تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الغرب اللاتيني – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد الرشودي

تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الغرب اللاتيني – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد الرشودي

 

محمد الرشودي

المترجم: محمد الرشودي


مقدمة المترجم: هذا نص مترجم لدكتور الفلسفة الألماني والمتخصص في فلسفة القرون الوسطى، داغ نيكولاس هيسه، حول تأثير الفلسفة والعلوم العربية والإسلامية في الغرب اللاتيني خلال فترتي القرون الوسطى وعصر النهضة، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، أخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة، ومنحهم حقوق النشر لمجلة حكمة. نسخة PDF


النص:

قادت حركات الترجمة من العربية إلى اللاتينية -والتي تزامنت مع الترجمة اللاتينية من الإغريقية- إلى تحولٍ طال تقريبًا سائر المجالات الفلسفية في العالم اللاتيني خلال القرون الوسطى. كان تأثير الفلاسفة العرب، كالفارابي، وابن سيناء، وابن رشد، في الفلسفة الغربية أشد ما يكون في الفلسفة الطبيعية، والميتافيزيقية [الإلهيات في لغة الفلاسفة العرب والمسلمين]، وعلم النفس، بل وامتد إلى علم المنطق والأخلاقيات.

       فمن بين النظريات العربية ذات النفوذ: نظرية التمييز المنطقي بين المعاني العقولة الأولى والثانية؛ والكثافة والانحسار للصور العنصرية؛ وقوة النفس الوهمية وموضوعها المعاني؛ واقتران العقل الإنساني بالعقل الفعال المفارق؛ ووحدة العقل الهيولاني (ابن رشد)؛ ونظريات في المعجزات والنبوّة حسب المذهب الطبيعي [طبعانية]؛ وأزلية العالم ومفهوم الإبداع الأزلي؛ والعقل الفعال بصفته واهبًا للصور؛ وكون العلة الأولى واجبة الوجود؛ وأن فيض العقل نابع من العلة الأولى؛ والتمييز بين الماهية والوجود؛ ونظرية التصوّرات الأولية؛ ومفهوم السعادة الإنسانية الناتجة عن الاتصال التام بين العقل الإنساني والعقل الفعال.

 

  1. الانتقال

عُرفت الفلسفة العربية في الغرب اللاتيني عبر الترجمات، وإلى حد ما، بواسطة التواصل الفردي بين المسلمين والمسيحيين، كما كانت الحال مع فريدريك الثاني، فقد كان على صلة مباشرة مع عدد من العلماء المسلمين. ولأن قليل من العلماء المسيحيين، مثل رامون مارتي ورامون لول، كانوا مجيدين للعربية، فقد استفادوا من مصادر عربية خلال كتابتهم للأعمال اللاتينية. بيْد أن الترجمات، في نهاية المطاف، كانت ذا تأثير أقوى بمراحل عدّة. فقد أُنتجت أول ترجمات عربية-لاتينية في نهاية القرن الحادي عشر في إيطاليا، والتي نقلت بدورها المواد الفلسفية إلى أوروبا اللاتينية، وكانت ترجمات لكتب في الطب والفلسفة الطبيعية، حيث ترجم معظمها قسطنطين الأفريقي، وهو من حاول -على خلاف المترجمين اللاحقين- التنكر للمصادر العربية في نصوصه[1]. كما تُرجمت العديد من النصوص المهمة المتعلقة بعلم التنجيم في النصف الأول من القرن الثاني عشر في إسبانيا، مثل كتاب (المدخل الكبير إلى علم أحكام النجوم) لأبي معشر البلخي، وهو مؤّلف يحوي على مواد زاخرة من التراث الأرسطي[2].

10898227_399365320230627_7070213728832882886_n

المدخل الكبير إلى علم أحكام النجوم – أبو معشر البلخي

       أخذت ترجمة النصوص الفلسفية المميزة، كنصوص الكندي، والفارابي، والكاتب المجهول لكتاب الإيضاح في الخير المحض (Liber de causis)، وإسحاق بن سليمان الإسرائيلي، والغزالي، وابن سينا، بل والأعمال الإغريقية التي نُقلت إلى العربية، بالتسارع في النصف الثاني من القرن الثاني عشر في طليطلة، حيث يقطن مترجمان ذوا إنتاج غزير جدًا: دومينيك غونديسالفي وجيراردو الكريموني. إنه لمن المحتمل أن كتاب الفارابي (إحصاء العلوم) -الذي تُرجم مرتين، واحدة لغونديسالفي وأخرى للكريموني- قد أصبح أنموذجًا يحتذى به في الترجمة الرصينة. ومما يدل على هذا هو أن مترجمي طليطلية المتأخرين، أمثال ألفريد الشيرزهيلي، ومايكل سكوت، وهيرمانوس أليمانوس، قد سدّوا النقص بترجمتهم لأعمال الفارابي المعرفية التي لم يترجمها سلفهم[3]. كما تأثرت حركة الترجمة هذه بتفضيلات فلسفية للعلماء اليهود. كان غونديسالفي قد عمل مع العالم اليهودي إبراهيم بن داوود على ترجمة (مقالة في النفس) لابن سينا، حيث أن ابن داوود كان هو من أوصى بترجمتها، وقد تعود ترجمات غونديسالفي الأخرى إلى توصيات مماثلة. حُفّزت حركة الترجمة الإسبانية المذهلة وتسارعت لعدة عوامل: كالاهتمام الشخصي للمترجمين؛ وطلب المدارس الفرنسية للكتب العلمية؛ وتوفر المخطوطات العربية في مدنٍ اقتحمها المسيحيون مؤخرًا؛ ولمحاباة رئيس الأساقفة في طليطلة؛ واهتمامات كهنوتية في تعزيز الثقافة العلمية اللاتينية في بيئة مسيحية ناطقة بالعربية[4].

      كانت الترجمات في صقلية وجنوب إيطاليا هي المرحلة التالية والمهمة للترجمة، حيث كان العديد من المترجمين على علاقة مع فريدريك الثاني أو المحكمة البابوية، وحيث كان كل من مايكل سكوت وويليام من لونا، أكثر مترجمين غزارة في الإنتاج لابن رشد[5]. لم تصبح أعمال ابن رشد المترجمة إلى اللاتينية متوفرة في الجامعات الناشئة حديثًا إلا بعد وفاته بثلاثين عامًا -رحمه الله-، أي قرابة عام 1198[6]. وفي عام 1255، أعلنت كلية الفنون الباريسية عن لوائح القراءة الإلزامية للطلاب، والتي ضمّت كل أعمال أرسطو المعلومة. كانت هذه الخطوة ذات تأثير كبير حيث ساهمت في صعود شروح ابن رشد وتعليقاته كمادة رئيسية إضافية لآداب الجامعات اللاتينية.

      توقفت أعمال الترجمة العربية-اللاتينية بالكلية بعد عام 1300 تقريبًا، لتعاود النشاط من جديد بعد عام 1480. كان اليهود الإيطاليون ينتجون غالب ترجمات حركة النهضة من النُسخ العبرية للنصوص العربية، ويستثنى من هذا التعميم ترجمات أندريا ألباغو لابن سينا، والتي أُخذت من النصوص العربية ثم أُنتجت في دمشق[7]. كان السياق الاجتماعي لهذه الترجمات هو الثقافة الفلسفية النشيطة في الجامعات الإيطالية، في مدينة بادوفا على وجه الخصوص، ورعاية العلماء الإيطاليين المنتمين إلى طبقة النبلاء الإيطالية التي تلقت تعليمها في هذه الجامعات[8]. مع أن تأثير ترجمات عصر النهضة لم يُستقصى إلى حد كبير، إلا أنها كانت أضعف من نظيرتها في العصور الوسطى. لقد أظهرنا سابقًا أن الترجمات الحديثة قد أثرّت في المباحث المنطقية والحيوانية في القرن السادس عشر[9]. وفي النصف الثاني من القرن السادس عشر، هبط الاهتمام بالفلسفة العربية وعلومها، وهبطت معهما حركة الترجمة العربية-(العبرية)-اللاتينية. وتزامن مع هذا الهبوط تطور في الدراسة الأكاديمية للثقافة العربية، مُحفّزة باهتمامات تاريخية وفيولوجية (فقه اللغة التاريخي والمقارن) في المقام الأول، لا فلسفية. ومنذ القرن السابع عشر فصاعدًا، أخذت حركات الترجمات من اللاتينية إلى اللغات الإقليمية تدريجيًا مكان حركة الترجمات اللاتينية من العربية[10].

      كانت مجموع النصوص الفلسفية العربية المترجمة إلى اللاتينية مثرية، فقد نُشرت مؤخرًا قائمة تحتوي على 131 مادة نصية[11]. أدّى تقديم الفلسفة العربية إلى أوروبا اللاتينية إلى نقلة في كافة المجالات الفلسفية تقريبًا. فنجد أثر الفلسفة العربية في الفلسفة الطبيعية، وعلم النفس، والميتافيزيقا جليًّا، بل إن أثرها محسوس أيضًا في علم المنطق والأخلاقيات. كان تأثير الفلسفة العربية في أوجه خلال القرن الثالث عشر، إلا أن بعض التراث العربي -كنظرية العقل لابن رشد- قد بلغ قمّة نفوذه في أوروبا اللاتينية متأخرًا، أي قرابة عام 1500 (أثر الفلاسفة اليهود الذين كتبوا بالعربية، كابن جبيرول وابن ميمون، غير مشمولة في هذا المقالة).

 

  1. تقسيم العلوم

أثّر التقسيم العربي للعلوم في الغرب اللاتيني، بصفة رئيسية، بواسطة مقالة (تقسيم الفلسفة) لغونديسالفي. يعيد غونديسالفي في مقالته استخدام الكثير من المواد من ترجمته المختزلة لـ(إحصاء العلوم) للفارابي، في حين أصدر جيراردو الكريموني ترجمة أخرى أكثر حرْفية. إلا أن مقالة غونديسالفي المعرّبة كانت النافذة التي نفذ من خلالها تأثير الفارابي. فقد كان جملة ما في ‘المدخل الأدبي المجهول’ لطلاب الفنون في القرن الثالث عشر مستمد وبإسهاب من مقالة غونديسالفي، ويشير الكاتب المجهول في بعض الأحيان لغونديسالفي بـ”الفارابيوس[Alpharabius[12). كتب المترجم مايكل سكوت نسخته من تقسيم العلوم أيضًا، حيث تبنى جوهر مادة غونديسالفي، ثم نظّمها بما يتوافق مع صيغته[13].

      أخذ غونديسالفي بمبادئ مركزيةً استمدها من ابن سينا في تقسيمه للعلوم، حيث قرر أن الموضوع [14] (Subject Matter) هو المعيار الرئيسي للتفريق بين العلوم؛ وأن العلم غير قادر على برهنة وجود موضوعه الخاص به؛ وآخره أن هنالك نوعان من العلوم الثانوية: إما جزء (pars) من علم آخر، كما هو الحال في دراسة جزء من الموضوع، أو نوع (species) لعلم آخر، في حال دراسة الموضوع من اعتبار معين[15].

      نجد أن تأثير الفارابي جلّي، خاصة في إحصاء الأقسام السبعة للنحو والصرف، وفي الأقسام الثمانية من العلم الطبيعي (والذي اشتمل على سلسلة “آليات الفلسفة الطبيعية[16]” لأرسطو)، والأقسام السبعة للرياضيات: علم الحساب، وعلم الموسيقى، وعلم الهندسة، وعلم المناظر، وعلم التنجيم، وعلم الفلك [أو علم الهيئة في لغة الفلاسفة العرب والمسلمين]، وعلم الأثقال، وعلم الحيل[17]. أما في علم المنطق، فإن غونديسالفي قد أخذ صراحةً بتقسيم الفارابي للمنطق إلى ثمانية أجزاء، متبعًا بذلك ذات النهج الذي وضع كتابي (الخطابة) و(فن الشعر) لأرسطو ضمن علم المنطق. يعود تقسيم الفارابي لعلم المنطق في ثمانية أجزاء إلى الظهور مجددًا، فنجده مثلا في كتابات روجر بايكون [18]، و(تقسيم العلوم) لأرنول دي بروفينس[19]؛ إلا أن أرنول قد لاحظ أنه لا أرسطو ولا الاستخدام الدارج يضمّن (الخطابة) و(فن الشعر) ضمن أجزاء علم المنطق[20]. فرّق غونديسالفي -متبّعًا بذلك خطى الفارابي- بين خمسة أنواع من الاستدلال القياسي (syllogistic reasoning)، وأيّ منها ذو البرهان الأعلى. إن تأكيد الفارابي على كون البرهان وسيلة حاسمة لاكتساب معرفة يقينة هو ابتكار مهم للفلسفة العربية، والتي بلغت الغرب اللاتيني بواسطة غونديسالفي[21].

      امتد تأثير (إحصاء العلوم) للفارابي إلى مجالات محددة أيضًا كالموسيقى[22]. كانت أعمال الفارابي وغونديسالفي، في جملتها، ذو دور فعال في نشر تقسيم منهجي للعلوم التي ضمّت مجموعةً زاخرةً لأعمال أرسطو، وطيفًا واسعًا من العلوم الأخرى، حيث لم يكن أكثرها معروفًا لدى الغرب اللاتيني من قبل.

 

  1. علم المنطق

يعدّ تأثير العربية، حال استثنينا الأخلاقيات، في علم المنطق نحيلًا إذا ما قورن بالمجالات الأخرى، وذلك يعود إلى أن قليلًا من النصوص العربية في المنطق كانت قد تُرجمت إلى اللاتينية. وكانت ترجمة جزء إيساغوجي من كتاب (الشفاء) لابن سينا من أكثرهن تأثيرًا، الجزء الأول من (مقاصد الفلاسفة)، الجزء الذي أعاد فيه الغزالي صياغة منطق ابن سينا. أصدر رامون لول ملخصًا عربيًا وافيًا لنصوص الغزالي، ثم قام بترجمته بنفسه إلى اللاتينية[23]. كما يمكن إضافة (إحصاء العلوم) للفارابي إلى المصادر السابقة ذات النفوذ في علم المنطق، حيث احتوى الكتاب على مادة زاخرة في المجالات المنطقية. كانت ترجمة هيرمانوس أليمانوس لشروح ابن رشد على (الخطابة) ذات أهمية لأنها بقيت المصدر الوحيد المتاح للخطابة الأرسطية في القرون الوسطى، إلى جانب أنه كان غنيًا بالنقولات من المخطوطة (راجع Burnett 1997 لمعرفة تأثيره في الرأي السلبي للشاعر فرانشيسكو بتراركا عن الشعر العربي). بقيت الترجمات الأخرى للنصوص بلا تأثير يذكر، كترجمات ويليام من لونا لشروح ابن رشد الخمسة على نصوص أرسطو في المنطق، أو ترجمات ابن رشد المستمدة من النسخ العبرية في عصر النهضة. مما يعني، باختصار، أن الغرب اللاتيني لم يكن قد اطلع على الجوانب المبتكرة في علم المنطق العربي، مثل القياس ومنطق الموجهات [modal logic) [24).

