“الأسئلة الأثقل وزنًا في أقل عدد من الكلمات” إعادة رواية قصة نيتشه- مقابلة سكاي .ك.كليري مع (سو بريدو)/ ترجمة: غيداء السالم

“الأسئلة الأثقل وزنًا في أقل عدد من الكلمات” إعادة رواية قصة نيتشه- مقابلة سكاي .ك.كليري مع (سو بريدو)/ ترجمة: غيداء السالم

كانت فريدريش نيتشه يعلم أن فلسفته المثيرة للجدل هي (ديناميت)  ، إلا أن أعماله لم تكن موضع تقدير حتى بعد أن أصيب بالجنون، كانت أخته إليزابيث المصابة بجنون العظمة والمولعة بالاشتراكية القومية والمشهورة بالغش قد سيطرت على عمله، أدارته واستغلته، ورغم أن الأيديولوجية المعادية للسامية قد أثارت تقزز نيتشه لكن من سخرية القدر أن إليزابيث تركته بسمعة (معادٍ للسامية ) كاذبة ولا تزال باقية.

إنها قصة مأساوية، ولكن الآن بعد أن اتضح تدخل إليزابيث، أصبحت أعمال نيتشه أكثر شعبية من أي وقت مضى، كما توضّحه موجة الكتب الجديدة مثل “نزهة مع نيتشه ” لجون كاغ (الذي أجريت معه مقابلة لـ LARB) وحرب المزايدات السبع عن مخطوطة سيرة سو بريدو بعنوان (أنا ديناميت!: سيرة فريديتش نيتشه)

تظهر تحقيقات بريدو نيتشه كرجل لامع صاحب شخصية متطرّفة فيها حس الفكاهة واليأس، والقدرة على عدم أخذ نفسه على محمل الجد، والحب لكل من جوانب الحياة الأبولونية (العقلانية والمنطقية) والديونيزية (العبثية والترفيهية)، والعديد من علاقات الحب والكراهية – مع أخته وأمه وريتشارد فاجنر ولو سالومي وغيرهم.

أجريت مقابلة مع بريدو حول أطروحات نيتشه الدائمة ومدى ملائمتها عصرنا:

سكاي كليري: لقد كتبتِ بالفعل سيرتين رائعتين للرجال المتأثرين بنيتشه: إدوارد مونك وأوغست ستريندبرغ. في وقت اكتشافه لنيتشه، كتب ستريندبرغ مسرحية ( آنسة جولي Miss Julie)، التي وصفتِها بأنها “دراما سيكولوجية نيتشوية، تتبع مجالات الخضوع والسيطرة التي تنجم من الاحتقار المتبادل مع إرادة السيطرة مابين نزعة السوبرمان (مافوق الإنسان) ونزعة مادون الإنسان، والتي تنبع من النزعة الدينوزية للجنس. وقد قدم سترندبرغ عمل نيتشه إلى مونك، الذي كان متأثرا جدًا به لدرجة أنه رسم لوحة الصرخة، التي تمثل الرعب الوجودي عند إدراك فكرة موت الإله. فكيف أثرت هاتان السيرتان الذاتيان على تفكيرك بما يخص نيتشه؟

سو برايدو: لم أستطع أن أتجاهل نيتشه بعد فترة طويلة من تأثيره على هذين الرجلين. عندما كنت مراهقة، كنت أعشق نيتشه وأعجبني أنني لم أفهمه تمامًا. كانت قراءتي له طوال الليل تعد من أفضل ما يمكن أن يتحدث عنه الطلاب : التهوّر والإثارة، والتلهّف للمزيد حتى طلوع الفجر ثم كبرتُ ووضعته جانبا مع أمور المراهقة الأخرى التي شعرت بالحرج حيالها. التأثير الذي تركه نيتشه على كلٍ من مونش وستريندبرغ جعلني أتلهّف لقراءته مرة أخرى، ربما لم يتكلم نيتشه قط عن فوضى عقل المراهق المتزعزع؟ عدتُ لأرى  ذلك، ورضخت.

