أثرُ العلم الطبيعي على الأسطورة – جوزيف كامبل / ترجمة: تركي التركي

أثرُ العلم الطبيعي على الأسطورة – جوزيف كامبل / ترجمة: تركي التركي


  – ١٩٦١ –

كنت جالسًا ذات يوم على طاولة غداء أستمتع فيها بشكل خاص، عندما دخلَ شاب في حوالي الثانية عشر من عمره، قادمًا بحقيبته المدرسية، وجلس عن يساري. جاء إلى جانبه فتىً أصغر منه سنًّا يمسك بيد أمه، فجلسَا في المقعدين التاليَيْن. قدم الجميع طلباتهم، وبينما هم ينتظرون إذ التفتَ الولد الذي بجانبي بعض الشيء إلى أمه وقال: “كتب جيمي اليوم ورقة عن تطوّر الإنسان، فقال المعلّم بأنه مخطئ، وأنّ آدم وحوّاء كانا أبوينا الأولين”.

  • يا إلهي! قلت في نفسي، يا له من معلّم!

فقالت المرأة التي تبعدني بثلاث مقاعد: “إنّ المعلم محق. أبوانا الأولان كانا بالفعل آدم وحوّآء”.

  • يا لها من أم لطفل في القرن العشرين!

فردّ الشاب: “نعم أعلم، ولكنها كانت ورقة علميّة”. وبذلك الردّ كنتُ مستعدًّا لترشيحه لنيل جائزة وسام الخدمة الممتازة من معهد سميثسونيان.

ولكنّ الأم عادت على أيّ حال لتقول: ” آه من أولئك العلماء!”، ثم أردفت غاضبة: “تلك مجرد نظريات”.

وكان مستعدًا لذلك أيضًا فقال بهدوء وبرود: “نعم أعلم، ولكن قد تمّ التحقق منها، فقد وجدوا العظام”.

ثمّ حضرَ الحليب والسندويتشات، وذلك ما كان.

 

فَلنتأمّل قليلًا إذن في الصورة الكونية المقدّسة التي دمّرتها الحقائق والإكتشافات لشبّان باحثين عن الحقيقة من هذا النوعِ مُتعذَّرٌ كَبحهم.

 

كان هنالك تصوران متعاصران مختلفان تمامًا عن الأرض في ذروة القرون الوسطى، لنقل في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. كانَ التصور الشائع الأرض بصفتها مسطّحة مثل صَحْنٍ محاط ببحرٍ كونيّ لا حدّ له، وعائم عليه، فيه جميع أنواع الوحوش الخطرة التي تتهدّد الإنسان. كان هذا التصور مغرقًا في القدم، يعود إلى العصر البرونزي المبكّر، ويظهر في النصوص السومرية المسمارية[2] العائدة إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وتلك الصورة هي المفروضة في الكتاب المقدّس.

 

أما التصوّر القُرْوَسَطيّ ذو الإعتبار الأهم، فهو ذاك الذي لدى الإغريق القدماء والذي بحسبه لم تكن الأرض مسطّحة، وإنما جسمًا كرويًّا صلبًا وثابتًا في منتصف ما هو أشبه بصندوق صينيّ[3]، به سبع أفلاك دوّارة، في كلّ منها كوكب مرئيّ: القمر، فعطارد، فالزهرة، فالشمس، فالمريخ، فزحل، فالمشتري. السبع الذين سُميَت بأسماءها أسماء الأسبوع لدينا[4]. أصوات نغمات هذه الكواكب السبع تصنع موسيقى، ” موسيقى الأفلاك”، والتي تتطابق مع علامات السلّم الموسيقي لدينا. كانت هناك معادن مرتبطة مع كل منها كذلك، وهم على الترتيب: الفضة، فالزئبق، فالنحاس، فالذهب، فالحديد، فالقصدير، فالرصاص. والروح الهابطة من السماء لتولَدَ في الأرض، اكتسبَتْ أثناء نزولها خواصّ تلك المعادن، فتكونُ أرواحنا وأجسادنا مركبات من العناصر نفسها المكونة للكون، فتُنشِدُ، النشيدَ نفسه،إن جاز التعبير.

 

تذكرنا الموسيقى والفنون، وفقًا لهذه النظرة المبكرة، بتلك التناغمات التي تشغلنا عنها أفكارنا وأمورنا الدنيوية. وكانت في العصور الوسطى الفنون السبعة للتعليم كذلك متطابقة مع تلك الأفلاك، وهي: النحو، والمنطق، والخطابة (وتعرف بالفنون الثلاثة Trivium)، والحساب والموسيقى والهندسة وعلم الفَلَك (الفنون الأربعة Quadrivium). لم تكن الأفلاك الشفّافة نفسها كالزجاج، من مادة خاملة، ولكن قوى روحية حيّة، ترأسها كائنات ملائكية، أو كما قال أفلاطون، سيرينات[5]. ووراء ذلك كلّه عالم سماوي يجلس فيه الرب جلّ جلاله على عرشه الثالوثيّ. حيث أنّ الروح عند الموت، تمر مرّة أخرى بالأفلاك السبعة، وهي عائدة إلى بارئها، فتضع عنها كلّ خاصيّة اكتسبتها في مكانها، فتصلُ عاريةً لأجل الحساب.

 

حكم الإمبراطور والبابا على الأرض، كما اُفتُرِضَ في حينه، وفقًا لقوانين وإرادة الرب، ممثلين لقوّته وسلطته في العمل في الجسد المسيحيّ المرسّم[6]. وكان هنالك بالتالي، في النظرة الكليّة للمفكرين القُروسطيين[7]، توافقٌ تامٌّ بين بنية الكون، وشرائع النظام الإجتماعي، ومصلحة الفرد. كان المسيحي من خلال الطاعة المطلقة، يضع نفسه على وفاق ليس مع المجتمع وحده، وإنما مع كلا مصلحته الداخلية الشخصية، والنظام الخارجي للطبيعة. كانت الإمبراطورية المسيحية انعكاسًا أرضيًا لنظام السماوات، منظّمة هرميًا، بالرداءات الكهنوتية، والعروش، وإجراءات بلاطاتها الفخمة المستوحاة من الصورة السماوية، وأجراس أبراجها الكاتدرائية وتناغمات جوقاتها الكهنوتية، تُرجع صدىً أرضيًا للملأ الأعلى.

 

كشف دانتي في “الكوميديا الإلهية” عن رؤية للكون ترضي تمامًا كلا المفهومين: الديني المصادق عليه، والعلمي المقبول في زمنه. عندما طُردَ إبليس من الجنة لتكبّره وعصيانه، كان من المفترض أنه، حسب التصور، قد سقطَ مثل شهاب ثاقب، واخترق منتصف الأرض تمامًا عند ارتطامه بالأرض. أصبحت الفوّهة البركانية الضخمة التي قد شقّها، الهوّة المتقدة لجهنّم، والكتلة الكبرى المزاحة من الأرض تجاه القطب المضاد أصبحت جبال المطهر[8]، والتي صوّرها دانتي بأنّها مُرتَفعةٌ نحو السماء، مثل القطب الجنوبي تمامًا. كان النصف الجنوبي من الكرة الأرضية بأكمله في نظره من ماء، ويَطلُعُ منه جبل عظيم على رأسه يقع الفردوس الأرضيّ، حيث ينبع من منتصفه الأنهار الأربعة المباركة التي يخبر عنها الكتاب المقدس[9] .

