام اللغوي العام. في الأساس، تعني الإشارة ما تعنيه على أساس “عدم وجود” أي من العلامات الأخرى. لفظ “Dog كلب” يعني ما يفعله الكلب، لأن الدال signifier (صوت اللفظة المادي) والمدلول signified (المعنى المقصود) يختلفان عن كل لفظ آخر، ولا سيما القريب منه صوتيا: “log” و “fog ” و “god” وما إلى ذلك؛wolf” ” و “cat” وما إلى ذلك.

بنفس الطريقة، فإن الفلاسفة الوجوديون، الذين كرسوا جل اهتمامهم بالتعبير اللفظي للمعنى (سارتر وميرلو بونتي) يصرون على جوهر التشكيل المميَّز والأساسي للعنصر الجمالي في تكوين معين: عنصر له أهمية جمالية على أساس من علاقته بالعناصر الأخرى، وليس بسبب أي معنى جوهري خاص به. يترتب على ذلك، على سبيل المثال، أن المتعة المستمدة من لون معين، في لوحة ما، بمعزل عن بقية العمل، ليست “جمالية” بالمعنى الدقيق، ولكنه معنى ضئيل فقط: كمتعة للحواس فقط. يتضمن هذا أيضا أن المعنى والقوة الجماليين لتكوين ما (نص، أو لوحة، وما إلى ذلك) يعتمدان، في الغالب، على ما لا يُقال أو لا يُعرض؛ ما يكمن بين عناصر التكوين، وليس على العناصر المبينة بوضوح. يصر الوجوديون جميعا على أن المعنى يمكن العثور عليه، إلى حد كبير، في شكل معين من الصمت. في حالة الرواية: 

. . . الموضوع الأدبي، رغم إدراكه من خلال اللغة، لا يتحقق أبدا في اللغة. على العكس من ذلك، فهو بطبيعته صمت وتنوع في الخطاب. يمكن قراءة مائة ألف كلمة مسطورة في كتاب واحد، الكلمة تلو الأخرى، دون ظهور معنى العمل؛ المعنى ليس مجموع الكلمات، بل كليتها العضوية (Sartre 1948a, 30).

يعني هذا أنه لا ينبغي التعامل مع العناصر المختلفة للعمل الفني بشكل منفصل، أو في واقعها المباشر، ولكن من حيث كيفية عملها بشكل عضوي ونظامي وسلبي. الألوان في اللوحة، واختيار الكلمات، وإيقاع الجمل في الرواية، ما هي إلا خطاطات، وحذف، وإدغامات، وتوقفات، توحي بنحو سالب، تماما، مثلما تشير العناصر، بشكل إيجابي، إلى ملامح مشهد معين في العالم.

 

  1. نظرية التعبير

إن التأكيد على قدرة الوعي البشري على “تبديد” واقعية العالم، هو بمثابة الدفاع عن الحرية الإبداعية للفنان. العمل الفني هو أبرز مثال على قدرة الوعي البشري على التوجه نحو العالم بتلك الطريقة التي تنتقي بحسبها عناصر معينة، وتُفرغ ذهنه من عناصر أخرى، وفق مشروع وجودي أساسي. تُعد الممارسة الفنية واحدة من أبرز مظاهر حرية الإنسان؛ لأنها تُظهر كيف يمكن للممارسات البشرية أن تعيد خلق عالم جديد (كامو، سارتر، دي بوفوار، ميرلو بونتي) أو استعادته (مارسيل) ويكون أكثر تنظيما من العالم المعطى. يقدم كامو صياغة موجزة لمبدأ مركزي في الجماليات الوجودية: “الكتابة تعني الاصطفاء” (Camus 1951, 271).

لم يكف الفلاسفة الوجوديون عن صياغة قيود داخلية (جمالية) وخارجية (أخلاقية وسياسية) للممارسة الفنية، لكن جمالياتهم تنادي بشكل أساسي بالحرية التامة للفنان، ويرون فيها أيضا النموذج المتميز لحرية الإنسان بشكل عام. كامو، على سبيل المثال، يجعل النشاط الفني، واختيار المرء لأن يكون فنانا، هو أحد الأساليب المميزة للبشر للتعامل مع العبثية absurd (Camus 1942b, 86–88). تؤكد العديد من النصوص الوجودية المخصصة للقضايا الجمالية على “لغز” الإبداع، و “الحل” المذهل الذي يمثله العمل الفني، و”معجزة التعبير” التي تثير إعجاب الجمهور والفيلسوف.

لكن الحرية الراديكالية غامضة، حيث يجب أن تعمل مع وقائعية facticity (مصطلح تبناه الوجوديون عن هيدجر Heidegger)، أي: مجموعة من العوامل المعطاة (مادية، واجتماعية، وما إلى ذلك) التي لم تخلقها. في حالة الفنان، يكمن الغموض في القرار والشغف في أن يكون فنانا. على الرغم من أن مجموعة من الشروط الجينية والاجتماعية المسبقة تؤثر في هذا القرار، إلا أنه، بنفس القدر، نتاج قرار فردي في ذلك الموقف المحدد.

يعلَق العمل الفني في نفس الغموض. فمن ناحية، هو الخلق الحر لشخص غير مقيّد، تعبير شخصي بحت عن الفردية. ومن ناحية أخرى، هو مقيد بعوامل مختلفة، تؤثر بقوة على بنيته ذاتها: الجمهور، والمرحلة التاريخية التي سيتم تلقى العمل فيها، والعناصر المادية التي يتكون منها العمل الفني، وعلى وجه الخصوص، العناصر الدالّة التي يعيد الفنان استخدامها وتشكيلها لخلق عمل جديد.

تقدم كتابات ميرلو بونتي، في خمسينيات القرن العشرين، نظرية وجودية أصيلة في التعبير، تتناول هذا البُعد الأخير على وجه الخصوص. يمكن المجادلة بأن نظرية التعبير هذه تلتقط وتطرح أفكارا صريحة، يشارك فيها عدد من الكتاب الوجوديين الآخرين حول هذه المسائل.

في كتابه نثر العالم The Prose of the World  (1964)، يبحث ميرلو بونتي نشأة ومنطق المعنى، وفاعلية إعطاء المعنى، والدلالة والتعبير، باستخدام مثال الأعمال الأدبية (خاصة الرواية(. شكل فيه ستندال Stendhal حالة نموذجية للدراسة. إن محاولة استخلاص استنتاجات فلسفية عميقة من الأعمال الفنية هي ديدن الممارسة الوجودية.

أولا، يمكن للعمل الأدبي أن يساعدنا في فهم ظاهرة المعنى ومنح المعنى، من خلال رؤية الكاتب في حال خلقه معاني جديدة، بل لغة جديدة (نسخة جيمس جويس Joycean من الإنجليزية، و فرنسية فلوبير Flaubertian ، وما إلى ذلك) من خلال إعادة تكوين لغة، يشاركها مع مجتمع بأكمله، في حقبة تاريخية معينة. هذا جانب غامض حقا، يمكن أخذه (من ناحية) كدليل على معضلة التعبير، ودليل على قوة إبداعية مطلوبة لإتاحة ظهور ما هو جديد من قلب القديم، بينما (من ناحية أخرى) يكون هذا الجديد ممكنا فقط على أساس ما تم إنشاؤه بالفعل. لكن هذه الملاحظة الأولية تشير إلى مستوى أعمق بكثير؛ هنا، إنها اللوحة التي تقدم أثمن المؤشرات. في مناقشة مقالات أندريه مالرو André Malraux  الأساسية، حول تاريخ التصوير (Malraux 1953)، صاغ مالرو نظرية وجودية مفصلة للمعنى، حيث يلعب العمل الفني الدور المركزي. لقد تم اعتماد وتحويل استعارة هوسرل الخاصة “بالمنظور” إلى صيغة عامة، لكل من قوة الإدراك، والحالة الميتافيزيقية للإنسان.

يمكن القول إن القصدية تتزامن مع إنشاء منظور في عالم لا يوجد فيه أحد، قبل الوجود الإنساني. ولكي يتبدى الواقع بكل صفاته وبنياته المختلفة، فإن الوعي البشري مطلوب. ما يميز الفنان عن غيره من مستخدمي اللغة هو اتساق وتماسك نظرة معينة إلى العالم. يقدم هذا المنظور المتماسك عنصرا الانتظام والبنائية في فوضى العالم. كما يقدم اتجاهات: أعلى وأدنى، يمين ويسار. أي أنه يقدم المعنى.

يؤدي هذا الارتباط بين التعبير الفني والمعنى إلى إعادة تقييم جوهرية لمفهوم الأسلوب style. عوضا عن الطريقة السطحية لصياغة المعاني، التي لا تتغير بأسلوب التعبير عنها، فإن الأسلوب في هذا السياق، الآن، يشير إلى منظور أساسي يمكن من خلاله الاقتراب من العالم؛ إنه يشير إلى منظور ما كان ليوجد قبل الفعل التعبيري. إنه يعيِّن “انحرافا لا بديل له”، يكون ممكنا فقط من طريقة معينة للوجود في العالم، والذي يتم استعادته لاحقا في لغة رمزية، سواء كان الشكل اللغوي للأدب، أو “اللغة غير المباشرة” للتصوير painting. الأسلوب منظور متماسك، “تشويش متسق”، طريقة للوجود في العالم، والاقتراب من العالم من زاوية معينة. في هذا النموذج، لا يعبر الأسلوب عن المعنى الموجود مسبقا، ولكنه يخلقه. طور ألبير كامو، في صفحات كتابه الإنسان المتمرد The Rebel، المكرس للأبعاد الجمالية للتمرد، مفهوما مصاحبا للتعبير الفني:  

. . . تظهر الوحدة في الفن عند نهاية التحول الذي يفرضه الفنان على الواقع. هذا التصحيح، الذي يجريه الفنان بواسطة لغته وإعادته توزيع العناصر المستمدة من الواقع، يُسمَّى الأسلوب، وهو الذي يُكسب العالم المعاد تكوينه وحدته وحدوده (Camus 1951, 270).