كليري: لقد كتبتِ بعض السير الذاتية عن نيتشه، ما الذي ألهمكِ لكتابة كتابٍ جديد؟

بريدو: عندما عدتُ لقراءة نيتشه، لم يكن لدي أي نيةِ أو معرفة كافيةٍ لكتابة سيرةٍ ذاتية عنه، ثم قرأتُ رسائله، بعض الرسائل جعلتني أضحك بصوت عالٍ، هناك رسالةٌ كتبها عندما كان في الرابعة والعشرين من العمر، لقد دُعي نيتشه لمقابلة بطلِه: (ريتشارد فاجنر) فطلب بدلةً جديدة، جاء مساء الحفلة ووصل الخياط مع البدلة وقام نيتشه بتجربتها، وأراد الخياط ماله فهدد نيتشه بصخبٍ قائلاً “لا مال، لا بدلة” وتبع ذلك شدٌ وجذب.

كتب نيتشه، “كان هناك رجلٌ صغيرٌ غير مهم داخل ملابسي. آه، على ما أعتقد، يجب أن يكون المخمل الأسود القديم جيدًا بما فيه الكفاية لريتشارد”. ثم اندفع خلال عاصفة ثلجية ليصل في وقتٍ متأخرٍ للاجتماع مع فاغنر، لكن الحضور كان متحلّقا حول شوبنهاور. كانت بدايةً للصداقة الأكثر أهمية ًفي حياته.

“يا للسماء!”، فكرتُ عندما قرأتُ تلك الرسالة، “هذا أمرٌ غير متوقع، إنه مضحك، لقد ضحك على نفسه”!

 لقد أعطتني تلك الرسالة دفعة لكي أستكشف نيتشه، وبدأت أتساءل عما إذا كان بالإمكان كتابة سيرة ذاتية باستخدام تقنية التثليث في رسم الخرائط، وذلك باستخدام الوقت بدلاً من المكان كنقطة ثابتة. أقوم بعمل ثلاثة نقاط:

 أولاً: الأحداث في حياته.

 ثانيًا: ما كان يقرأه ويكتبه بشكل خاص في تلك الفترة (من خلال خطاباته ورسائله وما إلى ذلك).

 ثالثًا: العمل الذي ينتجه لاستهلاك الجمهور العام.

 وهذا ما أوقعني في مغالطاتٍ في سيرته الذاتية، أعلم ذلك،  لكني أبرر هذا الأمر بعبارة لنيتشه في كتابه (ماوراء الخير والشر) يقول فيها: “كل فلسفةٍ عظيمةٍ هي شكلٌ من أشكال مذكراتٍ لا إراديةٍ وغير متيقظة”. بكلماتٍ أخرى، كل فلسفةٍ هي سيرةٌ ذاتيةٌ إلى حدٍ ما، كل واحدٍ ينير الطريق للآخر، بدا هذا كضوءٍ أخضرَ بالنسبة لي.

 

كليري: بدا نيتشه مقتنعاً بتميّزه الخاص، بل إنه تقمّص دور الإله كما كتبتِ في كتابكِ (أنا ديناميت!): “بعد تنازل الإله القديم، سأحكم العالم من الآن فصاعدًا” إلا أن كتبه لم تحصل على مبيعاتٍ بشكلٍ جيد في وقت مبكر، بل إنه صرف الكثير من المال لتمويل نشر أعماله، فهل تعتقدين أن بدايته كانت بطيئة لأن القراء استغرقوا وقتا  لتفسير وتقييم أسلوبه الكتابي الراديكالي، والذي يشار إليه على أنه طريقة حديثة في التواصل، مباشرةٌ وآسرة؟

بريدو: وحتى اليوم، فإن أسلوبه آسر، يحب نيتشه طرح الأسئلة الأكثر ثقلا في أصغر عددٍ من الكلمات ، وبالتأكيد فقد اعتبر معاصروه في القرن التاسع عشر أسلوبه مزعجا وقليل الاحترام، وهم الذين توقعوا أن تقديم أفكارٍ ثقيلة الوزن يستلزم نثراً ثقيل الوزن. لا يقتصر الأمر على انتقاد أسلوبه فقط بل أفكاره أيضا، لنأخذ على سبيل المثال كتابه الأول، “ولادة المأساة” وهو كتاب سابقٌ لعصره يؤكد على أهمية الحلم والأساطير والجنسانية، كما  يستعرض نيتشه مفهوم الدينوزية والأبولونية الذين يصطرعان دائما في دواخلنا، ثقافتنا ومجتمعاتنا. عندما تم نشره في عام 1872 باع فقط 600 نسخة، ثم جاء وقته بعد 28 سنة عام 1900 عندما نشر فرويد كتاب (تفسير الأحلام).