 

فالآن يبدو أنّ كولومبوس عندما أبحر نحو ” المحيط الأزرق”، والذي ظنّه كثير من جيرانه (ومن المحتمل كذلك ملّاحوه) بأنه محيط نهائيّ، يحيط بأرضٍ تشبه القرص، كان لديه هو نفسهُ تصّورٌ ذهنيّ أقرب إلى ذاك الذي لدى “دانتي”، والذي يمكن أن نطالعه في الحقيقة في مذكراته. نعلم منها أنه أثناء رحلته البحرية الثالثة، عندما بَلَغَ الساحل الشماليّ لأمريكا الجنوبية للمرّة الأولى، عابرًا وهو عُرضة لخطر جسيم بزورقه الضعيف بين جزيرة “ترينيداد” وَبرّ اليابسة الرئيس، لاحظَ أنّ كميّة الماء العذب المخالطة للماء المالح (النابع من فم نهر الأورينوكو) كانت هائلة. ومع عدم علمه بالقارة الكائنة وراء ذلك، مع حَمْله الفكرة القُروسطية، خمّن بأنّ الماء العذب قد يكون آتٍ من أحد أنهار الفردوس، صابًّا في البحر الجنوبي العظيم من مقرّه في الجبل العظيم على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. علاوةً على ذلك، فإنه عندما استدار بعد ذلك مُبحرًا باتجاه الشمال، ولاحظ أنّ سُفُنَهُ تجري بأسرع بكثير مما كانت عند إبحارهم جنوبًا، اتخذَ ذلك دليلًا على أنّ إبحارهم الآن، انحدار من أسفل النتوء البحريّ للجبل الفردوسيّ الأسطوريّ.

 

أحبُ أن أرى سنة ١٤٩٢م [10] سنةً مُعلنةً لنهاية، أو لأقل بداية نهاية، سطان الأنظمة الأسطورية القديمة التي كانت قد دعمَت وألهمَتْ حياة الإنسان منذ زمنٍ غير مُعيَّن. طاف ماجلّان حول الكرة الأرضية بُعَيْدَ رحلة كولومبوس التاريخية. وقُبَيْلَ ذلك، كان قد أبحرَ فاسكو دي جاما حول إفريقيا إلى الهند. كانت الأرض قد بدأتْ تُستَكشَف بشكل منهجيّ، وبدأت التصورات الجغرافيا الأسطورية والرمزية القديمة تفقد مصداقيتها. وكان قد أعلنَ القديس توما الأكويني، في محاولةٍ لإثبات أنّ جنّة الفردوس لها وجود ما على الأرض، كاتبًا قبل إبحار كولومبوس بقرنين ونصف فقط: “إنّ موقع الفردوس محجوب عن العالم الصالح للسكن بجبالٍ أو بحار، أو بنوع من أرض متّقدة، لا يمكن عبورها، ولذلك لا يأتِ ذكرها عند الناس الذين يكتبون في الطبوغرافيا[11]“. نشر كوبرنيكوس، بعد خمسين سنة من الرحلة البحرية الأولى، ورقته عن مركزية الشمس للكون (١٥٤٣م)، وبعد ذلك بستين سنة ونَيّف، أتى تلسكوب غاليليّو بتأكيد ملموس لهذه النظرة الكوبرنيكية. أدين غاليليّو في العام ١٦١٦م من قِبَل محكمة التفتيش، مثلما أدين الولد الذي كان بجانبي على طاولة الغداء من قِبل أمه، بتهمة الإعتقاد وتعليم عقيدة مخالفة للنص المقدّس. ولدينا اليوم بالطبع التلسكوبات الضخمة على رؤوس الجبال، مثلَ جبليْ ولسون Wilson وبالومار Palomar في ولاية كاليفورينا، ومَرصَد “كت بيك” Kitt Peak في ولاية أريزونا، ومَرصد هالياكالا Haleakala في هاوايّ، فتكون الشمسُ لا في مركز نظامنا الكوكبي بشكل راسخ وحسب، ولكننا نعلمُ أنها مجرد شمس ضمن حوالي مائتي مليار شمس أخرى في مجرّةٍ بأجسام كروية حارقة جدا، مجرّة على شكل عدسة هائلة، بمئات الكوينتيليونات[12] من الأميال في قطرها. وليس هذا وحسب! وإنما تكشف تلسكوباتنا لنا اليوم بين تلك الشموس المضيئة، عن نقاط ضوء أخرى ليست شُموسًا وإنما مجرّات بأكملها، كلٌّ منها بالضخامة والعظمة واستحالة التصوّر نفسها التي لمجرّتنا، التي قد رصدنا فيها قَبلًا آلاف الآلاف[13]. لذلك، في الحقيقة، فإنّ الفرصة التي يتمّ إعدادها لنا من قبل علمائنا لتجربة الشعور بالإجلال أمام هذا الكون المدهش، هي بالتأكيد كَشْفٌ أشدّ إبهارًا وإذهالًا من أيّ شيء كان يمكن لعالم ما قبل العلم الطبيعي أن يتخيّله أبدًا. إنّ صورة غرفة الألعاب الصغيرة الموجودة في الكتاب المقدّس، هي، بالمقارنة، للأطفال. بل إنها لم تَعُد حتى للأطفال، بدليل كلمات العالم الشاب الذي جلسَ إلى جانبي على الطاولة، والذي بقوله: نعم أعلم، ولكنها كانت ورقة علميّة”، كان قد وجد طريقًا يُنقذُ به تعليمه من المعمار القُروَسَطي المتهدّم لكنيسة أمه.

 

ليس الذي تفتت التصورات الأسطورية القديمة للطبيعة والكون وحسب، ولكن تلك المُخبرة بأصل الإنسان وتاريخه أيضًا. حتى منذ أيام شكسبير، عندما وصل السير “والتر راليه” Walter Raleigh إلى أمريكا ورأى هنا كلّ الحيوانات غير المعروفة على الجانب الآخر، فَهِمَ بصفته بحّارًا خبيرًا بأنه كان من المستحيل تمامًا لنوح أن يحمل من كل نوع على الأرض في سفينته مهما كَبُرَ حجمها. كانت أسطورة الطوفان في الكتاب المقدّس غير صحيحة، نظرية لم يمكن التحقق منها. ونؤرخ اليوم، لنزيد الطين بلّة، ظهورَ أول كائناتٍ شبيهة بالإنسان على الأرض قبل التاريخ الذي وضعه الكتاب المقدّس ليوم خلقَ الربُّ السماوات والأرض بما يجاوز المليون سنة. تعود الكهوف الباليوليتية[14] الكبيرة في أوروبا إلى حوالي ٣٠ ألف قبل الميلاد، وبداية الزراعة قبل حوالي ١٠ آلاف قبل الميلاد، والبُلدان الحقيقية الأولى حوالي ٧ آلاف قبل الميلاد. ومع ذلك، يُصرّح في سفر التكوين(٤:٢) و (٤:١٧) بأنّ قايين (قابيل) الابن الأكبر لآدم، الإنسان الأول، هو “فالحُ الأرض”، وباني مدينة إنوك(إخنوخ)، في بلاد “نود” شرقيّ عدن. دُحضت “النظرية” التوراتية مرّة أخرى “فلقد وجدوا العظام”.