وهذا بدوره يعطي معنى أكثر تحديدا للعلاقة بين الجديد والقديم في التعبير. إن التعبير الحقيقي (سواء كان تعبيرا أصيلا عن الذات للمتحدث المتعلم، أو معنى علميا جديدا، أو إنجازا فنيا حقيقيا) ذاتي تماما، وفي نفس الوقت، هو إعادة تكوين للعناصر المشتركة؛ إنه يقوم بتحويل القديم. ولكي يتحقق التعبير الحقيقي، هناك حاجة إلى شكلين من الكلام: “الكلام المتكلِّم speaking speech” و “الكلام المتكلَّم spoken speech” (Merleau-Ponty, 1945a, 197). وهذا يفسر الحقيقة المحيرة، المتمثلة في أن التعبير الحقيقي يجب أن يكون في نفس الوقت إبداعا حقيقيا، شيء لم يُسمع به، ومع ذلك، لا يمكن فهمه إلا إذا كانت اللغة التي يستخدمها (طبيعية، أو علمية، أو فنية) معروفة. وبعبارة أخرى، فإن التعبير هو دائما، أيضا، شكل من أشكال الاتصال بين “متكلِّم” ومجتمع من المتكلمين. بافتراض أن تحليلات ميرلو بونتي تمثل وجهات النظر التي شاركها الكتاب الوجوديون الآخرون (انظر: Sartre, 1948a, 56، حيث استُخدم المفهوم وثيق الصلة: “وساطة mediation”؛ وفكرة “التواصل” هي الفكرة المركزية في فلسفة مارسيل Marcel عن المسرح )، يمكننا أن نلاحظ مرة أخرى أن الجماليات الوجودية تبدو متناقضة مع العديد من التيارات الفنية الحديثة، التي أصرت على وضع تمييز جوهري بين وظائف واستخدامات اللغة الفنية، ولغة الحياة اليومية. على سبيل المثال، استوحى شاعر ومنظّر أدبي كبير، مثل بول فاليري Paul Valéry  من توصيف مالارميه  Mallarmé الشهير للشعر بأنه “يعطي معنى أنقى لكلمات القبيلة”. يمكننا أيضا أن نذكر المصورين السرياليين، والتعبيريين، ومخرجي الأفلام الذين سعوا لاختراق التصور الخيالي للحياة اليومية من أجل إعادة تشكيل الواقع.

يتمتع التواصل الفني أيضا بالقدرة على أن يكون عابرا للعصور، والتقاطع مع اللغات. بالإضافة إلى المكانة التاريخية للتواصل الفني (حقيقة أن اللغة الفنية تعيد استخدام لغة معاصريها)، فإن مهمة إعطاء المعنى على أساس الوجود في العالم، هي جزء من الحالة الميتافيزيقية لكون الإنسان إنسان، وهكذا، ينطبق الأمر على جميع البشر عبر التاريخ. نتيجة لذلك، مع الأخذ في الاعتبار أن الفن هو “درجة أعلى”‘ من التواصل، فإن العمل الفني ليس مجرد مثال صارخ للتعبير الحقيقي، ولكنه يوضح، أيضا، حقيقة أن كل فعل ذي معنى، منفتح على الماضي، وكذلك على مستقبل الأفعال التعبيرية الإنسانية الأخرى.

عند هذه النقطة، يمكننا أن نلاحظ توترا داخل الفكر الجمالي للعديد من الكتاب الوجوديين (توتر حاد جدا في أعمال سارتر) بين المغزى العابر للتاريخ نسبيا، للأعمال الفنية، وبين تموضعها التام: تقدم الأعمال الفنية صورة للحرية الملتزمة، وبنحو خاص، المواقف التي لا يمكن الوصول إليها حقا إلا لمعاصريها (Sartre 1948a, 50–52). يصر ميرلو بونتي، من جانبه، على الوحدة الضمنية لتاريخ التصوير، والتي تتيح لنا العثور على آثار وأصداء الرسامين السابقين في اللوحات الحديثة. إن تاريخ التصوير painting هو صورة مصغرة للتاريخ، وشهادة على قدرة الأجيال الحالية على فهم أفعال ومشاعر الأجيال الماضية (Merleau-Ponty 1964b, 72) إن رؤية ميرلو بونتي لإمكانية التعاطف عبر العصور، لا تنكر النسبية التاريخية لتشكيلات المعنى. إنها توضح كيف، على الرغم من المسافة الزمانية المكانية الفاصلة بين السياقات التاريخية، لا يزال بإمكان البشر فهم بعضهم البعض، ويمكن للمؤرخين فهم الأزمان السابقة، وأن يفهم علماء الأنثروبولوجيا الشعوب الأخرى، كما يمكننا، بطريقة ما، الوصول إلى بعض معاني الممارسات الفنية السابقة. إن الإنجازات التعبيرية للشعوب الأخرى تعد غريبة بشكل جذري، ومع ذلك، فهي محصلة للإيماءات التعبيرية، القابلة للقياس مع إيماءاتنا، نظرا لأنها نتاج قدرة بشرية مشتركة، أي: القدرة على تجاوز العالم الطبيعي، وإعادة إنشائه ككون ذو معنى ومنظم.

 

  1. الفنان

إن الافتراض المركزي والمشترك للفكر الجمالي في الفلسفة الوجودية، بعيدا عن الاختلافات الدينية والسياسية الحادة للوجوديين، هو الغموض الأساسي للحالة الإنسانية: أنا حر بنحو أصيل كوعي، لكنني محدد، جوهريا، من خلال وقائعيتي: الظروف المادية والاجتماعية وغيرها، التي في غمارها يأتي وعيي إلى العالم. حول هذه النقطة بالذات، يعد التحليل الوجودي لهيدجر مرجعا مشتركا يجمع بين مفكرين مختلفين (أو بالفعل: متعادين). من التضمينات المهمة للتأكيد على الوقائعية الإنسانية؛ أنها تصوغ رابطا حيويا بين الفلسفة والفنون، التي تهدف بالمثل، من هذا المنظور، إلى استكشاف الغموض الميتافيزيقي للحالة الإنسانية.

يمنح هذا الفنان مكانة خاصة من وجهتي نظر على الأقل:

(1  النشاط الفني، كخيار وجودي، هو أسلوب متميز في افتراض وإدراك الطبيعة المتناقضة في كون الإنسان إنسان. بحسب كلمات كامو، النشاط الفني هو أحد المواقف الرئيسية لمواجهة العبثية. احتفال كامو بالفن في كتابه  أسطورة سيزيف (1942b, 127)، الذي يتوج التعبير الفني باعتباره الشكل النهائي لـ “للبهجة”، سيبدو صحيحا بالنسبة للوجوديين الآخرين، على الرغم من اختلافاتهم الملحوظة حول مسألة العبثية. في الواقع، أدلى العديد من الكتاب الوجوديين الآخرين ببيانات مماثلة، تعكس اختياراتهم الحياتية الخاصة، ولا سيما قرارهم بالعمل في مجالي الفلسفة والأدب. يمنح البعد الشخصي، الذي يمكن ملاحظته في العديد من الكتابات الوجودية، مكانة خاصة لهذه النصوص في تاريخ الفلسفة، لأنها تطمس الحدود التي كانت أساسية في تعريف نوع الكتابة الفلسفية، أي: الحد الفاصل بين الكتابة النظرية، والسيرة الذاتية: الشخصية والعامة. وتعد “المذكرات الميتافيزيقية” الخاصة بمارسيل، خير مثال على ذلك. وهي أكثر من مجرد شكل أصلي للتحليل الفلسفي، إذ توضح اليوميات تصور مارسيل الخاص للذات الحقيقية، كيقظة تدريجية لـ “مناشدة” الوجود، خلال الممارسات المشتركة للبحث الأنطولوجي، والإبداع الفني، والمشاركة الشخصية. كما كتب سارتر سيرة ذاتية: الكلمات Les Mots، تحكي عن اكتشافه لعالم الكلمات، وهي دون شك، إحدى روائعه. يمكن قول الشيء نفسه عن النص السردي الأخير لكامو، السقطةLa Chute ، الذي يمزج بين سيرته الذاتية والسرد الساخر لفلسفته.

بالإضافة إلى ممارساتهم الشخصية، يرى الوجوديون أيضا أهمية فلسفية في حياة الفنانين العظماء، وهم مهتمون باللحظة التي اختاروا أن يصبحوا فيها فنانين، وكيف تكشَّف هذا الاختيار المبدئي على مدار حياتهم. يقدم الفنانون حالة نموذجية لدراسة مفارقات “الوجود” و “التعبير” (Sartre 1947b, 1971). في الواقع، لا ينطبق هذا فقط على الكتاب والمصورين، ولكن على الممثلين أيضا. بالنسبة لكامو، فإن الممثلين هم أولئك “الذين يستخلصون أفضل نتيجة” من الحقيقة الميتافيزيقية للوجود البشري (1942b, 107).