كان تأثير كتاب (ولادة المأساة) على ثقافة القرن العشرين لا يمكن حصره في كل الفنون .كتب ريتشارد شتراوس مقطوعته الموسيقية (هكذا تكلم زرادشت)، وكذلك فعل ديليوس في مقطوعته (كتلة الحياة Mass of Life كما ألهم فرقة ستونفسنكي الصاخبة (طقوس الربيع ) التي رقص فيها نايجنسكي. كان نيجنسكي مهووساً بنيتشه، وقد رقص إيزادورا دنكان “بشكل دينوزي “. كما رأى غراف زيبلين نفسه على أنه سوبرمان يقلع سريعا نحو السماء.

يونغ (كارل)، توماس مان، ريلكه، ألبرت شواتزر، دبليو بي ييتس، برنارد شو، تي إس إليوت، إتش إل مينكين- هذا عدد قليل من قائمة طويلة من الكتاّب تأثروا بنيتشه. وكما قلتِ سابقا لقد كان نيتشه مصدر إلهام رائع لكثير من الأعمال الفنية الرائعة لأصحاب السير الذاتية التي كتبتُها،(مونش وستراينبرغ) حتى إن بيكاسو يعترف أنه يدين له بشدة ، فكّر في التكعيبية (أسلوب بيكاسو) وكأنه ترجمة لقول نيتشه “لا توجد حقائق،  فقط وجهات نظر”.

لقد قمت للتو بإعادة قراءة رواية “كاندي كولرد تانجيرين فليك ستريملاين بيبي” الرائعة من توم وولف، حيث يظهر تأثير نيتشه جليا في مقارنة “وولف” بين تصميم السيارة وبين فكرة العود الأبدي لنيتشه، كما أنه قام بتقسيم السيارات إلى أبولونيانية (تلك التي تخرج من خط إنتاج ديترويت) وديونيسية (سيارات مصممة بشكل رائق ورائعة بشكل خيالي) إن تأثير نيتشه لن يموت أبدا ولم يحن له أن يموت بعد .

كليري: أحد الأنماط التي سلطتِ عليها الضوء هو أن نيتشه يرى نفسه أنه “دون جيوفاني المعرفة”، أي أنه  شخصية طائشة تلاحق “نجوم المعرفة الأعلى والأكثر حراكا” وذلك لاقتحام أكثر المناطق تحريماً، بل أنه  على استعداد للتضحية بخلوده إلى الأبد وتحمل نيران الجحيم من أجل كشف الغموض -يبدو أنه نجح في هذا المسعى-  ورغم وفاته لماذا مازال تأثير نيتشه حياً؟

بريدو : نظرًا لأننا ما زلنا نحدق في الهاوية الوجودية التي فتحها علينا، لو أخذنا مثالا مفهوم (موت الإله)، كان نيتشه في المدرسة عندما نُشر كتاب “أصل الأنواع”، حيث درس داروين أشكال المناقير في عصافير جزر غالاباغوس، ومسحت اكتشافاته الفكرة العالمية الشمولية عن الشكل والتصميم التي شكلت المعتقد الأوربي، الهدف والأخلاق والثقافة الأوربيتين لألفي عام. وحده نيتشه من استطاع توضيح المشاكل التي أثارها داروين، إذا لم يكن هناك إلهٌ فكيف تعيش؟  أين تجد معنى؟ إذا لم يكن هناك سماءٌ تستهدفها، فما الذي تصبو إليه؟ إذا لم تطبق القواعد الدينية، ماذا تفعل من أجل الأخلاق؟ كيف تحافظ الأخلاق على نفسها؟ هكذا تبقى مشاكلنا.

كليري: أنت تشير إلى نيتشه كـ “فيلسوف ربما” لأنه غالباً ما ينتهي عمله بالاستطراد، وبالتالي يصبح القارئ مسؤولا عن الخاتمة، وفي الوقت نفسه، يعترف بأن الحقيقة الموضوعية لا يمكن حتى تصوّرها بالنسبة للبشر، والسعي من أجلها مجرد وهم، وما أود أن أضيفه، أن هذا هو أحد أسباب ربط نيتشه بالفلسفة الوجودية. كما أن هناك مصدرا آخر لغموض نيتشه وهو أنه لم يوضح قط ما هو السوبرمان، لم يعط مثالا عليه ولا كيف يمكننا أن نصبح سوبرمان.