 

وجدوا أيضًا مبانٍ لا تعزز رواية الكتاب المقدس كذلك. فمثلًا، في الفترة التي من المفترض أن تكون في التاريخ المصري زمن “الخروج”، زمن رمسيس الثاني (١٣٠١-١٢٣٤ ق.م.) أو ربما مرنبتاح (١٢٣٤-١٢٢٠ ق.م.) أو سيتي الثاني (١٢٢٠-١٢٠٠ ق.م.)[15]، هي فترة مُصوَّرَة بغزارة في المعمار والآثار الهيروغليفية، ومع ذلك فلا توجد أي إشارة لأي شيء قريب من الضربات التوراتية العشرة الشهيرة[16]، لا يوجد في أي مكانٍ ولا حتّى سجلٌّ بأي شيء قريب من ذلك.  تخبر السجلات الأخرى إضافة إلى ذلك، بأنّ العبرانيين البدو، “العابيرو/الخابيرو”، كانوا قد بدأوا غزوَهم لكنعان في عهد أخناتون (١٣٧٧-١٣٥٨ ق.م.)، أيْ قبل قرن من التاريخ الرمسيسي[17]. مختصر ذلك كله ببساطة هو أنّ النصوص العبرية التي أتت منها الحكايات اليهودية ذات الطابع الأسطوري للخلق، والخروج والتيه أربعين سنة في الصحراء، وفتح كنعان كلها لم تكن مؤلفة من قبل الرب، ولا حتى من قبل أي شخص يدعى موسى، ولكنها من قبل عدة مؤلفين في أزمان عدة، كلها بعد زمن بعيد مما افتُرض سابقًا. الأسفار الخمس الأولى من العهد القديم (التوراة) جمعت بعد زمن “عزرا”[18] (القرن الرابع قبل الميلاد)، والوثائق التي صنعت منها يعود تاريخها من القرن التاسع قبل الميلاد ( ما يدعى بنصوص “J” و”E“) إلى حوالي القرن الثاني (تدعى بنصوص “P” أو الكتابة الكهنوتية). فيجد المرء، على سبيل المثال، بأن هناك روايتين للطوفان. نعلم من الأولى بأنّ نوحًا جلبَ إلى السفينة “اثنان من كلّ نوع من الخلائق الحيّة”.(سفر التكوين الإصحاح ٦، الآيتان ١٩-٢٠، نصوص P، ما بعد عزرا)، ومن الثانية، “من جميع البهائم الطاهرة سبعة سبعةً، ذكورًا وإناثًا، ومن البهائم غير الطاهرة اثنين، ذكرًا وأنثى) ( التكوين الإصحاح السابع، الآيتان ٢-٣، نصوص J ، حوالي ٨٠٠ ق.م. ± ٥٠). نجد كذلك قصتيْن للخلق، الأبكر في الإصحاح الثاني من سفر التكوين ، واللاحقة في الإصحاح الأول من سفر التكوين. في الإصحاح الثاني، الجنة مزروعة والإنسان قد خُلق ليعتني بها، ثم تُخلق الحيوانات، وأخيرًا (كالحلم) تؤخذ أمنا حواء من ضلع آدم. في المقابل، يقول الرب، وحده مع المياه الكونية، في الإصحاح الأول: ” فليكن هناك ضوء” .. الخ، ومرحلة تلو مرحلة، يأتي الكون للوجود: النور أولًا، فالشمس ثلاثة أيام بعد ذلك، ثم الخضروات والحيوانات ثم أخيرًا الإنسان، ذكر وأنثى سويًا. الإصحاح الأول من سفر التكوين يرجع إلى حوالي القرن الرابع قبل الميلاد (زمن أرسطوطاليس)، أما الإصحاح الثاني فيعود إلى القرن التاسع أو الثامن (زمن هزيود)[19].

 

أظهرت الدراسات الثقافية المقارنة الآن بما لا يدع مجالا للشك بأنّ حكايات أسطورية شبيهة موجودة في كل ربع من هذه الأرض. عندما وصل كورتيس وإسبانيوه الكاثوليك إلى أزتيك المكسيك[20]، تعرّفوا مباشرة في الأديان المحلية إلى متوازيات عديدة مع الدين الأوحد الصحيح، حتى أنه كان من الصعب عليهم إيجاد تفسير لتلك الحقيقة. كانت هناك معابد هرمية شاهقة، تمثّل، مثل جبال المطهر عند دانتي، شيئا فشيئًا درجاتَ ارتقاء الروح. كان هناك ثلاثة عشر سماء، في كل منها إلهها أو ملاكها الملائم، وتسع طبقات لجهنّم من الأرواح المعذبة. كان هناك فوق كل ذلك، إله أعلى، يفوق كل فكر وتصور بشري. حتى أنّه كان هناك مخلصّ متجسّد، مرتبط بأفعى، ومولود لعذراء، كان قد مات وقام، وإحدى رموزه الصليب. وليفسرَ آباء الكنيسة كل ذلك، اخترعوا أسطورتين من لدنهم. الأولى تقول بأنّ القديس توماس، الحواريّ المرسل إلى الهند الشرقية، كان على الأرجح قد وصل إلى أمريكا، وبشّر بالإنجيل، ولكن لأنّ تلك السواحل بعيدة جدًا عن نفوذ روما، فسدت العقيدة، لذلك فإن جميع ما كانوا يرونه حولهم، كان ببساطة انحلال مخيف للشكل الذي لديهم من الوحي. وكان التفسير الثاني، بأنّ إبليس كان هناك يذيع متعمّدًا، محاكاته الساخرة للعقيدة المسيحية من أجل إبطال البعثة.

 

وجد العلماء المعاصرون، من طريق المقارنة المنهجية للأساطير والطقوس البشرية، في كل مكان تقريبًا أساطير متعلقة بعذراوات يلدنَ أبطالًا يموتون ويقومون. الهند طافحة بأمثال تلك الحكايا، وتمثّل أعمدتها الشاهقة، تمامًا مثل تلك التي لدى الأزتيك، مرة أخرى جبلنا الكوني ذو الطوابق المتعددة، حاملًا الفردوس على قمّته، وجهنّم المرعبة أسفل منه. لدى البوذيين والجاينيين فكرة مشابهة. وبالنظر إلى الوراء، إلى ما قبل المسيحيّة، نجد في مصر أسطورة أوزوريس المقتول والمبعوث مجددًا، وفي بلاد ما بين النهرين تموز، وفي سوريا أدونيس، وفي اليونان ديونيسوس، جميعها نماذج مجهّزة للمسيحيين الأوائل لتصويرهم المسيح.

 

كانت شعوب جميع الحضارات الكبرى في كل مكان عُرضة لأن تفسّر شخصياتها الرمزية حرفيًا، وذلك ليعتبروا أنفسهم مفضّلين بطريقة مميزة، وعلى اتصال مباشر مع ذلك المطلق. حتى الرومان والإغريق، والهنود والصينيين، المعدّدين للآلهة، الذين كانوا قادرين على أن ينظروا لآلهة الآخرين وعاداتهم نظرة تعاطف، كلهم نظروا إلى آلهتهم الخاصة على أنها هي العليا، أو على أقل تقدير أعلى. وعند الموحدين، اليهود والمسيحيين والمحمـديين، بالطبع، لم تعتبر آلهة الغير آلهة، بل شياطين، وعابدوها كَفَرة. وبالتالي كانت مكة وروما وبيت المَقدس، وبشكل أقل تعاطفًا بيناريس[21] وبكين، لقرون عدة، كلّ بطريقته الخاصة، سُرّة (مركز) العالم المتصل مباشرة، كما لو كان خطَّ إتصال مباشر، بمملكة النور، أو بالله[22].

 

ولكنّ مثل هذه الإدعاءات لا يمكن أخذها اليوم جدّيًا من قبل أي أحد ولو كان ذا تعليم محدود. وفي هذا تكمن خطورة عظيمة. فلم تكن تلك هي طريقة الشعوب في تفسير رموزها حرفيًا فحسب، ولكن تلك الأشكال الرمزية المقروءة حرفيًا كانت دائمًا، وما زالت، في الحقيقة، هي دعائم حضارتهم، ودعائم نظامهم الأخلاقي، وتماسكهم وحيويتهم وقواهم الخلّاقة. يستتبع ضياعها الحيرة، ومع الحيرة اختلال التوازن، بما أن الحياة، كما عرفها نيتشة وإبسن، تقتضي وجود أوهام داعمة للحياة[23]، وحيثما تُبدّد تلك، لا يبقى هناك شيء آمن يُتمسّك به، لا نظام أخلاقي، ولا أي شيء ثابت. لقد رأينا على سبيل المثال ما حدث للمجتمعات البدائية التي أزيحت من قبل حضارة الرجل الأبيض. بفقدان تابوهاتهم لمصداقيتها، تفرقوا مباشرةً أيْديَ سبأ، وأصبحوا موئلًا للرذيلة والفساد.

