الإسلام وتحديات ما بعد الحداثة – غراهم فولر / ترجمة: بدر الدين مصطفى

الإسلام وتحديات ما بعد الحداثة – غراهم فولر / ترجمة: بدر الدين مصطفى


تتمثل أبرز السمات وضوحا لفترة “ما بعد الحداثة” التي نعيشها الآن في الهجوم المتواصل على مفاهيم وحقائق الحداثة. والحداثة مشروع مضى الآن على تأسيسه نحو أربعة قرون، كان خلالها عملية دءوبة من الابتعاد عن الإيمان والعقيدة (بالإضافة إلى التخلص من الخرافات) كأساس لفهم الطريقة التي يعمل بها العالم المادي. وقد أقضت الحداثة الاعتماد على العقل والعقلانية والعلوم والوضعية والاتجاهات التجريبية. ونتيجة لهذه الحداثة، اضطرت كل ديانة لإعادة النظر في الكثير من مواقفها المتأصلة إزاء قضايا العالم المادي وبحث طبيعة المرجعية الدينية ومصدرها ومداها. وقد أجبرت كافة الأديان على الاعتراف بأن الفكر الحداثي هو الأساس الفلسفي المهيمن للمجتمع المعاصر. وقد أنشأت حركة التنوير عقيدة جديدة من الإيمان بقوى التعليم والعقلانية، وبشكل أثار روح جديدة من التفاؤل بقدرة البشر المتمتعين بالعلم والعقلانية على اتخاذ خيارات حكيمة ومن ثم أخلاقية تحقق العيش الكريم لهم ولمجتمعهم. وبوسع السلطة الآن أن تحوز القبول فقط إذا أبدت المهارة والمعرفة القابلة للإثبات، وليس بالإصرار على احترام التراث والأقدمية. ورغم أن النزعة الإمبريقية (التجريبية) empiricism قد حلت محل التفسيرات الدينية أو الصوفية للعالم المادي، إلا أنها لم– ولن– تستطيع أن تحل محل الدين في القضايا المتصلة بالقيم الروحية والأخلاقية. فالعلم لا يستطيع إطلاقًا– ولا يُفترض به- أن يقدّم إجابات للتساؤلات الفلسفية على غرار الهدف من وجودنا على هذا الكوكب، والهدف الذي ينبغي أن تكون عليه حياة المرء، ومعنى الموت وغيره.

ولكن الشكوك الكامنة حول المزايا الشاملة للعقلانية والوضعية موجودة منذ القديم في العديد من الأطروحات النقدية التي تناولت مشروع التنوير– حتى مع التقدم الذي أحرزته الوضعية في عصرنا ذي التقدم التكنولوجي والعلمي الملحوظ. وقد وجد الكثير من نقاد الحداثة ما يبرر مخاوفهم ممثلاً في المحنة الأخلاقية التي شهدها القرن العشرين؛ حيث تعرض مئات الملايين من البشر للقتل بسبب آليات الدولة “العقلانية” والأيدلوجيات المادية وبشكل لم يشهد التاريخ مثله من قبل، وهو ما ألقى بشكوك جدية حول قيم بل وصلاحية الأسس الأخلاقية للحداثة. وكانت الحداثة قد دمّرت التراث واستبدلته بعقلانية (عمياء أخلاقيًا في الغالب) مزعومة، وبيروقراطية رسمية لاأخلاقية، وقوى تصنيع وسوق غير بشرية. بيد أن المحتوى المادي المنزوع منه الروح الموجود في العقلانية والفكر قد اكتسب أبعادًا أكثر رُعبًا مع ظهور تبعات الحياة السياسية في القرن العشرين. فقد وضع نيتشة تأملاته حول المبادئ الأخلاقية والاجتماعية لـ “موت الإله”. وألقى فرويد بشكوكه حول مجرد احتمال وجود عقلانية أصيلة في العقل البشري، حيث قال بأن العقل تهيمن عليه قوى غير مرئية من الدوافع والمثيرات والأفكار المتسلطة الكامنة في ثنايا اللاوعي، والتي لا تتبدى لنا بعض ملامحها إلا بالتحليل النفسي.

وقد خطا الهجوم على الدين وحكمة السماء خطوة أبعد مع الظهور التدريجي للفكر ما بعد الحداثي. فمع قدوم ما بعد الحداثة، صار وجود “الحقيقة” في حد ذاته محل شك، حيث عُدت الحقيقة مفهومًا في غاية النسبية. وكانت الرؤية ما بعد الحداثية الكبرى تضم تعددية المنظور والنزعة النسبية relativism وعدم التوافق الفعلي بين السرديات المتفاوتة لحياة كل منا المتمايزة، والإعلان بأن القوة تحدد ماهية “الحقيقة”. كيف لا يختلف فهم الذكر الأمريكي لـ “الواقع” التاريخي والاجتماعي عن رؤية الأنثى السوداء؟ هل الرؤية التي تنظر بها أمريكا من موقعها المنتصر إلى العالم تحمل أي صلة أو أهمية لرؤية المسلم المغلوب على أمره لنفس الواقع؟ إن حقيقة المحتوى السردي لأي شخص أو ثقافة تختلف بشكل حاد عن نظيرتها لدى أي شخص أو ثقافة أخرى. إن الاعتراف بتعددية السرد ودور المنظور النسبي في تقييم “الحقيقة” أمر يحرر الذهن من أغلاله من حيث أنه يقدس الفرد، ويشجع على المساواة الاجتماعية والسياسية، ويكبح جماح القيم الأخلاقية الذاتية المفروضة من الآخرين والتي ارتدت عباءة المطلق.