 هل تعتقدين أن هذا النهج الاستفزازي وغير المقنع هو جزء لا يتجزأ من جاذبية نيتشه أيضًا؟

بريدو: بكل تأكيد! إن هذا يعد فرقاً كبيراً بين نيتشه والفلاسفة السابقين إنهم يعطون إجاباتٍ للفلسفة والفلسفة هي الرغبة في النظام والرغبة أيضا في الحقيقة. الفلاسفة يضعون لنا أنظمة، ثم تحوّلها الأجيال القادمة إلى فلسفات ism. أما نيتشه فإنه يريدنا أن نفكر بأنفسنا، أن نفكر فيما وراء فلسفته. إنه يؤكد في كثير من الأحيان وبطرق عديدة “يقوم التلميذ بأسوأ رد جميل لمعلمه حينما يبقى تلميذًا “،”إن العقل الذي تتم صناعته_قولبته_ هو عقلٌ ميت”، إلخ..

فلو أن نيتشه قدم لنا، على سبيل المثال، وصفًا للألمعاني (السوبرمان) لكان قد وضع نظامًا فلسفيًا. هل يمكن أن تفعل س، ص، ض، و، المعزوفة، ثم ستتحول إلى سوبرمان!

الأنظمة تحد الطموحات، وتحد التطلّعات، يرفض نيتشه أن يعطينا “الكيفية” إنه يعطينا “ربما” وهو يعترف بصلابة الفوضى، ويتحدانا لفعل نفس الشيء ومواجهة حقيقة انه لا توجد إجابات، ولكن هناك عودا أبديا. فلنخاطر بأبعد الأفكار، لا شيء في الحياة أكثر من الدورة العقيمة للذرات، ولانهاية لما يريدنا نيتشه أن نصل إليه على أجنحة أفكاره.

كليري: اعتقد فرانز أوفربيك، وبيتر غاست، في البداية أن نيتشه ربما كان يتظاهر بالجنون أو يفضح نفسه لأنهم كانوا يعرفون أن نيتشه يؤمن بما يقول “يجب أن يخاطر بالجنون إذا كان ذلك ضروريا لإدراك المعرفة” يقول”إن لحاء الجنون الهش هو مايمكنه أن يعبر بالعقل البشري خارج حدود النهر الذي يجب عبوره للوصول إلى التجلّي/ كشف الغطاء أو مايسمى بـ revelation ?

ويبدو أنه ارتد إلى مثل هذه الحالة الطفولية في سنواته الأخيرة وبالتالي يصعب تخيل أنه كان يفتعل الجنون!.

بريدو: أعتقد أنه لا يوجد فرار من حقيقة أن نهاية حياته كانت مأساوية ومروعة، بالتأكيد لم يكن يتظاهر لكن يجب أن أقول إنني أحب الطريقة التي أثار بها جنونه جدلا طالما كان مستمرا، فيما يتعلق بسؤاله الضخم الذي طرحه هل كان جنونه مخادعًا؟ هل كانت عقوبة إلهية؟ هل انتقم منه الإله الذي أعلن موته؟

هل يمكن أن يكون هناك مصير أسوأ بالنسبة لمفكر لامع من أن يتم إعادته إلى حالة الترويل أو الطفولية؟ من عشرة الى ما يقارب 11 سنة في هذه الحالة المروعة و بلا حول ولا قوة بين يدي أخته التي كانت معتقداتها عكس معتقداته تمامًا، كانت إليزابيث صديقةً لهتلر ومعجبةً بموسوليني، توفي نيتشه في عام 1900 وإليزابيث في عام 1935 كانت إليزابيث ناشرة على درجة عالية من الكفاءة، وأمضت تلك الـ35 عامًا في الكذب وتزوير وقص ولصق أفكار أخيها لتناسب مع معتقداتها السياسية الخاصة. أصبح نيتشه الذي أكد مراراً وتكراراً كراهيته للقومية، والعنصرية، ومعاداة السامية، لعبة النازية ولقد استغرق الأمر 50 عامًا من الدراسة الشاقة لكشف كل هذا الظلم، لكن هذه ليست سخرية بل مأساة خطيرة للغاية.

كليري: هل تعتقد أنه وصل إلى الكشف/ التجلّيrevelation  الذي كان يأمل أن يصل إليه؟

بريدو: من حيث فلسفته لا أعتقد أنه فكر بالكشف/ التجلّي revelation ، إنها فكرة دينية، نعم لقد كانت لديه لحظة تنوير في كتابة “صخرة زرادشت” على شاطئ البحيرة في سيلس ماريا، عندما أتت فكرة العود الأبدي له. ولكنها كانت مجرد انطباع وقتي، وليس كشفا كاملا حسب فهمي للكلمة .كان  إذا كان بإمكانك التكلم بمثل هذه المصطلحات _مثل الكشف او التجلّي_  وإدراك قيمة التواصل المستمر البطئ للحضور الفكري الذي يؤدي إلى حالة “الإنسان العلوي” الكائن الإيجابي الذي لا تنطوي أخلاقيته على شروط ميتافيزيقية.