 

ويحدث اليوم معنا الشيء نفسه، بإزاحة العلم الطبيعي المعاصر لتابوهاتنا ذوات الأساس الأسطوري القديم. هناك في كل مكان في العالم المتحضر حوادث متزايدة ومتسارعة للجريمة والرذيلة، واضطرابات ذهنية، وانتحارات وإدمان للمخدرات، ومنازل متهدمة، وأطفال وقحون، وجريمة وعنف ويأس. هذه حقائق، أنا لا أبتدعها. وهي تعطي سببًا للوعاظ بالنداء للتوبة، والدخول في الدين، والعودة إلى الدين القديم. وهي تتحدى كذلك المربّي الحديث بالنسبة لإيمانه الشخصي، وولائه الأسمى. هل المعلّم ذو الضمير الحيّ مهتمّ بالسمة الأخلاقية مثل اهتمامه بتعليم تلامذته وفق الكتب؟ هل يكون ولاءه للأساطير الداعمة لحضارتنا أم للحقائق “المتحقق” منها علميًا؟ هل الإثنان على خلاف حقيقةً؟ أليس هناك حكمة تقع وراء تعارضات الوهم والحقيقة يمكن من خلالها إعادة الحياة إلى وضعها الطبيعي مرة أخرى؟

 

سأقول أنّ تلك هي المسألة الرئيسة اليوم في تربية الأطفال. تلك هي المشكلة التي كانت جالسةً إلى جانبي على طاولة الغداء. في تلك الحالة كان المعلّم والوالدة كلاهما على جانب من الوهم عفى عليه الزمان وشرب. وبشكل عام، أو هكذا يبدو لي، فإنّ معظم الأوصياء على المجتمع لديهم نزعة في ذلك الإتجاه، التأكيد على سلطتهم ضد، وليس مع، البحث عن حقائق مقلقة. هذا الإتجاه ظهر أيضًا بين علماء إجتماع وأنثروبولجيين بالنسبة للنقاش حول مسألة العِرق مؤخرًا. ويمكن للمرء أن يفهم بسهولة، بل أن يشاركهم إلى حد ما، قلقهم، بما أنّ الأكاذيب هي ما يعيش عليه العالم، وأولئك الذين بإمكانهم مواجهة تحدي الحقيقة ويبنون حياتهم بوفاق، هم في النهاية ليسوا كُثُر، وإنما القلة القليلة.

 

إن اعتقادي المُروّى فيه بأنّ الجواب الأفضل لهذه المسألة الخطيرة سيأتي من نتائج أبحاث علم النفس، وتحديدًا تلك النتائج المرتبطة بمصدر وطبيعة الأسطورة. فبما أنّ النظام الأخلاقي للمجتمعات دائمًا ما كان مؤسّسًا على الأساطير ، الأساطير مقرّة كما الدين[24]، وبما أنّ أثر العلم الطبيعي في الأساطير يُنتج، حتميًّا فيما يبدو، اختلالًا في التوازن للأخلاق، يجب علينا أن نسأل الآن ما إن كان من غير الممكن أن نصل إلى فهم للأساطير الداعمة للحياة بشكل علميّ، بأنْ لا نشوّه أو نبطل ضروريتها حتى بنقدنا لسماتها العتيقة، فـ “نَرمي بالطفل مع ماء الحمام”[25] [مثل فيمَن رفض الكل لعدم رضاه عن الجزء].

 

تعتبر الكائنات والأحداث الأسطورية بشكل عام وتدرّس عادةً في المعتقدات التقليدية لإيمان الشعوب، كما أسلفت، بصفتها حقائق، وهذا بالتحديد موجود في المجاليْن اليهودي والمسيحي. كان هناك بالفعل خروج من مصر، وكان هناك بالفعل قيامة للمسيح. بيْد أن حقائق مثل هذه تأريخيًّا هي موضع شك، وتبعًا لذلك، النظم الأخلاقيّة التي تدعمها كذلك.

 

غيرَ أنّ هذه الحكايات عندما تفسّر، لا تفسيرًا تقريريًّا تاريخيًا، وإنما بصفتها مجرّد حوادث متخيَّلة أسقطت على التاريخ، وعندما يُتعرّف إليها بعد ذلك بصفتها مماثلةٌ لإسقاطات مُنتجة في أماكن أخرى، في الصين والهند، وفي يوكاتان، فعند ذلك تكون الدلالة واضحة، أي بمعنى، أنّه وإن كانت خاطئةً ومرفوضة بصفتها روايات للتاريخ المحسوس، فإنّ مثل هذه الشخصيات العزيزة عالميًا في المخيال الأسطوري، لابدّ أن تكون ممثلةً لحقائق ذهنية : “حقائق ذهنية تجلّت في خيال مادي”[26] كما عبّرَت عن هذا السرّ يومًا صديقتي الراحلة مايا ديرين. وفي حين أنّه من الواجب بالطبع أن تكون مهمّة المؤرخ، وعالم الآثار، وعالم عصور ما قبل التاريخ، إظهار أنّ الأساطير باعتبارها حقائق أمر باطل، بأنّه ما من شعب مختار للربّ في هذا العالم متعدد الأعراق، بأنه ليس هناك من حقيقة مؤسِّسَة يجب علينا جميعًا أن نذعن لها، بأنّه ما من كنيسة واحدة وحيدة حقّة، ستكون مهمّة عالم النفس وعالم الأساطير المقارنة، بإلحاح شديد ومتزايد، مع انحلال التقاليد القديمة للماضي المتلاشي، لا في تحديد وتحليل وتفسير “حقائق الذهن” المرمّزة وحسب، وإنما في تطوير تقنيات للحفاظ على صحّتها كذلك، ومعاونة البشرية، في معرفة وإدراك نظم الحقيقة لعالمنا الداخلي، وكذلك الخارجيّ.

 