      ومع هذا، كان هنالك العديد من المذاهب الأخرى في علم المنطق العربي ذات أثر قوي. من بينها نظرية ابن سينا في موضوع علم المنطق، والذي يرتبط بمذهبه للمعاني المعقولة الأولى والثانية. زعْم ابن سينا الرئيسي هو أن علم المنطق يتعاطى مع المعاني المعقولة الثانية. وكان قد ناقشه في جزء علم المنطق في كتابه (الشفاء)، إلا أنه زاده إيضاحًا بمفردات تقنية في جزء الإلهيات (الإلهيات، المقالة الأولى، الفصل الثاني)، فقال:

“والعلم المنطقي، كما علمت، فقد كان موضوعه المعاني المعقولة الثانية التي تستند إلى المعاني المعقولة الأولى من جهة كيفية ما يتوصل بها من معلوم إلى مجهول.”

في هذه الجملة، تُرجمت كلمة “معنى” إلى مفردة intentio في اللاتينية.

      ملاحظة مختصرة على هذه المفردة: يغلب إلى حد بعيد على الترجمة من العربية إلى اللاتينية استخدام مفردة intentio مقابل كلمة معنى، فترتب عليه أن اكْتست مفردة intentio، على نحو مشابه للمقابل العربي، على دلالة لفظية ذات نطاق واسع. فنجد أن مفردة معنى في نصوص ابن سينا تعني “الإدراك” أحيانًا، إلا أنها قد تعني أيضًا “معنى” لمفردة ما، أو شيئًا “معقولًا” بالتفكير، أو شيئًا “محسوسًا” بالوهم لا الحواس الخارجية (للمزيد عن الوهم، راجع كتاب النفس، المقالة الخامسة، الفصل الأول). أما في أبستمولوجيا ابن رشد، فإن لمفردة معنى معنًا محددًا، كموضوع الذاكرة (object of memory)، ومعنًا عامًا، كالمحتوى المجرد للحس (abstracted content of sensory) في تمثّله التخيلي أو المعقول[25].

      عُرّفت المعقولات الثانية، في نظرية ابن سينا في المنطق، بأنها خصائص المعاني، والتي تكتسيها حال استُخدمت في كسب المعرفة، فتكون -على سبيل المثال- موضوعًا أو محمولًا، أو مقدمة منطقية أو قياسًا منطقيًا. يؤكد ابن سينا بهذا أن لعلم المنطق موضوعه الخاص، ومن هنا يصبح جزءًا ذو مكانة مرموقة من الفلسفة، لا مجرد آلة للمعارف الفلسفية[26]. ونجد أن تعريف ابن سينا لعلم المنطق يظهر جليًّا عند دومينيك غونديسالفي (De divisione philosophiae 150). لقد تبنّى كتّابٌ لاتينيون آخرون أطروحة ابن سينا القائلة بأن موضوع المنطق هو في المعاني المعقولة الثانية، أمثال روجر بايكون وتوما الإكويني، واتبّعهما كتاب متأخرون، أمثال روبرت كيلواردبي، ورادولفوس بريتو، وهيرفايوس ناتاليس، وبيتر أوريول، ودانز سكوطس، وويليام الأوكامي[27].

      وفي المعاني المعقولة الأولى والثانية خلاف حول الفرق بينهما، وإلى ماذا يحيلان، وما ماهية منزلتهما الأنطولوجية؛ وهذا الخلاف يتسع في الأبستمولوجيا وفلسفة العقل. يعدّ روجر بايكون من المساهمين المهمين في هذا الجدال، فقد عرّف المعقولات بأنها الصورة الذهنية المعقولة، وتعني التماثلات الذهنية للأشياء. أما هيرفايوس ناتاليس وبيتر أوريول، واللذان أخذا (بصرف النظر عن اختلافهما في كثير من المسائل) بمذهب أن المعقولات ليست متطابقة مع الأشياء الموجودة خارج الذهن ولا مع كيفيات العقل؛ بل إن لها “وجودها المعقول” (esse intentionale)، والذي نتج عن فعل معرفي[28]. وقد انتقد كل من الاسمانيين والواقعيين هذا الموقف، فنجد ويليام الأوكامي، ذو المذهب الاسماني، معارضًا لتجسيد المعقولات، وأخذًا بالرأي القائل بأن المعقولات دائمًا ما تكون إشارات طبيعية في الذهن؛ بينما تكون المعقولات الثانية إشارات طبيعية دالة على إشارات طبيعية أخرى[29]. وقد رفض والتر برلي، ذو المذهب الواقعي، فكرة أن المنطق، بصفته علمًا يُعنى بالمعقولات الثانية، قد استمر إلى حد بعيد في كونه موضوعًا فلسفيًا خلال القرن السادس عشر، خاصة عند التوماويين والسكولاستيين.

 

  1. الفلسفة الطبيعية

تعد الفلسفة الطبيعية المجال الذي شهد أكبر عدد للترجمات اللاتينية من العربية. إلى جانب أن الفلاسفة العرب كانوا نشيطين فيه بشكل ملحوظ، فقد أفرد الفلاسفة اللاتينيون له عناية خاصة أيضًا. لقد بلغت الفلسفة الطبيعية العربية الغرب اللاتيني أبكر من باقي المجالات الفلسفية الأخرى. حيث نُقل كم هائل من المواد الفلسفية من التراث الإغريقي العربي إلى الغرب اللاتيني، كترجمات النصوص الطبية والفلكية في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر. وتحت نفوذ هذه المصادر العربية، شرح كُتّاب لاتينيون في القرن الحادي عشر الظواهر الطبيعية بعزوها إلى العناصر الأربعة، والكيفيات الأربعة، والمخاليط الأربعة، والأرواح الثلاثة (الطبيعي، والروحي، والحيواني) وأعضائها، وتموضع قوى النفس في التجاويف المختلفة في الدماغ، والتمييز بين العالم القمري والسماوي، والحركة الدورية للأجسام السماوية؛ وهذا عبر توظيف مفاهيم أرسطية، مثل الصورة والمادة، والفعل والانفعال، والعلّة والمعلول. ومع أن الكثير من الكُتّاب اللاتينيين في القرن الثاني عشر قد واصل فهم الطبيعة بواسطة التراث اللاتيني الميسحي، إلا أن آخرين، في سياق ما يسمى بـ”مدرسة تشارترس“، مثل ويليام من كونتشز، وأديلار الباثي، وهيرمان الكارينثي، وبرناردوس سيلفيستريس، كانوا قد استمدوا الكثير من المصادر الطبية والفلكية الجديدة، والتي غالبًا ما تُدمج مع مذاهب أفلاطون في (طيماوس)[30]. وقد يفعلون هذا أحيانًا بتقسيم صريح لأفكارهم إلى قسم يتبع آباء الكنيسة، وآخر يتبّع الفلاسفة وعلماء الطبيعة (physici) حيث تتكامل المواد فلسفية من النواميس اللاتينية والعربية.[31]

      أصبح تأثير العربية في الفلسفة الطبيعية ضخمًا بعد الترجمة لكل من ابن سينا وابن رشد، خاصة في علم النفس (وهو ما ستناقشه المقالة لاحقًا بإسهاب في الفصل الخامس منها). بل وطال أثر المصادر العربية، والتي يتزّعمها شروح ابن رشد، إلى مجالات أخرى كالفيزياء، والكوزمولوجيا [علم الكونيات]، وعلم الحيوان. فلقد أثرت عدد من الأطروحات المستمدة من شروح ابن رشد المسهبة على (الفيزياء-السماع الطبيعي) و(في السماوات) على التاريخ القروسطي اللاتيني للفيزياء والكوزمولوجيا: منها شرح حركة القذيفة (كقذيفة صخرية مثلًا) بصفتها حركة متعاقبة للمتوسط؛ والأطروحة القائلة بأن الحركة والزمن مختلفان في الواقع، في حالة واحدة، عندما يتعلق الأمر بعدد الأنفس (numbering souls)؛ والنظرية القائلة بأن الأجسام السماوية في مكانها بحكم الصدفة فقط، وبمقدار ما تتحرك حول الأرض بصفتها مركزها [32].

      تعدّ مسألة “الصورة الجسمية” أحد المسائل التي اختلف فيها ابن سينا وابن رشد، حيث جادل الأول أن الصورة المشتركة للمادة الأولية هي ركن الصورة الجسمية للفرد، في حين رفض ابن رشد أن “الصورة الجسمية” صورة تقع في فئة الجوهر؛ فهي مجرد عرض، يمكن تعيينه بواسطة ثلاثية الأبعاد المبهمة [indeterminate three-dimensionality) [33). وقد رفض توما الأكويني فكرة أن يتقدم وجود الصورة الجوهرية في المادة على النفس المفكرة [34]. هذا وقد ذهب آخرون بمذهب ابن سينا، مثل هنري الغنتي، ودونز سكوطس، وبهذا خُدمت نظرية تعدد الصور الجوهرية. أصبح كون أن للمادة الأولية فعلها الخاص مبدأً يُعرف به حزب الفرنسيسكان في كفاحهم المذهبي ضد الدومينيكانية. استمر الجدال حول مفهوم الصورة الجسمية[35] على هذا النحو حتى القرن السادس عشر[36].

       انتقيت في هذه المقالة ثلاثة عناوين بارزة في الفلسفة الطبيعية لمزيد من التحرير: أزلية العالم، وبقاء العناصر في المركب، والتكوّن التلقائي.

 

   4.1 أزلية العالم

كانت نظرية الإغريق حول أزلية العالم بمثابة تحدٍ للمنظور المسيحي عن العالم، وقد دعمت المصادر العربية هذه النظرية مما صعد من حدّة التحدي. وذلك بدمج ابن سينا لها مع تصوّره الميتافيزيقي لله بصفته “واجب الوجود”، وبصفته العلة الأزلية والفاعلة لوجود العالمين القمري والسماوي، وبدمج ابن رشد للنظرية مع تصوّره عن الله بصفته المحرك الأول، والذي ثبت وجوده في الفلسفة الطبيعية. اتهم جايلز الروماني في كتابه أخطاء الفلاسفة (Errors of the Philosophers) كلاً من ابن سينا وابن رشد بالكثير من الأخطاء، إلا أنه اعتبر أزلية العالم أكثرهن بروزًا. فقد هوجم ابن رشد، على وجه الخصوص، لمعارضته “الأكثر شدّة حتى من المعلم الأول [أرسطو] لهؤلاء الذين تبنّوا الزعم القائل بأن للعالم بداية.”[37] كان الأسقف الباريسي إيتيان تومبيير يشجب أزلية العالم، وما اتصل بها من أطروحات، في عامي 1270 و 1277 بأنها هرطقة.

      في القرن الثالث عشر وما تلاه، ناقش السكولاستيين المسألة بتوسع، فهم مع انتهائهم إلى مواقف متباينة، إلا أنهم أجمعوا على أن الرب قد خلق العالم في زمن ما، مما يعني أنهم لم يتبنّوا موقف كلٍ من ابن سينا وابن رشد على نحو تام. لقد استمد النقاش السكولاستي الكثير من حججه من الأساطين العربية، ويجب أن نخصّ بالذكر شروح ابن رشد على (الفيزياء-السماع الطبيعي) و(في السماوات)، وكتاب (الإلهيات) لابن سينا. يمكن تتبع أول أثر للعربية في كتاب Summa de bono للمستشار فيليب (يعود تاريخه إلى 1225-1228). كما تبنى توماس اليويوركي، على سبيل المثال، تعليل ابن رشد للأدلة الأربعة الرئيسية في المسألة[38]. لم تكن القطع المستمدة من النصوص العربية تُوظّف للدفاع عن أطروحة أزلية العالم فحسب، بل كانت تُوظّف لمهاجمتها على حدٍ سواء. غالبًا ما كان يُستشهد بهذه المحاججة بالذات من كتاب الغزالي (مقاصد الفلاسفة): إذا كان العالم أزليًا، فهذا يستلزم وجود عددٍ لا نهائي من النفوس الإنسانية (الخالدة) الآن، وهذا ممتنع[40]. كما يعتبر كتاب (دلالة الحائرين) لابن ميمون مصدرًا آخر مؤثّر في المباحثة اللاتينية[41]؛ فقد جادل ابن ميمون على أن كلًا من أزلية العالم وحدوثه جائز فلسفيًا.

      يعدّ كتاب توما الأكويني (الخلاصة في  الجُمل)[42] مثال جيد على تأثير المصادر العربية. فمن بين الحجج المؤيدة لأزلية العالم، والتي اُستمدت من ابن رشد، هي أن هنالك، دائمًا، وقت ثانٍ في الزمن سابق لوقت في الزمن؛ وأن الحركة هي العلة الوحيدة والممكنة للتحول من السكون إلى الحركة؛ وأنه إن كان للعالم بداية، فإن الخواء سيكون سابق له[43]. كما استشهد الأكويني بابن سينا بصفته يتبنى الرأي القائل بأن إرادة الله غير متغيرة ولا تبدأ من جديد أبدًا (حجة كان قد طوّرها ابن رشد أيضًا)، ولهذا يستحيل أن يكون الله سابق للعالم في المدة، لأن هذا يتضمن أن الوقت وُجد قبل العالم وقبل الحركة (الإلهيات، المقالة الرابعة، الفصل الأول). إنه لمن الجلّي أن هذه الحجج قد أثّرت في استنباط الأكويني الذي خلص إلى أن أطروحة أزلية العالم هي الأكثر ترجيحًا من الناحية الفلسفية. بيد أنها، مثلها مثل الإبداع، تفتقد للبرهان التام. فمن منظور الإيمان، ما أزلية العالم إلا خطأ وهرطقة. يدافع توما الأكويني، على خلاف غالب شروحه، عن احتمالية الإبداع الأزلي في مقالته حول أزلية العالم (On the Eternity of the World)، وبهذا يكون قد قارب بين موقف ابن سينا ومفكرين آخرين من الأفلاطونيين الجدد.

      كانت مواقف بعض من أساطين الفنون حول أزلية العالم، في بعض الحالات، جدُّ مستفزة. ففي نظر سيجر الباربنتي، فإن الفيلسوف الطبيعي منتهٍ لا محالة إلى استنتاج أن العالم خلق أزلي، في حين أن الميتافيزيقيين قد أقرّوا بأن إرادة الرب شيء غامض، ومن هذا المنطلق، لا يمكننا بلوغ درجة اليقين إذا ما كان العالم أزليًا أم لا[45]. أما بالنسبة لبوثيوس الداقي، فإنه يرى أن على الفيلسوف الطبيعي أن يستدل على الحركة الدائمة من مبادئ الفلسفة الطبيعية، ومع أنه قادر على إثبات وجود العلّة الأولى، إلا أن الميتافيزيقي غير قادر على إثبات عمّا إذا كان العالم يشارك العلّة الأولى في الأزلية أم لا في حال وُضعت غموض إرادة الرب بعين الاعتبار[46]. يتشارك الكاتبان قناعة واحدة، وهي أن على الفيلسوف الطبيعي أن يخلص إلى أزلية العالم، وهذا ما كان فيه استفزاز للمعارضة اللاهوتية. إن حجج هذا الاستنتاج مبنية، وإلى حد كبير، على المصادر العربية.