وعليه، فإن الدين يواجه أوقاتًا عصيبة سواء من الحداثي– الذي يستبدل العلم والعقل بالإيمان– أو من ما بعد الحداثي– والذي ينكر وجود أي عقلانية متسقة، أو أي حقيقة واحدة أو منظور صالح أوحد في بحر النسبية. ويعبر مقتدر خان عن هذا الموقف بشكل بليغ عندما يقول: “إن ما بعد الحداثي، والذي يعاني قلبه، من دون الإيمان، فراغًا وعقله، من دون الفكر، ابتسارًا، قادر على تدمير الأسس الهشة للحداثة، والسخرية من ذكريات التراث بيد أنه يعجز عن استيعاب انبعاث الإيمان في حقبة ما بعد الحداثة أو التعامل معها … إن من يشنون حربًا خاسرة تحت راية الحداثة ضد ما بعد الحداثة يرفضون انبعاث الإيمان الديني باعتباره عودة لرجعية ما قبل الحداثة”.[2] ولكن مقتدر خان يذهب أيضًا إلى أن “في الوقت الذي تراجعت فيه أهمية كافة الأديان تقريبًا وانكمشت لتقتصر فقط على المجال الخاص  للفرد أو حتى على العادات والطقوس الموروثة، عاين الإسلام انبعاثًا كبيرًا في القرن العشرين”. وهذا أمر ربما يكون صحيحا إذا نظر إليه من زوايا عدة، بيد أننا مضطرون لطرح بعض التساؤلات القاسية عن مضمون هذا الكلام في الواقع. هل يمثل هذا دورة أخرى من الظاهرة الكلاسيكية المعروفة باسم ظاهرة البعث الإسلامي والتي ظهرت في فترات متنوعة من الأزمات في التاريخ الإسلامي؟ أم أنه يمثل هذه المرة شيئًا مختلفًا بشكل جوهري ويطرح فكر جديد حول دور الإسلام في الحكم والمجتمع في ظل الظروف الجديدة غير المسبوقة التي بات يعيشها المسلمون: والتي تشمل تيار العولمة الطاغي وانتشار الديمقراطية في مؤسسات الدولة والمجتمع في عالم ما بعد الحداثة؟

إذا كان الإسلام يمر بمجرد دورة أخرى من التجديد الإسلامي في زمن من أزمنة الأزمات، إذن فإن الانبعاث الإسلامي الحاضر، وبمجرد تحقيقه لأدواره السياسية والاجتماعية المتمثلة في دفع عجلة التجديد والتغيير في العالم الإسلامي، قد ينتهي مآله إلى التلاشي مرة أخرى لنفس الأسباب التي نراها تقف وراء تلاشي الممارسة العامة للعقائد الدينية الأخرى. وبتعبير آخر، إذا لم تجد أديان العالم الكبرى الأخرى “إجابات كافية” للأزمات السياسية والاجتماعية الكبرى التي يعاني منها عصرنا الحديث، فهل سيفلح الإسلام فيما فشل فيه الآخرون؟ ولكن تحديات الحداثة وما بعد الحداثة يمكن في الواقع إجابتها من جانب أي دين– على الأقل من حيث إنشاء مؤسسات وقوانين جديدة. وقد يكمن إسهام كافة الأديان، ومنها الإسلام، على مستوى الضمير الشخصي والذي من خلاله يجد المرء الإرشاد الأخلاقي في مسار حياته عندما تفشل المسارات العامة القائمة في تلبية الاحتياجات الروحية والأخلاقية للمجتمع. وفي الواقع ترى الجماعات الدعوية أنه لا يمكن أن يقوم أساس دافع لإجراء التغيير الأخلاقي على المستوى المجتمعي والمؤسسي إلا من خلال إصلاح الفرد لنفسه.

وفي الواقع، قد تسم هذه العملية مستقبل كافة الأديان. فقد دخلنا عصرًا يتسم بحدة النزعة الفردية ونسبية القيم. وتأتي الصفات المدمرة اجتماعيًا للحداثة وما بعد الحداثة، بالإضافة إلى المفاهيم الاختزالية للديموقراطية والتعددية والتسامح، لتضع عبئًا جديدًا بالغًا على كاهل الفرد لكي يحدد كيف سيعيش حياته في ظل مائدة عامرة بأصناف شتى من الوجبات الثقافية والدينية. ويظهر ذلك بشكل جلي في مفهوم “افعلها بنفسك” الذي بات يسم الحياة الدينية في أمريكا اليوم والذي فيه يقرر الفرد أنسب المعتقدات التي تناسب حياته. وما يبدو صالحًا بالنسبة للمجتمع الأمريكي اليوم تميل أوروبا الغربية لتنبيه غدًا، ليس عن محاكاة لأمريكا ولكن لأن أمريكا هي أول دولة تنعكس عليها مظاهر تصاعد نزعة ما بعد الحداثة. ومع مرور بلدان أخرى بنفس التغييرات الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية، فإنها ستميل كذلك لأن تحذو حذو الأنماط الأمريكية التي نشأت من واقع ظروف موضوعية بطيئة الانتشار ولكنها مكتسحة.

وأنا أرى أن ثمة مسار ما يحمل طابعا شموليا يأخذه الدين في تعاملاته وتبادلاته مع الثقافة البشرية، وفي هذا المسار يتأثر الدين بشكل طبيعي بالاختلافات السياسية والاجتماعية والثقافية ولكنه في النهاية يتخذ نفس الاتجاه على المدى الطويل.

ويقدم لنا تصاعد قوى البروتستانتية الإنجيلية اليوم إشارة موازية على التغيير، خاصة على نحو ما نشهده في أمريكا اللاتينية والتي تتحدى فيها البروتستانتية الكاثوليكية التقليدية. فهنا كانت الكاثوليكية لفترة طويلة هي الديانة التي يرثها الفرد عند ميلاده وحيث تشرف الكنيسة على حياة الإنسان من المهد إلى اللحد بشكل يغلب عليه الطابع الأبوي. بيد أن التراث الكاثوليكي يتعرض لتهديد من جانب البروتستانتية الإنجيلية من حيث أننا بتنا نرى فردًا ما، في مكان وساعة معينة، يعلن بشكل طوعي عن ميثاق جديد مع الله– وبشكل تتجلى فيه إرادة المرء المستقلة والتي تختلف اختلافاً حادًا عن حالة الرضا السلبي الخالية من الفكر والتدبر إزاء الحياة في الشرنقة الدينية الثقافية التي وضعته فيها الكاثوليكية منذ مولده. وفي الواقع، لقد رعت البروتستانتية في التاريخ الغربي نشوء الفرد المتمتع بالاستقلالية على المسرح الاجتماعي والاقتصادي والقادر على أن يفكر لنفسه في مناخ اقتصادي جديد يشجع المبادرات الفردية. وقد بات واضحًا بالفعل في الكثير من الحركات الإسلاموية اكتساب الأفراد لمسئولية جديدة في أن يتدبروا بأنفسهم تفسير القرآن وأحاديث الرسول بدلاً من التسليم بها بشكل أعمى ونابع من التقليد المجرد. وفي فترة الإصلاح الديني، كان هذا المفسر الديني قادر على إحداث تطور اجتماعي ملحوظ ولكنه كان قدرًا أيضًا على الانجراف في تيارات من المعتقدات الدينية والاجتماعية الراديكالية والثانوية. ونجد هذا الأمر يحدث في الإسلام اليوم. فالتعليم هو تلك الآلية التمكينية التي تدفع بكافة الأفراد للتفكير بأنفسهم. ولم يعد هناك ما يمكن تسميته بالنموذج الأوحد، فهناك نماذج عدة للحياة الأخلاقية والحياة الطيبة، وذلك في سوق من التشكيلات المتنوعة.