حصل تغيّر ضخم في موقف علماء النفس تجاه هذه المسألة في الثلاث أرباع قرن الماضية تقريباً. فعند قراءة كتاب السير جيمس فريزر العظيم والمحتفل به توًّا، “الغصن الذهبي” ، والذي ظهرت طبعته الأولى سنة ١٨٩٠ م، نجد مؤلفًا نموذجيًا من القرن التاسع عشر يعتقد أنّ التصورات فوق الطبيعية للأساطير سيفنّدها العلم الطبيعي في النهاية وتُهجَر للأبد. لقد رأى أنّ أساس الأسطورة كامنٌ في السحر، وأساس الإعتقاد بالسحر في سيكولوجية الإنسان. ولكن السيكولوجية التي عناها كانت لكائن عقلانيّ في الجوهر. فافترضَ بأنّ الإعتقاد أو العادة ستختفي فورما تَبينُ لا منطقيّتها، غير متنبّه بشكل كافٍ للإندفاعات غير العقلانية المرتكزة في أعماقنا والتي هي من طبيعتنا. ويمكن أن يظهرَ مدى خطأه بالإشارة ببساطة إلى أي أستاذ للفلسفة يلعب في ممرّ للبولينج: شاهد كيف يتلوّى ويتثنّى بعدما تغادر الكرة يده لأجل أن يصلها إلى دبابيس البولينج. تفسير فريزر للسحر هو أنّ الأشياء لارتباطها ببعضها في الذهن، يُظنُّ أنّها مرتبطة في الخارج حقيقةً. هُزَّ خُشخيشةً يُشبه صوتها هطول المطر، وسيهطل المطر حالًا. احتفل بطقسٍ للجماع، وستزداد خصوبة الطبيعة. صورةٌ على مثال العدوّ، مع معرفة اسم العدو، يمكن أن يُعمل عليها، أن تغرز بدبابيس .. إلخ، وسيموت العدو. أو بقطعة من ملابسه، أو خصلة من شعره، أو بُرادة أظفره، أو أي عنصر آخر لامس جسدَ ذلك الشخص يمكن أن يُستعمل ليُسفرَ عن نتيجة مشابهة. إن قانون فريزر الأول للسحر إذًن هو أنّ “المِثْلَ يُنتج مَثيلَهُ”، أن المُسبَّبُ يشابه سببه. وقانونه الثاني هو أنّ: ” الأشياء التي تلامَسَتْ يومًا، تَظَلُّ تُؤثّرُ في بعضها على مسافة من بعضها حتى بعد أنْ يُقطَع ذلك الإتصال الحسّي”. ظنّ فريزر أنّ السحر والدين كلاهما موجهان في الأساس وفي النهاية للتحكم في الطبيعة الخارجية؛ السحر بطريقة ميكانيكية، من طريق أفعال محاكاة، والدين من خلال الصلاة والقربان الموجّه للقوّة المشخّصة المفترَض تحكّمها في القوى الطبيعية. لا يبدو أنْ كان لديه أيّ فكرة البتّة عن علاقتهما وأهميتهما بالنسبة للحياة الداخلية، وبالتالي، كان واثقًا بأنّ كلا السحر والدين سيتلاشيان في النهاية بتطور وتقدّم العلم والتكنولوجيا، وتكون الغايات التي قد ظُنَّ أنهما  كانا يخدمانها،يخدمها الآنُ بشكل أفضل بالتأكيد العلم الطبيعي .

 

وفي الوقت نفسه الذي ظهرت فيه هذه المجلدات لفريزر، ظهر في باريس سلسلة نشرات لا تقلّ أهمية لعالم الأعصاب المشهور “جون مارتن شاركو”، معالجةً للهستيريا، وفقدان القدرة على الكلام، وحالات التنويم المغناطيسي، وأشباهها، مُبيّنًةً كذلك علاقة تلك النتائج بعلم دراسة الأيقونات وبالفنّ. أمضى سيغموند فرويد عامًا مع هذا الأستاذ في ١٨٨٥م، وفي الربع الأول من القرن الحالي، وصل بدراسة حالات الهستيريا والأحلام و الأساطير إلى مستويات أعمق. فـ الأساطير ، بحسب رأي فرويد، هي من جنس النظام السيكولوجيّ للأحلام. الأساطير ، إن جاز التعبير، أحلامٌ عامّة، والأحلام أساطير خاصة. وكلاهما في رأيه، عَرضيْن لمكبوتاتِ رَغَبَاتٍ طفوليّة محارميّة، الفارق الجوهريّ الوحيد بين الدين وبين العُصاب هو أنّ الأول هو الأشدُّ عموميّةً. يشعر الشخص العُصابيّ بالخزي، والوحدة، والعزلة في مرضه، فيما الآلهةُ إسقاطاتٌ عامة على شاشة عالمية. هما على حدّ سواء تجليّاتٌ لمخاوف قهرية وتوهمات لا واعية. كل الفنون، إضافة إلى ذلك، والفنون الدينية تحديدًا، هي في نظر فرويد، مَرَضيّة (باثولوجية) على نحو مماثل، وبالمثل كلّ الفلسفات. والحضارة نفسها، في الحقيقة، نائب مَرَضيّ عن إحباطات طفوليّة لاواعية. وبذلك، حكم فرويد، مثل فريزر، على عوالم الأسطورة والسحر والدين حكمًا سلبيًّا، بأنّها أخطاء ستُفنّد وتُتجاوز ويحلّ العلم الطبيعي في النهاية محلها.

 

ينهج “كارل جوستاف يونج” منهجًا مختلفًا بالكليّة يرى بأنّ صور الأساطير والدين تخدم غاياتٍ إيجابيةً مُعينة على تقدم الحياة. وفقًا لمقاربته: جميع أعضاء أجسادنا، لا تلك المختصة بالإعتداء والجنس وحدها، لديها أغراضها ودوافعها، بعضها خاضعٌ للتحكم الواعي، وأُخَرُ ليست كذلك. يقول يونج بأن وَعيَنا المتّجه إلى الخارج المُوَجَّه للمطالب اليومية، قد يفقد اتصاله بتلك القوى الداخلية؛ و الأساطير هي الوسيلة لإعادتنا لذلك الإتصال عند قراءتها بصورة صحيحة. فهي تخبرنا بلغة الصورة، عن قوى النفس التي يجب التعرّف إليها وإدماجها في حياتنا، قوىً هي مشتركة بين أرواح البشر إلى الأبد، وتمثّل حكمة النوع [البشري] تلك، التي بها نجا الإنسان آلاف السنين. وبالتالي لَمْ ولا يمكن أبدًا أنْ تَحلّ محلّها نتائج العلم الطبيعي ، التي ترتبط في الواقع بالعالم الخارجي أكثر من ارتباطها بالأعماق التي نَلِجُها في منامنا. يمكننا أن نتعلّمَ وأن نتعايشَ مع الأفق الأكبر لنفوسنا الداخلية الأعمق والأشدّ حكمة من طريق القيام بحوار داخليّ مع تلك القوى الداخلية، عبرَ أحلامنا وعبرَ دراسة الأساطير . وبالقياس، فالمجتمع الذي يرعى ويٌبقي على أساطيره حيّة، سيتغذّى من أرقى وأغنى طَبقَات الروح الإنسانيّة.

 

ومع ذلك فإنّ هناك خطورة هنا، أعني أن تُبعِدَ المرءَ أحلامه وأساطيره الموروثة عن عالم الوعي الحديث، وأن يثبت على أنماط من التفكير والشعور عتيقة غير ملائمة للحياة المعاصرة. فالمطلوب بالتالي، كما يخبر يونج، هو الحوار، لا الثبوت على أحد طرفيْ النقيض؛ حوارٌ بواسطة أشكال رمزية يطرحها العقل اللاواعي ويعترف بها العقل الواعي، في تفاعل مستمرّ.

 

فماذا يحدث حينئذ لأطفال مجتمعٍ بدلَ أن يسمحَ لأيّ تفاعل من هذا النوع أن ينشأ، وبتعلّقه بحلمه الموروث كما لو كان يتعلق بحقيقة مطلقة، رَفَضَ مستجدّات الوعي، والمنطق، والعلم الطبيعي، والحقائق الجديدة؟ هناك تاريخ معروف جدًا يمكن أن يكون بمثابة تحذير كاف.

 

كما يعرف كلّ طالب مدرسة، إنّ بدايات ما يمكن أن نعتبره علمًا طبيعيّ معزوٌّ إلى الإغريق، وكثير من المعرفة التي جمعوها حُمِلَتْ وأُبلِغَتْ آسيا عبرَ بلاد فارس إلى الهند، ومن ثَمّ حتى إلى الصين. ولكنّ كل عالم من تلك العوالم المشرقية كان ملتزمًا قَبلًا بأسلوبه الخاص من التفكير الأسطوري، فتُرِكَتْ طرائق ومناهج الإغريق الموضوعية والواقعية والفاحصة. قارن العلم الطبيعي للكتاب المقدّس مثلا، وهو نصّ مشرقيّ، جُمعَ غالبًا إثرَ رَفضِ “المكابيين” للتأثير الإغريقي[27]، قارنه بالأرسطي؛ ناهيك عن أرسطرخس (عاش حوالي ٢٧٥ ق.م.)، والذي كانت الأرض عنده مسبقًا كرَةً دوّارة في مدارٍ حولَ الشمس. كان إراتوستينس (عاش حوالي ٢٥٠ ق.م.) قَد حَسَبَ محيط الأرض بشكل صحيح، مقدرًا إياها بـ ٢٥٠ ألف ستاديا (٢٤،٦٦٢ ميلًا، والرقم الإستوائي الصحيح هو:٢٤،٩٠٢ ميلًا). كان هيبارخوس (حوالي ٢٤٠ ق.م) قد حسَبَ بفارق بضع أميالٍ [عن الرقم الصحيح] محيط القمر ومتوسّط المسافة بينه وبين الأرض. والآن حاولوا أن تتخيّلوا فقط الكمّ الذي كان من الممكن حفظه من الدم والعرق والدموع الحقيقية والناس الذين حُرِقوا على الأعمدة بتهم الهرطقة وما إلى ذلك، لو أنّ جستنيان شجّع المدارس الوثنية الإغريقية في ٥٢٩م بدلًا من إغلاقها جميعها! [28]حلّ محلّها لدينا الإصحاحان الأولان لسفر التكوين، وتأخّرٌ لأكثر من ألف سنة في النضوج لا للعلم الطبيعي وحده، وإنما لحضارتنا وحضارات العالم.

 

إنّ أحد أشدّ التواريخ إثارة للإعجاب في فترة رفض العلم الطبيعي ، نراها في الحضارة الإسلامية[29] والتي تَلَقّت، وقَبِلَت، وطوّرَت التراث الكلاسيكيّ [اليوناني] في البداية. هناك سجلّ إسلامي مثير للإعجاب من التفكير العلمي، والتجارب العلمية، والبحوث، تحديدًا في الطب، لخمس أو ستّ قرونٍ غنيّة. ولكن بعدها، ويا للحسرة! اتخذت سلطة المجتمع العام، السنة، أو الإجماع، الذين أعلن النبيّ محمد أنه دائمًا على حقّ، إجراءات صارمة تجاه ذلك. كانَ كلام الله في القرآن المصدر ووسيلة الإيصال الوحيدان للحقيقة. ولكن التفكير العلمي أدى إلى”ضياع إيمان الناس بأصل العالم وبالخالق”. وهكذا، فقط عندما بدأ يُحمَل نور التعليم الإغريقي من الحضارة الإسلامية إلى أوروبا، حوالي ١١٠٠ م وما بعدها، وصل العلم الطبيعي والطبّ الإسلاميان إلى طريق مسدود، ومن ثم انقطع هناك، وبذلك، تعطّلت الحضارة الإسلامية. ليست شُعلة العلم الطبيعي هي التي مُرّرَت إلى الغرب المسيحي وحدها، وإنما شُعلة التاريخ كذلك. ويمكننا بعدئذ أن نتتبع بتفصيل التطور المدهش، منذ القرن الثاني عشر فصاعدًا، من خلال تاريخ لعقول عظيمة وجريئة، لا قَرينَ لإكتشافاتها في تاريخ البشرية الطويل كله. ولا يمكن أن يُثَمّنَ تمامًا حجم دَيْننا لتلك القلة من العقول من قِبَل أيّ شخص لم يطأ قبلًا تلك الأراض التي تقع وراء حدود هذا السحر الأوروبي. جميع التحولات الإجتماعية اليوم، فيما يُدعى بـ”الدول النامية”، وكذلك كانت لقرون، هي ليست نتاج عمليات مستمرّة، وإنما نتاج الإجتياحات وآثارها. كُلّ أقليّة ثابتة على أساطيرها الراسخة والمتحجرة، إنما تطرأ التغيرات نتيجة للتصادمات، مثلَ دخول الغازين المسلمين للهند، ولِزَمَنٍ كان هناك تبادل حتميّ للأفكار. أو عندما وصلَ البريطانيون وبزغَ عَصر مقلق جديد من الإبداعات غير المتوقعة والمذهلة. وأصبح هناك في المقابل في عالمنا الغربي الحديث، نموّ مستمرّ مُثمرٌ ومتسقٌ ذاتيًا، يشبه الإزهار العضوي تقريبًا، نتيجةً للبحث المخلص، والمنفتح المستمرّ لمجموعة من الرجال الشجعان، عن حدود الحقيقة التي لا حدود لها.

 

وأخيرًا الآن، ماذا سيكون معنى كلمة “حقيقة” Truth بالنسبة للعالم الطبيعي الحديث؟ لن يكون المعنى الذي سيكون بالنسبة لمتصوّف طبعًا! فالحقيقة العظيمة والجوهرية للكشف العلمي، الحقيقة الأشدّ روعةً وتحديًا، هي أنّ العلم الطبيعي لن ولا يمكن له أنْ يزعُمَ أنّه “حقيقي” true بأيّ معنىً مطلق. إنه لا يزعم ولا يمكنه أن يزعم أنّه ناجز. إنه تنظيم مؤقت لمجرّد “فرضيّات عملية” Working Hypotheses  (” آه من أولئك العلماء!”، “نعَم أعلم ولكنهم وجدوا العظام”) تبدو أنها تأخذ في اعتبارها في الوقت الحالي جميع الحقائق facts المعلومة حتى اللحظة.

 

أليس هناك هناك إذن نيّةٌ مضمرة في الإكتفاء بنوع من شكل نهائي أو عدد كاف من الحقائق؟

 

بالطبع لا! لن يكون هناك إلا بحث مستمر عن المزيد، مثل ذهنٍ تواق للنمو. وذلك النمو، طالما استمر، سيكون المقياس لحياة الرجل الغربي الحديث، ولحياة عالم بكل وعوده التي أخرجها ولا يزال إلى الوجود، بعبارة أخرى، عالم من التغيير، أفكار جديدة، وأشياء جديدة، وكمّات جديدة، وتحولات مستمرة، وليس التحجر، والتصلب، و”حقيقة” مقدسة ما.

 

فلذلك يا أصدقائي، نحن لا نعلم شيئا، ولا حتى يمكن لعلمنا الطبيعي أن يُسكّننا، فالأمر لا يعدو أن يكونَ، إن صحّ التعبير، تلهّفًا للحقائق أينما قادتنا إغراءتها. وبالتالي، يبدو لي أننا مرة أخرى لا يزال لدينا كشف أكبر، وأشدّ حيوية، من أيّ شيء وهَبَتنا إياه أدياننا القديمة، أو حتى لمّحت إليه. تُعزّينا النصوص القديمة بالآفاق. تُخبرنا بأنّ هناكَ أبٌ، في مكان ما في الخارج، مُحبٌّ حنونٌ عَدْلٌ وكيل، مُستعدٌّ لتلقّينا، وحَيَواتنا العزيزة أبدًا في اعتباره. في المقابل، ووفقًا لعلومنا الطبيعية، لا أحد يعلَم ما هو موجود هناك في الخارج، أو ما إذا كان هناك مكان ما أصلًا. كُلّ ما يمكن قوله هو بأنّه يبدو أنّ هناك عَرض عجيب من الظواهر، تُتَرجِمُها حواسنا وأجهزتها لأذهاننا وفقًا لطبيعة أذهاننا نفسها. وهناك عَرض لنوع مختلف تمامًا من الصور من الداخل أشدُّ ما نَخْبُرُهُ في منامنا، والذي من الممكن أن يقتحمَ حياتنا النهارية أيضًا، بَل وأن يُودي بنا إلى جنون يدمّرنا. لا يمكننا إلا أن نَحدِسَ أساس هذه الصور، الداخلية والخارجية، وأن نسيرَ نحوها من خلال الفرضيات.  يبقى جواب ما طبيعتها وأين ولم ( بسؤال كلّ الأسئلة المعتادة)، سرًّا مطلقًا، وهو المطلق الوحيد المعلوم لدينا، لأنه غير معلومٍ مطلقًا،ويجب علينا تجاه هذا الأمر أن يكون لدينا الآن جميعًا القدرة على أن نسلّم به.