 

 

     4.2 العناصر في المركب

يُعرف كل من ابن سينا وابن رشد في الغرب اللاتيني بالعدوين اللدودين إذا ما تعلق الأمر بسؤال طال الجدال حوله حول نظرية العناصر، خاصة في القرن الرابع عشر. فإذا كان معلومًا أن كل الجواهر الفيزيائية (باستثناء العناصر ذاتها) مزيج من العناصر، فكيف للعناصر أن تبقى بالفعل فيها؟[47] أجاب ابن سينا بأن الصورة الجوهرية للعناصر تبقى دون تغيير حين يتشكل المركب؛ أما خصائص العناصر فتتغير وتتآلف في كيفية وسط (qualitas media)، أو في مزاج (complexio) وسط. ينظّم المظهر المادة لتحظى بالصورة الجوهرية للمركب من واهب الصور (dator formaru)، ألا وهو العقل الفعّال (الشفاء: كتاب الطبيعيات، المقالة الأولى، الفصل العاشر؛ في الكون والفساد، الفصل السادس). تكمن المشكلة في هذا الموقف -كما لاحظ كثير من والسكولاستيين- في أن هنالك العديد من الأجسام المندمجة في جسم واحد، ولكنها لا تشكل مزيجًا متجانسًا. كما يرفض ابن رشد نظرية ابن سينا، ويجادل بأن الصور الجوهرية للعناصر تنحسر في المركب[48]. فصورة المركب “تتألف” من الصور العنصرية[49]. ولكيلا يخالف مبدأ أرسطو في أنه لا يمكن للصور الجوهرية أن تنحسر أو تتعاظم (فالإنسان ليس بأكثر إنسانية من إنسان آخر)، جادل ابن رشد أن الصور العنصرية ليست صورًا جوهرية بالمعنى التام.

      اقترح توما الأكويني بديلًا ثالثًا فعّالًا، فجادل بأن الصور الجوهرية للعناصر تُباد، وتبقى الكيفيات وحدها لتساهم في المزيج. يشارك الأكويني فكرة ابن سينا القائلة بأن كل صورة تستلزم تنظيمًا ماديًا معينًا، وهي الخاصية المتوسطة التي تميز المركب. إلا أنه انحرف عن مسار ابن سينا في جزئية أن صور العناصر ليست محفوظة؛ فهي موجودة في المركب بالقوة فقط، وبهذا تبقى قدارتها[50]. وقد وجد موقف الأكويني الكثير من الأنصار. بيْد أن عيبه هو أنه لا يمكننا صدقًا إطلاق وصف “مزيج من العناصر” على الأجساد الفيزيائية.

      غالبًا ما تُذكر نظرية ابن سينا في بقاء الصور الجوهرية، إلا أنه من النادر القبول بها في الغرب اللاتيني. بينما وجد موقف ابن رشد القائل بأنه يمكن للصور العنصرية أن تنحسر أو تتعاظم الكثير من الأنصار، من بينهم هنري الغنتي، وبيتروس جوهانس أوليفي، وريتشارد الميدلتوني، وجون الجوندوني، وعدد من أعضاء مدرسة ميرتون في القرن الرابع عشر[51]. كما أن الكثيرين قد قبلوا بموقف ابن رشد مع بعض التنقيحات، خصوصًا فيما يتعلق بإعادة تأويل أطروحة الكثافة والانحسار للصور العنصرية. فقد جادل كل من هنري باتي وثيودوريك الفرايبرغي بأن الصور المنحسرة تأخذ صفة للصور بالقوة، وبهذا تتصل بمواد المركب؛ إن صورة المركب صورة مُضافة لهذه الصور المنحسرة. وفي المقابل، فإن دمج الصور المنحسرة -عند ابن رشد- متطابق مع الصورة الجديدة للمركب.  استمر الجدل حول المسألة حتى عصر النهضة. وكان هنالك خلاف حتى بين اتباع ابن رشد. فبعضهم تبنى الرأي القائل بأن صورة المركب أُضيفت إلى صور أخرى، مثل ماركنطونيو زيمارا، بينما جادل آخرون ضد هذه الفكرة مثل جاكوبو زاباريلا [52].

 

     4.3 التكوّن التلقائي

ما نعنيه بالتكوّن التلقائي هو تكوّن للحياة بلا وجود للأبوين، كما هو الحال مع الديدان التي تنمو في العفن، فقد كثر الجدل حول هذه المسألة في ميتافيزيقيا القرون الوسطى وطبيعياتها. لقد رسم التعارض بين تعليل كل من ابن سينا وابن رشد حدود النقاش إلى حد كبير حتى القرن السادس عشر. يرى ابن سينا أن التكوّن التلقائي يعتمد على مزج أنقى الأخلاط لخصائص عنصرية، والذي يؤدي إلى فيض للصور من العقل الفعال، بصفته واهبًا للصور (الشفاء: كتاب المعادن والآثار العلوية، المقالة الثانية، الفصل السادس)، في حين أن ابن رشد يعلله بتأثير معين للمجموعات الفلكية التي تحقق الصور بالقوة في الماء أو الأرض. كما اختلف ابن سينا وابن رشد حول الحالة الاستثنائية للتكوّن التلقائي لبني البشر. فابن سينا يرى أنها ممكنة، في حين أن ابن رشد يخالفه الرأي. يرى ابن رشد أن كل الحيوانات ذاتية التكوّن غير قويمة، بل هي حيوانات غير طبيعية ومشوهة الخِلْقة[53].

      هيمن تعليل ابن رشد على نقاشات الغرب اللاتيني لقرون عدّة. فقد جادل توما الأكويني قائلًا بأنه لا حاجة إلى افتراض وجود واهب الصور -كما ذهب ابن سينا- لتعليل التكوّن التلقائي، حيث أن القوة الفلكية كافية لولادة حيوان طبيعي من المادة المحضة. أما في حالة المخلوقات الأشد تعقيدًا، كالأحصنة وبني البشر، فلا يمكن ولادتها بذات القوة وحدها بدون تكوّن المني[54]. أطلق كُتّاب متأخرين لقب الوسطية (media via) على موقف توما الأكويني، والذي لم يكن إلا موقفًا متوسطًا بين موقفي ابن سينا وابن رشد برفضه لنظرية ابن سينا، وتنقيحه لموقف ابن رشد في معالجة التكوّن التلقائي بصفته ظاهرة طبيعية لا إعجازية.

      أصبح كل من نظرية ابن رشد في التأثير الفلكي و الوسطية لتوما الأكويني سائدتان في الغرب اللاتيني خلال القرون الوسطى. بيْد أن قليلًا من الكُتّاب قد اتبّعوا مذهب ابن سينا في إمكانية التكوّن التلقائي على بني البشر، ومن بينهم ألبيرتوس ماغنوس، وبلاسوس البارمي. كما اتبع مذهبه في عصر النهضة كل من بييترو بومبوناتزي، وباولو ريتشو، وتيبيريو روسيلي.[55] فذهب بومبوناتزي إلى أن التكوّن التلقائي يعتمد على تزامن الكوكبين العظيمين: المشتري وزحل، وبهذا يضيف نظرية عربية أخرى إلى النقاش: نظرية الأبراج التنجيمية في الاقتران العظيم لأبي معشر البلخي[56].

      كما تظهر لنا نسخة منقّحة لنظرية واهب الصور لابن سينا في نصوص جون بوريدان، وكان قد انحرف عن الموقف المهيمن القائل بأن صور بني البشر تأتي من الخارج -أي من الرب- في حين أن الحيوانات تُستخرج من المادة. وفي المقابل، يتبنى بوريدان الرأي القائل بأن كل الصور ممنوحة بواسطة جوهر روحي مفارق، والذي يلقبه بالرب. في حين يقف تأثير النجوم عاجزًا بضعفه وعيبه لتكوين الحيوانات عن شرح التكوّن التلقائي، فإن الظاهرة تدعم رأي بوريدان[57]. إلا أننا نفقد عنده نظرية ابن سينا في المخاليط التابعة للكيفيات العنصرية.

 

 

  1. علم النفس

أثر المؤلفات العربية -خاصة في علم النفس اللاتيني- جدُّ جلّي، واستمر هكذا إلى القرن السادس عشر. فيقدم ابن سينا وابن رشد -أشدّ فيلسوفين تأثيرًا- للغرب وظيفة علم النفس وفق الإرث الأرسطي، مع إثرائها بمذاهب الطب الإغريقي-العربي حول تجاويف [تقاعير] الدماغ، والأعصاب، والأرواح التي تنقل المعلومات في الجسم. منذ قرابة عام 1220 وما تلاه، يظهر النطاق الكامل للقوى المنسوبة لابن سينا (النفس النباتية، والحواس الباطنة والظاهرة، والقوى المحركة، العقل العملي والعقل النظري) في الدراسات اللاتينية لنواميس الفنون واللاهوت. بقيت هذه المنظومة من القوى معيارًا عامًا في الكتيّبات الفلسفية لوقت طويل، من كاتب فلسفة السهل (Philosophia pauperum) المجهول وكتاب مرآة الطبيعة (Speculum naturale) لـفنست البوفيهي في القرن الثالث عشر امتدادًا إلى اللؤلؤة الفلسفية (Margarita philosophica) في عام 1490. كما كان تعريف ابن سينا للنفس بأنها مادة مفارقة، وتجربته الفكرية للـ “الإنسان الطائر” مؤثر أيضًا[58].

      خالف ابن رشد عددًا من أطروحات ابن سينا المتعلقة بوظيفة علم النفس، كمسألة العضو الماس والآلة الماسة [59]، والانتقال المادي أو اللامادي للروائح، وإذا ما كان لبني البشر وهم أم لا. وهي مسائل طال الجدل حولها في التراث اللاتيني. لربما يمكننا القول بأن كل من نظريات الوهم، والعقل بالقوة، والعقل المستفاد، والعقل الفعال لابن سينا، يُضاف إليها أطروحة ابن رشد القائلة بوجود عقل واحد لسائر بني البشر، تعتبر من أكثر النظريات المستوردة من العرب تأثيرًا في علم النفس.

 

5.1 الوهم

جادل ابن سينا في كتابه (الشفاء: كتاب النفس، المقالة الأولى، الفصل الخامس؛ والمقالة الرابعة، الفصل الثالث) أن للبشر والحيوانات حسّ باطني مشترك يسمى الوهم[60]، والذي يُحسُّ بما نسميه بـ “المعاني” في الشيء، مثل شعور العداوة أو الألفة، فتحسّ الخِراف مثلًا بشعور العداوة في الذئب، فتحكم بوجوب الفرار منه. تبنّى كثير من الكتاب السكولاستيين العناصر الأساسية لهذه النظرية. إلا أن هنالك العديد من الجدالات حول عدد من المسائل. نجد في أولهن أن ابن رشد وتوما الأكويني (مقابل ابن سينا وألبرتوس ماغنوس وآخرين) قد جادلا بأن الوهم موجود عند الحيوانات فقط دون البشر. ولتقديم تفسير بديل لردّات الفعل الغريزية عند الإنسان، فقد جادلا بأنه ليس من الضروري افتراض وجود قوة أخرى إلى جانب القوة المفكرة (ratio particularis) كما سمّاه توما الأكويني[61]. قدّم الكُتّاب السكولاستيين ثاني الجدالات، حيث انقسموا حول ما إذا كانت المعاني تُحسُّ في الشيء، كما ذهب كل من ابن سينا وتوما الأكويني[62]، أو أنها مجردةً من الصور الحسيّة، كما جادل كل من ألبرتوس ماغنوس وجون بوريدان[63]. ثالثًا، كان هنالك خلاف حول فكرة “الحكم الحيواني” (animal judgment) التي روّج لها ابن سينا. جادل الإسمانييين -مثل آدم وودهام أن الحكم يتضمن، على الدوام، تكوين جمل معقّدة، وهذا يفترض مسبقًا وجود قدرات لغوية؛ فبالتالي، لا يمكن للحيوانات الحكم على الإطلاق [64].

 

      5.2 العقل الفعّال

يسود في النظرية العربية للعقل التمييز بين درجات ومستويات متعددة للعقل، بدءً من العقل بالقوة وصولًا إلى العقل الفعّال بشكل دائم، والافتراض المستمد من فلاسفة الإغريق المتأخرين القائل بأن العقل الفعّال وِحْدة مفارقة عن الإنسان. ميّز الفارابي، وابن سينا، وابن رشد العقل الفعّال بأقل الذكاءات الكونية (the lowest of the cosmological intelligences)، وجادلوا بأن العقل الإنساني قادر على الاتصال بالعقل الفعّال. تدرّس الغالبية الساحقة من الكتاب السكولاستيين بأن العقلين، العقل بالقوة والعقل الفعّال، جزأن من النفس، بيْد أن هنالك تبنٍ حالي للفكرة العربية التي تقول بأن العقل الفعًال عقل مفارق (مثل دومينيك غونديسالفي وبتروس هيزبانوس). ربط عدد من الكتّاب السكولاستيين العقل الفعّال بالرب متبعين ابن سينا وأوغسطين، وقد وصف العلماء المعاصرون هذا الرأي بـ الأوغسطينية الابن سينائية [Augustinisme avicennisant) [65). كان جان دي لا روتشيل من بين المتقدمين الذي اتبعوا هذا المذهب في كتاباته في علم النفس، والتي كُتبت في ثلاثينيات القرن الحادي عشر. يدّرس لاروتشيل العقل الفعال بصفته مصطلحًا يشير إلى عقل الرب، أو الملائكة، أو للضياء الداخلي لبني البشر، وتعيين هذا يعتمد على ماهية الأشياء العقلية التي يدركها العقل الإنساني[66]. يعود هذا المذهب إلى الظهور في أربعينيات القرن الحادي عشر، في سوما فراتريس ألكسندري[67] وفنست البوفيهي. وجاء متبعون آخرون لاحقًا، كروجر بايكون، وجون بيكهام، وروجر مارستون، وفيدال دو فور[68]، وكذلك فعل هنري الغنتي في أجزاء من أعماله فحسب. بيْد أن بعض السكولاستيين لا يتفقون معه. وانتقد كل من آدم البكفيلدي وبونافينتشور، والأكويني، وذاك اللاهوتي الذي لم يسمّوه، ربط العقل الفعّال بالرب. الأدلة اللغوية تقول بأنهم يشيرون إلى المذكورين آنفًا بِدْأً من جان دي لا روتشيل[69]. يرفض الأكويني هذه الأطروحة لأنه أوّلها بمصطلحات إشراقية، ووجد بأنها تتعارض مع نظريته في الأبستمولوجيا التجريدية[70]. يجدر بنا الإشارة هنا إلى أن أبستمولوجيا ابن سينا تجمع كلا من الجانبين التجريدي والفيضي (emanationist)، كما أن نظريته في التجريد قد جذبت القرّاء اللاتينيين[71].

 

     5.3 العقول الأربعة

يميز ابن سينا بين أربعة أطوار للعقل الإنساني، وهي ليست بقوى مختلفة للنفس، بل مراحل مختلفة من التعقّل: ثلاثة عقول بالقوة، وتسمى بالعقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل؛ وعقل آخر مفكر بالفعل: “العقل المستفاد[72]“. حيث أن أول أنواع العقل بالقوة عبارة عن قوة محضة لمعرفة أي شيء؛ بينما للثاني الإمكانية لمعرفة البديهيات، مثل قولنا أن “الكل أكبر من الجزء”؛ أما الثالث فقد تحصّل على استنتاجاته بواسطة الاستدلال القياسي وبديهية الحدود الوسطى، لكنه لا يلقي لها بالًا في اللحظة الحاضرة. أما “العقل المستفاد” فينشأ حينما يتصل العقل الإنساني بالعقل الفعال[73]. ولهذه النظرية بالغ الأثر في نظرية العقل السكولاستية، وبالأخص في الفترة من دومينيك غونديسالفي إلى ألبرتوس ماغنوس. ورث السكولاستيين من ابن سينا مبدأ فكرته، حيث أقرّوا بأنه يمكن لنشاط العقل الإنساني أن يكون متفاوتًا في مراحل مختلفة من التطور التدريجي، ومتفاوت في أعمال مختلفة من التفكير القياسي[74].

