دور الإصلاح الديني: حصون الإيمان – تشارلز تايلر / ترجمة: الحاج نوفل لطيف

دور الإصلاح الديني: حصون الإيمان – تشارلز تايلر / ترجمة: الحاج نوفل لطيف

الفصل الأول من كتاب “عصر علماني” لتشارلز تايلر


1

يمكن صياغة السؤال الذي أريد الإجابة عنه هنا كالتالي: لِمَ كان من المستحيل عمليًا في مجتمعنا الغربي في القرن السادس عشر ألا يؤمن الناس بالله، بينما أصبح ذلك متاحًا بسهولة لدى العديد منا، بل لا مناص منه كما يعتقد في ذلك الكثيرون، في القرن الحادي والعشرين؟

 يتمثل جزء من الجواب، بدون شك، في أن الإيمان في تلك الأيام كان السمة الغالبة في حياة الناس إلى حد أصبح فيه عدم الإيمان شذوذًا، واعتُبرت سائر العقائد الأخرى هجينة. بيد أن هذا الأمر، لا يعدو أن يكون سوى حافز من شأنه أن يدفع بالسؤال إلى أبعد من ذلك، إذ نحن بحاجة إلى فهم كيف جرت الأمور وتطوَّرت حتى أصبحت أنماط الإيمان تلك سائدة اليوم وأنّى لنا أن نُفكر في بدائل ممكنة ومقبولة؟

يكمن جزء كبير من الصورة في كون ما قيل لهم حول ميزات عالمهم الذي يعيشون فيه يؤيد عقيدتهم ويجعل وجود الله حقيقة لا يرقى إليها شك، وقد طبعت ذلك العصر سمات عديدة عززت انتشار مظاهر الإيمان. وفي هذا السياق سأذكر ثلاثة منها لعبت دورًا حاسمًا في ما سأسرده هنا:

  (1) العالم الطبيعي بما هو الفضاء الذي يعيشون فيه، من حيث هو جزء من صورة الكوسموس الراسخة في مخيلتهم، يشهد على القدرة والفعل الإلهيين، ولا يؤخذ هذا الأمر فقط كبداهة لا يزال بوسعنا أن نستوعبها (على الأقل الكثير منا) ونقدرها اليوم، حيث يدل إحكام نظامه ودقة صنعه على عظمة الخالق، ولكن أيضًا لأن الأحداث العظيمة في هذا النظام الطبيعي كالعواصف والجفاف والفيضانات والأوبئة، فضلًا عن سنوات القحط أو الخصب الاستثنائية أو الازدهار ينظر إليها على أنها أفعال الله، وهو ما تشهد عليه اللغة القانونية اليوم ولو باستعارة ميتة.

(2) يتجلَّى وجود الله، كذلك، في كل مظاهر الحياة الاجتماعية (ولا يتعلق الأمر هنا بالمجتمع في معناه الحديث، وإنما بما هو بوليس، أو مملكة، أو كنيسة، أو أيّ شكل من الاجتماع كان). فلا يمكن مثلًا أن نتصوَّر المملكة شأن إنساني في زمن علماني، بل بوصفها سلطة فوقية متعالية عن الفعل الإنساني. وأبعد من ذلك تتقاطع حياة مختلف الجمعيات التي تشكل المجتمع، سواء تلك التي تشمل الرعايا أو الأحياء السكنية أو المنظمات العمالية، وما إلى ذلك، مع الطقوس والشعائر كما ذكرت آنفًا. فالله محيط بالإنسان حيثما كان.

(3) عاش الناس في عالم “مسحور”. وقد لا تكون هذه العبارة هي الأنسب لأنها ربما تتعلق ضمنيًا بمجال السحر والخرافة. وقد لا تتوافق مع السياق، لكني أستخدمها مستفيدًا من نقيضتها عبارة “نزع السحر” التي اعتمدها فيبر Weber لوصف عالمنا الحديث. وقد حاز هذا المصطلح أهمية بالغة في مناقشتنا لهذه المسائل مع أنني سأستخدم نقيضه بشكل مكثف لوصف سمة حاسمة من سمات عصر ما قبل الحداثة. وبهذا المعنى يكون العالم المسحور، الذي عاش أجدادنا في كنفه، عالم الأرواح والشياطين والقوى الأخلاقية.

إن الناس الذين يعيشون في هذا النوع من العالم لا يعتقدون بالضرورة في إله وخاصة إله إبراهيم، وهو ما يُفسِّر وجود عددٍ لا يحصى من المجتمعات “الوثنية”. ولكن بحسب وجهة نظر القرويين الأوروبيين في القرن الخامس عشر، ووراء كل هذه التناقضات التي لا سبيل لإنكارها، لعب الله في دلالته المسيحية دور الضامن الأسمى لانتصار الخير، أو على الأقل لكبح قوى الشر.

وعلى هذا النحو لا معنى للإلحاد في عالم تلك سماته. فالله موجود في كل مكان، وهو الذي يتدبَّر أمر الكوسموس، وهو أصل نشأة المجتمعات وضامن ديمومتها وهو حصنها ضد الشر. ويتمثل جزء من الإجابة على سؤالي الافتتاحي، ماذا حدث بين القرن السادس عشر والقرن الحادي والعشرين؟ في أن تلك السمات الثلاث اضمحلت.

بيد أن هذا ليس كل ما في الأمر، كما بيّنتُ ذلك آنفًا. فمجيء الحداثة ليس مجرد حدث عابر يتعلق بخسارة شيء ما أو تنحيته. وعليه يتمثل الاختلاف الرئيس مدار جدلنا هنا حول ما يُميِّز بين أحداث تاريخية فارقة ساهمت في تغيير فهمنا لما سميته “الامتلاء”، وكذلك بين وضعنا حينما توجهنا بأسمى طموحاتنا الروحية والأخلاقية رأسًا إلى الله إلى حد يمكننا القول بأن لا شيء له معنى بدون الله، وبين ذلك الوضع الذي تكون فيه تلك الطموحات مرتبطة بمصادر مغايرة تكون عادة نافية لوجود الله. أما الآن، فإذا كان اختفاء هذه الأنماط الثلاثة التي من شأنها أن تمكننا من الإحساس بوجود الله في العالم، يُيسِّر مثل هذا التحوُّل في فهم معنى الامتلاء، فإنه لا ينشأ عنه لوحده لأنه لا شيء يمنع رغم ذلك من الجزم بأن الامتلاء نعمة من الله منّ بها علينا، حتى في عالم تخلص تمامًا من السحر أو مجتمع علماني أو كون ما بعد كوسموسي. وحتى نكون قادرين على التخلص من هذا الوضع، لا بد لنا من بديل.

ولأجل ذلك، فإن ما أردت بيانه هنا لا يتعلق فقط بكيفية انحسار وجود الله في هذه الأبعاد الثلاثة وإنما أيضًا بشرح كيف يمكن لشيء آخر غير الله أن يُصبح أصلًا موضوعيًا وضروريًا لطموحنا الأخلاقي أو الروحي لـ”الامتلاء”. وبهذا المعنى يتعلق السؤال المحوري حول ما حدث بالكيفية التي جعلت من الامتلاء ينشأ عن بدائل أخرى غير الله. وعليه سأهتم، إجمالًا، ببروز النزعة الإنسانية الحصرية.

وتعزو قصة “الطرح” الشائعة هذه كل شيء لنزع السحر عن العالم. ففي البداية استطاع العلم أن يُقدِّم لنا تفسيرًا “طبيعيًا” للعالم، ومن ثمَّ بدأ الناس في البحث عن بدائل للتفسير تغنيهم عن الله، إلا أن الأمور جرت على خلاف ذلك حيث لم يُمثِّل التفسير الميكانيكي (الآلي) للعالم في إطار العلم الناشئ في القرن السابع عشر تهديدًا حقيقيًا لمنزلة الله كمبدأ مطلق للتفسير، وإنما مثَّل تهديدًا فقط للكون المسحور والسحري. وهذا ما أَربك بعض ما كنا ننسبه عادة إلى التدابير الإلهية وعناية الله وحكمته. ورغم ذلك تنطوي المسيحية على حوافز مهمّة تدفع في اتجاه اتخاذ طريق نزع السحر سبيلًا. ولكان علينا، رغم ذلك، أن ننتظر ظهور داروين الذي كان وقتئذ بعيدًا حتى عن أفق القرن الثامن عشر.

ومن ثمَّ، أصبح يُنظر للمجتمع، بطبيعة الحال، وفق المفاهيم العلمانية. فقد ثار الناس، بل وتمردوا أحيانًا على الكنائس. ولكن ربما كان ذلك يتم تحت لواء هياكل كنسية أخرى، على غرار ما حدث في أربعينيات القرن السابع عشر (1640)، حيث ساد شعور قوي بأن ذلك إنما يتم بتوجيه من الله وعنايته.

لا يجب أن نفهم أن قصة الطرح تلك بتمامها تعني أن نزع السحر عن العالم فقط هو الذي يقف وراء الامتلاء، بل إن انحسار حضور الله في تلك المجالات الثلاثة ساهم هو أيضًا في تطوير اهتمامنا بالبحث من جديد عن بدائل أخرى ممكنة ساهمت في تحقيق ذلك.

ومن المهم، في تقديري، التنبيه إلى أنه لم توجد مثل تلك البدائل بعد. ومن المؤكد أيضًا أن الناس عرفوا مذاهب شتى. وفي حين شنَّ المؤلفون الأرثوذوكس (المتشددون) هجومًا عنيفًا على تلك المذاهب، نصَّص على أهميتها المؤلفون القدامى ضمن بعض الحالات. إلا أنها لم تمثل إلى حد الآن بدائل ممكنة حقًا تكون بمثابة تأويلات بديلة للامتلاء تهب معنى حقيقيًا لجميع الناس، لا فقط لعدد محدود من الأرواح الأصيلة.

وللأسف، فلقد تعذر على أيّ نزعة إنسانية مهما تكن محضة أن تضطلع بهذا الدور طالما أن الناس يعتبرون الكون مسحورًا إذ تتحكم فيه أرواح، بعضها خبيث. وفي هذا الصدد، بطبيعة الحال، ساهم العلم في نزع السحر عن الكون، وفتح الطريق أمام تنامي النزعة الإنسانية الحصرية، ولعل من بين الشروط الحاسمة التي ساعدت على ذلك، التطور الذي طرأ على وعي الذات بذاتها وبمنزلتها في الكون: لا بوصفها مفتوحة ويسهل اختراقها، يتهددها عالم تسكنه أرواح وقوى غيبية، ولكن بوصفها ما سميّته “ذاتًا عازلة”. ولكن من أجل إنتاج هذه الذات العازلة، اقتضى الأمر ليس فقط نزع السحر عن العالم، بل أكثر من ذلك تطلب ضرورة تعزيز الثقة في قدراتنا الذاتية على التنظيم الأخلاقي.

ولكن بالتأكيد، لنا أن نتساءل عمّا إذا كانت الأخلاق غير التوحيدية في العالم الوثني القديم تفتقد لهذه المصادر؟ أعتقد أن افتقاد تلك المصادر لا يعدو أن يكون إلا جزئيًا. أولًا، لأن بعض النظم الفكرية آنذاك انخرطت في نظام روحي وكوسموسي واسع النطاق مثل الأفلاطونية والرواقية. وإذا لم تكن لتلك النظم الفكرية أي علاقة بالسحر والأرواح التي تسكن الغابات إلا أنها رغم ذلك قاومت بطرقها الخاصة نزع السحر عن الكون ومن ثم تفسير ظواهره ميكانيكيًا. ولأجل ذلك لا يمكن اعتبار تلك النظم الفكرية إنسانية محضة بالمعنى الذي أقصده. وفي هذا الصدد لا يمكن أن نستثني أرسطو أيضًا الذي أكد على أهمية الدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه التأمل حتى يبدو كما لو كان شيئًا إلهيًا مغروسًا فينا.

وحدها الأبيقورية، بلا ريب، انطوت على نزعة إنسانية من بين مختلف النظم الفكرية تلك. وعليه ليس غريبًا أن يكون لوكراس واحدًا من أعظم مؤسسي المذهب الطبيعي وملهميه إضافة إلى هيوم. وإذا كانت هذه البراعة ليست أبيقورية خالصة، فإن الأبيقورية استطاعت أن تعلمنا كيفية تحقيق طمأنينة من خلال التغلب على ما نحمله من أوهام حول الآلهة. ولكن رغم ذلك كانت النزعة الإنسانية في حاجة إلى شيء آخر أكثر من ذلك لكي تزدهر في السياق الحديث، ذلك أن هذا السياق يفترض أن يخلق كل فرد نظامه الأخلاقي لحياته الخاصة على نحو مختلف عن غيره. وهذا يفترض أن تكون لنا قدرة فعالة على تشكيل وإبداع عالمنا طبعيًا واجتماعيًا، ولن يكون ذلك ممكنًا بدون نزوع البشر للحسنى. ولرد هذا الشرط الثاني إلى التقاليد الدينية، سعت النزعة الإنسانية الحديثة، بوصفها نزعة مناضلة وسباقة، إلى توفير بديل عن المائدة السماوية.

وعليه كان لزامًا علينا التفكير في صورة مقبولة للنزعة الإنسانية الحصرية. غير أن ذلك ما كان ليتم بين عشية وضحاها، ولا أن يأتي دفعة واحدة، وإنما اقتضى الأمر تخطي العديد من الأطوار كما هو الشأن بالنسبة لظهور الأشكال السابقة من المسيحية. تلك هي حقيقة القصة التي أنوي أن أسردها هنا.

وفي الواقع، توفرت لدينا في أواخر القرن التاسع عشرة بدائل مختلفة مكتملة، بحيث أصبح بإمكان أيّ كان اليوم أن يتأثر بهذا الاتجاه أو ذاك، بحسب اختلاف وجهات نظرهم من العلم في بعض الأحيان، وذلك رغم أنه لا يزال هناك دور حاسم يمكن أن تلعبه أنطولوجياتهم الأخلاقية كما سأناقش ذلك هنا أيضًا. ولكن اليوم، على سبيل المثال، عندما لا تُقدِّم المادية الطبيعية نفسها على أنها مجرَّد تمشّي، وإنما على أنها المقاربة الوحيدة المتوافقة مع متطلبات المؤسسة الأكثر وقارًا واعتبارًا في العالم المعاصر ألا وهي العلم، فمن المعقول جدًا أن يُنظر إلى شكوك المرء إزاء إيمانه وقدرته على التغيير أو إزاء إحساسه بقيمة إيمانه ومكانته لديه فعلًا، على أنها صبيانية وغير مناسبة، لأنه إذا ما انصهرت تلك الشكوك في هذه الأيديولوجيا النافذة قذفت بنا خارج دائرة الإيمان بالله رغم ما يُصاحب ذلك من شعور بالندم والحنين إلى الماضي. ولكن سيكون مناقضًا للتاريخ سحب هذا السمة التي طبعت العصر الفيكتوري أو الحقبة المعاصرة على القرون السابقة حيث كانت مختلف وجهات النظر المتنافسة التي تثير ريبتنا اليوم مزورة.

2

لقد أردت من وراء طرح سؤالي الافتتاحي رصد التباين بين أوضاع الإيمان في القرن السادس عشر وأوضاعه في القرن الحادي والعشرين. ثم عملت على توضيح هذا التباين من خلال القصة التي سردتها. ولكن ما جدوى هذا السرد؟ ألم يكن ممكنًا الاكتفاء بتحليل هذا التباين آخذين بعين الاعتبار تبدُّل الأوضاع بين الأمس واليوم والتخلي عن هذا السرد؟ ولكن علينا أن نتساءل أيضًا: مَن يحتاج كل هذه التفاصيل وهذا السرد؟ ألم يكن عرض الطرق الثلاث لإثبات وجود الله التي قدمتها في البداية والتي لم يعد لها محل الآن، مقدمة ممكنة لتحليل هذا التباين؟

وعلى هذا النحو كان ينبغي علينا اليوم أن نصل إلى مثل هذا التباين أو على الأقل إلى التركيز على الوضعية التي انتهينا إليها في القرن الحادي والعشرين عبر مقاربة مقارنة. ولكن لا أعتقد أننا نستطيع القيام بذلك على أكمل وجه طالما أن هناك من يُقلل من شأن العامل التاريخي، وآمل أن تتَّضح أسباب ذلك أكثر حتى تكون أكثر إقناعًا كلما تقدمت في التحليل. ولكن إذا ما اكتفينا بتلك الأسباب في وجهها الأكثر عمومية، فيتعين علينا عندئذ التأكيد على أن تورطنا روحيًا في هذا المأزق اليوم سببه تاريخنا، بمعنى أن فهمنا لذواتنا وللوضع الذي أُلْنَا إليه يتوقف، في جزء منه، على تمثل حقيقة ما قادنا إلى هذا ومن ثم البحث في الطريقة المناسبة لتخطي وضعنا السابق. وهكذا نكون على وعي تام بأننا نعيش في كون “نُزع عنه السحر”، وأن استخدامنا لهذه العبارة إنما يعني أن الكون كان في البدء كونًا مسحورًا. وأكثر من ذلك، لا يجب أن نعي فقط بأن ذلك ما تعيّن علينا عمله، وإنما يجب أن نعي أيضًا أنه نضال وإنجاز كان لا بد منه لنصل الى ما نحن فيه، وإن كان ذلك لا يزال هشًا في بعض النواحي. ولا يخفى على أحد هذا الأمر، ذلك أن كل واحد منا لا بد أن يكون قد تلقى تعليمًا أثناء تنشئته في أحد التخصصات المتعلقة بنزع السحر، وكنا عادة ما نلوم بعضنا البعض إذا فشلنا في هذا الصدد، ونتهم بعضنا البعض بانتهاج طريقة تفكير “قوامها السحر”، والاستغراق في “الأسطورة”، وإطلاق العنان لـ”الخيال”. وكنا نقول إن فلانًا لا ينتسب إلى عصرنا، وإن عقلية فلان “قروسطية”، فيما نعتبر من يثير إعجابنا سابقًا لعصره.

وبعبارة أخرى يتحدَّد المعنى الذي نعطيه لوضعنا على نحو حاسم، في جزء منه، بحسب طريقة سردنا للمسار الذي قطعناه حتى بلغنا ذلك الوضع. وبهذا المعنى يصبح الله مرجعًا لا مفرّ منه في ذروة عصرنا العلماني (وإن كان ذلك سلبيًا في الغالب). وعندئذ قد يقودنا وصف مآلنا انطلاقًا من مسار حياتنا إلى الوقوع في الخطأ إذ ما أسأنا فهم ذلك المسار. وهذا ما قادت إليه مقاربة الحداثة وفق “الطرح” على وجه الدقة، وعليه ينبغي أن نعود أدراجنا إلى الوراء وأن نسرد القصة بأكثر دقة حتى نتبيّن جيدًا حقيقة وضعنا الراهن.

أعتقد أنه يجب أن نسرد القصة رغم أن السرد ليس خيارًا إضافيًا هنا، لأنه عندما يمتزج ماضينا بحاضرنا يصبح من العسير علينا التعرف على ذواتنا طالما نبقى عاجزين عن الاعتراف المنصف بأصلنا.

وهذا من شأنه أن يزيد في اتساع دائرة المسألة حتى يصعب الإحاطة بها. فمسألة علمنة العالم المسيحي الغربي مترامية الأطراف ومتعددة الوجوه بحيث مهما أَلَّفنا بشأنها الكتب لن نحيط بها ولن نستوفيها حقها. والأمر يصبح أكثر تعقيدًا كلَّما تعلَّق بالمسيحية اللاتينية التي اخترت أن أخوض فيها هنا بحكم عدم تجانسها. وكما سنرى أدناه، يتعلق الأمر هنا بأكثر من مسار، وبأمم ومناطق متباينة عرفت مظاهر نموّها أطوارًا مختلفة. قد أَكتفي بعرض الخطوط العريضة للقصة مع التطرُّق إلى بعض التحوّلات الكبرى، وأملي أن تنشأ عن هذا التمشي السردي وما ينطوي عليه من ديناميكية صورة عامة للقصة انطلاقًا من ملامحها الكبرى على ألا نغفل أهمية عامل التطوُّر التاريخي الذي لا غنى عنه.

3

لا يمكن أن نُقلِّل من شأن السرد، إلا أن السرد في حد ذاته ليس كافيًا. وفي الواقع، يجب أن تأخذ المناقشة بعين الاعتبار أهمية التداول بين التمشي التحليلي والتاريخي باستمرار. وعند هذه النقطة أريد أن أبدأ بعرض بعض الملامح الكبرى للتباين بين الماضي والحاضر، وهو ما من شأنه أن يدقق القصة ويثريها. إنها تقع في نطاق التحولات السلبيّة الثلاثة الكبرى التي أشرت إليها أعلاه، وسأُدرجها وفق ترتيب عكسي بحيث سأبدأ بآخرها أولًا، وفي حقيقة الأمر لن أكتفي بتلك التحوّلات الثلاثة بل سأتحدث عن خمسة.

يتمثل التحوُّل الأول في نزع السحر عن العالم مما ساعد على تخطي العقبة الثالثة أعلاه (3) أمام عدم الإيمان (I). ثم من خلال اقتحام ميدان العقبة الثانية (2) (II)، تمكنت بالتأكيد، من معاينة الطريقة التي استطاع بواسطتها المجتمع في العهود السابقة تحقيق التوازن بين التوترات العميقة التي كانت تشقه (III). وقد ارتبط هذا بدوره بفهم عام لأهمية الزمن التي لم تأخذ بعين الاعتبار منذ ذلك الحين (IV). وأخيرًا، سأهتم بأمر تآكل العقبة الأولى (1)، وكيف تم استبدال الفكرة القديمة عن الكوسموس بتمثل حديث لكون محايد (V).

  1. I. لأبدأ بالعالم المسحور، عالم الأرواح والشياطين والقوى الأخلاقية كما عرفه أسلافنا. فلقد أدت عملية نزع السحر عن العالم إلى تراجع صورة العالم القديم واستبدالها بالصورة التي نعرفها عن العالم اليوم، عالم لا مجال فيه إلا للأفكار والمشاعر والأرواح المتوثبة، أي ما نُطلق على تسميته العقول. فلا عقول في الكوسموس سوى العقول البشرية (تقريبًا، مع الاعتذار إلى المريخيين المحتملين أو سائر الكائنات الفضائية الأخرى). وأن لهذه العقول حدودًا على نحو تقع فيه تلك الأفكار والمشاعر، وما إلى ذلك، “ضمن” تلك الحدود.

ويتميز هذا الفضاء الباطني بإمكانية الوعي الذاتي على نحو مستبطن من دون أن يعني ذلك أن كل ما يتضمنه يمكن أن يمثل أمام هذا الوعي. فقد تكون ثمة أشياء “في العقل” عميقة جدًا، وربما مخفية (مكبوتة)، بحيث يتعذر على وعينا استحضارها. ولكنها تنتمي إلى هذا الفضاء الباطني لأنها تمتد أبعد من إدراكنا المباشر وتساهم في تشكيل الأشياء التي يمكننا فهمها على جهة الاستبطان، كما هو الشأن بالنسبة للأشياء التي لا تحيط بها أبصارنا وتنتسب إلى العالم المرئي، ورغم ذلك لا نستطيع إدراكها أو إثبات وجودها. وبهذا المعنى يتكوَّن “الباطني” ممّا سميّته “الانعكاسية الراديكالية”([1]).

إن ما أعنيه هنا ليس نظرية بعينها وإنما فهمنا المعاصر، أي فهمنا الساذج لمجريات الأمور، أو بالأحرى فهمنا الحالي وإن كان معظمنا لا يعلم عن فهمنا ذاك شيئًا ولم نساهم في تشكيله على نحو ما هو عليه. وهذا يعنى أنه ليس عليّ أن استحضر مختلف النظريات التي اهتمت بشرح العلاقة بين “العقل” و”الجسد”، ولا أعزو فهمنا هذا للنظرية الثنائية الديكارتية ولا لأي من النظريات المنافسة لها، سواء الأحادية المادية أو نظرية الهوية ولا لأيّ نظرية كانت حتى تلك النظريات الأكثر تطورًا مثل نظرية الفعالية المتجسدة. إنني بصدد رصد مستوى الفهم الذي يسبق الحيرة الفلسفية. وإذا كان هذا الفهم الحديث للعقل يحيلنا بالضرورة على النظريات القريبة من نظرية ديكارت بحيث علينا أن نسلم جدلًا بأن التصور السحري القديم عجز عن ذلك، فليست هذه النظرية في حدّ ذاتها هي المعنية. وبمعنى آخر، إذا كانت فكرة العقل في معناها الحديث تجعل من طرح مسائل من قبيل “مشكل العلاقة بين النفس والجسد” أمرًا معقولًا قياسًا للتصور القديم حيث تبدو هذه المسألة لا طائل من ورائها، فإنها رغم ذلك لا تمنحنا بما هي كذلك حلًا لها.

سأهتم بهذا الفهم الساذج، لأني أحسب أن تحولًا جوهريًا قد حدث في فهمنا الساذج تزامن مع الانتقال إلى حقبة نزع السحر. وذلك خلافًا لما قلت أعلاه حول مسألة وجود الله والمخلوقات الروحية الأخرى. فقد انتقلنا من القبول الساذج بواقعيتها إلى وضع وجودها من عدمه موضع تساؤل. وكما أنه لا يوجد ملحدون سذج، فإن عدد المؤمنين السذج تراجع بشكل مطرد أيضًا. وإني إذ أنصص على هذا التحوُّل فلأنه يعكس أهمية أن يكون للعالم معنى بالنسبة إلينا، سواء عندما كنا نعتقد في وجود تلك المخلوقات الروحية وفي قدرتها على التأثير فينا من دون أن يثير فينا ذلك أدنى مشكل، أو عندما لم يعد لوجودها أيّ معنى، ومهما كانت الأشكال التي تلحفت بها أصبحت غير معقولة، وقد بيّنت لنا تجربة وجودنا اليوم ببساطة عجزها عن التأثير فينا.

هذا بالطبع لا يعنى أننا سنتجاهل ذلك، ذلك أن دائرة النقاش ستصبح أوسع باعتبار أننا لا نستطيع إلى حد الآن الإقرار بوجودها من عدمه بكل سذاجة. وقياسًا على ذلك، ووفقًا لمنطق السذاجة هذا، فقد لا أعلم الكثير عن المكونات الذرية للظواهر إلا أن ذلك لن يمنعني من أن أعتقد في ما تعلمته في درس الفيزياء. فهذه المعتقدات وحدها هي التي تشكل تصوري الخاص لهذا العالم، ويقينًا ما كان ليتأتى لي ذلك لولا ما بذله غيري من الباحثين من مجهودات تحليلية معقدة في سبيل توضيح ذلك. وبالمثل لا نعثر في البحوث المعاصرة في كل أنحاء العالم ما ينفي وجود الله ووجود مخلوقات روحانية أخرى، بل وضعت تلك البحوث مسألة الإيمان على محك الشك والنقاش وتفسيرات عديدة أخرى لتجعل من قضية وجود الله وتلك المخلوقات الروحية متوافقة مع متطلبات الحداثة.

يُعتبر هذا التحوُّل في الفهم الساذج مهمًا جدًا بالنسبة لما أنا بصدده هنا، لأنه سيمهد الطريق أمام تمثل أفضل لحقيقة التحوُّل الذي شهدته ظروف إيماننا ومن ثمّ الولوج إلى لبّ العلمانية كما عرفتها في معناها الثالث.

لقد ارتأيت أن أبدأ بتفسير أُسس هذا الفهم بواسطة مفهوم العقل، فالأفكار، وما إلى ذلك، تحدث في العقول، والعقول (تقريبًا) ميّزة البشر دون سواهم، وهي تظل محدودة بما هي فضاءات باطنية.

لنبدأ بالمبدأ الأول. ماذا أعني بعبارة “الأفكار، وما إلى ذلك” التي أَشرت إليها؟ أعني، بالطبع، تصوراتنا الخاصة، فضلًا عن المعتقدات أو الافتراضات التي نحملها أو نكوّنها عن العالم وعن أنفسنا. ولكن أعني أيضًا ردود أفعالنا وما نمنحه من دلالة وأهمية ومعنى للأشياء. وإني لأستعمل عن طواعية لفظ “معنى” في مدلوله الاصطلاحي العام مع خشيتي من الوقوع من حيث المبدأ في الخلط بينه وبين مدلوله اللغوي، حيث أعني به هنا تخصيصًا “معنى الحياة”، أو كقولنا إن علاقة ما، لها “معنى” عظيمًا بالنسبة إلينا.

وعندما نركز على مختلف المعاني على هذا النحو يلوح الاختلاف الأساسي بين وجهة نظر مبنية على العقل وأخرى مبنية على السحر. أما بالنسبة لوجهة النظر الأولى فالمعاني توجد “في العقل”، فلا معنى للأشياء إلا بقدر ما تحدثه أو توقظه فينا من ردود أفعال. وذلك في تناغم تام مع طبيعتنا كمخلوقات قادرة على مثل ردود الفعل تلك، نشعر ونرغب وننفر، كائنات وهبت عقولًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

لا بد من التأكيد مرة أخرى أن هذه الطريقة في فهم الأشياء سبقت مختلف التفسيرات التي جاءت بها النظريات الفلسفية المختلفة، سواء أكانت ذات النزعة المادية أم المثالية أم الأحادية أم الثنائية. فمن وجهة نظر مادية صارمة، نفسر ردود أفعالنا على أنها استجابات لما تحدثه فينا الأشياء من حولنا بحكم طبيعتنا الفيزيولوجية والبيولوجية، أو أكثر من ذلك على أنها استجابات فيزيولوجية عصبية إزاء مثيرات خارجية. فما زالت وجهة النظر هذه تعتقد أن الأشياء تستمد معانيها من ردود أفعالنا كردود أفعال “كامنة فينا” حتى لكأنها “مبرمجة” أو “موصولة سلكيًا” فينا من الداخل.

هكذا تنتهي المقاربة المادية إلى ضرب من الخيال يُصوِّر لنا أدمغة البشر كما لو كانت ملقاة في وعاء، ويجري التلاعب بها من قبل بعض العلماء المعتوهين بوصفها شرطًا ماديًا كافيًا لتهيئة الأفكار بجميع أنواعها داخل الجمجمة. من هنا يمكن أن نُنتج أفكارًا مُقنعة حول عالم غير موجود تنشأ عن وضعيات معيَّنة للجانب الأيمن للدماغ، يكون رسم حدوده ضمن جغرافيا العقل وتقسيمها إلى ما هو داخلي وخارجي مهمة أساسية من أجل تكوين رؤية شاملة حول العقل، وهي مهمة اضطلعت بها المقاربة المادية.

ولكن في العالم المسحور، لا توجد المعاني في العقل على هذا النحو، وبالتأكيد ليس في العقل البشري. وهذا ما يمكن معاينته في مستويات مختلفة لا في حياة عامة الناس فقط، ولكن أيضًا وبنسبة كبيرة في أوساط النخب منذ 500 سنة خلت. فقد عاش الناس في عالم مسكون بالأرواح، منها الطيِّب ومنها الخبيث. وطبعًا من بين تلك الأرواح الخبيثة الشيطان، ولكن خلف الشيطان عالم كامل من الشياطين التي تتهددنا من كل حدب وصوب، ولا يتعلق الأمر هنا فقط بالشياطين والأرواح التي تسكن الغابات والبراري، ولكن أيضًا تلك التي يمكن أن تهددنا باستمرار في حياتنا اليومية.

أما الأرواح الطيبة فهي عديدة أيضًا ولا تشمل الله فقط، ولكن أيضًا قدِّيسيه الذين نتردد على زيارة مقاماتهم من حين لآخر للصلاة والدعاء تيمنًا وتبركًا أملًا في الشفاء أو لشكر السماء على ما أسبغته علينا من النعم، أو كأن نتضرَّع إلى لله بالدعاء من أجل أن ننجو من خطر داهم، كما هو الحال عندما نكون في عرض البحر على سبيل المثال.

وقد لا تكون هذه الكائنات الخارقة غريبة جدًا بالنسبة إلينا مع أن ذلك يُناهض المقوم الثاني من مقومات النظرة الحديثة الذي ذكرته أعلاه، ومفاده (وهو الاعتقاد الذي نميل إليه عادة) أن الكائنات العاقلة الوحيدة في الكوسموس هي البشر، ولكن مع ذلك تبدو لنا الكائنات الخارقة كما لو كانت لها عقولًا مثلنا ضمن بعض الوجوه، وهي تحمل في عقولها معاني تأخذ شكل نوايا حسنة أو سيئة.

على هذا النحو تتلاشى السمات الغريبة عن عالم السحر، وتقوم الكائنات الخارقة التي أَشرنا إليها بدور القديسين في فعل الخير، مع أن السلطة تتجسَّد دائمًا في ما هو مادي([2]). فتتمثل قدرة القديسين في آثارهم أو في أجزاء من أجسادهم (زعمًا) أو في أشياء يتعلقون بها كقطعة الصليب (المرتبطة بالمسيح) أو قطعة القماش التي كانت القديسة فيرونيكا تجفف بها العرق عن وجهها، لذلك عرضت هذه القطعة في معابد ومتاحف روما. وبالإضافة إلى هذه العناصر نجد العديد من القطع الأخرى التي حملت أبعادًا روحية عميقة مثل الشموع التي كان لها الفضل في تطهير مريم العذراء وإلى غير ذلك. وتحمل هذه العناصر المادية أبعادًا روحية جعلت الناس يعتنون بها ويعتقدون أن أيّ ضرر قد يصيبها يؤذيهم.

يظل الفرق بين ما هو شخصي وما هو غير شخصي في عالم السحر غير واضح، ويتأكد ذلك عندما نتفحَّص تصرفات الإنسان وما يقوم به، حيث تجبر الرذيلة المرء على اقتراف الآثام كالسرقة فيصبح بموجب ذلك غير قادر على التحكم في نفسه، في حين تحثه الفضيلة والنية الطيبة على البرّ. فحقًا أصبح جليًا هنا أن هناك مجموعات من القوى تعمل بلا هوادة على إيقاعنا في المعاصي وعلى رأسها الشيطان وقوى شيطانية من درجة ثانية على غرار الأرواح التي تسكن الغابات والتي لا نستطيع تحديد مواقعها على وجه الدقّة، وتنتهي بجرعات سحرية تخلّف المرض أو الوفاة في بعض الأحيان. وهذا يُفسِّر مسألة مهمّة أُريد أن أُسلط عليها الضوء هنا، وقد أعود إليها بشكل مختصر، وتتمثل في أن العالم المسحور، على النقيض من عالمنا الذي تسكنه الذوات العازلة و”العقول”، يبدي غيابًا محيرًا لحدود معينة تبدو ضرورية بالنسبة إلينا.

ففي عالم ما قبل الحداثة ليست المعاني موجودة في العقول فقط ولكنها يمكن أن تتواجد أيضًا في الأشياء أو في كائنات خارقة، ولكنها تظل رغم ذلك تنتمي للكوسموس. ويبرز هذا التباين بين العالم المسحور وعالمنا اليوم في بعدين بحسب ما تمتلك هذه الأشياء وهذه الكائنات من قدرات.

يتمثل الأول في القدرة على فرض معنى معينًا علينا. وهذا ما يحدث الآن على نحو متكرر يكاد يكون يوميًا، معنى هذا أن ردود أفعال البشر تتأثر كرهًا بما يحدث في عالمنا بحيث تزرع فينا المصائب شجنًا وحزنًا، في حين تزرع فينا الأحداث العظيمة غبطة وحبورًا. لكن الطريقة التي نُفسِّر بها تأثير تلك القدرة فينا في أيامنا هذه تختلف تمامًا عما كانت عليه زمن العالم المسحور.

وهكذا فإن الأشياء التي توجد في العالم غير الكائنات البشرية، والتي لا تُعبِّر عن الكائنات البشرية، هي، بالنسبة إلينا، “خارج” العقل. ويبدو أنها لا تستطيع أن تؤثر على العقل فعليًا وبأسلوبها الخاص إلا بطريقتين: (1) إذا ما أخذنا بعين الاعتبار هذه الأشياء قد تتغيَّر نظرتنا إلى العالم، أو أنها ستؤثر فينا بطريقة غير متوقعة. (2) ويفترض وجودنا المادي كأجساد ممتدة في العالم تبادل التأثير على نحو دائم مع هذه الأشياء الخارجية فضلًا عن أن حالتنا الذهنية تتحدَّد سببيًا كانعكاس لحالتنا الجسدية على أنحاء شتى (ونحن ندرك ذلك من دون أن نحتاج لأي نظرية تحدد لنا ماذا تعني الأسباب التي تقف وراء ذلك على وجه الدقة) وتتأثر قوتنا وأمزجتنا ودوافعنا بما يحدث من حولنا باستمرار.

ولكن في الأحوال كافة، كل ما ينشأ في داخلنا من ردود أفعال أو ما تحمله الأشياء من معانٍ إنما يصدر عن طبيعتنا ككائنات حيَّة يتبادل فيها العقلي والجسدي التأثير. وذلك خلافًا لما كان عليه الحال في العالم المسحور، حيث المعاني توجد في الموضوع/الفاعل، وهي مستقلة تمامًا عنّا. وهي موجودة فيه حتى قبل أن نوجد. وهذا يعني أن الموضوع/الفاعل يمكن أن يبلغنا هذا المعنى، ويمكن أن يفرضه علينا، وبطريقة ثالثة من خلال حملنا على القبول بتلك المعاني ضمن مجال نفوذه. ويمكن بهذه الطريقة فرض حتى المعاني الغريبة جدًا علينا، وهي عادة معانٍ لا تنسجم مع طبيعتنا، ولكنها في حالات معينة إيجابية يمكن أن تعزز قدرتنا الذاتية على ردود فعل جيدة.

بعبارة أخرى، فإن العالم لا يؤثر فينا فقط من خلال بعض الحالات التي تتعلق بشؤوننا بحيث تكون ردود أفعالنا إزاءها إما عبر شيء ما خارج ذواتنا، أو عبر ما يستقر فينا بحكم تركيبتنا الكيمائية-العضوية من مثيرات وما يترتب عنها من إحساس بالنشوة أو الاكتئاب. وفي كل هذه الحالات، يمكن القول بأنه لا معنى للأشياء إلا بقدر تأثير العالم على العقل أو الجسد، ونعني بذلك الذاتية. ولكن في العالم المسحور، المعنى موجود بالفعل خارج ذواتنا وهو سابق عن أيّ علاقة بالأشياء. يمكن أن يستغرقنا أكثر كما يمكن أن نقع في مجال قوته، إنه يأتينا من الخارج.

هذا يبدو غريبًا من ناحية. ولكن من ناحية أخرى ثمة مماثلة من شأنها أن تساعدنا اليوم على فهم ذلك على نحو معقول جدًا وبشكل واضح، علينا فقط أن نفكر في ما يحدث بين البشر، كالقول مزاجي مريع أو إني أتجول في محيط منزل يغمره الغضب واليأس على نحو تام، أو أيضًا كأن تستيقظ في الصباح كلك حيوية وتفاؤلًا، ولكن شيئًا فشيئًا مع تقدّم الوقت تكتشف أن حيويتك بدأت تنضب حتى تجد نفسك منقادًا إلى هاوية اليأس التي تردَّيت فيها (قد أكون سعيد الحظ حيث يمكن أن تنقذني من هاوية اليأس التي تردَّيت فيها). معنى ذلك أنه إذا صادف أن كان مزاجك على هذا النحو، فاعلم أن سببه خارج عن ذاتك.

لكن بطبيعة الحال، ثمة سبب ذاتي يقف وراء مزاجي السيئ. ولكني مسؤول فقط عن الظهور في ذلك المزاج السيئ في ذلك اليوم بالذات، ولا أتحمل أيّ مسؤولية عمَّا قد يسببه لك. ومع ذلك، فقد نجد أيضًا حالات يكون فيها التغيير الخارجي أكثر جوهرية. فقد أتعلم أن منح الحب نوع من الانفتاح، وهو ما كنت عاجزًا عنه تمامًا من قبل، بل قد أكون أنكرت ذلك تمامًا أو لم يكن ليخطر ببالي البتة. ولكن أيضًا، وبشكل أساسي، قد نهتدي سويًا إلى نوع من الحب يتضمن في جوهره معاني التبادل والتواصل وهو ما لا يمكن أن يهتدي إليه أيّ منا بصفة منفردة. فالحب بهذا المعنى بمثابة هدية متبادلة. فإذن بدل أن نقول بأن الحب موجود في كلينا، يجب أن نقول بأنه الحب بمثابة شيء ما يحدث في مساحة تمتد بيننا.

لكن لا يتعلّق الأمر هنا بالعالم المسحور بطبيعة الحال، على اعتبار أن هذه الأمور تجري في عالم الإنسان حيث لا مجال إلا للفعاليات والقدرات البشرية. وإذا ما حاولنا فهم نزع السحر في سياق وجهة نظر ذرية للذات الإنسانية حيث لا توجد الأفكار إلا في عقول الأفراد، عندها فقط قد نلتقي بالعالم المسحور. وهذا هو الموقف الأكثر شيوعًا للأسف. لا يخلو هذا التحوُّل نحو مقاربة تركز جهودها على العقل من ريبة وحساسية إزاء النظريات الذرية ينبغي على الفلسفة أن تضطلع بمهمة تخطيها. لكن مرة أخرى، أحاول أن أتعامل مع الإطار الشامل لمختلف أشكال الفهم والتجريد التي أبدعتها النظريات الفلسفية التي عبرت عن ذلك صراحة.

هذه الأحداث الإنسانية العادية لا تمكننا من النفاذ إلى السر الكامن في العالم المسحور، لكنها تمنح لنا فرصة المقارنة مما قد يساعدنا على فهم ذلك. ويسمح فهم ما قبل الحداثة لهذه السلطة البين-إنسانية على إضفاء معانٍ على الأشياء تُفرض على الجميع (خارجيًا، وفي علاقة بالفردانية) لتمتد خارج المجال الإنساني، أو على الأقل شيئًا مشابهًا لهذه السلطة.

عليه، يمكن لنا أن نفسِّر ولو جزئيًا فكرة أن المعنى موجود في الأشياء من خلال هذه القدرة على إنشاء المعنى خارج ذواتنا أو فرضه علينا، ناهيك عن أن المعنى في العالم المسحور الكامن في الأشياء يشمل أيضًا قوة أخرى. ويمكن لهذه الأشياء “الخارقة” أن تؤثر ليس فقط فينا، ولكن أيضًا في أشياء أخرى في العالم، إذ يمكن أن تؤثر في صحة الناس وتنقذ السفن من الغرق وتضع حدًا للبرد والبرق وما إلى ذلك. إن لها ما نسميه عادة قدرات “سحرية”. أما الأشياء المباركة، فنذكر على سبيل المثال، القطع الأثرية التي تخلد القديسين وخبز القربان المقدَّس والشموع، وكلها تُعبِّر عن تجليات القدرة الإلهية، ولما كانت كذلك فإن في مقدورها أن تفعل أمورًا عديدة لصالح الناس، مثل شفاء الأمراض ومجابهة الكوارث. في حين أن قوى الشر، في المقابل، تنشر الأوبئة والأمراض في كل مكان وتعبث بمواشينا وتعيث في محاصيلنا الزراعية فسادًا، وما شابه ذلك بما تضمره من نزعة انتقامية.

بالعودة مرة أخرى إلى التباين بين عالم السحر وعالمنا، يمكننا أن نقول إن للأشياء الخارقة في العالم المسحور سلطة سببية تتطابق مع معناها المتوافق مع طبيعتها. وفي الحقيقة، لا تخلو نظرية المتطابقات في طور متقدم من عصر النهضة، والتي تبدو نخبوية أكثر قياسًا للمواقف العامية، من ترسبات هذا المنطق الممزوج بالسحر حيث تتضمن تبريرات سببية بتوسط المعنى. فأنّى للزئبق مثلًا أن يعالج الأمراض التناسلية؟ لأنه يُتبادل في الأسواق، وهرمس (Hermes) هو إله الأسواق (إله التجارة). هذه الطريقة في التفكير مختلفة تمامًا عن وجهة نظرنا ما بعد غاليلية التي تقوم على تبرير عقلي خلو من كل ترسبات التبرير السحري. وعليه إذا كانت الأفكار والمعاني لا تكون إلا في العقول، فلا يمكن أن تكون البتة في موضوعات “خارقة”، والعلاقات السببية بين الأشياء لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال ناشئة عن معانيها التي لا تعدو أن تكون سوى إسقاطات صادرة عن عقولنا. بعبارة أخرى، يظل العالم المادي الذي يوجد خارج العقل خاضعًا إلى قوانين سببية في استقلال تام عن تمثلاتنا الأخلاقية للأشياء.

هكذا فإن الأشياء الخارقة في العالم المسحور، يمكن أن تفرض التمثلات، وتؤدي إلى نتائج مادية تتناسب مع معانيها. واسمحوا لي أن ندعوهما تواليًا نفوذ المعنى وسلطة السببية.

أريد الآن أن أُبيّن أن كيف أن بعض الحدود المألوفة والحاسمة في الآن ذاته بالنسبة إلينا ربما تكون قد اندثرت من عالمنا هذا. لقد تحدثت إلى حد الآن عن الخط الفاصل بين المواضيع والأشياء من بين هذه الكائنات الخارقة. بعمق أكثر، يبدو الحد الواضح بين العقل والعالم كما عيّناه، أكثر اكفهرارًا مما كان عليه في الفهم السابق.

ينتج هذا عن فعل تأثير الأشياء فينا، ذلك أن التمثلات لا تصدر حصرًا عن العقل بل إنها يمكن أن تقع تحت تأثير السحر والولوج إلى منطقة نفوذ التمثل الخارجي، ثم نفكر في هذا التمثل كما لو كان يشملنا أو ربما يخترقنا. إننا نقيم في منطقة، إن جاز لنا التعبير، تحت نفوذ ذلك التمثل. لم يعد ممكنًا أن نعتبر بكل بساطة أن التمثل صادر عن ذواتنا حصرًا، ولكن أيضًا لا يمكن أن يكون وافدًا علينا من الخارج حصرًا. بل يوجد في منطقة تمتد بينا وبين الأشياء حدها واضح. بيد أن هذا الحد رغم ذلك مسامي([3]).

وتتجلى المَسامية هذه على نحو واضح بداهة عند الخوف من أن تتملكنا الشياطين. وبالفعل، منذ خمسة قرون، فإن العديد من مظاهر المرض العقلي الأكثر إثارة التي نصنفها اليوم في فئة السلوك الذهاني على علاقة بذلك الضرب من التملك كما كانت في زمن العهد الجديد. فقد كانت هذه الحالة تُعالج عبر ضرب المريض ضربًا مبرحًا تكرارًا ومرارًا عسى أن يملّ الجن مقامه فيُكره على الرحيل.

لكن الغموض أشد من ذلك بكثير، ذلك أن الحد الفاصل بين حالات التأثير العادية وحالات التملك الكاملة ليس واضحًا تمامًا، حيث يبدو أن هناك مستويات من التملك، فالناس يتحدثون عن تملك عندما تُغيّب ملكاتنا أو قدراتنا الأكثر أهمية تمامًا كالوقوع في الهذيان. ولكن بمعنى ما أي تأثير سيئ من شأنه أن يؤدي إلى تغييب ملكاتنا الأكثر أهمية. في حين إذا كان التأثير حسنًا، عندها فقط على سبيل المثال، نشعر بأن النعمة قد وسعتنا بشكل كامل وأننا إنما نستمد قوة فعاليتنا (الفاعل/القوة) مما هو أفضل وأرقى فينا. فقد تتملكنا الشياطين، لكن سرعان ما يلج إلينا الله أو الروح القدس ويحفزنا من الداخل حتى نتخلص منها.

أيًا كان التأثير سيئًا أو حسنًا فإنه يلغي الحدود مهما تكن صريحة. كأن يقع المرء في الحب وما لذلك من تأثير سيّئ أو جيّد على حياته. ونحن نُقدِّر أن ذلك يتعلق بحدث “ذاتي”، وإن كان عرضة لضغوط خارجية بالشكلين اللذين ذكرتهما أعلاه، فلا مفر إذن من مثل تلك التأثيرات المؤكدة.

دعونا الآن نقول إننا نرى هذا الجانب من الحياة برمته تحت رعاية الإلهة أفروديت. وهذا يعني أن حياتنا إنما تكون على أحسن ما يرام وشرهة بفضل أفروديت. وهذا لا يعني فقط أن مهمتها التصدي للأخطار الخارجية كأي كائن بشري عُهد إليه حمايتنا، لأنه من هذه الناحية ستقتصر مهمتها على تهيئة الشروط الملائمة لوجودنا، وإنما يعني أيضًا أن من أعظم نعمها أن تجعل من دوافعنا الذاتية أكثر تألقًا وانتعاشًا. وبعبارة أخرى، لا تتحدد كينونتي في أقصى حالاتها فقط برغباتي الذاتية وإنما لأني مستفيد في وجودي من نعم الآلهة. فلا يمكن أن يتوفر هذا الشرط الأقصى في ذاتي فقط لأنه في هذه الحالة سيكون مدعاة للغموض وإنما في منطقة وسطى حيث أتلقى تلك النعم.

والآن لنفترض أن الأمر لا يتعلق بنظرية بقدر ما يتعلق بكيفية إحساسنا بالأشياء ومن ثم بكيفية معاينتها، فإن ما يوجد بداخلنا لم يعد مصدره ذواتنا فقط، بل أصبح يتأثر أيضًا بما يوجد خارجنا. وهذا معناه أن العواطف العميقة جدًا في حياة الإنسان توجد في فضاء متخارج مع ذواتنا، فضاء مسامي وحساس إزاء أيّ سلطة خارجية كسلطة شخص ما.

دعونا ننتقل إلى القطب المعاكس: الأرواح الخبيثة، التي لا همّ لها إلا إلحاق الأذى بنا. ويتعلق الأمر هنا تحديدًا بإمكانية تحويل هذا البعد إلى شيء مألوف: ثمة كائنات تتربص بنا شرًا، ويمكن أن تسفر عن ظروف تؤدي إلى الشر، وتبدو تلك الكائنات وكأنها عدوة للإنسان، وأن لها ما يكفي من الحيل الشريرة التي تتجاوز القدرات البشرية بكثير وذلك بالتوازي مع الحماية الخارجية التي توفرها أفروديت.

لكن مرة أخرى، تظل الروح الخبيثة غريبة ومثيرة للدهشة أكثر من أيّ قوى خارجية أخرى. أفليس الخبث أكثر اجتياحًا للنفس من الأرواح الخبيثة نفسها من حيث هو يستنزف قدرتنا على الصمود وعزمنا على البقاء على قيد الحياة ومن حيث هو يخترقنا ككائنات حية تتمتع بالإرادة، لها غاياتها ومقاصدها الخاصة في الوجود. وعليه فلا يمكن أن نعزو تأثيره ذاك فقط إلى عوامل “خارجية” محضة.

وبما أن الأمر يتعلق بضرب من التجربة وليس بنظرية، قد يستولي علينا شعور بالقابلية للاختراق أو ” المناعة” (وهذا المصطلح يُفترض أن يكون النقيض المناسب لـ”القابلية للاختراق”) عندما نكون إزاء إيثار أو خبث قوى ليست في متناول الإنسان توجد في الكوسموس أو حتى خارجه. وهذه القابلية للاختراق بهذا المعنى هي واحدة من السمات الرئيسة التي قُضي عليها مع نزع السحر. إن أيّ خطر نعزوه لتلك القوى، كذاك الذي نعزوه لساحرة مثلًا، يتناسب في هذا العالم بصفة عامة مع معنى ما للقابلية للاختراق وهو الذي يحدده هذا العزو، وذلك هو الذي يضمن مصداقيتها ويجعلها جديرة بالثقة. يوفر العالم المسحور إطارًا مناسبًا لتلك السمات التي نعزوها لتلك القوى التي تستمدّ معناها من تلك السمات فنعتقد فيها بشكل قطعي. وإن ما نعزوه لتلك القوى من خطر لشبيه بما نعزوه من نوايا عدوانية لشخص مسلح في أيّما بؤرة من بؤر التوتر التي يسود فيها الانفلات الأمني عبر العالم.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار القابلية للاختراق هذه أمام خبث تلك القوى، فسيجد الإنسان نفسه مضطرًا لإرضائها والتصالح معها، والعمل من أجل كسب ودَّها والاستفادة منها، أو على الأقل لتجنب عدواتها قدر المستطاع. وهذا يفترض مفاهيم تتعلق بداهة بما يتعيّن القيام به لإرضائها من قبيل مفاهيم الواجب والدين ومن ثم المعصية والعقاب التي تلعب دورًا كبيرًا في هذا العالم.

بطبيعة الحال، فإن علاقتنا بالآلهة والأرواح يمكن تمثلها قياسًا لعلاقات الصداقة أو العداوة بين البشر. ولكن هذا لا يكفي للتعرف بشكل كامل على مقومات رؤية عصر ما قبل الحداثة للعالم، كما أشرت إلى ذلك أعلاه، بل لعله يفتح أمامنا أبواب كونٍ ما زال غريبًا عنّا أكثر من كوننا هذا بكثير. إن القوى الكونية التي تتخطى حدود عالمنا وقادرة على أن تؤثر فيه، هي مخلوقات غير قابلة للتجسّد البتة. هناك مجموعات كاملة منها انحرفت تدريجيًا عن هذه القابلية للتجسّد حتى بتنا في حاجة إلى نموذج مغاير تمامًا. ومع ذلك ثمة حقائق كونية يمكن أن تدمج بعض المعاني، وبالتالي يمكن أن تؤثر فينا فتجعلنا نعيش هذه المعاني ضمن ظروف معينة.

الثابت لدينا الآن، أن لذلك كله نتائج مهمّة جدًا على الطريقة التي نعيش من خلالها تجربتنا برمتها. بيد أن هذا الاختلاف الحاسم يحتاج، في تقديري، إلى مزيد من التوضيح أكثر من ذلك بقليل.

دعونا نأخذ المثال المشهور عن التأثير الملازم للمادة غير الحية، حيث، كما هو الحال، بالنسبة للمتطابقات التي أشرت إليها أعلاه، فإنه وإن كان من الناحية النظرية يسترعي اهتمام النخبة أكثر من الاعتقاد الشائع، إلا أن المبدأ يظلّ هو نفسه على غرار السوداوية مثلًا: ليست الصفراوية السوداء هي سبب السوداوية، إنها تجسدها لا بل هي عينها السوداوية. ومرة أخرى تكون الحياة الوجدانية هنا هي المسامية طالما أنها ببساطة لا توجد في الفضاء الباطني والعقلي. تمتد قابليتنا للاختراق في مواجهة الشر، وهذه النزعة التدميرية الكامنة فينا إلى أكثر من مجرد أرواح خبيثة. إنها تشمل حتى الأشياء التي ليس لها إرادات، ولكنها لا تخلو مع ذلك من معاني الشر.

واعتبارًا للتباين بين العالم المسحور والعالم الحديث، إذا تاه عن شخص حديث السبب الذي يكمن وراء شعوره بالكآبة والسوداوية، وأجبناه بأن الأمر مجرد اضطراب كيميائي في جسمك، أو أنك كنت جائعًا، أو أن هناك خللًا في الهرمونات، أو أيّ شيء من هذا القبيل، فسيشعر بالارتياح فورًا. وسيقول إنه يمكن أن يتخلص من هذا الشعور لأنه ليس ثمة ما يبرره موضوعيًا في الواقع. لكن الأشياء لا تملك في الواقع هذا المعنى، إذ الأمر لا يتعدى مجرد الإحساس بها على هذا النحو وهو نتيجة ترابط سببي لا علاقة له مطلقًا بمعاني الأشياء. هذه الخطوة في اتجاه فكّ الارتباط تعتمد في عالمنا الحديث على التمييز بين العقل والجسد، وردّ الجسدي على جهة الاحتمال “فقط” إلى ما هو نفسي.

في حين أن إنسان قبل-حديث، في مقابل ذلك، لن يساعده في شيء أن يتعلم بأن تعكّر مزاجه سببه الصفراوية السوداء. لأنه لن يقدر على التخلص من اعتقاده الراسخ بأن الصفراوية السوداء هي عينها السوداوية. فهو يعلم تمامًا أنه في غمار الشيء الحقيقي.

هنا يكمن موطن التباين بين ذاتٍ حديثة تتحدَّد ذاتيًا – سميّتها ذاتًا “عازلة” – وبين ذاتٍ “مسامية” كما هو الحال في العالم المسحور قديمًا. فما حقيقة هذا التباين؟

إننا إزاء حالة وجودية مختلفة جدًا، والمثال الأخير عن السوداوية وأسبابها يوضح ذلك جيدًا. فبإمكان الذات العازلة الحديثة أن تفك الارتباط مع كل ما يقع خارج العقل وألا تنخرط فيه. فغاياتي القصوى هي تلك التي تنشأ في ذاتي، وأن معاني الأشياء الحاسمة تحددها ردود فعلي إزاءها. هذه الغايات والمعاني قد تكون عرضة للتلاعب بالطريقتين المذكورتين أعلاه، ولكن يمكن لهذا الأمر أن يتحقق من حيث المبدأ من خلال مكافحة التلاعب عبر تجنب التجارب المؤلمة أو المغرية وعدم إطلاق النار على مواد خطرة… إلخ.

لا يعني فهم ذات عازلة على هذا النحو أنها تتطلب بالضرورة اتخاذ موقف خاص بك، إنما هي تجعله بكل بساطة ممكنًا وهو ما لا يوفره، في مقابل ذلك مفهوم، الذات المسامية. إن أهم وأشد عواطف الذات المسامية تجد مصدرها خارج “العقل”. أو بالأحرى تظل فكرة وجود حد فاصل واضح يسمح لنا برسم معالم فضاء قاعدته ذاتية يمكّننا من فك الارتباط مع سواه، فكرة لا معنى لها.

بوصفي ذاتًا محدودة أستطيع أن أتبيّن ذلك الحد كمنطقة عازلة كما لو كانت الأشياء الخارجية لا تحتاج إلى “أن تؤثر في”، بلغة معاصرة. ذلك هو المعنى الذي أقصده هنا من وراء استخدامي لمصطلح “عازل”. فالذات يتعيّن عليها أن تعتبر نفسها منيعة، وأنها هي التي تضفي على الأشياء معانيها بوصفها صاحبة الشأن والسيادة عليها.

هاتان الصفتان، تواليًا، على علاقة بعاملين أساسين يقفان وراء هذا التباين الذي أود التأكيد عليه هنا. فالذات المتسامية عرضة لتأثير الأرواح والشياطين والقوى الكونية، مع ما ينضاف إلى ذلك من مخاوف قد تستولي علينا في ظروف معينة. في حين أن الذات العازلة محصنة ضد عالم يسوده هذا النوع من الرهبة، وهذا ما عكسته بشكل واضح بعض لوحات بوش Bosch.

من المؤكد أنه يمكن لنا أن نستعيض عنها بأشياء أخرى تشبهها بحيث يمكن أن ننظر إلى هذه اللوحات أيضًا كما لو كانت تمظهرات مشفرة لما يختلج في كوامننا أو أفكارنا ومشاعرنا المكبوتة. ولكن الأهم في كل ذلك هو أنه في إطار هذا التحوُّل الجذري والتام في فهمنا للذات وللعالم أصبحنا ننظر إلى هذه الأشياء على أنها حميمية (ذاتية)، ومن الطبيعي أن نتعامل معها بطريقة مختلفة تمامًا. وبالفعل، يتمثل جزء مهم من العلاج في جعل فك الارتباط أمرًا ممكنًا.

ولعل الدليل الأكثر وضوحًا وبداهة على هذا التحوَّل في عالمنا هو أن الكثير من الناس اليوم يحنون إلى صورة عالم الذات المسامية، حتى أن إيجاد حد فاصل وجداني سميك بيننا وبين الكوسموس يُعد خسارة بالنسبة إليهم ومن ثم يصبح هدفهم، ضمن بعض الوجوه، استعادة هذا الإحساس الذي خلناه ولّى. ولا غرابة عندئذ أن ترى كثيرًا من الناس يهرعون إلى أفلام الرعب الخيالية والمثيرة، عسى أن يعيشوا تجربة مشابهة تقذف في قلوبهم الرعب ولو خياليًا. وهكذا نكون بالقياس إلى عصر أجدادنا القرويين مجانين، فالناس يبدو أنهم لا يرهبون مما يكون في الواقع مرعب حقًا.

أما الذات العازلة فيمكن أن تطمح إلى فك الارتباط مع كل ما يتخطى الحد الفاصل بين عالمها وعالم الذات المسامية، وتنظيم حياتها الخاصة بكل استقلالية. ويجب ألا نكتفي بالاستمتاع بانعدام الخوف، ولكن يجب أن يُنظر إليه أيضًا على أنه فرصة لتمالك النفس أو للتوجيه الذاتي.

هكذا إذن يظل الحد الفاصل بين الفاعلين وتلك القوى غامضًا في العالم المسحور وكذلك الحد الفاصل بين العقل والعالم الذي يسهل اختراقه، وهو ما تشهد عليه كيفية تأثير الأشياء الخارقة فينا. لقد تحدثت فقط عن التأثير المعنوي لبعض الأشياء المادية مثل الصفراوية السوداء، ولكن لا يختلف الأمر في شيء في العلاقة بالأرواح. وتتجلى سهولة اختراق الحد الفاصل هنا في أشكال مختلفة من “التملك”، بدءًا من الاستيلاء التام على الشخص، كما في الحالات العادية، إلى أنواع مختلفة من السيطرة أو الانصهار الجزئي مع تلك الأرواح أو مع الله([4]). وهنا أيضًا، يبدو الحد الفاصل بين الذات والآخر غامضًا ويسهل اختراقه. ويجب أن ينظر إلى هذا الأمر باعتباره حقيقة تؤيدها التجربة وليس مجرد مسألة “نظرية” أو مجرد “اعتقاد”.

ثمة حدود أخرى واضحة اليوم كتلك التي تفصل بين قوانين العلوم الفيزيائية ومعاني الأشياء كما هي بالنسبة إلينا، لم تعد تُحترَم هي أيضًا. إن للأشياء الخارقة قوة السببية بفضل معانيها الجوهرية الكامنة فيها. والواقع أن غياب تلك الحدود يمكن أن يُؤخذ بعين الاعتبار بطريقة أكثر جذرية ذلك أني أعتمد تمييزًا، منظورًا إليه كتمييز حديث بامتياز، كجهاز تفسيري، بين قوة التأثير وقوة السببية. ويندرج هذا أيضًا ضمن سياق مناهض للعالم المسحور، لا لأنه لا يمكن اعتماد هذا التمييز في ذلك العالم بما هو كذلك، كما سنرى لاحقًا، ولكن لأنه لا يتوافق بالضرورة مع نوعين من الأحداث متمايزان حقًا، وذلك في تعارض تام مع مقتضيات التحليل. ومعنى هذا أن القوة التي تمنحك الشفاء هي ذاتها التي تجعلك أفضل حالًا أو شخصًا أكثر قدسية، وذلك في طرفة عين إن جاز لنا التعبير. وغالبًا ما يُنظر إلى هاتين الحالتين من العجز على أنهما غير متمايزتين([5]). ويدل هذا، على سبيل المثال، على أن الشفاء الذي ندركه عبر التبرك في مقامات القديسين والآثار أو من خلال التقرّب إلى الأشياء المقدَّسة وما إلى ذلك، ليس هو نفسه الذي نحصل عليه بواسطة الطب الحديث مهما يكن بينهما من تشابه. فقد كان الناس يصطحبون معهم حيثما ذهبوا قوارير مياه كانتربري Canterbury اعتقادًا منهم أنها مختلطة بدم الشهيد توماس بيكيت Thomas à Becket ومن ثم احتساء جرعات منها من حين لآخر من أجل العلاج من شيء ما، قد يبدو هذا للوهلة الأولى أشبه بالعثور على دواء نادر في صيدلية متخصصة في أيامنا هذه. وهنا علينا أن نسجل غياب الحدود الحديثة – إذ يُفترض أن يكون علاجًا للجسم وليس للعقل – وذلك فقط لأنه يتأثر بما قد يطرأ على الجسد من تغيرات وفق الطريقة الكنسيّة المبيّنة أعلاه. ولعل ذلك ناجم في الغالب عن اعتبار أنه لا انفصام البتة بين المرض والخطيئة، فإنما نكون مرضى لأن خطايانا استنزفت قوانا من الداخل. وفي حالات شبيهة يمكن القول إن الخطيئة لعبت الدور الذي نعزوه اليوم إلى فشل الجهاز المناعي([6]). وقد كان شائعًا بين الناس أن حالات مرضية معيّنة يمكن أن تُشفى بمجرد الحصول على صك غفران. ويفسر الارتباط الوثيق بين الخطيئة والمرض أيضًا قرارات مجلس لاتران Lateran والمجالس الكنسية الأخرى التي تحذر من اللجوء إلى الطب العادي بدلًا من العلاجات الروحية، وتمنع منعًا باتًا التردد على من تعتبرهم الأطباء الكفرة (وخاصة اليهود).

وبطبيعة الحال، يتعامل كثير من الناس، من الناحية العملية، مع العلاجات كما لو كان مبدأ الشفاء كامن فيها بغض النظر عن الحالة الروحية لمتلقيها. ولعل هذا ما يُبرِّر الشكاوى المتكررة من قبل رجال الدين والملاحظين المثقفين. وذلك ليس لأنهم يثقون في القدرة العلاجية للأدوية التي توفرها الصيدليات كما هو الشأن بالنسبة للذوات العازلة الحديثة، بل لأنهم يأملون أن يحصل تغيير روحي وجسدي في الآن ذاته بفضل شرب الماء أو وضع أيديهم في وعاء الذخائر المقدسة من دون الحاجة إلى تدخل روحي جدّي من جانبهم. وبطريقة مماثلة تمامًا، يجهل كثير من الناس كيف ينالون رضا الله ومغفرته وكيف يتطهرون من ذنوبهم بعد الاعتراف بها بواسطة الكفارات ومن ثم التوبة قبل الشروع في الحج أو غيرها من الأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله، فيغفر لهم ذنوبهم ويعفو عن سيئاتهم. إنهم يتعاملون مع تلك الأعمال كما لو كانت كافية في حد ذاتها لنيل رضا الله ومغفرته. وكانت تلك هي الفضيحة التي قَضَّت مضجع لوثر وآخرين كثرٌ قبله فسارعوا بالاعتراض عليها.

ولكن مثلما كان هناك أشخاص يُعبِّرون عن وعي مسبق بأهمية الأساليب المعتمدة في العناية بالصحة والمواد المعدّة للعلاج في أيامنا هذه من خلال تعاملهم الفج مع الموضوعات والأفعال المقدَّسة أو لا مبالاتهم إزاءها، ما زالت هناك بعض رواسب الشعوذة التي تربط المرض بالخطيئة، كأن نعزو وباء الإيدز أو مرض السرطان إلى نمط العيش السيئ (وقد اعترض سوزان سونتاغ Susan Sontag بشدَّة على هذا). وبمعنى ما، كأننا نستعيد بعد المواقف القديمة لأنه بمجرد تبنيها بجدية سنجد أنفسنا في السياق المعاكس تمامًا، وبصورة أساسية للهوية الحديثة، لأننا عندئذ إنما نتبنى معتقدات تبدو غريبة بالنسبة لغالبية الناس.

في العالم المسحور، منذ ما يزيد عن 500 سنة خلت، لم يكن هناك حد فاصل واضح بين ما هو جسدي وما هو روحي بيد أن ذلك ليس سوى وجه آخر لحقيقة أساسية مفادها أن الحدود التي سُيّج بها العقل مهيّأة بطريقة تجعلها مسامية. فمختلف الأشياء والفعاليات التي تبدو بداهة كما لو كانت فوق بشرية لا تساهم في تغيير أو تشكيل حالتنا الروحية والعاطفية أو حالتنا الجسدية فقط (وبالتالي فهي تقوم بتعديل حالتنا الروحية والعاطفية) ولكن الاثنين معًا. إن هذه الفعاليات لا تعمل ببساطة خارج “العقل”، وإنما تُساعد على تشكيلنا عاطفيًا وروحيًا.

ليست هذه الطريقة الوحيدة التي تمكننا من رسم تلك الحدود التي تفصل بين ما هو مادي وما هو روحي اليوم رغم أنه لم يقع الاعتراف بها بعد. إن وضع العالم غير الإنساني خارج العقل ينبع من إدراكنا له كمجال يتجلى فيه القانون الطبيعي في انتظامه، وهو المجال الذي تهيمن عليه النظريات ما بعد النيوتونية الحديثة. أما الآن، وحتى لو التزمنا نظريًا بمعالجة عالم الإنسان وفقًا للمنهج “العلمي” نفسه السائد في تلك النظريات، فلن نستطيع عمليًا فهم تفاعلنا مع الآخرين. وفي الواقع، يمكن أن نتبيّن اختلافًا كبيرًا في حقل الفعل الإنساني، ناجم إما عن جهد استثنائي للإرادة، أو عن جاذبية الكاريزما أو عن حكم غير قابل للاختزال في أيّ قواعد أو صيغ معينة. ولأجل ذلك كثيرًا ما نرى نتائجه كما لو كانت ناشئة عن فعل ناجع بشكل استثنائي (أو غير ناجع) من دون أن يكون قادرًا على تعيينها بلا استثناء كما لو كانت حالات خاصة من حزمة واحدة من القوانين.

كانت تحديدًا تلك هي الطريقة التي تصوَّر من خلالها أسلافنا الأحداث الطبيعية التي تؤثر في عالمهم، سواء تلك التي تتعلق بالعلاجات أو بفشلها، وبالحصاد الوفير أو بالمجاعة وبالأوبئة أو بالعواصف وبالإنقاذ من الغرق في عرض البحر أو بالإخفاق في ذلك. وليست هذه عيّنات من القوانين المنتظمة وإنما هي أفعال تصدر أحيانًا عن فعاليات خبيثة، وأحيانًا عن قدّيسين، وأحيانًا عن الله. وهي تلتقي بهذا المعنى مع ما يُعرف اصطلاحًا بـ”قضاء الله وقدره”.

لقد استمر الأمر على ذلك الحال حتى عصر النهضة. ويشير باوسما Bouwsma  إلى أن كالفن Calvin كان يعتبر العواصف والفيضانات بمثابة نِعَمٍ خصَّتنا بها العناية الإلهية، أي أفعال إلهية([7]).  أما انتظام القانون الطبيعي، فشأن يتعلق بالمستقبل. وتلك سمة من سمات العالم منزوع السحر.

كيف اقترن كل ذلك بظروف الإيمان؟ يمكن وصف ذلك بطريقتين تُعبِّر كل منهما عن وجه من وجوه التباين الذي تحدثنا عنه أعلاه بين الذات العازلة والذات المسامية.

أولًا، من الصعب جدًا عدم الإيمان بالعالم المسحور، بل لم يكن ذلك متاحًا بشكل كبير لأنه لم يكن ممكنًا إنكار وجود الأرواح بما في ذلك الله منظورًا إليه بوصفه روحًا هو أيضًا. لكن الأهم من ذلك أن الله يحضر في هذا العالم باعتباره الروح المهيمنة وأكثر من ذلك الضامن الوحيد لانتصار الخير في عالم تسكنه قوى خبيثة تحبس الأنفاس وتثير الرعب. وهذا يعني بداهة أن علاقاتنا بالله ومشاعرنا تجاهه يمكن أن يشوبها الغموض وذلك دأبها دائمًا. ولكن ذلك يعني أيضًا أن رفض وجود الله لا يضمن التحصن الآمن ضمن عالم الذات العازلة، بل قد نُورِّط أنفسنا مجازفة في عالم من القوى الخارقة من دون إله يحمينا. وليس لنا من بدّ عمليًا سوى اللجوء إلى الشيطان عدو الله اللدود بوصفه الأوفر حظًا لتأمين تلك الحماية. ولكن من الصعب الجزم في هذا الشأن باعتبار أن جميع التهم لا أساس لها، فربما نفر قليل كانت لديهم الشجاعة الكافية في العصور الوسطى لاختيار هذا البديل لأنه ليس ثمة ما يُؤكد بشكل قطعي أن أحدًا استطاع أن يجذب إليه عددًا كبيرًا من الناس حول بديل كهذا.

وبصفة عامة ليس خيارًا اتخاذ سبيل غير سبيل الله في العالم المسحور لأن الخروج عن ذلك السبيل هو وجه من وجوه التحوُّل من الذات المسامية إلى الذات العازلة، فهو يُزيل عقبة هائلة أمام عدم الإيمان. بيد أن هذا، كما قلت أعلاه، لم يكن كافيًا لأنه كان علينا أن ننتظر ما يمكن أن توفّره لنا النزعة الإنسانية الحصرية من بديل إيجابي. وهنا تكمن أهمية هذا التحوُّل، ذلك أن فكّ الارتباط مع الكوسموس ومع الله هو الذي جعل من النزعة الإنسانية الحصرية إمكانية واردة.

إنها إمكانية واردة فقط ولم تصبح واقعًا بعد. ومن أجل أن نتبيّن حقيقة هذا التحوُّل علينا معاينة المسار الفعلي الذي قطعه نزع السحر عن كثب، وكيف استطاع هذا التطوُّر متعدِّد الوجوه أن يرسم معالم العلمانية الغربية الحديثة، ويُحدد المصطلحات التي تُستخدم اليوم في التمييز بين الإيمان وعدمه.

4

  1. II. لقد تحدَّثت عن ذات الحداثة كذات عازلة وعن نمط أول لوجود ذات “مسامية”. لكن استخدام الموضوعية في هذا المضمار يمكن أن يضلل المعنى. يمكن للشخص عمليًا أن يعيش تجربة الذات العازلة في عالم الحداثة، ويكون على وعي تام بذاته كفرد. وبالفعل قد يقود هذا الفهم الى الفردانية وحتى الى النزعة الذرية، ويمكننا أن نتساءل أحيانًا عما إذا كان بإمكان تصوُّر على هذا النحو أن يكون مفتوحًا على المجتمع. إن الذات العازلة هي بالأساس ذات تعي أو هي على بينة من إمكانية فك الارتباط الذي كثيرًا ما يتم في علاقة بمحيطنا الطبيعي والاجتماعي بأسره.

لكن أن نعيش في العالم المسحور والمسامي الذي عاش فيه أجدادنا معناه أن نحيا حياة اجتماعية أصلًا، وذلك ليس فقط لأن القوى الروحية التي تستهدفني تنبعث ممن هم حولي كقدر ساقه لي عدو أو حماية وفَّرتها لي الشمعة المباركة في الكنيسة الأبرشية. وبقدر ما كان تأثير تلك القوى بوصفها مجتمعًا قائمًا بذاته، عميقًا في حياتنا، بقدر ما قاومناها بوصفنا مجتمعًا أيضًا.

لنأخذ بداية الحالة الأخيرة: جزء كبير من “السحر المفيد” تُزكّيه الكنيسة، ويجد هذا صداه في اعتبار الله الضامن الوحيد لانتصار الخير. من ذلك أن الكنيسة تدق أجراسها كلما طرأ أمر جلل، كما هو الحال عندما يبرق البرق وتهددنا الصواعق، وبصفة خاصة عندما يلتقي الجميع في موكب احتفالي بمناسبة تحصين “الحدود” الأبرشية في أيام الصعود، حيث نحمل معنا ما ندخر من قطع أثرية وخبز القربان المقدَّس ونطوف به حول الحدود، عسى أن نطرد الأرواح الخبيثة لموسم آخر. وأثناء ممارسة طَقْسٍ كهذا، في إنكلترا، نتلو الإنجيل: “في الحقل الشاسع بين الذرة والعشب، حين يتردَّد كلام الله في الآفاق تنحسر سلطة الأرواح الشريرة التي تظل معلقّة هناك في الفضاء فتأذي نفسها فلا يلحق أيّ ضرر بمحاصيل… وبذلك نؤمّن حاجاتنا ونقّوي أجسادنا”([8]) إن دفاعنا هنا كان جماعيًا ويُظهر قوَّة لن تتأتى لنا إلا جماعيًا، قوَّة تضاهي في بعض مستوياتها تلك التي للأبرشيين، بل إنها تتجاوز بكثير تلك التي للكنيسة في أقصى مداها.

ويترتب عن اجتماعنا وتعاضدنا ضرورة وضع أسس توافق واسع ومن ثم ليست “الهرطقة” وعدم الامتثال لسلطة هذا التوافق وإدانته كما لو كان ممارسة وثنية، مجرد مسألة شخصية. ففي تصديهم لهذه الطقوس المشتركة وعدم الاعتراف بها أصلًا وضع القرويون فعاليتها موضع خطر، وفي ذلك تهديد للجميع.

هذا ما نتعمَّد تناسيه دائمًا باستعلاء، كلما استحضرنا تعصّب العصور القديمة. فمنذ أمد بعيد كان الصالح العام متجذرًا بعمق في الطقوس الجماعية وفي الشعائر وفي البيعات، ومن ثم فإن شق الصف ليس إلا اختيارًا فرديًا بل حتى أدنى من ذلك، إساءة لتلك الطقوس أو محاولة لتدنيسها. وغالبًا ما كانت هناك رغبة مشتركة جامحة في رأب الصدع وإعادة المنشقين إلى الصف.

في تلك الأيام الخوالي لم تكن الجمعيات والأبرشيات فقط، ولكن كل المملكات، المتوحدة حول الله، مسؤولة عن رعاية شؤون “عقيدة” أتباعها. ذلك أن انحراف البعض يُعاقب عليه الجميع كأن يسلّط الله عذابه، أحيانًا، على قوم دفاعًا عن جلاله وعظمته بجريرة منحرفيهم. هذا ما كان يعتقد فيه لوثر([9]) Luther على سبيل المثال. وفي أواخر القرن السادس عشر دعا أحد المفكرين المستنيرين (ضمن بعض الوجوه، على أية حال) ويدعى جون بودن  Jean Bodinفي كتاباته إلى ضرورة قمع السحرة، حتى إنه كان يدعو إلى “الانتقام الشديد منهم حتى نوقف سخط الله”([10]).

ومن ثم فلا يخلو مجتمع من هراطقة أو غير مؤمنين وأن وجود مثل هؤلاء يفضي بالضرورة إلى الفوضى، وهذا واقع لا سبيل لإنكاره، فحتى عصر التنوير نفسه عرف هذه الظاهرة وإن بصورة معقلنة جزئيًا. إن القَسَمَ بالولاء بالنسبة للملحدين لاغٍ وباطل، إذ إن هؤلاء من حيث التعريف، لا يخشون قصاص الآخرة. ولقد كان لوك  Locke مقتنعًا بهذا، وكذلك حذا حذوه فولتير Voltaire.

هذا يعني أن العقيدة واجهت ضغطًا كبيرًا. مما تترتب عنه، إضافة إلى ما سبق، نتيجة أخرى أكثر أهمية، فيما يبدو، من جهة ما نحن بصدده هنا، وتخص الطريقة “الساذجة” التي يلجأ إليها الناس في ذلك العصر للتعرف على الله. وهو ما يقودنا إلى البعد الثاني الذي عرفناه أعلاه (2). فلما كان مثل هذا الإجراء الاجتماعي الحاسم يفترض نشر هذا النوع من السلطة “السحرية” أو الروحية في الآن نفسه، فإن ذلك معناه أن المجتمع نفسه يصبح، عندئذ، موطن تلك السلطة. فكيف يمكن للمرء أن يشعر بالامتلاء عند المشاركة في طقس جماعي كأن يطوف الناس حول حدود الأبرشية حاملين عصيًّا يضربون بها على حجر يؤشر على تلك الحدود، في الوقت الذي نشكك فيه بالقدرة الإلهية والأسرار المقدسة؟ إن ذلك أشبه ما يكون، اليوم، بمحاولة إصلاح مقبس كهربائي رغم ارتيابنا حول وجود الكهرباء.

وإذا كان هذا المثال يتعلق بمستوى الأبرشية، فإنه ينطبق أيضًا على مستويات أخرى سامية من المجتمع مثل الكنيسة الجامعة أو المملكة. فالمملكة، كما الكنيسة الجامعة، ولكن بطريقتها الخاصة، لا يمكنها أن توجد لولا سلطتها المقدسة و”الألوهية التي تحيط بالملك وترعاه” وقداسته، فضلًا عما يُعتقد أنها قدرات خارقة ومُعجزة خُصَّ بها الملك دون سواه.

 ثمة تخاصر بين الرابطة الاجتماعية والمقدَّس على صعيد هذه المستويات كافة، ولا يمكن تخيُّل الأمر على خلاف ذلك. إذ كيف يمكن لمجتمع يفتقد لمثل هذا الأساس أن يوجد في عالم مسحور؟ فإما أن يكون هذا المجتمع متجذرًا في المقدَّس الإلهي أو أن يقوم على الوجه الآخر المقدَّس للشر.

إن المجتمع كحقيقة أكيدة، لا يمكن إنكارها، يدّل على الله، ولا يتمثل الاستدلال فقط في القول بما أن لدي تطلعات أخلاقية وروحية، إذن فالله موجود، وإنما أيضًا في القول، بما أننا مرتبطين بالمجتمع، إذن فالله موجود. ولعله لأجل ذلك يكون الله أساس قيام المجتمع، وهو ما يفسر، على الأرجح بشكل هو الأمثل، استحالة تصور مجتمع لا يقوم على معتقدات دينية مشتركة([11]).

III. من المناسب الآن أن نحلل سمة أخرى أو بالأحرى مجموعة أخرى من السمات الأساسية التي طبعت عالم أجدادنا، بما ذلك أيضًا تلك التي اندثرت، حيث يُعتبر سرد التراجع عنها أمر محوري في فهم هذا التحوُّل. ويتعلق الأمر بسمة تتقاسمها المسيحية القروسطية مع العديد من الحضارات (ربما معظمها) التي هيمنت عليها ديانة “عليا”.

يمكن أن ندعو هذه السمة التوازن في التوتر بين نوعين من الأهداف. فمن جهة يُقرّ الإيمان المسيحي بالتسامي الذاتي وتوجيه الحياة نحو شيء ما يفوق الازدهار الإنساني العادي مثلما ناقشنا ذلك في مقطع سابق. ومن جهة أخرى فإن المؤسسات والممارسات التي سادت في مجتمع القرون الوسطى – وذاك دأب كل المجتمعات الإنسانية – كانت تميل، ولو جزئيًا على الأقل، إلى تشجيع بعض ضروب الازدهار الإنساني. إنه توتر، إذن، بين متطلب التحوَّل الكلي الذي يدعو إليه الإيمان ومقتضيات الحياة اليومية.

يتجلى هذا التوتر بطرق شتى لعل أكثرها ذيوعًا وشهرة تلك التي تتعلق باهتمامات التبتّل التي تبوَّأت في البداية مكانة مهمّة في الكنيسة الشرقية في القرون الأولى لانتشار المسيحية. فوراء الموجات الأولى من النساك والرهبان، تكمن فكرة الرجل الأعزب الذي نذر وجدانه لله خالصًا. إن الإنجاب هو ردة الفعل ضد السقوط وضد الفناء الذي أصبح سمة هذا العالم. وإن استمرار النوع الإنساني في زمن السقوط إنما يكون بالإنجاب. في حين أن تجنب زمن السقوط والعودة الى الأبدية الإلهية لا يكون إلا عبر التبتّل([12]).

ولا يبدو ممكنًا التغلب على هذا التوتر إلا بفرض الكنيسة العزوبية على الجميع، كما يفعل الشاكارس Shakers في عصرنا الراهن، أو عبر رفض كل اهتمامات التبتّل أصلًا كما أقدم على ذلك الإصلاحيون. وفي هذه الحالة الأخيرة بالذات اتخذ التوتر بين متطلبات الكمال ومقتضيات الحياة اليومية أشكالًا أخرى.

بيد أن الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية تسمحان بصفة عامة بالعزوبية وبالزواج على حد السواء. ومع مرور الزمن أصبح الفصل بينهما ضربًا من التكامل. حتى أنه داخل الكنيسة اللاتينية، يُصلّي رجال الدين العزاب (نظريًا) لفائدة غير المتدينين من المتزوجين، ويدعون لهم كما يسدون لهم خدمات كهنوتية مختلفة، وفي مقابل ذلك يحظى رجال الدين بتأييدهم ودعمهم. وعلى مستوى أعلى يُصلّي الرهبان للجميع. فمن الرهبان متسولون يبشرون، وآخرون يجمعون الصدقات ومنهم من يقدمون المساعدات الطبية في المستشفيات… ومن ثم تحوَّل التوتر بمرور الوقت إلى توازن قائم على التكامل بين المهام.

هذا لا يلغي، بطبيعة الحال، استمرار مصادر التوتر التي منها على سبيل المثال استمرار عدم التوافق بين مفاهيم الازدهار المعترف بها والمهيمنة وتعاليم الإنجيل. فأخلاقيات العفة ومقتضيات الفخر والمكانة الاجتماعية ترتبط بنموذج الازدهار، كما عبَّرت عنه الطوائف الدينية العليا. كما أن الحياة الحربية التي ميّزت النبلاء غير المتدينين هي أيضًا لها مقتضياتها التي يصعب أن تتوافق مع الإنجيل بالرغم من محاولات التأليف كما تجسدها صورة الراهب الصليبي.

وعلاوة على مصدر الخلاف هذا، تُضاف بعض المسائل حول دور الأسرار المقدَّسة والساكرامنتو في خلاص المؤمنين حتى تغدو في جوهرها بمثابة “سحر أبيض” يُعزِّز الازدهار الإنساني ويحميه من كل التهديدات. لقد كان السر المقدَّس المبارك حاضرًا دائمًا من موكب الاحتفال بحدود الأبرشية، فالأسرار المباركة شأنها شأن الشموع المباركة تُستخدم لطرد قوى الشر وللوقاية من الأمراض.

فإذا كان ذلك امتدادًا لما جاء في الإنجيل من حيث المبدأ، حيث يتمتع المسيح بقدرات مقدَّسة تتجلّى في معجزات عديدة كشفاء المرضى وبعث الناس إلى حياة الازدهار من جديد، فإلى أي مدى تُستخدم تلك القدرات المقدَّسة من أجل الخلاص؟ ألا يمكن أن تكون تلك القدرات المقدَّسة عُرضة للتدنيس باسم الازدهار؟ ماذا يحدث لو تمّ سحب السر المقدَّس إلى المنزل واستخدم لغاية ما؟ ماذا يحدث لو تحوَّلت القدرة المقدَّسة إلى سحر يأسر القلوب؟([13])

لقد ناهض أراسموس  Erasmusطبيعة التقوى الشعبية بسخرية لاذعة رغم اتساع دائرة الولع والشغف بها:

 

فمن الناس من يعبدون بعض القوى السماوية مع طقوس خاصة. وآخر يُحيي ذكرى كريستوفر  Christopherيوميًا، بمجرد أن يرى صورته، لأنه قد أقنع نفسه أنه في مثل هذه الأيام عليه أن يُؤمنّ حياته ضد موت فظيع. ويعبدُ آخر القديس روش  St Roch، ولكن لماذا؟ لأنه يعتقد بأنه يمنع الطاعون. ويغمغم آخرون في صلواتهم لباربرا  Barbara أو جورج George، خشية أن يقعوا في أيدي العدو. وهذا الرجل يتعهد بالصوم لأبولونيا Apollonia من أجل التخفيف من وجع الأسنان، وذاك يُحدِّق النظر في صورة القديس جوب St Job طمعًا في التخلص من الحكّة. البعض يتصدَّقون بجزء من أرباحهم للفقراء اتقاء كساد أعمالهم. والبعض الآخر يضيئون الشموع لجيروم Jerome حتى تنهض أعمالهم الكاسدة أصلًا.

لكن ذلك كله، بالنسبة لأراسموس، لا يختلف عن الوثنية في شيء([14]).

وبهذا المعنى، ومن دون أن نغض الطرف عن نقاط التوتر هذه، يمكننا اعتبار أن كاثوليكية العصور الوسطى قد اعتمدت على توازن تراتبي لعلاقات التكامل وهو ما اعتُبر، بالتأكيد، بمثابة المبدأ المنظّم للمجتمع ككل. فعلى سبيل المثال، تتضمن الصيغة الشهيرة: رجال الدين يُصلّون للجميع، والأمراء يدافعون عن الجميع، والفلاحون يحرثون للجميع، فكرة مفادها أن المجتمع يُنظم عبر وظائف تتكامل في ما بينها رغم أنها غير متساوية في القيمة. وبالمثل قد تكون اهتمامات التبتّل سامية وهو ما تشهد عليه قطعًا حياة الكهنة، ولكن ذلك لا يمنعهم من إحداث توازن في أنماط حياة أخرى متدنية حتى ينهض المجتمع ككل.

هذا معناه أن الإقرار، من حيث المبدأ، بوجود اهتمامات وتطلّعات سامية، فيه إقرار في مقابل ذلك بوجود اهتمامات وتطلعات دنيا أيضًا. وبذلك يتغلب التوازن على التوتر. وسنرى بعد قليل، أن ذلك لا يعكس حقيقة الحقبة المتأخرة من القرون الوسطى كاملة وإن كان جزءًا منها.

ومن تجليات هذا التوازن في التوتر أيضًا، ذاك الذي أصبح بديهيًا في الكرنفال والاحتفالات الشبيهة مثل الاحتفالات الفوضوية أو احتفالات الأساقفة الفتيان وما إلى ذلك. وهي فترات ينقلب فيها نظام الأشياء و”ينقلب العالم رأسًا على عقب”. فلفترة من الوقت، يتمتع الناس بفاصل زمني صريح، لقلب النظام المعتاد، فالأطفال الصغار يرتدون عمامة الأساقفة والحمقى يصيرون ملوكًا ليوم واحد، ويصبح ما كان جليلًا وموقرًا موضع تهكّم وسخرية، كما يمنح الناس لأنفسهم الحق في ممارسة أنواع مختلفة من الفجور وكل الممارسات العنيفة وما يقع تحت طائلتها، وليس فقط الفجور الجنسي.

وينخرط الناس في هذه الاحتفالات المثيرة لأنها تجعل من إحساسهم بإنسانيتهم أشد قوَّة مع ما يكتنف ذلك من غموض([15]). وهو غموض بالنسبة إلينا كحداثيين كبير، ذلك أن هذه الاحتفالات لا تعكس إرادة تغيير النظام القائم بالمعنى السياسي الحديث، حيث ينظر إلى النظام المناهض كبديل فعلي. والسخرية التي تتنزل في سياق اعتقاد متداول يرى بأن قدر علية القوم وصفتهم وذوي الكاريزما الكنسية وما إلى ذلك أن يحكموا، تفتقد، في نهاية المطاف، إلى جديّة([16]).

 لقد ناقشت ناتالي ديفيس مسألة أن تكون تلك الأعياد قد تطورت في الأصل في المناطق الحضرية في القرى. حيث يُعترف لفئة الشباب الذكور غير المتزوجين بالفجور والسماح لهم بالتهكم والتشويه المتعمد كما في الألحان والأغاني التهكمية الصاخبة، ولكن كما أشارت إلى ذلك، تعزز هذه السخرية قيمًا أخلاقية سائدة([17]).

ولكن على الرغم من القبول بالنظام القائم فإنّ تلك الطقوس الاحتفالية وما يتخللها من عروض ساخرة ومضحكة تعكس بوضوح وجود رغبة عميقة لقلب هذا النظام. فما الذي حدث؟ لا أدري ولكن بعض الأفكار توحي بأشياء كثيرة مثيرة للاهتمام، جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار.

ذلك ما يُفسِّر، في ذلك العصر، حاجة الناس إلى صمّام أمان، فوطأة الفضيلة والنظام الصارم أثقلت كاهلهم، فقد تراكم البخار وتلبَّد بكثافة في ظل القمع المتواصل للغريزة حتى يبدو من الضروري حدوث انفجارات دورية حتى لا ينفجر النظام برمته. وبطبيعة الحال لم يكن الناس في ذلك العصر يحملون أفكارًا واضحة عن التبخّر حتى استطاع رجل دين فرنسي أن يُعبِّر عن هذه الفكرة بوضوح بحسب مفاهيم التكنولوجيا الحديثة:

 

 لقد كنّا نقوم بما نقوم به على سبيل المزاح وبشكل غير جدي، كما في العُرف القديم، بحيث أن حماقة واحدة في السنة كامنة فينا يمكن أن تنفجر وتتبخر. أفلا تنفجر البراميل والقِرب المملوءة خمرًا إذا لم يتم تنفيسها من وقت لآخر؟ نحن أيضًا براميل قديمة…([18])

لقد كان الناس في تلك الأزمنة، بل وحتى قبل ذلك بكثير، يعتقدون بوجود ترابط بين تلك الأعياد وبين عيد الإله الروماني ساتورن Saturnals. لا يوجد على ما يبدو سند متين لإثبات هذا الترابط التاريخي، ولكن في المقابل ليس ثمة ما ينفي ذلك، وعليه فوجود مثل ذلك الترابط أمر وارد جدًا من حيث المبدأ. ويستند القول بهذا التوازي إلى نظريات حول عيد الإله ساتورن والأعياد الشبيهة به (على سبيل المثال في بلاد ما بين النهرين القديمة وأيضًا في نظريات نشأة الكون الأزتاكية الجديدة Aztec) والحدس المفترض الكامن وراء ذلك يُفيد بأن النظام منشدّ إلى فوضى أوليّة، هي في الوقت نفسه عدوّة له، وهي المصدر الأساسي لطاقته ولانتظامه أيضًا. إنه يأخذ منها طاقته في الفترات الأولى من تأسيسه إلاّ أنّ روتينيته تكبت قوته وتستنزفها. وهكذا فإنه لا يمكن للنظام أن يستمر في البقاء إلّا من خلال إعادة تجديده دوريًا إلى الدرجة التي تكون فيها قوى الفوضى في حدّ ذاتها قد تحرّرت لتساعد مجدّدًا في تأسيس النظام، كما لو أنّ جهد المحافظة على النظام ضد الفوضى، لا يمكنه إلا أن يتراجع في النهاية ويتقلص من دون أن يتراجع تمامًا إلى طاقة الفوضى الأولى حتى ينشأ بقوة متجدّدة. ليس لنا إلا أن نصف هذه العملية بهذه المصطلحات حتى وإن تعذر علينا استيعابها تمامًا بشكل واضح.

بإمكاننا، بطبيعة الحال، أن نستحضر الطريقة التي ناقش بها باختين Bakhtin الأصل الطوباوي للضحك. فالضحك يمحو كل الحواجز: إنه وسيط بين الإنسان والأشياء وبين الإنسان والإنسان، والكرنفال يحتفل بكل ذلك. إننا إزاء عودة جسدية للمسيح خطط لها([19]).

إلا أن فكتور تورنر Victor Turner يقترح رؤية أخرى تفترض أنه إذا كان من المهم أن ينقلب النظام الذي نسخر منه فإن ذلك ليس نهاية المطاف. فنهاية المطاف هي قلب المجتمع الذي يُكرِّس ذلك النظام وإحلال مجتمع قوامه المساواة أساسًا بحيث يضم الجميع. ولكن رغم ذلك لا مفرّ لنا من النظام لذلك نجدده دوريًا ثم نكرّسه من جديد، ونعود به إلى معناه الأصلي عن طريق تعليقه مؤقتًا باسم المجتمع بوصفه، أولًا وأخيرًا، مكونًا من أفراد متساوين ينضوون تحته([20]).

 لقد أتيت على ذكر جميع هذه النظريات لأنها، بقطع النظر عن أفضلية كل واحده منها، تميط اللثام عن سمات على غاية في الأهمية ميَّزت العالم الذي شهد هذه الاحتفالات. فلقد طوَّر هذا العالم معنى للتكامل والضرورة المتبادلة بين الأضداد أي بين الوضعيات غير المتسقة على نحو متبادل، تلك التي لا يمكن أن تتعايش في الزمن ذاته. وبطبيعة الحال نحن جميعًا نقوم بالتجربة بطريقة ما: فنحن نعمل طوال (س) من الساعات ونرتاح طوال (ش) ساعات ثم ننام مدّة (ص) من الساعات. إن ما يختلف عن الوعي الحديث هو أنّ التكامل حاضر ضمنيًا في الكرنفال على المستوى الأخلاقي والروحي. فما يعنينا ليس فقط حالة من عدم التكامل في الزمن كأن نكون نائمين ونشاهد التلفاز في الآن ذاته. وإنما بالأحرى حالة من التكامل مع أشياء منظمة ومتمنعة عن المشروع وغير المشروع، وعن النظام والفوضى. فكل هذه العناصر المذكورة أعلاه تشترك في التالي: إنها تفترض عالمًا، وربما وبشكل ضمني كوسموسًا يحتاج فيه النظام ضرورة إلى الفوضى ويعطي مكانًا للمبادئ المتناقضة.

 إن مناقشة فيكتور تورنر على غاية من الأهمية، لأنها تحاول أن تنزّل ظاهرة الكرنفال ضمن منظور أوسع. ويتعلق الأمر هنا بأحد مظاهر انقلاب العلاقة في عدد هائل من مجتمعات ما قبل الحداثة. وإذا ما أخذنا هذه العلاقة في صورها الأكثر عمومية، يمكن صياغتها كما يلي: كل بنية في حاجة إلى بنية مضادة. ويعني تورنر بكلمة “بنية”، مستفيدًا في ذلك من عبارة مارتون، “الترتيبات التي تنظم مجموع الأدوار ومجموع الوضعيات والحالات المترتبة عنها، المعترف بها عن وعي، والفاعلة في مجتمع معيّن بصفة منتظمة”([21]). بمقدورنا ربما أن نقتبس هذه العبارة ونُعيد صياغتها في شكل حديث عن مدونة قواعد سلوك للمجتمع تتحدَّد من خلالها الأدوار والوضعيات المختلفة إضافة إلى حقوق الأفراد وواجباتهم، ومَواطن قوتهم وضعفهم.

يعتقد تورنر أنه في العديد من المجتمعات، رغم أن تلك المدونة أُخذت على محمل الجد وتعززت وفُرضت أحيانًا بقسوة، توجد مناسبات أو وضعيات يُعلَّق فيها العمل أو تُحيّد أو حتى تُنتهك، وفي هذا الصدد تعتبر الكرنفالات والاحتفالات الفوضوية في أوروبا في القرون الوسطى خير دليل على ذلك. لكن هده “الطقوس الخارجة عن النظام” كانت واسعة الانتشار وفي أنحاء مختلفة من العالم، من ذلك مثلًا، الطقوس المصاحبة لمراسم تنصيب الملك في المجتمعات الإفريقية، إذ يتعيّن على المترشح أن يخضع لاختبار المحنة حيث يُهان ويُشتم ويُضرب ويُركل أيضًا ويُحلق شعره من قبل رعاياه([22]).

هذا النوع من الانقلاب في الأوضاع، يقترب من عديد الحالات التي يُسمح فيها لأناس صنّفوا وفقًا لمرجع قانوني سياسي سائد، على أنهم ضعفاء أو في وضع اجتماعي متدنٍ، أن يمارسوا نوعًا آخر من السلطة في مجال ثانوي. ويستحضر تورنر وضع عدد من المجتمعات الأفريقية، التي يكون فيها السكان الأصليون خاضعين لنظام عسكري من قبل الغزاة حيث “يحتل الغزاة الوظائف السياسية العليا، مثل الملوكية وحكم المقاطعات والمناصب المتقدمة في الإدارة. ومن ناحية أخرى يتعيّن على السكان الأصليين الاعتراف عن طريق زعمائهم بسلطة خفية تتحكم في خصوبة الأرض وفي كل ما تنبته. ويمتع السكان الأصليون بالسلطة الدينية، “سلطة الضعيف” في مقابل السلطة القانونية-السياسية، سلطة القوي. ويمثلون الأرض التي لا تقبل التجزئة، في مقابل النظام السياسي المتميز بانقساماته الداخلية وتراتبية السلطة”([23]).

وبالمثل تنطوي هذه الوضعية، بدورها، على مظاهر عديدة شبيهة بتلك المجتمعات التي تكون فيها طبقات مختلفة من الشعب في وضع متدنٍ ومن دون سلطة قادرة على ممارسة نوع من الهيمنة ضمن فضاءاتها الخاصة كوضع النساء، على سبيل المثال، أو كأن يتمتع بعض المهمشين والمعوزين بكاريزما معينة، كالمجانين المقدسين، أو خاصة، وضع الفقير في مجتمعات القرون الوسطى. هي وضعيات سأضطلع لاحقًا بتحليل ما طرأ عليها من تحوُّل في بدايات العصر الحديث.

يسحب تورنر مسألة التماثل هذه حتى على تلك المجتمعات التي تشتمل على “طقوس العبور” كتلك التي قام بدراستها أرنولد فان غينيب Arnold van Gennep([24])، ونقطة الالتقاء هنا تتمثّل في أن تلك الطقوس التي بواسطتها يتحوَّل الأشخاص من طور إلى طور – كالختان مثلًا الذي يتحوَّل بمقتضاه الأطفال إلى بالغين – تشمل انسحاب الكهنة من مهمتهم السابقة والدخول في طيّ النسيان حيث يُجرَّدون من كل علامات وضعهم، ذلك أن هويتهم الأولى تُطمس ويمرون بمرحلة “العتبة” حيث يخضعون لاختبار المحن، قبل أن يكتسبوا هويتهم الجديدة. ولتوصيف مرحلة “العتبة” هذه اعتمد فان غينيب مصطلح “الحدية” ليعين هذا الوضع، وهي عبارة عن فترة انتقالية “مضادة للبنية” يفقد فيها الشخص وضعه السابق من دون أن يكتسب وضعًا جديدًا وتنتفي فيها علامات القانون العادي، وما تفترضه من حقوق وواجبات ومعايير مؤقتًا.

تفترض هذه الوضعيات تبادلًا في الأدوار بين البنية ومناهضة البنية، أو بين مدونة قواعد السلوك ومناهضة تلك المدونة، حيث يتم إما تعليق المدونة وقتيًا أو التعدِّي عليها، وإما كما هو الحال في علاقة الفاتحين بالسكان الأصليين، التي أشرت إليها أعلاه، حيث تسمح المدونة ذاتها بمبدأ مناهض للمصدر المهيمن للسلطة، وينفتح على فضاء مكمل “لسلطة الضعيف”. كل ذلك يجرى كما لو كانت هناك حاجة ماسة إلى استكمال بنية السلطة عبر نقيضها. وهل يكون الأمر على خلاف ذلك؟

من الصعب تحديد هذه الحدوس الأساسية التي كنت قد أتيت أعلاه على ذكر بعضها ذات الصلة بالكرنفال. ولعل أهمها تلك التي تتعلق بالتأكيد على بفكرة مفادها أنه يتعيّن التخفيف من وطأة القانون من حين لآخر من أجل التخفيف من حدَّة التوتر، فالناس يحتاجون إلى التنفيس عن البخار. غير أن هذه الفكرة تفترض فكرة أخرى مفادها أن القانون الذي يُطبَّق بلا هوادة يستنزف كل طاقتنا. ولأجل ذلك فهو في حاجة إلى أن يستفيد من القوة الجامعة للمبدأ المضاد له. لقد كتب تورنر في تعليق له على مقال لإيفين برتشارد حول طقوس اعتبرها خادشه للحياء ما يلي:

 

يتم توجيه الطاقات الغريزية الخاصة التي يقع تحريرها عبر رموز جنسية وعدوانية علنية بين الجنسين نحو رموز سامية تمثل النظام المتماسك البُنية والقيم والفضائل التي يقوم عليها هذا النظام. فكل محاولة تقويض يقع تجاوزها وتخطيها في إطار وحدة متينة تعززها قوى التقويض نفسها التي تهددها. إن هذا النوع من الطقوس يظهر كيف أنها بمثابة وسائل لوضع قوى الهدم الأكثر قدرة في خدمة النظام الاجتماعي، وهي قوى متأصلة في ناموس الإنسان بوصفه من الثدييات([25]).

إن مثل هذه التفسيرات وجيهة ووظيفية حيث يبدو هدف تلك الممارسات هو المحافظة على المجتمع. إلا إن تورنر يسمح بتجاوز هذا المستوى من التفسير عندما يضعها في سياق جاذبية “الاجتماعية”. ويحمل معنى “الاجتماعية” بداهة على وجود شيء ما نتقاسمه جميعًا فضلًا عن كونها طريقة مقننة لتنظيم علاقاتنا المتبادلة على تنوع أدوارنا. إننا جماعة تتكوَّن من بشر مجتمعين ومتساوين من حيث المبدأ رغم تنوعنا. فهذه الاجتماعية الكامنة فينا هي التي تصمد زمن انقلاب النظام أو زمن التعدّي على القانون، وهي التي تضفي الشرعية على سلطة الضعيف.

إن لهذه المقاربة بعدًا وظيفيًا، فعندما نؤدي اليمين ونُعلن البيعة للملك المنتخب، نُذكّره كما نذكّر أنفسنا في الوقت نفسه بأن حقوق الحاكم وصلاحياته وامتيازاته إنما غايتها القصوى الحفاظ على وحدة الجماعة وتماسكها، لكن الاجتماعية في نظر تورنر تتجاوز حدود المجتمع، ذلك أننا جميعًا بشر متساوون وننتمي إلى النوع نفسه. وقد يأتي الانشداد إلى تقويض البنية من شيء خارج نطاق المجتمع بل حتى خارج نطاق الإنسانية ذاته أصلًا. ومن وجهة النظر هذه من المشروع جدًا تفسير المستوى الأول من التوتر، الذي أشرت إليه آنفًا، بين ازدهار عادي وأعلى درجات التقشف كمثال آخر عن التعارض بين النظام والفوضى. وتواجه بُنيات السلطة والملكية والهيمنة العسكرية تحديات حياة تروم أن تكون أسمى من دون أن تكون قادرة على تعويض النظام القائم. وعليه فهذه التناقضات مُجبرة على التعايش ومن ثم التكامل.

يمكن لنا أن نُدرك أن تبادل الأدوار بين البُنية والبُنية المضادة يتم على أكثر من صعيد، وقد ساهم التكامل التام بين الحكومة والكنيسة في التصدي لمظاهر خرق النظام كما في زمن الكرنفال.

وهكذا تحتمل جاذبية الاجتماعية أكثر من وجه، فهي لا تتوقف عند مجتمعنا فقط، بل تتعداه لتشمل الجنس البشري برمته. ولا يتيح لنا تحررنا من الوظائف الرسمية تحرير اجتماعيتنا فقط، ولكن أيضًا تحرير عفويتنا وإبداعيتنا ومن ثم إطلاق العنان للخيال.

تنبع إرادة معارضة النظام من وجهة النظر هذه من الإحساس بأن كل القوانين تكبحنا وتعزلنا عن شيء مهم لأنها تمنعنا من تجربة الفترات الأكثر قوة ومن الإحساس بها مجددًا. ونعلم أنه في بعض طقوس العبور يستغل الشيوخ الوضعية الحدية للفتيان لترسيخ أقدامهم في أكثر تقاليد المجتمع عمقًا، كما لو أن تلك المسائل لا يمكن لها أن تُلقن إلا من قبل أولئك الذين أوشكوا على مغادرة وظائفهم الرسمية المعهودة. ومن هنا ندرك المعنى الثاوي وراء مبدأ “التراجع” في مستوييه الديني والعلماني على حد سواء.

إننا بصدد ظاهرة عامة تتعلق بضرورة تقويض البنية حيث القوانين في حاجة إلى أن تُستبدل وإلى أن تُكبت أحيانًا لأن الناس يتألمون من قسوتها وإنهاكها للتماسك الاجتماعي، حتى أنها أفقدتهم بصيرتهم وصوابهم وقد تنتهي بهم في الأخير إلى تدمير ذواتهم. إن التوتر بين الزمني والروحي أو بين وجود الكرنفال والشعائر الفوضوية الأخرى، يبين بامتياز أن ذلك المعنى من المعارضة هو الغالب في العالم المسيحي اللاتيني. فماذا عما آلت إليه تلك المعارضة اليوم؟

تؤكد التراجعات التي أشرت إليها أعلاه أن تلك المعارضة في معناها ذاك لم تتراجع نهائيًا فبعض ترسباتها لا تزال بعد قائمة، حيث نشعر اليوم بالحاجة إلى “أن نترك الأمر برمته” وأن نقطع معه وأن “نجدد طاقتنا” (“شحن بطارياتنا”) أثناء العطلة بعيدًا عن أجواء وظائفنا الرسمية المعهودة حيث نتمتع بفترات شبيهة بفترات الكرنفال مثل أيام الراحة أو مشاهدة مباريات كرة القدم، وكانت هذه المناسبات، قديمًا وحديثًا، تصاحب الوضعيات القصوى وعادة ما يتخللها العنف. وتتأكد الاجتماعية في فترات الخطر الاستثنائية أو في فترات الحداد ومثال ذلك مشهد الحشود المكلومة التي توافدت لتوديع الأميرة ديانا إلى مثواها الأخير.

يتمثل الاختلاف في أن هذه الحاجة إلى تقويض البنية لم يعد يُعترف بها علنيًا على صعيد المجتمع ككل، وفي علاقة بالتنظيم الرسمي للقانون السياسي. ولنا أن نتساءل: أنى لهذا أن يحدث؟ تثبت كل الحالات التي أشرت إليها أعلاه أن الحاجة إلى معارضة النظام كامنة في سياق روحي، فالقانون الإنساني الموجود في كوسموس روحي عظيم وانفتاحه على الفوضى لم يكن مطلوبًا فقط ليحافظ المجتمع على رابطة مقدسة مع الكوسموس، ولكن أيضًا ليستمد منه قواه. يتضح إذن من خلال وجهة النظر هذه أن انتفاء هذه الحاجة كان نتيجة طبيعية لعلمنة الفضاء العمومي. (بالمعنى الأول الذي حددته في المقدمة).

أود أن ألفت الانتباه هنا إلى أهمية انتفاء تلك الحاجة لاعتقادي الجازم بأنه لعب دورًا مهمًا في عملية نشأة العلمانية في معناها الأول، وهو ما يعني انتفاء معنى التكامل الضروري، وبالتالي تكون الحاجة إلى تقويض البنية هي التي كان لها السبق في علمنة الفضاء العمومي. فالقول بأن قانونًا لا يتَّسع للمبدأ الذي يناقضه وأنه ليس في حاجة إلى حدود تعززه، يُضفي عليه صفة الكليانية، وهذه بالتأكيد، ليست النتيجة الوحيدة لتقويض البنية في عصر الحداثة.

هذا جزء من القصة التي أودّ سردها حتى الآن بإيجاز. وسأهتم بتحديد الطريقة التي أفهم من خلالها التباين بين العهود القديمة والعصر الحديث.

يقينًا كان من بين نتائج انتفاء الحاجة إلى تقويض البُنية هذا الميل إلى الاعتقاد بأن القانون الكامل ليس في حاجة إلى ما يحدّه، وأنه رغم ذلك يمكن بل ويجب أن يتعزز من دون تقييد. لقد كانت هذه واحدة من الأفكار الموجهة لمختلف الحركات والأنظمة الكليانية في عصرنا. لقد أُعيد بناء المجتمع بشكل كلي من دون أن يعيق أيّ من القيود التقليدية هذا المسار. وبمعنى أقل دراماتيكية من شأن ذلك أن يشجع تلك الرؤية الضيّقة التي توظف مختلف “قوانين الخطاب” توظيفًا يستجيب لشروط الفصاحة السياسية في ساحات بعض الجامعات، مما يُضفي على بعض الشعارات من قبيل شعار “عدم التسامح” مسحة إيجابية.

يُعتبر عصر الثورة الفرنسية، العصر الذي شهد في الوقت نفسه غسق السعي إلى تقويض البنية والتفكير بجدية في مشروع تطبيق القانون بدون حدود أخلاقية، وقد تجلى ذلك بصفة خاصة في محاولات الحكومات الثورية المتعاقبة خلق احتفالات تُعبِّر عن المجتمع الجديد وتعزيزه، وهي احتفالات مستلهمة من الأعياد القديمة مثل الكرنفال والحج (من ذلك مثلًا عيد الاتحاد) ومواكب كوربوس كريستي Corpus Christi (عيد الرب)، إلا أن طبيعة هذه الأعياد كانت بمعنى ما على غير ما جرت عليه العادة في مثل هذه المناسبات.

والسبب في ذلك هو غياب عنصر الفوضى بصورة تامة، حيث لم يكن الهدف الأساسي إحداث ثغرة في القانون القائم بقدر ما كان التعبير عن روحه والتطابق معه. وقد تُستلهم أحيانًا بعض العناصر المقوّضة للبنية تلك التي ميَّزت الكرنفال على غرار نزع غلالة المسيحية في العام الثاني  Year IIغير أن هذه السخرية كانت مدمرة، حيث وقع توجيهها ضد الدين القديم والنظام القديم بصفة عامة، فقد كانت الغاية منها استكمال تدمير القوانين المعادية المهيمنة وليس فقط تعليق العمل بها([26]).

وبوصفها احتفالات تتلاءم مع الفضاء الرسمي، فقد كانت محكمة التنظيم عمومًا لأنها خصصت للاحتفال بالرابطة الاجتماعية ذاتها و”بطبيعتها”. ولقد كانت احتفالات ذات طابع مساواتي وتبادلي صارم، قوامها التبادلية، وهي مستلهمة من مطالبات روسو بإلغاء التمييز بين الممثلين والمشاهدين. وحجته على ذلك ما تشهد عليه بعض الاحتفالات: “فعيد الحرية في 15 أيار/مايو مثلًا يُعتبر أقل قومية على اعتبار أن الشعب هو في الوقت نفسه الممثل والمشاهد”([27]). إنها تصر على أن تكون إنثروبومركزية. “ألا إن الدين الحقيقي الوحيد هو ذاك الذي يُعلي من شأن الإنسان بأن يرسخ في وعيه فكرة سامية عن قيمة وجوده ويبين له غاياته النبيلة عن طريق ناظم آلي إنساني”([28]).

فلا عجب عندئذ أن تكون مملة ومميتة، ولا عجب أيضًا أن تُجتث من التقويم الجديد الذي صُمِّم لاستيعابها مع سقوط النظام الذي كان يرعاها. وقد كانت هناك إرهاصات شبيهة بتلك المحاولات في الاحتفالات الخاصة التي تقيمها الأنظمة الشيوعية خلال هذا القرن، لكنها هي الأخرى عرفت مصيرًا مشابهًا.

في هذا المضمار نتبيّن، ولو جزئيًا، مآل محاولات تقويض النظام التقليدية في عصرنا، مثلما حدث مع استخدام بعض وجوه الكرنفال أثناء اجتثاث المسيحية في العام 1793، ويمكن أن توفر المبادئ التوجيهية للطوباوية، أو لنظام جديد ومتناغم تمامًا. وسأعود إلى هذا لاحقًا.

لكن إرادة إقامة بينة اجتماعية من دون حدود أخلاقية يبقى مسعى خاصًا بعهد قد نسي الحاجة إلى تقويض البنية: فليس تقويض البنية إذن قدرًا محتومًا، إذ يمكن تفاديه وذلك ما يحدث بصفة عامة. فمبدأ المعارضة يمكن أن ينشأ من داخل القانون السياسي السائد مثلما هو الحال في تقسيم السلطات، وهو ما تم القيام به عمومًا باسم مبدأ التقادم والحرية السلبية للشخص. وبالطبع، ما زال بإمكاننا على الصعيد الفكري أن نقوم بمحاولة في هذا الاتجاه لكي نبيّن، كيف أن هذه النظم الحرة والمحدودة ذاتيًا تنحدر من مبدأ واحد كما في “الليبرالية” المعاصرة مع جون رولز  Rawlsودونالد دووركين  Dworkinعلى سبيل المثال. وهذا يكشف إلى أيّ مدى استثمرت الحداثة أسطورة مبدأ واحد تسع كفاءته كل شيء([29])، بيد أن بعض المنظرين أمثال بنيامين كونستون Benjamin Constant، ألكسيس دي توكفيل Alexis de Tocqueville وفي عصرنا الراهن أشعيا برلين  Isaiah Berlinأدركوا، خلافًا لذلك، أن من واجبنا أن نعتمد على أكثر من مبدأ واحد، وأن تلك المبادئ عادة ما تكون متنافسة.

وعندما وقع تطوير الأنظمة الليبرالية نظريًا وعمليًا لا سيما التعددية منها خفَّت حدة عواقب غسق الفوضى إلى حد كبير. ويمكننا القول بأن الفوضى في مثل هذه المجتمعات وخاصة في المجال الخاص عرفت مكانة جديدة لأنها تفترض التمييز بين العام والخاص ومساحة واسعة للحرية السلبية، وهذا لا يختلف في شيء عن الاحتفالات الفوضوية في المجتمعات السابقة. ففي هذا الفضاء حيث أهلنا وأصدقائنا والجمعيات الخيرية يمكننا أن “ننسحب” من وظائفنا الرسمية، وأن نشعر بكامل كياننا، وأن نلتحق بأشكال مختلفة من الجماعات، ففي غياب هذه الفضاءات تصبح الحياة في هذه المجتمعات الحديثة غير جديرة بأن تُعاش.

ولقد طورت هذه المجالات غير الرسمية فضاءاتها العمومية الخاصة التي تُغذي الخيال، حيث تعمم الأفكار والصور: فضاءات الفن والموسيقى والأدب والفكر والحياة الدينية. وبدون هذه الفضاءات يصير انسحابنا الشخصي فاقدًا للمعنى وللذة الحياة بشكل جذري. وبقدر ما تكبَّد هذا الفضاء الحديث المعارض للنظام مخاطر جديدة من الانعزال وفقدان المعنى، بقدر ما فتح آفاقًا واسعة للخلق غير مسبوقة. ويتأتى هذا كله من كون هذا المجال “خاص” وأن فضاءاته العمومية تتغذى فقط من المشاركة الطوعية المحضة([30]).

وبهذا المعنى فإن المأزق الحديث يختلف بنيويًا عن كل ما سبق، وهذا يعني أن جزءًا من التنافس التقليدي بين النظام والفوضى فقد جدواه. ففي طقوس الفوضى أو في مناسك الفحش في المجتمعات الأفريقية التي أشرت إليها سابقًا، ليس لنا سوى بث مبادئ متعارضة بما يسمح بالتنافس ضمن صراع ساخر. والهدف من ذلك أيضًا هو في كثير من الأحيان عرضها من أجل تحقيق نوع من التآزر، ولجعل النظام أقل انغلاقًا على ذاته، ولتمكينه في الوقت نفسه من الاستفادة مما يوفره السعي إلى تقويض النظام من طاقة بما يساعده على التجدد.

يبدو هذا الأمر يفوق استطاعتنا في العصر الحديث، وليس أقل من ذلك عن طريق الطقوس. ويمكن في بعض الأحيان للقوى المعارضة في المجتمع أن تتحالف ضد تهديد جماعي أو في مواجهة كارثة مشتركة، فالخطر الخارجي عامل ضروري لتوحدنا، وهذا ما يفسر جزئيًا استمرار نفوذ النزعة القومية في عصرنا.

وهكذا استطاعت فكرة معارضة النظام أن تنتقل إلى المجال الخاص وإلى الفضاءات العمومية التي تغذيها. ولكن ليس هذا كل شيء، فما زالت الدعوة إلى معارضة النظام ملحة في عالم يشهد اندماجية فائقة وتطورًا تكنولوجيًا عظيمًا وبيروقراطية عالية، وهي، ضمن بعض الوجوه، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وقد صاحب تطور المجتمع على مدى القرنين الماضيين وبلغ ذروته في الستينيات والسبعينيات سيل من الاحتجاجات ضد الرقابة المركزية والنظام الصارم وطغيان العقل الأداتي وقوى الدمج والسيطرة على الطبيعة والقتل الرحيم لملكة الخيال. وإننا على يقين من أن هذا السيل من الاحتجاجات ليس الأخير.

لقد كان ذلك فرصة لتفعيل جوانب عديدة من الكرنفال، ويمكن أن نستحضر هنا أحداث باريس في أيار/مايو سنة 1968 وإدانتها للنظام (نظام الفصل بين الفضاء الخاص والفضاء العمومي) فضلًا عن المثل الأعلى الاجتماعي الثاوي خلفها. فقد كان المحتجون في أيار/مايو 1968 يريدون تحاشي فوضى الفضاء الخاص وأن يجعلوها في قلب الفضاء العمومي، وبالتالي إلغاء الفصل بينهما.

  بيد أن هذا يختلف أيضًا وبشكل جذري عن المكانة التي احتلها فضاء الفوضى في ما مضى. إن إنكار القانون هنا يُنظر إليه كما لو كان مصدرًا للطوباوية والمشاريع الجديدة التي يُراد من خلالها تقويض بنية المجتمع القائم واستبدالها، كما ذكرت آنفًا. ليس بإمكان الكرنفال والثورة أبدًا أن يتطابقا، مهما حاول الثوريون المتحمسون أن يفعلوا ذلك. إن هدف الثورة هو قلب النظام القائم واستبداله بكل ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، وأن تستفيد من أشكال معارضة النظام السابقة في اتجاه صياغة قانون جديد للحرية وللمجتمع وللأخوة الأصلية. فهي مهد قانون جديد وكامل بحيث لن يحتاج إلى حدود أخلاقية ولن يقبل أّيّ معارضة للنظام. وهي تقويض للنظام يضع حدًا لكل مسعى لتقويض النظام. ومتى تحقق هذا الحلم فإنه يتحوَّل إلى كابوس مزعج (ولحسن الحظ لم يكن الأمر كذلك في سنة 1968).

ينبغي لنا هنا أن نكون على بيّنة من حكمة التنافس التقليدي بين القانون وإنكاره التي نكاد نفتقدها. يتعيّن على كل نظام أن تكون له حدود مع إمكانية تعليق العمل به، ومع ذلك لا يمكن الاستغناء عن النظام. إننا في حاجة إلى المراوحة بين القانون وإنكاره في إطار السعي لتحقيق مجتمع أفضل، من دون السقوط في الوهم بأننا يمكن أن نتحاشى التوتر بين الأضداد وإلا وحدها الفوضى المحضة ستسود وستستمر في غياب تام لقانون متجدِّد إلى الأبد([31]).

إلا أنه من المهم جدًا أن نلاحظ إلى أيّ مدى تجدَّد هذا الحلم في عصرنا، حتى من قبل بعض المفكرين الواقعيين كأولئك الذين ابتدعوا “الاشتراكية العلمية” التي علَّقوا عليها آمالا كبيرة في “اضمحلال الدولة”. لعل ما يُفسِّر الحاجة إلى هذا الحلم هو المآسي التي يتسبَّب فيها النظام بسبب صرامته ولا عدالته ولا مبالاته بتطلعات البشر ومعاناتهم، بعدما فقد القدرة على تأمين ذلك المتنفس الاجتماعي الذي كان يُوفره الكرنفال في ما مضى، بما يدفعنا إلى هذا الحلم الذي قد لا نكون أدركنا منتهاه.

5

  1. IV. من الواضح إذن أن الزمن في هذا العالم المقلوب والمضاد للنظام لا يمكن أن يكون “متجانسًا وفارغًا” وقد اعتبره بنيامين محور الحداثة([32]). فزمن الكرنفال مثلًا هو زمن كايروسي، وهذا يعني أن التسلسل الزمني الخطّي تقطعه عقد كايروسية، أحداث تدعو بحكم طبيعتها ومنزلتها إلى التغيير، تتبعها أحداث أخرى تطالب بتجديد الولاء، فضلًا عن أحداث أخرى كثيرة كتلك التي لها علاقة بمقاربة عودة المسيح: ثلاثاء المرافع والصوم الكبير وعيد الفصح.

والآن يمكن أن نتلمس فعلًا عقد كايروس في القصص التي نرويها عن أنفسنا في زمننا هذا. وفي هذا الاتجاه تفهم الثورات بالنسبة لمناصريها كما بالنسبة لوارثيها على أنها لحظات كايروسية والتاريخ القومي ثري بمثل هذه الفترات، إلا أن ما يتغيَّر هو كل ما يُحيط بتجميع تلك الفترات. وينتظم مجال الزمنية العادية في فترة ما قبل الحداثة وفقًا لمرجعية سميّتها الأزمنة العليا.

إن المصطلح الأكثر بداهة الذي يمكن إقحامه هنا هو مصطلح “الأبدية” ولا ضير في ذلك، فهو المصطلح الذي خُصص فلسفيًا ولاهوتيًا لتحديد الزمن الأعلى. بيد أنني أحتاج في كل ذلك إلى مصطلح أكثر عمومية (أ) لأنه أولًا، يوجد أكثر من نوع من الأبدية، ثم (ب) لا يستنفد الأزمنة العليا.

ماذا بوسع الأزمنة العليا أن تفعل إذن؟ إنها تتحكم في الزمن العادي، توحّده وتجمعه وتُعيد تنظيمه وتُعيّنه. وأحسبني سأعتمد هذا المصطلح الأخير وسأسميه “الزمن العلماني” من دون مواربة، مع ما في ذلك من مجازفة، ومع ما يمكن أن ينشأ عن ذلك من سوء فهم، لأني أستخدم “علماني” (على معانٍ ثلاثة) لتمييز عصرنا هذا. ولكن أجدني مُجبرًا رغم ذلك على استخدام معنى رابع أحسب أنه المعنى الأصلي الذي اشتَّقت منه المعاني الثلاثة التي عرضتها في المقطع الأول.

نعلم جميعًا أن لفظ “علماني” مشتق من سايكليوم saeculum، أي قرن أو عصر، حيث استُخدم هذا اللفظ للدلالة على التعارض بين راهب وعلماني، أو العيش في الزمني في مقابل حياة الرهبنة الروحية التي تُكرَّس للآخرة. فالمعنى الأصلي لعلماني يُحيل على دلالة مخصوصة. فالناس الذين يعيشون في الزمن العلماني منصهرون في الزمن العادي، إنهم منخرطون في العصر خلافًا للذين آثروا الحياة الأبدية. ولهذا السبب بالذات استُخدم هذا اللفظ للتعبير عن علاقة التقابل بين الزمن العادي والزمن الأعلى، وهو تقابل يُماثل التقابل بين الزمني والروحي. فالبعض منشغل بشؤون دنيوية تتعلق بـ الزمن العادي، والبعض الآخر نذروا حياتهم للآخرة فشغلتهم عن الدنيا شؤون على صلة بالأبدية.

وإذا كان من الصعب الاستغناء عن هذا اللفظ عند مناقشة الوعي بـ الزمن في عصر ما قبل الحداثة، فحري بنا عندئذ أن نضع الأمور في نصابها الصحيح حتى يتسنّى لنا استخدامه.

الزمن العلماني هو ما نُعدّه زمنًا عاديًا، وهو بالنسبة إلينا نحن مجرد زمن، مجرد فترة نعيشها وتمر وحين يمضي شيء ما فهو يمضي ليس أكثر. إن الأحداث الزمنية أحداث متعدية، فإذا كان الحدث (أ) يسبق الحدث (ب)، والحدث (ب) يسبق الحدث (ج)، فإن الحدث (أ) يسبق الحدث (ج). ويكون الأمر ذاته عندما نكمم هذه العلاقات: أي إذا كان الحدث (أ) يسبق الحدث (ب) مدة زمنية والحدث (ب) يسبق الحدث (ج) مدة زمنية، فإن الحدث (أ) يسبق الحدث (ج) مدة زمنية أطول.

إن الأزمنة العليا هي التي تُوحِّد الآن الزمن العلماني وتُعيد تنظيمه، إنها تعرض “التشوهات” والتناقضات الظاهرة التي تشق الزمني في انتظامه. والأحداث المتباعدة عن الزمني تبدو أحداثًا مترابطة في ما بينها ترابطًا وثيقًا. وحتى نتعمَّق أكثر في هذه المشكلات عينها التي اجتهد هنا في توصيفها([33]) استدل بمحاجة بنيديكت أندرسون Benedict Anderson لأورباخ Auerbach حول علاقة التلازم الشرطية بين الأحداث وعلاقة التأثير المتبادل بين العهد القديم والعهد الجديد، حيث نعثر على ذكر بعض الأحداث التي وردت في العهد الأول وفي العهد الثاني كتضحية إسحاق وصلب المسيح مثلًا. فهذان الحدثان مترابطان بحكم تقاربهما المباشر داخل الخطة الإلهية، ومهما كانا متباعدين في الزمن بقرون (أو “عهود” أو “عصور”) فهما متطابقان داخل الأبدية، فداخل الزمن الإلهي يوجد نوع من التلاقي بين تضحية إسحاق وصلب المسيح.

وبالمثل فإن الجمعة العظيمة لعام 1998 هي أقرب إلى اليوم الأصلي لصلب المسيح منه إلى يوم القديس جون عام 1997، وبمجرد أن يحافظ حدث ما على علاقته مع أكثر من نوع واحد من الأزمنة يطرأ على مسألة منزلته الزمنية تحوُّل تام.

لماذا اعتبرت الأزمنة العليا عليا؟ من السهل جدًا أن نجيب عن هذا السؤال انطلاقًا من الفهم الأوروبي للأبدية الموروث عن أفلاطون والفلسفة الإغريقية. فالواقع الحقيقي والوجود الكامل هو خارج الزمنية وهو لا متغير. أما الزمن فهو الصورة المتحركة للأبدية. إنه ناقص أو يميل إلى النقصان.

ويتوافق هذا تمامًا مع حقيقة عالم ما تحت القمر، كما يقول به أرسطو. فلا شيء هنا يمكن الاعتماد عليه يكون متطابقًا كليًا مع طبيعته. بيد أنه توجد رغم ذلك حركات تعكس الأبدية من دون أيّ عيب كالحركة الدائرية للأجرام السماوية، وهي حركة ليس لها بداية ولا نهاية.

يذهب الاتجاه العام لهذا الفكر إلى اعتبار العالم إحيائيًا وأنه يخضع بذاته إلى التحوُّل، من دون أن تكون له بداية ولا نهاية. أما الأبدية فهي خلافًا لذلك تتميز بالثبات والديمومة، فلا يطرأ عليها أيّ تغيير.

ذلك هو عالم المثل، فيما دونه لا يعدو أن يكون سوى مضطجع تتجسَّد فيه تلك المثل حيث يبدأ عرض النقائص. وتتجلى تلك النقائص فعليًا في الزمن العادي، في عالم تحت القمر حيث ينحرف كل شيء عن صورته الحقيقية بدرجة معينة.

لذلك كان ما يحدث في الزمن أقل حقيقة مما يحدث خارجه. يجب وضع حد لهذا الانحراف لأن سيرورة الزمن تحافظ على مكانتها بسبب حركات عليا تحاكي الأبدية (مثل دوران النجوم). وحسب صيغ أخرى عبر دوران “سنوات عظيمة” يعود على إثرها كل شيء إلى حالته الأصلية. لقد كانت هذه الفكرة الرائجة مقتبسة عن الأساطير. من ذلك مثلًا، اعتقد الرواقيون أن المادة الأصلية هي النار، ومنها تنفصل العناصر الأخرى بمضي الوقت لتُشكّل معالم الكون، وفي النهاية يحدث حريق شامل ويعود كل شيء إلى النار الأصلية، ثم يتشكَّل الكون من جديد في دورات لا تنتهي من الخلق والفناء وإعادة الخلق.

ومن دون التخلّي تمامًا عن فكرة الأبدية هذه طورت المسيحية إلى حد ما تصورًا مغايرًا، إذ يرى الإنجيل أن الله هو الذي خلق الكون، إضافة إلى ما يرويه من قصص عن كيفية تعامل الله مع البشر. لكن هذا الـتاريخ الإلهي-الإنساني لا يتوافق مع فكرة العودة المتكررة للعصور. وهذا يعني أن ما يحدث في الزمن له أهميته. إن الله يتدخل في هذا الزمن الدرامي. فحدثا تجسُّد المسيح وصلبه هما حدثان دراميان وقعا داخل هذا الزمن ، إلا أن ذلك يُنظر إليه هنا على أنه لا يعكس الحقيقة كاملة.

وقد ترتَّب على ذلك تصوُّر آخر للأبدية كذاك الذي كان يقول به أفلاطون منذ أمد طويل، ثم أفلوطين من بعده، ويرى بأن الطريق إلى الله يكمن في ترقينا خارج الزمن ، وأن الإله غير المكترث بهذا الزمن ، لا يمكنه أن يكون فاعلًا حقيقيًا في التاريخ. وكان التصوُّر المسيحي مختلفًا مع هذا الزعم.  فلقد تطوَّر تصورها تدريجيًا، ويعتبر أفضل ما بلغته المسيحية في هذا الشأن، هو التصور الأكثر شهرة الذي قال به أوغسطينوس في العصر اللاتيني حيث أخذت الأبدية معنى تجمّع الزمن كله.

وخلافًا لمصادره الإغريقية التي تعتبر الزمن موضوعيًا، زمن السيرورة والحركة، اهتم أوغسطينوس بـ الزمن المعيش في مناقشته الشهيرة في الكتاب الحادي عشر من الاعترافات. فالفورية عنده ليست “الآنية” nun بالمعنى الأرسطي، أي حدّ أو ما يشبه نقطة النهاية، أو الحدود غير الممتدة إلى ما لا نهاية له. إنه بالأحرى تجميع للماضي والحاضر معًا يسمح لي باستشراف المستقبل. فالماضي الذي لم يعد له وجود موضوعي متضمنٌ في الحاضر الذي يسمح لي باستشراف المستقبل الذي لم يوجد موضوعيًا بعد إلا أنه موجود هناك كاستشراف لا غنى عنه([34]). وبمعنى ما يمكن اعتبار أوغسطينوس قد تنبأ بالمعاني الثلاثة للمواجيد ekstaseis التي تحدَّث عنها هيدغر([35]).

وهذا من شأنه أن يخلق نوعًا من التزامنية بين عناصر فعل ما، ففعلي يدمج ماضيّي باعتباره هو الذي أفرز ما آل إليه وضعي في الحاضر بالمستقبل الذي استشرفه بوصفه استجابة له. فكلهما يُضفي معنى على الآخر على نحو متبادل، ولذلك لا يمكن أن نفصل بينهما، ذلك أنه يوجد حدّ أدنى من الاتساق داخل الفعل في الزمن الحاضر، وحدّ أدنى من السمك يمنع الزمن من أن يتشظى بعده من دون أن يفقد الفعل اتساقه. نجد هذا النوع من الاتساق في اللحن كما في القصيد، وهما من أفضل أمثلة أوغسطينوس([36]) إذ يوجد فيهما نوع من التزامنية للنوتة الأولى مع الأخيرة، فالوجود الآني المتزامن للنوتات، يستدعي حضورها ككل حتى يُسمع اللحن. ففي هذه البيئة الجزيئية يكون الزمن فاعلًا لأنه يمنح نظامًا للنوتات التي تُكوِّن اللحن. بيد أن الزمن لا يلعب هنا دور المحطم، ذاك الذي يحمل شبابي إلى مكان منيع ويوصد الباب أمام القرون الغابرة.

هكذا يوجد نوع من التزامنية المتمددة للحظة الفعل أو المتعة التي يمكن معاينتها أيضًا في محادثة بينيّة مثلًا. فسؤالك وإجابتي وردك يتداخلان معًا، بهذا المعنى، كاللحن حتى وإن كانت كيفية تنظيمه داخل الزمن ذات أهمية قصوى.

يرى أوغسطينوس أن الله قادر على أن يجعل من كل زمن لحظة من الفعل، وعندئذ، كل الأزمنة بالنسبة له تكمن في الزمن الحاضر. ويعتبرها في تزامنية متمددة، إن الآنيّ يحتوي كل الزمن ، إنه المستمر في آنيته.

فالارتداد إلى الأبدية يُراد منه المشاركة في الزمن الإلهي. ويرى أوغسطينوس أن الزمن العادي، زمن متشظٍ وفاقد للوحدة ومفصول عن الزمن الماضي وبعيد عن ملامسة المستقبل. وقد نضل الطريق في برهة من زمننا، ولذلك نسعى جاهدين لكي نتجاوزها بسبب الحاجة إلى زمن الأبدية، التي لا تقهر. ولسوء الحظ عادة ما يقودنا ذلك أيضًا إلى محاولة استثمار تلك البرهة من الزمن على ضوء دلالة الأبدية، وبالتالي تأليه الأشياء الذي ينتهي بنا رأسًا إلى الخطيئة([37]).

لقد كان للعصور الوسطى نموذجان للأبدية، نموذج يمكن تسميته بالأبدية الأفلاطونية الساكنة والثابتة والتي ننجذب نحوها خارج الزمن ، ونموذج أبدية الإله التي لا تلغي الزمن ، إنما تجمعه في لحظة. وليس لنا أن نقترب منه إلا بالمشاركة في حياة الإله.

هذا ويمكننا إضافة نوع ثالث من الزمن الأعلى، “زمن الأصول”([38]) كما جرت تسميته في الإلياذة. وهو مختلف عن تلكم النموذجين للأبدية. ولم يجرِ تطويره لا من قبل الفلاسفة ولا من قبل علماء اللاهوت، إلا أنه ينتمي إلى العادات الشعبية الفولكلورية، ولا يتعلق هذا الزمن بأوروبا فحسب وإنما يشمل كل بقاع الأرض تقريبًا.

إننا إزاء فكرة عن زمن عظيم، “ذلك الزمن” الذي ضُبط فيه نظام الأشياء سواء تعلق الأمر بخلق العالم الحاضر أو بتأسيس قوانين شعبنا. وكان الفاعلون في ذلك الزمن على مستوى أعلى من نظرائهم في زمننا هذا، فربما كانوا من الآلهة أو أبطالًا عظامًا على أقل تقدير. إن هذا الأصل، بحسب الزمن العلماني، موغل في الزمن الماضي، إنه زمن “لا يُحيط به العقل”. إلا أنه ليس فقط في الماضي، إذ بإمكاننا إعادة مقاربته والاقتراب منه من جديد. ولن يتأتى لنا ذلك إلا من خلال مقاربته طقوسيًا. فهذه المقاربة الطقسية تساعد على تجديد وتجذير الهداية والاقتراب من الأصل. إن هذا الزمن العظيم بقدر ما يبدو خلفنا، يبدو كذلك فوقنا ضمن بعض الوجوه. إنه ما حدث في النشأة الأولى، ولكنه أيضًا النموذج الأعظم الذي على ضوئه يمكننا الاقتراب منه أو الابتعاد عنه بحسب ارتقائنا في التاريخ.

تساعد بعض وجوه أيّ من الأنواع الثلاثة من الأزمنة العليا على فهم وعي أسلافنا بـ الزمن في العصور الوسطى. وعلى أيّ حال بقدر ما ثمة بعد “أفقي” للزمن العلماني المجرد، ثمة بعد “عمودي” يسمح “بالتواءات” وتقصير الزمن الذي وقع ذكره أعلاه. إن تدفق الزمن العلماني يحدث في سياق أفقي متعدد بحيث يرتبط كل شيء بأكثر من نوع واحد من الزمن .

ومن ثم، كما في النظام الملكي في فترة متأخرة من القرون الوسطى حيث يكون للملك جسدان، يدرك وجوده من خلالهما كما في أبدية أفلاطونية أيضًا. فلا يخضع الجسد غير الفاني للزمن وللتغيّر. وفي الآن ذاته، تجد العديد من الممالك تزعم بأن قانونها متجذِّر في الزمن الغابر، الذي لا يُحيط به العقل، وهو معنى ناشئ عن إطار زمن الأصول. وقد ارتبطت هذه الممالك كجزء من العالم المسيحي عبر الكنيسة بالأبدية الإلهية.

وفي تلك الفترة كانت الكنيسة، في عامها الليتورجي، تتذكر وتعيد تشريع ما حدث في ذلك الزمن عندما كان المسيح على الأرض. وهذا ما جعل اعتبار الجمعة العظيمة في ذلك العام أقرب إلى يوم صلب المسيح من منتصف يوم صيف العام الماضي. والصلب نفسه، منذ أن اشترك عمل/ألم المسيح هنا في الأبدية الإلهية، هو أقرب إلى جميع الأزمنة مما عليه الحال بالنسبة للأزمنة العلمانية في ما بينها.

وبعبارة أخرى، ليست فترات الزمن العلماني، في إطار هذه الرؤية متجانسة ولا هي تتبادل التغيير. وتبقى مكانتها متميزة بالزمن الأعلى، وإني أستحضر، على النقيض من بنيامين الذي يقول بالزمن المتجانس الفارغ بوصفه علامة تدل على الوعي الحديث. فمن خلال هذه الرؤية، أقول بأن الزمان والمكان كوعاءين لا يباليان بما يحويان.

لا يمكن أن تعتبر هذه النظرة في ما أعتقد يقينًا كنظرة معاصرة. وينطوي الانتقال من فكرة الزمن في القرون الوسطى إلى فكرة الفضاء في الحداثة على فصل حقيقي بين مجالات الأحداث في المكان الذي تملأه، في حين يعرّف المكان بما يوجد فيه. فمقولتيّ الزمان والمكان ضمن النموذج النيوتني ليستا سوى وعاءين يمكن للأحداث أن تقع فيهما (حتى ما لا يتموضع كالفراغ). بيد أن عديد التصورات المعاصرة تعتبر أن الزمن غير منفصل عن انتظام الكون كفوضى (Entropy).

بيد أن تعريف الزمن كوسمولوجيًا، يجعل منه وعاءً غير مبالٍ بالأحداث التاريخية أو الإنسانية التي تتَّصل بنمط حياتنا على هذه الأرض. وبهذا المعنى يكون الزمن الكوسمولوجي (بالنسبة إلينا) متجانسًا وفارغًا.

غير أن هذا الأمر أبعد ما يكون عن الحقيقة بالنسبة للوعي القديم المعقد للزمن. ومن ذلك الحين أصبحت الفترة الزمنية لا تُحدَّد فقط بحسب تموقعها ضمن نظام الزمن العلماني، وإنما بمدى قربها من الأزمنة العليا أيضًا، وبالتالي فإن ما يحدث ضمنها لم يعد غير مبال بتموقعه. فـ الزمن الذي يغور بعيدًا عن أنماط نظام الأبدية يُظهر مزيدًا من الاضطراب. أما الزمن الأقرب إلى الأبدية الإلهية فهو الأكثر قابلية للتجميع. فعندما نحج إلى مكان ما إحياءً لذكرى قديس ما، فإن زمن ذلك الاحتفال هو المقدس([39]). ولذلك فإن قول هاملت Hamlet بأن الزمن “يصدر عن أصل مشترك”، يجب أن يؤخذ على المعنى الحرفي للعبارة، وليس فقط كتعبير مجازي عن “حالة المجتمع الدنماركي هذه الأيام كحالة يرثى لها”. تعني عبارة “من أصل مشترك” أن الأشياء لا تتوافق في ما بينها على نحو خاص مقارنة بالأزمنة القريبة من أنماط نظام الأبدية. هذا ما نعثر عليه حرفيًا في ملاحظات مرسلس Marcellus السابقة في المسرحية حيث الأشباح والعفاريت لا تجرؤ على الطواف على الأرض ليلة عيد الميلاد “طالما أن تلك الفترة من السنة مقدَّسة وملؤها الخير والبركة”([40]).

بيد أن مقولتيّ التجانس والفراغ لا تستنفدان كل ما يمكن أن يُقال حول الوعي الحديث للزمن. وسأبيّن لاحقًا أننا نملك أشكالًا عديدة من السرد تم تجميعها حول معاني الاقتدار والنضج التي تجعل الوضعيات الزمنية، بمعنى ما، ذات دلالة. لكن في ما يتعلق بالوعي المعقد بـ الزمن الأعلى، فإنه من الواضح أن وجهة نظرنا تعتبره من حيث مضمونه متجانسًا ولا مباليًا. ومن الصعوبة بمكان أن نفهم الآن ما أراد هاملت أن يقوله.

ولأجل ذلك، نميل إلى اعتبار حياتنا، حصرًا، كما لو كانت تتدفق ضمن أفق الزمن العلماني وذلك خلافًا لأسلافنا. ولا أقول، مرة أخرى، إن الناس لا يؤمنون بالأبدية الإلهية، فكثير منهم يؤمنون بذلك، لكن ترسّخ الزمن العلماني ضمن الأزمنة العليا لا يُمثل بالنسبة للكثير من الناس مسألة تجربة مشتركة و”ساذجة”، تلك التجربة ذاتها التي تخلق الإيمان أو عدمه، شيء ما يمكن أن يكون موضع إيمان أو عدمه، ذلك أن الحقيقة تكون هنا بيّنة وبديهية كما هو الحال بالنسبة لحجّاج القرن الرابع عشر في طريقهم للحج إلى كومبستالا Compostela أو كانتربري Canterbury، وهو عين ما نشاهده اليوم بالنسبة للكثيرين في كتشزوفا  Częstochowaوغوادلوب Guadalupe؛ يفترض عصرنا العلماني  حدودًا جغرافية واجتماعية فضلًا عن الحدود الزمنية.

لكن يتعلق الأمر هنا أيضًا بنزع السحر واضمحلال انعدام النظام باعتبارهما من أهم التحولات الكبرى التي أرست دعائم المجتمع العلماني الحديث، ولا أحد يمكن أن ينكر مساهمة العلوم الطبيعية الحديثة في ذلك، من ذلك أن علم الميكانيكا في القرن السابع عشر أقحم معنى للثبات الكامن خلف التغيّر مختلف جذريًا. فالأمر لم يعد متعلقًا بالأبدية، وليس الثبات شيئًا خارج الزمن ، إنه يمنح الزمن تماسكه ليس إلا، أو هو ببساطة قانون التغيّرات التي تحدث في الزمن كما هو الشأن بالنسبة للزمن الموضوعي القديم، على أن هذا الأخير لم يعد يقبل أيّ انحراف. إن عالم ما تحت القمر يخضع لقوانين عالم الأجرام السماوية نفسها، ورغم أبديتها، فإن الرياضيات ليست بمنأى عن التغيير، ذلك أن قواعدها تتغير باستمرار. توجد كل الأزمنة على مسافات متساوية، ومن ثم فلا معنى للقول بوجود أزمنة “عليا”.

إذن مهما تكن أهمية العلوم في العصر الراهن، لا ينبغي أن نُبالغ في الإشادة بدورها فنجعل منها المحرِّك الرئيس للتحوّلات التي حصلت. وإن انخراطنا في الزمن العلماني هو ما جعل طريقة عيشنا على نحو ما هي عليه ممكنة كما ساهم في تنظيم حياتنا. إنها تأتي من تلك التحوّلات الاجتماعية والأيديولوجية ذاتها التي فرضت نزع السحر. وبصفة خاصة قادتنا مختلف التخصصات التي تُدرَّس في نظامنا الحضاري الحديث إلى قياس الزمن والتحكّم فيه، وهو ما لم يكن متاحًا في تاريخ البشرية في ما مضى. فقد أصبح الوقت موردًا ثمينًا لا ينبغي “إهداره”. وهو ما أدى إلى خلق محيط زمني مُحكم ومُنظَّم يحتوينا حتى يبدو لنا كما لو كان طبيعيًا. لقد خلقنا محيطًا نعيش في صلبه تجربة زمن علماني موحَّد لا لبس فيه، زمن يمكن لنا قياسه والتحكّم فيه عسى أن نغنم منه شيئًا ما. ويستحق هذا “الإطار الزمني” قياسًا، ربما، لغيره من مختلف أوجه الحداثة، أن يكون الأقرب إلى وصف فيبر المعروف بـ”القفص الحديدي”([41]). وإنما هيمنت الأزمنة العليا إلا لتكون صعبة المنال. هذا ما سيكون جزءًا من القصة التي سأرويها لاحقًا.

  1. V. يتداخل هذا التحوُّل في الوعي بـ الزمن مع تغيّر في فهم العالم الذي نعيش فيه، وهذا معناه أننا انتقلنا من العيش في الكوسموس إلى الانخراط في الكون.

وإني لأستعمل لفظ “كوسموس” للدلالة على فكرة أجدادنا عن الوجود في كليته لأن هذا اللفظ يتضمن معنى الكل المنظم. وهذا ليس فقط لأن كوننا ليس منظمًا على طريقته ولكن لأن نظام الأشياء، في إطاره، اتخذ معنى إنسانيًا. وبعبارة أخرى يرتبط مبدأ نظام الكوسموس بشكل وثيق إلى حد التطابق غالبًا مع ذاك الذي يمنح حياتنا شكلها.

هكذا يضع الكوسموس الأرسطي الله في قمته وفي مركزه حيث تقترب فكرة الفعل بشكل لا ينقطع ولا يتغيَّر من فكرة الأبدية عند أفلاطون. على أن ذلك الفعل، كنمط من أنماط التفكير، توجد في مركز حيواتنا. وبذلك فإن التفكير النظري هو “الأكثر إلهيًا” فينا([42]). أما بالنسبة لأفلاطون ولكل تلك الأنساق بصفة عامة، فتمثل الكوسموس، النظام الذي أن تكشف عنه حيواتنا الفردية والجماعية على حد سواء.

 إن فكرة الكوسموس بوصفه كونًا مغلقًا ومتناهيًا، هي فكرة خاصة بهذا التصوُّر للنظام أو على الأقل كما كان يقول به اليونانيون القدامى الذين يعتقدون في أنه لا انفصام بين النظام والتناهي. ألا إن هذا المعنى هو ما ورثته حضارتنا عن اليونانيين القدامى.

إن هذا النوع من الكوسموس تراتبي، إذ ينطوي على مستويات عليا وأخرى دنيا من الوجود تكون الأبدية في قمته، حيث نجد المثل أو الله أو المثل والله معًا، والمثل هي بمثابة أفكار الخالق.

ويعزى أفول فكرة الكوسموس، جزئيًا، على الثورة العلمية حيث انتقلنا بموجب ذلك إلى فكرة الكون الذي يمثل نوعًا من النظام المخصوص يظهر في شكل قوانين ثابتة غير استثنائية لا تنظم وفق تراتبية الوجود Hierarchy of being ولم تعد بالتالي تحيل على فكرة الأبدية ولا على موطن المبدأ الذي يمنحها تماسكها. تنتمي فكرة الكون، بطبيعة الحال وقبل كل شيء، إلى الزمن العلماني، وفوق ذلك كله لا علاقة لمبادئ النظام بأي شكل من الأشكال بالمعنى الإنساني على الأقل بشكل مباشر أو بديهي.

وإذا ما تفحصنا وضع العالم اليوناني-الروماني ثم بعد ذلك العالم العربي، تبيّن لنا أن ديانات الأسفار المقدسة نمت في إطار فكرة الكوسموس، وبدأنا ندرك ذواتنا ذواتًا موجودة في تاريخ محدد، تدور أحداثه ضمن إطار محدد. فلقد وقع عرض كل التاريخ الإلهي الكوسمولوجي على واجهات الكاتدرائية العظيمة. ومع ذلك لم يكن الكون محدودًا تقريبًا أو لا يمكن بلوغ حدوده في الزمان والمكان بأية حال. إن كوكبنا ومنظومتنا الشمسية لا تعدو أن تكون سوى جزءٍ من مجرَّة من بين مجرَّات أخرى لا يحصيها العد. إن أصولنا تمتد إلى اللحظات المبهمة في زمن النشأة الأولى الذي يمكن له أن يُشكِّل بداية التاريخ البشري، وهي بداية غير واضحة حتى أن بعض ملامحها اندثرت إلى الأبد.

وعلى مدى القرنين الماضيين، كان مدار معظم الصراعات بين المؤمن وغير المؤمن هو تحدِّي فكرة الكون كما تجلَّت في ديانة الكتاب المقدَّس. وعلى الرغم من الصخب الذي صاحب هذه الصراعات، أشك في أن تكون الأهمية التي حظي بها التصور الذي تفرضه فكرة الكون هي التي تكمن وراء عدم الإيمان. وما كان لتلك الصراعات أن توجد لو لم تكن ديانة الأسفار المقدَّسة حبيسة فكرة الكوسموس. إن مسألة تحديد نشأة الكون سنة 4004 قبل ميلاد المسيح في يوم بعينه مثال ساطع عن هذا النوع من التفكير الذي يستخدم – وهنا عين المفارقة – أنماط الحساب الدقيق التي طُوِّرت في العصر الحديث لترسيخ مكانتها في معقل الكوسموس. ولكنها رغم ذلك رفضت فكرة تطوّر الأنواع (كاعتراضها على تلك الجوانب التي لا يمكن تصديقها في الداروينية الجديدة).

لا شيء يمنع، من حيث المبدأ، إعادة النظر في ديانة الأسفار المقدَّسة وقد أقدم العديد من المفكرين الأوائل على ذلك من أمثال أورغان Origen ونيكولاس دي كوزا Nicholas of Cusa، من دون الحديث عن باسكال Pascal الذي يقول بـ”الصمت الأبدي” الذي يُخيّم على الأبعاد غير المتناهية، وهو ضرب من الصمت يلقي به خارج الكوسموس وإيقاع فضاءاته.

ينبغي هنا التأكيد على الأهمية الحقيقية لهذا التمثل البارع وغير المباشر للكون، لأنه استطاع أن يُغيّر شروط الجدل وأن يُعطي صورة جديدة عن الإيمان وعدمه في الآن ذاته، فضلًا عن انفتاحه على مواضيع أخرى من ذلك مثلًا أنه وفَّر وسائط جديدة لإنكار التعالي. وسنفصل القول بشكل مستفيض لاحقًا في كيف استطاع تصوُّر الكون في هيئة ساعة – تتفاعل مكوناتها في ما بينها بشكل متناسب على نحو كامل – أن يكون أساسًا إلى حدٍ ما لوجه من وجوه مذهب العناية الإلهية.

ومع ذلك، فقد ساهم الفهم الجديد للإطار الزماني والمكاني، شأنه في ذلك شأن مختلف التغيرات التي تحدثت عنها هنا، في نشأة هذا السياق الجديد. ولنمر الآن إلى سرد قصة هذه النشأة.

6

كنت قد رسمتُ صورة للعالم الذي افتقدناه، حيث كان للقوى الروحية تأثير كبير على الفاعلين المساميين، وحيث يجد الاجتماعي أساسه في المقدَّس و الزمن العلماني في الأزمنة العليا، مجتمع يتنافس فيه النظام والفوضى في توازن وانسجام، أما الدراما الإنسانية فمجالها الكوسموس، بيد أن ذلك كله أُلغي وتم تعويضه بأمر أكثر اختلافًا في خضم تحوّل نعبر عليه غالبًا بنزع السحر.

كيف حدث ذلك؟ عديدة هي الأسباب التي تقف وراء ذلك، وفي هذا المضمار يذكر الناس النزعة الإنسانية التي ميَّزت عصر النهضة والثورة العلمية وازدهار “الدولة المدنية” و الإصلاح الديني . وذلك واقع لا سبيل لإنكاره، ولكن لمعرفة مجمل هذه العوامل حري بنا الرجوع إلى الحركة التي طبعت الفترة المتأخرة من القرون الوسطى، حيث سطع طموح لإعادة بناء المجتمع الأوروبي حتى ينسجم مع تعاليم الإنجيل، ثم بعد ذلك مع متطلبات “الحضارة”. فليس خطأ ربما استخدام مفهوم “الثورية”، على الرغم من أن السياق قد لا يحتمله، حيث مثل الدافع الرئيس للإصلاح الديني البيئة التي نشأت منها الفكرة الأوربية الحديثة للثورة، وبقطع النظر عما إذا كان صدام حسين قد أساء استخدام هذا المفهوم، يمكن أن نقول إنه “مهد (أم) الثورات”.

ما دعوته “إصلاحًا” هو في الحقيقة استياء عميق تجاه التوازن التراتبي الموجود بين الحياة الدنيوية ودعوات الإعراض عنها. وهو توازن مفهوم تمامًا بمعنى ما، ويفترض القبول بأن السواد الأعظم من الناس لا يرتقي إلى مستوى متطلبات الكمال، فهم “يُحملون” عليها حملًا، وهو ما يتعارض مع الروح الحقيقية للإيمان المسيحي.

ولكن هذا لا يُفسِّر عدم الارتياح والمطالبة المتزايدة بسد الفجوة. فقد أظهرت جميع الحضارات التي نشأت في أحضان دين “أعلى ” تفاوتًا بين الراسخين في الإيمان ومن هم أقل التزامًا، وبين مظاهر مغالية في التقوى وممارسات مغالية في السطحية وبين طرق تقود إلى الإعراض عن الحياة الدنيا وطقوس دينية تنمي الطموح إلى الازدهار والرخاء. وبحسب مصطلحات الاندماج الأوروبي، تشتغل هذه الحضارات الدينية “بسرعات مختلفة”.

وكما رأينا سابقًا، يتم بشكل غامض القبول بهذه الاختلافات في “السرعة” في نهاية المطاف إذا ما أخذنا في الاعتبار التكامل بين رجال الدين وغير المتدينين، أو ما يسميهم فيبر “أولي النهي” مثل القساوسة والنسَّاك أو القديسين المتسوّلين. فتتحدد العلاقة بين الناس على أساس التبادل، من ذلك مثلًا أنه في عدة مجتمعات بوذية، يقوم غير المتدينين بإطعام الرهبان طمعًا في الحصول على صك غفران يمكنهم من التمتع بمصير أفضل يوم البعث.

إن المسيحية اللاتينية التي انبثقت من رحم تلك “القرون المظلمة” هي من هذا النوع. ولكنها ليست الوحيدة، فاختلافات “السرعة” كانت حاضرة وبقوة في الكنائس الشرقية، من دون الحديث عن الحضارات الأخرى الكبرى. وعلى ما يبدو ما ميّز فعلًا المسيحية اللاتينية، هو هذا الاستياء العميق والمتصاعد من هذا الفارق. ورغم أن الهدف، في البداية، لم يكن إلغاء هذا الفارق، فقد برزت عدة محاولات جديّة لتضييق الفجوة بين الأكثر سرعة والأكثر بطئًا. ولكن الشعور بالاستياء سرعان ما تنامى وانتشر بين صفوف النخب بل حتى بين عامة الناس، وفي الأخير على كل المستويات.

وبطبيعة الحال لم يكن الحد الفاصل بين النخبة والناس جليًا، وفي هذا الاتجاه فقد انتمى رجال الدين إلى النخبة، ولكن في الأبرشيات المحلية لم يكن أتباعها متكونين، فتجدهم يفكرون ويتبعون الأساقفة أو زملائهم المتعلمين في الجامعات أو في الأديرة وتنظيمات الرهبان المتسولين. وفي الوقت نفسه تمكنت جموع غير المتدينين من التعلم والتكوين لا فقط في صفوف الطبقة البورجوازية بصفة خاصة، ولكن أيضًا في صفوف منتسبي “الطبقة المتوسطة ” الصاعدة من التجَّار والمحامين وموظفي الدولة أو الكنيسة، وذلك بفضل الانتشار الواسع للمدارس.

فما أسميه “الإصلاح” بالمفهوم الشامل، مُعرَّفًا بالألف واللامReform  يختلف عن كل تلك المحاولات التي قام أصحابها شديدي الورع بتوسيع طرقهم الخاصة للعبادة والتقوى عبر التبشير والوعظ أو عبر التشجيع والقدوة. وقد انتظمت هذه الحركات الإصلاحية reform في ظل التراتبية الرسمية من دون الانضواء فعليًا تحت حركة الإصلاح الأم. ولقد نادت حركات التجديد والتبشير والتنصير بتطور كل المجتمعات، وهذا ما ميّزها عن حركة الإصلاح الأم، إذ لم تسعَ إلى سحب الشرعية عن كل أشكال التقوى الأقل التزامًا، وإنما كانت تهدف فقط إلى تحويل أشياعها لهذه الحركة “بسرعة” فائقة.

وفي فترة متأخرة من العصور الوسطى برزت مجموعة من الإصلاحات، وفي هذا الصدد نُشير إلى حركة التبشير التي قام بها الأساقفة المتسولون. أمّا ما اتسمت به المسيحية اللاتينية فهو الهاجس المتصاعد للإصلاح من أجل إعادة بناء المجتمع استنادًا للمعايير السامية. وأنا لا أدَّعي أن يكون تفسير هذا “السخط على النظام”، ولكن يبدو لي أن ذلك هو واقع الحال في أواخر العصور الوسطى ومطلع العصر الحديث، بل إنه اخترق الحداثة وساهم ولو جزئيا في بلورة الفكرة العلمانية “للحضارة”. وسأبين كيف كان هذا “السخط” حاسمًا في مسار تدمير الكوسموس القديم المسحور وخلق بديل قابل للانطباق من خلال النزعة الإنسانية الحصرية.

ما هي الاختلافات الدينية الأكثر شيوعًا؟ في الحقيقة يصعب تحديدها بدقة. ولكن يكمن الفارق الأساسي، من جهة، بين إيمان يولي أهمية قصوى للبعد العقدي حيث تكمن حياة التقوى في الصلاة في حميميتها، ثم بعد ذلك في عبادات تأملية، ومن جهة أخرى، اعتمدت العقيدة على نوع من الإيمان بدائي جدًا، حيث لم تكن المناسك سوى إعادة ما سبق إنتاجه، كما عبَّر عنه بيار شوني Chaunu Pierre بقوله إن الناس “يمتلكون دينًا للفعل وليس للمعرفة”([43]).

لقد كانت هذه الممارسات متنوعة للغاية فهي تضمّ أمورًا عديدة كالصوم والراحة أيام الآحاد وأيام العطل والأعياد الدينية، وكما تضم كذلك المشاركة في قدَّاس الأحد والكفارة وتناول القربان المقدَّس على الأقل مرّة خلال السنة الواحدة لا سيما في عيد الفصح، وفي الحقيقة تعتبر تلك الممارسات عادات قديمة، ولكن تنضاف إليها أشكال أخرى للتعبير عن التقوى لجأ إليها عدد كبير من الناس كالأعمال الليتورجية مثل “الصعود إلى الصليب” يوم الجمعة المقدَّس (الجمعة العظيمة) أو الشموع المباركة يوم عيد تطهير مريم العذراء والمشاركة في مواكب إحياء عيد الربّ (كوربوس كريستي). كما وجدت أيضًا مجموعة أخرى من الأعمال الدّالة على الإيمان والتقوى مثل عبادة القطع الأثرية والصلاة في رحاب العذراء، وقد مثَّل هذا المجال الذي ما فتئ يتوسع أكثر فأكثر موضوع جدل.

وبهذا المعنى، ينطوي هذا الدين بمستوييه على منظومتين للممارسات الدينية تنتظم كل منهما حسب تراتبية خاصة بها وتنامت خاصة في أوائل العصور الوسطى. ولنضرب على ذلك مثلًا القبائل الجرمانية التي دخلت حديثًا إلى المسيحية خلال القرن الثامن من خلال الانصياع لزعمائها الذين مهدوا لها الطريق إلى الكنيسة. فلأنهم كانوا على استعداد لاعتناق المسيحية، فقد تأثروا بشدة بالمبشرين منبهرين بمعجزاتهم (على حد رأيهم) تمامًا مثلما حدث مع الأنكلو-سكسون خلال القرن السابع عندما انحازوا إلى الكنيسة بفضل المعجزات التي أظهرها القديسين المسيحيين([44]) أو مع الريفيين في بلاد الغال خلال القرن الرابع عندما قدم إليهم القديس مارتن دو تورز  Martin of Toursيدعوهم إلى المسيحية. فما كان عليهم هو أن يبلغوا هذا الدين الجديد من خلال مختلف السلطات المقدسة المألوفة لديهم، وأحيانًا اعتماد صيغة أعلى لكنها تنتمي للسجل نفسه. ومن المؤكد أنّ معنى الطقوس الجديدة كان مختلفًا بالنسبة إليهم عما جاء به المبشرون الأوائل الذين يعتبرونه متطابقًا مع روح الكنيسة([45]).

ورغم تواصل هذا الاختلاف لمدة طويلة خلال العصور الوسطى وامتداده حتى أنه شمل مجموعات سكانية متعددة بعضها مهم وبعضها الآخر هامشي([46]) وفي مناطق دخلتها المسيحية حديثًا (إسكندنافيا وبلاد البلطيق) ظلت المنظومة مزدوجة السرعة ثابتة ولا يمكن الاستغناء عنها.

أولًا، شهدت الأعوام التي تلت العام 1000 نموًا مطردًا للشعور الديني امتد على نطاق واسع بين عموم الناس، وخاصة ذاك الذي تعلق بتمركز المسيحية روحيًا حول المسيح كإنسان، ولا سيما حول معاناته، وهذا ما نلاحظه في الوقت نفسه في الفن المسيحي (الأهمية البالغة والمكانة التي مثلتها عملية قتل المسيح في اللوحات الفنية) وفي الطقوس التي تُجسِّد معاناة المسيح (ندبات القديس فرنسيس وعلى صعيد مختلف نسبيًا، الحركات التي يقوم بها الجلادون “Flagellants”) والاهتمام المتزايد بتقوى المسيح أو المسيح وأمه أو العائلة المقدسة، في علاقة بمختلف القديسين إلى حدود نهاية العصور الوسطى([47]). وعلى امتداد تلك الفترة، وحتى مع معجزات هذه المواضيع والقطع الأثرية، تنامى تغيّر في الموقف تجاه كل ما كان له علاقة بالمسيح وأمه مريم: قِطع الصليب المقدس، دم المسيح (دير هيل)، حليب مريم، والجروح الخمسة([48]).

وهذا ما بيَّنه إيمون دوفاي  Eamon Duffy”يريد غير المتدينين إقامة علاقة حميمية مع المسيح وأمه وقد كان ذلك الخطاب المشترك الإيماني في أواخر الفترة الوسيطة”([49]). تم بدأ التركيز على تقوى المسيح، وبمعنى آخر على موت المسيح، باعتباره الأخ فادي الإنسانية بتحمله لجميع أخطاء البشر. وضمنيًا، سمح ذلك بالتحوّل عن الصليب المنتصر إلى ثيولوجيا المعاناة، فتغيَّرت الصلاة مِن “أعشقك عندما تكون فوق الصليب” إلى “أعشقك عندما تكون معلقًا في الصليب” وتبرز بذلك وبقوة صورة الجروح الخمسة للمسيح، وهو ما مثَّل لواءً انضوت تحت مسيرة حج الاعتراف بالنعمة([50]).

اختلفت تلك الطقوس عن مثيلاتها عند النخب مثل عبادة القطع الأثرية في المعابد التي هجرها الإنسانيون مثل اراسموس Erasmus وكوليت Colet([51])، ورغم ذلك صمد نوع من الديانة الوثنية في المناطق الوسطى للعالم المسيحي اللاتيني عند أواخر القرون الوسطى رغم أن الإنسانيين والمصلحين يرفضون الحديث عن ذلك([52]).

بيد أنّه أيضًا، مثّل التباين في الطقوس الدينية إشكالية خلال القرون السابقة للتحوُّل الخطير في بداية القرن الرابع عشر، فمثلما بيَّنت أعلاه فقد لاقى هذا الاختلاف استنكارًا من هنا وهناك، فقد تصاعدت بعض الحركات من الأسفل وسأعود إليه بأكثر دقة، ولكن يبدو أيضًا أن جهدًا مركزًا بُذل على مستوى التراتبية الكنسية لضبط المعايير، وقد اعتبر البعض الآخر أن الأمر يتعلق بمحاولة لتوحيد العامة حول دين النخب. فعلى سبيل المثال فرض مجلس لاتران سنة 1215 الاعتراف الأذني (الذي يُطلق عليه auricular confession من الكلمة اللاتينية auricular التي تعني الأذن، لأنه اعتراف لا تسمعه غير أذنيّ القس. وهو اختصارًا اعتراف سري بالخطايا يُهمس في أذنيّ القس) على كل غير المتدينين وذلك مرة على الأقل في السنة، كما أضيفت إلى ذلك إجراءات لتكوين الأساقفة وتأليف الكتب حتى يتمكن رجال الدين من تدريب وتكوين الوعي لدى المؤمنين.

وقد أثَّر دور الأساقفة المتسولين بطرق مختلفة على التركيبة الهرمية للكنيسة، وساهم أبعد من ذلك في عدم استقرارها. ولكن برز من بين التأثيرات التي ساهمت في خلق طرق جديدة وقوية على قاعدة التبشير بالنعمة التي يسعى لنشرها الرهبان المتجولون ذوو التكوين العلمي الجيد مقارنة بكهنة الكنائس الأبرشية (وهم دائمًا في صراع مع فقراء الأساقفة اللائكين). فمن خلالهم نشرت رسالة ممارسة جديدة وأكثر فعالية طارئة جدًا في جميع أنحاء العالم المسيحي اللاتينية. فإذا نظرنا إلى هذه المحاولة من قبل النخبة لوضع قواعد للتحضير للعالم الذي سيأتي، فلا غرابة أن تنشأ عن ذلك بعض المظاهر مثل الحزب البلشفي. ثم يمكننا أن نعتبر الرهبان بمثابة وسائل الإعلام الشيوعية (Agit-prop) في أواخر العصور الوسطى (وفي هذا المضمار يكمن أن نذكر بعض التنظيمات الأخرى مثل اليسوعيين واليعاقبة… إلخ التي ظهرت في فترات مختلفة). وفي الواقع أثر الرهبان في وعي كثير من الناس، وقد كان دورهم حاسمًا في تشكّل الإصلاح الثنائي.

يتعلق أحد هذه التغيّرات الأكثر إثارة بالموقف من الموت، وتتحمَّل فيه تنظيمات المبشرين المستولين جزئيًا المسؤولية. مثلما لاحظ ذلك أرياس  Arièsوغيره من المفكرين أن الفترات المتأخرة من القرون الوسطى دشّنت ما نعتبره نحن اليوم الانشغال المتزايد للخوف الدائم من الموت([53]). ومثلت الرسالة المتضمنة للمواعظ الدائمة ولنصوص تذكر الموت (memento mori) وأيقونة رقصة الموت والتكرار الدائم لأسطورة الثلاثة الأموات والثلاثة الأحياء (Dict des trois morts et des trois vifs)([54]) تفاهة الحياة والازدهار والمتعة وكل “الأشياء المفيدة” في مواجهة الموت القادم لا محالة. فما هو المفيد إذن؟ كل شيء قابل للاضمحلال ولأن ينقلب إلى ضده، فجمال الرجل أو المرأة الذي ننزع إليه قد يستحيل إلى ما يشبه اللحم المتعفّن، ولكن في الحقيقة لا يتعلق هذا إلاّ بظاهر الأشياء فقط.

يختزل جمال الجسم في البشرة، وإذا تمكن الرجال، الموهوبون، أن يشاهدوا ما خلف البشرة مثل ما تفعل سنّوريات بيوتيا Béotie، فإن رؤية النساء عندئذ تبعث على الاشمئزاز: فنعمة الأنوثة هذه ليست في الحقيقة سوى وحل ودم ومرارة وحقد، مع اعتبار كل ما يتخفّى في دواخل الأنف والحلق والبطن: أوساخًا في كل مكان، وإذا كنا لا نتحمل لمس القيء أو الغائط بأطراف أناملنا فكيف لنا أن نحتضن كيس الفضلات نفسه([55]).

ولكن، لا يتعلق الأمر فقط، بطبيعة الحال، بأن ملذات الجسد التي مرّ عليها الزمان تكاد تكون حقيقية، ولكن بالرجوع إليها إنما نهمل ما هو أشد أهمية من ذلك حقًا، وهي مواجهة مصيرنا بعد الموت حيث نقف بين يدي الله ليحاسبنا بما كسبت أيدينا طوال حياتنا برمتها. فلقد كان الموقف من الموت الذي أُثير مرارًا وتكرارًا في أوساط النخب الروحية منذ القرون الأولى الظاهرة الأكثر شيوعًا بين الناس. وإذا كان القديس جيروم غالبًا ما يُصوَّر مع الجمجمة، فلأنه كان يعتقد بأن علينا أن نتأمل في ظاهرة الموت، ولكن لماذا؟ لأنه يجب علينا، تحديدًا، الابتعاد عن الأشياء التي تلهينا عن المسألة الرئيسة التي يثيرها السؤال عما إذا كان يجب علينا أن نموت في العالم لنعيش بين يدي الله.

وقد مثَّل هذا التصور الروحي لظاهرة الموت خلال الفترة المتأخرة من العصور الوسطى، ضمن بعض الوجوه، خطوة مهمّة لتجاوز معضلة المنظومة ذات السرعات المتعددة. وإذا اعتبرنا ذلك التجاوز نتاج لجهود رجال الدين في مختلف رتبهم (ربما في جزء منه) أو لامتداد حركة أكثر عمقًا وعفوية في صفوف المؤمنين المخلصين (وهذا واضح في جزء كبير منه) فإنه قد وجَّه اهتمام الكنيسة في مستوييها نحو شيء يشبه اتخاذ المسافة نفسها من مسألة مهمة.

أقول “شيئًا يشبه” لأنه ما زالت هناك اختلافات مهمة، من بينها ربما تلك التي شهدتها أوساط النخب نفسها والتي نشأت عنها هي بدورها اختلافات جديدة، لعلّ أهمها تلك التي أدّت إلى انفجار 1517 الذي كانت له عواقب كارثية على العالم المسيحي اللاتيني.

وقبل الخوض في هذه المسألة أودّ التطرق بأكثر تفاصيل لهذا الموقف الجديد من الموت. وهو موقف يمثله التنصير والفردانية على حد سواء.

لقد كان التنصير واضحًا منذ البداية، فحسب هذا التصوُّر ليس الموت عند الشعوب المنضوية تحت الكنيسة المسيحية اللاتينية قبل اعتناقها المسيحية، إلا مرحلة مكملة لمسار الوجود، وهي مرحلة عادة ما تكون مهمَّشة كما هو الحال في تصور الإغريق الأوائل المعروف للجحيم. فالموت خسارة تعقّد علاقتنا بموتانا لأننا يمكن أن نتخيَّل ببساطة أنهم مستاؤون لأنهم غادروا أرض الأحياء مكرهين، لذلك تراهم يحسدوننا على وضعنا ويتمنون العودة إلينا ليطاردونا. ولذلك تعكس الشعائر الجنائزية في جزء مهم منها طابعًا تشفعيًا عسى أن يُكفّر عن ذنوب الميّت، أو أنها بلغة أخرى رتَّبت لدفع البلاء عن أسلافنا حتى يعيشوا عيشة راضية في الآخرة مما يزيد في تعقيد علاقتنا بهم، إذ نحتاج إلى أن نحسن الظن بهم، ولكننا في مقابل ذلك لا نرغب في أن يقتربوا منّا. وهنا عين المفارقة.

وإذا كنا نخاف الأموات، فما من سبب جدّي يجعلنا نخشى الموت، وإن كنا لا نرحب بها فإنها رغم ذلك جزء من النظام الطبيعي للأشياء، ولنا معها موعد لن نخلفه أبدًا.

تُقدِّم وجهة النظر المسيحية من هذه المسألة أمرًا مختلفًا تمامًا وغير قابل للقياس، فرغم أن الإيمان المسيحي قد أدرج وأحيانا بلور تصورات مختلفة للنظام الطبيعي، فإنه ركَّز على بعدٍ آخر: الحياة الآخرة، ولذا نحن مطالبون بالعيش بشكل مختلف تمامًا نتغلَّب فيه على الموت، ومن ثم يفترض الازدهار الإنساني التغلب على الشروط المادية للحياة البشرية التي يفرضها النظام الطبيعي كائنًا ما كان.

ورغم أن فكرة ما وراء الازدهار الإنساني، التي بيَّنتها أعلاه، جوهرية في المسيحية، فقد عرفتها عديد الديانات “العليا” الأخرى – وخاصة الديانة البوذية – ولعلها لأجل ذلك اعتبرت على الأرجح “عليا”. كما يمكن القول إن العلاقة بين تلبية نداء الآخرة، من ناحية، والتغيير الذي طرأ على مفهوم الآخرة، من ناحية أخرى، قد تعقدت ودار حولها جدل واسع طوال العهود المسيحية. ووفقًا للتأويل المتداول بين المتدينين المخلصين، حتى وإن كان لا يتفق مع الثيولوجيا الأرثوذوكسية، نكسب أو نفشل في كسب تذكرة الدخول إلى مرحلة التحوُّل الأخير بحسب مدى توافق طريقتنا أو عدم توافقها مع تلبية النداء. كما نبَّه علماء الدين إلى أن هذه الصورة المبسطة تجاهلت دور الله الذي هيَّأ فينا القدرة على تلبية النداء، إلا أن هذا قد يستبعد مفهوم الابتلاء الذي قد نفشل فيه، والصراط الذي علينا أن نعبره كشرط ضروري للدخول في ملكوت الله.

وبحسب الصيغة المركزية للسرديات المسيحية، لا بد أن نُحاسَب قبل دخولنا في ملكوت الله بشكل كامل، وبمعنى آخر لا بد أن توزن حياتنا وقد نكون من الخاسرين. ولعله لأجل ذلك يوجد سبب للخوف من الموت باعتباره نهاية للحياة، وإذن الفصل الأخير – إذا جاز التعبير – من السجل الذي سنقدِّمه يوم الدينونة.

هكذا مثّل هذا التحوُّل المثير للقلق تجاه الموت والدينونة تنصيرًا لطريقة حمل الناس على تقبُّل حياتهم الفانية، فرغم أن بعض الطرق القديمة اندثرت، فقد تواصل خوف الناس من الأشباح وعدم تقبلهم للموت ورغبتهم المفزعة للبقاء بيننا([56]). وفي هذا السياق أشار مونتايي Montaigne إلى تقبّل الموت عند عامة الناس في زمانه، حيث أصبح الموت أمرًا عاديًا، وقد سعى إلى أن يحذو حذوهم([57]). وما زال كثيرون يعتقدون أن الموت ليس أمرًا مُرعبًا ينهي الحياة، وإنما جزء لا يتجزّأ من دورية الحياة نفسها، إذ نحيا ثم نموت. وعليه يُشكّل الموتى حسب بعضهم، قسمًا مهمًا من مجتمع الأحياء، إذ يدفنون في مقبرة جماعية غالبًا ما تكون في وسط القرية. وفي بعض المناطق، يعتقد الناس أن الأموات يعودون، ولعل ذلك ما يُبرِّر الرقص في المقابر. وقد كان حضور الأموات مريحًا ومخيفًا نسبيًا في الآن نفسه، كما كان شأنهم لمّا كانوا على قيد الحياة([58]).

ورغم ذلك عرفت وجهة النظر الجديدة هذه تقدمًا مطردًا بالتوازي مع تنامي فردانية عضدتها باستمرار. فهل ثمة ما يربط بينهما جوهريًا؟ بطبيعة الحال، نعم ذلك أنّ فكرة تلبية النداء والدينونة والتغيير يحتكم إلى مسؤولية فردية، وقد ذكرت أعلاه كيف أن هذا الانهمام الجديد بالموت يستغرق الأشكال الأساسية للروحانية لأقلية من الرهبان والنسَّاك في العهود السابقة.

وفي المقابل، أثَّر تفكيك التمثل الجماعي القديم للموت في الإيمان المسيحي في صيغته الرسمية. فقد مثلت فكرة الدينونة الجماعية التي تشمل وجود جميع الأفراد في نهاية الزمان مظهرًا مركزيًا في الإيمان المسيحي خلال العصور السابقة، فخلال الفترات الأولى للعصر الوسيط بدأت الكنيسة في اعتماد الفكرة القائلة بأن كل فرد سيلاقي عند موته دينونته الخاصة، وهذا ما يجعل من مسألة “السجل/الكتاب”، الذي يجب أن أقدمه عند الموت، أكثر إلحاحًا ومأساوية. ففي السابق اقترنت فكرة الإيمان بالحساب الأخير بفكرة قديمة ما قبل مسيحية اعتبرت الموت جزءًا من دورية الحياة، وأرجأت فكرة التحوُّل الأخير إلى ما لا نهاية له لتكتسي بذلك مسألة ارتباطنا بتجربتنا الحاضرة عن الموت أكثر غموضًا. لذا ساهم الإيمان الجديد بالدينونة الفردية الفورية بعد الموت في بلورة هذا الرهان وبصورة مرعبة في بعض الأحيان، كما أشار إلى ذلك ديليمو Delumeau: “فقد تزامن ظهور المواقف التي تحتقر العالم، وتلك التي تقول بمأساوية الموت وتلك التي تؤكد على أهمية الخلاص الشخصي”([59]).

هنا تبرز مسألة على غاية من التعقيد تتعلق بالتحوُّل وأبعاده ودوافعه، إذ لا جواب واحد عنها. فلقد حُدّدت في جزء منها، بدون أدنى شك، من قبل النخب الكنسية ضمن المجهود المبذول من جانب المسيحية اللاتينية من أجل الرفع من مستوى التقوى والعبادة الدينية بالنسبة للمجتمع المسيحي ككل. وربما شهدت هذه الحركة بدايتها في فترات مختلفة، لكن نقطة انطلاقتها الحقيقية كانت مع انعقاد مجلس لاتران سنة 1215، حيث فرض الاعتراف الأذني على الجميع. وفي كل الحالات يشبه ذلك ما يمكن اعتباره “حملة صليبية داخلية ” اندلعت شراراته الأولى في القرن الثالث عشر مستفيدة في ذلك أساسًا من دور تنظيمات المتسولين، وهي بمثابة حملة صليبية حقيقية ضد الهراطقة – مثل ما هو الحال مع الدومينكان في بلاد الألبيجان Albigensian – ولكن أيضًا حملة نشيطة من أجل التوبة وتقبُّل الموت والدينونة والتصرف وفقًا لتلك الاعتبارات، وربما يمكن اعتبار تعليم الناس ما ينتظرهم من حساب فردي أحد أسلحة ترسانة تلك الحملة الصليبية.

ومن ناحية أخرى، يمكننا الإقرار بأن الإيمان بالآخرة لم يُعزِّز الفردانية وإنما على العكس تمامًا، إذ تعززت عبر القطع مع بعض ضوابط الحياة التقليدية: نزوح الريفيين للمدن، دور الجماعات الاجتماعية الجديدة الجوالة التي وفرت الموظفين للمؤسسات التجارية والقانونية أو الإدارية، وتحوُّل القادة العسكريين الذين اشتغلوا بالسلاح والاستخبارات في عصر النهضة الإيطالية إلى حكام عصاميين، وهؤلاء جميعًا وآخرون كثر لم يندمجوا بعمق في مختلف أشكال الحياة الجماعية التي لا يزال الأموات جزءًا منها.

برهن هؤلاء جميعًا على أنه يمكن تحديد مصيرهم ونفوذهم وثرائهم أو مجدهم بأنفسهم، ومع ذلك كان هؤلاء تحديدًا، أول المستهدفين بدعاوى المبشرين ومواعظهم حول الموت، يحذرونهم من أهوالها ويذكرونهم بتفاهة كل نجاح دنيوي وبتعفن كل شيء جميل وينبض بالحياة عساهم يتَّعظون. وقد أثَّر هذا الانقلاب الدراماتيكي في حياة أولئك الذين آمنوا بقدراتهم الذاتية على توجيه مصيرهم بمفردهم، يحدوهم عزم لا يدانيه شيء للوصول إلى القمة. ولهذا السبب مثَّل هذا الانقلاب الموضوع المبجل للوعظ، وللسبب ذاته أيضًا سعى بعض العظماء للإعلان على الملأ أنهم فهموا الرسالة: حتى إن أسقفًا عظيمًا أراد أن يُمثَّل على شاهدة قبره لا فقط مرتديًا ثيابه ولكن أيضًا جثةً تأكلها الديدان (كاتدرائية ويلز).

وأيا كان الدافع، فقد اتخذت الروحانية الجديدة بعدًا فرديًا ربما ترجم التأكيد المتصاعد على العفّة التي أصبح انتهاكها بمثابة خطيئة لا تقل أهمية عن خطايا الغضب والعنف أو تفكك روابط الأخوة([60]). وفي هذا الصدد تحدث بوسي  Bossy عن تركيز مبكر على خطايا الزهد وأخرى ضد الخير والتضامن، وهو ما مهَّد الطريق تدريجيًا للاهتمام المتصاعد بخطايا الشهوة والخطايا ضد العفة التي يُنظر إليها على أنها تلوُّث لقدسية الشخص وأكثر من ذلك نفي لها. وقد أشار المفكر نفسه أيضًا إلى تحوُّل في التوجه الرئيس للكفارات: من تلك التي كانت غايتها التكفير عن الذنب وجبر الضرر المترتب عنه إلى تلك التي تفرض “ميتانويا” metanoia أي تحولًا جذريًا أو توبة نصوحة وإصلاحًا([61]).

ولكن في الوقت نفسه، من خلال منعطف ما فتئ يتكرر باستمرار في تاريخنا، جلبت الفردانية الجديدة معها نوعًا جديدًا من الرابطة الاجتماعية، ونشأ حول الانهمام الفرداني بالموت والدينونة نوع جديد لتضامن الشفاعة حيث يمكن للأحياء الصلاة من أجل نجاة أرواح الموتى أيًا من كانوا وحيثما كانوا. وعندئذ يمكن مواجهة الطابع المرعب للمصير الفردي عبر التعاضد والخدمة المتبادلة.

ومثل ذلك أحد تأثيرات التنامي الهائل لمطهر الأرواح (Purgatory) كنقطة اهتمام محورية روحيًا وعمليًا، كما هو الحال خلال القرون الأولى عندما سادت فكرة تقول بأنّ كل من تطارده اللعنة لا يمكنه دخول الجنة إلا بعد المرور بالنار المطهرة، وكانت في تلك الفترة فكرة على قدر من الغموض، لكنها رغم ذلك لاقت رواجًا واسعًا خاصة في المسيحية اللاتينية خلال العصر الوسيط، لا فقط في العقيدة الرسمية كاملة الصلاحياتfull-fledged doctrine  ولكن أيضًا في الزمنية الحديثة. إذ بين وجودنا الزمني والأبدية الإلهية المعاصرة، أن لكل الأزمان يمتد بُعد جديد لزمن قريب توجد فيه الأرواح بين الدينونة عند الموت مباشرة والحساب الأخير. حيث تسعى كل نفس لتطهير نفسها باستثناء القدّيسين (فليس لهم حاجة لذلك) والملعونين (ليسوا أهل له) وباختصار كل الموتى من الأحبة والأصدقاء.

يمكن لصلاة الأحياء ودعائهم أن يخففا من عذاب الموتى عند مطهر الأرواح، كما يمكنهم أن يتوسَّلوا في ذلك شفاعة القديسين أو مريم العذراء. وللخروج من هذا الوضع تبلورت نظرية حول ما تحتويه خزينة القديسين من مواد عينية وإمكانية إعادة توزيعها على المذنبين. وبذلك تم إصدار سندات أو صكوك الغفران التي أصبحت في النهاية تُدفع بحساب العملة في ذلك الزمن القريب، ذلك أن فعلًا من هذا القبيل كفيل بأن يشفع لأمك لسنة وأربعين يوما في المطهر([62]).

بيد أن هذا الاستغلال أصبح خارج نطاق السيطرة حتى تعدّى حدود كل لاهوت حصيف وكل عبادة مسيحية نقية حتى بات يهدد في نهاية المطاف نظام الكنيسة الوسيطة برمته وما ذلك بخفي عن أحد. والصورة التي ترقى إلى الذهن، في هذا المضمار، هي تلك التي تتعلق بالانتفاضة الأخيرة لطبقة الأثرياء والمتنفذين المستفيدين من جهل وخوف غير المتدينين لتوفير مبالغ طائلة من الأموال من أجل روما، وأساسًا من أجل توسّع السلطة البابوية وبناء كنائس عصر النهضة البديعة.

تنطوي وجهة النظر هذه على قدر كبير من الصواب، لكنها تخفي رغم ذلك حركة في اتجاه مغاير. فإلى أي مدى تستجيب، وبمعنى ما، إلى أيّ مدى تتبع هذه الطبقة شروط التقوى الشعبية التي تسعى لحشد كل الوسائل للتضامن من أجل مواجهة الموت؟ بَيَّن كل من شوني  Chaunuودوفاي Duffy أهمية المؤسسات التي نشأت وتشكَّلت من أجل تلك الغاية: مثل المنظمات وبعض الجمعيات الخيرية الأخرى([63]) وحتى داخل الأبرشية نفسها، حيث يجتمع المصلون لقراءة قوائم أسماء أولئك الذين ستقام من أجلهم الصلاة (bede-roll)([64]). وأصبح مَطهر الأرواح الجزء الأكبر من الطقوس المسيحية في صلب الكنيسة خلال الفترة المتأخرة من العصر الوسيط، ففيه يتم تصريف شحنات مهمّة من القلق من خلال الصلوات والكفارات والصدقات لفائدة الفقراء([65]) أو عبر الابتهالات التي تصدح بالدعاء تشفعًا للموتى من أجل خلاص أرواحهم.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا كان مصير هذه الطاقة الهائلة وشحنة القلق والأمل في الخلاص خلال مطلع القرن السادس عشر عندما هَمَّ المصلحون بتقويض نظام الكنيسة القائم في مختلف مستوياته؟ ماذا كان موقف عامة الناس من هذا التقويض؟ هل اعترضوا عليه أم أنهم اتبعوا المصلحين في تغيير وجهة تلك الطاقة في اتجاه ومجال مختلفين؟ لقد كان لكل ذلك دور حاسم، بلا شك، في تحديد مصير الإصلاح في أنحاء شتى.

ولكن، على أيّة حال، فقد فرض هذا الموقف الروحاني الجديد من الموت والدينونة، ضمن بعض الوجوه، على النخب والجماهير الالتقاء حول إيمان مسيحي ركَّز أكثر على الموت، ولكنه لقاء بشَّر أيضًا بنهاية هذا الموقف، إذ كان له تأثير عكسي: فقد انفتحت فجوة بين بعض النخب وجموع المتدينين المخلصين ظلت تتّسع أكثر فأكثر حتى اندلعت الحرب التي أتت في نهاية المطاف على الكنيسة نفسها ففجَّرتها. فما سبب ذلك؟

للإجابة عن هذا السؤال وُجب الرجوع إلى كل الحركات الموازية لهذا الإخلاص الجديد للمسيح مصلوبًا والرؤية الجديدة للموت، التي وسَّعت الفجوة بين أقلية من النخب والطقوس التي كانت تمارسها الأغلبية من العامة.

كانت هناك في البداية عدَّة محاولات تنهل من منابع مختلفة للمضي قدمًا بشكل فردي إلى أقصى حد ممكن من التقوى. بدأ التقليد الباطني الألماني مع مايستر إيكهارت Meister Eckhart وربما كان الأشهر في هذا الميدان، ولكن هذه التجربة ظلت محدودة ومعزولة. وزيادة على ذلك انتشرت خلال القرن الرابع عشر فكرة التقوى الجديدة (devotio moderna) لأخوة الحياة المشتركة (The Brethren of the Common Life) ومن بينهم توماس كامبيس  Thomas à Kempisصاحب كتاب محاكاة المسيح (The Imitation of Christ)، وقد ركَّزت هذه التقوى الجديدة على الصلاة الباطنية أو الاستبطان كما شجعت أيضًا على الاحتفاظ بصحيفة.

بيد أنه، ظهرت مبادرات سابقة في هذا المجال، لا تربطها أية صلة بتلك الحركات، في صفوف رجال دين ثانويين ولكن أيضًا في أوساط أعداد متزايدة من غير المدينين المثقفين كثيري التأمل والتفكير. فقد كان الناس يسعون إلى حياة دينية شخصية تحدوهم رغبات وآمال كبيرة في أشكال جديدة للصلاة ذات طابع صوفي وقراءة وتدبر التوراة بأنفسهم.

برزت إذن، نخبة جديدة لا تكترث بتوجّه الكنيسة بتراتبيتها الهرمية ولا بزعامتها. وقد أبدت ارتيابًا في كثير من الأحيان من هذه الأشكال الجديدة من الباطنية، من ذلك مثلًا إدانة بعض كتابات إيكهارت وبعض الحركات أثناء الصلاة الشبيهة ببعض الرقصات الشعبية (Béguines) المناهضة لسلطة الكنيسة حيث اعتبرت منحرفة. امتد الارتياب إزاء هذه الباطنية لمدة طويلة في صلب الكنيسة الكاثوليكية، فحوكم أغناطيوس Ignatius وتيريزا Teresa في فترات مختلفة من قبل محاكم التفتيش الإسبانية بتهمة الهرطقة التي طبعت موجة سابقة من التقوى الباطنية ضمن ما يسمّى بحركة “النور” ألومبرادوس (Alumbrados) باعتبارها نوعًا من الهرطقة، ثم مراقبة كل نشاط جديد لتلك الحركة ببث الذعر في منخرطيها واضطهادهم. وقد تغيَّرت أمور عديدة على نحو أفضل بعد انعقاد مجلس ترانت (Council of Trent)، لكن وحتى ذلك الحين لم يتبدَّد الخوف من الأشكال الجديدة للباطنية.

ولكن، إذ أمكن لهذا الشكل من الروحانية مناهضة التراتبية، فقد استطاع أيضًا أن يشذ عن القاعدة. فقد مضت قدمًا في اتجاه مختلف عن تيار الإيمان الشعبي السائد الذي يُعلي من شأن العبادة العملية على حساب التأمل والصلاة الصامتة، وتشمل هذه العبادة العملية الصلاة العامة وترديد ابتهالات بترز وأفيز Paters و Avesوكذلك الصلاة الليتورجية في الكنيسة، ناهيك عن الممارسات الفردية كالصوم والحج… إلخ. ومهما يكن من أمر فقد كان هذا الشكل من التقوى غاية في الغموض، وسرعان ما تم تجاوزه.

لا يعني التحوَّل إلى التصوُّف التخلي عن الأشكال العملية للتقوى ناهيك عن مناهضتها. ورغم ذلك ينفر المتصوفون من تلك الأشكال، ويعتبرونها بمثابة تحويل أخرق للتقوى الحقيقية. وهو موقف أغلب روَّاد النزعة الإنسانية المسيحيين وأبرزهم أراسموس… وضح من هذا الاتجاه أن الوقوع في الحكم السلبي الذي أطلقته النخب ببساطة على التقوى الشعبية منظورًا إليها من خارجها، يفتقد غالبًا للروح التي تحركه. وهكذا بدأت تتعمَّق الفجوة بين أقلية مثقفة ومتعلمة، وبين مظاهر العبادة في الأوساط الشعبية.

ولكن أشكال العبادة هذه لم تتعرَّض إلى الهجوم باعتبارها تحويل خارجي فحسب، بل أيضًا نتيجة الاستياء المتزايد حيال ذلك، وكان من نتائجه المباشرة إرباك طابعها الذي يذكر بالعالم المسحور. حيث تمثل القوى الخارقة التي لها قوة التأثير وقوة السبب، كما رأينا، والأشياء “المقدَّسة” المنبثقة عن الله أو عن القديسين، حصنًا ضد الكائنات الخبيثة والأشياء الخارقة الشريرة. وهكذا كان لآثار القديسين نوع من “السحر المفيد ” مثلما هو الحال مع الشموع المباركة يوم عيد تطهير مريم العذراء والصلبان التي تُجهز أثناء سرد رواية حب المسيح والماء المبارك وقطع الخبز المباركة خلال القداس (ليس خبز القربان المقدس)([66]) والصلاة المكتوبة التي تستخدم كتمائم ودقّ أجراس الكنيسة تحصنًا من دويّ الرعد([67]) وفوق كل ذلك سرّ المذبح المقدَّس نفسه.

في الحقيقة أثار ذلك قلقًا لدى أقليات من الناس ليست منحدرة بالضرورة من النخب الاجتماعية وذلك تحت تأثير مجموعة متنوعة من الدوافع أكثر أو أقل راديكالية. وقد برزت في صلب المواقف الأقل نقدًا مجموعة من الإشكاليات المقترنة ببعض مظاهر الشعائر في الأوساط الشعبية، وفي الحالات الخيّرة كالشفاء من المرض مثلًا تعتبر القوة السببية عادلة بشكل كامل، وخاصة عندما يكون لها تأثير إيجابي حيث يقترن الشفاء أيضًا بفضائل الاعتراف والغفران، لكن القوة السببية كثيرًا ما اقترنت باستعمالات شابها الشك مثل استخدام خبز القربان المقدَّس كسحر للحب واستعمالات أخرى شريرة مثل إقامة قدَّاس للموتى لشخص على قيد الحياة من أجل التسريع في وفاته. كما توجد استعمالات لقوة المقدَّس ممزوجة بقوى الظلام ولعل القدَّاس الأسود أشهرها. وهكذا، وحتى قبل أن تنشأ شكوك أعمق حول موضوع اللجوء إلى القوة المقدسة، استطاعت الكنيسة أن تتحكم في الحد الفاصل بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع.

وبصفة أكثر جذرية كان هناك قلق تجاه استعمالات القوى السببية لغايات لا يمكن الاعتراض عليها، كما رأينا ذلك آنفا مع أراسموس، وعادة ما يكون استخدام المقدَّس محمودًا كلما تعلق بأغراض خيّرة وبجلب النعمة، ولكن ما يحول بيننا وبين التقوى الحقيقية هو التركيز على غايات دنيوية متشظية حتى وإن كانت خيّرة في ذاتها. لذا وجب أن تهدف الصلاة للقديسين إلى تحسين الجانب الروحي. “الطريق الحقيقي لعبادة القديسين هو تقليد فضائلهم، وهذا أهم بالنسبة إليهم من إشعال مائة شمعة[…] أنتم تعظمون بقايا عظام القديس بولس الموجودة في المعبد، ولكن ليس أفكاره المتضمنة في الأسفار المقدسة”([68]). فالأهم ليست العبادة ذاتها وإنما النية والقصد منها. وبطبيعة الحال، إذا ما أخذنا ذلك بعين الاعتبار عديد الشعائر ستتوارى مباشرة ويكون مآلها النسيان. فإذا كانت غايتك أن تصبح باطنيًا مثل القديس بولس، لا تكتف بمجرد التمسح على آثاره المقدَّسة. فلم يعد للآثار المقدَّسة تأثير روحي ليس بموجب وعي تقي متعارف عليه منذ أمد طويل، ولكن لأنها تنتمي لعالم حدوده عادة غير واضحة بين الفائدة الروحية والمادية والتي كان أراسموس متلهفًا لتحديدها.

أما أكثر الاعتراضات راديكالية، فهو الاعتراض الثيولوجي على “السحر الأبيض” الذي مارسته الكنيسة أيًا كان غرضه. إن اعتبار أي شيء على أنه خارق أيًا كان حتى لو كان السر المقدَّس نفسه، وحتى لو كان الغرض من ذلك أن نجعل منه أكثر قداسة وليس للوقاية من الأوبئة أو لحماية المحاصيل من التلف، خاطئ من حيث المبدأ. فلا يمكن لنا احتواء القدرة الإلهية بهذا الشكل، ولا مراقبتها على نحو ما هي عليه من خلال وضعها في الأشياء أو “توجيهها ” في هذا الاتجاه أو ذاك.

وما يثير الانتباه هو ظهور هذا الرفض المبكر للسحر الأبيض الذي مارسته الكنيسة، فقد برز لدى جميع الهراطقة في العصر الوسيط، بل قبل ذلك بكثير، خاصة مع الولدانيين (Waldensians) ومع اللولارد (Lollards) والهوسيتس (Hussites) الأشد راديكالية، ثم مع كل الكنائس الإصلاحية التي حافظت على النهج نفسه. تركز الاهتمام دائمًا حول الأفخارستيا (القربان المقدس)، لأن الأمر لا يتعلق فقط بالانتهاكات الجانبية، وإنما بتلك التي طالت مركز النظام نفسه. يرفض ويكليف Wycliffe المبدأ الذي يُكرس من خلاله الكاهن العناصر السابقة المُختبرة (ex opere operato)، أي بمقتضى قوة الطقوس المقدسة بغض النظر عن الحالة الروحية للكاهن. فالفكرة الأساسية التي تعنيني هي بكل بساطة القدرة الإلهية، يمكن أن نتفهم أن الله قد يستجيب لصلوات شخص ورع ولكن أن يتحكم كاهن طاعن في السن، على فسقه، في حركات الله، فهذا ما لا يمكن أن نقبل به أبدًا. فهذا ينطبق بالأحرى على التلاعب بالأشياء الخارقة أو الصلاة الموجهة للعذراء أو القديسين، فالله حر في أفعاله وكل ذلك يدل على عظمته.

(يمكننا أن نرى بعض التقارب بين هذا الإحساس الروحي والنظرية الثيولوجية السكوتية-الأُكمنية “Scotiste-Occamite” التي أكدت على أن عظمة الله وسيادته مطلقة ولا حدود لها، ولكن الطريقة التي استلهم بها المصلح لوثر من تلك النظرية تدل على أن الأمر لم يكن مجرد تقارب).

وهنا، ثمة شيء ما أكثر من حساسية النزعة الإنسانية إزاء فوضى الممارسات الشعبية، رغم إمكانية دمج التيارين معًا ضمن عملية الإصلاح. ومثلما بيَّنت فإن رفض السحر الذي مارسته الكنيسة قد لاقى هو بدوره رفضًا من قبل الأوساط الشعبية، فاللولارد كانوا في غالبيتهم أناسًا عاديين والتابوريتيس (Taborites) الراديكاليين انحدروا من أسفل الطبقات الاجتماعية، فما الذي يقف وراء هذه الحركات؟

سأقتصر على ذكر اثنين من العوامل حيث يمثل كل منهما أحد وجوه الآخر، ففي حين يتعلق الأول بكل ما هو اجتماعي، يتعلق الثاني بما أسميه تحول مجال الخوف.

لنبدأ مع البعد الاجتماعي حيث طالبت الكنيسة بصفة غير شرعية باستخدام السحر للتحكم في القدرة الإلهية، فمن كان وراء تلك المطالبة؟ إنها تراتبية الكنيسة، وأول من يتمرَّد على المطالبين بهذا التحكم، أولئك الذين لا علاقة لهم عادة بالقداسة حيث يبسطون سلطانهم على حياة الناس بالقوة، بل ويسيئون استخدام سلطتهم تلك، وعندئذ يفقد السحر مصداقيته من قبل الساحر نفسه.

لم يكن التمرّد على السحر أو رفضه أمرًا هيّنًا في العالم المسحور، فقد كان السحر الأسود يسيطر على كل المجالات والأصعدة، وهو الوحيد القادر على تحييد السحر الأبيض. وعليه حتى السحر المفيد أصبح خطيرًا. لقد كتب بيار شوني Chaunu مقتنعًا بالموقف الشعبي من الأفخارستيا، الذي ركز بشكل متزايد على القدرة الإلهية، فلقد أحس العامة بعدم جدارتهم وهو إحساس ما انفك يتكرر باستمرار من خلال الوعظ حيث يتم الحط من شأنهم حتى أنهم باتوا يخشون تناول القربان المقدس. فقد أجبروا على ذلك مرة كل سنة على الأقل بحسب قواعد الكنيسة، ولكن رغم ذلك ظل هذا الحد الأدنى حدًا أقصى بالنسبة لغالبية الناس. يجب أن نضع في اعتبارنا أن الأشياء الخارقة، كما السحر المفيد، يمكن أن تكون خطرة إذا تم استخدامها في الاتجاه الخاطئ تمامًا مثلما يحدث في عالمنا اليوم إذا ما أسأنا استخدام الأسلاك الكهربائية. فتناول القربان المقدس بدون استحقاق يظل محفوفًا بالمخاطر، وعززت ذلك بكل تأكيد مواعظ الكنيسة.

يظل السر المقدس وجهًا من وجوه السلطة تجلَّى من خلال تطور مظهر جديد من العبادة: عشق السر المقدَّس المبارك كما عُرض هنا. وقد انتشر خاصة في الفترة الأخيرة من العصر الوسيط كما في طقوس موكب الاحتفال بعيد الرب (Corpus Christi)، حيث تمتد سلطته في نطاق مسافة الأمان هذه لكن ظل تناول القربان المقدَّس بالنسبة لعامة الناس في متناولهم بشكل كبير([69]).

 إن أيّ تمرد في هذا الاتجاه يعني كسر حاجز الخوف، ولكن ما ميز الإيمان المسيحي هو ما أحدثه من تحوّل في مجال الخوف، فقدرة الله تنتصر على كل الأشرار، وهو ما تشترك فيه جميع أشكال الإيمان ، ولكن هذا الانتصار يمكن أن يُفهم على أنه انتصار السحر الأبيض على السحر الأسود، أو انتصار القدرة الإلهية ذاتها على جميع أنواع السحر. وللاستفادة من هذه القدرة، وُجب التخلص من عالم السحر والانحياز إلى جانب القدرة الإلهية دون سواها.

وفي الحقيقة، عرف التقليد اليهودي ولاحقًا المسيحي ضمنيًا هذه الحركة “النازعة للسحر”، حيث قطعت هاتان الديانتان مع الأساليب القديمة التي سيطر عليها السحر السيئ مثل عبادة الآلهة المتعددة والقوى الوثنية، ولكن هذا الخرق يمكن أن يتَّخذ أحد الشكلين، أي أنه يتأرجح بينهما، من ذلك مثلًا قصة إذلال إيليا لأنبياء بعل عبر تحدّيهم عند قمّة جبل الكرمل، وقد دعوا أنبياء لأنهم يدَّعون القدرة على التنبؤ ومعرفة المستقبل، وكان بالجبل مذبح للرب قديم ومتهدم، ويوجد في أقصى شمال غرب الجبل دير للكرمليت باسم إيليا النبي. اختار إيليا النبي هذا الموضع لأن الكنعانيين كانوا يعتقدون بأن جبل الكرمل هو مسكن الآلهة، وكأنه أراد أن يقيم المعركة بين الله والآلهة الوثنية في معقل دارهم. من جانب آخر يمكن للملكة المتعجرفة أن تشاهد المعركة وهي في قصرها في يزرعيل. فمن أعلى جبل الكرمل يمكن لمن لا يقدر على الصعود إليه أن يرى النار النازلة من السماء من بعيد، ويرى الجميع السحابة القادمة من البحر، فلا يمكن لأحد أن يُضلل الشعب بإخفائه حقيقة المعركة. وافق الملك على طلب إيليا، لأن الضرورة كانت ملحة إذ بلغت المجاعة أشدها، ومن جانب آخر لم يكن الملك متوقعًا ما قد يحدث. ولكن المغزى من هذه القصة هو أن إيليا النبي أراد أن يكشف لأنبياء بعل بأن سحرهم أخرق وعديم الجدوى تمامًا، وأن آلهتهم لا حول ولا قوة لها.

لقد تغلَّبت سلطة الله على العالم الوثني المسحور، وما كان ليتأتى لنا ذلك إلا بأحد الأمرين، إما عبر السحر المفيد النابع من الإرادة الإلهية وإما عبر القضاء على الطابع السحري ومن ثم تخليص العالم منه. ولكن أيًا كان الخيار الذي سنتوخاه فإنه يتطلب منذ البدء تحولًا في مجال الخوف، فما كنت تخشاه أكثر من غيره هو سلطة السحر من النوع السيئ المرتبطة بالشياطين، في حين يصبح الخوف السليم هو ذاك الذي ينتج عن السحر من النوع الخيّر ومن ثم اتخاذ مسافة أمان بينك وبينه. ويحدث هذا التحوُّل عندما تنقل ذلك الخوف برمته إلى خوف من الله، منبع الخوف المشروع الوحيد، وسلاحك ضد كل أنواع السحر.

وبمعنى ما، يُمكن القول إن خوفًا يدفع خوفًا آخر. ولكن هذا ليس صحيحًا تمامًا، من ذلك مثلًا أن خوفي من أن أكون في موقف ساخر لا أحسد عليه خلال محادثة علنية قد يدفعه خوفي من حادث قاتل مثل تلك الحوادث الخطيرة التي تقع في الطريق السيَّارة. فالخوف من الله شعور سام يرفع من شأننا، في حين أن الخوف من السحر يحطّ منه، لذا فالمطلوب هو تحوُّل في المجال، أو بلغة أدق فإن الخوف من أشياء دنيا أصبح يلهمنا الشجاعة والطاقة، وبذلك تنتقل سلطة الله بموجب هذا التحوُّل إلى سجل آخر.

(إن هذه الطاقة التي توفرها مواجهة الخوف وتحويل مجاله هي التي عززت موقف كل المتبجحين بالهرطقة والمستهزئين بكل ما هو مقدَّس، من ذلك مثلًا تدنيسهم للأسرار المقدَّسة، أو كما فعل اللولارد (Lollard) عندما أشعل النار في تمثال القديسة كاترين لطهي العشاء، مدعيًا بسخرية بأنه منحها شهادة ثانية([70])).

تبيّن من خلال أشكال الهرطقة الأولى، أن التحرّر من الخوف من السحر والسلطة التراتبية للكنيسة تمَّ بشكل متزامن، وهذا ما فرض بشكل جذري إعادة تأسيس التقوى الشعبية في العصور الوسطى التي تمحورت أساسًا حول ليتورجيا وحياة كنسية مختلفة نسبيًا بحيث تصبح الأسرار المقدسة مجرد رموز وتنتزع سلطة التراتبية الكنسية لفائدة الأسفار المقدَّسة وتُميّز الكنيسة كما تبدو للعيان، بشكل صريح، عن الجماعة الناجية حقًا.

وبمعنى ما، تُعتبر هذه المرحلة تمهيدًا لحركة الإصلاح، وربما مثلت إرهاصاتها الأولى (ألَّف هدسن Hudson كتابًا حول طائفة اللولارد تحت عنوان الإصلاح السابق لأوانه The Premature Reformation) بيد أن أحد العوامل الأساسية لا يزال مغيَّبًا: عقيدة الخلاص بـ الإيمان وهو عامل يتوافق مع إنكار السحر عن الكنيسة وعودة سلطة الأسفار المقدسة النقية من دون أن يكون مترابطًا معهما. فقد نتخيل أيضًا سلسلة أخرى من الأحداث التي لم يكن لها دور في بلورة عوامل مهمّة لإصلاح كان بإمكانها على الأقل أن تقود إلى إصلاح الكنيسة الكاثوليكية أو إنكار الأسرار المقدسة (وهو ما لم يتفق معه لوثر قط) وقيمة التقاليد (التي لم يعارضها لوثر). ومع ذلك، كان يتعيَّن على روما أن تكون مختلفة إلى حد ما وأقل من أن يستوعبها اعتدادها المتضخم بعظمتها وسعيها المتزايد لبسط سيطرتها على غيرها فلم يكن ذلك دأبها طيلة القرون السابقة.

من ناحية أخرى، فإن أهم ما أثارها هو قول لوثر بالخلاص بـ الإيمان ، وهو قول له حساسيته البالغة في عصره، القلق والخوف اللذان سيطرا على الأتقياء غير المتدينين، الأمر الذي أدى إلى شراء صكوك الغفران، وكذلك مسألة الحساب واللعنة والخلاص. ولحل هذه المسائل، سعى لوثر إلى توعية عامة الناس إزاء ما قد يتخلل تلك الممارسات من خروقات، وهو ما لم تنجح فيه النزعة الإنسانية التي اكتفت بنقد الإيمان الشعبي أو رفض المقدَّس.

وقد عمل لوثر، واضعًا نُصْب عينيه هذه الاعتبارات، على تكريس نوع آخر من التحوّل في مجال الخوف شبيه بذاك الذي يُنكِر السحر عن الكنيسة، بحيث أصبح الدافع وراء توزيع صكوك الغفران الخوف من العقاب، بيد أن لوثر ظل، مع ذلك، يعتقد بأننا مُخطئون جميعًا ونستحق العقاب، ومن ثم يفترض الخلاص مواجهة مصيرنا ذاك والقبول به بشكل تام. ولن يتأتى لنا ذلك إلا عبر مواجهة أنفسنا بوصفنا مخطئين عسى أن تشملنا رحمة الله التي لا خلاص لنا بدونها. “من يخشى الجحيم فليحذرها”([71]). ولذا يجب أن نتحدَّى مخاوفنا، التي تستحيل إلى مصدر لحسن الظن في قدرة الله على الاستجابة لرغبتنا في الخلاص.

ولعل ما يبعث على السخرية هنا هو أن قدرًا كبير من التبشير الكاثوليكي حول الخطيئة والتوبة قام على اعتبار أن الناس العاديين متقلبون جدًا، لذا لا بدَّ من ترويعهم حتى يتوبوا. ومن ثم كان لا بد من توفر مثيرات قوية توقظهم([72]). حاول الكهنة تأثيم أتباعهم إلى أقصى حد ممكن، وصوَّروا لهم أبسط الخطايا بمرتبة الآثام التي لا تُغتفر لأنها في نهاية الأمر جرم في حق الله([73]). وقد هيَّأت توعية الناس إزاء هذا الخوف للانعطاف الذي أحدثه لوثر.

وما يبعث على السخرية أكثر، هو تكرار المبشِّر البروتستانتي لهذا الأسلوب نفسه. فمن المفروض أن تثق في خلاصك ولكن من دون أن تكون راضيًا عن نفسك بشكل قاطع([74]). ولكن عندما لاحظ الأساقفة أن أتباعهم يُرهبون من الخطر الجديد، صعَّدوا من وتيرة ترعيبهم من عواقب اللعنة([75]). فهل سهَّل ذلك عملية هجرة العديد من أتباعهم نحو النزعة الإنسانية؟ ذلك ما حدث فعلًا على ما أعتقد، وسأعود إليه لاحقًا.

7

لقد كانت هناك حاجة ملحّة للتجديد الديني يمكن تحديدها على الأقل في ثلاثة محاور كما عرضتها: أولًا، التحوُّل إلى التقوى الشخصية الأكثر باطنية وشدّة. وثانيًا، الاستياء المتصاعد تجاه “الشعائر المصاحبة للأسرار المقدَّسة” والسحر الذي ترعاه الكنيسة. وثالثًا، الفكرة الجديدة والمثيرة حول الخلاص بـ الإيمان التي ظهرت في عالم مزَّقه القنوط مما ينتظره يوم الحساب والشعور باليأس من رَوْح الله.

ألهمت هذه التطلعات إصلاحات مختلفة، فقد استعاد الناس الرغبة في الحياة، وتكوَّنت جمعيات مثل جمعية أخوة الحياة المشتركة، وتطوَّرت أشكال جديدة للخشوع في الصلاة والتأمل، ولكن لماذا لم تحافظ تلك الشعائر على هذا المستوى؟ لماذا امتد إليها الإصلاح؟ هل كان ذلك في إطار محاولة إعادة بناء الكنيسة من جديد وحظر وإلغاء مستويات “السرعة” الأقل بطئًا؟ فحسب بعض المصلحين غير الرئيسينSmall-r reformers  مثل أراسموس كان يمكن الاكتفاء بحل أقل راديكالية، وأكثر ما كان يخشاه هذا المصلح على وجه التحديد هو “غضب النظام” وحاجة المصلحين للقطع نهائيًا مع الممارسات القديمة إلى حد المطالبة بتحطيم المعتقدات القديمة.

فإذا ما تم إلغاء القدَّاس فما هو البديل الأكثر قداسة منه[…] لم أدخل كنائسكم أبدًا، بيد أني لاحظت أن مواعظكم تشحن سامعيكم غضبًا وغيظًا وهذا ما يبدو على محياهم[…] فإذا هم كالمحاربين المتحفزين لهجوم متوقع متأثرين بخطاب قائدهم. فمتى شجعت مواعظكم على الندم وتأنيب الضمير؟ هل كان همّها قمع رجال الدين ووقف الحياة الكهنوتية؟ ألم تكن تحرض على الفتنة أكثر من الحث على التقوى؟ ألم تكن تحرض على إشاعة الشغب في أوساط الإنجيليين؟ ألم تكن تحرِّض على استعمال القوة لأتفه الأسباب([76])؟

لعل أهم صعوبة اعترضت سبيل الإصلاح تتمثَّل في مصير المقدَّس في صلب الكنيسة. وأقصد “بالمقدس”، الاعتقاد في قوة ربانية تتجسَّد بشكل أو بآخر في بعض الأفراد والأزمنة والأماكن والممارسات… إلخ، إذ تكون لديهم قوة ربَّانية أكثر من غيرهم من الأفراد والأزمنة التي تُعتبر من “الدنيويات”. فلقد كان للمقدَّس دور ريادي في الطقوس والشعائر الكنسية في العصر الوسيط، وكانت الكنائس أماكن مقدَّسة بحكم احتوائها على القطع الأثرية المقدَّسة، كما كانت الأعياد أزمنة مقدَّسة وكذلك الشأن بالنسبة للأسرار المقدَّسة والشعائر المصاحبة لها فكانت عبارة عن ممارسات مقدَّسة أضفت على نفوذ رجال الدين صبغة خاصة. ولم يكن من السهل احتواء القلق تجاه الأسرار المقدَّسة والشعائر المصاحبة لها والآثار المقدَّسة لا سيما إذا أفضى إلى إنكار الطابع القدسي عن سر المذبح المقدَّس نفسه. يمكن تصور حل سلمي و”شامل” لتلك القضايا لكن كان يتعيّن على الكنيسة الكاثوليكية أن تكون أكثر انفتاحًا وأكثر شمولًا وأقل انشغالًا بتحرّي الاختلاف واجتثاث الهرطقة، وبذلك اتخذت الكنيسة الجديدة سبيل أراسموس بديلًا عن سبيل جون إيك John Eck.

بيد أن ذلك لم يكن كافيًا، إذ كان يتعيّن على الكنيسة تبني موقف بروتستانتي لا يتعامل مع الشعائر المقدَّسة كما لو كانت رجسًا أو وثنية من منظور الله. ويمكن القول، في هذا المضمار، إنه كان بإمكان اللوثريين والكاثوليكيين المعتدلين الاتفاق حول تلك القضايا في مجملها بما في ذلك الأفخارستيا، ومن ثم إمكانية بلورة صيغ مناسبة تكون أكثر انسجامًا. إلا أن ذلك لم يكن متاحًا لأن الاختلاف بين الموقفين كان حادًا جدًا، إذ يرفض أحدهما السر المقدَّس رفضًا قطعيًا، في حين يسقط الآخر في الوثنية البابوية.

عندئذ، يستطيع المرء أن يتساءل عما إذا كان انتصار الجانب المتشدِّد لم يكن مبرمجًا سلفًا، إذا جاز التعبير، في مناخ الإصلاح هذا الذي مثل إطارًا ملائمًا لنشأة هذين الجانبين منذ نهاية العصر الوسيط. فإذا كان الهدف هو إعادة بناء الكنيسة من جديد بتوحيد قيمها السامية للتخفيف من وطأة الخلافات، فليس من الحكمة التسامح مع التنوع الكبير في ممارسة الشعائر الدينية. وبالفعل، فقد بدا من الواضح أن حركة الإصلاح الديني تأثرت دائمًا بروح الإصلاح ولا ريب في ذلك. فمنذ البداية، كانت إحدى المسائل الرئيسة التي أثارت جدلًا تلك التي تعلقت برفض الدعوات الخاصة والنصائح التي تحث على الكمال. فليس ضروريًا أن يتعايش المسيحيون العاديون جنبًا إلى جانب مع المسيحيين الراقيين، وقد أُلغيت كل دعوات الزهد وفُرض على جميع المسيحيين بلا استثناء إعلان ذلك.

حسب هذا التصوُّر، مثَّلت حركة الإصلاح الديني النتاج النهائي لروح الإصلاح، وهو ما فرض وللمرة الأولى تماثلًا حقيقيًا بين جميع المؤمنين إلى حد التماهي التام بينهم، حتى أنه لم يعد مجال للحديث عن سرعات مختلفة. وإذا اعتبرنا الخلاص بـ الإيمان روح تلك المسألة، كان بالإمكان تحقيق التعايش ولكن بقدر الحاجة الملحة للإصلاح، بقدر ما كان انقسام العالم المسيحي أمرًا لا مفر منه. ومما زاد الإصلاح نضجًا هو العداوة المطلقة لذلك التقديس الأعمى الذي طالما مثّل الوجه القاتم لأغلب العابدين، ذاك الذي انتبه إليه أراسموس في كنيسة بازل السويسرية.

يمثل الإصلاح الديني بوصفه جوهر الإصلاح قطب الرحى في القصة التي أسردها هنا، تلك التي تتعلق بإلغاء فكرة الكوسموس المسحور واستبدالها بنظرة إنسانية محضة للإيمان. وكما يبدو واضحًا أن النتيجة الأولى والبديهية تتمثل في أن الإصلاح الديني اعتبر المحرك الرئيس لنزع السحر عن العالم. أما النتيجة الثانية فهي أقل وضوحًا وهي غير مباشرة أكثر وتتعلق بمحاولات إعادة تنظيم المجتمعات بأكملها وبصفة راديكالية، كما تجلَّت في التوجّه الكالفيني البروتستانتي، وسأنظر في هاتين النتيجتين كلًا على حدة.

يتعلق الأمر بداية بقضية نزع السحر، إذ كشف كالفن صاحب الرؤية الملهمة، عن مدى الطاقة الهائلة الكامنة وراء الزهد في المقدَّس. فمثل بقية المصلحين لا سيما القديس فرنسيس، تفترض رؤيته تبسيطًا راديكاليًا يتمّ بموجبه تمييز العناصر الأساسية للإيمان خلف فوضى الاهتمامات الثانوية. فقد أجمع كل المصلحين على أن التوازن السائد هو حصيلة توافق سيّئ على الأقل بالنسبة إليهم. ولهذه الرؤية ثلاثة أوجه: يتعلق الأول بحدّة التحوُّل الذي يعدوننا إليه، والثاني بالتركيز المفرط على عيوبنا، والثالث باعترافهم الواضح بعظمة الله. ويمكن القول إن تلك الأوجه تتكامل في ما بينها، من ذلك أن الأول والثاني وجهان للرؤية نفسها، كما يؤكد على ذلك كالفن([77]).

وانطلاقًا من هذه العناصر الجوهرية التي تسمح بتبسيط راديكالي، ينصص على أهمية غالبية الشعائر الدينية حتى إن لم يقترن ذلك بأي غرض كان (أراسموس).

سعى المصلحون من خلال عدة محاولات للنهوض بالجميع وتوعيتهم بأهمية هذا التحوُّل وسُموّه، فخلفهم قصة إصلاح بدأت منذ الفترة المتأخرة للعصر الوسيط. وقد تعثرت المحاولات الأولى بدءًا بالوفاق ثم من خلال تحوّلها إلى عمل روتيني وآلي، وفي الاعتراف على سيبل المثال والتمييز بين أنواع الخطايا… إلخ. ويمكن اعتبار ذلك جزءًا لا يتجزَّأ من كل الأنظمة التي انخرطت في عملية التغيير. بيد أن كالفن أصر على أن يقطع مع ذلك بشكل راديكالي.

وهكذا يمكن أن تتلخص فكرة التبسيط التي يفترضها كالفن على هذا النحو: طالما أننا مخطئون جميعًا، فإن الله وحده القادر على كل شيء. “فما من شخص ينتهك محرمًا إلا ويطمع ولو في مقدار حبَّة من خردل من برّ الله، ولكن كم هي الأفعال التي تنتقص من المجد المقترن ببر الله وتقلل من شأنه”([78]).

ألا إن هدفنا المبدئي هو مجد الله وشرفه([79]) ولأجل ذلك تعتبر خطيئة آدم انزياحًا عن شرف الله([80]). ورغم أن عدل الله وعظمته يفترضان نفي المخلوقات التي ترتكب الخطايا في حقه إلا أن الله رحيم. لذلك نعترف بالأمور التي يُعطينا إياها الله في المسيح، بأننا تصالحنا مع الله بعدما كنَّا أعداءً له في طبيعتنا، خاضعين لغضبه ودينونته وقبلنا بالنعمة بشفاعة المسيح، فلنا غفران الخطايا ببرِّه وبراءته بما سُلط عليه من عقاب، وبذلك فقط نحن مدينون له.

أود أن أستطرد قليلًا لأذكر بأن العنصر الحاسم الذي ميّز عقيدة كالفن، وبقية المصلحين، يتعلق بالعجز البشري الذي يعمل الله على معالجته انطلاقًا من الإطار القضائي -الجزائي الذي وضع أسسه أوغسطينوس ثم لاحقًا أنسالم. تعيّن على المسيحيين (وكذلك على كل المؤمنين بكل أشكال الطاعة) كشف لغز الشر، إذ أنى لنا أن نقترف الشر والحال أننا خلقنا من أجل الخير. أنختار الشر فقط عن غير وعي أحيانًا أم نتيجة إحساسنا بالعجز على فعل أي شيء آخر؟ إن هذا الغموض المتماثل (يخص المسيحيين فقط) يأتي من تدخل الله لتجاوز عجزنا ذاك: وهو ما يعرف بعقيدة الخلاص بالنعمة وحدها.

تطرق أنسالم لهذا السر المزدوج من زاوية الجريمة والعقاب، وأوضح أن العجز الكامن فينا هو عبارة عن التصحر الموروث عن السقوط الأصلي (نقطة البداية لا يزال يكتنفها الغموض) وبوصفنا مخطئين بالوراثة فقد حقَّت علينا اللعنة، فعقابنا ليس مبررًا فحسب بل علينا إصلاح خطايانا بحسب مقتضيات المنطق القانوني الذي يفترضه هذ المفهوم. ولما كان الله رحيمًا، فإنه يسعى إلى أن يُخلّص بضعنا. وقد افتدانا بابنه بالذات، وهذا كاف بذاته للتكفير عن خطايانا ولكي نستعيد به كل ما هو ناقص فينا، وبذلك تتجلى رحمة الله المجانية.

 وغني عن القول، لم تكن هذه هي الطريقة الوحيدة للتفكير في مدى ترابط هذا الغموض المزدوج، وإذا كان آباء الكنيسة الشرقية مثل غريغوريوس النيسي Gregory of Nyssa قد طرقوا المسألة من جوانب أخرى، فإن أوغسطينوس وأنسالم قد صاغا أسس الثيولوجيا المسيحية اللاتينية على ضوء هذا النموذج الإصلاحي، مما زاد في تعميق هذا الغموض بدل تبديده. والإقرار بأن اللغة، بما هي لغة الجميع هي مفتاح فك هذا اللغز، فيه دعوة لدفعها بحسب مقتضيات منطقها الخاص إلى استنتاجات تتعارض مع الحدس، إن لم نقل مرعبة مثل عقيدة لعنة غالبية البشر أو الأقدار المزدوجة. فالثقة حتى لا نقول الغطرسة التي أدت لهذا الشكل من الاستنتاجات أظهرت عدائية النزعة الإنسانية المتأخرة تجاه هذا السر([81]).

أشرت إلى ذلك هنا لأن هيمنة المثال القضائي-الجزائي لعبت دورًا مهمًا في تصاعد عدم الإيمان ، سواء في صد الناس عن الإيمان ، وفي تعديله باتجاه الألوهية.

واعتبارًا للمسار الذي أدى إلى نزع السحر، كان لهذا العجز الذي تتصدى له رحمة الله الوقع الطيب في النفوس. نؤمن أن الله بمشورته الأبدية الثابتة يدعو من هذه الحالة من اليأس التي أصابت الجنس البشري هؤلاء الذين اختارهم بجوده ورحمته في المسيح دون اعتبار أعمالهم ليظهر فيهم غنى رحمته، تاركًا الباقين في اليأس ليظهر بهم عدله. فالمختارون ليسوا أفضل من المتروكين ولا العكس إلى أن يظهر فيهم قصد الله الثابت المقرر في المسيح المخلّص. ولا يستطيع أي إنسان أن ينال مكافأة كهذه من ذاته لأننا بالطبيعة لا نملك أي شعور أو ميل أو فكر صالح ما لم يضعه الله أولًا فينا، لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا، بطبيعة الحال، هو أنى لنا أن نعلم إن كنا من الناجين إذا كان الخلاص لا يخصّ إلا نفر قليل من الناس؟ الجواب يكون من خلال التعلق بـ الإيمان وتلبية النداء، لأن هذا في حد ذاته مؤشر على أننا من بين المحظوظين، وأن علينا أن نثق في ذلك حتى لا نفشل في الإيمان .

هناك تحوُّل، إذن، في محور الحياة الدينية، فلا ننال رضا الله عبر وساطة “الشعائر المقدَّسة” على تنوعها أو الأماكن المقدَّسة التي نزعم أنها تقرّبنا من الله. فلقد اعتقدنا طويلًا أن الأشياء هي التي تتحكَّم فينا وتشفع لنا وهذا ضلال مبين. وهكذا يمكننا الحديث، من ناحية، عن انتهاء التمييز بين المقدَّس والدنيوي، كما نجدها في باطن الشخص و الزمن والفضاء والإيماءة، وهذا يدل على أن دائرة المقدَّس قد توسَّعت وبصفة فجائية: فقد اعتبر الناجين، أن الله أسبغ علينا قدسيته حيثما كنا، بما في ذلك حياتنا العادية والعمل والزواج وما إلى ذلك.

ولكن من ناحية أخرى، ضاقت السبل بشكل جذري لأن هذه القدسية سترتبط بقدرتنا على أن نُغيّر ما بأنفسنا، وأن نتوكَّل على الإيمان برحمة الله، وبخلاف ذلك يتوقف كل شيء وينعدم الأمل في نظام صالح.

لا يعني هذا أن كل شيء يحدث في أذهاننا، لقد تحوَّل الدين نحو الفردانية بصفة كاملة في فترة متأخرة. ويؤكد كالفن على أن الله يعمل حقًا من أجل أن يسبغ علينا نعمته وقداسته. وعلينا أن نعترف أن الأفخارستيا (القربان المقدَّس) أو العشاء الرباني، هو شهادة على اتحادنا بالمسيح، الذي مات وقام من أجلنا مرة واحدة وأيضًا يغذّينا حقًا بجسده ودمه لكي نكون واحدًا فيه وتكون حياتنا شركة. وبالرغم من كونه في السماء حتى يجيء ليدين كل الأرض فإننا نؤمن بأنه يغذّينا ويقوّينا بجوهر جسده ودمه بقوة روحه السرية التي لا تُدرك. وهذا يحدث روحيًا، لا لأننا نضع التخيُّل والأوهام مكان الواقع والحقيقة، بل لأن عظمة هذا السر تفوق إدراك حواسنا وقوانين الطبيعة، وباختصار لأنه سر سماوي لا يمكن أن يُدرَك إلا بـ الإيمان . إن الله يعطينا في العشاء الرباني حقًا وفعلًا ما يضعه أمامنا، وبالتالي فإنه يمنحنا في هذه العلامات أن نمتلك ونستمتع حقًا بما تمثله لنا. لذا فإن جميع الذين يتقدمون كإناء إلى مائدة المسيح المقدَّسة بإيمان طاهر ينالون حقًا المشار إليه في العلامة، لأن جسد المسيح ودمه مأكل ومشرب للنفس كما الخبز والخمر هما غذاء للجسد. إن الله يُغذّينا بواسطة المسيح بهذه الطريقة. يرفض كالفن نظرية “التبرير بالأعمال” التي كانت سائدة بعدما كرّستها الكنيسة على مدى قرون من الزمن ، ليؤسس لنظرية التبرير بـ الإيمان وحده، أي بتلك الثقة التي يضعها المؤمن في ربه، وليس للعمل علاقة بالخلاص، وأن خلاص البعض يكون بحسب مشيئة الله الأزلية وفق نعمة مجانية، وأن الله لا يتنازل عن جزء من قدرته على الخلاص بأن يخرج عن ملوكته وينزل إلى العالم رحمة بالناس ليحاسبهم بأعمالهم، فلك ثمن ما يمنحه الله من قدسية لمخلوقات مثلنا متجسدة واجتماعية وتاريخية. يستمد السر المقدَّس فعاليته المطلقة من العلاقة بين الله وإيماني به، وبين مبدع الكلام ومتلقيه، وعلينا أن نقتنع بذلك، وأن نؤكده بشكل كامل حتى يتم التلقي، “فليس للأسرار المقدَّسة من خدمة سوى كلام الله”([82]).

هكذا نزع السحر عن العالم برفض الشعائر المقدَّسة وكل مقومات “السحر” في الديانة القديمة، لأنها ليست فقط عديمة الجدوى بل إنها ضلالات تمنحنا نفوذًا موهومًا يسوِّل لنا “استنقاص” “المجد المقترن بإحسان الله”، وهذا يعني أيضًا أن شفاعة القديسين لم يعد لها أي تأثير، وبالمقارنة مع عالم الأرواح والقوى الغيبية منحنا نزع السحر حرية عظيمة. فحسب كالفن تكمن الحرية المسيحية في اعتبار أن الخلاص التام يكون عبر الإيمان وخدمة الله بكل إخلاص وعدم التضرع لله بواسطة أشياء تافهة([83]). وعلى هذا الأساس يمكننا أن نرمي عرض الحائط كل الطقوس التي لا تُعدّ ولا تحصى والكفارات الموروثة من الديانة القديمة، فلن يتسنى لنا إعادة ترتيب أشيائنا بحرية ما لم نكن منهمكين في خدمة الله في حياتنا العادية ملء قلوبنا ومهتدين بروحنا، فلا طائل من وراء الإعجاب المفرط بالتقاليد لأن في ذلك ضلال رهيب([84]).

اتسمت ديناميكية نزع السحر بازدواجيتها، ففي البداية كانت سالبة لأنها تعلَّقت برفض كل ما هو وثني. فقد هُوجم العالم المسحور بلا هوادة، ولم يكن ذلك الهجوم في البداية على أساس أن السحر خاطئ تمامًا، وإنما لأنه آثم بالضرورة. وإذا كان لا شيء يُبرِّر توسّل المقدَّس و”السحر الأبيض” الذي تحتكره الكنيسة، فالسحر أيًا كان المُراد منه لا يكون إلا أسود. فقد أغوى الشيطان، العدو اللدود للإنسان، كل الأرواح. بل إن ما يُفترض أنه سحر مفيد ربما أصبح هو أيضًا في خدمته([85]).

فعلى المدى القصير، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تكثيف بعض المعتقدات القديمة وخاصة تلك التي يُروِّج لها المشعوذون الذين أصبحوا يُعرَّفون من خلال دورهم الشرير على أنهم الذراع اليمنى للشيطان. وعندئذ نصبح على عتبة سالم Salem مدينة السحرة. وفي المقابل، ولكن على المدى الطويل، لا يمكن لهذا الهجوم إلا أن يُقوِّض وجهة النظر هذه برمتها، ويجعلها مفتوحة أمام كل أنواع الاضطهاد.

ولأجل ذلك كله، كان لا بد لهذه الديناميكية من أن تكون موجبة أيضًا، ففي في هذا العالم المجرَّد من المقدَّس وضمن الحدود التي وضعها لنا، ينتابنا إحساس بحرية من نوع جديد، يُحفزنا لإعادة تنظيم أغراضنا حتى تبدو أفضل، وبذلك اتخذنا موقفًا حاسمًا لصالح الإيمان بالله ومجده، وانطلاقًا من ذلك فقط أصبح بإمكاننا ترتيب أغراضنا بشكل أفضل. فلم تعد تردعنا المحرمات القديمة أو التراتيب التي يُفترض أن تكون مقدَّسة، ومن ثم أصبح بإمكاننا عقلنة العالم وفك لغزه وسبر أغواره (وذلك لأن كل شيء يُعزى إلى إرادة الله حصرًا). فقد تم تحرير طاقة جبَّارة لإعادة ترتيب شؤوننا في زمن علماني.

 يقودنا هذا إلى نتيجة عظيمة ثانية لهذا التحوُّل، باعتبار مساهمته، على المدى الطويل، في تنامي النزعة الإنسانية. وقد جاء ذلك على وجه التحديد من خلال عملية إعادة تنظيم المجتمع، لا فقط على صعيد الحياة الكنسية، بل على صعيد الحياة العلمانية أيضًا. ما الذي قاد إلى هذا الحراك الذي ساد في بعض المجتمعات الكالفينية، في جنيف، وإنكلترا الجديدة، وإنكلترا الطهرانية (البيوريتانية) خلال منتصف القرن السادس عشر؟ إنه استمرار لتقاليد حركة الإصلاح التي انطلقت منذ الفترة المتأخرة من العصور الوسطى ولكن على مستوى أكثر طموحًا.

يمكن فهم حركة إعادة التنظيم هذه في علاقة بالأسباب الكامنة وراء التوترات المتأصلة في الإيمان المسيحي والأشكال التي اتخذتها تلك التوترات طيلة تلك الفترة.

من أهم تلك التوترات الدائمة، والتي تعرَّضنا إليها سابقًا، ذاك الذي تم تجاوزه أو على الأقل التلطيف من حدَّته بفضل التكامل التراتبي بين الاهتمامات حسب “السرعات” المختلفة. ويكمن هذا التوتر في الدعوة إلى محبَّة الله بما يعني اتِّباع الصليب والاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيل ذلك، من ناحية، والدعوة إلى الاعتناء بالحياة اليومية بشؤونها المادية من أجل تطويرها ورخائها، من ناحية أخرى. والحقيقة لا شيء يمنع تساوقهما، إذ إن الطريق إلى الله تتطلّب عادة الغذاء والدواء واللباس وتجنّب المعاناة والموت، ومن ثم جعل الازدهار الإنساني ممكنًا. وهذا ما تعكسه حياة المسيح بجلاء.

ينشأ التوتر عندما يتعلق الأمر بتحديد مقومات الحياة المسيحية لأولئك المنهمكين في الحياة المادية وبرخائها عن طريق العمل والأسرة والحياة المدنية والأصدقاء وبناء المجتمع والمستقبل وما إلى ذلك. والناسك المتعبِّد يضع في الاعتبار هذين المتطلبين لأن في تنسكه يُفتح أمامه باب الرحمة والشفاء على مصراعيه ومن دون أية وساطة. ولكن ماذا عن الشخص المنغمس في الحياة العادية، المتزوج وصاحب العيال ويعيش من خدمة الأرض أو من التجارة؟

هناك إجابة تصلح للجميع من الناحية النظرية: تجاوز التأكيد على الحياة الصالحة كما يفعل الإنسان العادي المتوسط الحسي الذي يركز على ضمان خيره الذاتي وعلى حياته الشخصية، حتى إنه على استعداد للتضحية بالآخرين في سبيل تلك الغاية. فلتكن حياتنا الصالحة التي فينا هي في الله، في الحب الإلهي الذي يدفعنا إلى محبة جميع الناس بدون تمييز والعطاء من دون حساب، وللزهد في كل ما نملك عسانا نشارك في حركة المحبة.

بيد أن هذه الإجابة تثير مفارقة بالنسبة لأيّ رب عائلة: يجب الانخراط في ممارسات ومؤسسات متطورة ومزدهرة على أن يكون ذلك الانخراط محدودًا. وأن نكون طرفًا فيها من دون أن نشارك فيها، وأن نحافظ على مسافة بيننا وبينها بحيث نكون على استعداد لخسارتها. لقد وضَّح ذلك أوغسطينوس: لنا أن نستعمل أشياء العالم “من دون الاستمتاع بها” أو حسب الصيغة التي قدَّمها كل من لويولا وكالفن “أن تفعل كل شيء من أجل مجد الله”.

وقد أثار هذا المعنى مشكلًا كبيرًا، إذ نجد أنفسنا في مواجهة خطرَين متضادين. يتمثل الأول في الرفع من شأن الزهد في الحياة المزدهرة بوصفها زائفة في حد ذاتها. من ذلك مثلًا، وبصفة خاصة، كيفية تدريس الجنسانية في الحياة الزوجية لغير المتدينين خلال العصور الوسطى، حيث يُقصى مفهوم المتعة الجنسية بشكل متعمد تمامًا. أما الخطر الثاني فيتعلق بالاكتفاء بالحد الأدنى لا غير. الحد الأدنى الضروري للخلاص: مراعاة بعض الوصايا المهمة. غير أن هذه الوصايا، كما نعلم، يمكن خرقها أحيانًا، بما أن الحد الأدنى قد يساعدنا في النهاية على التوبة في الوقت المناسب.

ويمكن أن نستنتج في الأخير بأن الخطر الكامن في صلب هذا التوتر نفسه أصبح أمرًا واقعًا، فقد طغى الزهد على كل ما هو عادي ودنيوي مما أدى إلى بروز طبقتين مسيحيتين، بحيث أن الثانية تحمل في طيَّاتها الأولى بمعنى من المعاني. ومن ثم وجدنا أنفسنا من جديد في التكامل التراتبي.

في حين تكمن الحقيقة الحاسمة، بالنسبة إلينا، هي التكامل بين جميع الحيوات والمهام الممكنة، فنحن جميعًا مسخَّرين لخدمة الله من دون تراتب. ولذلك تبدو هناك معضلة بين المطالبة المتزايدة بالزهد من قبل الناس العاديين من جهة، وبين التخفيف من حدة تلك المطالبة، من جهة أخرى، ولكن على حساب منظومة متعددة السرعات.

وفي الواقع ترفض البروتستانتية الراديكالية تلك المنظومة تمامًا، ولأجل ذلك فهي تتصدَّى لكل مظاهر الزهد التي يزعم أصحابها أنها أعلى مرتبة من غيرها، إلا أن هذه البروتستانتية عملت في الآن ذاته على تكريس الزهد في الحياة العادية، وقد استطاعت بذلك أن تتجنَّب الخطر الثاني، بيد أنها اقتربت من الخطر الأول الذي أشرت إليه سابقًا: تحميل الحياة الدنيوية المزدهرة عبء الزهد الذي لا تستطيع تحمّله. وفي الحقيقة، يُضاف ذلك إلى هذه الصورة التي يجب أن تكون عليها الحياة المستقيمة المقدسة باعتبارها مجموعة من المتطلبات الأخلاقية الصارمة. ويبدو أن هذا الأمر لا مفرّ منه بحكم منطق الرفض الذي يستدعيه التكامل، وإذا اعتبرنا حقًا أن كل المهام تفترض متطلبات متساوية وأنها تعكس المستوى نفسه من المتطلبات، ولا نتمنى أن تتردى تلك المتطلبات إلى مستويات دنيا، فإنها يجب أن تحافظ على أعلى مستوى ممكن.

ومن هنا تكمن أهمية صورتي النظام والفوضى، حيث يتحاشى الأشخاص المرموقون والمقدَّسون كل السلوكيات غير المنظمة، إذ نظَّموا حياتهم وتوقفوا عن شرب الخمر والزنا والكلام المخزي والضحك المفرط والصراعات والعنف وما إلى ذلك([86]).

وعلاوة على ذلك، فقد كان الكالفينيون يتقاسمون مع فئات واسعة من الناس في ذلك العصر، وعلى وجه الخصوص النخب منهم، الإحساس القوي بأن الفوضى الاجتماعية فضيحة باعتبار أن السلوك العام، وفق الطرق التي حددناها سابقًا، كان آثمًا، وأن المجتمع برمّته كان يعيش في الفوضى والرذيلة والظلم والضلال… لذلك وُجب، بأيّ ثمن، إيجاد الحلول لا على المستوى الجماعي فقط، ولكن على المستوى الفردي أيضًا.

وبهذا المعنى، تُعتبر البروتستانتية، بشكل واضح، مواصلة لحركة الإصلاح التي انطلقت منذ العصر الوسيط([87])، وذلك من خلال محاولة الرفع من مستوى المعايير العامة ورفض الرضا بعالم يقتصر فيه التطابق التام مع تعاليم الإنجيل على فئة قليلة، والعمل، رغم ذلك، على تعميم بعض الشعائر بشكل مطلق.

ولكن بالنظر إلى الأهمية التي نُوليها الآن للنظام الاجتماعي، فإنّ تعميم المطالب الأخلاقية لا يشمل فرضها على الأفراد في حياتهم الخاصة فحسب، ولكن داخل الحياة الاجتماعية حتى يتسنى ترتيبها وتنظيمها. ولا يمكن اعتبار ذلك تبسيطًا للقيم الأخلاقية الفردية بقدر ما هو متمم لها. من أجل ذلك قدّر كالفن وجوب مراقبة رذائل المجتمع بأكمله خوفًا من تفشّيها، فكلنا مسؤولون عن المجتمع الذي يجمعنا([88]).

وبالفعل يُعتبر مستوى النظام الذي كانت ترنو إليه المجتمعات الكالفينية ولا سيما في جينيف وإنكلترا الجديدة، أمرًا استثنائيًا وغير مسبوق تاريخيًا، ومثَّل طفرة – قياسًا لما تقدَّم عنه – لم يكن لها مثيل.

بيد أنه، بطبيعة الحال، كانت هناك فكرة تقول بأن الأفراد غير قادرين على تحقيق تلك الطفرة من تلقاء أنفسهم. وأن القدرة الإلهية وحدها تستطيع ذلك. لذا كان علينا أن نعترف بعجزنا والتوجه إلى الله بواسطة الإيمان فهو وحده الكفيل بذلك، وهو ما جعل هذا المشروع مختلفًا تمامًا عن وجهة النظر الأخلاقية الجديدة والأكثر تساميًا حول الازدهار الإنساني. وحدهم الذين تجاوزوا الازدهار الإنساني، توجهوا إلى الله لبناء النظام في سبيل مجد الله وشرفه، وليس من أجل راحة الإنسان يمكنهم أن ينجحوا في ذلك.

ومن ثم، احتلت الدوافع الذاتية مكانة مهمة، ولكن تطلب هذا إضافة مستوى ثالث للنظام إلى المستويين السابقين، ويتمثل في الحياة الشخصية المنضبطة والمجتمع حسن التنظيم، ومن الضروري أيضًا أن يكون الموقف الذاتي للمرء صائبًا. وكان لا بدّ من تجنّب بناء ذلك على أساس الشعور بأننا نستطيع ذلك بناءً على قدراتنا الخاصة، لأن ذلك لا يعدو أن يكون إلا ضربًا من العمى والغرور والضلال. ولا بد من تجنب، في الآن ذاته، الإحساس بالعجز عن تجاوز الخطيئة. فمن يرتقي إلى درجة القداسة يُنجّيه الله ويلهمه القوة حتى يكون قادرًا على إرساء نظام تقوي.

تأرجحت الحياة الروحية الطهرانية (البيوريتانية) بين خيارين أحلاهما مرّ، فمن ناحية علينا أن نثق في قدرتنا على الخلاص لأن كثرة الشكوك قد تمنع العطايا الإلهية، حتى أن ذلك قد يؤشر على عدم خلاصنا في النهاية. ومن ناحية ثانية، تعكس الثقة المطلقة لا مبالاة تامة إزاء الرهانات الثيولوجية، فنسيان خطيئتنا يستحق اللعنة الأبدية، ولكن خلاصنا بيد الله الرحمن الرحيم، حتى لكأننا مُعلَّقون في هاوية، بحيث لا أمل في نجاتنا إلا بيد الله الممدودة.

وقد ظل اعتراف التبشير الطهراني بهذين الخطرين متذبذبًا، فمن جهة كشف مدى إساءة الناس للذات الإلهية، ومدى عجزهم عن تطوير أنفسهم بأنفسهم. ومن جهة أخرى، بيَّن لهم أن الله قادر على أن يخلصهم من اللعنة. وحتى لا يأخذ الناس الأمر كما لو كان أمرًا مقضيًا ولا مفرّ منه، كان لا بد من تذكيرهم بأن لا حول ولا قوة لهم… إلخ([89]).

وقد شاع في الأوساط البروتستانتية أن إحدى العلامات الدالة على الخلاص تتمثل في ثقتنا في قدرة الله على خلاصنا، وعليه كان لزامًا علينا أن نقوم بعملية استبطانية مكثفة لتفحص مدى استعداداتنا الباطنية. لكن يصعب رسم الحد الفاصل بين البحث عن تلك الأحاسيس وعن ردود الفعل الباطنية ومحاولة إثارتها ولا سيما أن الاستجابة كامنة في ذواتنا، مثلما هو الحال عندما نحث أحدهم عن البرهنة على أشياء من هذا القبيل.

ونتيجة لذلك، نشأ المستوى الثالث في تنظيم هذا البناء لدى البروتستانتيين (وكذلك الأمر لدى بعض الكاثوليكيين) ويتمثل في إنشاء الموقف الذاتي الصائب. ويجب ألا نستسلم للقنوط بسبب السوداوية من ناحية، وأن نتجنَّب الاستسهال حتى لا نسقط في الثقة العمياء من ناحية أخرى.

ونلاحظ اليوم، في تقديري، كيف استطاع بناء ذلك النظام عبر الانضباط، أن يحدث انقلابًا كبيرًا. فمن جهة، نجد من الناس من يجتهدون في ضبط طباعهم حتى يتوافق (لفترة من الزمن) سلوكهم مع القانون الأخلاقي في أسمى درجاته. ومن جهة أخرى، نجد آخرين يجدّون في إطار جماعي من أجل توفير الإمكانيات الضرورية لفرض درجة من النظام غير مسبوقة على المجتمع، أو أنهم على الأقل يعتقدون أنهم يستطيعون ذلك بالنظر إلى الظروف المناسبة.

وليكتمل إنشاء ذلك النظام وطرد السحر عن العالم، وقع تحييد المقدَّس عن العبادة والحياة الاجتماعية وتبنّي موقف فعَّال تجاه تلك الأمور وتجاه المجتمع. وبدأت تلك القوى الروحية والمعنوية في الأفول تدريجيًا حتى بلغنا العالم منزوع السحر الذي نعرفه. ومن ثم بدأت الذات المسامية هي أيضًا تتوارى شيئًا فشيئًا.

ومع ذلك، لم يكن من آثار ذلك مباشرة التشكيك في الله، وإذا لم يعد من الضروري اعتبار الله الضامن لانتصار الخير في عالم الأرواح والقوى الغيبية المتعدّدة، ذلك أنه تم في المقام الأول إنكار تلك التعددية لصالح مصدر واحد منافس ألا وهو الشيطان. وأصبح كل السحر أسود ومن عمل الشيطان، فإنه لا غنى عنه حتى لا ينتصر الشر بحكم اللعنة المستحقة لجميع البشر. ففي هذه الحالة بالذات يصبح معنى الله أكثر وضوحًا وحيوية.

ولكن، تم إعداد هذا الانقلاب في الحقيقة من خلال اعتبار أن النظام ينشأ في السلوك، أو على الأقل في قدرتنا على الانخراط في المجتمع، ثم بصفة أكثر عمقًا من خلال الكشف عن التوازن الحقيقي للدوافع التي من شأنها الاستجابة للأوامر الخارجية، مع إمكانية الانزلاق بحكم الواقع، حتى من دون وعي بذلك، في أحد الخيارين اللذين أشرت إليهما أعلاه، والمتمثل في الثقة المفرطة في قدرتنا على التحكم في الأشياء، وأننا قد ننجح في ذلك.

وبطبيعة الحال، ما زلنا نعتقد أن القدرة الإلهية هي الوحيدة التي تستطيع ذلك ولكن، في الواقع، شيئًا فشيئًا تزايدت ثقتنا بأننا، نحن، وببني جلدتنا من المتفوقين، وذوي السلوك الرفيع في صلب طبقات أو مجتمعات حسنة التنظيم، وبأننا مستفيدون من نعمة الله خلافًا للطبقات الفوضوية والمنحطة والجماعات الهامشية والبابويين وفئات أخرى شبيهة بهم. ومن الصعب أن تهتز تلك الثقة طالما أننا نتحكم في نظام الوجود ثلاثي المستويات. وكافتراض عام، بطبيعة الحال، يبقى صحيحًا أن أغلبية البشر محكوم عليهم باللعنة، وأن ثلة قليلة فقط من المحظوظين الناجين. ومع ذلك، في حياتنا العملية، نحن واثقون بأننا جزء من تلك الأقلية، وأن الكون يسير كما ينبغي. كما أن جملة الاعترافات، باعتبارنا خطّائين عاجزين، أصبحت شيئًا فشيئًا مجرد اعترافات شكليَّة.

وقد وصفت هذا التحوُّل كما لو أنه يمكن أن يحدث في صفوف الأعضاء الأقل ترويًا وتقوى في المجتمع. ولكن التطوُّر نحو أكبر قدر من التحكم شمل خاصة الأكثر ترويًا وتقوى من بين أولئك جميعًا. وهكذا فقد نشأت الأرمينيانية Arminianism لاحقًا في صلب المجتمعات الكالفينية التي أحيت الأرثوذكسية القدرية Predestinarian orthodoxy بعدما استعادت مجدها من جديد، حتى اعتبر هذا التطوُّر كما لو كان لا مفرّ منه في ضوء نجاح الكالفينية في تغيير حياة الناس.

ومن هنا، يظهر دور ثقتنا في قدراتنا على تحقيق هذا النظام ثلاثي المستويات، الذي ساعد على تطور النزعة الإنسانية الحصرية، وهذا يفترض تشذيب المرجعية الإلهية وذلك على مستويين.

أولًا، أن تكون غاية النظام بلوغ الازدهار الإنساني المحض، وأن السعي إلى ذلك لم يعد طريقًا إلى الله ناهيك عن تمجيده. وثانيًا، أن القدرة على بلوغ ذلك الازدهار لم تعد أيضًا من الأشياء التي نتلقاها من الله وإنما هي قدرة إنسانية محضة.

ولكن نتيجة لهذه الحركة المزدوجة تجاه المحايثة، برزت للوجود دلالة جديدة للازدهار الإنساني غير مسبوقة، كثيرًا ما عُبِّر عنها بمصطلحات “الطبيعة” حسب التقليد الفلسفي الذي ورثناه عن القدامى.

8

سأمضي قدمًا في قصتي هنا، فقبل أن ننظر في الدور الذي لعبته حركة الإصلاح في نزع السحر عن العالم وفي بلورة نزعة إنسانية خاصة، يجب علينا تكوين تمثل شامل عن الفترة التي نشأ فيها الإصلاح، سواء تعلق الأمر بما سبقه أو ما جاء بعده، لنقول الفترة الممتدة بين 1450 و1650 (في هذا الصدد تُعتبر كل التواريخ اعتباطية)، وهي فترة امتدت لثلاثة قرون تبيّنا من خلالها مختلف الحقب لما نسميه حركة الإصلاح والحركة المناهضة لها (أو الإصلاح المضاد). كما لا يفوتنا هنا الإقرار بالدور الديناميكي للفترة المتأخرة من العصر الوسيط التي شهدت تشجيعًا متواصلًا على إصلاح تقوى غير المتدينين حتى تستجيب “لأسمى” المعايير. إذ واصلت حركة الإصلاح، عبر سدّ الفجوة (على الأقل نظريًا) بين النخب والعامة، وبين تقوى رجال الدين وتقوى غير المتدينين، المشروع الذي أُطلق من قبل في شكل مختلف.

وفي هذا الاتجاه، شهدت تلك الفترة ذاتها ثلاثة أنواع من التحوُّل جنبًا إلى جنب، تارة متداخلة في ما بينها وطورًا يعيق بعضها بعضًا أو يُعززه. وحين تكون متداخلة فإنه لا يمكن التمييز بينها عادة إلا تحليليًا. يتعلق الأمر، أولًا، بالتغيّرات الذاتية للتقوى الشعبية كـ الإيمان بالمسيح المصلوب وطقوس التضامن قبل الموت وفي المطهر، وهي تغيّرات قد تكون لاقت تشجيعًا من سلطة أعلى. وثانيًا، بتلك التغيرات التي تخص نشأة وتطوُّر نخب جديدة، أفكارها مختلفة أو قاعدتها الاجتماعية مختلفة كما هو الحال بالنسبة لغير المتدينين المثقفين الذين أضفوا مسحة خاصة على الطابع الديني للمسيحية اللاتينية آنذاك.

ثم، ثالثًا، كانت هناك محاولات متروية من جانب النخب، سواء القديمة أو الجديدة، لتطوير المجتمع وتغيير حياة العامة حتى تتناسب مع بعض النماذج التي استهوت هذه النخب واقتنعت بها بشكل كبير. وهو ما تجلَّى في تلك الفترة في بداياتها، كما سبق وبيّنت ذلك، وحتى قبلها، في سلسلة من التدابير اتخذتها الكنيسة في العصور الوسطى لتلبية أسمى معايير العبادة والتقوى. وهذه حقيقة بالغة الأهمية كنت قد تطرقت إليها سابقًا من دون أن أفصل فيها القول، وتتعلق بـ”السخط على نظام” المسيحية اللاتينية الذي تنامى مع رفض التوازن التراتبي السائد بين الزعماء الدينيين وبقية الناس، بين رجال الكنيسة وغير المتدينين، وقد مثل ذلك القاعدة وليست الحضارات التي هيمنت عليها الديانات “العليا” استثناءً([90]).

لقد كان ذلك أبعد ما يكون عن مجرد مرحلة انتقالية نظرًا لتكرر المحاولات من هذا القبيل. ففي البداية، تعلق الأمر بما بذلته النخبة ذاتها تجاه التراتبية الكنسية من خلال مجلس ترانت (The Council of Trent) والتحويرات المختلفة التي شهدتها كنيسة الحركة المناهضة للإصلاح (كنيسة الإصلاح المضاد). فقد أُثيرت مسألة معايير التعليم الديني شأنها في ذلك شأن مسألة معايير العبادة لدى غير المتدينين.

لكن، بعد ذلك، بُذلت محاولات مماثلة من قبل نخب أخرى، شهدت تنافسًا ظرفيًا مع التراتبية الكنسية. أما التنافس الواضح فهو ذاك الذي عرفه أولئك الذين سعوا لإعادة تنظيم المجتمعات زمن الإصلاح، ومنهم خاصة زعماء الكنيسة والحكم في الأراضي اللوثرية، ودعاة النزعة الإنسانية من المسيحيين، الذين اختاروا الإصلاح وساعدوا على إنشاء مجمع للكنائس المُصلَحة، وفي مقدمتهم بطبيعة الحال جون كالفن، وأتباعهم من الروحانيين الذين أعادوا تنظيم الكنيسة الإنكليزية بعد قطيعة هنري الثامن مع روما. حتى أنّ الجماهير لم تنصهر في الإصلاح إلا قليلًا وأُجبرت شيئًا فشيئًا على التكيّف مع النظام الجديد، تارة باستعمال القوَّة وطورًا بالحسنى، وقد ساهم ظهور نخب جديدة في تيسير هذه المهمة.

وأخيرًا، تقف السلطات العلمانية وراء تعدد المحاولات من أجل تغيير المجتمع تحت اسم الخير الاجتماعي الذي ارتبط دائمًا، في جزء منه، بالجانب الديني من دون أن يختزله. فقد خضعت أوضاع الفقراء والمتسولين لإعادة التقييم ففقدوا بذلك الهالة الإنجيلية التي كانت تحيط بهم، إذ لم يعد يُنظر إليهم بوصفهم أهلًا للمساعدات الخيرية، بل أصبحوا جزءًا من المشاكل الاجتماعية التي يتعيّن حلها. فقد تمَّ تنظيمهم ومراقبتهم وضبطهم حتى أنهم عُوملوا أحيانًا كالمساجين([91]).

فلم يكن ذلك سوى وجه من وجوه “الدولة المدنية” الجديدة التي تتولى تنظيم حياة مواطنيها وفق طرق عقلانية، مع ضمان تعليمهم عبر مناهج صحيحة وانتمائهم إلى الكنائس واتباعهم نظمًا اقتصادية واقعية ومثمرة، كما تسعى أيضًا للحد من الكوارث الاجتماعية المختلفة مثلما تمَّ التحكم من قبل في الطاعون عبر الحجر الصحي وبأكثر صرامة.

فلا وجود هنا لتنافس ضرورة، حيث كان هناك دائمًا تعاون وثيق بين السلطات العلمانية وبين كنيسة ما. قام تشارلز بوروميو، كبير أساقفة الإصلاح المضاد بميلانو، بإصلاح العديد من ممارسات الكنيسة واضعًا نصب عينيه النماذج المتقدمة مثل إدانة الكرنفالات، وبعض رواسب الوثنية التي تخلط بين المقدس والدنيوي، ومنع الحيوانات من دخول الكنائس، وحظر الرقص في المقابر، وحظر الألحان والأغاني التهكمية الصاخبة… وباختصار أسس ممارسة دينية أكثر تنظيمًا وأقل “سحرًا”. كما شجَّع أيضًا السياسات البلدية الساعية لتنظيم وانضباط الفقراء والمتشردين.

وفي الحقيقة، تشترك جميع محاولات الإصلاح والتنظيم تلك في مجموعة من السمات: (1) اختيارية: إذ تبحث عن التدابير الفعَّالة من أجل إعادة تنظيم المجتمع وقد كان تدخلها جذريًا. (2) توحيدية: إذ تسعى كلها إلى تطبيق نموذج واحد أو مخطط واحد للجميع ولكل فرد على حدة، كما تهدف إلى استبعاد النوابت والاستثناءات والسكان الهامشيين وكل أشكال رفض التطابق. (3) متجانسة: لأنها تتدخل في صلب المجتمعات القائمة على اختلاف تراتبيتها، فإنها تسعى بصفة عامة إلى التخفيض من حدة الاختلافات، عبر تعليم الجماهير وتثقيفها حتى تتطابق أكثر فأكثر مع أسمى المعايير، ويبرز ذلك بوضوح في إصلاحات الكنيسة، ولكن كذلك في الطريقة التي تسعى من خلالها “الدولة المدنية” إلى تنظيم حياة الناس. (4) إنها ثمرة عملية “عقلنة” بمفهومها المزدوج الذي قدَّمه فيبر Weber أي هي لا تفترض استخدام متزايد للعقل الأداتي، كما في مسار الإصلاح في حد ذاته أو في ضبط غاياته فقط (على سبيل المثال، في المجال الاقتصادي)، وإنما اجتهدت أيضًا في سبيل تحقيق تطابق المجتمع مع مجموعة متماسكة من القواعد (وهو البعد الثاني من مفهوم فيبر للعلمانية، عقلانية القيمة).

وعلاوة على ذلك، فقد ساهمت الديناميكية المتأصلة في الإصلاحات الدينية، في نزع السحر عن العالم، وفي إلغاء المجتمع القائم على التوازن التراتبي، سواء تعلق بالنخبة أو بالجماهير، أو ذاك الذي نجده منعكسًا في الكرنفال، وفي “العالم المقلوب رأسًا على عقب”. وفي الواقع يمثل العداء للكرنفال، شأنه في ذلك شأن رواسب الثقافة الشعبية، قاسمًا مشتركًا بين الموقف الديني والموقف العلماني من إعادة تنظيم المؤسسات. فبالنسبة للنخب في القرنين السادس عشر والسابع عشر، لم يمثل عالم الكرنفال، المقلوب رأسًا على عقب، موضوعًا للتسلية ولا تصويبًا مفيدًا لفخر النخبة ولا “مَنفذ هواء” (صمام أمان) ولا اعترافًا بعمق تعقيدات الحياة الإنسانية، بقدر ما كان مجرَّد صورة للخطيئة وتشجيع على اقترافها. فبدءًا من “سفينة الحمقى” لبرانت Brant مرورًا بتيار كامل في الكتابة والرسم (بوش Bosch، بروغيل Breughel) دأبت الأعمال الفنية على إضفاء طابع أخلاقي على مسألة الانقلاب، وفي النهاية لم يعد مجال للهزل، فالعالم المقلوب ليس سوى هذا الذي نعيش فيه كل يوم حيث الخطيئة تُربك النظام برمته. فثمة إرادة جدية لإدانة الخطيئة والفوضى بشدة. كما كان هناك إنكار لغموض وتعقد إدانة لا لبس فيها، وهو ما يعكس محاولات دفع النخب إلى إلغاء الممارسات الكرنفالية والاحتفالية لأنها أصل الفوضى ولأنها خلط هجين بين الوثنية والمسيحية ومجال خصب لإشاعة الرذيلة. (وهو ما نُعبِّر عنه اليوم بالسياسة السليمة). ويربط ديليمو Delumeau ذلك بشكل متوازٍ بالتحوُّل الذي طرأ على المواقف من الجنون([92]): فقد كان يُنظر إليه سابقًا على أنه مصدر للفطنة وحتى للقداسة، ولكنه أضحى تدريجيًا يُنظر إليه كثمرة للخطيئة على ما في ذلك من غموض.

وما يُميِّز هذه الفترة بأكملها، التي تَعقَّب بيتر بروك Peter Burke ملامحها الرئيسة، هو اتساع الهوَّة منذ البداية بين النخبة والثقافة الشعبية، وهنا مكمن الخطورة، بطبيعة الحال. وبالعودة إلى الوراء اقتصرت بعض مكونات الثقافة، مثل الثيولوجيا والفلسفة السكولاستيكية والأدب، ذوات النزعة الإنسانية على النخب، ولكن قد يشكك المرء في أهمية أن نأخذ مثل هذا التمايز في الاعتبار في القرون الوسطى، ذلك أنه، بمعنى آخر، لم تكن هناك ثقافة شعبية حتى نتحدث عن إقصاء النخب من عدمه. فعلى سبيل المثال، كانت أنماط التقوى الشعبية متقاسمة بين طبقة النبلاء ورجال الدين وكان الجميع يشاركون في الكرنفال.

بيد أن الهوَّة توسَّعت أكثر منذ أواخر عصر النهضة إلى درجة الإقرار بأن النخب قطعت مع الثقافة الشعبية، خاصة في ما يتعلق بالإخلاص للصور في المجال الديني أو كذلك أثناء الكرنفالات والاحتفالات الشعبية. وقد تزامنت هذه القطيعة مع تطوير النخب لمثل عليا للحياة، اعتُبرت غير متوافقة في جوهرها مع الثقافة الشعبية، مثلًا عليا للتقوى في الفضاء الديني وأخرى “للمدنية” في المجال العلماني. ولم تتوقف القطيعة عند هذا الحد، بل كانت أساسًا لمحاولة إعادة تشكيل المجتمع، وإعادة تنظيم الحياة الجماعية التي كانت نتائجها مصيرية.

ذلك هو السياق الذي يتعيّن علينا أن نُنزل فيه هذا التحوُّل الذي ألغى العالم المسحور، والذي طبع الصيغ الحيوية الأولى للنزعة الإنسانية الحصرية، فقد تميّزت هذه الأخيرة بديناميكيتها، ونزوعها للتوحيد والتجانس والعقلنة، كما تميّزت، بطبيعة الحال، بمعاداتها للسحر والتوازن.

ومثاليًا يبدو من الضروري تعقُّب المسار الكامل لإعادة التنظيم في مختلف جوانبه، وخاصة في ما يتعلق بنمطي الإصلاح و”بالدولة المدنية”. ولكن قبل ذلك علينا التوقف عند الخلفية التي تقف وراء المحاولات اللائكية للإصلاح، واضعين نُصْب أعيننا التصورات الفلسفية للطبيعة الكامنة خلف هذه المجهودات في التاريخ الحديث، وكذلك تطوُّر النزعة الإنسانية منذ أواخر العصور الوسطى حتى بدايات الفترة الحديثة. لأنه ساهم بشكل كبير في محاولات إعادة تنظيم الحياة والمجتمع. وأريد الآن أن أتناول هذا الموضوع.

9

لكن لا بدَّ من أن أسوق، أولًا، ملاحظة في ما يخص هذه الفترة ككل، فقد كانت فترة، كما بيّن ذلك ديليمو Delumeau، عصر القلق([93]) والمخاوف العظيمة: خوف من السحر ومن الغرباء، ومن الفوضى، وبطبيعة الحال، من الخطيئة ومن الموت ومن الحساب. وذلك ما تأكد بعد الكوارث الكبرى التي شهدها القرن الرابع عشر كالمجاعات والحروب، علاوة عن الموت الأسود بسبب الطاعون الذي اجتاح أوروبا في ذلك العصر. وقد عُزي ذلك القلق أحيانًا، إلى تلك الكوارث فقط.

لكن، قد لا يبدو مجافيًا للصواب القول بأن الخوف قد تضاعف نتيجة التحوُّلات التي حاقت بهذا المجتمع. فلا يتعلق الأمر بتباطؤ نزع السحر فحسب، ولكن أيضًا بزعزعة استقرار المجتمع، رغم تعدد محاولات إعادة تنظيمه، وإلغاء المألوف لصالح الجديد.

غني عن التذكير أن الأثر الأول لنزع السحر لا يتمثل في التخلص من الشياطين، ففي صيغته الأكثر راديكالية تمثَّل نزع السحر في إلغاء كل سحر كنسي، على اعتبار أن السحر لا يكون إلا أسود. فكل سحر من عمل الشيطان، وأصبح المشعوذون والنساء الماكرات والمتطبّبون ومَن لفَّ لفَّهم، مِن أتباع الشيطان.

وضمن بعض المعاني تمركزت الشياطين، بل حتى إن الطاقة الإيجابية لله بدورها تمركزت بعدما كانت متشظية بين القوى الخارقة وسحر الكنيسة. فلم يعد هناك إلا عدو واحد ألا وهو الشيطان.

لقد ساهم هذا التحوُّل أيضًا في تزايد القلق. فقد كان هناك خوف كبير من الشيطان إضافة إلى الخوف بشأن خلاصنا، فتزايد الاهتمام أكثر بمواصلة النضال في ذات الاتجاه.

فليس غريبًا أن الاضطهاد قد تفشَّى خلال ذلك العصر حتى كاد يصيبنا الجنون، وبلغنا حالة من الخوف يمكن تسميتها بالذعر الاجتماعي وربما يكون “الخوف العظيم” الذي أصاب الناس إبان الثورة الفرنسية سنة 1789 مثالًا على ذلك. وعندما نحارب قوى الشر فقط عبر النظام الاجتماعي بوصفه الحصن الذي يحمينا منها، قد ينشأ خوف شديد ربما يقوِّض أسس النظام الاجتماعي، أي ما نعتبره شرط حمايتنا الذي لا غنى عنه. وهذا النوع من الخوف هو السائد في الزمن العلماني، فربما تهتز المجتمعات الحديثة بشدة عندما ينخرط شبابها في الإرهاب، لأن ذلك يضع في الميزان القواعد التي بُني عليها النظام، أو لنقول أمن الفرد. إذ يكفي أن نستحضر هنا ما حصل في عصر ماكارثي McCarthy من ردَّة فعل مفرطة ضد الأوساط الشيوعية التي كانت تحظى بثقة كبيرة حتى ذلك الحين.

وربما لهذه الأسباب المتشابهة، عرفت نهاية الفترة الوسيطة وبداية الحداثة اضطهادًا مفرطًا للمهمَّشين بما في ذلك أولئك الذين يتطلعون للعيش بسلام لا غير. كما تصاعدت مطاردة المشعوذين بشكل مطرد، ولُوحق الهراطقة بشراسة. كما تزايد الخوف من المتشردين (ولكن لا بدَّ من الاعتراف بأن هناك تحولًا موضوعيًا قد حدث فعلًا). وفي هذا الصدد يمكن أن نفترض أن هناك قلقًا متزايدًا آخذ في التوسّع تدريجيًا بشأن الخلاص الشخصي، وهو ما يُفسِّر عنف ردود الأفعال تجاه الأخطار، كالتلوث، التي تُهدِّد ما اعتُبر بشكل غامض الحصون الأكثر قداسة لمناعة المجتمع.

سأعود إلى هذه المسألة في نهاية هذا الكتاب.


الهوامش:

([1]) See Sources of the Self (Harvard University Press, 1989), chapter 7.

([2]) “كانت هناك قوَّة في كل شيء، يُنظر إليها على أنها حيَّة، ولكنها برأينا، ليست حيَّة: الماء والأشجار والمواد، والكلمات، وكان يُعتقد بأن هناك تأثيرًا متبادلًا بين الأشياء. وأن هناك أيضًا كائنات بشرية وأخرى خارقة وفوق-بشرية تمارس نفوذًا بأشكال وعلى مستويات مختلفة: قدّيسين وسحرة وأشباح وأرواح وكائنات أخرى غير بادية للعيان”.

Stephen Wilson, The Magical Universe (London: Hambledon & London, 2000), p. xvii.

([3]) لقد استخدم ستانلي تمبياه Stanley Tambiah أيضًا عبارة “سهل الاختراق” في تمييزه المهم جدًا بين الطب الغربي والطب الهندي القديم (الأيروفيدا) في طريقة علاج الأمراض العقلية. وقد كتب في شأن هذا الأخير يقول: “يُنظر إلى الفرد تجريبيًا على أنه سهل الاختراق ومفتوح على التأثيرات الخارجية في كل الأوقات”، في

  1. Tambiah, Magic, Science, Religion, and the Scope of Rationality (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), p. 134.

وأعتقد أن تمييز تمبياه هذا هو ذات التمييز الذي أعنيه هنا. فهو يطرح في مؤلفه هذا التمييز بوصفه يعكس، في رأيه، طريقتين مختلفين لتمثل علاقتنا بالعالم، “توجهين حول الكوسموس” عبَّر عنهما اختصارًا بما يلي: “المشاركة” و”السببية”. وهما في متناول كل الكائنات البشرية إلا أن وزن كل منهما يتغيّر بتغيّر الحضارات وطرق العيش. انظر خاصة الفصل الخامس من المصدر نفسه.

([4])  انظر المناقشة حول التملك في:

Birgit Meyer, Translating the Devil (Trenton: Africa World Press, 1999), pp. 205–206.

([5]) Eamon Duffy, The Stripping of the Altars (New Haven: Yale University Press, 1992), chapter 8.

([6]) Jonathan Sumption, Pilgrimage: An Image of Mediaeval Religion (London: Faber & Faber, 1975), p. 78.

([7]) William Bouwsma, John Calvin (New York: Oxford University Press, 1988), p. 34.

([8]) ورد في: Wilson, The Magical Universe, p. 38.

([9]) Jean Delumeau, La Peur en Occident (Paris: Fayard, 1978), p. 221.

([10]) المصدر نفسه، ص 393.

([11]) أعتقد، بكل موضوعية، أن هذه الفكرة ذاتها كان قد ناقشها لوسيان فافر  Lucien Febvreفي كتابه ذائع الصيت حول رابليه Rabelais:

Le problème de l’incroyance au XVIe siècle, la religion de Rabelais (Paris: A. Michel, 1947).

([12]) Peter Brown, The Body and Society (New York: Columbia University Press, 1988), chapters 4, 7.

([13]) Keith Thomas, Religion and the Decline of Magic (London: Weidenfeld, 1971), pp. 34–35.

([14]) Preserved Smith, Erasmus (New York: Ungar, 1923 [1962]), p. 57.

انظر أيضًا المصدر نفسه، ص 294، للاطلاع على سخرية أراسموس من “شكاوى” مريم العذراء المفترضة من مريديها.

([15]) هذه الكرنفالات، بطبيعة الحال، كما يذكر ذلك ويلسون Wilson (The Magical Universe pp. 31–33) لها طقوسها الثرية والخصبة إلا أن ما يثير قلقي بشأنها هو طابعها الفوضوي وتعمدها قلب نظام الأشياء رأسًا على عقب.

([16]) لا يعني ذلك أن العنف الساخر لم يُولّد عداءً حقيقيًا لا سيما بين الفئات الاجتماعية، وهذا يعني أيضًا أن ذلك العداء قد يتحوَّل إلى اعتداء مأساوي فعلي إما تلقائيًا أو بنية مضمرة أحيانًا. لمزيد من التوسّع في شأن ذلك انظر:

  1. Le Roy Ladurie, Le Carnaval de Romans (Paris: Gallimard, 1979).

([17]) Natalie Zemon Davis, Society and Culture in Early Modern France (Stanford: Stanford University Press, 1975).

([18]) ورد في:

Peter Burke, Popular Culture in Early Modern Europe (New York: New York University Press, 1978), p. 202.

([19]) Mikhail Mikhaîlovich Bakhtin, Rabelais and His World, trans. Helene Iswolsky (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1968).

([20]) Victor Turner, The Ritual Process: Structure and Anti-Structure (Ithaca: Cornell University Press, 1969), and Dramas, Fields, and Metaphors (Ithaca: Cornell University Press, 1978).

([21]) Turner, Dramas, p. 237.

([22]) Turner, The Ritual Process, pp. 101, 171;

انظر أيضًا للمؤلف نفسه The Apo ceremony of the Ashanti, pp. 178–181.

([23]) Turner, Dramas, p. 234.

([24]) Arnold van Gennep, Rites of Passage (London: Routledge, 1960).

([25]) Turner, The Ritual Process, p. 93.

([26]) Mona Ozouf, La Fête Révolutionnaire (Paris : Gallimard, 1976), pp. 102–108.

انظر أيضًا:

Michel Vovelle, La mentalité révolutionnaire: société et mentalités sous la révolution française (Paris: Editions sociales, 1985).

([27]) Ozouf, La Fête Révolutionnaire, p. 88.

ترجمة منقحة عن

Festivals and the French Revolution, trans. Alan Sheridan (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1985), p. 72.

عرف هذا المبدأ صياغته الصريحة في رسالة إلى دلامبار Lettre à d’Alembert حيث يقول بالتعارض بين المسرح وبين الاحتفالات الشعبية لجمهورية أصيلة، فهذه الاحتفالات تُقام في فضاءات مفتوحة ويبين بأن ماهية الممثل والمشاهد هي مفتاح هذه التجمعات الفاضلة: ما عسى أن تكون مواضيع تلك المشاهد؟ ماذا تعرض؟ لا شيء تقريبًا. وبالتوازي مع الحرية، إذا عمَّ الازدهار، سيعم الرفاه أيضًا. ازرعوا الزهور في الساحات وجمّعوا الشعب وعندها سيكون لكم عيد. ادفعوا بالمشاهدين في المشهد واجعلوهم ممثلين، اجعلوهم يرون أنفسهم في عيون الآخرين ويحبون بعضهم بعضًا بشكل متبادل حتى يتوحّد جميعهم على نحو أفضل، انظر،

Du Contrat Social (Paris : Garnier, 1962), pp. 224–225.

([28]) عن كابانيس Cabanis،

Ozouf, La Fête Révolutionnaire, pp. 336–337.

ترجمة منقحة عن، Festivals and the French Revolution, p. 279.

([29]) لقد ناقشت هذه المسألة بشكل مستفيض في مقال لي بعنوان:

“Iris Murdoch and Moral Philosophy”, in Maria Antonaccio and William Schweiker, eds., Iris Murdoch and the Search for Human Goodness (Chicago: University of Chicago Press, 1996).

([30]) انظر مناقشة تورنر للحدّية والفن في عصرنا في:  Dramas, pp. 254–257; The Ritual Process, pp. 128–129.

([31]) ذلك على وجه التحديد ما بيّنه فيكتور تورنر في، Dramas, pp. 268–270.

وكذلك برنيس مارتن Bernice Martin في دراستها الثاقبة حول الثورة التعبيرية في الستينات وما بعدها،

 A Sociology of Cultural Change (Oxford: Blackwell, 1981)

حيث استخدمت المفاهيم الأساسية لتورنر مثل الفوضى والحدية لتبين الأوليات القبلية التي تنشأ حتمًا عندما يحاول المرء أن يجعل منها أساسًا كافيًا بذاته للحياة الإنسانية. وقد وفرت لها هذه القبليات شبكة مفهومية ثاقبة لتمييز طبيعة التقلبات والمنعطفات والصراعات التي حددت ملامح هذه الثورات وأقضت مضجعها عبر الزمن .

([32]) Walter Benjamin, Illuminations (London: Fontana, 1973), p. 263.

وقد بيّن بنيديكت أندرسون Benedict Anderson الأهمية الحاسمة لهذا الفهم للزمن بالنسبة للمتَخيّل الاجتماعي الحديث. انظر الفصل الثاني من مؤلفه:  Imagined Communities (London: Verso, 1991). وسأعود إلى هذه المسألة في الفصل الرابع.

([33]) Imagined Communities (London: Verso, 1983), pp. 28–31.

([34]) Jean Guitton, Le Temps et Éternité chez Plotin et Saint Augustin (Paris: Vrin, 1933), p. 235.

([35]) Martin Heidegger, Sein und Zeit (Tübingen: Niemeyer, 1927), Second Division, chapter 3, section 65.

([36]) Guitton, Le Temps et Éternité, chapter 5.

([37])  المصدر نفسه، ص237-238.

([38]) Mircea Eliade, The Sacred and the Profane: The Nature of Religion, trans. Willard R. Trask (New York: Harcourt Brace, 1959).

([39]) يؤكد فيكتور تورنر على أن الحج ينتمي إلى زمن علوي. انظر Victor Turner, Dramas, p. 207.

([40]) “يقول البعض بأنه عندما يحين موسم عيد ميلاد منجينا، دائمًا ما يبيت عصفور الفجر يُنشد طوال الليل، كما يقولون بأن الأرواح لا تقوى على الطواف، فتمسي الليالي نقيّة، ولا تسقط الشهب، ولا يؤذي الجنّ أحدًا وتعجز كل ساحرة عن سحرها، طالما أن تلك الفترة من السنة مقدَّسة وملؤها الخير والبركة” Shakespeare, Hamlet, Act I, scene I; lines 158–164.

([41]) Die Protestantische Ethik und der Geist des Kapitalismus (Weinheim: Beltz Athenäum, 2000), p. 153; English translation: The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism, trans. Talcott Parsons (New York: Scribner, 1958), p. 181.

([42]) Ethics, X. 7.

([43])  Pierre Chaunu, Le Temps des Réformes (Paris : Fayard, 1975), p. 172.

([44])  Thomas, Religion and the Decline of Magic, p. 47.

([45])  Richard Fletcher, The Barbarian Conversion (New York: Henry Holt, 1997).

([46]) Thomas, Religion and the Decline of Magic, pp. 163–166.

([47])  Cf. John Bossy, Christianity in the West: 1400–1700 (Oxford: Oxford University Press, 1985), chapter 1.

([48]) Ronald C. Finucane, Miracles and Pilgrims: Popular Beliefs in Mediaeval England (Totowa, N.J.: Rowman & Littlefield, 1977), pp. 196 ff.

([49])  Duffy, The Stripping of the Altars, p. 234.

([50]) المصدر نفسه، ص 236–237, 241, 246.

([51])  Preserved Smith, Erasmus, p. 70.

([52])  Duffy, The Stripping of the Altars, chapter 8.

([53])  Philippe Ariès, L’Homme devant la Mort (Paris: Seuil, 1977), Book I, part 2; Jean Delumeau, Le Péché et la Peur (Paris: Fayard, 1983) في مواضع مختلفة.

([54]) Delumeau, Le Péché et la Peur, pp. 78–79.

([55]) ورد في Chaunu, Le Temps des Réformes, p. 189. عن (ترجمة منقحة)

Johan Huizinga, The Autumn of the Middle Ages, trans. Rodney J. Payton and Ulrich Mammitzsch (Chicago and London: University of Chicago Press, 1996), p. 160.

([56])  Jean Delumeau, La Peur en Occident (Paris: Fayard, 1978), pp. 75–87.

([57])  Jean Delumeau, Le Péché et la Peur (Paris: Fayard, 1983), p. 45.

([58])  Delumeau, Péché, chapter 2.

([59])  Delumeau, Peur, chapter 2.

([60])  Delumeau, Péché, pp. 245, 490.

([61])  المصدر نفسه، ص 126.

([62]) Chaunu, Le Temps des Réformes, pp. 192 ff.

([63]) المصدر نفسه، ص 196، وما يليها.

([64]) Duffy, The Stripping of the Altars, pp. 328, 336–337.

([65])  المصدر نفسه، ص 361.

([66])   المصدر نفسه، ص 16-18، 26 و124-125.

([67]) Thomas, Religion and the Decline of Magic, pp. 30–31.

([68])  Smith, Erasmus, p. 57.

([69]) Chaunu, Le Temps des Réformes, pp. 205–209.

([70]) Anne Hudson, The Premature Reformation (Oxford: The Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1988), pp. 165–166, 303.

([71])   ورد في:  Chaunu, Le Temps des Réformes, pp. 428–429 عن Strohl, 243.

([72])  Delumeau, Péché, chapter 11.

([73]) المصدر نفسه، ص 471-472.

([74]) المصدر نفسه، ص 613-614، يستشهد المؤلف ببونيان وكالفن Bunyan and Calvin.

([75]) المصدر نفسه، ص 563، كريستوفر لوف Christopher Love.

([76]) ورد في Smith, Erasmus, pp. 391–392.

([77]) Calvin, L’Institution de la Religion Chrétienne, I. i.

([78]) المصدر نفسه، III.xiii.2، ورد في

William Bouwsma, John Calvin (Oxford: Oxford University Press, 1988), p. 141.

([79]) المصدر نفسه III. Xiii..

([80]) المصدر نفسه II.i.4.

([81])  إن تنسيب تفسير أوغسطينوس حتى يبدو مجرد محاولة من بين محاولات أخرى لإعطاء لغة لسر لا يظهر لنا أبدًا، لن يُقلّل من قيمة المناظرة التي دارت بين أوغسطينوس وبيلاجيوس. وإذ نفى هذا الأخير سر العجز تمامًا، وبالتالي فليس ثمة ما يبرر البحث عن لغة تُعبّر عنه، فإن أوغسطينوس على الأقل كان محقًا في هذا المشكل بغض النظر عن الحل الذي اقترحه.

([82]) Calvin, L’Institution de la Religion Chrétienne, IV.xv.305.

([83]) المصدر نفسه، III.xix.

([84]) Bouwsma, John Calvin, p. 144.

([85]) Thomas, Religion and the Decline of Magic, chapter 3.

([86]) توجد في الإنجيل، بطبيعة الحال، نصوص تُبرِّر ذلك. انظر مثلًا،

Paul’s Epistle to the Romans, 1, 28–31; Galatians, 5, 19–23.

([87])انظر،

Philip Gorski, The Disciplinary Revolution (Chicago: University of Chicago Press, 2003), pp. 19–22.

([88]) Bouwsma, John Calvin, p. 218.

([89]) Delumeau, Péché, chapter 19.

([90]) أعتقد أن هذا التوجّه يُفسِّر على المدى الطويل الترابط بين المسيحية اللاتينية وحركة الإصلاح، وربما يعود إلى الإصلاحات الغريغورية (الهلدبرنديانا Hildebrandiane) خلال القرن الحادي عشر، وهو توجّه يشترك فيه الإصلاح الكاثوليكي والبروتستانتي. وفي الحقيقة يصعب إيجاد تفسير دقيق لهذا التوجه، ولكن أعتقد أن اتجاهه العام لا يمكن إنكاره. ويؤكد جون أُمللي  John O’Malleyفي كتابه،

Trent and All That (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2000), pp. 17–18

أن الإصلاح تعلَّق في الأصل بالانضباط والأعراف. وهي فكرة تعود بنا إلى القواعد أو القوانين الأصلية سواء للكنيسة أو بعض الأنظمة الدينية التي بدأت في التراخي. وأعتقد أن ذلك هو جوهر هذه الفكرة، وهي فكرة اقترنت، حسب التقليد العريق الذي أسميه الإصلاح (بألف ولام التعريف)، بعاملين آخرين. يتمثل الأول في تغيير الحياة الدينية في حد ذاتها نحو التقوى و/أو الانضباط الشخصي، وعلى تبني وجهة نظر ركزت أكثر على مركزية المسيحية، أما الثاني فيتمثل في الهدف الذي وصفته للتو في المتن، أي تغيير جميع المسيحيين حتى يستجيبوا لأعلى معايير التفاني والالتزام. وهذان الوجهان هما اللذان جعلا الإصلاح محركًا لتجديد حقيقي، وتغيير غير مسبوق أكثر منه مجرد عودة إلى طهارة الماضي (رغم تواتر استحضار ذلك في كثير من الأحيان). كما ساعدت تلك التطلعات أيضًا على فهم التوجه المستمر لهذه الحركة عبر القرون والأحقاب المختلفة.

يرى ديارمايد ماكيللوش Diarmaid MacCulloch أيضًا أن هناك تواصلًا بين الإصلاحات الغريغورية (الهلدبرنديانا) خلال القرن الثاني عشر وحركة الإصلاح المتأخرة. حيث كان يُنظر إلى التدابير القديمة على أنها أصل هذه الحركة في اتجاه “تشكل مجتمع الاضطهاد”، “فما لا يمكن إنكاره، أنه كانت هناك محاولة لاستخدام رجال الدين في أوروبا لتزعّم تنظيم مكثف وغير مسبوق للمجتمع برمته”،

MacCulloch, Reformation (London: Allen Lane, 2003), pp. 27–28.

([91]) Bronislaw Geremek, La potence et la pitié : l’Europe et les pauvres du Moyen Age à nos jours, trans. Joanna Arnold-Moricet (Paris : Gallimard, 1987).

([92]) Delumeau, Péché, pp. 146–152.

([93])Delumeau, Peur, في مواضع مختلفة