 

لا يوجد مزيد من الوصايا[30]، لا يوجد شيء يجب على المرء الإعتقاد به، ولا يوجد ما يجب على المرء فعله. ما يزال يستطيع المرء في المقابل، إذا أحب، أن يختار أن يلعب لعبة العصور الوسطى القديمة، أو لعبة مشرقية ما، أو حتى نوعًا من لعبة تعود إلى العصور البدائية. نحن نعيش في زمن صعب، وكُلّ ما يدفعنا بعيدًا من مستشفى المجانين يمكن أن نثني عليه ونعتبره كاف لأولئك الذين ليس لديهم الجرأة.

 

عندما كنت في الهند شتاء ١٩٥٤م، في محادثة مع رجل هندي في مثل سنّي تقريبًا، سألني بشكل يوحي بالتحفظ، بعد أن تبادلنا التحايا الرسمية، “ماذا تقولون اليوم أنتم العلماء الغربيون فيما يخصّ تأريخ أسفار الفيدا؟”

 

وأسفار الفيدا لعلمكم هي النظائر الهندوسية للتوراة بالنسبة لليهوديّ. هي نصوصه المقدّسة التي تعود للتأريخ الأقدم، وبالتالي للكَشف/الوحي الأسمى.

 

جاوبته: ” حسنًا، أعتقد أنّ تأريخ فترة أسفار الفيدا قُلصَتْ مؤخرًّا ويتم تحديدها، إلى شيء مثل، لنقل، ١٥٠٠ إلى ١٠٠٠ قبل الميلاد”. ثم أضفت: “وكما تعرف، فقد وجدوا في الهند نفسها أطلال حضارة سابقة على تلك العائدة إلى الفترة “الفيدية[31] “.

 

فأجاب السيّد الهنديّ بطريقة تأكيدية لا يشوبها أي ارتباك: نعم، أعلم. ولكنّي بصفتي هندوسيًا أرثوذوكسيًا، لا يمكنني أن أصدّق بأنّ هناك أي شيء في الكون سابقٌ على أسفار الفيدا”، ولقد عنى ما قال حقًا.

 

فقلت له: “طيب، فَلِمَ تسألُ إذن؟”

 

غير أننا لنُعطي الهند القديمة حقّها، دعوني أختم بقطعةٍ من أسطورة هندوسية تبدو لي بأنها التقطت بصورة ملائمة بالتحديد المعنى الكامل لمثل هذه الحركة التي نواجهها اليوم في هذه المرحلة الحرجة من تأريخنا البشري العام. إنها تخبرنا عن زمن من تأريخ الكون عندما كان الآلهة وأعدائهم الألدّاء، نقائض الآلهة Anti-gods، في خضمّ أحد معاركهم الأبدية. قرروا هذه المرّة أن يعقدوا هُدنةً وأن يحرّكوا بالتعاون، المحيط الحليبيّ، البحر الكوني، لاستخراج زبدة الخلود منه. فاتخذوا الجبل الكوني (وهو النظير الفيديّ لجبال المطهر لدى دانتي) عمودًا محوريًّا لتحريكهم ، ولفّوا الأفعى الكونية حوله كحبل دوران. ومن ثمّ، بوجود الآلهة عند نهاية الرأس وسَحْبهم، ووجود نقائض الآلهة عند الذيل وسَحبهم، نجحوا في أن يُدوّموا Whirl الجبل الكوني. وهكذا ظلوا يحركون لحوالي ألف سنة حتى انبثقت من المياه سحابة عظيمة سوداء ذات دُخانٍ سامّ، فكان على التحريك أن يتوقف. لقد اخترقوا ووصلوا إلى مصدر قوّة غير مسبوق، والذي خَبَرُوهُ أول الأمر، كان تأثيراتها السلبية والمميتة. لأجل أن يستمرّ العمل، كان على أحدهم أن يبتلع ويمتصّ تلك السحابة السامّة، وكما قد علموا جميعًا، لم يكن هناك إلا واحد يقدر على فعلٍ كهذا، أعني، إله اليوغا النموذجي، “شيفا”، الشخصية الشيطانية المرعبة. أخذ السحابة السامّة بأكملها ووضعها في وعاء التسول[32] الخاص به، وشربها برشفة واحدة، وأمسكها في مستوى حنجرته من طريق اليوغا، حيث حوّلَت الحنجرة بأكملها إلى اللون الأزرق، فأصبح يُعرف من حينها، نيلاكانتا ذو الحنجرة الزرقاء[33]. وبعدما أُنجِزَ ذلك الفعل البديع، عاد جميع الآلهة ونقائض الآلهة إلى عملهم المعتاد. فحرّكوا وحرّكوا، وظلّوا يحركون بلا هوادة، حتى بزغَ فجأةً عَدَدٌ من المنافع البديعة من البحر الكونيّ: القمر، والشمس، وفيل ذو ثمان خراطيم، وجَواد مجيد، وأدوية معيّنة، وأخيرًا بالفعل، وعاءٌ مشعٌّ كبير مملوءٌ بالزبدة الإلهية.

 

أقدمُ هذه الحكاية الرمزية الهندية ذات المغزى لعالمنا اليوم، بصفتها نوعًا من الترغيب في المسارعة في العمل من غير خوف.


الهوامش:

[1]The Impact of Science on Myth –  Myths to Live By, Joseph Campbell

وهي في الأصل محاضرة مفرغة. جميع الهوامش من لدن المترجم.

[2] الكتابة المسمارية أو الخط المسماري هو المستعمل في بلاد الرافدين القديمة، استعمله السومريون في دولهم فيما هو اليوم جنوب العراق في الألف الرابع قبل الميلاد، ثم أخذه عنهم الأكاديون وخلفاءهم والفرس الإخمينيون. ظل مستعملًا حتى القرن الأول ميلادي، وإن خَلَفه في المنطقة منذ القرن التاسع قبل الميلاد الخطّ الأبجديّ الآرامي.

أي صندوق بداخله صندوق أصغر وهكذا [3]

[4] أسماء الأسبوع اللاتينية، وتبعًا لذلك بعض الشيء في اللغات الرومانسية والإنجليزية، متطابقة مع أسماء الأفلاك السبعة.

[5]
Sirens وباليونانية  Σειρήν
وهنّ مخلوقات لهن وجه امرأة وجسد طائر يغوين البحارة بغنائهن حتى يصطدمون بصخور الجزر فيهلكون. وقد جاء ذكرهنّ في الأوديسة وفي أكثر من مؤلَّف لأفلاطون وجرى تصويرهن في المنحوتات الإغريقية ورسومات الفخاريات منذ القرن الرابع ق.م على الأقل. أشار بروقلوس إلى أن هناك ثلاث أنواع من الحوريات، نوع في العالم السفلي، ونوع على الأرض، وآخر في العالم العلوي/السماوي.
والمشار إليه هو ما أورده أفلاطون في نهاية الكتاب العاشر من الجمهورية، وهو النوع الأخير، حيث يذكر وجود سيرينة في كل فلك، وهي ثمانية لدى أفلاطون، تدور بدوارنه وتصدر لحنًا خاصًا، ومجموعهن يصدر لحنًا موسيقيًا واحدًا.