     كانت المقالة المجهولة (De anima et de potentiis eius) لأحد نواميس الفنون الفارسيين خطوة مهمة نحو تقبل هذا المذهب[75]. فقد تبنى الكاتب الدرجات الثلاثة الأولى للعقل من ابن سينا، فالأول ذو قوة محضة، والثاني ذو معرفة بالفرضيات الأولية، والثالث ذو معرفة بالنتائج، ثم ضمّها مع تعاليم أرسطو في كتاب البرهان[Posterior Analytics) [76) حول معرفة العقل للبديهيات والمبادئ. وسار جان دي لا روتشيل على ذات النهج، فسمى نوع العقل الثاني بـ (intellectus principiorum)، والثالث بـ(intellectus conclusionum)، ثم وظف مصطلح بوثيوس في البديهيات للعقل الثاني: “الفكرة السائدة في العقل” (communis animi conceptioوهكذا دُمج مذهب ابن سينا مع نظرية البديهيات اللاتينية[77].

      نجد تأثير ابن سينا في أعمال ألبرتوس ماغنوس ممزوجًا مع تأثير ابن رشد، حيث يفرّق الأخير بين نوعين من العقل بمعزل عن العقل الفعال المفارق: العقل الهيولاني، وهو القوة المحضة (راجع قسم 5.4 في الأسفل)، والعقل النظري، وهو لإدراك المعقولات النظرية الحاصلة بالفعل. يعلمنا كل من ابن سينا وابن رشد أن اتصال الإنسان بالعقل الفعال يكون في لحظة التعقل. زعم ابن رشد، على وجه الخصوص، أن المعرفة الإلهية (God-like knowledge) ناتجة من الاتصال المثالي مع العقل الفعال، كما زعم أن اتصالًا كهذا ممكن في هذه الحياة[78].

     تبنى ألبرتوس ماغنوس مذهب ابن سينا في العقول الثلاثة بالقوة بطريقته وصياغته السكولاستية في نسخته المتقدمة من [De homine [79، إلا أنه حولها في أعماله الأخيرة، وتحت تأثير ابن رشد، إلى نظرية في الارتقاء العقلي. فيُسمى أعلى درجات العقل بـ”العقل المستفاد”، والذي ينتج عن اتصال بين العقل بالقوة والعقل الفعال، حيث أن كليهما جزء من النفس. في هذه المرحلة، يصبح العقل قادرًا على إدراك كل معرفة عقلية، كما يستغني عن الاستعانة بالحواس. وبفضل هذا العقل، يرتقي الإنسان ليصبح إلهيًّا[80]. يخالف توما الأكويني هذا بحدّة. فلا يستطيع العقل الاستغناء عن الحواس، حيث أنه في حاجة إلى الأوهام من أجل إدراك الصورة العقلية. ولهذا السبب، فإن المعرفة المثالية في هذه الحياة غير ممكنة[81].

 

    5.4 أطروحة الوحدة لابن رشد

يقول أشهر مذهب فلسفي لابن رشد بأن هنالك عقلًا واحدًا فقط لكل بني البشر. يسمى المذهب أحيانًا بـ”وحدة الأنفس” (monopsychism)، إلا أن هذه التسمية مشكلة، حيث أن أطروحة ابن رشد في الوحدة معنيّة بالعقل لا بالنفس. لنظرية ابن رشد غرض أبستمولوجي وأنطولوجي. فمن جهة، يريد ابن رشد أن يشرح كيف يمكن للمعقولات الكلية أن تكون معلومة. ويبرر، من جهة أخرى، زعم أرسطو القائل بأن العقل قوة محضة وبريئة من مخالطة الأجسام[82]. وقد أشكل على الكثير من القراء السكولاستيين مسألة ما إذا كان يمكن للعقل الهيولاني (أو العقل بالقوة)، في حال كانا الشيء نفسه، أن يكون صورة الجسم. لم يتناول ابن رشد هذه المسألة بنفسه مباشرة، إلا أن الكثير من أنصاره اللاتينيين فعلوا.

      لاتزال الدراسات الحديثة منقسمة حول أهمية الرشدية (averroistaفي القرن الثالث عشر (للمزيد، انظر في المرجع المذكور في هامش [83]). جادل بعضهم مثلًا أن “الأرسطيين الرادكاليين” في القرن الثالث عشر لم يكونوا “رشديين” بالمعنى الضيق[84]. إلا أن هنالك حالات أكثر وضوحًا، فقد وُجد على الأقل أربعة مجموعات من الكتّاب الذين يتبنون صراحةً أطروحة الوحدة في كتاباتهم مثل سيجير البرابانتي، ومن المحتمل أن يكون معه آخرين من أساطين الفن أواخر القرن الثالث عشر في باريس؛ كما أن هنالك مجموعة باريسية أخرى في أوائل القرن الرابع عشر متحلّقة حول توماس ويلتون، وجون الجوندوني، وجون بيكونثورب؛ وعديد من أساطين الفن الإيطاليين في جامعة بولونيا خلال القرن الرابع عشر؛ ومجموعة أكبر من كتّاب عصر النهضة الإيطالية، خصوصًا في مدينة بادوفا.

      عندما تُستخدم الرشدية في الاصطلاح اللاتيني (averroista) في القرون الوسطى، فإنها تشير إلى كتاب ينتمون إلى أحد هذه المجموعات. أصبح للمصطلح (averroista) استخدام في أواخر القرن الثالث عشر، لكنه بقي محصورًا في مناسبات محدودة. ظهر هذا المصطلح لأول مرة، كما يبدو لنا الآن، في مقالة حول وحدة العقل (On the Unicity of the Intellect) لتوما الأكويني. وتظهر زيادة (contra averroistas) على المصطلح في مخطوطات متأخرة، وهو ما لا يبدو أصيلًا. وقد كثر استخدام هذا المصطلح لعقود عام 1500 تقريبًا. كانت الرشدية مرتبطةً بأطروحة الوحدة بشكل رئيسي، كما أنها مرتبطة بنظريات عن أزلية العالم، وعلم الله بالعالم، والمادة الأولية، والسعادة[85]. اُستخدمت الرشدية أيضًا في عصر النهضة، بدلالة إيجابية، للإشارة إلى الخبراء في ابن رشد[86]. وبهذا يجب أن يكون الاستخدام التاريخي والحصيف لمصطلح “الرشدية” مرتبطًا باستخدامات القرون الوسطى وعصر النهضة. نعني بذلك معنيان، على وجه الخصوص، يبدوان مشروعين تاريخيًا لمصطلح “الرشدية”: أن يكون في الإشارة إلى تيّار تابع لابن رشد، ويتبنى مذاهبًا ثيولوجية مثيرة للجدل؛ أو في الإشارة إلى تيّار من الخبراء في ابن رشد. للمعنى الأول تاريخ أطول في تراث العصور الوسطى والدراسات الحديثة، ولهذا يُفضّل أن يكون المعنى المقصود حال استخدامه استخدامًا عامًا. استخدم بعض المؤرخين الحديثين مصطلح “الرشدية” بمعنى أكثر اتساعًا ليشمل كل تأثير لفكر ابن رشد[87]، وبالتالي، نجد ما يُدعى بـ”الرشديات” شامل -على سبيل المثال- لسائر الشروح اللاتينية على أرسطو في أواخر العصور الوسطى. بيْد أن هذا الاستخدام يتجاهل الجذور التاريخية لسائر معاني المصطلح.

      كان سيجير البرابانتي وجون الجوندوني أكثر رشديين شهرةً وتأثيرًا. جادل سيجير، في أول أعماله الرشدية وأكثرها صراحةً حول النفس، أن العقل المفارق والأزلي متحدان بالجسم اتحادًا تشيغليًا (operational union) فقط، وأن الصورة الحقيقية للجسم هي النفس الحساسة[88]. وتحت تأثير توما الأكويني وآخرين، نقّح سيجير موقفه لاحقًا. أما عند جون الجوندوني، فالنفس المفكرة، وهي بذاتها واحدة ومفارقة، تعمل داخل الجسم. فهي متحدة بالجسم عبر الاستعانة بالخيال فقط[89]. جادل رشديّا عصر النهضة، أوغسطينو نيفو ولوكا براسيسو، تضارب أرآء سيجير وجون الجوندوني: فقد أوّلا أن سيجير يرى بأنه يمكن لعقل الفرد أن يكون متحدًا بالجسم بصفته صورة، في حين يرى جون الجوندوني بأنه غير ممكن. طوّر رشديّ مؤثر آخر –جون بيكونثورب- النظرية المسمّاة بـ”الاقتران المضاعف” (double conjunction) بين العقل والأوهام الجسمية: واحدة أنطولوجية، وأخرى أبستمولوجية. يقتضي الاقتران الأنطولوجي ضمنًا اتحاد لعقل الفرد والإنسان بطريقة يصبح العقل فيها قوة إنسانية[90]. ومن بين أكثر الرشديين وضوحًا وصراحةً في عصر النهضة كان نيكوليتو فيرنيا (توفي عام 1499) ولوكا براسيسو (توفي عام 1533)[91]. كانت أطروحة الوحدة ناجحة بين الكتّاب اللاتينيين ليس لأن ابن رشد -بصفته المعلّق والشارح- قد أصبح سلطةً استثنائيةً في التعليم الجامعي فحسب، بل لأن أطروحته كانت جذّابة فلسفيًا، فلقد بيّنت إمكانية المعرفة بالكليّات، وأكدّت أن النفس المفكرة، وفقًا لزعم أرسطوا، ليست ممزوجة مع الجسم.

       كان أساقفة المدينة يدينون أطروحة الوحدة -ضمن مذاهب أخرى- في عامي 1270 و 1277 في باريس، وعام 1489 في بادوفا. كان العائق الرئيسي -من وجهة نظر لاهوتية- هو الصراع مع مذهب خلود الفرد. يقدم ابن رشد بنفسه الحجة الرئيسية والفلسفية المضادة، ثم صاغها توما الأكويني صياغةً قوية، والتي تقول -حسب صياغة الأكويني- بأنه لا يمكن لأطروحة الوحدة أن تفسر حقيقة أن “هذا الرجل الفرد يفكر” (hic homo singularis intelligit”, De unitate intellectus III”). الرد المعتاد لابن رشد وتابعيه أن الصور المعقولة مرتبطة بالإنسان الفرد بواسطة صور المخيّلة المتحققة، وهذا جزئي. وبهذه الطريقة، تصبح المعرفة الفردية بالصور الكليّة ممكنة.

      شهدت 1500 عقودًا من الصعود القوي لتيار الرشدية بحسب ما تتوفر لدينا اليوم من معلومات[92]. تُشير إلى هذا عدد من الأدلة: كالاستخدام المتكرر لمصطلح averrosta؛ وتبنّي عدد غفير من الكُتّاب لأطروحة الوحدة في أحد أعمالهم؛ وأخيرًا، حقيقة أن التفسير الصحيح لموقف ابن رشد الفلسفي قد أصبح أمرًا مُختلفًا فيه بين أنصاره (مثل نيفو، وترومبيتا، وزيمارا، وبومبوناتزي، وبراسيسو). فقدت أطروحة الوحدة جاذبيتها في وقت متأخر من منتصف القرن السادس عشر، ووافقه وصول توجهات جديدة للأرسطية، والتي قدمت شروحًا بديلة للتعقل الكليّ (مثل شروح ملانكتون، وزاباريلا، وسواريز)[93].

 

5.5 النظريات الطبعانية للنبوّة

تعدّ التأويلات الفلسفية للنبوة والمعجزات سمة نموذجية للفلسفة العربية. بيْد أن الغرب اللاتيني لم يكن عنده اطّلاع على تصوّر الفارابي للنبي-الفيلسوف، وزعيم المدينة الفاضلة، إلا عبر شذراتٍ من نظريات الكندي وابن سينا. انتقد توما الأكويني الخط العريض لنظرية ابن سينا الطبعانية للنبوة، والتي تصف النبوة بأنها ناتجة عن قوى استثنائية للنفس. كما يقرّ الأكويني بأن هنالك “نبوّةً طبيعية” تنتج عن اتصال للخيال الإنساني والعقل مع الأجسام الفلكية والملائكة، في حين أن “النبوة الإلهية” تعتمد كليًّا على الله، لا على استعداد النفس الإنسانية[94].

      من بين خصائص نظرية النبوة، تلقّى عمل المعجزات على أغلب اهتمام الغرب اللاتيني. كان شرح كل من الكندي وابن سينا للمعجزات طبعاني، بمعنى أن كلا النظريتين لا تشتملان على عوامل إلهية. يجادل الكندي في رسالته عن الأشعة (De radiis، نجت النسخة اللاتينية فقط)[95] ما يلي: إذا كان المرء يتصوّر في خياله صورة جسمانية، فالصورة تفترض وجودًا هيولانيًا في الروح (spiritus)، والتي تنتمي إلى القوة. والروح بدورها تبعث أشعّة تستحيل بها الأشياء في العالم الخارجي[96]. وقد صاغ ابن سينا البديل لنظرية الانبعاثات هذه، وهو من يزعم أن من بلغ من الناس بجسمه ونفسه إلى مرتبة التمام قادر على التأثير مباشرة في المادة الخارجية للعالم، وإحداث المطر، والمواسم المثمرة، وهكذا دواليك بواسطة القوة المجرد للإرادة. وصل ابن سينا إلى هذه النتيجة بتعميمه لمبدأ يقول بأن هنالك أسبابًا نفسانية للتأثيرات الهيولانية[97].

      يرفض ألبيرتوس ماغنوس نظرية ابن سينا بعيدة المدى لأنها تنفصل عن القانون الأرسطي القائل بأنه لا وجود لعلة فاعلة بلا اتصال هيولاني[98]. يتبّع توما الأكويني بديلًا ثالثًا، وهو أنه يمكن للقوى النفسانية تحريك متوسط متخلّل، وهكذا يفعل بالأشياء الخارجية بطريقة غير مباشرة، وهو ما يفسّر الضرر الذي تسببه الإصابة بعين الحسد. يستعير الأكويني قِطعًا من كتاب أرسطو عن الرؤى (On Dreams) تقول بأن الهواء يُحرَّك ويتأثر بعيني المرأة الحائض![99]. إلا أن المعجزات الحقيقية تأتي من الله[100]. وفي وقت لاحق من العصور الوسطى، أثبتت النظرية الأرسطية للمتوسط القابل للتحريك أنها أكثر نجاحًا من نظريتي الانبعاثات والفعل من بعد للكندي وابن سينا. إلا أن روجر بايكون كان استثناءً، فلقد درّس أن بعض الأفراد قادرون على بعث “القوى، والصور، والحرارة” لكي تغيّر في الأجسام الخارجية. يوظّف بايكون الانبعاثات للكندي لكي يفسّر السحر بصفته ظاهرة طبيعية بحتة[101].