وعليه فإننا ندخل بحق عصر الفردية، وهو نمط حياتي يتطلب مسؤولية أكبر من جانب الفرد إزاء حياته الخاصة، وبشكل ينأى به بشكل متزايد عن أشكال الدعم والتضييق المرتبطة بالقيود التي تفرضها الأسرة أو العشيرة، حيث يتحرر من التضييق الذي كان يمارسه المجتمع المتجانس والمغلق التقليدي القديم ومن تضييق الدولة الأبوية والسلطوية نفسها. وفي ظل هذه الأوضاع الجديدة، يضطر الفرد لأن يكون مسؤولاً عن تطوير نفسه وتنميتها بدرجة أعلى بكثير مما كان سائدًا من قبل في التاريخ. فلن يتسنى لأي مجتمع ودولة تعددية أن تكون قادرة بعد الآن على توفير الإطار الحيوي أو الدعامات والمساند الأخلاقية التي كانت متوافرة في الدول ذات النمط الأبوي التقليدي. وبدلاً من أن تؤدي هذه الظروف للتقليل من مكانة الدين باعتباره شيئًا تجريديًا غير ذي أهمية، نجد على العكس أن دور الدين والقيم، وتحت هذه الظروف تحديدًا، يصبح مهمًا وجوهريًا، وذلك لأن الفرد المستقل سوف يحتاج وبشكل أشد عن أي وقت مضى لإرشادات تعينه وتهديه لسبيله في الحياة. إن قوة وأهمية القيم الدينية الشخصية التي يتوصل إليها المرء بشكل مستقل بناء على تفكير وتدبر تكون أعظم كثيرًا من تلك التي يرثها الأبناء عن آباءهم بدون تفكير أو تحليل نقدي. وليست القيم الدينية هي الوحيدة على الساحة، حيث يمكن تبني القيم العلمانية كذلك، بيد أنها تظل في حاجة لأساس متين ولجانب طقوسي بشكل يجعل لها وزنًا عاطفياً ومجتمعيًا كاملاً. إن إيمان الفرد المعاصر سوف يمثل اختياره الفاعل والهادف لتلبية احتياجاته.

ثمة مجموعة مجموعة متنوعة من الأحداث غير الدينية أدت إلى ظهور ظاهرة الحركات الإسلامية، ومكنتها من أن تتحول إلى محرك يحمل مظالم الناس وتطلعاتها. وهنا ينشأ التساؤل التالي: هل سيؤدي العلاج التدريجي لهذه المظالم في تلاشيها هي نفسها كمصادر دعم للإسلاموية وهو الدور الذي كانت تلعبه مسبقًا– وذلك بغض النظر عن الرسالة الروحية نفسها الخاصة بالإسلام؟ إن الإسلام سيظل صالحًا دومًا كعقيدة بالطبع، ولكنه على الأرجح سيشغل مكانة أقل في الأفق السياسي مع نجاح قوى أخرى في علاج نفس هذه المظالم غير الروحية. كذلك فإن أحزابًا سياسية بديلة، في ظل توافر تيار أكبر للتحرير السياسي، سوف تسعى وراء الكثير من نفس الأجندات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تسعى وراءها الإسلاموية، وبشكل يضعف احتكار الإسلاموية للحقل السياسي في الوقت الحاضر.

وبتعبير آخر، لا يزال من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان انبعاث الإسلام اليوم قد جاء كظاهرة دينية، أم كظاهرة يستجيب فيها علم اجتماع الدين (سوسيولوجيا الدين) لتحديات محددة يواجهها المجتمع المسلم في الزمن المعاصر. وربما ينزعج الكثير من المسلمين حتى إزاء هذه التصنيفات الفكرية.

كيف يمكن الحديث عن القيم التي يطرحها الفكر ما بعد الحداثي والتعاليم الإسلامية؟ لنناقش ذلك فيما يلي من خلال التأكيد على تلك القيم في علاقتها بالواقع الإسلامي والإطار النظري الذي يحكمه.

التنوع والتعددية

إن المستقبل يحمل معه حتمًا زيادة التنوع الثقافي للجميع. فالشعوب والأفكار في حالة ترحال مستمرة، والتكنولوجيا تزيد من وتيرة التنوع بمتوالية أسية. التكنولوجيا لا تزيد سوى من تنويع وسائل التعبير، أما الهجرة فستضحى سمة أساسية لكافة مناطق العالم تقريبًا، حتى ولو عكر صفوها الإرهاب الدولي. ويفرض هذا التنوع واقع التعددية، وذلك في المجالات العرقية والدينية والاجتماعية والطبقية، رغم ما قد تكون عليه هذه التعددية من أثر مدمر على المحافظة على التقاليد الثقافية ووحدة الرؤى والقيم الاجتماعية. والعالم الغربي هنا لا يقل تأثرًا بتلك التعددية عن العالم الإسلامي.

     ويواجه الإسلام خيارًا هنا: فمن جهة يمكنه أن يدافع عن حقوق المجتمعات المسلمة حصريًا، ويسعى للحفاظ على “نقاء” المجتمعات المسلمة القاطنة في الغرب من خلال نصب الحواجز الثقافية التي تشكل نوعا من الحماية، والتحجيم من تسلل الثقافات الأجنبية في مجتمعاته وثقافاته واقتصاده في بلاده. ومن جهة أخرى، يمكنه التسليم بهذا التنوع وقبوله والعمل معه انطلاقًا من قيم ثقافية أكثر شمولية.

      وحتى الآن نجد معظم الحركات الإسلامية ثابتة على موقفها في منح الدعم والمساندة فقط للتجمعات الإسلامية وعلى حساب مصلحة الآخرين– وذلك على غرار ما تفعل الأحزاب العرقية الأخرى في الدول ذات الأعراق المتعددة. ولكن إذا كان لدى الإسلاميين أي نوع من التطلعات التي تتجاوز مجتمعهم الديني وترقى لنوع من الشمولية والكلية في المنظور universalism، فإن عليهم الذهاب لما هو أبعد من مجرد استمالة مجتمعاتهم الضيقة والسعي لاستمالة مجتمع أوسع.