[6]المراد بقاء كلّ في مكانته أو طبقته بشكل لا يقبل التغيير، فهناك الملك فرجال الدين والأرستقراطيين أو ملاك الأراضي ثم العامة. وفي الكنيسة الكاثوليكية يكون التسلسل الهرمي (شكل مختصر) كالتالي: الإله في قمة الهرم، فالبابا، فالكرادلة وكبار الأساقفة، فالأساقفة، فالقساوسة، ثم أخيرا الشمامسة.

[7] سنجري على هذا اللفظ بمعنى العائد للقرون الوسطى Mideval

[8] المطهر هو اعتقاد كاثوليكي بحالة تمرّ فيها الأنفس بعد الموت لتتطهر تمامًا قبلَ عودتها إلى خالقها. وفي التصور الشعبي، وعند دانتي في الكوميديا الإلهية، هي مصوّرة كمكان حسيّ، وجبل يقع في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية ذو طبقات ينتهي بالفردوس الأرضي على قمته.

[9] “وكان يخرج من عَدنٍ نَهرٌ فيسقي الجنّة، ويتشعب من هناك فيصير أربعةَ أنهار، أحدها اسمهُ فيشون … واسم النهر الثاني جيحون … واسم النهر الثالث دجلة … والنهر الرابع هو الفرات”. التكوين  (٢:١١-٢:١٤).

[10] وهي سنة إبحار كولومبوس إلى العالم الجديد.

[11] علم رسم وتمثيل تضاريس الأرض.

[12] الكوينتيليون يساوي ١٠ مرفوعة إلى الأسّ ١٨.

 التقاطات حقل هابل، المسبار الذي انطلق بعد هذه الورقة بأكثر من ثلاث عقود كشفت عن كون متوسّع وما يزال [13] نصف قطره 46.5 مليار سنة ضوئية بآخر حساب، في الكون المنظور وحده!

[14]   ما يُدعى بالعصر الباليوليتي  Paleolithicهو العصر الحجري القديم والذي يبدأ منذ استخدام الجنس الإنساني  Homoللأدوات الحجرية  قبل ٢.٥ مليون سنة تقريبًا، وحتى حوالي ١٠-١٢ ألف قبل الميلاد.

 المقصود خروج النبي موسى وبني إسرائيل من مصر بحسب رواية التوراة، وذكر كامبل لثلاثة ملوك سببه عدم التحديد والخلاف في تعيين متى [15] كان خروجهم من بني إسرائيل عند علماء اليهود والمؤرخين لانعدام ذكر ذلك في الوثائق التاريخية أو الآثارية كما سيأتي.

[16] هي عشرُ عقوبات أنزلها الله على فرعون والمصريين بحسب التوارة، وهي: انقلاب الماء دمًا، والضفادع والبعوض والذباب وموت المواشي والقروح والبَرَد والجراد والظلام لثلاثة أيام، وموت كلّ طفل بكر. وتلك العقوبات أصابت المصريين دون الإسرائيليين. راجع سفر الخروج الإصحاحات ٧-١٠.

[17] يُخبِر سفر الملوك (٦:١) بأنّ السنة الرابعة لملك سليمان كانت السنة الأربع مئة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر. ومن هذه الفقرة مع تأويلات أركيولوجية (والنقاش فيها لم يحسم بعد) عن مملكة يهوذا وما دُعيَ بالمملكة الموحدة زمن الملك داود بحسب التوراة، عيّن بعض الباحثين زمن رمسيس الثاني بأنه زمن الخروج، وبأنّه هو الفرعون المذكور، واشتهرت هذه النظرية..

[18] عزرا الكاتب أو الكاهن، عادَ بمجموعة من بني إسرائيل المسبيين في بابل زمَن كورَش ملك الفرس إلى أورشليم، وقام بإصلاح دينيّ. (راجع سفر “عزرا”). يعتقد بأنّ التوراة جُمِعَت في زمنه.

 هنا إشارة ضمنية من كامبل لما يذكره في مواطن مختلفة، لنزعة شعرية روحانية، تُناغِم الإنسان مع الكون، وهي ممتدة وتتجلى فيما وصلنا في   [19] زمن الشاعرين هومر وهزيود، في مقابل النزعة المنطقية التي تبدأ في فرض سيطرة الإنسان على الطبيعة، على الأقل تطويعها ذهنيًا، تبدأ مع أو في زمن أرسطو. وكامبل هنا متابع لنيتشة فيما أورده في ميلاد التراجيديا عن النزعة الديونيسية غير المتقيدة بشكل والنزعة الأبولية العقلية الصارمة، إن جاز التعبير.

[20] حضارة الأزتيك قامت في أمريكا الوسطى، المكسيك الوسطى تحديدًا، ما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر ميلاديين. أسقطها القائد المستعمر الإسباني إرنان كورتيس سنة ١٥٢١ م.

[21] بنارس، أو فارانسي أو كاشي هي مدينة تقع على ضفاف نهر الغانج في شمال الهند. وهي مركز دينيّ رئيسيّ لدى الهندوس والجاينيين والبوذيين.

 هذه الصورة موجودة بشكل جليّ في التراث الإسلامي عند تفسير معنى “والبيت المعمور”المذكور في سورة الطور، وذكر أنه بيت موازٍ للكعبة في [22] السماء السابعة.

[23] Life-supporting illusions
بمعنى يقوم عليها أساس حياة الفرد، أو المجتمع وليست بالضرورة ذات حقيقة خارجية، وإنما تصورات لها تلك الوظيفة.

[24] Myths canonized as religion

[25] Throwing out the baby (whole generations of babies) with the baths.

[26] Facts of the mind made manifest in a fiction of matter

[27] المكابيون هم مجموعة من العسكريين اليهود الذين انقلبوا على حكام سوريا السلوقيين مؤسسين دولة في فلسطين الفترة ما بين ١٦٧-٣٧ ق.م. كانت ثورة لصدّ وحدّ التأثير الهلنستي والهلنستي اليهودي والحفاظ على التقليد اليهودي الأرثوذوكسي.

[28] الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول (٥٢٧-٥٦٥م) أصدر مرسومًا بمنع تدريس الفلسفة وعلم التنجيم والكهانة بأثينا، أي حيث الأكاديمية الأفلاطونية(الحديثة). كما منَعَ أن يتبوأ أي رجل يحمل اعتقادات هلّينيّة(أي وثنية عنده) أيَّ منصب حكومي.

[29] استعمل المؤلف هنا لَفظَ Islam واقتضى المعنى والسياق، كما يبين من استعمال المؤلف، ترجمته بالحضارة الإسلاميّة أو العالم الإسلامي.

[30] There is no Thou Shalt

والإشارة إلى وصايا موسى العشرة

 الإشارة إلى حضارة وادي السند التي وجدت ما بين 3300 ق.م إلى 1300 ق. م حيث هاجر ما يعرف بالآريين أو لاحقًا بالهندو-أوروبيين [31]

إلى هذه المنطقة على الأغلب قاضية على ما تبقى مما تداعى من هذه الحضارة، واستوطنوها ومنطقة شمال الهند، وملحمة المهابهاراتا فيها سرد ملحمي لتلك الهجرات والمعارك. والخلاف ما يزال كبيرًا عن هذه الفترة لندرة الوثائق واستغلاق فك الخطّ السندي حتى الآن.

[32] في إحدى تجليّات الإله الهندوسي شيفا المعروفة بـ”بِكشاتَنا” أو المتسوّل الأعلى، نجده مصوّرًا عاريًا بأربعة أذرع،ويحمل في إحدى أيديه وعاء تسوّل، إشارة إلى حياة الزهد لدى الهندوسيّ.

[33] Blue Throat Nilakantha
ويصور شيفا في الرسوم الهندوسية باللون الأزرق. والزرقة مأخوذة من زرقة الجسد عند التسمم.