      بلغت النظريات العربية في المعجزات ذروتها في عصر النهضة[102]. يفسّر مارسيليو فيسينو في كتابه اللاهوت الأفلاطوني (Theologia platonica XIII.4.8–9) التأثير بعيد المدى لعين الحسد بنموذج يذّكر بالانبعاثات للكندي، فتُفسّر عين الحسد بأنها أبخرة تنبعث من عيني الساحر، والتي تنتهي إلى الضحية فتصيبه بالأذى. ولا يمكن أن تتحقق المعجزات الحقيقة -على كل حال- بدون عون من الله. يتبنى أندريا كاتاني[103] (توفي عام 1506) صراحةً نظرية ابن سينا القائلة بأن النفوس الشريفة قادرة على التأثير في العالم الخارجي بلا توسّط، لكنه ربط هذه القدرة الاستثنائية بالإلهام من روح القدس. مثل هذه التحفّظات لا تظهر في تبني بييترو بايرو (توفي عام 1558) للنظرية. كان بييترو بومبوناتزي (توفي عام 1525) قد ناقش موقف ابن سينا، لكنه فضّل نظرية الانبعاثات. فقد شرح معجزة معاصرة له في مدينة أكويلا بأنها انتقال للأبخرة التي تصدر من عيني الرائين[104].

 

  1. الميتافيزيقا

يعدّ كتابي (الإلهيات) -من مجموع كتاب (الشفاء) لابن سينا، ويُشار إليه هنا بميتافيزيقا ابن سينا[105]– و (تفسير ما بعد الطبيعة) لابن رشد أكثر مصدرين عربيين أهمية للميتافيزيقا اللاتينية في القرون الوسطى[106]. قدمت مقالة ابن سينا الميتافيزيقا بصفتها منظومةً معرفيةً تامة ومدموجة مع تراث أرسطي وأفلاطوني حديث. وأثبتت شروح ابن رشد وتعليقاته أنها آلة لا غنى عنها لفهم نصوص أرسطو، كما أنها قد قدمت بديلًا لموقف ابن سينا في عدد من المسائل المهمة. يضاف كتاب كلام في محض الخير، ويُعرف أيضًا بـ كتاب العلل (liber de causis)، إلى قائمة النصوص بالغة التأثير. أعاد فيها الكاتب العربي المجهول ترتيب قِطَعٍ من كتاب بروقلس عناصر اللاهوت (Elements of Theology) من منظور توحيدي وخلقوي وأفلاطوني، ثم دمجهن مع مذاهب مستمدة من المصادر الأفلاطونية والأرسطية. أصبحت النصوص اللاتينية جزءًا من المنهج الإلزامي للدراسة في كلية الفنون في باريس في عام 1255، ومن ضمنها أعمال أرسطو، ومعها التأثير الذي تلقته النصوص من الشروح الغفيرة وتمتعها بنقل استثنائي وقع في أكثر من 237 مخطوطة[107]. لقد اُعتبر أن كتاب (كلام في محض الخير)، ولعهد طويل، أحد أعمال أرسطو الأصيلة. وعندما ترجم ويليام الموربيكي كتاب (عناصر اللاهوت) لبروقلس إلى اللاتينية عام 1268، استطاع توما الأكويني معرفة أن بروقلس كان المرجع الرئيسي للنص. ومع ذلك، بقي كتاب (كلام في محض الخير) مشهورًا. فلقد شهد على تأثيره شروح لا يقل عددها -من القرن الثاني عشر حتى القرن الخامس عشر- عن 27 شرحًا [108].

 

6.1 موضوع الميتافيزيقا

كان من المعلوم بين السكولاستيين أن ابن سينا وابن رشد قد اختلفا في موضوع الميتافيزيقا. في أول فصلين افتتاحين من ميتافيزيقاه، يجادل ابن سينا بأنه لا وجود لعلم قادر على برهنة وجود موضوعه الخاص، ومن هذا المنطلق، فإن الله -وهو من أُثبت وجوده في الميتافيزيقا- لا يمكن أن يكون موضوعها الخاص. فموضوع الميتافيزيقا هو الموجود بما هو موجود. والمطلوب فيها هو معرفة ما يلحق الوجود بلا شرط، مثل علّة الوجود، ومن بينها ويتقدّمها الله. وبما أن إثباتًا كهذا يمكن أن يبدأ حصرًا مع تأثيرات الله، ومع الحركة على وجه الخصوص، فقد رد ابن رشد بأن برهنة وجود المبدأ الأول غير ممكنة في الميتافيزيقا. ولهذا ينتمي إثبات وجود الله إلى الطبيعيات. فيجادل ابن رشد في (جوامع السماع الطبيعي) أن موضوع الميتافيزيقا هو الموجودات المتفرّقة، ومن بينها الله (بيْد أنه عزاها في أعمال أخرى إلى الموجود بما هو موجود)[109].

      فضّل أكثر الكُتّاب السكولاستيين موقف ابن سينا على موقف ابن رشد، إلا أن الخلاف داخل هذا الموقف السائد قد وقع حول النسق الذي يصل الله بموضوع الميتافيزيقا: الموجود بما هو موجود. ينبري ألبرتوس ماغنوس مدافعًا عن ابن سينا ضد نقود ابن رشد. فموضوع الميتافيزيقا هو الموجود بما هو موجود، في حين أن تقسيمات الموجود وأعراضه مما يجدر البحث عنه لاحقًا، ويدخل ضمنها الله والموجود الإلهي المفارق[110]. موقف توما الأكويني هو الآخر متأثر إلى حد بعيد بابن سينا، فموضوع الميتافيزيقا هو الموجود بما هو موجود (ens commune)، بحيث أن الله هو غاية هذا العلم بقدر ما أنه هو سبحانه علّة لسائر الموجودات[111]. بيْد أن الأكويني قد جادل -على خلاف ابن سينا- بأن الله هو الموضوع الخاص لعلم آخر، علم يحوي المبادئ التي تُبلّغ بالوحي، ألا وهو اللاهوت[112].

      كان هنالك ثلاثة مواقف مبدأيه في هذا الصدد في الغرب اللاتيني[113]: جعل ألبرتوس والأكويني من الله موضوعًا للميتافيزيقا بصفته علّة الموضوع فقط؛ بينما تمسّك الفريق الآخر، ومن بينهم روجر بايكون وغايلز الروماني، بالرأي القائل بأن الله واحد من بين عدّة مواضيع للميتافيزيقا؛ ويجادل الفريق الثالث بأن الله جزء من موضوع الميتافيزيقا. وقد صاغ هنري الغنتي الموقف الأخير صياغةً مؤثرة[114]، وأخذ به الكثير من الكُتّاب، كان من بينهم دانز سكوطس. ثم طوّر سكوطس وجهة نظره الخاصة به مقابل تقاليد ابن سينا، وابن رشد، وهنري الغنتي. فهو يوافق ابن سينا في أن الموضوع هو الموجود بما هو موجود، إلا أنه يؤوّل معنى الموجود بصفته شاملًا لسائر الموجودات، سواءً كانت مادية أم لا، وبالتالي فهي شاملة لله. ومن هنا، فإن معنى الموجود يفترض العموم، والذي يتيح لله أن يكون مشمولًا في موضوع الميتافيزيقا[115].

 

6.2 التصوّرات الأولية

يجادل ابن سينا في الفصل الخامس من المقالة الأولى من كتابه (الشفاء: كتاب الإلهيات) أنه بقدر ما يكون هنالك جُمل أولية وبيّنة بنفسها، بقدر ما يكون هنالك أيضًا مفاهيم أصيلة، وترتسم في النفس ارتسامًا أوليًا، وبيّنة بنفسها، وهذا أمر مشترك مع سائر الموجودات: “الموجود”، “والشيء”، “والضروري”. وبسبب المعاني المرتسمة في النفس ارتسامًا أوليًا (primum cognitum) لابن سينا، أصبح المبحث الأولي للمعرفة موضوعًا مركزيًا في ميتافيزيقا القرون الوسطة اللاتينية. أُجيبت مسألة المعاني المرتسمة في النفس ارتسامًا أوليًا بطرق متعددة. فعند غيبرت التوراني، وبونافنتور، وهنري الغنتي، فإن الله معنًا مرتسم في النفس ارتسامًا أوليًا[116]، وعند توما الأكويني ودانز سكوطس هو الموجود، وعند برثولد من موسبورغ هو الخير. توما الأكويني مثال على من تأثّر بنظرية المعاني المرتسمة في الذات ارتسامًا أوليًا لابن سينا. يجادل الأكويني أنه لا يمكن أن يكون هناك تمادٍ في الكلام إلى غير نهاية، لا في حالة البرهان ولا في حالة التعريف. ولهذا السبب يوجد التصوّر الأولي: “الموجود”. فهو أول ما يعقله العقل، وهو كليّ مطلق. بيْد أن الأكويني يبيّن أن حالتي التعريف والبرهان ليستا في ذات الدرجة. ينبني (fundatur) مبدأ التناقض على أساس تصوّري، حيث أنه يمكن حصره في الحدود التي يتألّف منها، ومن بينها ويتقدّمها “الموجود”[117].

      كانت نظرية ابن سينا في التصوّرات الأولية مصدرًا مهمًا لنظرية التصوّرات الترنسندتالية (transcendental)، والتي طورها الفلاسفة السكولاستيين في القرن الثالث عشر، مستمدين جدليّاتهم من تراث أرسطو، وابن سينا، والديونيسيين[118]. لم يكن انحراف ابن سينا إلى مناقشة الترنسندتالية مقتصرًا على تعاليم معيّنة عن مفاهيم “الموجود”، و”الواحد”، و”الشيء”، بل تجاوزه أيضًا إلى الفكرة العامة القائلة بأن التصوّرات الأولية كانت -أنطولوجيًا- أكثر شيوعًا حيث أنها حقيقة لكل شيء، كما أنها كانت -أبستمولوجيًا- معانٍ مرتسمة في النفس ارتسامًا أوليًا بما أنها بيّنة بنفسها وليست محصورةً على المفاهيم السابقة.

 

6.3 الماهيّة والوجود، الكليّات والأشخاص

يُعدّ التفريق بين الماهية والوجود، والذي عرفه الغرب اللاتيني عبر إلهيات ابن سينا (المقالة الأولى، الفصل الأول؛ والمقالة الخامسة، الفصلين الأول والثاني)، من أكثر من المذاهب الفلسفية من أصل عربي تأثيرًا. فقد كان له تأثير تاريخي قوي، حيث أصبح له أتباعًا ومناصرين من بين الفلاسفة واللاهوتيين من ثقافات عربية ويهودية ولاتينية[119]. وظّف ابن سينا هذا التفريق بين الماهية والوجود في مواضع ميتافيزيقية عدّة، فقد وظفّها -على سبيل المثال- في نقاشه في التصوّرات الأولية، والكليّات، والعلّة الأولى. يركز الاستعراض التالي على سياق الكليّات. فلبّ فكرة ابن سينا هو في التفريق بين مركبيّن اثنين من الكليات: الماهية والكليّة. فماهية “الفرسية” في ذاتها، وهو مثال ابن سينا في (الإلهيات، المقالة الخامسة، الفصل الأول)، ليست بكليّة ولا جزئية. ويضفي الوجود وحده -كونه متميز بذاته عن الماهية- صفة الكليّة أو الجزئية، وذلك بحسب ما إذا وجدت “الفرسية” في الذهن بصفتها كليةً أو في العالم الخارجي أو جزئية. يؤكد ابن سينا في بعض كتاباته أن هنالك كليّة فقط حيث وُجدت الماهية في أشياء عدّة في العالم الخارجي[120].

      تبنى توما الأكويني تفريق ابن سينا في كتابه المتقدم حول الوجود والماهيّة (De ente et essentia IV). يمكن اعتبار الماهية إما بذاتها، أو فيما يتعلق بوجودها في النفس، أو في الأشياء الجزئية. فالكلية والجزئية من أعراض الماهية، والتي هي بذاتها ليست بكلية ولا جزئية. تبنى توما الأكويني عبارة “أعراض الماهية” من ابن رشد[121]. وبالنسبة للأكويني، فإن الكلي ذو طبيعة مشتركة (natura communis)، بمعنى أن له وجودًا في العقل فقط. فالأشخاص ماهيّات متشخّصة بالمادة مع أبعاد كمّية، وهذا صحيح خلال فترة مبدأهم فقط؛ ثم يتبعه التشخّص بفعل الصورة. طوّر الأكويني في كتابات لاحقة مفهوم الماهية والوجود بحيث يصبح الوجود هو المحقق للماهية[122].

      كان غايلز الروماني مدافعًا شرسًا عن التفريق الحقيقي بين الماهية والوجود. فقد واجه -منذ أن وظّف مفردة “الشيء” (res) لكلا المفهومين- انتقادًا لتحويل “الوجود” إلى شيء، والذي بذاته يوجد فقط حال أُضيف إليه “وجود” شيء آخر، وهكذا دواليك بلا نهاية. عبّر عن هذه الحجة كل من سيجير البرابانتي وغودفري الفونتيني في صدد معارضتهم للتفريق الحقيقي[123]، إلا أن ابن رشد -من رفض تفريق ابن سينا بشكل قاطع في (تفسير ما بعد الطبيعة) هو من ابتدعها[124].

      في حين أخذ كُتّاب بالموقف المتطرف القائل بأن هنالك تفريق ذهني فقط بين الماهية والوجود، طوّر هنري الغنتي نسخة منقّحة لنظرية ابن سينا. فهو يميز بين الماهية في ذاتها وبصفتها موجودة في الذهن أو في العالم الخارجي. بيْد أنه عزى نوعًا محددًا للوجود إلى الماهية في ذاتها[125]: esse essentiae (الموجود الذاتي)، وهي علاقة الماهية الباطنة مع الله بصفته علّتها. في المقابل، فإن الـ esse essentiae هي الوجود بالفعل للماهية. وبالتالي، طوّر هنري نظريةً في كيفية وجود الماهيات قبل وجودها بالفعل في الذهن أو العالم، سائرًا على إشارة يسيرة ومبدئية لـ”الوجود الخاص” للماهيات في إلهيات ابن سينا (المقالة الأولى، الفصل الخامس).

      كما أُلهم دانز سكوطس بفكرة ابن سينا القائلة بأن الطبيعة المشتركة -(natura communis) كما يسميها سكوطس- ليست في ذاتها بكلية حقيقية ولا جزئية حقيقية، وأنها كلية فقط بصفتها شيء متعلق بالعقل. إلا أن لـسكوطس اعتبار مختلف للتشخّص: فالطبيعة المشتركة جزئية فقط بفعل “الحقيقة” الثانية في الشيء، وهو مبدأ التشخّص أو الاختلاف التعاقدي، والذي سماه كُتّاب متأخرون بـ (Eng: Thisness  / Latin: haecceitas). إن التمييز بين الحقيقتين -الطبيعة والـ thisness- ليس بحقيقي، بل هو صوري، بمعنى أن الاثنتين مختلفتين، إلا أنهما لا يوجدان بشكل منفصل عن بعضهما البعض على الإطلاق[126].

      إن تأثير الميتافيزيقا العربية ممتد أكثر بكثير مما توحي له هذه الإشارات المقتضبة إلى مفكرين معروفين حق المعرفة. فقد طال تأثير ابن سينا وابن رشد -خاصة في موضوع الميتافيزيقا وفي الماهية والوجود- كُتّابًا كثيرين عبر قرون عديدة بلغت الكتاب اليسوعيين أمثال بينديكتوس بيريرا، وبيدر دا فونسيكا، وفرانسيسكو سواريز[127].

 

6.4 العلّة الأولى وفيض العقل

يظهر لنا تأثير مفهوم ابن سينا عن العلة الأولى كونها لوحدها واجبة الوجود بنفسها ونظريته عن الفيض جدّ جليّ في القرن الثاني عشر. يميز دومينيك غونديسالفي -مترجم ابن سينا- في كتابه انبثاق العالم (De Processione mundiبين العلة الأولى، وهي “واجبة الوجود” (necesse esse)، والموجودات المخلوقة، وهي في ذاتها ممكنة الوجود وحسب. فسائر الكون منبثق من العلة الأولى. بيْد أن المبادئ المخلوقة أولًا ليست العقول، كما هي ميتافيزيقا ابن سينا، بل المبادئ الهيولانية والصورية للأشياء[128].