كليري: لقد عالجتِ الكثير من المفاهيم الخاطئة حول نيتشه: ربما لم يكن مرض الزهري سببا في جنونه أو موته ، هو لم يكن معاديا للسامية ولم يكن في علاقة قتالِ مع أخته ولم يكن مدمنا للجنس كما كان ريتشارد فاغنر يتصور، لكن لا تجادلين في كون نيتشه كان كارهًا لنساء، بعض الناس يترددون في إعطاء نيتشه التسمية الصريحة بأنه كارهٌ للنساء لأنه على الرغم من أنه قد قال بعض الأشياء الفظيعة عن النساء، إلا إنه لم يسلم من نقده الرجال أيضاً. أتساءل عما إذا كان أكثر من مجرد رجل كاره للبشر عموما!

بريدو: لا أريد التغاضي عن أسوأ الأشياء التي قالها عن النساء لكنني بالتأكيد لا أمنح نيتشه التسمية الصريحة بأنه عدو النساء، غالباً ما تكون ملاحظاته استفزازية وأظن أنها في بعض الأحيان غير عادلة بشكل متعمد، وأنها تحرضنا لرد فعل التفكير في المعنى الخفي لكلماته كما يريدنا دائماً.

بالنظر إلى كيف كان يعيش حياته، هناك أسباب تدعو إلى أن نسمي نيتشه (نسويا) ، إذكان نيتشه غير مألوف في وقته في التفكير بالنساء كأنداد فكريين، كان يحب النساء المتألقات، وهو من وقع في حبهن. في طفولته كان يحاول أن يجعل أخته تفكر بشكل مستقل وتحسن أسلوبها النثري، أما حينما كان أستاذا في بازل، فإنه يصوّت لصالح قبول النساء في الجامعة (وقد فشل التصويت). تضمنت صداقاته القوية والدائمة نصف دزينة من النسويات الرائدات مثل ميتا فون ساليس وهي أول امرأة سويسرية تحصل على درجة الدكتوراه.

عندما كان مع حب حياته لو سالومي كتب عما أعتقد أنه كان أفضل ماكتب في المعضلة النفسية لنساء القرن التاسع عشر. في كتابه (العلم المرح)، يسجّل كيف أنه من الوحشي أن النساء ينشأن ويخبرن من الطفولة بأن الجنس مخجل وخاطئ، فقط ليقبلن بالزواج ويخضعن للرجل الذي تعلمن أنه يُعبد كإله”، حيث الرعب وتحوّل الجنس إلى واجب، كيف يمكننا أن نتوقع أن يتعايشن مع هذا القرب الصادم من الرجل وحيوانيته؟

بصراحة، لقد قام نيتشه بتفسير عقدة نفسية تفسيرا لامثيل له.

بعد أن تخدعه “لو” وتهرب مع بول ري يسميها “أنثى قرد سيئة الرائحة بنهدين كاذبين”.

إذا كنت ستشتم حبيبتك السابقة فعليك أن تشتمها بشكل جيد، إنها إهانة أنيقة ذات دلالات داروينية لهذا الحب المبتذل.

كليري: أي من تصوراتك عن نيتشه تجدينها أكثر إثارة؟

بريدو: عن إيمانه بالقدرة البشرية، أن تكون من أنت عليه،  يقول “بعد أن تتعلم، لاأفكار مستعارة من أحد، لانفاق، أن تتعلم من أنت سيجعلك تتحمل مسؤولية حياتك، صوب للأعلى باتجاه أعلى مستوى من طموحك، إنها أولويات جيدة وليس من المستحيل تحقيقها”

كليري: كيف يعتبر نيتشه مرتبطا بواقعنا الآن؟

بريدو: حسنًا، أول مايجب أن يقفز إلى ذهنك هو ارتباطه بالوضع السياسي اليوم، إن الوضع السياسي اليوم شبيه للغاية بالمناخ السياسي زمن نيتشه، لقد كان بسمارك حينها المستشار الألماني الدموي الحديدي يقدم نفسه كرجل عادي، وهو صانع الرايخ الألماني،  كانت “الرايخ” دولة كبيرة شُيدت على حساب بقية أوروبا فوق لبنات أساسية من الوطنية اللصوصية، والشعبية، والعنصرية، ومعاداة السامية.