2 ) يعتبر نشاط الفنان، أيضا، مهما للغاية، من حيث قدرته على التعبير عن عالم متماسك. على كل شخص أن يقوم بخيارات وجودية، وأن تكون لديه حاجة للتعبير، غير أن الفنانين يقدمون، بشكل خاص، نماذج قوية ونقية لهذه الجوانب من الوجود الإنساني. وتستحق إنجازاتهم الإعجاب؛ لأنها تنطوي على إنشاء عوالم افتراضية. كل وعي، وكل موجود هناك being-in-the-world، معبِّر، ولكن نادرا ما يكون هذا التعبير جديدا حقا. في معظم الأحيان، يكون التعبير البشري مجرد تكرار للمعاني المؤسَّسة، كما هو الحال في الاستخدام شبه التلقائي للغة المنطوقة. فقط الفنانين الكبار هم من يُظهرون قوة التعبير في نقائه، وحداثته، وتماسكه. إن إعادة إنشاء عالم افتراضي بما يمكن معه إنصاف تعقد العالم الحقيقي، هو واقعة “إعجازية” تقريبا، كما يقول ميرلو بونتي عن سيزان. وكما يمكننا أن نلاحظ، لم يعد الوجوديون بعيدين عن الرومانسيين، فيما يتعلق بتركيزهم على العبقرية.

نظرا لأن العالم التعبيري للفنان الأصيل هو منظور جديد للعالم، يتطابق مع الوضع الفردي الكامل للفنان كونه موجود هناك، فستكون هناك استمرارية عميقة وضمنية في عمله. إن الاتصال الذي يؤسسه العمل الفني، عبر الزمان والمكان، يعمل، أولا وقبل كل شيء، في قلب العمل الفني oeuvre  نفسه، مع الموضوعات، والسمات الأسلوبية، مرددا بعضها البعض في جميع أنحائه (Camus 1942b, 102–103; Merleau-Ponty 1964b, 67). لكن هناك حتمية متأصلة في النشاط الفني. لا يمكن للنشاط التعبيري أن يكون سوى محاولة للتعبير، وهو محكوم عليه، من الناحية البنائية، بالفشل؛ لأن هناك الكثير جدا مما يجب الكشف عنه في العالم. إن وسائل التعبير محدودة، وتعمل بطريقة ملتوية، بنفس القدر من خلال التعيين المباشر، كما من خلال القطع الناقص، والإشارة. أدى هذا بكامو إلى استنتاج أن النشاط الإبداعي، مثله مثل جميع الأنشطة الحرة، هو في النهاية مجرد محاولة عبثية أخرى للتعامل مع عبثية الحياة البشرية (1942b, 130).

 

  1. الجمهور

يميز غموض أساسي أيضا تجربة الجمهور. من ناحية، يخلق الفنان الأصيل عالما افتراضيا جديدا، يعبر عن منظور متساوق وفردي عن العالم الذي يتشاركه الجميع. عندما يتفاعل الجمهور مع العمل الفني بنجاح، يغير المتفرجون فجأة طريقة إدراكهم، ويتعين عليهم تبني منظور جديد. باللجوء إلى المجاز اللغوي، يتم تجديد لغة التواصل اليومي القائمة والبالية (اللغة “المنطوقة” أو المترسبة) بواسطة لغة “تحدُّث speaking”، وهي تعبير حقيقي يفرض نفسه على الجمهور (سواء كان قارئا أو مشاهدا). وهكذا، فإن العمل الفني، بمعنى ما، يخلق جمهوره الخاص (Merleau-Ponty 1964b, 86, and also 12-13; see also Dufrenne, 1973, 63–71).

ومع ذلك، هناك جانب فعال للاستمتاع الفني، كما هو الحال في القراءة، على سبيل المثال. فبدون تأمل المتفرج، أو قراءة القارئ، يظل تعبير العمل الفني ذاتيا تماما. ولكنه يصبح موضوعيا، ويظهر معناه في الواقع، فقط بواسطة الاستهلاك الرمزي له من جانب الجمهور. رغم ذلك، فإن هذا الفعل ليس سلبيا: إنه يحشد قوة الجمهور الخاصة في التعبير والتخيل. القراءة، أو المشاهدة، أو الاستماع، كما عبَّر سارتر، هي “إبداعات موجهة”: “الكتابة هي مناشدة القراء بأن ينقلوا، إلى الوجود الموضوعي، للإلهام الذي قدمته أنا (الفنان) بواسطة اللغة” (Sartre 1948a, 32; Dufrenne 1973, 47–60). إن تصور مارسيل للمسرح كتجربة “مشاركة” يتضمن أيضا هذه المشاركة الفعالة من الجمهور.

يرتبط غموض التجربة الجمالية ارتباطا مباشرا بالنظرية المذكورة آنفا، الخاصة بسلبية الوسائل التعبيرية. يؤدي العمل الفني دوره عندما يكون قادرا على تحديد منظور متسق للعالم، ومع ذلك يتم تحديد هذا المنظور بشكل أساسي بالسلب، باعتباره أثرا لمواقف متكررة ومتوقعة في العالم. بناء على ذلك، يكون مطلوبا من المشاهد أن يترجم الآثار الفكرية، والوقفات الشعرية، والإدغامات، التي حددت سلبا عالم التعبير الجديد، إلى سمات إيجابية : “. . . خيال المتفرج ليس له وظيفة تنظيمية فحسب، بل وظيفة تأسيسية. إنه لا يعزف: إنه مدعو إلى إعادة تكوين الموضوع الجميل القابع فيما وراء الآثار التي تركها الفنان” (Sartre 1948a, 33).

هناك مجاز يستخدمه سارتر وميرلو بونتي كثيرا؛ فحواه أن للعمل الفني وجهين، يقابلان وجهي المرآة. يرى الفنان عمله من الداخل فقط؛ فهو يعيش العمل الفني بمعنى ما، حيث أن القوة التعبيرية متجذرة في شكل ذاتي من الوجود هناك. لكي يصبح العمل كيانا موضوعيا، وله معنى واضح، فهو في حاجة إلى فهم وخيال الجمهور، لأجل إعادة بناء الصمت الهادف بين ثنايا الأثر الفني. ولا يمكن لهذا الفهم أن يكون سلبيا، لأن المعنى التعبيري الحقيقي ينطوي على شكل جديد من أشكال الوجود هناك. إن المتفرج أو القارئ مدعوان إلى تحقيق نفس الوضع الأصلي للوجود هناك: “إذا كان كاتبا، أي: إذا كان يعرف كيف يجد مواضع الحذف، والإدغام، والوقفات في المعالجة الفنية، فسوف يستجيب القارئ لمناشدته، ويلقاه في مركز العالم الخيالي، الذي يحركه ويحكمه (Merleau-Ponty 1964b, 89). مرة أخرى، السمة الرئيسية للتجربة الجمالية هي التواصل، “الصدى echo” الذي يجده الموقف الذاتي تجاه العالم في الآخرين.

 

  • منظومة الفنون” الوجودية

تلك النظرة إلى العمل الفني؛ باعتباره وسط مميز للتعبير والتواصل (بحسب المعنيين الحقيقي والميتافيزيقي، اللذين أُعطيا لهذه الكلمات في الفلسفة الوجودية) تؤدي إلى نهج متماسك نسبيا للأشكال الفنية المختلفة، شيء مثل منظومة وجودية فضفاضة للفنون. نظام للفنون، لا يفسر جوهر الفن فحسب، بل ويبحث عن تعريف للفن، ويحدد وظائفه الاجتماعية، أو السياسية، أو الفلسفية. كما أنه يصنف الفنون في مراتب، ويعطي وصفا لكيفية استخدام كل شكل فني لمواد معينة، ووسائل تعبيرية، لأداء تلك الوظائف. في النهاية، عادة ما يُنظر إلى شكل فني محدد على أنه متميز، ونموذج للطريقة التي يتم بها إنجاز مهمة الفن. قدمت جميع الجماليات الفلسفية الكلاسيكية، منذ كانط Kant وأتباعه المباشرين إلى الآن، “منظومة الفنون الجميلة ” الخاصة بهم، بشكل أو بآخر (Alain 1920, Natanson 1968).

 

  1. 10 المسرح

بالنسبة لمعظم الفلاسفة الوجوديين، يعتبر المسرح هو الشكل الفني الرئيسي، أي: الشكل الأفضل في  السماح للفنان باستخدام حريته، لإنشاء عالم افتراضي، يناشد، في نفس الوقت، حرية الجمهور (بغض النظر عن كيفية تعريفنا لتلك الحرية، لاهوتيا أو سياسيا). بالنسبة لألبير كامو، ودي بوفوار، ومارسيل، وسارتر، فقد ارتبط لديهم النشاط الفلسفي والمعرفي مع كونهم كتاب مسرح، ارتباطا وثيقا (Goldthorpe 1986). عرّف مارسيل نفسه بأنه ” فيلسوف مسرحي philosophe-dramaturge” (philosopher-dramatist, see Lazaron 1978)، ليؤكد على ما كان، بالنسبة له، وحدة لا تنفصم بين التأمل الفلسفي والكتابة المسرحية. في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنهم جميعا، باستثناء دي بوفوار (التي لم تكن محاولتها الوحيدة للكتابة للمسرح ناجحة جدا [see de Beauvoir 1945b and 1962, 672–673])، قد حازوا الشهرة ككتّاب مسرحيين، وفلاسفة في عصرهم.

يمكن القول إن تأملات سارتر النظرية عن المسرح في عصره، تظل هي الأكثر قراءة اليوم. في وصف ما كان بالنسبة له هي السمات المميزة للمسرح الوجودي، سعى سارتر أيضا إلى تحديد بعض الخصائص الرئيسية للمسرح نفسه. ونظرا لتأصل تلك الخصائص في نظريته عن الحرية، فإن المسرح، بالنسبة لسارتر، هو الفن بامتياز .

إن تحديد هوية الفن بشكل عام بالمسرح أمر واضح بالفعل في حقيقة أن نفس الكلمة – “موقف situation” – تلخص، في نفس الوقت، الموقف الميتافيزيقي للإنسان في العالم، وتلخص العنصر الجمالي الجوهري للمسرح (Sartre 1976, 35). يتفق “الخصمين”، في الوجودية الفرنسية: سارتر ومارسيل، على مركزية مفهوم “الموقف”. ويعرِّف كتاب ما هو الأدب؟ مهمة الأدب بأنها محاولة “لكشف العالم، وبشكل خاص كشف الإنسان للآخر، حتى يتحمل الأخير المسؤولية الكاملة أمام الموضوع الذي تم الكشف عنه بهذه الطريقة” (Sartre 1948a, 14). ونظرا لأنه يتمحور حول الجانب العملي للبشر الحقيقيين، الذين يواجهون تناقضات المواقف الواقعية، فإن المسرح هو الوسيط الأفضل لأن يقدم، في شكل نقي، المسؤولية التراجيدية للحرية الإنسانية؛ حقيقة أننا “محكوم علينا بأن نكون أحرارا” في عالم لا يرحب بمشاريعنا.

يؤدي هذا التأكيد على الفعل والموقف إلى سلسلة من القواعد الإلزامية للغاية، كما نرى في المعايير التي استخدمها سارتر في مراجعاته النقدية للكتابة والإنتاج المسرحي المعاصر. للارتقاء إلى مستوى مهمة تحقيق “مسرح المواقف theatre of situations”، يجب على الكتابة والإنتاج مقاومة إغراء التركيز على الشخصيات، بل إنهما في حاجة إلى تقديم مواقف نموذجية، تكون فيها حرية الإنسان، بشكل جذري، على المحك، ولا سيما من خلال أنواع مختلفة من “صراعات الواجبات” العالمية. يحتاج المسرح إلى تجنب الجوانب النفسية، والتركيز على الفعل (في تقابل واضح مع مسرح مارسيل، الذي يهتم بشكل أساسي بإثارة صراعات الضمير الداخلي)، يجب أن يكون حذرا من نهج واقعي قد يبعد بالتركيز عن عنف النزاعات. للسبب نفسه، يجب تقليل مدة المسرحية وعدد الشخصيات. يجب أن يكون المسرح خاليا، وأن تكون اللغة مباشرة، ولكن غير واقعية، مما يضاعف من حدة الموقف بأكبر قدر ممكن. باختصار، يهدف المسرح الوجودي، صراحة، إلى العودة إلى التصور اليوناني، محاولا تقديم “أساطير” معاصرة، في عالم بلا آلهة  (Sartre 1976).

لكن المواقف situations، على وجه التحديد، قائمة: فهي تحدث دائما في سياقات اجتماعية وسياسية محددة. ولذلك، فإن الأساطير التي يقدمها المسرح لها بعدان زمنيان: 1) نظرا لأنها تدور حول تمييز سمات “الكائن” البشري، فإنها تتمتع، مثل المأساة اليونانية والكورنية Corneillian ، بجاذبية عابرة للأزمان؛ إنها مسرحيات عن حرية الإنسان بشكل عام. ويفسر هذا النزعة الكلاسيكية لدى العديد من المسرحيات الوجودية. وبالتالي، فمن المنطقي تماما أن نعرض أحجية الحرية العبثية الحديثة، من خلال شخصية كاليجولا Caligula، كما فعل كامو في واحدة من أشهر مسرحياته. 2 ) يكون الموقف دائما موقفا محددا، ولا سيما ظرفا اجتماعيا وسياسيا محددا، مع صراعه المحدد في الحريات. في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، يُفهم صراع الحريات، على نطاق واسع، باعتباره صراع بين الحريات الليبرالية والمثل الأعلى الاشتراكي. وافق جميع الوجوديين على هذا، باستثناء مارسيل. كان “السؤال الشيوعي” (حول ما إذا كان سيتم تبني الحل الشيوعي المقتَرح للمشاكل التي تواجه العالم في عام 1948 – وهو تاريخ نشر كتاب ما هو الأدب؟) هو واحدا من أكثر الأسئلة السياسية إلحاحا بالنسبة لهم. بشكل أعم، يمكننا أن نذكر مسألة قيمة المشاركة الفردية كمقابل للانخراط في حركة جماعية (سؤال في مركز روايات مالرو، ولا سيما كتابه الحالة الإنسانية Human Condition، الذي يقترب من الجماليات الوجودية)، وموضع الحرية الفردية في عصر الصراع بين قوى عالمية. كانت هذه الأسئلة في مقدمة الاهتمامات الوجودية، حينما ابتكروا جمالياتهم، وكتبوا مسرحياتهم ورواياتهم.

لقد لاحظنا التشابه بين سارتر ومارسيل فيما يتعلق بتأكيدهما على فكرة الموقف. على الرغم من أن سارتر أشار إلى سمات أخرى للمسرح الوجودي، تنطبق في ظاهرها على مسرحيات مارسيل، إلا أن هناك اختلافات صارخة في أسلوبهما في الكتابة المسرحية. في حين أن التبرير النهائي للمسرح بالنسبة لسارتر سياسي، فإنه بالنسبة لمارسيل ميتافيزيقي: إنه مسألة العثور على الخلاص والأمل، والحفاظ على إمكانية الإيمان. ومع ذلك، فمثلما هو الأمر مع سارتر، عرضت مسرحيات مارسيل المشكلات المحددة للعصر كما رآها، على سبيل المثال: كيف يؤدي ظهور التكنولوجيا إلى موقف اختزالي للعالم، وبنحو خاص تجاه البشر الآخرين، فظائع القرن، والاضطراب الأخلاقي للأفراد المعاصرين. على الرغم من تفاؤله الميتافيزيقي، يلعب مسرح مارسيل مع وجوديين آخرين مزاجا كئيبا بشكل واضح. إنه يريد أن يصور “مأساة الروح في المنفى، الروح التي تعاني الافتقار إلى التشارك مع نفسها ومع الآخرين” (Preface to Troisfontaines 1953, 35). تصور مسرحيات مارسيل باستمرار شعورا متناميا بالعبثية يصيب الشخصيات الرئيسية. ومن الحقائق المنسية أن مارسيل كتب مسرحيات أكثر من أي من الوجوديين الآخرين.

 

  1. 10 الرواية

تقترب الرواية جدا من المسرح باعتباره الشكل الفني المفضل للفلاسفة الوجوديين. بالنسبة لمعظم الوجوديين، لم تكن نماذجهم الأساسية من الشخصيات من الفلاسفة، بل روائيون معاصرون. اثنان منهم كانا نموذجيين بشكل خاص، وهما: دوستويفسكي Dostoievsky  وكافكا Kafka. وقد رأى سارتر، ودي بوفوار، وكامو، أنفسهم كتابا روائيين وفلاسفة بنفس القدر. لقد انشغلوا بأعمال بعضهم البعض الروائية، على الأقل بنفس القدر، إن لم يكن أكثر، بأكثر مما فعلوا مع أعمالهم النظرية (Camus 1938b, 1939, Sartre 1943b). في الواقع، كما لوحظ بالفعل، كانت الكتابات الروائية والسير الذاتية بمثابة تطبيقات مباشرة لرؤاهم الفلسفية. كتب كامو: “أن تفكر هو أن تخلق عالما”، موضحا التطابق العميق بين الخلق الفلسفي والخيالي (Camus 1942b, 87–91). والسبب هو نفسه كما هو بالنسبة للمسرح: فالخيال السردي، الذي يركز على سلسلة من “المواقف” التي يمكن فيها التحديد الدقيق للخيارات الوجودية الأساسية، التي تواجه البشر، الذي يمكن تأديته على المسرح بدقة، هو أسلوب قوي للمشاركة بين الخيال الحر للقارئ، وذلك الذي يدعوه إلى الفعل: “ما هي الرواية، في الحقيقة، غير عالم يجد الفعل فيه شكلا؟ (Camus 1951, 263). الرواية هي كشف للعالم، لا سيما في إلحاحه الاجتماعي والسياسي، بواسطة حرية من أجل حريات الأخرين. كما كتب ميرلو بونتي في “الميتافيزيقيا والرواية Metaphysics and the Novel”: “كانت الأعمال الفكرية دائما مشغولة بتأسيس موقف معين تجاه العالم، يكون فيه الأدب والفلسفة، مثل السياسة، مجرد تعبيرات مختلفة، ولكن الآن فقط [بفضل الفلسفة الوجودية] أصبح هذا الاهتمام جليا (Merleau-Ponty 1945c, 27; see also Camus 1942b, 92 and 1951, 258–267).

في الجماليات الوجودية، فإن للنشاط الفني ومنتجاته أهدافا خارجية: كشف العالم للآخرين، بالمعنيين الميتافيزيقي والسياسي. وكما لوحظ، تتعارض هذه النظرية الجمالية مع فكرة أن العمل الفني هو غاية في ذاته، أو أن الأسلوب والشكل مبرران ذاتيا. وهكذا، كان الوجوديون متشككين بشدة بخصوص بعض الحركات الفنية الرئيسية في ذلك الوقت، ولا سيما السريالية Surrealism، حتى مع إعجاب بعضهم بروحها المتمردة (Camus 1951, 88–100)؛ أو، في وقت لاحق،  الرواية الفرنسية الجديدة Nouveau Roman  (ألان روب جرييه، وناتالي ساروت، وكلود سيمون) والمؤلفات التي قُدمت حول مجلة ما بعد البنيوية التي تسمى Tel Quel (de Beauvoir, in Francis and Gontier, 226, 233–234). بالمقارنة مع الدادائية Dadaism، والسريالية، والطليعة الأدبية literary avant-gardes، التي أعقبت الحقبة الوجودية مباشرة، فإن الجماليات الوجودية ذات طابع قديم ومحافظ تقريبا. إنها تدعو إلى كلاسيكية جديدة، في موضع ما، بين الشكلية formalism والواقعية realism (سواء في نسختها الطبيعية أو الاشتراكية)، وتتجاوز الرومانسية (Camus 1944 and 1951, 268–271)، على أساس أن الأبعاد الأخلاقية والسياسية للأدب لا تتكون فقط في التمرد ضد اللغة اليومية، والنظام الاجتماعي والسياسي السائد، ولكن أيضا في المهمة الأكثر إلحاحا (ولكن المتواضعة) المتمثلة في تسمية العالم بشكل صحيح؛ من أجل كشف النقاب عن الظلم الهائل السائد فيه، ويقوم، أيضا، باستعادة جماله العابر واللاإنساني (Camus 1951, 272–279). في أعماله الغزيرة كناقد أدبي، أصر سارتر على رفض المنهج الشكلي، ونظرية “الفن للفن”، حتى في حالة الكتاب الفرنسيين البارزين، مثل مالارميه Mallarmé أو فلوبير Flaubert. على أية حال، يمكن القول أيضا، من منظور العلاقة بين السياسة والفنون في القرن العشرين، أن المطالبة الوجودية بأن يحتفظ الفن بعلاقة قوية مع الواقع اليومي (من أجل الوفاء بأدواره الأخلاقية والسياسية) هو أيضا بالكلية ملائم لعصره.

إن إدانة نظرية “الفن للفن” تنطبق على كل الفنون، كما أن لها تداعيات مهمة على النقد الجمالي ومفهوم الأسلوب. يبذل الوجوديون جهدا كبيرا لملاحظة أن رفضهم للمذهب الشكلي، والمذهب النقائي purism،  ومذهب الغاية الذاتية autotelism في الفنون، لا يرقى إلى الدعوة المتحمسة إلى نسخة خام من الواقعية (Camus 1951, 268–270; Sartre 1948a, 44). وكما لاحظنا بالفعل في حالة المسرح، فإن الجانب الكلاسيكي من الجماليات الوجودية يؤثر على اختيار الوسائل الأسلوبية: “لا يُعد المرء كاتبا لأنه اختار أن يقول أشياء معينة، بل لأنه اختار أن يقولها بأسلوب معين. وللتأكيد، فإن الأسلوب هو ما يصنع قيمة النثر. لكن يجب أن يمر دون أن يلاحظه أحد ” (Sartre 1948a, 15).

علاوة على ذلك، فإن التعريفات الوجودية للمعنى باعتباره سلبيا، والتعبير على أنه “تشويه متسق”، يعني أن الإنجاز الأسلوبي (القدرة على السماح بالكشف عن معنى جديد) يعتمد إلى حد كبير على اختيار الكلمات، وبناء الجملة، كما يعتمد على “حالات الصمت” والترك التي تحدد إيماءة تعبيرية.

 

  1. 10 الشعر

مع تأكيدهم على الفعل في المواقف، فإن للوجوديين علاقة مضطربة بالشعر. وحده كامو، على غرار نيتشه، من كتب عددا من القصائد (في كتابات شبابه ودفاتره، Camus 1933, 1935–1941). في العديد من المقاطع في أعمال كامو، نجد للشعر دلالة إيجابية. ومع ذلك، تشير هذا الدلالة إلى طبيعة معينة للغة، أي: استخدام صور حية، تنجح في نقل بعض الحقيقة حول الحالة الإنسانية، لا مجرد نقل مزايا الشعر كشكل أدبي محدد.

بالنسبة لسارتر، فإن موقف روائيي القرن التاسع عشر، الذين انخرطوا في حالة “الفن للفن”، لا يختلف كثيرا عن الطريقة الإشكالية التي يتعامل بها الشعراء المحدثون مع اللغة. في الواقع، فإن دراسات سارتر عن اثنين من كبار الشعراء الفرنسيين في القرن التاسع عشر، بودلير Baudelaire  ومالارميه Mallarmé، اصطبغت بنفس الاستنكار كالذي نجده في دراسته الهائلة عن فلوبير Flaubert  (Sartre 1947b, 1952b, 1971–72). الشعر الحديث بالنسبة لسارتر، في التحليل النهائي، هو استخدام مضلل للغة. إنه يستخدم اللغة كغاية في حد ذاتها، كشيء، بنفس الطريقة التي يستخدم بها المصور الألوان. وهذا يتجاهل حقيقة أن العلاقة بين الموضوع المادي والدلالة في اللغة هي عكس ما هو عليه الحال في الوسائط الفنية الأخرى. اللغة، بالنسبة للوجوديين، هي الوسيلة الفنية المفضلة؛ لأنها، باعتبارها وسيلة التعبير الدلالي الأكثر مباشرة، هي الأفضل في الكشف عن الموقف باعتباره موقفا بالمعنى القوي، أي: كجزء من العالم، حيث تنخرط حرية الإنسان بشكل مباشر بنحو ميتافيزيقي، وأخلاقي، وسياسي. من ناحية أخرى، فإن الشعراء “يرفضون منحى الاستخدام النفعي للغة. الآن، نظرا لأن البحث عن الحقيقة يتم في، وبواسطة، اللغة، التي يُنظر إليها على أنها أداة، فليس من الضروري تخيل أنهم يهدفون إلى تبين، أو بسط الحقيقة. كما لا ينشغلون بتسمية معاني العالم” (Sartre 1948a, 5). في استخدامهم للغة، يبدو أن الشعراء المعاصرين يغفلون، ويتصرفون ضد الصفات الرئيسية التي يمنحها الوجوديون لها، أي: قدراتها التمثيلية والتواصلية. وهذا ما يفسر بقاء الشعر على هامش المنظومة الوجودية للفنون، كنوع أدبي ليس فلسفيا وسياسيا، بشكل واضح، مثل المسرح والرواية. مرة أخرى، يقف الوجوديون على خلاف تام مع السرياليين، الذين أدانوا الرواية، ورأوا في الشعر الوسيط الفني الحقيقي.

ومع ذلك، قدم الوجوديون بعض الاستثناءات الملحوظة، فكتب كامو، على سبيل المثال، مراجعة حيوية لأعمال رينيه شار René Char (Camus 1935–1936)، ورأى في أعمال فرانسيس بونج Francis Ponge توضيحا بارزا لمهمة الأدب في الوضع العبثي لفرنسا ما بعد الحرب (Camus 1943). كما كرّس سارتر مراجعة طويلة، وإيجابية إلى حد كبير، لأعمال فرانسيس بونج، حيث رأى فيها نوعا من الظاهرية الدنيوية (Sartre 1944 in 1947a). ربما كان هذا التقييم الإيجابي قائما على سوء فهم، حيث أن بونج كان لديه وجهة نظر مغايرة تماما لنظرة سارتر للغة، واعتبر الشعر على وجه التحديد الشكل الذي سيكون قادرا على “تسمية معاني العالم” بشكل أفضل، وجعل حرية الإنسان تواجه مسئوليتها.

 

  1. 10 الفنون غير اللغوية: التصوير والموسيقى

إن عدم اهتمام الوجوديين بالشعر (والذي يصبح، في حالة سارتر على وجه الخصوص، إلى إقصاء تام) يستند إلى وجهة نظرهم التي تذهب إلى أن الشعراء يستخدمون اللغة بطريقة مضللة. وللسبب نفسه، فإن الفنون الأخرى، غير اللغوية، تجتذب اهتماما ضئيلا تقريبا مثل الشعر (however, see Camus 1951, 257). ومع ذلك، عند بحثها، يتم التعامل معها بشكل أفضل مما هو مع الشعر، حيث لا توجد لغة كوسيط لها، وهذا يعني أن الاتهام الموجه إلى الشعر غير ذي صلة بهذه الفنون. إن التأكيد على اللغة كوسيلة بارزة لتمثيل حرية الإنسان، يعيد إنتاج حجة كلاسيكية، موجودة بالفعل في قلب جماليات هيجل (حقيقة يدركها الوجوديون تماما [Sartre 1948a, 5]). المعنى الضمني للفنون الأخرى هو أنها قادرة على إنتاج ونقل المحتويات المثالية، والمعنى، والجمال، ولكن لا يتم الوصول إليها أبدا بالشفافية التي يتميز بها التعبير اللغوي. بل يظل المحتوى المثالي في الأشكال الفنية غير اللغوية محاصرا، وملتصقا، إذا جاز التعبير، بمادة العمل الفني: “. . . إن العمل مع اللون والصوت شيء، والتعبير عن الذات بواسطة الكلمات شيء آخر . الملاحظات، والألوان، والأشكال ليست علامات لها دلالة. إنها لا تشير إلى شيء خارجي عن ذاتها. (. . .) كما أشار ميرلو بونتي في كتابه ظواهرية الإدراك  The Phenomenology of Perception، لا توجد صفة للإحساس مجردة لدرجة أنها تخلو من أي دلالة. لكن المعنى الضئيل الذي يسكن فيها؛ بهجة خفيفة، أو حزن خافت، يظل ملازما، أو محوِّما مثل ضباب القيظ، ذلك هو اللون أو الصوت” (Sartre 1948a, 1).

يؤدي هذا، كما يبدو، إلى بعض الاختلافات المهمة بين الوجوديين، حيث ذهب ميرلو بونتي، على سبيل المثال، إلى أن جميع أشكال الفن تعمل مثل اللغة. لكن ميرلو بونتي يتفق مع سارتر حول الاختلافات المهمة بين أشكال الفن. لقد أكد كتاب “نثر العالم The Prose of the World “على أن هناك مصدرا واحدا وراء جميع أفعال التعبير، مما يجعلها قابلة للقياس مع اللغة، مع الإقرار بالخصوصية النوعية للغة، بطريقة مماثلة لطريقة سارتر. على سبيل المثال، “الأصوات” في التصوير – مجاز للمحتوى المثالي للتصوير – هي “أصوات الصمت”، التي تتحدث فقط في “لغة غير مباشرة” (عناوين دراسات مالرو الشهيرة حول تاريخ التصوير). وهذا يعني أنهم يظلون مرتبطين بماديتهم الخاصة، مما يجعل العمل عالما منغلقا على نفسه. في مجاز ميرلو بونتي المتكرر، يبدأ كل مصور تاريخ التصوير من جديد (1960, 309-311) لأن العالم المرئي نفسه يتطلب عددا لا نهائي من التنوعات التعبيرية، كل واحدة منها في ترابطها المحدد. وبالتالي، فإن تاريخ التصوير، بالتالي، يتكون بالفعل من أصداء متواصلة، وتقاطعات مع كل جيل يعيد النظر في الموضوعات والتقنيات البصرية للأجيال السابقة، أما التواصل بين الأعمال فعشوائي وغير مباشر، ولا يمكن تجميعه. لا يوجد تقدم في تاريخ التصوير. أما في اللغة، من ناحية أخرى، فإن المعاني المكتسبة من الماضي تترسب في المعاني الحالية، وتسمح بجدلية الكلام المتكلَّم والكلام المتكلِّم، التي نوقشت آنفا (Merleau-Ponty 1964b, 97-113). وهذا يعني أن مادة الأدب تحمل في طياتها ترسبات الخبرات التاريخية للعوالم التي يتحدث عنها. لا يوجد تقدم في الأدب أيضا، ليس بالمعنى المقابل للتقدم العلمي، لكن الرواية، ببساطة، باستخدامها لغة الحياة التي نشأت عنها، تكون شاهدا مباشرا على السرد التاريخي الأوسع، الذي يتضمنها. نتيجة لذلك، فإن إمكانيتها على تصوير المواقف الأخلاقية والسياسية كبيرة.

إن خطيئة الشاعر، بالتحديد، هي تعامله مع اللغة كصوت أو نغمة؛ بل يجب التعامل مع اللغة كشيء، واحترام مادتها. يتجاهل هذا طبيعة التعبير اللغوي، حيث يجب تجاوز العلامات نحو دلالاتها. الخطأ العكسي هو خطأ بول كلي Paul Klee، الذي، وفقا لسارتر، يستخدم اللون كعلامة وكموضوع (1948a, 23). يتم ترتيب المنظومة الوجودية للفنون وفقا لمبدأ هيجل؛ حيث تحكم الفنون التي تقوم على اللغة على الفنون الأخرى، لأنها الأفضل في التعبير عن حرية الإنسان.

في كتاب ما هو الأدبWhat is Literature ؟ لسارتر، يبدو هذا الازدراء الواضح لمادية التصوير متناقضا مع مبدأ جمالي آخر عند الوجوديين، أعني به: قدرة الفن على شهود اقتحام العالم، وفي لحظات استثنائية من الاتحاد الجمالي، شهود جماله اللاإنساني. في الواقع، في عدد قليل من النصوص الأقل حجما لسارتر (على سبيل المثال، تلك التي كتبها عند افتتاح معارض فنية) يبدو أنه يعود إلى ذلك الجانب من العمل الفني، الذي أظهره هو نفسه بقوة في روايته الأولى. ومع ذلك، فمن الصحيح أن الوجوديين يهتمون بالطرق التي يفهم بها البشر تشابكات حريتهم في العالم العبثي، بأكثر من اهتمامهم بتصوير مادة ذلك العالم. إن نصوص ميرلو بونتي حول الفخامة الأنطولوجية لتصوير سيزان لا تمثل الجماليات الوجودية بشكل عام، ولكنها، فحسب، تعكس وجهة النظر الفريدة للمؤلف في الفن والأنطولوجيا.

إن الموسيقى، التي تعتبر في بعض المنظومات الكلاسيكية للفنون ( كما لدى نيتشة وشوبنهاور، على سبيل المثال) الأعلى مرتبة والأكثر ميتافيزيقية بين الفنون، تلقى معالجة غامضة في الجماليات الوجودية. في أسطورة سيزيف Myth of Sisyphus ، على سبيل المثال، يبدو كامو وكأنه يقول إنه فن عبثي  بامتياز ؛ لأنه يدرك بأنقى شكل ما يجب أن يدور حوله مجمل الفن الذي يعي العبث، أي: “انتصار الجسد” في غياب أي معنى نهائي:

. . . تلك اللعبة التي يلعبها العقل مع نفسه، وفقا لقواعد محددة، وخاضعة للقياس، تحدث في نطاق ترددات أصواتنا، وفيما وراء الاهتزازات التي تلتقي، مع ذلك، في عالم غير إنساني. ليس هناك إحساس أنقى من ذلك. (. . . ) يتعرف الإنسان العبثي على هذه التناغمات، وهذه الأشكال، باعتبارها خاصة به (Camus 1942b, 91).

غالبا ما أكد مارسيل على مدى الدور المهم الذي لعبته الموسيقى في إلهامه الفلسفي. وقد اشتهرت قصائده المرتجلة في شعر القرن التاسع عشر الكلاسيكي، والتي دونتها زوجته بعد الحرب العالمية الثانية. رأينا سابقا أن سارتر، في مقطع مشهور من كتاب الغثيان  Nausea قد وصف تعرفه على موسيقى الجاز jazz في مقهى، بأنه تجربة سامية تجاوز فيها التماسك الداخلي الجميل للتدفق الموسيقي، للحظة، اللامعنى المقزز للعالم المادي. ونلاحظ أيضا حماس دي بوفوار المتأخر للموسيقى (in Francis and Gontier 1979, 67).

على الرغم من هذه الأوصاف للموسيقى باعتبارها تجربة مميزة ذات مغزى، في عالم عبثي، لم يقم أي من الوجوديين بأي تحليل مميز للعلاقة بين الموسيقى، والفلسفة، والظروف الوجودية. يفسر كامو، بشكل إيجابي، شكلية الموسيقى، وافتقارها إلى الخطابية، وعلاقتها المجردة بعالم الجسد (انظر أيضا مقالته الأولى في Camus 1935–1936)، وهي سمات يفسرها ميرلو بونتي، في فترته المتأخرة، بشكل سلبي، لكن، في النهاية، لا يقدم الكتاب الوجوديون أية دراسة مفصلة عن الموسيقى.

 

  1. 10 السينما

الجانب الأكثر إثارة للحيرة، بخصوص منظومة الفنون الوجودية، هو عدم اهتمامهم النسبي، في كتاباتهم الأكثر شهرة على الأقل، بالسينما؛ الشكل الفني الأكثر تميزا في القرن العشرين. من بين جميع الفنون، كان من الممكن أن يكون هذا هو الفن الذي يبدو أنه كان قادرا حقا على تقديم “المواقف”.

في حالة سارتر، كان هذا أكثر إثارة للدهشة؛ نظرا للارتباط الحميم بين سارتر والسينما في العديد من مراحل حياته. تشهد العديد من المقاطع في كتابات السيرة الذاتية لدي بوفوار وسارتر على حماسهما المشترك للفن الجديد (Sartre 1964). تم توثيق التأثير العميق للفيلم السينمائي على سارتر الشاب جيدا في كتاباته المبكرة، حيث أظهر حساسية كبيرة تجاه الإمكانات الشكلية والسياسية للوسيط الجديد، على عكس معظم المثقفين الفرنسيين في ذلك الوقت (Sartre 1924, 1931). في الواقع، تمنح هذه النصوص المبكرة للسينما نفس قدرات التعبير التي تم منحتها لاحقا للمسرح، مثل القدرة على عرض الفعل، وضرورة، وإن كانت غامضة، الحاجة إلى المشاركة، وقدرة التعبير الفني على تقديم الجماهير للجماهير. حدد النقد الأدبي إلى أي مدى حاول سارتر إعادة إنتاج التقنيات المستخدمة في السينما في الشكل الأدبي، في تمثيل الزمان، والمكان، والحالات الداخلية للوعي، وعلى وجه التحديد، كيف كان هذا التأثير حاسما في أول عمل رئيسي له، الغثيان (Johnson 1984).

خلال فترة الحرب، عمل سارتر ككاتب سيناريو في إحدى شركات الإنتاج، وكتب لها ثمانية سيناريوهات. تم نشر اثنين منها بعد الحرب (Sartre 1947c, 1948b)، وتم تصوير اثنين آخرين. شكلت معظم هذه النصوص السينمائية مادة لمسرحيات وروايات سارتر، بعدما فشل إخراجها سينمائيا. في عام 1958، كتب أيضا نصين سينمائيين عن فرويد Freud وجوزيف لوبون Joseph Le Bon. كتب سارتر أيضا ما مجمله اثني عشر مقالا عن الفيلم السينمائي، لا سيما نقده لفيلم المواطن كين  عام 1945، والذي أثار  استجابة من جانب أندريه بازين André Bazin بأنها صارت أحد أشهر مقالاته (Bazin 1947). تروي دي بوفوار أيضا عن التأثير العميق الذي كان للتجربة السينمائية على آراء سارتر الأنطولوجية. وفقا لها، كان التمثيل السينمائي للأفعال البشرية رهين قوة المقاومة العالمية، مصدرا مهما للإلهام لأنطولوجيته الناضجة، لا سيما لرؤيته للعبثية المتأصلة في عَرَضيّة العالم  (de Beauvoir 1960).

على الرغم من هذا الارتباط الوثيق بالسينما، إلا أن الحماس الذي ظهر في النصوص الأولى تراجع بعد اكتشافه للظواهرية phenomenology عام 1933، بعد عام من دراسته في ألمانيا (de Beauvoir 1962, 231). بعد ذلك التاريخ، لم تعد السينما تظهر كشكل فني مهم في كتاباته الجمالية. في الواقع، صنف سارتر المسرح، في مؤتمر عام 1958، صراحة في مرتبة أعلى من السينما؛ لأنه “يتمتع بقدر أكبر من الحرية”، حيث “يصور الفيلم الرجال الموجودين في العالم والخاضعين لشروطه”، بينما “يقدم المسرح الفعل بواسطة إنسان، فوق المسرح، للبشر من الجمهور، ومن خلال هذا الفعل، يقدم كلا من العالم الذي يعيش فيه، ومؤدّي الفعل (Sartre 1976, 60–61). بتعبير آخر، المسرح هو الفن الحقيقي للحرية في المواقف. وبالمثل، في السنوات اللاحقة، صنفت دي بوفوار الرواية صراحة في مرتبة أعلى من السينما؛ لقدرتها على “تجسيد وجود البشر للبشر” (de Beauvoir quoted in Francis and Gontier 1979, 200). كما هو الحال مع الرواية الفرنسية الجديدة Nouveau Roman، كان سارتر ودي بوفوار متحفظين تماما تجاه الموجة الجديدة في السينما الفرنسية Nouvelle Vague في ستينيات القرن العشرين (المرجع السابق).

بدلا من سارتر، كان ميرلو بونتي هو الذي قدم أنقى عرض للعلاقة الواضحة بين السينما والفلسفة الوجودية، في مؤتمر في المدرسة الوطنية للسينما في باريس (1947b). على الرغم من هذا النص الثاقب، مقارنة بالمكانة الفلسفية البارزة التي تُمنح للمسرح، والرواية، والتصوير، في الأعمال المتأخرة لميرلو بونتي، باعتبارها الأشكال الفنية “الميتافيزيقية” الحقيقية، فإن السينما غائبة بشكل ملحوظ عن أهم الكتابات الوجودية في الجماليات.

 

 

 


المراجع

مصادر أساسية

  • Alain, 1920, Système des Beaux-Arts, Paris: Gallimard, 1983.
  • Bazin, André, 1947 ‘The technique of Citizen Kane’, trans. by Alain Piette and Bert Cardullo, in Ronald Gottesman (ed.), Perspectives on Citizen Kane, New York: G.K. Hall & Co., 1996, 229–37; first published in Les Temps Modernes, 2 (1947).
  • Camus, Albert, 1965, Essais, Paris: Gallimard.
  • –––, 1932–1933, Youthful Writings, New York: Marlowe and Company, 1994.
  • –––, 1933, “Poème sur la Méditerranée”, in Essais, Paris: Gallimard, 1207.
  • –––, 1938a, “Nuptials”, in Lyrical and Critical Essays, trans. by Ellen Kennedy, London: Vintage, 1970, 63–105.
  • –––, 1938b, “‘La Nausée’ de Jean-Paul Sartre”, in Essais, Paris: Gallimard, 1417–1419.
  • –––, 1939, “‘Le Mur’ de Jean-Paul Sartre”, in Essais, Paris: Gallimard, 1419–1421.
  • –––, 1942a, The Outsider, trans. by Joseph Laredo, London: Penguin, 1982.
  • –––, 1942b, The Myth of Sisyphus, and Other Essays, trans. by Justin O’Brien, London: Hamish Hamilton, 1979.
  • –––, 1943, “Lettre au sujet du ‘Parti pris’ de Francis Ponge”, in Essais, Paris: Gallimard, 1662–1668.
  • –––, 1944, “‘On the Philosophy of Expression’ by Brice Parain”, in Lyrical and Critical Essays, London: Vintage, 228–241.
  • –––, 1945, “Non, je ne suis pas existentialiste”, in Essais, Paris: Gallimard, 1424–1426.
  • –––, 1951, The Rebel. An Essay on Man in Revolt, trans. by Anthony Bowen, London: Vintage, 1992.
  • –––, 1935–1951, Notebooks, New York: Marlowe and Company, 1998.
  • –––, 1995, Resistance, Rebellion and Death, London: Vintage.
  • de Beauvoir, Simone, 1943, She Came to Stay, trans. by Roger Senhouse and Yvonne Moyse, New York: W. W. Norton & Co., 1954.
  • –––, 1944, Pyrrhus et Cinéas, in Philosophical Writings, Chicago: University of Illinois Press, 2005.
  • –––, 1945a, Who Shall Die?, trans. by Claude Francis and Fernande Gontier, Florissant: River Press, 1983.
  • –––, 1945b, Les Bouches Inutiles, Paris: Gallimard.
  • –––, 1946, “Literature and Metaphysics”, in Simone de Beauvoir: Philosophical Writings, M. Simons (with M. Timmerman and M.B. Mader) ed., Champaign: University of Illinois Press, 2004, 261–278.
  • –––, 1947, The Ethics of Ambiguity, trans. by Bernard Frechtman, New York: Philosophical Library, 1948.
  • –––, 1948, Existentialism and Popular Wisdom, in Simone de Beauvoir: Philosophical Writings, M. Simons (with M. Timmerman and M.B. Mader) ed., Champaign: University of Illinois Press, 2004, 195–220.
  • –––, 1960, The Prime of Life, trans. by Peter Green, Cleveland: World Publishing Company, 1962.
  • –––, 1965, “Que peut la littérature ?”, in Yves Buin (ed.), Que peut la Littérature ?, Paris: UGE, 73–92.
  • Dufrenne, Mikel, 1953, The Phenomenology of Aesthetic Experience, trans. by Edward Casey, Evanston: Northwestern University Press, 1973.
  • Husserl, Edmund, 1937, The Crisis of European Sciences and Transcendental Phenomenology, trans. by David Carr Evanston, Northwestern University Press, 1970.
  • Ingarden, Roman, 1962, The Ontology of Art: The Musical Work, Painting, Architecture, the Film, Athens, Ohio: Ohio University Press, 1989.
  • –––, 1965, The Literary Work of Art, trans. by George Grabowicz, Evanston: Northwestern University Press, 1973.
  • Malraux, André, 1951, The Voices of Silence, trans. by Stuart Gilbert, Garden City: Doubleday, 1953.
  • Marcel, Gabriel, 1927, Metaphysical Journal, trans. by Bernard Wall, Chicago: Henry Regnery, 1952.
  • –––, 1935, Being and Having, trans. by K. Farrer, Westminster: Dacre Press, 1949.
  • –––, 1945, Homo Viator. Introduction to a Metaphysics of Hope, trans. by E. Craufurd, Chicago: Henry Regnery, 1951.
  • –––, 1947, Regard en arrière, in E. Gilson (ed.), L’existentialisme chrétien, Paris: Plon.
  • –––, 1951, Man against Mass Society, trans. by G.S. Fraser, London: Harvill Press, 1952.
  • –––, 1954, The Decline of Wisdom, trans. by M. Harari, London: Harvill Press.
  • –––, 1960a,b, The Mystery of Being, 2 volumes, (Reflection and Mystery = 1960a, and Faith and Reality = 1960b), trans. by G.S. Fraser and R. Hague, Chicago: Henry Regnery.
  • –––, 1973, Tragic Wisdom and Beyond, trans. by S. Jolin and P. McCormick, Evanston: Northwestern University Press.
  • Merleau-Ponty, Maurice, 1945a, Phenomenology of Perception, trans. by Colin Smith, New York: Humanities Press.
  • –––, 1945b, “Cézanne’s Doubt”, in Sense and Non-Sense, trans. by Hubert Dreyfus & Patricia Allen Dreyfus, Evanston: Northwestern University Press, 1964, pp. 9–25.
  • –––, 1945c, “Metaphysics and the Novel”, in Sense and Non-Sense, trans. by Hubert Dreyfus & Patricia Allen Dreyfus, Evanston: Northwestern University Press, 1964, pp. 26–40.
  • –––, 1947a, Humanism and Terror, trans. by John O’Neill, Boston: Beacon Press, 1969.
  • –––, 1947b, “The Film and the New Psychology”, in Sense and Non-Sense, trans. by Hubert Dreyfus & Patricia Allen Dreyfus, Evanston: Northwestern University Press, 1964, pp. 48–62.
  • –––, 1955, Adventures of the Dialectic, trans. by Joseph Bien, Evanston: Northwestern University Press, 1973.
  • –––, 1954/1955, L’Institution. La Passivité. Notes de Cours au Collège de France, Paris: Belin, 2003.
  • –––, 1956/1957, Nature, trans. by Robert Vallier, Evanston: Northwestern University Press, 2003.
  • –––, 1960, “Eye and Mind”, trans. by Carleton Dallery, in Phenomenology, Language and Sociology, John O’Neill (ed.), London: Heinemann, 1974, pp. 280–311.
  • –––, 1964a, The Visible and the Invisible, trans. by Alphonso Lingis, Evanston: Northwestern Univ. Press, 1968.
  • –––, 1964b, The Prose of the World, trans. by John O’Neill, Evanston: Northwestern University Press, 1973.
  • Sartre, Jean-Paul, 1924, “Apologie pour le Cinéma”, in Ecrits de Jeunesse, Paris: Gallimard, 1990.
  • –––, 1931, “L’Art cinématographique”, in Michel Contat and Michel Rybalka, Ecrits de Sartre, Paris, Gallimard, 1970, 546–552.
  • –––, 1938, Nausea, trans. by L. Alexander, New York: New Directions Books, 1969.
  • –––, 1940, The Psychology of Imagination, London: Rider and Company, 1950.
  • –––, 1943a, Being and Nothingness, trans. by Hazel Barnes, New York: Philosophical Library, 1948.
  • –––, 1943b, “Camus’ ‘The Outsider’”, in Literary and Philosophical Essays, trans. by Annette Michelson, New York: Crowell-Collier, 1955.
  • –––, 1944] “L’Homme et les Choses”, in Situations I, 226–270.
  • –––, 1947a, Situations I, Paris: Gallimard.
  • –––, 1947b, Baudelaire, London: French & European Publications, 1988.
  • –––, 1947c, Les Jeux sont faits, Paris: Gallimard, 1996.
  • –––, 1948a, What is Literature?, trans. by Bernard Frechtman, London: Methuen, 1967.
  • –––, 1948b, L’Engrenage, Paris: Gallimard, 1996.
  • –––, 1952a, Saint Genet. Actor and Martyr, trans. by Bernard Frechtman, Allen, 1963.
  • –––, 1952b, Mallarmé, or the Poet of Nothingness, trans. by Ernest Sturm, Pennsylvania University Press, 1991.
  • –––, 1963, Essays in Aesthetics, trans. by Wade Baskin, London: Peter Owen.
  • –––, 1964, The Words, trans. by Bernard Frechtman, New York: Braziller.
  • –––, 1971/72, The Family Idiot, trans. by Carol Cosman, 5 volumes, Chicago: University of Chicago Press, 1981–93.
  • –––, 1976, Sartre on Theatre, Michel Contat and Michel Rybalka (eds.), New York: Pantheon.
  •  مصادر ثانوية مختارة
  • Boule, J.-P., and E. McCaffrey (eds.), 2011, Existentialism and Cinema: A Sartrean Perspective, New York: Berghahn.
  • Boule, J.-P., and U. Tidd (eds.), 2012, Existentialism and Cinema: A Beauvoirian Perspective, New York: Berghahn.
  • Chenu, Joseph, 1948, Le théâtre de Gabriel Marcel et sa signification métaphysique, Paris: Aubier.
  • Connor, J.D., 2001, “Sartre and Cinema: The Grammar of Commitment”, Comparative Literature Issue, 116(5): 1045–1068.
  • Cooper, David, 1964, “Sartre on Genet”, New Left Review, 25: 69–73.
  • Cox, Gary, 2009, Sartre and Fiction, London: Continuum.
  • Dreyfus, Hubert & Wrathall, Marx, 2006, A Companion to Phenomenology and Existentialism, Oxford: Blackwell.
  • Fallaize, Elizabeth, 1988, The Novels of Simone de Beauvoir, London: Routledge.
  • Foti, Veronique, 1980, “Painting and the Re-orientation of Philosophical Thought in Merleau-Ponty”, Philosophy Today, 24 (Summer): 114–120.
  • –––, 1986, “Heidegger’s and Merleau-Ponty’s Turn from Technicity to Art”, Philosophy Today, 30 (Winter): 306–316.
  • –––, 1988, “Merleau-Ponty on Silence” in The Horizons of Continental Philosophy, H. Silverman et al. (eds.), Dordrecht: Kluwer, 272–288.
  • –––, 1996, “The Evidences of Paintings: Merleau-Ponty and Contemporary Abstraction”, in Merleau-Ponty: Difference, Materiality, Painting, V. Foti (ed.), New Jersey: Humanities Press.
  • ––– (ed.), 1996, Merleau-Ponty: Difference, Materiality, Painting, New Jersey: Humanities Press.
  • Francis, Claude and Gontier, Fernande, 1979, Les Ecrits de Simone de Beauvoir, Paris: Gallimard.
  • Goldthorpe, Rhiannon, 1986, Sartre: Literature and Theory, Cambridge University Press.
  • –––, 1992, “Understanding the Committed Writer”, in The Cambridge Companion to Sartre, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 140–176.
  • Grene, Marjorie, 1998, “The Aesthetic Dialogue of Sartre and Merleau-Ponty”, in The Debate between Sartre and Merleau-Ponty, Evanston: Northwestern University Press, pp. 293–314.
  • Haar, Michel, 1996, “Painting, Perception, Affectivity”, in Merleau-PontyDifference, Materiality, Painting, V. Foti (ed.), New Jersey: Humanities Press, 1996.
  • Harvey, Robert, 1991, “Sartre/Cinema: Spectator/Art That is Not One”, Cinema Journal, 30(3): 43–59.
  • Johnson, Galen, 1994, “The Colors of Fire: Depth and Desire in Merleau-Ponty’s ‘Eye and Mind’”, Journal of the British Society for Phenomenology, 25(1): 53–63.
  • ––– (ed.), 1994, The Merleau-Ponty Aesthetic Reader: Philosophy and Painting, Evanston: Northwestern University Press.
  • ––– 2010, The Retrieval of the Beautiful. Thinking through Merleau-Ponty’s Aesthetics, Evanston: Northwestern University Press.
  • Johnson, Patricia, 1984, “Art against Art: The Cinema and Sartre’s La Nausée”, The French Review, 58(1): 68–76.
  • Kaelin, Eugene, 1962, An Existential Aesthetic: the Theories of Sartre and Merleau-Ponty, Madison: University of Wisconsin Press.
  • Kaushik, Rajiv, 2011, Art and Institution: Aesthetics in the Late Works of Merleau-Ponty, London: Continuum.
  • Kearney, Richard, 1991, Poetics of Imagining: From Husserl to Lyotard, New York: Routledge.
  • Lapointe, Francois, 1973, Selected Bibliography on Art and Aesthetics in Merleau-Ponty, Philosophy Today, 17: 292-296.
  • Lazaron, Hilda, 1978, Gabriel Marcel the Dramatist, London: Colin Smythe.
  • McBride, Joseph, 1992, Albert Camus, Philosopher and Littérateur, New York: St. Martin’s Press.
  • McBride, William, 1996a, Sartre’s Life, Times and Vision du Monde, London: Routledge.
  • –––, 1996b, Existentialist Background: Kierkegaard, Dostoevsky, Nietzsche, Jaspers, Heidegger, London: Routledge.
  • –––, 1997, Existentialist Literature and Aesthetics, New York: Garland.
  • Macquarrie, John, 1972, Existentialism, London: Penguin Books.
  • Mancini, Sandro, 1996, “Merleau-Ponty’s Phenomenology as a Dialectical Philosophy of Expression”,International Philosophical Quarterly, 36(40): 389–398.
  • Menase, Stéphanie, 2003, Passivité et Création: Merleau-Ponty et L’Art Moderne, Paris: Presses Universitaires de France.
  • Natanson, Maurice, 1968, Literature, Philosophy and the Social Sciences: Essays in Existentialism and Phenomenology, The Hague: Martinus Nijhoff, 1968 (3rd edition).
  • O’Neill, John, 1970, Perception, Expression, History: The Social Phenomenology of Merleau-Ponty, Evanston: Northwestern Univ. Press.
  • Pilardi, Jo-Anne, 1999, Writing the Self: Philosophy becomes Autobiography, Westport: Praeger Paperback.
  • Pingaud, Bernard, 1971, “Merleau-Ponty, Sartre et la Littérature”, L’Arc, 46: 80–87.
  • Place, James, 1973, “Merleau-Ponty and the Spirit of Painting”, Philosophy Today, 17: 280–290.
  • –––, 1976, “The Painting and the Natural Thing in the Philosophy of Merleau-Ponty”, Cultural Hermeneutics, 4: 75–92.
  • Polan, Dana, 1987, “Sartre and Cinema”, Post-Script, 7(1): 66–88.
  • Pollmann, Leo, 1970, Sartre and Camus: Literature of Existence, trans. by Helen and Gregor Sebba, New York: F. Ungar Publishing Co.
  • Sallis, John, 1973, Phenomenology and the Return to Beginnings, Pittsburgh: Duquesne University Press.
  • ––– (ed.), 1981, Merleau-Ponty: Perception, Structure, Language. New Jersey: Humanities Press.
  • Sepp, Hans Rainer, Embree, Lester (ed.), 2010, Handbook of Phenomenological Aesthetics, Dordrecht: Springer.
  • Silverman, Hugh, et al. (eds.), 1988, The Horizons of Continental Philosophy: Essays on Husserl, Heidegger, Merleau-Ponty, Dordrecht: Kluwer.
  • Sirridge, Mary, 2003, “Philosophy in Beauvoir’s Fiction”, in Cambridge Companion to Simone de Beauvoir, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Slatman, Jenny, 2003, L’Expression au-delà de la Representation: Sur L’Aisthesis et L’Esthétique chez Merleau-Ponty, Paris: Vrin.
  • Smith, Michael, 1988, “L’Esthétique de Merleau-Ponty”. Les Etudes Philosophiques, 1: 73–98.
  • Solomon, Robert, 2006, Grim Thoughts: Experience and Reflection in Camus and Sartre, New York: Oxford University Press.
  • Sprintzen, David & Van den Hoven, Adrian (eds.), 2004, Sartre and Camus: A Historic Confrontation, Amherst: Humanity Books.
  • Stewart, Jon (ed.), 1998, The Debate between Sartre and Merleau-Ponty, Evanston: Northwestern University Press.
  • Troisfontaines, Roger, 1953, De l’Existence à l’Être, Paris: Vrin.
  • Vintges, Karen, 1996, Philosophy as Passion: The Thinking of Simone de Beauvoir, trans. by Anne Lavelle, Bloomington: Indiana University Press.
  • Witkus, Jessica, 2013, The Rhythm of Thought: Art, Literature and Music After Merleau-Ponty, Chicago: Chicago University Press.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

مدخلات ذات صلة

Beauvoir, Simone de | Camus, Albert | existentialism | Marcel, Gabriel (-Honoré) | Merleau-Ponty, Maurice | phenomenology | Sartre, Jean-Paul


[1] Deranty, Jean-Philippe, “Existentialist Aesthetics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2019/entries/aesthetics-existentialist/>.