      لا يتبنى الكاتب المجهول لـ كتاب العلل الأولى والثانية (Liber de causis primis et secundis) –والذي يعود تاريخه إلى منعرج القرن الثالث عشر- التفريق بين الواجب الوجود والممكن الوجود، إلا أنه يصف عملية الفيض بمفاهيم هي في صميمها لابن سينا: فمن العلة الأولى يفيض الوجود المخلوق الأول، وهو العقل. وهذا العقل بدوره يفيض بسلسلة من العقول، حيث يكون العقل الفعّال أقلّها. يحدث الفيض في الثلاثيات: فبفضل نشاطه العقلي، يفيض من العقل صورة وجسم الفلك، وعقل آخر[129]. اعتمد الكاتب المجهول أيضًا على كتاب العلل (راجع بداية القسم 6 في الأعلى)، فوصف مثلًا هرمية العقول بأنها تناقص في القوة والوحدة[130].

      انجذب ويليام الأوفيرني كثيرًا إلى النظريات الميتافيزيقية والنفسية العربية (والتي غالبًا ما يعزوها بشكل عشوائي إلى “أرسطو وأتباعه”!)، ثم يناقشها بإسهاب، إلا أنه يرفضها في نهاية المطاف لأنها تتعارض مع الإيمان المسيحي. يناقش ويليام في كتابه حول الكون (De universe II.1نظام الفيض عند ابن سينا (وجوب سببية العلّة الأولى؛ وفيض العقول من العقل الأول نزولًا إلى العقل الفعال؛ والعقل الفعال بصفته العلّة الفاعلة للأنفس الإنسانية)، ثم يرفضه. ومع ذلك، فقد تبنى ضمنيًا المبدأ الميتافيزيقي: “الواحد من حيث هو واحد إنما يوجد عنه واحد” من ابن سينا[131]، ويصف العلة الأولى بكونها “واجبة الوجود بنفسها”[132].

      تبنى توما الأكويني وصف الله بـواجب الوجود من ابن سينا، فماهية الله هي وجوده الخاص[133]. وبادٍ لنا أيضًا أثر ابن سينا في قطعة جدُّ معلومة -قطعة “الطرق الخمسة” (quinque viae)- لبرهنة وجود الله في كتابه (الخلاصة اللاهوتية)[134]. يقدم البرهان الثالث بواسطة “الممكن والواجب”، فهو يؤسس الوجود لشيء واجب استنادًا إلى ذاته. هذا البرهان -رغم تلوّنه بميتافيزيقا ابن سينا- إلا أن مصدره المباشر كان كتاب (دلالة الحائرين) لابن ميمون (الجزء الثاني، الفصل الأول)، فمنه انطلق الأكويني ثم انحرف في نواحٍ ثانوية فقط. هنالك عنصر ظاهر في برهان كل من ابن ميمون والأكويني، وهو المقدمة المنطقية -والتي لم يصغها ابن سينا صراحةً- القائلة بأن كل إمكانية في العالم الخارجي مُتحققة في نهاية المطاف، وهذه نسخة مما يسمّى بـ “مبدأ التمام[135]. بيْد أن الأكويني يرفض نظرية الفيض لابن سينا. فإبداع العالم ليس عملية واجبة، ولا يحدث عبر الوسطاء كالعقول أو الملائكة. كما رفض أيضًا نظرية ابن سينا في العقل الفعال المفارق بصفته واهبًا لصور العالم القمري وبصفته المكان الأنطولوجي للمعقولات لأنها نظرية مضادة -في المقام الأول- لحجج الأكويني الأبستمولوجية[136]. وفي المقابل، يتبنى ألبرتوس ماغنوس ضمنيًا الكثير من نظرية واهب الصور (dator formarum) في عدد من كتاباته مع أنه غالبًا ما كان يرفع بصوته ناقدًا لها[137].

      نجد جاذبية موقف ابن سينا ظاهرة في أعمال سيجير البرابانتي. يعلمنا سيجير في بعض كتاباته أن الله -بصفته الموجود الأول- أبدع في الحال موجودًا واحدًا فقط، وأول جوهر لا مادي والذي منه تفيض العقول الأخرى، والأفلاك، وأخيرًا، العالم القمري، في عملية أزلية وواجبة. بيْد أن هذا الوجوب ليس كليًا، إلا أنه يجد حدوده في الإمكان وفي حرية الإرادة، حيث توجد الأخيرة في العالم القمري[138]. وفي المقابل، نجد أن دانز سكوطس شديد النقد لنظرية ابن سينا في وجوب سببية العلة الأولى. فلقد طوّر عدة أسباب ضدّها، وكان أهمها أنه يمكن أن يكون هناك إمكان فقط في العالم في حالة أن العلة الأولى لا تفعل بحكم الواجب[139].

      كان العديد من الأطروحات حول العلة الأولى والعقول -واللاتي كان ابن سينا مُلهمها- مدانًا عند الأسقف الباريسي في 1277، ومن بينهن الأطروحة القائلة بأن الله هو العلة الأولى الواجبة للعقل الأول وللحركات الفلكية[140]، وأن الله يلزمه فعل ما هو متوّلد عنه على الفور[141]، وأن العقل الفعال جوهر مفارق لعقل الإنسان[142]، وأن الأنفس الإنسانية خُلقت من العقول[143]. ومع هذا، فقد استمرت نظرية ابن سينا في العلة الأولى بالتأثير في النقاشات السكولاستية. وهذا يصدق مثلًا على برهان وجود الله، والذي استشهد به توما الأكويني. كما بنى كل من بيتر الأوفيرني، وهنري الغنتي، وكذلك دانز سكوطس على حجة ابن سينا عن الممكن الوجود والواجب الوجود[144].

      وُجّهت الإدانات أيضًا إلى نظرية الحتمية التنجيمية في عام 1270 و1277، وهي الأخرى مبنية على مصادر عربية[145]. ولا تشهد هذه الإدانات على تأثير الفلاسفة العرب على الوجه الصحيح، فقد كان ابن سينا ناقدًا لعلم النجوم لأسباب أبستمولوجية، كما ضمّن ابن رشد المذاهب التنجيمية في النظريات الأرسطوطاليسية السائدة حول تأثير النجوم. والأحرى أن الإدانات تُشير -في ذلك الحين- إلى الأثر العظيم الذي خلّفه المنجمون العرب، أمثال أبو معشر والقبيصي، في الغرب اللاتيني خلال القرن الثالث عشر.

 

  1. الأخلاقيات

يعدّ تأثير الكتابات الأخلاقية والسياسية العربيتين نحيلًا، وهذا عائد -في جزء منه- إلى الإنتاج القليل للفلاسفة العرب في هذين المجالين، ولأن الأعمال ذات الأهمية -في الجزء الآخر- لم تُترجم على الإطلاق (مثل كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي) أو لأنها تُرجمت في وقت متأخر جدًا كالقرن السادس عشر (مثل كتاب تفسير جمهورية أفلاطون لابن رشد). بيْد أن فلاسفة العرب قد مارسوا -بواسطة تعاليمهم حول العقل- دورهم في التأثير البالغ الأهمية في منطقة رمادية بين الأخلاقيات وعلم النفس، وعلى مبحث السعادة الإنسانية على وجه الخصوص.

      يتشارك كل من الفارابي، وابن سينا، وابن رشد الرأي القائل بأننا نبلغ السعادة عبر اقتران العقل الإنساني مع العقل الفعال المفارق. كما أخذوا بمذهب التفاؤل المعرفي الذي يرى أن هنالك أناسًا محددين وصفوهم بالفلاسفة، أو الفلاسفة-الأنبياء، قد حباهم الله بإمكانية الاقتران التام في هذه الحياة. نجد أن نظرية ألبرتوس ماغنوس في السعادة متأثرة جدًا بهذه النظريات العربية. كما ذكرنا مسبقًا، فلقد تبنى من كلٍ من ابن سينا وابن رشد مفهوم “العقل المستفاد” بصفته أعلى مراحل الاقتران بين العقل الممكن والعقل الفعال. يصبح الإنسان إنسانًا على وجه الحقيقة في هذه المرحلة فقط. يتأمل الإنسان الجواهر المفارقة بالاقتران مع العقل الفعال، وهذا يتّسق مع “السعادة النظرية” للإنسان (felicitas contemplative)، وهي سعادة ممكنة في هذه الحياة[146]. عارض توما الأكويني هذه المقدمات المنطقية الأبستمولوجية والنتيجة الأخلاقية لهذا الموقف، فبما أن المعرفة الإنسانية مقيّدة بالحواس، يصبح العلم بالجواهر اللامادية متعذر في هذه الحياة، وغير تام للسعادة الإنسانية[147].

      كان العديد من الأطروحات الفلسفية المتعلقة بالسعادة الإنسانية والحياة الخيّرة مُدانًا في عام 1277، مثل إمكانية تحقيق السعادة في هذه الحياة دون حياة أخرى[148]، أو أنه لا وجود لحالة (في الحياة) أفضل من دراسة الفلسفة[149]. ويبدو أن هذه المواد كانت قد وُجّهت لأساطين الفنون في باريس، ومن بينهم سيجير البرابانتي وبوثيوس الداقي. فبحسب ما بلغنا من قصاصات لمقالة سيجير (حول السعادة)، فلقد احتضن أطروحة ابن رشد القائلة بأن العقول خُلقت مباركة عبر الاقتران مع العقل الفعال. وفي تأويل سيجير، فإن البشر -في حالة كهذه- يُخيّل لهم الله بواسطة التعقّل، والذي هو الله نفسه. هنالك الكثير من الإشارات التي تدل على قناعته التامة بأن المعرفة بالجواهر المفارقة، وبالتالي، التحصّل على السعادة الإنسانية ممكن في هذه الحياة[150]. كما أن بوثيوس الداقي مقتنع بأنه يمكن للسعادة الإنسانية أن تُبلغ في هذه الحياة، وهي سعادة تتناسب مع القدرات الإنسانية، في حين أن أعلى أنواع السعادة في حد ذاتها محفوظ للآخرة[151]. يبدو بوثيوس مُلهمًا بالنظريات العربية في الارتقاء العقلي، بيْد أنه لا يؤيد نظرية الاقتران كما فعل سيجير. ففي اعتقاده أن حياة الفيلسوف هي الحياة الحقيقية الوحيدة تكرارٌ لصميم الثقة بالنفس والموقف النخبوي الذي اتّخذه عمالقة الفلاسفة العرب.

 

للاطلاع على نسخة PDF

للتواصل مع المترجم: rushoodi@hekmah.org


تثبيت المصطلحات:


المعاني المعقولة الأولى والثانية: first and second intention


الوهم: estimation


العقل الفعّال: active intellect


العقل المستفاد: intellectus adeptus) the acquired intellect)


العقل الهيولاني: material mind


العقل بالقوة: potential intellect – intellect in actu


العقل المفارق: separate intellect


العقل النظري: theoretical intellect – intellectus speculative


العقل العملي: practical intellect


تعقّل: intellection


فيض العقل: emanation of intelligence


قوة مفكّرة: cogitative faculty


أزلية العالم: eternity of the world


الإبداع/الخلق الأزلي: eternal creation


واهب الصور: giver of forms


العلّة الأولى: first cause


واجب الوجود: necessary existent


الصورة الجسمية: form of bodiliness


الماهية: essence


الوجود: existence


التصوّرات الأولية: primary concepts


المادة الأولية: prime matter


العناصر الأربعة: the four elements


الكيفيات الأربعة:  the four qualities


المخاليط/الأمزجة الأربعة: the four humours


 الأرواح الثلاثة: the three spirits


تموضع قوى النفس: localization of the soul’s faculties


العالم القمري والسماوي: the sublunar and heavenly universe


 الحركة الدورية للأجسام السماوية: circular movement of the heavenly spheres


النفس المفكرة: intellective soul


النفس النباتية: vegetative soul


التكوّن التلقائي: spontaneous generation


العقول الأربعة: the four intellects


القوى المحركة: the motive faculties


الحواس الباطنة: internal senses


الحواس الظاهرة: external senses


يُحِسّ: perceive


المدينة الفاضلة: excellent city


المراجع:

 Hasse, Dag Nikolaus, “Influence of Arabic and Islamic Philosophy on the Latin West”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2015 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/winter2015/entries/arabic-islamic-influence/>.

  • Aertsen, J. A. (1996), Medieval Philosophy and the Transcendentals: the Case of Thomas Aquinas, Leiden: Brill.
  • Aertsen, J. A. (1998), “What is First and Most Fundamental? The Beginnings of Transcendental Philosophy”, in J. A. Aertsen and A. Speer, eds, Was ist Philosophie im Mittelalter?, Berlin/New York: deGruyter, 177–192.
  • Aertsen, J. A. (2008), “Avicenna’s Doctrine of the Primary Notions and Its Impact on Medieval Philosophy”, in A. Akasoy and W. Raven, eds, Islamic Thought in the Middle Ages. Studies in Text, Transmission and Translation, in Honour of Hans Daiber, Leiden/Boston: Brill, 21–42.
  • Aertsen, J. A. (2012), Medieval Philosophy as Transcendental Thought, Leiden: Brill.
  • Akasoy, A. / Giglioni, G. (eds) (2013), Renaissance Averroism and its Aftermath: Arabic Philosophy in Early Modern Europe, Dordrecht: Springer.
  • Bertolacci, A. (2007), “Avicenna and Averroes on the Proof of God’s Existence and the Subject-Matter of Metaphysics”, Medioevo, 32: 61–97.
  • Bertolacci, A. (2009), “The Reception of Averroes’ Long Commentary on the ‘Metaphysics’ in Latin Medieval Philosophy until Albertus Magnus”, in L. Honnefelder, H. Möhle and S. Bullido del Barrio, eds, Via Alberti. Texte – Quellen – Interpretationen, Münster: Aschendorff, 457–480.
  • Bertolacci, A. (2011), “Community of Translators: The Latin Medieval Versions of Avicenna’s Kitāb al-Shifā’ (Book of the Cure)”, in J.N. Crossley and C.J. Mews, eds, Communities of Learning: Networks and the Shaping of Intellectual Identity in Europe 1100–1450, Turnhout: Brepols, 37–54.
  • Bertolacci, A. (2012), “On the Latin Reception of Avicenna’s Metaphysics before Albertus Magnus: An Attempt at Periodization”, in D.N. Hasse and A. Bertolacci, eds, The Arabic, Hebrew and Latin Reception of Avicenna’s Metaphysics, Berlin/Boston: deGruyter, 197–223.
  • Bertolacci, A. (2013), “Averroes against Avicenna on Human Spontaneous Generation: The Starting-Point of an Enduring Debate”, in A. Akasoy and G. Giglioni, eds, Renaissance Averroism and its Aftermath: Arabic Philosophy in Early Modern Europe, Dordrecht: Springer, 37–54.
  • Bianchi, L. (1993), “Les aristotélismes de la scolastique”, in L. Bianchi and E. Randi, eds, Vérités dissonantes. Aristote à la fin du Moyen Âge, Fribourg: Ed. univ., 1–37.
  • Black, D. L. (1996), “Memory, Individuals, and the Past in Averroes’ Psychology”, Medieval Philosophy and Theology, 5: 161–187.
  • Black, D. L. (1999), “Mental Existence in Thomas Aquinas and Avicenna”, Mediaeval Studies 61: 45–79.
  • Black, D. L. (2000), “Imagination and Estimation: Arabic Paradigms and Western Transformations”, Topoi, 19: 59–75.
  • Black, D. L. (2004), “Models of the Mind: Metaphysical Presuppositions of the Averroist and Thomistic Accounts of Intellection”, Documenti e studi sulla tradizione filosofica medievale 15: 319–352.
  • Black, D. L. (2011), “Avicenna’s ‘Vague Individual’ and its Impact on Medieval Latin Philosophy”, in C. Fraenkel, R. Wisnovsky, F. Wallis and J. Fumo, eds, Vehicles of Transmission, Translation, and Transformation in Medieval Cultures, Turnhout: Brepols, 269–302.
  • Black, D. L. (forthcoming), “How Do We Acquire Concepts? Avicenna on Abstraction and Emanation”, in J. Hause, ed., Debates in Medieval Philosophy, London: Routledge.
  • Bobzin, H. (1992), “Geschichte der arabischen Philologie in Europa bis zum Ausgang des achtzehnten Jahrhunderts”, in W. Fischer, ed., Grundriß der Arabischen Philologie, III Supplement, Wiesbaden: Reichert, 155–187.
  • Bouyges, M. (1923), “VII. Sur le De scientiis d’Alfarabi, récemment édité en arabe à Saida et sur le de Divisione Philosophiae de Gundissalinus”, Mélanges de l’Université Saint-Joseph de Beyrouth, 9: 49-70.
  • Brenet, J.-B. (2003), Transferts du sujet: la noétique d’Averroès selon Jean de Jandun, Paris: Vrin.
  • Burnett, C. (1982), Hermann of Carinthia, De essentiis, critical edition, translation and commentary, Leiden: Brill.
  • Burnett, C. (1997a), “Vincent of Beauvais, Michael Scot and the ‘New Aristotle’”, in S. Lusignan and M. Paulmier–Foucart, eds, Vincent de Beauvais, frère prêcheur: un intellectuel et son milieu au XIIIe siècle, Grâne: Editions Créaphis, 189–213.
  • Burnett, C. (1997b), “Petrarch and Averroes: An Episode in the History of Poetics”, in I. Macpherson and R. Penny, eds, The Medieval Mind: Hispanic Studies in Honour of Alan Deyermond, Woodbridge: Tamesis, 49–56.
  • Burnett, C. (1999), “The Second Revelation of Arabic Philosophy and Science: 1492–1575”, in C. Burnett and A. Contadini, eds, Islam and the Italian Renaissance, London: The Warburg Institute, 185–198.
  • Burnett, C. (2001), “The Coherence of the Arabic-Latin Translation Program in Toledo in the Twelfth Century”, Science in Context, 14: 249–288.
  • Burnett, C. (2005), “Arabic into Latin: the reception of Arabic philosophy into Western Europe”, in P. Adamson and R.C. Taylor, eds, The Cambridge Companion to Arabic Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, 370–404.
  • Burnett, C. (2006), “Humanism and Orientalism in the Translations from Arabic into Latin in the Middle Ages”, in A. Speer and L. Wegener, eds, Wissen über Grenzen. Arabisches und lateinisches Mittelalter, Berlin: deGruyter, 22–31.
  • Burnett, C. (2011), “Two Approaches to Natural Science in the Twelfth Century”, in M.M. Tischler and A. Fidora, eds, Christlicher Norden – Muslimischer Süden: Ansprüche und Wirklichkeiten von Christen, Juden und Muslimen auf der Iberischen Halbinsel im Hoch– und Spätmittelalter, Münster: Aschendorff, 69–80.
  • Burnett, C. (2013), “Revisiting the 1552-1550 and 1562 Aristotle-Averroes Edition”, in A. Akasoy and G. Giglioni, eds, Renaissance Averroism and its Aftermath: Arabic Philosophy in Early Modern Europe, Dordrecht: Springer, 55–64.
  • Calma, D. (2010), Études sur le premier siècle de l’averroisme latin: approches et textes inédits, Turnhout: Brepols.
  • Coccia, E. (2005), La trasparenza delle immagini. Averroè e l’averroismo, Milano: Mondadori.
  • Craig, M. (2007), “Rethinking Renaissance Averroism”, Intellectual History Review 17: 3–19.
  • Craig, M. (2013), “Humanism and the Assessment of Averroes in the Renaissance”, in A. Akasoy and G. Giglioni, eds, Renaissance Averroism and its Aftermath: Arabic Philosophy in Early Modern Europe, Dordrecht: Springer, 65–80.
  • Daiber, H. (1990), “Lateinische Übersetzungen arabischer Texte zur Philosophie und ihre Bedeutung für die Scholastik des Mittelalters. Stand und Aufgaben der Forschung”, in J. Hamesse and M. Fattori, eds, Rencontres de cultures dans la philosophie médiévale: traductions et traducteurs de l’antiquité tradive au XIVe siècle, Louvain-la-Neuve: Université catholique de Louvain; Cassino: Università degli studi di Cassino, 203–250.
  • Dales, R. C. (1990), Medieval discussions of the eternity of the world, Leiden: Brill.
  • Davidson, H. A. (1987), Proofs for eternity, creation, and the existence of God in medieval Islamic and Jewish philosophy, New York: Oxford University Press.
  • d’Alverny, M.-Th. / Hudry, F. (1975), “Al-Kindi: De radiis”, Archives d’histoire doctrinale et littéraire du Moyen Âge, 41: 139–260.
  • d’Ancona Costa, C. (1995), Recherches sur le Liber de causis, Paris: Vrin.
  • de Libera, A. (2005), Métaphysique et noétique: Albert le Grand, Paris: Vrin.
  • Denifle, H. / Chatelain, E. (1889), Chartularium Universitatis Parisiensis, Tomus I, Paris: Delalain.
  • Des Chene, D. (2000), Life’s form: late Aristotelian conceptions of the soul, Ithaca, N.Y.: Cornell University Press.
  • Druart, Th.-A. (2002), “Avicenna’s Influence on Duns Scotus’ Proof for the Existence of God in the Lectura”, in J. Janssens and D. De Smet, eds, Avicenna and HisHeritage, Leuven: Leuven University Press, 253–266.
  • Eichner, H. (2005), Averroes: Talkhīs kitāb al-kawn wa-al-fasād. Mittlerer Kommentar zu Aristoteles’ De generatione et corruptione, Paderborn: Schöningh.
  • Etzwiler, J. P. (1971), “Baconthorp and the Latin Averroism: The Doctrine of the Unique Intellect”, Carmelus, 19: 235–292.
  • Farmer, H. G. (1934), Al-Fārābī’s Arabic-Latin Writings on Music, Glasgow: The Civic Press.
  • Fidora, A. (2007), “Politik, Religion und Philosophie in den Wissenschaftseinteilungen der Artisten im 13. Jahrhundert”, in A. Fidora, J. Fried and M. Lutz-Bachmann, eds, Politischer Aristotelismus und Religion in Mittelalter und Früher Neuzeit, Berlin: Akademie-Verlag, 27–36.
  • Fidora, A. / Niederberger, A. (2001), Von Bagdad nach Toledo: Das “Buch der Ursachen” und seine Rezeption im Mittelalter, Lateinisch-deutscher Text, Kommentar und Wirkungsgeschichte des Liber de causis, Mainz: Dieterich’sche Verlagsbuchhandlung.
  • Fidora, A. / Werner, D. (2007), Dominicus Gundissalinus: De divisione philosophiae: Lateinisch/Deutsch, Über die Einteilung der Philosophie, Freiburg im Breisgau: Herder.
  • Gauthier, R.-A. (1982a), “Le Traité De anima et de potenciis eius d’un maître ès arts (vers 1225)”, Revue des Sciences philosophiques et théologiques, 66: 27–55.
  • Gauthier, R.-A. (1982b), “Notes sur les débuts (1225-1240) du premier ‘Averroisme’”, Revue des Sciences philosophiques et théologiques, 66: 321–374.
  • Giles of Rome (1944), Errores philosophorum: critical text with notes and introduction by Josef Koch … English translation by John O. Riedl, Milwaukee, Wis.: Marquette University Press.
  • Gilson, E. (1926/27), “Pourquoi saint Thomas a critiqué saint Augustin”, Archives d’Histoire Doctrinale et Littéraire du Moyen Âge, 1: 1–127.
  • Goichon, A.-M. (1951), “L’influence de la philosophie avicennienne dans l’Europe médiévale”, in A.-M. Goichon, La philosophie d’Avicenne et son influence en Europe médiévale, 2. ed., Paris: Adrien-Maisonneuve, 89–133.
  • Goris, W. (1999), “Die Anfänge der Auseinandersetzung um das Ersterkannte im 13. Jahrhundert: Guibert von Tournai, Bonaventura und Thomas von Aquin”, Documenti e studi sulla tradizione filosofica medievale, 10: 355–369.
  • Grant, E. (1974), A Source Book in Medieval Science, Cambridge, Mass.: Harvard University Press.
  • Hasse, D. N. (1999), “Das Lehrstück von den vier Intellekten in der Scholastik: von den arabischen Quellen bis zu Albertus Magnus”, Recherches de Théologie et Philosophie médiévales, 66: 21–77.
  • Hasse, D. N. (2000), Avicenna’s De Anima in the Latin West: The Formation of a Peripatetic Philosophy of the Soul, 1160–1300, London / Turin: The Warburg Institute – Nino Aragno Editore.
  • Hasse, D. N. (2001), “Avicenna on Abstraction”, in R. Wisnovsky, ed., Aspects of Avicenna, Princeton: Markus Wiener, 39–72.
  • Hasse, D. N. (2004a), “The Attraction of Averroism in the Renaissance: Vernia, Achillini, Prassicio”, in P. Adamson, H. Baltussen, M. W. F. Stone, eds, Philosophy, Science and Exegesis in Greek, Arabic and Latin Commentaries, 2 vols., London: Institute of Classical Studies, vol. 2, 131–147.
  • Hasse, D. N. (2004b), “Aufstieg und Niedergang des Averroismus in der Renaissance: Niccolò Tignosi, Agostino Nifo, Francesco Vimercato”, in J. A. Aertsen and M. Pickavé, eds, ‘Herbst des Mittelalters?’ Fragen zur Bewertung des 14. und 15. Jahrhunderts, Berlin: deGruyter, 131–147.
  • Hasse, D. N. (2006), “The Social Conditions of the Arabic-(Hebrew-)Latin Translation Movements in Medieval Spain and in the Renaissance”, in A. Speer and L. Wegener, eds, Wissen über Grenzen: Arabisches Wissen und lateinisches Mittelalter, Berlin: de Gruyter, 68–86 and 806.
  • Hasse, D. N. (2007a), “Spontaneous Generation and the Ontology of Forms in Greek, Arabic, and Medieval Latin Sources”, in P. Adamson, ed., Classical Arabic Philosophy: Sources and Reception, London / Turin: The Warburg Institute – Nino Aragno Editore, 150–175.
  • Hasse, D. N. (2007b), “Averroica secta: Notes on the Formation of Averroist Movements in Fourteenth-Century Bologna and Renaissance Italy”, in J.-B. Brenet, ed., Averroes et les Averroïsmes juif et latin, Turnhout: Brepols, 307–331.
  • Hasse, D. N. (2007c), “Arabic philosophy and Averroism”, in J. Hankins, ed., Cambridge Companion to Renaissance Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, 113–136.
  • Hasse, D. N. (2008), “The Early Albertus Magnus and his Arabic Sources on the Theory of the Soul”, Vivarium 46: 232–252.
  • Hasse, D. N. (2010), Latin Averroes Translations of the First Half of the Thirteenth Century, Hildesheim/Zürich/New York: Olms (also printed in: A. Musco, ed., Universalità della Ragione. Pluralità delle Filosofie nel Medioevo, Palermo: Officina di Studi Medievali, 2012, 149–177).
  • Hasse, D. N. (2012), “Avicenna’s ‘Giver of Forms’ in Latin Philosophy, Especially in the Works of Albertus Magnus”, in D.N. Hasse and A. Bertolacci, eds, The Arabic, Hebrew and Latin Reception of Avicenna’s Metaphysics, Berlin/Boston: deGruyter, 225–249.
  • Hasse, D. N. / Bertolacci, A. (eds) (2012), The Arabic, Hebrew and Latin Reception of Avicenna’s Metaphysics, Berlin/Boston: deGruyter.
  • Hayoun, M.–R. / de Libera, A. (1991), Averroès et l’averroisme, Paris: Presses Univ. de France.
  • Hugonnard-Roche, H. (1984), “La classification des sciences de Gundissalinus et l’influence d’Avicenne”, in J. Jolivet and R. Rashed, eds, Etudes sur Avicenne, Paris: Belles Lettres, 41–75.
  • Hyman, A. (1965), “Aristotle’s ‘First Matter’ and Avicenna’s and Averroes’ ‘Corporeal Form’”, inHarry Austryn Wolfson Jubilee Volume, 3 vols, Jerusalem: American Academy for Jewish Research, vol. 1, 385–406.
  • Imbach, R. (1991), “L’averroisme latin du XIIIe siècle”, in R. Imbach and A. Maierù, eds, Gli studi di filosofia medievale fra otto e novecento, contributo a un bilancio storiografico, Roma: Ed. di Storia et Letteratura, 191–208.
  • Janssens, J. (2003), “Elements of Avicennian Metaphysics in the Summa”, in G. Guldentops and C. Steel, eds, Henry of Ghent and the Transformation of Scholastic Thought, Leuven: Leuven University Press, 41–59.
  • Jolivet, J. (1988), “The Arabic Inheritance”, in P. Dronke, ed., A History of Twelfth Century Western Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, 113–150.
  • Kischlat, H. (2000), Studien zur Verbreitung von Übersetzungen arabischer philosophischer Werke in Westeuropa 1150–1400: Das Zeugnis der Bibliotheken, Münster: Aschendorff.
  • Knudsen, C. (1982), “Intentions and Impositions”, in N. Kretzmann, A. Kenny, J. Pinborg, eds, The Cambridge History of Later Medieval Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, 479–495.
  • Kuksewicz, Z. (1997), “Some Remarks on Erfurt Averroists”, Studia Mediewistyczne 32: 93–121.
  • Lafleur, C. (1988), Quatre introductions à la philosophie au XIIIe siècle. Textes critiques et études historique, Montreal: Institut d’Etudes Médiévales, 1988.
  • Leinsle, U. G. (1985), Das Ding und die Methode: methodische Konstitution und Gegenstand der frühen protestantischen Metaphysik, Augsburg : Maroverlag.
  • Lemay, R. J. (1962), Abu Ma’shar and Latin Aristotelianism in the twelfth century: the recovery of Aristotle’s natural philosophy through Arabic astrology, Beirut: Catholic Press.
  • Lohr, C.H. (1965), “Logica Algazelis: Introduction and Critical Text”, Traditio, 21: 223–290.
  • Maier, A. (1952), An der Grenze von Scholastik und Naturwissenschaft: Studien zur Naturphilosophie des 14. Jahrhunderts, 2. ed., Rome: Edizioni di storia e letteratura.
  • Maier, A. (1955), Metaphysische Hintergründe der spätscholastischen Naturphilosophie, Rome: Edizioni di storia e letteratura.
  • Maierù, A. (1987), “Influenze arabe e discussioni sulla natura della logica presso i latini fra XIII e XIV secolo”, in B. Scarcia Amoretti, ed., La diffusione delle science islamiche nel Medio Evo europeo, Rome: Accademia nazionale dei Lincei, 243–267.
  • Marmura, M. E. (1979), “Avicenna’s Chapter on Universals in the Isagoge of his Shifa”, in A. T. Welch and P. Cachia, eds, Islam: Past influence and present challenge, Albany: State University of New York Press, 34–56 (repr. in M. Marmura, Probing in Islamic Philosophy, Binghamton: Global Acad. Publ., 2005).
  • McGinnis, J. (2007), “Making Abstraction Less Abstract: The Logical, Psychological, and Metaphysical Dimensions of Avicenna’s Theory of Abstraction”, in M. Baur, ed., Intelligence and the Philosophy of Mind, Bronx, NY: American Catholic Philosophical Association, 169–183.
  • Müller, J. (2006), “Der Einfluß der arabischen Intellektspekulation auf die Ethik des Albertus Magnus”, in A. Speer and L. Wegener, ed., Wissen über Grenzen: Arabisches Wissen und lateinisches Mittelalter, Berlin: de Gruyter, 545–568.
  • Nardi, B. (1965), “Pietro Pomponazzi e la teoria di Avicenna intorno alla generazione spontanea nell’uomo”, in B. Nardi, Studi su Pietro Pomponazzi, Firenze: F. Le Monnier, 305–319.
  • Niewöhner, F. / Sturlese, L. (eds) (1994), Averroismus im Mittelalter und in der Renaissance, Zürich: Spur–Verlag.
  • Perfetti, S. (2000), Aristotle’s Zoology and its Renaissance Commentators (1521-1601), Leuven: Leuven University Press.
  • Perfetti, S. (2004), Pietro Pomponazzi: Expositio super primo et secundo De partibus animalium, Firenze: Olschki.
  • Perler, D. (1994), “Peter Aureol vs. Hervaeus Natalis on Intentionality, A Text Edition with Introductory Remarks”, Archives d’Histoire Doctrinale et Littéraire du Moyen Age, 61: 227–262.
  • Perler, D. (2006), “Intentionality and Action: Medieval Discussions on the Cognitive Capacities of Animals”, in M.C. Pacheco and J.F. Meirinhos, eds, Intellect et imagination dans la philosophie médiévale, 3 vols, Turnhout: Brepols, vol. 1, 73–98.
  • Pickavé, M. (2007), Heinrich von Gent über Metaphysik als erste Wissenschaft: Studien zu einem Metaphysikentwurf aus dem letzten Viertel des 13. Jahrhunderts, Leiden: Brill.
  • Piché, D. (1999), La condamnation parisienne de 1277: nouvelle édition du texte latin: traduction, introduction et commentaires, Paris: Vrin.
  • Pini, G. (2012), “Scotus and Avicenna on What it is to Be a Thing”, in D.N. Hasse and A. Bertolacci, eds, The Arabic, Hebrew and Latin Reception of Avicenna’s Metaphysics, Berlin/Boston: deGruyter, 365–387.
  • Sabra, A. I. (1980), “Avicenna on the Subject Matter of Logic”, The Journal of Philosophy, 77: 746–764.
  • Schmitt, C. B. (1979), “Renaissance Averroism Studied through the Venetian Editions of Aristotle-Averroes (with Particular Reference to the Giunta Edition of 1550–2)”, in Convegno Internazionale l’Averroismo in Italia, Roma, 121–142 (repr. in: Schmitt, C. B., The Aristotelian Tradition and Renaissance Universities, London: Variorum repr., 1984, art. VIII).
  • Siraisi, N. (1987), Avicenna in Renaissance Italy: the Canon and Medical Teaching in Italian Universities after 1500, Princeton: Princeton University Press.
  • Steel, C. (2001), “Siger of Brabant versus Thomas Aquinas on the Possibility of Knowing the Separate Substances”, in J. A. Aertsen, K. Emery, Jr., A. Speer, eds, Nach der Verurteilung von 1277: Philosophie und Theologie an der Universität von Paris im letzten Viertel des 13. Jahrhunderts, Berlin: deGruyter, 211–231.
  • Street, T. (2005), “Logic”, in P. Adamson and R.C. Taylor, eds, The Cambridge Companion to Arabic Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, 247–265.
  • Tamani, G. (1992), “Traduzioni ebraico-latine di opere filosofiche e scientifiche”, in I. Zinguer ed., L’hébreu au temps de la Renaissance, Leiden: Brill, 105–114.
  • Taylor, R. C. (1983), “The Liber de Causis. A Preliminary List of Extant MSS.”, Bulletin de philosophie médiévale 25: 63–84.
  • Teske, R. J. (1993), “William of Auvergne’s Use of Avicenna’s Principle: Ex Uno, Secundum Unum, Non Nisi Unum”, The Modern Schoolman, 71: 1–15.
  • Teske, R. J. (2002), “William of Auvergne’s Debt to Avicenna”, in J. Janssens and D. De Smet, eds, Avicenna and His Heritage, Leuven: Leuven University Press, 153–170.
  • Trifogli, C. (2000), Oxford physics in the thirteenth century (ca. 1250–1270): motion, infinity, place and time, Leiden : Brill.
  • Trifogli, C. (2010), “Change, Time and Place”, in R. Pasnau, ed., The Cambridge History of Medieval Philosophy, I, Cambridge: Cambridge University Press, 267–278.
  • Van Steenberghen, F. (1974), Introduction à l’étude de la philosophie médiévale, Louvain: Publ. Univ.
  • Van Steenberghen, F. (1991), La philosophie au XIIIe siècle, Louvain-la-Neuve: Institut supérieur de philosophie.
  • Wippel, J. F. (1982), “Essence and Existence”, in N. Kretzmann, A. Kenny, J. Pinborg, eds, The Cambridge History of Later Medieval Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, 385–410.
  • Wippel, J. F. (1990), “The Latin Avicenna as a Source for Thomas Aquinas’s Metaphysics”, Freiburger Zeitschrift für Philosophie und Theologie 37: 65–72.
  • Wood, R. (2010), “The Influence of Arabic Aristotelianism on Scholastic Natural Philosophy. Projectile Motion, the Place of the Universe, and Elemental Composition”, in R. Pasnau, ed., The Cambridge History of Medieval Philosophy, I, Cambridge: Cambridge University Press, 247–266.
  • Zimmermann, A. (1998), Ontologie oder Metaphysik? Die Diskussion über den Gegenstand der Metaphysik im 13. und 14. Jahrhundert; Texte und Untersuchungen, Leuven: Peeters.

 

الهوامش:

[1] Burnett 2006, p. 22-24.

[2] Lemay 1962.

[3] Burnett, 2001.

[4] Hasse 2006, p. 79-84.

[5] Hasse 2010.

[6] Gauthier 1982b.

[7] Tamani 1992; Burnett 1999.

[8] Hasse 2006.

[9] Perfetti 2000, 106-109; Perfetti 2004, XVII-XVIII; Burnett 2013.

[10] Bobzin 1992.

[11] Burnett 2005; Kischlat 2000, 53-54, 196-198; Bertolacci 2011.

[12] Lafleur 1988, 341n.

[13] Burnett 1997.

[14] Subject matter.

[15] Hugonnard-Roche 1984; Fidora/Werner 2007, p. 24-35.

[16] Libri naturales.

[17] Bouyges 1923, p. 65-69.

[18] Maierù 1987.

[19] ca. 1250.

[20] Lafleur 1988, p. 342.

[21] Fidora 2007.

[22] Farmer 1934, p. 31-34.

[23] Lohr 1965.

[24] Street 2005.

[25] Black 1996, p. 166.

[26] Sabra 1980, p. 752-753.

[27] Knudsen 1982; Maierù 1987; Perler 1994.

[28] Perler 1994.

[29] Summa logicae I.12.

[30] Burnett 1982, introduction; cf. also Lemay 1962.

[31] e.g. the treatises Philosophia by William of Conches and De natura corporis et animae by William of St.-Thierr

[32] Maier 1951; Wood 2010; Trifogli 2000; Trifogli 2010.

[33] Hyman 1965.

[34] Summa theol. Ia q. 76 a. 4, a. 6.

[35] Forma corporeitatis.

[36] Des Chene 2000, p. 81-93.

[37] Giles of Rome 1944, p. 15.

[38] Comm. magnum De caelo I.102; Dales 1990, p. 81.

[40] Dales 1990, p. 81.

[41] II.13-28.

[42] II, d.1 q.1 a.5.

[43] Comm. magnum De caelo III.29, Comm. magnum Phys. VIII.8,9,11,15

[44] On the Eternity of the World.

[45] De aeterniate mundi; Quaest. In tertum De anima q.2).

[46] De aeterniate mundi.

[47] Maier 1952; Grant 1974, §77, Eichner 2005, 139–145.

[48] Comm. magnum De caelo III.67

[49] Comm. magnum Metaph.XII.22

[50] De mixtione elementorum, cf. Summa theol. Ia q. 76 a. 4

[51] Maier 1952, p. 36–46.

[52] Maier 1952, p. 46–69.

[53] (Comm. magnum Metaph. II.15, VII.31, XII.13,18) (Hasse 2007a; Bertolacci 2013).

[54] Quaest. de potentia, qu. 3 a. 8,9,11.

[55] Hasse 2007a; Hasse 2007c, 125-129.

[56] Nardi 1965.

[57] In Metaphysicen Aristotelis lib. 8 q. 9.

[58] Hasse 2000, (p. 80-92; Hasse 2008)

[59] Hasse 2000, (p. 98-106).

[60] Aestimatio.

[61] Summa theologiae Ia 81 .3c.

[62] Cf. also John Blund, Tractatus de anima, ch. 19.

[63] (Albertus, De anima II.4.7; Buridan, Quaestiones de anima II.22) and (Black 2000; Hasse 2000, p. 141-153; cf. also Black 2011).

[64] Perler 2006.

[65] Gilson 1926/27, p. 102.

[66] Summa de anima 116.

[67] Summa fratris Alexandri.

[68]  John Pecham, Roger Marston, Vital du Four.

[69] Hasse 2000, p. 220-221.

[70] Summa contra gentiles II.74.

[71] Hasse 2000, p. 200-203, Hasse 2001, but cf. McGinnis 2007 and Black, forthcoming.

[72] Intellectus adeptus.

[73] De anima I.5.

[74] Hasse 1999 and 2000, p. 191-200.

[75] Gauthier 1982a, p. 53.

[76] I.3 and II.19.

[77] Tractatus de divisione multiplici potentiarum animae II.18.

[78] Comm. magnum De anima III.5 and III.36

[79] qu. 56 a.3

[80] (De anima 3.3.11) (Hasse 1999; de Libera 2005, 325-327).

[81] Summa theol. Ia q. 84 a. 7).

[82] Comm. magnum De anima III.5

[83] للمزيد حول المسألة، راجع: Imbach 1991; Hayoun/de Libera 1991; Bianchi 1993; Niewöhner/Sturlese 1994; Kuksewicz 1997; Brenet 2003, 21–22; Coccia 2005, 20–53; Hasse 2007; Martin 2007; Calma 2010, 11–20, 367–373; Martin 2013; Akasoy/Giglioni 2013).

[84] Van Steenberghen 1974, 531–534

[85] Kuksewicz 1997, 93–96; Hasse 2007b, 309–317; Calma 2010.

[86] Martin 2007; Martin 2013.

[87] e.g. Gauthier 1982, 334–335; Calma 2010, 368–369.

[88] Quaest. in tertium de anima, esp. q. 3 and 9.

[82] Comm. magnum De anima III.5

[83] للمزيد حول المسألة، راجع: Imbach 1991; Hayoun/de Libera 1991; Bianchi 1993; Niewöhner/Sturlese 1994; Kuksewicz 1997; Brenet 2003, 21–22; Coccia 2005, 20–53; Hasse 2007; Martin 2007; Calma 2010, 11–20, 367–373; Martin 2013; Akasoy/Giglioni 2013).

[84] Van Steenberghen 1974, 531–534

[85] Kuksewicz 1997, 93–96; Hasse 2007b, 309–317; Calma 2010.

[86] Martin 2007; Martin 2013.

[87] e.g. Gauthier 1982, 334–335; Calma 2010, 368–369.

[88] Quaest. in tertium de anima, esp. q. 3 and 9.

[89] Brenet 2003.

[90] Etzwiler 1971, 266–269

[91] Hasse 2004a

[92] Schmitt 1979; Hasse 2007; Akasoy/Giglioni 2013.

[93] Hasse 2004b.

[94] Quaest. de veritate, q. 12, a. 1 and 3.

[95] هذا حسب المؤلف، بيْد أن هنالك نسخة فرنسية لكتاب الكندي بنفس العنوان اللاتيني.

[96] d’Alverny/Hudry 1975, 230–1.

[97] De anima IV.4.

[98] De sensu et sensato 1.10.

[99] 459b23–60a24.

[100] Summa theol. Ia q.117 a. 3.

[101] in De secretis operibus artis et naturae.

[102] Hasse 2007c, 121–125.

[101] Andrea Cattani.

[104] in De naturalium effectuum causis sive de incantationibus, 237–8.

[105] Hasse/Bertolacci 2012.

[106] Bertolacci 2009.

[107] Taylor 1983.

[108] d’Ancona Costa 1995, 195–258; Fidora/Niederberger 2001, 205–247.

[109] ch. I.83, but in other works he assigns this function to being as being; see Bertolacci 2007.

[110] Metaph. I.2, Phys. I.3.18.

[111] In Metaph., prooem.

[112] Summa theol. Ia q.1.

[113] Zimmermann 1998.

[114] Pickavé 2007.

[115] Zimmermann 1998, 294–329.

[116] Goris 1999.

[117] In Metaph. IV.6; Aertsen 1996, 146–151.

[118] Aertsen 2008; Aertsen 2012; Pini 2012.

[119] Hasse/Bertolacci 2012.

[120] Marmura 1979, 49.

[121] Comm. magnum Metaph. IV.3.

[122] (Summa theol. Ia q. 3 a. 4) (Wippel 1990; Black 1999).

[123] Wippel 1982.

[124] Long Commentary on the Metaphysics (IV.3).

[125] Quodlibet I, 9 and III, 9.

[126] Ordinatio II, d. 3, p. 1, q. 6.

[127] Leinsle 1985, ch. 2.

[128] Jolivet 1988, 138–140.

[129] ch. 4.

[130] ch. 6.

[131] Teske 19.

[132] Teske 2002.

[133] Summa contra gentiles I.22.

[134] Ia q. 2 a. 3.

[135] Davidson 1987, 378–388.

[136] Summa contra gentiles II.42 and II.76.

[137] Hasse 2012.

[138] De necessitate et contingentia causarum; Van Steenberghen 1991, 346.

[139] Ordinatio I d. 8 p. 2 q. un.

[140] art. 58 and 59.

[141] art. 53.

[142] art. 123.

[143] art. 30.

[144] Druart 2002; Janssens 2003; Pickavé 2007, ch. 6.

[145] art. 143, 161, 167, 195, 206, 207.

[146] (De anima III.3.12) (Müller 2006; on Albertus’ influence see de Libera 2005, 329–361).

[147] Summa theol. Ia IIae q. 3 a. 2.

[148] art. 176.

[149] Art. 40.

[150] Steel 2001, 227–231.

[151] in his treatise De summo bono.

error: المحتوى محمي