 رأى نيتشه هذه المواقف على أنها قائمة على عدم الأمان والازدراء. كان نيتشه مناصرا للاندماج الوطني، (تعدد الجنسية) وقال إنه يفضل أن يكون أوروبيا جيدا على أن يكون ألمانيا جيّدا، كما عبر عن ازدرائه للنشيد الوطني الألماني (دويتشلاند دويتشلاند أويريس) وقال إنه يود لو أطلق النار على جميع المعادين للسامية.

الكثير في السياسة الحالية، سواء كان الرئيس ترامب أو الشعوب المتنوعة في أوروبا، يشرب من بئر الازدراء نفسه، الإيديولوجية السامة التي تلقي اللوم على الآخرين في قصورنا ومشاكلنا، ثم سحب الجسر المتحرك وتعبئة المدفع الثقيل للتصويب على عدو غير موجود.

نيتشه يحضرنا أيضا في حالة الأخبار المزورة،  إنه يحذّرنا من أن “القناعات أكثر عداوة للحقيقة من الأكاذيب” وأن “لا توجد حقائق، بل وجهات نظر فقط”، دائما تساءل عن كل شيء، يخبرنا، تحقق من أين تأتي الأشياء.

عندما تفكر في تأثير نيتشه اليوم، فإن جوردن بيترسون يتبادر إلى الذهن حتما، حيث كتاب المساعدة الذاتية الشهير الذي ألفه “12 قاعدة للحياة” يقتبس كثيرا من نيتشه، يمكنك أن تقول إن اهتمام بيترسون بإعادة احترام الذات وقيمتها لحياة الشباب الذين يشعرون بأنهم محرومون ومنبوذون من المجتمع  تعود جذوره إلى ماسماه نيتشه بعقلية العبيد: الأفراد الذين يلقون باللوم ، الذين يفكرون أنهم ضحايا والذين يعارضون الحياة. إن رسالة نيتشه لاتفرّق بين أولئك المنبوذين وبين غيرهم. اعتنق أقدارك، أحبها، وتحمل المسؤولية: “لا تطمع لشيءِ مختلف، فقط تحمل الضرورة بل أحبها” هذا هو الطريق إلى أن تصبح شخصية متكاملة.

أياً كان رأيك في جوردن بيترسون، فهو يقول نفس الشيء. يحاول أن ينقذ الناس الذين تغلبهم بركة الازدراء، في حياة يرون أنها غير عادلة، إلا أن بيترسون يوقفهم عن التفكير بأنفسهم، (وهذا غير نيتشوي إطلاقا بالنسبة لفلسفة الكركند _اللوبستر التي يشتهر بها بيترسون).

أما بالنسبة لنيتشه وكيف يأخذ اليمينيون المتطرفون أفكاره الآن، هل هم قرؤوه أصلا؟

إنهم ليسوا أفضل من النازيين الذين استلوا بعض عباراته في ثلاثينيات القرن العشرين، وجردوا معانيها وحرفوها، كيف بحق الله يوائم القوميون البيض معتقداتهم مع استنكارات نيتشه المتكررة للقومية والعنصرية ومعاداة السامية؟

كليري: ما هو التأثير الذي كنتِ تأملين من كتاب (أنا ديناميت!) الحصول عليه؟

بريدو: في المقام الأول، أود الحصول على أشخاص يقرؤون كتبه. آمل أيضاً أن يساعد الناس على رؤية كيف كان يحذرنا مما يحدث في يومنا هذا وأريد من الناس أن يحترسوا عندما يرون كم كان من المروع أن تقوم أخته بتزوير أسطورته وتحريفها تمامًا، والتلاعب بشكل صريح بنصوصه ووضعها في أيدي النازيين.

 

كليري: ما هي الخطوة التالية بالنسبة لك؟

بريدو: لا أعلم من الذي سيروقني ويدهشني لمدة أربع سنوات؟ هذه المدة التي استغرقتها في كتابة سيرة نيتشه. سيكون نيتشه دورا قاسياً لأتابعه. سوف أفتقده.

سكاي C. كليري دكتورة فيلسوفه ومؤلفه لكتاب الوجودية والحب الرومانسي.

المصدر

error: