التاريخ والفرد – نبيل ياسين

التاريخ والفرد – نبيل ياسين

التاريخ والفرد

د. نبيل ياسين، دكتوراه فلسفة من اكاديمية العلوم الهنغارية


التاريخ والفرد

معظم الناس بلا تاريخ. فتاريخ الفرد سحقه تاريخ الجماعات والاقوام والحشود الغازية والمارة بصخبها في طرق البلاد المفتوحة. لدى هؤلاء الناس احداث كثيرة لكنها ليست تاريخ .انها احداث عابرة وصداقات عابرة وافكار عابرة ومشاعر عابرة  ومواقف عابرة.

لاشيء مؤكد انه تاريخ . فكثيرون  لايحتاجون التاريخ لانه يلزمهم بما يلزم التاريخ الناس بالاستمرارية والثبات . هم لايحتاجون سوى موافقة القرصان الجديد للانتقال من السفينة الغارقة الى سفينته . ولعل تاريخ القراصنة من التواريخ الرمزية الواقعية التي لاتزال قابلة للاستعمال وهي طريقة الاستيلاء على حقوق الاخرين ومنها القرصنة على حقوق الملكية.

يولد الفرد وهو محاصر بالميثولوجيا اكثر من التاريخ. وينشأ وهو يمضي في طريق مزدوج من الميثولوجيا والتاريخ ، حتى انه لايعود يفرق بين الاثنين. فما هو تاريخ يغرق في الميثولوجيا ، وما هو ميثولوجيا يحتل مكان التاريخ.

 اكثر الذين انشغلوا بالتاريخ في القرن الماضي هما هيغل وماركس .

 محرك التاريخ لدى هيغل هو العقل ، ولدى ماركس البنية الاجتماعية الاقتصادية ، أي نمط الإنتاج.  لكن كلا الفيلسوفين العظيمين كان يعطي التاريخ الحق باحتكار اما العقل واما النمط الاجتماعي- الاقتصادي. غير ان التاريخ اليوم تاريخ قاري . إذ لم تستطع العولمة الغاء قارية التاريخ ومحتواه الجغرافي الذي حدد مسارالسيرورات الاجتماعية

دور الفرد الديني والايديولوجي

ليس بالضرورة ان يكون تاريخ الجماعة هو تاريخ الفرد ,الا اذا كان هذا الفرد كما قلنا بلا تاريخ . ومعظم الذين ينطبق عليهم هذا الرأي هم الذين خضعوا بشكل جماعي للأديان والايديولوجيات الكبرى. فما الفرد سوى  الأداة التي يمسك بها التاريخ لكي يظهر من خلال أفعال وسلوك الجماعة التي يذوب فيها الفرد. حتى دور الفرد في التاريخ ظهر من خلال  الأديان أو الأيديولوجيات. تاريخ الأديان هو تاريخ انبياء هذه الأديان، انهم يظهرون في الدين اكثر مما يظهر الدين نفسه، فهو يظهر من خلالهم. فهم يقدمون (كتبا) تساهم في اظهار التاريخ وكأنه تاريخ تلك الكتب. فبدلا من الفرد ,يلعب(الكتاب) دورا في صناعة الحياة للبشر المؤمنين. فحتى حروبهم تشن وتخاض  باسم هذه الكتب وتحت رايتها. فالجميع يبحثون عن كتاب يعزز ادعاءاتهم، حتى يبدو التاريخ وكأنه تاريخ العقائد التي تذهب الى الحروب.وفي سياقه هذا يحول الاشخاص الى مقدسين والاحداث الى مقدسة .

 موجات البرابرة المقاتلين التي اجتاحت التاريخ من الهكسوس الى المغول والتتار والهون والفايكنغ كانت ضد فكرة هيغل عن التاريخ ،مثلما كانت ضد فكرة ماركس عنه. لكن يبقى التاريخ فكرة اخترعها الانسان ليتواصل مع اسلافه في كل مكان وخلال مختلف الحقب، ليبرر حياته المعاصرة التي يعيشها. ان حقب التاريخ ، على الأرجح، ليست حقب العقل ولا حقب التحولات الاجتماعية والاقتصادية، بقدر ما هي حقب العقائد التي يبثها فرد لتعتنقها الجماعة، ليتكون الجيش وتصنع الحروب ويحل الدمار ، الذي روّع شخصا مثل هوبز، وقاد روسو الي اعتناق العقد الاجتماعي، وغرس فكرة الحرية عند ميل وأفاض على مونتسكيو ليذهب للبحث عن روح الشرائع.

تاريخ الجماعة ينطوي على تاريخ الفرد وليس العكس. فالفرد ، في الجماعة (الطبيعية) يتنازل عن وجوده الفردي لصالح الجماعة . لكنه في الجماعة(التعاقدية) يملك دورا أكبر رغم انه يبقى فردا في الأمة في الحالتين. ففي الحالة التعاقدية يستطيع المطالبة بدوره وحقوقه . واكثر من ذلك فإن الحالة التعاقدية تقوم على دوره . دوره في إرادة العيش المشترك على حد تعبير رينان في (ماهي الأمة؟). لكن الفرد ، تاريخيا في إطار مفهوم الامة العرقية -الثقافية، يخضع لنظام (الأقلية) العرقية التي تنظر الى نفسها كمجموعة منحها تاريخها سمات نوعية خاصة موضوعيا(1)

 (مجموعة منحها تاريخها) عبارة تعطي (التاريخ) للمجموعة وليس للفرد. ولكن الفرد في المجموعة، كفرد في أقلية، يشمله التاريخ باعتباره مشكوكا في ولائه . ووفق تعبير برو ان الدولة التي تظهر كأداة لحماية الجماعة وتجميعها  تجازف بمعاملة سكان اقليمها الذين لا ينتمون عرقيا أو ثقافيا الى الجماعة تلك، بمزيد من التحفظ . بل الشك.(2)

وخارج تاريخ المجموعة يصبح الفرد محط أنظار التمييز والتهميش الا إذا اجترح مأثرة النضال والكفاح ضد هذا التمييز كما فعل مارتن لوثر كينغ .او كما فعل تشي غيفارا في نضاله السياسي ضد النظم الديكتاتورية. وطبعا سيكون الفرد مشمولا بعناية التاريخ كلما اتسعت صورة الأسطورة في اعماله حتى لو كان ملكا حقيقيا مثل جلجامش او كان إبن التاريخ الأسطوري مثل أخيل.

فكرة التاريخ

فكرة التاريخ فكرة عظيمة لانها تعًطي الانسان القدرة على اكتشا ف المستقبل .وهو ماحدث على الأقل منذ عصر النًهضة اًلًاوروبية. فالتاريخ ليس مصدرا للاقتباس بقدر ماهو جدول اساسي يقوم بنفس وظيفة جدول الضرب في المعادلات الرياضية المعقدة.  فجميع المتعلمين يعرفون جدول الضرب ، ولكن ليس كلهم قادر على حل معادلة تحتوي على جذر تكعيبي وأس ونسبة مئوية.

لكن في تاريخنا يحضر النص منقولا ، وليس وثيقة. يقول جوزف هورسن (لم يعد النص شرطا من شروط عمل المؤرخ فحسب، بل اصبح مادة درسه ذاتها. وفي هذا المعنى اشتهر سؤال لفوستيل كولانج كان يوجهه الى طلابه، قائلا : هل تملكون نصاً؟ ، وفي بداية كتاب( ما يستفاد من درس التاريخ) الذي وضعه لانغلو وسينيوبوس. وظهر سنة ١٨٩٨ ، عبارة هي حقيقة ثابتة أصبحت شعارا للمدرسة الجامعية في ذروة ارتفاعها ، هذا نصها: يكتب التاريخ بالاستناد الى وثائق…وهكذا نستطيع تعريف التاريخ بانه علم التصرف بالنصوص والإفادة منها)(3)

الوثائق. الوثائق هي ما يجعل من التاريخ تاريخا. ولكن بالنسبة لنا ، بالنسبة لتاريخنا الإسلامي ، لانملك من الوثائق ما يجعلنا نكتب التاريخ. فبعد اكثر من قرن ونصف تم تدوين احاديث النبي باعتبارها مسنودة ومعنعنة عبر اشخاص يسميهم المؤرخون (الرواة).ويسميهم الفقهاء (أصحاب الحديث). وهذه الأحاديث التي أصبحت (تاريخا للمقدس) ، للفرد وما قاله دون ان تكون هناك وثيقة تبرهن على صحتها وقيمتها التاريخية. انها قيمة (دينية) خارج النص ، أي خارج التاريخ. وكذلك كتب التاريخ الإسلامي واولها سيرة النبي التي كتبها ابن إسحاق في القرن الثاني الهجري (١٥١ هجرية) معتمدا على مناقلات شفهية بينه وبين انس بن مالك وسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وكان ، رغم خدمته للنبي محمد ، يروي عن الصحابة أيضا ، أي بشكل غير مباشر الروايات الشفهية غير الموثقة.

كان الرومان قد  أسسوا في رومة (مخازن وثائق) وقد عهدوا الى الرهبان تأسيس مؤسسات رهبانية اسموها كليات ، كانت تصدر عنها روزنامة تشتمل على (أيام الفأل ) و(أيام الشؤم) . واتاح هذا العمل للرومان امتلاك الوثائق للتدليل على الوقائع بحيث أصبحت كتابة التاريخ لديهم  وظيفة من وظائف الدولة(4)

ما هو تاريخنا فيما يخص هذه النقطة؟

الوثائق التي اعتمد عليها تاريخ العرب قبل الإسلام ، هي المعلقات. وربما اعتبرناها، على علة الاعتبار، (وثائق) اذا صح تعليقها على الكعبة. فهي تكشف لنا عدة خصائص من تاريخ العرب قبل الإسلام. الحروب، المسماة (أيام العرب) ، كما تكشف لنا حوادث وفكر وتفكير وعادات وتقاليد وطبيعة المجتمع العربي قبل الإسلام. وتكشف لنا طبيعة العلاقات الجنسية كما في معلقة إمرئ القيس. وتكشف لنا قيم الفروسية والفتك كما في معلقتي عنترة وعمرو بن كلثوم. ومن ناحية أخرى تكشف لنا التفكير الوجودي عند طرفة بن العبد و الحكمة مثلا كما عند زهير بن أبي سلمى. وهذا ينسف مصطلح الجاهلية الذي لا يبدو سوى انه مصطلح ديني وليس مصطلحا ثقافيا. فبعض المعلقات يمكن اعتبارها ( وثائق) لكتابة التاريخ العربي حتى من الناحية الاجتماعية والسوسيولوجية. فقد كان العرب يعرفون الأديان، يعرفون حتى الميثولوجيا المحيطة بهم في العراق واليمن. يعرفون الإله (سين) إله القمر الرافديني الذي انتقل الى اليمن . فالعرب كانوا يعرفون اديان وثقافة المصريين والعبرانيين والبابليين، وهناك ادلة علـي وجود اتصال بين المصريين القدامـي والعرب فقد عثر العالم(بري) علــي قطعة من العاج في ضريح ملكي للسلالة الفرعونية الاولـي عليها رسم رجل سامي ، مكتوب على الرسم( اسيوي) وان اول مصري يجوب بلاد العرب ويبقي لنا اثرا ينبئ عن رحلته هو (سنوهي) الذي ظهر ١٩٧٠-٢٠٠٠ قبل الميلاد واشار الـي نفسه بلقب <ملك بين البدو>(5),

تظهر هنا (الوثيقة) او (الأثر) لتشهد على التاريخ قبل الفين وخمسمائة سنة قبل الإسلام، وتظهر لنا وثائق وآثار ورقم طينية تسجل احداث التاريخ. ولابد ان العرب قد سمعوا باسم الملكين هاروت وماروت ليأتي ذكرهما في القرآن في سورة البقرة، وقد عرفت بابل بين اليهود بسبب السبي وسكناهم عاصمة البابليين حيث تبوأ بعضهم مراكز مرموقة بحيث ان آخر ملوك البابليين نبونيدو الذي قاد حملة على بلاد العرب عام ٥٥٢ قبل الميلاد  وقتل امير تيماء وبنى له قصرا فيها (6). وقد قاد الملوك الأكديون حملات عسكرية مثل نرام سين (7) والآشوريون الذين توغلوا في بلاد العرب اما من اجل التوسع والسيطرة واما لصد هجمات البدو المتكررة كما فعل شلمنصر  وسرجون الثاني الذي اخضع قبائل ثمود (8). وهناك نص(وثيقة) عثر عليها في (خربة تيماء ) ويعتقد سيدني سميث ان تاريخ هذا الأثر الهام يعود الى أيام نبونيد ، الملك البابلي ,  مما يشير بوضوح الى تأثر سكان تيماء بعبادة الآشوريين والكلدانيين الى جانب تأثرهم بأزيائهم في اللباس (9)

لكن المهم في  النص هو ان هذا الملك قد  نقل معه ، عندما اتخذ تيماء عاصمة له، أقواما من العراقيين واليهود من يهود بابل وفلسطين واسكنهم في المناطق الحجازية، فأقاموا ، وخاصة اليهود ، في خيبر وتيماء ويثرب (10)

 وتيماء هذه كانت ذات أهمية في علاقات العرب بالأمم المجاورة. وهي تقع في شمال الحجاز على الطريق التجاري الهام. وهي محط القوافل الآتية من الشام والشمال الى اليمن في الجنوب.(11) أي ان تجارة قريش كانت تمر من هناك وتتزود منها وتتأثر بما  فيها من اديان وعقائد وثقافات مختلفة خاصة اليهودية منها. حيث ترك نبونيدو قبل عودته الى بابل عددا كبيرا ممن جلبهم معه من بابل ليستقروا هناك ويؤثروا في الحياة الثقافية والاقتصادية في تيماء.

من المفارقة اننا نجد وثائق ومتروكات اعانت الباحثين والآثاريين والمؤرخين تعود الى ماقبل الإسلام ولانجد وثائق إسلامية. واذا كان النبي محمد يخطب في كل جمعة على مدى عشرة أعوام قضاها في المدينة يصلي في مسجدها الوحيد فأين نصوص هذه الخطب التي لاتوجد واحدة منها في نص او وثيقة؟

لقد كان التارخ, مثل الحديث, نتاج (الاجماع) ويس نتاج الوثيقة. نتاج الدين وليس نتاج الاحداث واالوقائع, اذ يمكن لما هو ريني ان ينقض التاىيخ بدعوى تعارضه مع الدين.

العرب وتاريخ الدين

قلنا من قبل ان تاريخ الطبري عنوانه تاريخ الرسل والملوك. نأتي الآن الى كتاب مهم من تأليف المؤرخ الفلسطيني طريف  الخالدي.هو كتاب (فكرة التاريخ عند العرب) (12).

يدرس الخالدي التاريخ باعتباره تاريخ الدين . فهو ينطلق من الشواغل الدينية وشواغل علم الانساب(13) ويعتبر ان العناصر التعليمية والوعظية  التي وسمت  اعمال مؤرخين  مثل ابن إسحاق وعروة والزهري قد غدت اقل ظهورا، او ثانوية بالقياس الى اثبات الوقائع المشهود عليها بالبينات والمتفق عليها بالإجماع . أي ان (تصحيح التدوين التاريخي) لم يتخل عن المقدس في التاريخ . ولكن النفس الذي تروى به صار اقل أيديولوجية(14). ويقدم لنا مثلين من المؤرخين من هذا النوع هما الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هجرية وابن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هجرية. فالواقدي لا يحتاج مثلا الى الرواية وانما يؤرخ لحدث شهده وهو ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي المعروف بالنفس الزكية  علـى المنصور. ويصف الخالدي رواية الواقدي باعتباره شاهد عيان بانها لمحة نادرة من مؤرخ في طور النشوء يحرص على التثبت من الأسماء والأماكن والحوادث بنفسه والتفاته الى التفاصيل وهي صفات لازمته طوال حياته في اعماله، ويعتبره اشد اختصاصا من ابن اسحق(15)

كان هناك اذن قرنان حتى تحول التاريخ من الرواية الى (الوثيقة )الحية، والى التدقيق بالروايات الاقدم التي اعتمد عليها التاريخ الإسلامي او تاريخ العرب. وكان هناك قرنان خاليان من النصوص والوثائق لكي ينفصل الحديث عن التاريخ ويستقل.

لكن هذا الانفصال لم يتحقق تماما، اذ بقي الحديث يلقي بظلاله على التاريخ ويقود تقييماته في اغلب الأحيان. فالتاريخ والحديث كلاهما (رواية) . وفي هذه الرواة يغيب المجتمع، تغيب الحياة والبيئة، ويغيب الذين يعيشون هذا التاريخ.

يدفعنا الحديث عن الوثيقة الى تساؤل ملح، هو تاريخ القرآن. فمن المعروف، من الروايات المنتشرة عن جمع القرآن في المصادر والخلافات التي نشأت والنسخة المعتمدة من قبل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وان الخليفة ارسل ما يقارب من خمسة عشر نسخة الى الأمصار، أي الى الكوفة والبصرة ومصر والشام وبعض البلدان الأخرى التي تم فتحها نستنتج ان هناك اكثر من عشرين نسخة مخطوطة (وثيقة) على الأقل. ثم يأتينا تاريخ معركة صفين والزعم برفع جيش معاوية للمصاحف(وثيقة)   ثم التحكيم (وثيقة) ثم نقرأ ان عثمان بن عفان قتل وهو يقرأ نسخة(وثيقة) من القرآن. حسنا ، لماذا لا يحتفظ التاريخ الإسلامي بنسخة واحدة(وثيقة) من اقدس كتب الإسلام ، علما انه لا خلاف على هذا القرآن كي يتعرض للحرق او التمزيق او الغرق مثلا من قبل الفرق المتصارعة سياسيا.

في عام ٢٠١٥ نشرت جامعة Birmingham على موقعها الالكتروني خبر العثور على نسخة مخطوطة للقرآن، قالت انها موجودة في مكتبتها منذ مائة عام. وارفقت مع الخبر فيديو تتحدث فيه مسؤولة المكتبة واحد الباحثين في التاريخين المسيحي والإسلامي يتكهنان فيه ان هذه النسخة قد تكون اقدم نسخة للقرآن ،وان كاتبها عاش في عصر الرسول وانه ربما كان أحد أصحابه او قريبا منه (16)

هذه التكهنات والمزاعم تثير الريبة بدورها. وهي مثل التكهنات حول النسخة الأندلسية التي وجدت في تايلند، ويتكهن باحثون من جامعتي مالقا وغرناطة ان هذه النسخة المخطوطة الموجودة في مدينة ناراتيوات التايلندية ذات الأغلبية المسلمة تعود الى عبد الرحمن الغافقي الذي خسر معركة بواتيه وقتل فيها سنة ١١٤ هجرية(17)

ويكشف الموقع عن اربع مخطوطات أخرى هي مخطوطة كهوف الضالع باليمن والمكتشفة في تشرين الأول عام ٢٠١٢ وتعود الـي عام ٢٠٠ هجرية، ومخطوطة الجامع الكبير في اليمن أيضا وقد عثر عليها في مخبأ سري في الجامع عام ١٩٧٢ اثناء اعمال ترميم. وما عثر عليه ليس مصحفا كاملا وانما أجزاء من مصاحف متعددة وهي مكتوبة بالخط الحجازي الاقدم من الخط الكوفي/ ثم مصحف ولاية بادن الألمانية الذي عثر عليه عام ٢٠١٤ في جامعة توينغن بألمانيا وهي مكتوبة بالخط الكوفي. .

ثم مخطوطة جامعة بيرمنغهام البريطانية التي ذكرناها من قبل(18)

يبقى السؤال الأساسي وهو اين النسخ (الوثائق) لأقدس كتاب إسلامي قرأنا في عدة مصادر ان القراء والمدرسين والقضاة والخلفاء والمفسرين. وطلاب الفقه والفقهاء  والذين يعدون بعشرات الآلاف آنذاك ., مثلما هم اليوم ، اذ كان ذلك الوظيفة الاساسية والمربحة والتي توصل صاحبها الى المراكز المتقدمة في المجتمع والدولة على حد سواء، والذين كان لابد ان كلا منهم كان يملك نسخة مخطوطة من القرآن؟

تاريخ القوة والسلطة

 فكرة التاريخ قامت اصلا على الهجوم والدفاع . اي على الحروب والغزوات التوسعية وصراع الدول والامبراطوريات ومحاولات توحيد العالم منذ حروب السومريين في توحيد دويلات المدن والتوسع الامبراطوري للبابليين والاشوريين ثم الفرس والمقدونيين منذ الاسكندر حتى هتلر مرورا  بالمغول والهون والعثمانيين ونابليون.

فكرة التاريخ في هذه الحالة تقوم على فكرة ان العالم ملك لشخص ما، وكل موجود آخر هو خاضع لذلك الشخص ولذلك يصنع التاريخ . فالتاريخ اذن هو القوة اكثر منه العقل او نمط الانتاج وعلاقات الانتاج دون ان يختفيا من فكرة التاريخ.

يقوم التاريخ على تاريخ السلطة. وهو بذلك سجل للصراعات من اجل السيطرة . ويمكن التفريق بين التاريخ وبين الحضارة بوضع التاريخ خارج الثقافة ووضع الحضارة في قلب الثقافة . ان الحضارة فعل عام اكثر من التاريخ كونه فعلا خاصا. واذا كان التاريخ هو تاريخ الافراد فان الحضارة هي تاريخ الشعوب

 لايعني  التمسك بالتاريخ سوى اعادته بشكل مزر ومتخلف . اما المستقبل فهو ولادة الحاضر وليس ولادة التاريخ ، ولذلك لم يعد التاريخ بناء الحضارات التي سقطت بما في ذلك الامبراطورية الرومانية المقدسة.

سلطة التاريخ

الح على التاريخ لانه يحكمنا بشروطه التي ظهر بها في اوقاته. فالتاريخ لدينا نحن العرب والمسلمين ليس زمنا ماضيا، وانما مجموعة شروط للعيش في كل الازمنة اخذت شكلا الزاميا مثل اية شريعة. فالخروج على التاريخ العربي والاسلامي في الواقع هو خروج على المقدس. فليس هناك امة تعيش في تاريخها مثلما هي الامة العربية والامة الاسلامية وليس هناك تاريخ مقدس مثلما هو التاريخ العربي والتاريخ الإسلامي. والدليل على ذلك هو ان هذه الشعوب ماتزال خارج الحداثة وتعيش في نظام سياسي استبدادي تقوم بتقديسه هو نتاج التاريخ .

 التاريخ  هو حاضرنا

صراعنا  ليس من اجل المستقبل وانما من اجل اعادة التاريخ ليبقى يحكمنا بشروطه. ومثلما حدث ،فإن رايات التاريخ تخفق فوق الحاضر ونريدها ان تخفق فوق مستقبل، هو بالتالي ، التاريخ الماضي، لأن تاريخنا هو تاريخ العقيدة أياً كانت. وتاريخنا هو صراع العقائد من اجل صناعة مستقبل عقائدي بينما التاريخ مجرد ذاكرة، سواء كان عقلا كما هو عند هيغل او علاقات انتاج كما هو عند ماركس. ان تاريخ الإمبراطورية الرومانية المقدسة لم يعد سوى مادة من مواد دراسة التاريخ باعتباره مجموعة تحولات لأنظمة الحكم ، وان تاريخ الحروب الاوروبية ،بما في ذلك حرب المائة عام وحرب الثلاثين  وحروب الوردة ، وهي الحروب الدينية في اوربا والتي استمرت لأكثر من ثلثمائة عام ، والحربين. قد تحولت الى قوانين ودساتير ولوائح حقوق وحريات

تاريخ الحروب الدينية   

من ينتصر ومن ينهزم في الحروب الطائفية ؟

انهت  الحروب الطائفية الاسلامية في الشرق الأوسط ستة عقود من الحروب العربية -الاسرائلية لتسدل الستار على تاريخها وتحوّل خنادقَ الصراع من خارجية الى داخلية. كثير من المبررات لهذه الحروب وجدت في فقه ابن تيمية خاصة . اي في تاريخ التكفير. هذا الفقه الذي يطبع المرحلة الحالية بالحروب المقدسة التي تبحث عن العدو في داخلها في المذاهب التي تعارض السلطة لتكفيرها واعتبارها اخطر من العدو الخارجي. لكن تجرية الحروب الدينية المقدسة في اوروبا امامنا، وقد تكون تجربة واقعية عن المآلات التي تؤدي اليها مثل هذه الحروب.

فقد عاشت اوروبا اكثر من ثلاثة قرون وهي تخوض الحروب الطائفية بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين. لكن هذه الحروب قادت الى نتيجة مثيرة. فبدلا من ان تقضي الكاثوليكية على البروتستانت ظهرت دول بروتستانتية في اوروبا وتطورت صناعيا وثقافيا وسياسيا ماجعلها تقود اوروبا خلال القرنين الماضيين.

منذ حرب الثلاثين عاما (1618-1648) التي مزقت اوروبا وامتدت من تشيكيا الحالية عبر المانيا لتصل الى هولندا وفرنسا وشمال ايطاليا وترتكب خلالها ابشع المذابح وتظهر اسوأ الكوارث بعد الخراب الذي يشبه الخراب الذي تخلفه داعش وراءها. جيوش مختلفة اشتركت في تلك الحروب التي تشبه حروب الشرق الاوسط الطائفية اليوم. ففي حرب الثلاثين عاما أُستخدمت جيوش المرتزقة بشكل واسع . فأخذت تقتل وتشرّد وتنهب وتحرق كما تفعل داعش اليوم تاركة وراءها الأوبئة والمجاعات. وخلال ثلاثين عاما تغيرت دوافع الحرب الطائفية ودخلت الصراعات السياسية والصراع على النفوذ حلبة الحرب مرتدية الرداء الطائفي. وتغيرت موازين القوى والتحالفات بحيث دعمت دول كاثوليكية جماعات بروتستانتية لكي تضعف الدول التي يعيش فيها البروتستانت، وضعفت كثير من الدول التي فقدت ثلث او نصف سكانها. فقد فقدت المانيا ثلاثين بالمائة من السكان، خمسون بالمائة منهم من الذكور. وفقدت تشيكيا ثلث السكان ايضا.

ومثل أي حرب، أدت تلك الحرب الى نقص في الرجال ووفرة في النساء، الامر الذي دفع الأمراء المنتصرين للعودة إلى تعدد الزوجات إستنادا الى العهد القديم .واتخذوا قرارا في عام 1650 يجبر الرجال دون الستين على الزواج بزوجتين.

ودفعت فرنسا ثمنا باهضا لحروبها الطائفية الثماني بين الكاثوليك والبروتستانت التي استمرت من 1562 إلى 1598 وقامت بتخريب مملكة فرنسا في النصف الثاني من القرن السادس عشر في حرب اهلية مدمرة تخللتها مذبحة مروعة هي مذبحة سان بارتيليمي في عام 1572 والتي ذبح خلالها قرابة 30 ألف من البروتستانتيين على يد السلطة الكاثوليكية والمتعصبين الكاثوليك والكنيسة بأوامر من الملك شارل التاسع وأمه خوفاً من انتشار البروتستانتية. وكانت ساعة الصفر هي قرع اجراس الكنائس.

ضحايا العنف المؤدوج للتاريخ

وفي تاريخنا الاسلامي ، وبسبب النزاع الصفوي-العثماني، كانت الحروب السياسية على مناطق النفوذ تأخذ طابعا مذهبيا خاصة بين الصفويين الشيعة والعثمانيين السنة. وكان سكان العراق من الطائفتين ضحاياها. فحين دخل السلطان مراد الرابع بغداد عام ١٦٣٨ قام بمذبحة فظيعة راح ضحيتها ،حسب المؤرخ عباس العزاوي في كتابه (العراق بين احتلالين) عشرين الفا. أما المؤرخ البريطاني ادوارد كريسي فيرفع العدد الى ثلاثين الفا ناقلا ذلك عن المؤرخين الأتراك . وانفرد لونكريك فيذكر في كتابه (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) ان السلطان امر بذبح الإيرانيين فقط . كما يذكر ان السلطان أمر بذبح ثلثمائة إيراني كانواقد وفدوا لزيارة الكاظمية حيث مرقد الامام السابع للشيعة موسى الكاظم

وقد تابع المؤرخ الاجتماعي الدكتور علي الوردي تطور الصراعات المذهبية بين الدولتين الصفوية والعثمانية والآثار الناجمة عنها في كتابه(لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) اذ يتحدث عن مساعي نادر شاه لإحتلال بغداد واسترجاعها من العثمانيين. ورغم فشل نادر شاه مرتين الا ان الحصار الذي فرضه على بغداد لمدة سبعة أشهر والمجاعة الشهيرة التي جعلت كثيرا من الناس تأكل لحوم القطط والكلاب والجيف، ترك عشرات الآلاف من الموتى اضافة الى فتك الأوبئة والامراض بسكان بغداد.

لكن هل ينفع كل تاريخ الحروب الطائفية، إذا ما استعرضناه مفصلا في إعادة قراءة التاريخ وتجنب إعادة تلك الحروب؟ يقول أعداء العرب انهم لايقرأون.  ويضيف آخرون انهم لايقرأون التاريخ. واذا كانت اوروبا قد تركت وراءها النزاعات والحروب الدينية والسياسية ايضا( هذا اذا كان ثمة فروقات بين الاثنين) وتوحدت في اتحاد اوروبي وعملة واحدة ودستور واحد تقريبا ولوائح حقوق انسان واحدة وحقوق مواطنة واحدة وتحلت بالتسامح والاعتراف بالتعددية والايمان بها ايمانا سلوكيا مضمونا بالقوانين, بفضل اعادة قراءة التاريخ قراءة  على ضوء استحقاق الحداثة والاتجاه نحو الليبرالية والدولة المدنية , فاننا يمكن ان نعيدها كلها دون ان نكترث للتجربة التاريخية للعالم المحيط بنا والنتائج المأساوية والكارثية المريرة التي تمخضت عنها.

 فنظام صدام حسين مثلا, أعاد إنتاج وتكرار التاريخ في (قادسية صدام) وهي التسمية العراقية الرسمية للحرب العراقية الايرانية، وهي حرب اتخذت طابعا شوفينيا وطائفيا مشتركا وعلنيا ومباشرا بوصف الإيرانيين المسلمين بالمجوس. فقد أضطر صدام إلى تغطية الطابع الطائفي للحرب بالطابع الديني واطلاق صفة المجوس مقابل المسلمين، وتغطية الطابع  الطائفي لها بالطابع القومي بإطلاق صفة الفرس مقابل البوابة الشرقية للامة العربية. فقد كانت تلك المرحلة مرحلة قومية بالدرجة الاولى، فضلا عن إن ثمانين بالمائة من القوات العراقية المسلحة هم من الشيعة ومن مدن جنوب العراق والمحاذي أكثرها لإيران مثل البصرة والعمارة والكوت وخانقين. وقد جرى سوق مواليد عشرين عاما تبدأ من ١٩٥٠ وتقف عند عام ١٩٧٠ مما يعني ان أكثر من مليوني شخص قد سيق الى هذه الحرب معظمهم من الشيعة من الفلاحين والعمال واصحاب الحرف والطلبة الجامعيين وغير الجامعيين والمعلمين والموظفين الصغار وكسبة السوق فيما بدا انه، ومع استمرار الحرب لثماني سنوات، انها ليست حرب استنزاف فحسب وانما حرب تطهيرية ايضا كلفت العراق تدميرا بنيويا عميقا عكس آثاره على الدولة والمجتمع في العراق حتى اليوم.

تضمنت الحرب العراقية الايرانية جذور الحروب الطائفية القائمة اليوم في الشرق الاوسط، والتي اعادت الى الواجهة الحروب الصفوية العثمانية التي تبرز اليوم في اعادة وتكرار للتاريخ.

لايريد مخططو الحروب الطائفية ومشعلوها ومنفذوها ان يفهموا ان شعارات الحرب بالدفاع عن طائفتهم هي في نفس الوقت دعم لشعارات الدفاع للطائفة الاخرى . فالغارات الوهابية مثلا والتي بدأت مطلع القرن التاسع عشر واستمرت حتى عشرينات القرن العشرين لم تقض على الشيعة ( الروافض) بقدر ما شحنت حماستهم للتمسك برفضهم. فالرفض سياسي بنيت عليه عقيدة تاريخية ودينية، ولايستطيع افتراض سياسي طائفي مثل دور العلقمي في سقوط بغداد ، مع نسيان كل العوامل الواقعية الاخرى، ان يلغي الحقيقة التي تتمثل في ان اعادة الحروب واستعادتها لايبحث عن الحقيقة وانما عن تكريس الافتراض والوهم بهدف القيام بعمليات تطهيرية تتميز بالبشاعة والبربرية والانتقام , اذ تضفى القدسية عليها وتصبح عملا طهريا بينما هي عمل تطهيري. هنا نصل الى الى استخدام التاريخ البربي السابق استخداما معاصرا بشروطه الماضية.

تبدو الحروب الدينية وكأنها شغف بالتاريخ اذ تتم استعادته على المسرح بديكوراته وملابسه وادواته وخطاباته. لكن حروب الملل والنحل والطوائف ليست شغفا بالتاريخ بقدر ما هي بحث عن مبررات تقفز على الواقع، فتحال واقعيتها الى التاريخ. بيد ان هذا مرتبط أيضا باعادة خرائط مابعد الحرب العالمية الاولى التي وضعها سايكس وبيكو لضمان عدم بقاء او ظهور دول قوية قادرة على الحفاظ على استقلالها، وبالتالي قادرة على اتخاذ مواقف وقرارات سيادية. وبدلا من ان تخوض دول سايكس بيكو حروبا جديدة فانها دفعت دولا عربية ومنظمات إسلامية وأحزابا وقوى طائفية وجيوشا أسمتها حرة وتلاعبت بالفاظ مثل الشرعية والتهميش وحقوق الاقليات لإدامة هذه الحروب المدمرة التي كان هدفها ومايزال هدفا اقتصاديا وثقافيا عبر الهيمنة السياسية. فداعش كانت ( عملية رأسمالية) مباشرة سواء عن طريق تهريب النفط او بيع البشر او إنعاش تجارة السلاح والمعدات وتعويم العملات الوطنية واستباحة الحدود الإقتصادية السياسية للدول كما في العراق وسوريا واليمن وليبيا وخلق الظروف الملائمة للقضاء على ثقافات حضارية عريقة وإحلال ثقافات همجية محلها.ولأن الغرب لايؤمن بامكانية قيام ديمقراطية في الدول العربية والإسلامية على الطراز الاوروبي في الشرق الاوسط فأن خياره هو احلال الحروب والفوضى بدل الديمقراطية. فالغرب يؤمن ان خيار العرب والمسلمين هو الإسلام ولذلك فإن الحروب الدينية هي وسيلة فعالة للسيطرة على المنطقة وتدميرها بإسم الإسلام نفسه.

التاريخ الذي لايتركنا

تظهر فكرة إعادة قراءة التاريخ حين يواجه المفكرون والباحثون والمؤرخون التناقضات بين تاريخ مكتوب من وجهتي نظر مختلفتين تماما، لكنهما يتمتعان بالقدسية التي تعيق هذه الفكرة.

لكن هناك من يستنسخ التاريخ ويعيد انتاجه متذرعا بالامجاد التاريخية. ولكن هل تصح على على اعادة الانتاج هذه مقولة ماركس : إنّ التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، ومرة على شكل مهزلة. ليس بالضرورة ان تكون الاعادة مهزلة وانما قد تكون مأساة ايضا . وربما كان قصد ماركس ان التفكير باعادة التاريخ واعادته فعلا انما هو مهزلة.

فالتاريخ يشكل مصدرا أساسيا من مصادر الديكتاتورية. خاصة حين يتعلق الامر بطموحات قومية معاصرة. والتاريخ ،باعتباره احد مصادر الديكتاتورية، يأخذ شكل المهزلة في التفكير الديكتاتوري. ولعل الشغف باستعادة التاريخ، في الايديولوجيتين القومية والطائفية طمس معالم كثيرة كان يمكن ان تظهر خارج التقديس الذي يتمتع به التاريخ. فالايديولوجيا القومية في العالم العربي كانت شغوفة باستعادة (الامجاد) العربية، الامر الذي جعلها تركز على فكرة الحرب والبعث. وقد تجلى ذلك في فكر ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار فيما ركز جمال عبد الناصر على فكرة الامة الواحدة. ولكن كلا الفكرتين انطلقتا من المجموع ولم تنطلق من الفرد.بل اعتمدت اساسا على فكرة الحشود، لذلك غابت معالم المواطنة وطمست تحت ركام التحشيد الأيديولوجي للرسالة الخالدة وبعث الامجاد الغابرة. فالوحدة ارتبطت مع فكرة الحرب والبحث المستمر عن عدو. يقول ميشيل عفلق: (إن المقاتلين العراقيين والعرب الذين يشاركون في المعركة كانوا يستحضرون نماذج من التاريخ العربي الاسلامي ليدافعوا عن الحياة العربية الجديدة. انها فرصة تاريخية اتاحها العدوان الخميني لتخدم ملامح النهضة العربية ومميزاتها وخصائصها)(20)

لقد تطلب هذا الخطاب مفردات انشائية خالية من المضامين الاجتماعية الواقعية ، ولكنها مشحونة بالدعوة الى الحرب والاعتزاز القومي المبني على شعور بالعظمة والتفوق الماضيين.

كان مثل هذا الخطاب كفيلا بتغطية عمليات صعود عبادة الفرد وصناعة وهم بعظمته وقدراته الخارقة والاستسلام الغيبي لإلهامه. وقد جسد صدام هذه العبادة تجسيدا مروعا في سياق استمرار حروبه الكارثية . وماتزال هناك عقبات عديدة تحول دون بحث هذه الحروب دون ان يواجه الباحث اتهامات مختلفة.

ان صناعة اعادة التاريخ مهنة ديكتاتورية. انها في الوقت الذي تمجد فيه التاريخ ، تمجد الحاكم -الفرد الذي يستعيد التاريخ. وهذا التاريخ يضفي على (القائد) القداسة والالهام والغيبية.

في عام ١٩٨٨ كان القذافي قد قرر فجأة التقرب مع مصر ودول الخليج بعد سنوات من الاوصاف المقذعة التي كان يسبغها على حكام تلك الدول. وحين سألت مسؤولا ليبيا كان في الخارج آنذاك عن سر هذا التحول المفاجيء ، أجاب بلغة غيبية، ان القائد له حكمة في ذلك. هذا المحتوى يلغي تماما الأمة بمفهومها الحقوقي والسياسي ، ويلغي المواطنة ووظيفة السياسة في عالم معاصر. ويجعل من التاريخ مشرعا لسلوك( القادة) ومبررا له. كما ياغي ما تسميه الادبيات السياسية المعاصرة بالارادة الشعبية.

حتى الآن لم تجر دراسة التاريخ السياسي للعالم العربي في القرن العشرين. واكثر من ذلك تغيب الروح النقدية في دراسة هذا التاريخ ، ويتكرر الانشاء والتأليه من جانب ، وتتكرر الادانة والتخوين من الجانب الآخر. وخلال هذه الثنائية المتعادية لايمكن البحث عن حقيقة التدهور الذي يواجهه العالم العربي واسبابه، ويتعمق اكثر الطابع الشوفيني للتاريخ ،كما يتعمق اكثر ،اليوم، الطابع الطائفي له.

في عام ١٩٨٩ ، وبعد مائتي عام على الثورة الفرنسية، اعاد بعض المؤرخين الفرنسيين قراءة احداث الثورة التي حظيت بلقب الثورة التي تأكل ابناءها. فالمقصلة الرهيبة التي ابتدعتها الثورة لقطع رؤوس اعدائها سرعان ماتحولت لتقطع رؤوس قادة الثورة انفسهم من دانتون الى روبسبير، وهو امر تكرر في الثورات القومية العربية ايضا. فالخيانة لم تكن اكثر من اختلاف في الرأي كما هو شأنها اليوم،

وبالنتيجة شهدت الثورة الفرنسية ،التي غيرت التاريخ من امبراطوري الى جمهوري، عهود ارهاب راح ضحيتها عشرات الآلاف من الفرنسيين خاصة الارهاب الذي قاده اليعاقبة بقيادة روبسبير بحجة الدفاع عن الثورة وحمايتها من اعداء الخارج واعداء الداخل ،الامر الذي برره  المؤرخ هانسون نافيا الارهاب كونه جزء من الفكر السياسي للثورة اذ قال ( ان الإرهاب غير متأصل في فكر الثورة، لكن الظروف جعلته ضروريا) ، بيد ان الارهاب سرعان ماطال عام ١٧٩٤روبسبير نفسه ورفيقه جوست وقادة عهد اليعاقبة فيما اطلق عليه (عهد الإرهاب الأبيض).

 ليست العقائد والايديولوجيات وحدها ما يمنع نقد التاريخ وتمنع اعادة كتابته، وانما المصالح السياسية التي تستخدم العقائد والايديولوجيات لمنع قراءة التاريخ على أساس حدث آخر . حدث هذا للثورة البلشفية ايضا. فحتى الآن يتم الدفاع عن تروتسكي في الغرب. ولكن لم يقيم حتى الان في روسيا. فخلال الثورة البلشفية كان ليون تروتسكي وزير الدفاع ورئيس المجلس العسكري الثوري وقائد للجيش الأحمر الذي انتصر في الحرب العالمية الثانية فيما بعد. كان الشخصية الثانية بعد لينين. وعندما توفي لينين لم يكن تروتسكي في موسكو فلم يتمكن من حضور جنازة لينين، فاتهمه رفيقه ستالين بقلة احترام لينين، ليعلن نفسه خليفة للينين ويعزل تروتسكي بتهمة ساخرة، ثم نفاه مع أنصاره خارج البلاد ليغتاله فيما بعد في المكسيك.

سواء كتب التاريخ او زيف فانه سيقرأ في الحالتين. لدينا عدة تواريخ وليس تاريخا واحدا. للامم الاخرى مثل ذلك. لكن الصعوبة ليست في قدرة المؤرخين على اعادة قراءة التاريخ ،وانما في المحرمات. ففي حين استطاعت اوروبا ان تضع التاريخ في الرفوف العالية متيحة للباحثين الصعود بالسلم لإلتقاط ارشيفه ، مانزال نحن نضع التاريخ على مكاتبنا أقرب من اي شيء آخر.

وبما ان التاريخ زادنا اليومي ، واستعادته شغلنا الدائم، فان حياتنا المعاصرة مشدودة الى التاريخ وملتزمة به. كذلك، فان معظمنا يعيش في هذا التاريخ مرغما او مختارا. لكن مع هذا الارغام وهذا الاختيار لايمكن الخروج من قدسية سياسية بالدرجة الاولى اضفيت على هذا التاريخ. واذا كان مؤرخ الأمس قد اختار الحياد في الروايات، خاصة المتناقضة، وعدم تفضيل واحدة على اخرى، فان مؤرخ اليوم سيكون مضطرا لمناقشة هذا الحياد غير المبرر اذا كان يسعى لاعادة قراءة ذلك التاريخ على ضوء الحقيقة والعقل.

لكن التفسير الشخصي للتاريخ ، رغم اهمية دور الفرد حسب بليخانوف ، يجعل من الفرد شخصا منتميا الى فرديته اكثر مما هو منتم لمنظومة معقدة من السياسة والادارة والفكرة والعقيدة . فالاجراء الذي اتخذه الخايفة الثاني عمر بن الخطاب ضد خالد بن الوليد لم يضعه المؤرخ القديم في اطار طبيعة الحكم وانما وضعه في اطار شخصي . قال الأصمعي عن سلمة عن بلال عن مجالد عن الشعبي قال : اصطرع عمر وخالد وهما غلامان وكان خالد ابن خال عمر فكسر خالد ساق عمر ، فعولجت وجبرت، وكان ذلك سبب العداوة بينهما . وفي كنز العمال ج ١٣صفحة٣٦٩ ورد تفسير مشابه ( فكسر خالد ساق عمر فكان ذلك سبب العداوة التي لا مثيل لها). اما في الطبري ج٢  فورد: وجاء وقت انتقام عمر عندما قتل خالد , مالك ابن نويرة وتزوج امرأته. هذا يرد في تفسير (التاريخ). فهذا التاريخ يفسر على انه مواقف فردية اكثر مما يفسر بانه اجراءات تتعلق بمفاهيم سياسية او دينية او قومية او ادارية او اقتصادية. وهذا التفسير يقصي المؤرخ المعاصر عن دوره في اعادة تركيب حوادث التاريخ على اسس اكثر عقلانية وواقعية.

ينتمي هذا التمييز الى حالة اضفاء المقدس على التاريخ وشخصياته. وهي حالة تلتحق بها فكرة : ان سيدنا يزيد قتل سيدنا الحسين وكلاهما في الجنة. وهي فكرة تلغي التاريخ اساسا باعتباره ميدانا للصراعات السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية، كما تلغي التاريخ باعتباره ميدانا للصراع على الدولة والسلطة، فضلا عن الغاء الحق والعدالة من التاريخ.

يشكل سقوط بغداد بيد المغول مثلا ساطعا على تزوير التاريخ واضفاء القداسة على هذا التزوير. كما يشكل الالحاح على نفي الحقائق والايمان بالاوهام تكريس تاريخ مزور . واذا ما زلت قدم باحث ما على اعادة قراءة تاريخ سقوط بغداد وآعاد الاعتبار للحقائق المنفية ، او تلك التي تم تجاهلها بشكل مقصود، فانه سيحال الى طائفة او يتلقى نعوتا مشينة واجبها حراسة قداسة تزوير التاريخ ، الذي اصبحت وظيفته لسوء الحظ ، اعادة انتاج الطغيان والديكتاتورية.

التاريخ في هذه الحالة يشكل اهم مصادر الديكتاتورية ويتحول الى ميدان لانتاج الامجاد الدموية وعمليات التطهير والابادة والتكفير والتمييز الديني والعرقي.اذا تناولنا على سبيل المثال ، طبيعة الدولة في التاريخ ،فاننا سنعثر على قالب جامد يجري الغاء دور الأمة فيه مثلما يجري استنساخه حتى بوجود مؤسسات ادارية حديثة فيه. ان طبيعة السلطة في الدولة التاريخية طبيعة طغموية لشخص او عائلة او طغمة عسكرية او طغمة حزبية او طغمة عشائرية او طغمة مناطقية. ولذلك يتأسس العداء للديمقراطية لا باعتبارها انتاجا غربيا، رغم انها كذلك، وانما لانها تنهي او تضعف حكم هذه الطغم . ولذلك ينعدم حق الاختيار او الانتخاب وهو حق طبيعي لاي تنظيم اجتماعي سلمي وسلس.

شكل التاريخ مصدرا اساسيا للتسلط والطغيان باعتباره سجل الامجاد والعظمة والتفوق. وكان ابرز مثال لذلك هو التفكير باعادة عظمة المانيا بواسطة الايديولوجيا النازية القائمة على فكرة التفوق القومي، فهتلر كان سيواجه دولا مسيحية بعض شعوبها يغلب عليه التدين مثل بولونيا ودول شرق اوروبا.

لكن التاريخ غير عادل. انه منحاز. ان التاريخ في ورطة وفي محنة ايضا. ولعل ملاحظات المستشرقين الذين نعتقد ،على الدوام،  انهم مغرضون، ينظرون بعين واقعية لتاريخنا. في كتاب(رحلات في بلاد فارس 1673-1677) للرحالة السير جون شاردان هناك ملاحظة قديرة  يقدمها شاردان في الفصل المتعلق بالفنون الميكانيكية والتجارة وهي قوله ( ليس لديهم- يعني اهل الشرق- ميل نحو الاختراع الجديد او الاكتشاف. يعتقدون انهم يملكون كل ضروريات الحياة المريحة، لذا يقبعون راضين ويفضلون شراء السلع من الغرباء عوض تعلم فن صنعها) (21)

أليست هذه الملاحظة القديرة سارية المفعول حتى الآن رغم عدم الود الذي نبديه نحوها ؟ وبغض  النظر عن الصناعات الخفيفة والتحويلية في هذا البلد الشرقي او ذاك اليوم، فان العناية بما هو خلافي انشائيا يشكل مصدرا للسعادة اكثر مما يشكله الاختراع أو الاكتشاف. وهذه الحالة يوفرها التاريخ المختلف عليه للدفاع عن صحة هذا الجانب او ذاك.

في كتابه الثر والمميز ( فكرة التاريخ عند العرب ، من الكتاب الى المقدمة) الصادرة ترجمته عن دار النهار ،يكتب الدكتور طريف الخالدي (كان الطبري ، عند نقله المواد عن اسلافه الثلاثة البارزين( يقصد ابن اسحاق وسيف والواقدي، نبيل. ياسين)  ملتزما ايضا بنقل رواياتهم الشقاقية والمتباينة الثلاث ايضا، ولم يكن امامه من سبيل يوصله الى تكوين رواية واحدة او موحدة تستبعد ( البدعة) مثلما حاول ان يفعل في تفسيره. كانت محاولة تحديد( الأوادم) و( الشياطين) في هذه الفترة  المخصوصة من التاريخ ستفضي بصورة شبه حتمية الى اعتماد احد المواقف الطائفية المتطرفة، ) فكرة التاريخ عند العرب، طريف الخالدي، دار النهار ١٩٩٧ ص١١٦

التاريخ المتعدد الروايات يعني ان لنا ( حكايات) يتم تداولها قبل ان تؤرخ وبالتالي لاعصمة لرواية الاحداث. طالما انها تقوم على التأويل من وجهات نظر ايديولوجية او طائفية او رسمية، ان تاريخنا يخضع للسلطة السياسية ولذلك تم اتهام كل مؤرخ ( يزلٌّ) قليلا عن ايديولوجيا التاريخ الرسمي بانه (يترفض). فالحقيقة التاريخية متهمة اساسا بالمذهبية للتشكيك بها واعتبارها باطلة.

لاتنفصل فكرة التاريخ عند العرب اذن عن بنية السلطة لانها تبدو فكرة فقهية لاتنفصل عن اللباس المذهبي للنظام السياسي ، وهذه مشكلة كبرى امام فحص التاريخ واعادة النظر باحداثه ، اذ تبدو المحاولة وكأنها فحص واعادة النظر بالدين رغم ان حقيقة الفكرة تاريخية وسياسية.

لقد جرت محاولات في القرن الماضي لبحث التاريخ باتجاه عقلاني رغم انه لم يتجاوز كثيرا فكرة التاريخ الرسمي قام بها طه حسين وبنت الشاطي(عائشة عبد الرحمن) والعقاد . وأعطى احمد امين التاريخ طابعا دينيا رسميا حين عنون تاريخياته ب( فجر الاسلام)و(ضحى الاسلام). بينما واجه الشيخ علي عبد الرازق حملة قاسية اثر صدور كتابه( الإسلام ونظام الحكم) عام ١٩٢٥ من الازهر أولا رغم انه شيخ ازهري، إذ إن نظام الحكم صبغ بالطابع المذهبي الذي كرسه ابو جعفر المنصور، في سياق نزاعه مع العلويين، بتكليف الامام مالك بوضع فقه للحكم يعاقب رسميا من يخرج عليه كما قال المنصور لمالك الذي وضع كتاب(الموطأ).

ان الذين يقومون ببحث التاريخ هم افراد النخبة. لكن النخبة نفسها وقعت في الانحياز الطائفي. وهو انحياز يشكل استمرارا للانحياز الأيديولوجي لجهات سياسية مسبقة، فلم تعد حركة التحرر الوطني التي طبعت عقودا من القرن الماضي بأشكال مختلفة من النضال تجمع جبهات سياسية من اليسار القومي والاشتراكي ويسار عدم الانحياز، او كما اسميت بالجبهة المعادية للامبريالية التي انهارت عمليا وفكريا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.

في مقابلة صحفية قبل سنوات سألني الصحفي لماذا لاتترك التاريخ، فقلت له انه لايتركني، انه يضعني في المكان الاخر، واليوم يلى اكثر دور التاريخ في تقييدنا، وبدل ان نحكم عليه فهو الذي يحكم علينا ويقرر مصائرنا.


  • فيليب برو. علم الاجتماع السياسي. ترجمة د. محمد عرب صاصيلا. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت ١٩٩٨ص ١١٤ .

2- برو . ص ١١٤.

3- جوزف هورس , قيمة التاريخ. ترجمة نسيم نصر. منشورات عويدات.بيروت ـباريس.ط٣ سنة ١٩٨٦ص ٦٥-٦٦ .

4- هورس,. ص ٣٠-٣١ .

5- الاب جرجس داود داود. اديان العرب قبل الإسلام. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر. بيروت الطبعة الأولـي ١٩٨١. ص٢٣-٢٤. وغالبا ما يعتمد الأب جرجس في معلوماته على جواد علي ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام )وفيليب حتي في( تاريخ العرب ) و(قاموس الكتاب المقدس) لعدد من اللاهوتيين

6- المصدر السابق. ص 45

7- ,المصدر السابق, ص٣٧

8- المصدر السابق ص٤١

9- المصدرالسابق ص٤٧

10-المصدر السابق  ص٤٧

11- المصدر السابق ص ٤٦

12-عنوان الكتاب الصادر عن جامعة كامبردج عام ١٩٩٤ هو Cambridge Studies in Islamic Civilization .Arabic historical thought in the classical period  والمترجم الى العربية بعنوان (فكرة التاريخ عند العرب: من الكتاب الى المقدمة) عن دار النهار بترجمة من حسني زينة، وصدر عام ١٩٩٧)، وسأعتمد الترجمة العربية

13- الخالدي . ص٧٥ .

14- المصدر السابق . ص ٧١

15- المصدر السابق .ص٧٢ .

16-

 (University of Birmingham. Birmingham Qur’an(16) (16) manuscript dated among the oldest in the world. Posted on 22Jul2015(.

17-   اقدم٥ مخطوطات للقرآن الكريم.٨-٨-٢٠١٥)

Tops Arabia

18-.(نفس المصدر

19- طه باقر. ملحمد كلكامش . الوراق.لندن 2006 ص103

20- ميشيل عفلق. خطاب في الذكرى الـ ٣٧ لتأسيس البعث، مجلة آفاق عربية.١٩٨٦).

21- السير جون شاردان. رحلات في بلاد فارس 1673-1677 تر.جمة صلاح صلاح. المجلد الثاني. دار السويد ي

 للنشر والتوزيع طبعة اولى 2005 ص173-174

22-طريف الخالدي ص116 (التاريخ والفرد)