             وعلى المستوى الفكري، نرى الكثير من الإسلاميين الذين يستدعون مهاجمتهم. ففي مصر وماليزيا وباكستان وبنجلاديش، يدعم الإسلاميون المطالبات الداعية لفرض رقابة دينية، والتحرش بالباحثين. وبين الأصوليين السنة نجد تصلبًا في المواقف والتوجهات ليس فقط إزاء المسيحيين، بل وأيضًا إزاء المسلمين الشيعة، بل وحتى إزاء المسلمين الليبراليين. وتلك سُبل لا تؤدي إلا للتعصب الديني الأعمى وضيق الأفق والتمييز والتمييز العرقي. ولا تبدو الحركات الإسلامية على ارتياح كامل بعد إزاء واقع التعددية حتى ولو أقرت واعترفت به كواقع مسلم به من ناحية المبدأ. (تواجه الأحزاب القومية التقليدية نفس المشكلة). وربما تعد هذه المشكلة التعددية أكبر قضية تواجه الإسلاموية في الوقت الحالي.

التسامح في مقابل المساواة

ثمة طريقتين يمكن النظر من خلالهما إلى مفهوم التسامح، وهو المفهوم الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم التعددية. أما الطريقة الأولى فمن خلال إبداء القبول والتأييد بل والترحيب بتساوي الآخرين في الحقوق وحريتهم في التفكير والتصرف بشكل مختلف– وهو ما يتطلب الحيادية من جانب الدولة من أجل حماية الفرصة لكافة العقائد في الازدهار. وأما الطريقة الأخرى، فتعمد فيها الدولة أو المجتمع المحكوم بممارسة دينية رسمية إلى إبداء “التسامح” إزاء سعي الآخرين لممارسات دينية مخالفة، وبمعنى أن يتم التسامح مع هؤلاء الآخرين، ولكن ليس أكثر من ذلك – وهو في حد ذاته نوع من أحكام القيمة والذي لا يمنح حتى المساواة قانونية بين الأفكار. ويرى بعض الإسلاميين أن منح الدولة شرعية مساوية لكافة العقائد أمر ينطوي على إشكالية إن لم يكن تجديفًا. ونجد نفس المشكلة في كل مكان، حيث يرى الكاثوليكيون والكثير من البروتستانت أن منح شرعية مساوية للعقائد الأخرى أمر يكاد يكون مستحيلاً. ولدينا مثال آخر من الدولة الروسية المعاصرة التي تحرص على المحافظة على الوضع المميز للكنيسة الأرثوذكسية في مواجهة الغزوات التبشيرية من البروتستانتية الإنجيلية.

وتنقسم الحركات الإسلاموية حول هذه القضايا. فمن المؤكد أن للإسلام باع تاريخي في منح الحقوق والحماية الواضحة للأقليات الدينية، ولكن لا ينظر إلى هذه الأقليات باعتبارها مكافئة للمجتمع المسلم، فكل الحاصل هو أنها تلقى معاملة متسامحة معها وحسب – وبالتالي لا تتمتع بالمساواة الاجتماعية والقانونية الحقيقية. بيد أن الساحة قد شهدت عدد من الإسلاميين الحداثيين الآخرين الذين يعملون على صوغ مفهوم جديد للتعددية على غرار حركة النور في تركيا، والذي تحظى فيه كافة الأفكار بالتسامح بدون تفضيل لبعضها على البعض الآخر وذلك من منطلق الإيمان بأنه من خلال حرية الأفكار الحقيقية سوف يصبح البشر أكثر قُربًا من الفهم الأصدق لله ومقاصده. ولا تزال هذه الأصوات الأكثر ليبرالية مقصورة على أقلية صغيرة، رغم أنها تشهد ازديادًا على الأرجح.

ويعلم كافة المسلمين جيدًا الآيات القرآنية التي تعد أكبر مسوغ للتعددية في الإسلام. حيث تقول الآية رقم 48 من سورة المائدة: ” لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”. كما نستشهد بآية أخرى شهيرة تدعو للتعددية في الإسلام وهي تقول: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ” (سورة الحجرات، الآية 13). هذا بالإضافة إلى آية ثالثة تتحدث عن منح الله لكل نبي “شريعته” الخاصة.

وتوضح هذه الآيات بجلاء وعي المسلمين بوجوب التعددية بين شعوب العالم وداخل المجتمعات، وهي تدل على أن القدرة على التقوى وفعل الخيرات هي المعيار الأساسي للصلاح والورع. كما يمكن أن نستشهد بأحاديث للرسول تظهر أسلوب تعامله مع المجتمعات متعددة الثقافات أو المتعددة وسعيه لعقد هدنة دينية أو عرقية بين أطراف متحاربة.

ورغم أن هذه الآيات تقدم شواهد نصيّة قوية مؤيدة للموقف التعددي، إلا أن الكثير من الإسلاميين يستشهدون بآيات قرآنية أخرى لتبرير تعصبهم وإصرارهم على تحقيق التجانس الكامل على مستوى الفكر والممارسة داخل الإسلام على اعتبار أن ذلك هو الطريق الوحيد المقبول لاحترام إرادة الله. وتأتي الكثير من هذه الاقتباسات الموحية بدرجة من عدم الهوادة منزوعة تمامًا من سياقها، أو تأتي ضمن سياق الوصف القرآني للصراع الدائر مع غير المسلمين تحت ظروف تاريخية معينة من الحرب، وهو وصف يوازي الطابع المطلق absolutism والتمركز حول العرق ethnocentrism الذي يسم مقاطع من العهد القديم حول التعامل مع أعداء اليهود في الحرب. ويعاني الكثير من المسلمين صراعات أقل مع المسيحيين أو اليهود عما هو الحال مع الجماعات المسلمة من المذاهب الأخرى. وتأتي الحركة السلفية، خاصة في شكلها الوهابي، ذات نزعة استبعادية وإقصائية للحركات الأخرى بشكل استثنائي في هذا الموضوع.

وحيث أن الإسلام استطاع دومًا أن يمد مظلة التسامح إلى “أهل الكتاب” (المسيحيين واليهود)، فإن على المسلمين الآن الاعتراف بالحاجة لبسط هذا التسامح أيضًا ليشمل أتباع العقائد الأخرى مثل البوذيين والهندوس والطاويين، وعدد من الديانات المحلية الأخرى، بل وحتى الملحدين. وقد تحلى الإسلام بنظرة براجماتية حيال هذا الأمر عندما اقتضت الضرورة: فعندما حكم المسلمون الهند تحت السلالة المغولية، حدث نوع من التعايش المفروض بأمر الواقع مع الأغلبية الهندوسية حتى برغم اعتراض بعض شيوخ الدين على ذلك، بل وقد عثر بعض العلماء المسلمين على شكل من أشكال الوحدانية الكامنة وراء تعددية الآلهة الظاهرة في الهندوسية. وتتعامل حكومة الحزب الإسلامي الماليزي في اثنين من الولايات الماليزية اليوم بشكل أريحي مع الصينيين والهندوس.

ومع انتشار الحركات الإسلامية، يظهر بشكل أكثر بروزًا غياب أي مرجعية مركزية أو محددة، فيما يعد مثالاً آخر على عملية “التطبع البروتستانتي” للتنوع والتبدد المستمر للمرجعية الأحادية. ولم تشهد الساحة لفترة زمنية طويلة للغاية بزوغ أي مصدر رسمي أوحد للمرجعية في الإسلام. فمنصب الخليفة، والذي يعد أعلى سلطة دينية في الإسلام، سرعان ما تحول إلى دور مُسيّس في القرن الإسلامي الأول. وعلى خلاف الاعتقاد الشائع، انفصلت المرجعيتين السياسية والدينية في الإسلام عن بعضهما البعض للأبد في الممارسة الفعلية في القرن الأول من الإسلام مع تبعية الدين للسلطة العلمانية، حتى ولو حكمت هذه السلطة باسم الإسلام لكسب شرعيتها وللدفاع عن الشريعة الإسلامية. ونادرًا ما كانت المرجعية الدينية ذات طابع مركزي، حيث كانت المراكز الكبرى المتنافسة مثل النجف (بالنسبة للشيعة) وكبار الشخصيات الدينية في الواقع تتنافس من القاهرة أو بغداد أو اسطنبول أو غير ذلك من المواقع وبشكل لا تتمتع معه إلا بمرجعية محدودة أو انتقائية خارج البلد.

واليوم، وكما يشير إيكلمان، زاد عدد الجهات التي تدعي مرجعيتها في الإسلام بمتوالية أسية، حيث باتت تُصدر تصريحات دينية مستقلة بهذه الصفة من العديد من وسائل الإعلام، ومنها مراكز الفتوى المنتشرة في كافة أنحاء العالم والتي تضم مركز (آن أربور) في ميتشجان؛ والرسائل الإخبارية، ودورات المحاضرات، والبرامج التليفزيونية والكتب والمجلات والشرائط الصوتية والمرئية والاسطوانات المدمجة، وفوق كل ذلك مواقع الإنترنت التي يمكن لأي مسلم فيها الاستفسار عن رأي الدين حول أي قضية من عدد من الأشخاص الذين نصبوا أنفسهم كمرجعيات الدينية، رغم أن بعضهم لم يتخرج بالضرورة من المدارس والمعاهد الدينية بل كانوا مفكرين إسلاميين درسوا عن طريق التعليم الذاتي. ولهذا الأمر أثره في تسهيل “التبضع” بين الآراء – وهو ليس بأمر سيء في حد ذاته لأنه يدفع المرء لكي يتفكر بنفسه حول الآراء والقضايا المختلفة بشكل أعمق. (وكثيرًا ما يذهب الناس في الغرب أيضًا إلى الكنائس التي يرتاحون للمنظور المطروح فيها عن المسيحية).

وبتعبير آخر، يشجع توافر مناخ فكري وسياسي أكثر انفتاحًا على تنويع الفكر داخل الإسلام. حيث سيشرع الناس في التفكير فيما تعنيه ممارسة الإسلام بالنسبة لهم من الناحية العملية، وبشكل يؤثر على توجهاتهم إزاء الرسائل الإسلاموية المختلفة. ولن يكون هناك صوت أوحد للمرجعية.

اكتساب الدين الصبغة الفردية

يمر الدين في الوقت الراهن بعملية ثورية أعمق، وهي اكتساب الصبغة الفردية individualism. ففي المجتمعات التقليدية التي لا تعرف الانفتاح والترحال، كانت ديانة المرء تأتي فقط بالوراثة ويحددها المحيط المجتمعي الذي يعيش فيه الفرد. بيد أن عملية التنويع وقدرة الفرد على السعي وراء التنوع في الأفكار الدينية لا تشجّع الأفراد فقط على التفكير فيما تعنيه ممارسة الإسلام لهم؛ بل وتنقل الدين كذلك تدريجيًا من خانة الممارسة الموروثة عن طريق الثقافة والأسرة إلى خانة البحث والاختيار الشخصي. وقد نلقى هنا انتقادًا عنيفًا من بعض المسيحيين واليهود والمسلمين نظرًا لما يوحيه هذا بوجود “متجر ديني” يختر فيه المرء العقائد التي تعجبه ويتجاهل الأخرى. ولكن هذا تحديدًا هو ما أصبح يعنيه دين الضمير religion of conscience في العالم المعاصر. إن جوهر البروتستانتية الإنجيلية، على سبيل المثال، هو الاختيار الفردي الواعي للعقيدة والزعامة الدينية، وليس ممارسة العقيدة الموروثة. ويقوم الكثير من المؤمنين الآخرين في الغرب بموائمة شخصية لعقائدهم الشخصية وبشكل يتأثر بعدة مصادر – منها الاختيارات التي أقدم عليها المؤمن خصيصًا لأن المؤمن يهتم بعقيدته ويبحث في الكتب وتعاليم العقائد المتنوعة للتعرف عليها وعلى محتواها. وبالتالي لم تعد العقيدة بالنسبة لهم مجرد امتداد للديانة الموروثة من الأسرة.

ويتساءل بعض المؤمنين عن جدوى وقيمة أي ديانة موروثة إذا ظلت بعيدة عن الفهم والتمحيص؟ ألا يضحى السعي وراء دين أكثر قيمة ومعنى إذا جاء نتيجة التأمل والدراسة؟ وتعكس هذه السمات تطور معظم الفكر الديني في الغرب اليوم، والذي سقته وغذته العقائد الأخرى، حيث نشهد أثر البوذية على بعض كبار المفكرين المسيحيين، أو الثراء الذي تمتعت به الروحانية المسيحية نتيجة الاستفادة من التقاليد والعقائد الروحية وذلك بشكل تتجلى فيه روح عالمية (أو مسكونية) جديدة. وتنشأ هذه الظاهرة مباشرة من التعددية الثقافية السائدة في زماننا المعاصر، ومن المتوقع أن تؤثر على المسلمين كذلك، خاصة مع معيشتهم في مجتمعات جديدة أو قبولهم لثقافات مختلفة في ثقافتهم الخاصة.

والآن، تتعرض هذه “المسكونية” ecumenicism (أو العالمية) لمقاومة شديدة عندما يشعر المجتمع المتطبع بهوية دينية معينة بتهديد وجودي يطاله ومن ثم يزداد تشبثًا بجوهره العقائدي تأكيدًا على هويته المجتمعية والشخصية. (وقد أشار أحد كبار الحاخامات اليهود في هذا المقام إلى أن أمريكا قد تشكل تهديدًا على الثقافة اليهودية يفوق تهديد ألمانيا النازية وذلك لأنها تشجع الزواج المختلط بين أصحاب الديانات المختلفة وفقدان الهوية اليهودية). ونرى في كافة هذه المجتمعات جنوحًا لأرثوذكسية أكبر في عقائدها بهدف التأكيد على هويتها عنه نتيجة للتعبير المحض عن تفضيلاتها الدينية. وقد يكون إضفاء الصبغة الفردية على العقيدة أمرًا حسنًا من منظور الضمير الشخصي وقوة الإيمان الشخصي، ولكن كثيرًا من المسلمين باتوا يشعرون أن هذه الطابع الفردي يسفر عن ضعف تضامن وهوية المجتمع. بيد أنه عندما تكون هوية أي مجتمع (أو عالم) متعدد الثقافات بمنأى على التهديد، فإنها تكون أكثر انفتاحًا أمام التأثير الخارجي والتأثير في الاتجاهين. وسوف يكون شعور المسلمين بالاطمئنان على وجودهم وثقافتهم أحد السبل المهمة لتحرير المجتمع.

الأغلبية وحقوق الأقليات

يطرح واقع التعددية تساؤلات إضافية عن قضية فرض الأغلبية لإرادتها على الأقلية، وما إذا كان يمكن للمسلمين– أو لأي أغلبية أخرى– أن تسعى لفرض التشريعات الاجتماعية الثقافية المرتبطة بدينها. إن الفقه الإسلامي يتفهم بالتأكيد أنه ليس من المتوقع لأي أقلية مسلمة أن تسن تشريعات إسلامية أو أن تفرض رؤاها على أغلبية غير مسلمة. ومن جهة أخرى، إذا شكل المسلمون أغلبية صغيرة، مثل الملايو في ماليزيا الذين تبلغ نسبتهم 54% من السكان، فكيف يغير هذا الأمر من الوضع القانوني؟ إن من المفترض في الشريعة الإٍسلامية – وحتى فهم هذا المصطلح يتفاوت باختلاف المكان والزمان – أن تكون مفهومًا شموليًا، إذن فكيف يأتي هذا المفهوم ليعتمد على النسبة العددية في تقرير شرعيته وأهميته، خاصة من المنظور الإسلاموي؟

وينشأ التساؤل بصفة متكررة حول فرض الشريعة الإسلامية، حتى في البلدان الديمقراطية التي تحكمها أغلبية مسلمة. إن الأغلبية بالطبع هي التي تقرر التشريعات دائمًا، ولكن ماذا عن حقوق الأقليات في ظل هذه الظروف؟ لنتطلع إلى بعض تعقيدات القضية. لا يفترض بالطبع أن تطبق الشريعة الإٍسلامية على غير المسلمين، ولكن الموقف يبدو غائمًا عندما يتورط طرفان أحدهما مسلم والآخر غير مسلم في إحدى القضايا القانونية، أو عندما يختر المجتمع تشريعًا كحظر المشروبات الكحولية. ونجد وضعًا مشابهًا لذلك في الولايات المتحدة، حيث نجد الولايات والمقاطعات التي أطلقت يدها في سن القوانين الخاصة بمنع الكحوليات والتي تؤثر على حالة بيع المشروبات الكحولية أو حتى حظرها تمامًا. وإذا تناولنا مثالاً أكثر جدية، فماذا عن عقوبة الإعدام؟ لنفترض أن الأغلبية في ولاية تكساس قامت بالتصويت لصالح تطبيق عقوبة الإعداد فيما ألغتها ولاية مينيسوتا، فهل تتعرض هنا حقوق الأقلية من المواطنين في تكساس لانتهاك مميت؟ هل يرتحل المعارضون للعقوبة إلى مينيسوتا؟ ما الموقف الحقوقي لأقلية تكساس التي تعارض عقوبة الإعدام؟ عندما يضع أي مجتمع معاييره القانونية من خلال الاستفتاءات الشعبية، فإن الأقلية لا تملك خيارًا سوى القبول بهذه المعايير أو الرحيل. وكافة التشريعات الخاصة بالقضايا الاجتماعية، مثل الإجهاض والقتل الرحيم، تؤثر بشكل قوي على حقوق الآخرين أو مواطن الحساسيات لديهم. إن واقع التعددية النامية يضفي تعقيدًا كبيرًا على الأجندة الإسلاموية، وسوف يتطلب تفكيرًا جديدًا وأوسع حول طبيعة الشريعة الإٍسلامية والممارسة الإٍسلامية وسيادة الأغلبية وحقوق الأقليات. وقد بدأ الإسلاميون الآن لتوهم التعامل مع بعض هذه القضايا.

الحرية الفردية والقيم المفروضة

يرى معظم المسلمين الحداثيين العلاقة بين الفرد والله كمسألة قرار وسلوك نابع من الفرد: فالله في النهاية وليس أحد الوسطاء من البشر هو وحده من سيحكم على سلوك كل مؤمن.  ولكن عندما يأتي هذا السلوك الشخصي ليؤثر على المجتمع أيضًا، فيجب أن يتضمن الأمر عقدًا اجتماعيًا يحدده المجتمع حسب أعرافه وفهمه للإسلام. وإذا اختار الفرد ألا يعيش وفق هذه الأعراف المجتمعية، فيجب منحه الحرية ليفعل ذلك طالما لم يحمل سلوكه أي انتهاك للقوانين الفعلية. وقد يجوز للإسلاميين أو شيوخ الدين الحث على تأويلات معينة للإٍسلام وتطبيقها، بيد أنه لا يجوز لهم امتلاك أي قوة قانونية لفعل ذلك في نظر معظم الحداثيين.

وفي عالم الواقع، يأتي “طغيان الأغلبية” وما تحمله هذه الأغلبية من قيم في أي مجتمع أمرًا لا مفر منه بطبيعة الحال. وفي أي مجتمع يتسم بالمحدودية والانغلاق والتجانس، يجر أي فرد على نفسه الكثير من المتاعب إن هو اختار العيش بشكل يختلف عن الأعراف السائدة. أما في المجتمعات الكبيرة التعددية، فيملك الأفراد مجالاً أكبر من الخيارات ويجنحون لإنشاء دوائرهم الاجتماعية الخاصة. وكلما زاد تنوع المجتمع، كلما زادت صعوبة أن يحقق هذا المجتمع إجماعًا حول القواعد والأعراف. وسوف تسعى المجتمعات الإٍسلامية من تلقاء نفسها لبناء أنواع معينة من المؤسسات والهياكل للمحافظة على قيم وأساليب معيشة معينة (وهي تمثل “القواعد المجتمعية الراهنة”) إما قانونية أو عرفية، وستسعى لفرض إجماعها إلى حد معين.

وفي النهاية، فإن أي محاولات لفرض أي نظم أخلاقية معينة في القرن الحادي العشرين تتجاوز “القواعد المجتمعية الراهنة” ستبدو بعيدة عن الواقع بشكل ميئوس منه ومثيرة للسخرية وسيكون مقدرًا لها أن تفشل، وذلك مهما كان تبريرها الديني. وسوف تفشل مثل هذه المحاولات لسببين: الأول أنه لا يمكن لأي رؤية ضيقة وحصرية للأخلاقيات أن تكسب تأييدًا واسعًا لها لفترة طويلة، وأي جهود تُبذل في سبيل فرضها لن يُقدر لها الاستمرار. وتوضح حالة إيران نفسها هذا الأمر –  وهو واقع بات أكثر جلاء الآن أمام المفكرين الدينيين في إيران.

إذن ماذا يمكن أن يفعل الإٍسلاموي إذن في مجتمع تعددي معاصر ليس كافة أفراده مسلمين، وليس كافة أفراده المسلمين متساوون، وليس أفراده المسلمون متدينون، وحيث لا يتفق المتدينون أنفسهم على تفسير الإسلام في ظل الظروف المعاصرة؟ قد يجد الإٍسلاميون ببساطة أن أقوى إسهام وموطن قوة لهم يكمن في الحفاظ على الأجندة الأخلاقية حية أمام أعين المجتمع بحيث تظل نقطة مرجعية حية ونابضة. ولن يكون الإٍسلاميون وحدهم في ذلك: ذلك أن المجتمع سيفرز هيئات أخرى، بعضها علماني، تضطلع بدور الناقد الأخلاقي: مثل جماعات حقوق الإنسان وحراس الديمقراطية وحراس وجماعات مكافحة الفساد وغيرهم. بيد أنه بوسع الجماعات ذات التوجه الإسلامي أن تواظب على طرح نقدها الأخلاقي الأوسع للمجتمع حول قضايا الساعة لكي يفكر فيها المجتمع، وذلك على غرار ما تفعل كنائس عديدة اليوم في الغرب. فإذا نجح الإٍسلاميون في المحافظة على الأفكار الإسلامية كجزء من حوار دائر نشط في المجتمع، فإنهم سيحققون بذلك أعظم دور ممكن لهم في نشر الفكر الإسلامي.

أما الرؤى المنغلقة والمفتقدة للسلاسة والمرونة إزاء الإسلام، على نحو ما نشهده في بعض الدوائر في باكستان، أو في أفغانستان تحت حكم طالبان، فسوف تخسر كثيرًا من جاذبيتها وقبضتها على مجريات الأمور عندما ينال الأفراد الحرية في صنع الخيارات. وإذافقد نمط الإسلام المنتشر هناك اتصاله بالواقع في أعين المسلمين حول القضايا الكبرى التي تواجههم، فحتمًا سيكون هناك شيء خطأ في هذه الرؤية الخاصة للإسلام.

ولن يضمن احتفاظ الإسلام بحيويته ومحوريته في الحوار المعاصر إلا التفسيرات المرنة والذكية لروح الإسلام ورسالته في ظل الأوضاع المعاصرة. فالإسلام أو غيره من الديانات لا يعيش وينمو إلا إذا قدم أطروحات مفيدة إزاء القضايا الملحة التي تواجه الناس، خاصة في ظل أوضاع من الحرية. إذن، فالحرية تصبح هي الشرط الجوهري للتطبيق الناجح والمبتكر لرسالة الإسلام للبشرية. فالحرية وحدها توفر المناخ الذي يسع كل فرد فيه أن يكون على صلة شخصية مع الله وينضم طواعية مع الآخرين لنشر رؤية أخلاقية.

ثقل العلمانية

يعد أكبر تحديات القرن كافة بالنسبة للإسلاميين هو التصالح مع العلمانية، وهي إحدى أكبر قوى الحياة الثقافية الغربية لزهاء أربعة قرون، والتي بات رسوخها يقوى أكثر فأكثر في الحياة العالمية. وهي تأتي مستهدفة من قبل الكثير من الإسلاميين، وذلك لسبب أساسي يتمثل في عدم فهمهم للمصطلح.

وفي التاريخ الثقافي الغربي، تعني العلمانية عمومًا السعي العقلاني للمعرفة الموضوعية والتغاضي عن أي قيم غير علمية ومنها المعتقد الديني. وفي الاستخدام الأنجلوساكسوني، خاصة في الدوائر القضائية الأمريكية، يشير مصطلح العلمانية إلى الفصل الصارم بين الكنيسة والدولة، وبشكل يحمل إصرارًا على بقاء كل منها خارج فلك الآخر. كما أن هناك نسخة فرنسية من المصطلح، وهي laicisme، وقد أتت نتاجًا للثورة الفرنسية، وتعني أن الدولة تسيطر أو حتى تقصي الدين ومؤسساته باسم القيم العلمية والوضعية للدولة. وكان المفهوم الفرنسي للعلمانية هو الذي حاز بروزًا واسعًا في العالم الإسلامي المعاصر، وكان أقواها مع مصطفى كمال أتاتوترك في تركيا، حيث أخذت الدولة بزمام السيطرة الكاملة على الدين ومؤسساته. وتحدد وحدها الأيدلوجية الأتاتوركية للدولة، والتي ترتأي الإسلام كقوة رجعية وظلامية وعتيقة، الكيفية التي يجب بها استعمال الدين لخدمة أجندة الدولة. وقد رسخ هذا النهج بورقيبة في تونس ومحمد رضا شاه في إيران حيث تم كبت المؤسسات أو الحركات الدينية ووضعها تحت خدمة الدولة. وهذا هو شكل “العلمانية” الذي يجده الإسلاميون يصعب على الاحتمال، نظرًا لأنه في نظرهم يمثل معاداة للإسلام ويقمع المؤسسات الدينية.

من جهة أخرى ترى فئة أخرى من الإسلاميين الإسلام بمعنى شمولي يكون فيه الإسلام أكثر من مجرد دين – أي “أسلوب شامل في الحياة” أو دين din – يتخلل كل جوانب معيشة الإنسان. ومن المؤكد أن المرء يمكنه من منظور ديني أن يرى أن وجود الله يتخلل كل الأشياء، وذلك كوجود متأصل يضفي حبورًا وقداسة على كافة مناحي الوجود اليومي احتفاءً ببديع صنع الله ومشيئته. وتتشرب معظم الرؤى الصوفية والدينية للحياة بمثل هذه الأفكار. بيد أن الأمر هنا يختلف إذا اشترط الإسلاميون أن تأتي الطبيعة المقدسة لكافة أشكال الوجود لتلزم كافة المؤسسات البشرية بأن تكون تابعة للتناول الديني الصارم، أو أن تصبح أحزابهم ومذاهبهم وحتى برامجهم فوق مستوى الحوار والنقد لمجرد أنها تتصل بالدين. ففي أي مجتمع عقلاني معاصر، يجب أن يتوافر فضاء علماني مستقل لا يرتبط بالمقدس الديني، وبشكل يمكن تمحيصه ومناقشته والتجادل بشأنه بدون تمرير أي أحكام على القيم الدينية نفسها. ورغم أن المرء قد يعاين شخصيًا لحظات من الشعور ببديع صنع الله في كل الأشياء، إلا أن هذا لا يسوغ النظر إلى المؤسسات والبنى البشرية باعتبارها تنطوي على ملامح قداسة. وعليه، ورغم أن الإسلام يقدم رؤى معينة حول العدالة الاقتصادية، إلا أن مناقشة قانون مثل قانون الضرائب المتدرجة ليست بمقدسة في حد ذاتها. فإضفاء الطابع المقدس على كل شيء ينطوي على امتهان وتسفيه للمفهوم ويجعل من الحوار العقلاني أمرًا مستحيلًا. بل أن إضفاء طابع القداسة على كل شيء يترتب عليه عدم قداسة أي شيء.

وقد تسببت معظم الأنظمة “العلمانية” في العالم الإسلامي في إلحاق سمعة سيئة بالعلمانية عن طريق ربطها بالاستبداد المدعوم من الغرب والفساد والتبعية للغرب، والرقابة الصارمة للدولة على الدين، والتمييز ضد كافة الإسلاميين، وبشكل جعلها مرادفًا للإلحاد. ولسوء الحظ، فإن الغربيون يثيرون مصطلح العلمانية في مناقشاتهم بحرية، دون أن يعوا في العادة بالمضامين السلبية التي التصقت بهذه الكلمة في أذهان معظم المسلمين. واليوم، ونتيجة للاحتكاك بالمجتمع الغربي وخاصة المجتمع الأمريكي، بدأ الإسلاميون يقرون بأن العلمانية لا تحمل أي مواقف ضد الدين بل تقتصر على فصله–  واستقلاليت – عن الدولة. بل وقد بدأ الإٍسلاميون يعون قيمة هذا المفهوم من حيث أنه يوفر الحماية لهم من السلطة التطفلية للدولة والتي تخدم مصالحها فقط.

ومهما تكن شكاواهم المشروعة إزاء العلمانية بشكلها المُزيّف والمطبق في أوطانهم، يظل من الواجب على الإسلاميين الاعتراف بواقع أن قوة العولمة في تنام على مستوى العالم. وهذه العلمانية نفسها هي التي تحمى كمًا هائلاً من الأنشطة التي يزاولها الإسلاميون ومنظماتهم. وفي نفس الوقت فإنها تقطع الطريق مقدمًا أمام قدرة الإسلاميين في السلطة على فرض هيمنة دولتهم الخاصة على دور الدين في المجتمع والقانون.

وقد بات الاعتراف بالعلمانية كقوة وتقبلها أسهل شيئًا فشيئًا للإسلاميين، خاصة مع قيام الكثيرين منهم والعاملين في المجالات المهنية بتأمل واقع دينهم في سياق المجتمع المعاصر. وكما يشير الباحث التركي (نيلوفر جول)، “كلما زاد الإسلاميون اكتسابًا لهوية مهنية، كمهندسين أو مفكرين، كلما زادت المساحة الفاصلة بين عالمي القداسة والتجديف. وعليه، فإن الانضمام لعضوية أي نخبة يدفع بنشر العلمانية، على نحو مستقل عن نوايا أطرافها، وبشكل يؤدي بدوره لانفصال هذين العالمين من تلقاء نفسيهما”.[3]

 

 

العولمة

صارت قوى العولمة – تكنولوجيا الاتصالات ووسائل الإعلام والنقل والتجارة الدولية والموضة والثقافة والرحلات والهجرة – إحدى حقائق العالم التي لا ينكرها ولا يملكها أحد. وقد مثّل المسلمون أنفسهم في إحدى فترات تاريخهم إحدى أكبر تيارات العولمة وبوسعهم ممارسة هذا الدور من جديد إذا كانت لديهم الرغبة. فحتى اليوم، تؤثر الثقافة الإسلامية على الفن المعماري والمأكل والملبس والموسيقى والأدب والفنون والفكر حول العالم. العولمة أيضًا هي مصدر التعددية الثقافية والتحديث في كافة معانيها – وهي هنا تمثل تحديًا آخر للإسلاميين. والعولمة قوة محايدة أخلاقيًا لها مزاياها ومساوئها، ولها رابحين وخاسرين. وأي برنامج إسلاموي يفشل في التواؤم مع العولمة والسعي للتوافق معها من الداخل بدلاً من محاولة إيقافها، سوف يكون برنامجًا فاشلًا وسوف يجلب الخزي وانعدام المصداقية على المجتمعات الإسلامية. والعولمة لا تعني بالضرورة أن يأتي مكسب أحد الأطراف فيها على حساب خسارة الأطراف الأخرى. فعلى  غرار الرأسمالية، تمثل العولمة محركًا يجب السيطرة عليه لكي يعود بأقصى فائدة له على الجميع ولإصلاح أي جور محتم يحدثه بقدر الإمكان. والاستفادة بتيار العولمة تعني أيضا عقد مساومات، ولا ينبغي أن تذهب آمال الإسلاميين إلى أن بمقدورهم بالمحافظة على تجانس الثقافة أو القيم أو أساليب المعيشة الإسلامية في ظل العولمة، حتى ولو كان ذلك ممكنًا أصلًا في الماضي. إن أي إسلام قوامه التحريمات والمحظورات فقط لهو إٍسلام يخلو من الطاقة الخلاقة التي بوسعها أن تصوغ تواؤما جديدًا بين الإسلام والحداثة.


[1] هذه المقالة ترجمة باختصار وتصرف للفصل الرابع من كتاب:

 Graham E. Fuller, Future of Political Islam (New York: Palgrave, 2003).

[2] M. A. Muqtedar Khan, “Post modernity and the Crisis of “Truth,” A Return to Enlightenment, Volume 2, No: 1 (Jan 21, 2000).

[3] Nilüfer Göle, “Secularism and Islamism in Turkey: The Making of Elites and Counterelites,” The Middle East Journal, Winter 1997

error: