مجلة حكمة
يعقوب بن اسحاق الكندي فلسفة

الكندي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فاطمة الشملان


مدخل شامل حول سيرة يعقوب بن اسحاق الكندي وفلسفته،حول أعماله وتأثيره في فلسفة الميتافيزيقا وعلم النفس، والإر ث العظيم الذي تركه من بعده؛  نص مترجم للـد. بيتر أدمسون، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


من هو الكندي؟

إن أبا يوسف يعقوب ابن اسحاق الكندي (عاش بين 800-870 ميلادية) أول فيلسوف مُعترف به في التراث العربي. عمل مع مجموعة من المترجمين الذين نقلوا إلى العربية أعمال أرسطو والأفلاطونيون الجدد وعلماء اليونان في العلوم والرياضيات. وترتكز العديد من رسائل الكندي نفسه بشكل كبير على تلك الترجمات، والتي يأتي من ضمنها النسخ العربية لأعمال أفلوطين وبروكلس كـ أثولوجيا أرسطو وكتاب الأسباب الشهيران والموجه إلى أفراد أسرة الخليفة. كان فكر الكندي ذاته مخضبا بالأفلاطونية الجديدة على الرغم من أن مرجعه الرئيسي على الأمور الفلسفية هو أرسطو. تتضمن رسائل الكندي الفلسفية رسالة في الفلسفة الأولى، التي يحاج فيها أن الكون ليس بأزلي وأن الرب واحد ببساطة. كما كتب أعمالا عدة عن مواضيع فلسفية شتى، خاصة في علم النفس (بما فيها في العقل الشهيرة) والكونيات. فضلا على أن عمل الكندي في الرياضيات والعلوم متشعب، وعُرف في التراث العربي واللاتيني بكتاباته عن علم الفلك.

  1. سيرة الكندي وأعماله
    • حياته
    • أعماله
  2. تأثيرات على الكندي
    • تأثيـرات يونانية
    • تأثيرات معاصرة
  3. ما بعد الطبيعيات
    • البساطة الإلهية
    • الخلق
    • أزلية الكون
  4. علم النفس
    • النفس البشرية
    • إبستيمولوجيا
    • تطبيق الأخلاقيات
  5. العلم
    • استخدام الرياضيات
    • الكونيات
  6. الإرث
  • المراجع
  • كتب الكندي
  • الأدوات الأكاديمية
  • مصادر إنترنت أخرى
  • مداخل ذات صلة

1. سيرة الكندي وأعماله

1.1 حياته

كان يعقوب بن اسحاق الكندي فردا من قبيلة عربية تُدعى كندة والتي لعبت دورا هاما في بداية التاريخ الإسلامي. منحه نسبه لقب “فيلسوف العرب” ضمن الكتّاب اللاحقين. نعلم أن الكندي توفي بعد 866 ميلادية وأن وفاته عادة ما توضع على أنها في بداية 870 ميلادية. غير أن تاريخ ولادته أصعب في التحديد، إذ يُقال أنه عمل كعالم تحت الخليفة المأمون الذي انتهت خلافته في 833 م، ومن المؤكد أنه ارتبط ببلاط الخليفة اللاحق المعتصم (حكم من 833-842). ولذا عادة ما يُرجح بأنه وُلد قرابة 800م. وُلد في البصرة وتعلم في بغداد. ووصلت مهنته الفلسفية قمتها في عهد المعتصم الذي أهدى إليه الكندي أشهر أعماله، في الفلسفة الأولى، والذي تتلمذ ابنه أحمد على يدي الكندي.

تمركزت نشاطات الكندي الفلسفية حول حركة الترجمة التي بدأها ودعمها الخلفاء العباسيون قبل ولادته (انظر عن هذا: Endress 1987/1992, Gutas 1998). أشرف الكندي على أحد المجموعتين الرئيسيتين من المترجمين (قاد حنين ابن إسحاق المجموعة الثانية). ترجمت “حلقة الكندي” (انظر Endress 1997) أعمالا فلسفية وعلمية عدة من اليونانية إلى العربية. (لمخرجات الحلقة انظر للآتي في 2.1). يبدو أن الكندي كان وسيطا بين رعاة هؤلاء المترجمين والعلماء الذين قاموا بالترجمة فعلا، والذين كان العديد منهم سوريون مسيحيون أو من أصل سوري. يمكن الاعتقاد بأن كتاباته نفسها حملة علاقات عامة مُعزِزة يُراد منها العرض والإعلان عن قيمة الفكر اليوناني لجمهور القرن التاسع المسلم.

 كتب الكندي

محظوظون بامتلاكنا لقائمة بعناوين لأعمال منسوبة لـ يعقوب بن اسحاق الكندي والموجودة في كتاب الفهرست لابن النديم، نسّاخ الكتب في القرن العاشر. فبفضل ابن النديم نعرف أن الكندي كتب مئات الرسائل في مدى واسع من الفروع العلمية والفلسفية. تفوق العناوين في العلوم والرياضيات بكثير تلك الفلسفية حتما. إذ ضاعت العديد من اللاحقة الآن خلا نص واحد في أسطنبول والذي يحوي غالب كتابات الكندي الفلسفية الباقية (حُررت في أبو ريدة 1950 و1953؛ العديد من النصوص المهمة حُررت وتُرجمت عند راشد و Jolivet 1998). والتي تشمل العمل الذي عُرف به، في الفلسفة الأولى.  إن نسختنا من هذه الرسالة منقوصة، إذ تحوي على الجزء الأول فقط والمقسم إلى أربعة أجزاء. الجزء الأول في الأساس هو حث القارىء على تقدير الحكمة الفلسفية اليونانية. ويحوي الجزء الثاني على نقاش الكندي المُحتفى به عن أزلية الكون. أما الثالث والرابع فيُحقق وجود “الواحد الحق” أي الله، مصدر الوحدة في كل الأشياء الأخرى، واعتبار امتناع اللغة عن هذا الواحد الحق.

كما يشمل مخطوط إسطنبول أيضا على بعض النسخ من في العقل للكندي والذي نجا بلغته العربية (كما أنه محفوظ بترجمة لاتينية). هذه هي أول رسالة في التراث العربي تمنح تصنيفا لأنواع العقل، والتي ستغدو مألوفة في نصوص الفارابي وابن سينا وابن رشد. كما تسلط أعمالٌ أخرى ضوءا على علم النفس للكندي (أي نظرية النفس): يحتوي القول في النفس اقتباسات من المفترض أنها لفلاسفة يونانيون، يستخدم  في وجود جواهر لا أجسام تصنيفات أرسطو لإثبات أن النفس لا مادية وفي ماهية النوم والأحلام يهب اعتبارا لرؤى الأحلام بمقتضى نظرية أرسطو عن الخيال. وفيما يتعلق بنظريات الكندي النفسية فإن في الحيلة لدفع الأحزان هو العمل الوحيد المعتبر عن الأخلاقيات الذي نجا. (ألف أيضا مجموعة من الحكايا الأخلاقية ومقولات منسوبة لسقراط، والتي يمكنك النظر إلى فخري 1963.)

يضع يعقوب بن اسحاق الكندي نظرياته الكونية في نصين آخرين موجودان في نفس المخطوطة، في الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد وفي إبانة سجود الجرم الأقصى. تطبقان هاتين نفس الأفكار الكونية لتبيان كيف تُنتج الحركة السماوية المطر والظواهر الجوية الأخرى في الدنيا التي نعيش بها. في حين أن تلك الأعمال متأثرة بأرسطو، بيد أن الكندي يستقي من معين يونانيون آخرون، مثل بطليموس. إن معرفته بالتراث اليوناني العلمي زاخر حقيقة. فهو يستخدم على سبيل المثال إقليدس وأفكارا يمكن تتبعها إلى بطليموس في عمله المعروف عن البصريات، في المرئيات، والمحفوظ باللاتينية فقط. إن الكتلة العلمية الباقية لمؤلفات الكندي معتبرة الحجم وتشمل رسائل عن صنع الأدوية وعلم الفلك والرياضيات (للاستزادة انظر Rosenthal 1942). لكن التركيز هنا هو على منظور الكندي الفلسفي.

2. تأثيرات على الكندي

1.2 التأثيرات اليونانية

تتخضب أعمال يعقوب بن اسحاق الكندي بأفكار مستقاة من الفكر اليوناني كما يتوقع المرء بحكم دوره البارز في حركة الترجمة. تدين أعماله جزئيا إلى كتّاب الرياضيات والعلوم الذين تُرجموا في عصره، أمثال نيقوماخس الجرشي؛ أثر إقيلدس على منهجيته والرياضيات كذلك (Gutas 2004). بيد أن التأثير الأعظم على فلسفته أتى من أرسطو، الذي تقصى الكندي كتلة أعماله في رسالة في كمية كتب أرسطوطاليس (أبو ريدة 1950، 363-84؛ وأيضا Guidi and Walzer 1940, Cortabarria Beitia 1972, Jolivet 2004, Ighbariah 2012). يوفر العمل ملخصا جامعا لكتلة أعمال أرسطو، على الرغم من الجلي أن الكندي لم يقرأ بعضا من الرسائل التي ناقشها. إذ حين يأتي الكندي لذكر محتويات ما بعد الطبيعيات فإنه يقدم هذا المختصر العجيب الآتي:

وأما غرضه من كتابه المسمى ما بعد الطبيعيات فبالإنابة عن الأشياء القائمة بغير طينة والموجودة مع ذي الطينة مع ذي الذي لا يواصل الطينة ولا يتحد معها، وتوحيد الله، جل وتعالى! والإبانة عن أسمائه الحسنى وأنه علّة الكل الفاعلة والمتممة، إله الكل، وسايس الكل، بتدبيره المتقن وحكمته التامة.

في حين قد لا يبدو هذا وصفا دقيقا لـ ما بعد الطبيعيات لأرسطو، بيد أنه وصف دقيق بالمجمل لمفهوم الكندي نفسه عن علم ما بعد الطبيعيات. من الجلي بأنه يجمع ما بعد الطبيعيات باللاهوت من افتتاحية في الفلسفة الأولى، إذ يقول بما أن الفلسفة على العموم علم الأشياء بحقائقها، فإن “الفلسفة الأولى” “علم الحق الأول الذي هو علة كل حق”. وحتما ما بعد الطبيعيات لأرسطو ذات تأثير كبير على عمله. بيد أن، وكعادة كتابات الكندي الفلسفية، تستخدم في الفلسفة الأولى بشكل بالغ أفكارا من ترجمات الأفلاطونية الجديدة. إن البرهان على وجود “الواحد الحق” مبني جزئيا على بروكلوس (كما هو مبين في Jolivet 1979)، ويمكن للمرء أن يلتقط التأثيرات من النسخة العربية لأفلوطين التي أنتجتها حلقة الكندي، والمسماة أثولوجيا أرسطوطاليس. ولعل التأثير الأوحد في الأهمية، هو هجوم المفكر المسيحي الأفلاطوني الجديد يوحنا النحوي على أرسطو، حول مسألة أزلية الكون.

إذن تُعد في الفلسفة الأولى مثالا جيدا على وجه الخصوص عن كيف يجمع يعقوب بن اسحاق الكندي بين الأفكار الأفلاطونية الجديدة والأرسطية في رؤيته لفلسفة متسقة مستقاة من اليونانيين. في الواقع الأفلاطونيون الجدد أنفسهم هم من أعد هذا الميراث اليوناني الإجمالي، والذين تُبشر رسائلهم عن أرسطو الميول المتناسقة الجلية لدى الكندي. بيد أن الكندي سيكون تواقا بأي حال ليُهوّن من أي تشاحنات بين الفلاسفة اليونانيين أو أي إخفاقات من جانب المفكرين اليونانيين. فهو مثلا لا يعطي أي إشارة على أن موقفه من أزلية الكون تنأى عن تلك لأرسطو. (من المثير للاهتمام بأنه أكثر طوعا للإشارة على قصور من جهة العلماء اليونانيين المفكرين، كبصريات إقليطس مثلا، على الرغم من أنه يركز هنا على الحاجة إلى توجه أكثرتعطفا.) يطلق الكندي لاحقا في المقطع الأول من  في الفلسفة الأولى العنان لوابل من الهجوم ضد معاصرين لايسميهم ممن ينتقدون استخدام أفكار اليونانيين:

وينبغي لنا أن لا نستحي من استحسان الحق، واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا، والأمم المباينة، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق. وليس يبخس الحق، ولا يصغر بقائله ولا بالآتي به. ولا أحد بخس الحق؛ بل كان يشرفه الحق.

وعلى الرغم من دعم الكندي الذي لا يحيد لأفكار تفشت في مشروع الترجمة، غير أنه تأثر لا محالة بالتيارات الفكرية لعصره. يتجلى هذا بوضوح حين يستخدم الكندي أفكار اليونانيين لينخرط في معضلات زمنه، خاصة في ميدان علم الكلام.

 2.2 تأثيرات معاصرة

ثمة مثالين لهذا الارتباط واللذين سيناقشان بتفصيل أكثر في الجزء القادم وهما معالجة الكندي للعزو الإلهي ومنظوره عن الخلق. إذ نرى جميعا بأن الكندي يملك منظورا صارما على مسألة العزو، على أساس أن الإسناد يوحي بالتأكيد على التعددـ في حين أن الله واحد بلا حصر. قورن هذا ( Ivry 1974, Adamson 2003) بموقف المعتزلة، الذين كانوا المتكلمين المعاصرين في القرن التاسع. قد يوجد تأثير المعتزلة في نظرية الكندي بأن الخلق ” تأييس الآيسات عن ليس” وخصوصا في إنكاره أزلية الكون. (يمكن أن يكون هذا متعلقا بزعم المعتزلة أن القرآن مخلوق وليس أزلي؛ انظر Adamson 2007, ch.4).

يستخدم يعقوب بن اسحاق الكندي في أعمال عدة الفلسفة للدفاع عن الإسلام وتفسيره. كتب رسالة قصيرة يهاجم بها مذهب الثالوث المسيحي، مستخدما مفاهيم مستقاة من كتاب الإيزاغوجي لفرفوريوس الصوري ( كان تفنيد الكندي موضوعا لتفنيد مضاد لفيلسوف القرن العاشر المسيحي، يحيى ابن عدي؛ انظر Périer 1920). وفي حين أن هذا هو العمل الوحيد المنخرط بالجدل الكلامي، غير أننا نعرف من الفهرست أنه كتب رسائل أخرى بصبغة مشابهة. تحتوي المادة الباقية أيضا على فقرات يفسر فيها معاني لمقاطع من القرآن. ولعل أكثرها دهشة هو نقاشه عن الخلق من العدم في نصف رسالة عن كمية كتب أرطوطاليس. هذا المقطع هو تعقيب على السورة 36: الآية 79-82. إذ يذكر الكندي نفس المقطع القرآني ويناقش الطبيعة المخصوصة للمعرفة النبوية في عمل أجوائي بعنوان في العلة التي فيها يبرد أعلى الجو (انظر أبو ريدة 1953، 92-93). في حين عمله الفلكي في الإبانة عن سجود الجرم الأقصى، مُسخّر بالكامل لشرح الآية القرآنية ” النجم والشجر يسجدان” (55:6) بمقتضى اعتبار الكندي للتأثير السماوي على العالم الدنيوي. تُظهر تعليقات الكندي هنا اهتمامه بالقواعد النحوية المعاصرة والتفاسير القرآنية.

تتجلى رغبته في دمج الأفكار اليونانية بثقافته بأشكال عدة عبر في حدود الأشياء ورسومها، والتي تعد قائمة بالمصطلحات الفلسفية التقنية مع التعريفات. ( انظر أبو ريدة 195، 165-79؛ كذلك Allard 1972, Klein-Franke 1982). يُعزا هذا العمل إلى الكندي، وعلى الرغم من أن أصالته شُكك بها فإنه من المؤكد على الأقل بأن حلقة الكندي هي من أخرجته. تتوافق غالب المصطلحات المُعرّفة مع المصطلحات اليونانية التقنية، وبالتالي بناء مصطلحات فلسفية عربية يُقصد بها أن تكون مكافئة لتلك لليونانيين. ومن المدهش أن، ومن البدايات الأولى في التراث العربي الفلسفي، كان ثمة حاجة مُدركة للغة تقنية مُستحدثة لتوصيل الأفكار الفلسفية بوضعيات مختلفة (وبالتأكيد ترجمة اليوناني إلى العربي). ستغدو حتما بعض المصطلحات الموضوعة في حدود الأشياء ورسومها، بالتأكيد ليس كلها، معيارا في التراث الفلسفي اللاحق.

 3. ما بعد الطبيعيات عند الكندي

1.3 البساطة الإلهية

عمل يعقوب بن اسحاق الكندي الأهم عن الفلسفة الأولى (انظر أبوريدة 1950، 97-162،Ivry 1974 ، راشد و Jolivet 1998, 9–99) مُسخّر للـ “الفلسفة الأولى” أو ما بعد الطبيعيات، علم يتعرف به الكندي مباشرة مع دراسة الله. وبما أن كل الفلسفة هي تحقيق عن الحق، فالفلسفة هي علم عن الله الذي هو” الحق الأول الذي هو علة كل حق.”

قد يبدو بأن هذا لا علاقة له كثيرا بفهم أرسطو للفلسفة الأولى كعلم وجود، غير أن الكندي يربطها بقرب مع الحق (” كل ماله آنية له حقيقة”). فبالنسبة له، القول بأن الله علة كل حق معادل للقول بأن الله علة كل آنية، وهي نقطة تجلت أكثر في نهاية ما بقي لنا من في الفلسفة الأولى (انظر أدناه فقرة 3.2).

بيد أن المفهوم المحوري في علم كلام في الفلسفة الأولى، ليس عن الحقيقة ولا الوجود وإنما عن الوحدة. يحاج الكندي حتما عن العلة الأولى للوجود عبر محاجة العلة الأولى للوحدة والتأكيد على ” أن يكون شيئا”  يعني فرض وحدة من نوع ما. وبالتالي فإن فلسفة الكندي للكلام تملك جانبين رئيسيين: برهان على لابد أن يكون ” الواحد الحق” وهو علة الوحدة في كل شيء، ومناقشة طبيعة الواحد الحق هذا. تُعالج تلك الجوانب تباعا في المقطع الثالث والرابع من في الفلسفة الأولى.

يُثبت يعقوب بن اسحاق الكندي في المقطع الثالث أولا، بأنه لا يمكن أن يكون الشيء علة نفسه، وهي نقطة لا تُستخدم بوضوح فيما يتبع، ولكن قد يُقصد منها إظهار بأن لا يمكن لشيء أن يكون علة وحدة ذاته. ومن ثَم يتخذ استعراضا مفصلا للأنواع المختلفة من “اللفظ” متبعا بها الإيزاغوجي لفرفوريوس الصوري، يقسم كل المقولات إلى جنس وعناصر وخلاف وشخص والعرض العام والخاص. ويحاج الكندي، آخذا إياهم بالترتيب، أن كل نوع من المواضيع يحوي الوحدة والكثرة. فالحيوان مثلا جنس واحد، غير أنه مكون من كثرة الأنواع؛ أما الإنسان فنوع واحد المركب من أشخاص كثر؛ والإنسان الواحد هو شخص مركب من أجزاء بدنية عدة. في النهاية، يسعى الكندي لتأويل العلاقة بين الوحدة والكثرة في كل تلك الأشياء. يحاج أنه لا يمكن للعلاقة أن تكون نتاج الصدفة المحضة؛ أو أن تكون علتها أي جزء من مجموعة الأشياء التي هي واحدة وكثيرة في الآن نفسه. لذا لابد من وجود علة خارجية للعلاقة بين الوحدة والكثرة. تلك العلة واحدة حصرا، خالية من الكثرة تماما: يعبّر الكندي عن هذا بالقول أنها واحدة “جوهرية” في حين أنها في الأشياء الأخرى “عرضية”. كما يتحدث عنها “الوحدة الحق” في حين الأشياء الأخرى وحدة “بالمجاز”. العلة محل السؤال هو “الواحد الحق” أو الله باختصار. 

بما أننا رأينا الآن بأن كل نوع من اللفظ أو المعنى يحوي الكثرة كما الوحدة، فليس من المُفاجئ أيضا أن يذهب الكندي  في المقطع الرابع في الفلسفة الأولى إلى المحاجة بأن عدة أنواع من المواضيع لا تنطبق على الواحد الحق ويختصرها في استنتاجه التالي and Jolivet 1998, 95) راشد):

فالواحد الحق إذن لا ذو هيولى ولا ذو صورة، ولا ذو كمية، ولا ذو كيفية، ولا ذو إضافة، ولا موصوف بشيء من باقي المعقولات؛ ولا ذو جنس، ولا ذو فصل، ولا ذو شخص، ولا ذو خاصة، ولا ذو عرض عام، ولا متحرك ولا موصوف بشيء مما بقي أن يكون واحداً بالحقيقة. فهو إذن وحدة فقط محض. أعني لا شيء غير وحدة. وكل واحد غيره فمتكثر. 

وكما ذُكر آنفا، قورن هذا الاستنتاج بمنظور أولئك المتكلمين المعاصرين الذي يُشار إليهم بالمعتزلة. إذ اتخذوا منظورا مشابها في الصرامة حول مسألة الصفات الألوهية، محاجين بأن بساطة الله صرفت قبول أي صفة فارقة عن جوهر الله. غير أنه من الجلي بأن اليونانيين السالفين هم المؤثرون الرئيسيون على الكندي هنا. يحمل “الواحد الحق” شبها قويا بالمبدأ الأول لدى الأفلاطونيون الجدد. وبالفعل يمكننا تذكر أفلاطون نفسه فيما يخص بأن إله الكندي يبدو بأنه يعمل بما يشبه الهيئة الأفلاطونية. مثلما أن هيئة المساواة متساوية بالكامل وليست غير متساوية البتة  وتخدم لتفسير المساواة في الأشياء الأخرى، كذلك الله هو واحد بالكامل وليس متكثرا ويفسر الوحدة في الأشياء الأخرى.

 2.3 الخلق

هذا هو الجزء الوحيد لـ يعقوب بن اسحاق الكندي عن العلة الإلهية. لأن وكما رأينا، يعتقد الكندي بأن ليكون الشيء من نوع معين هو أن يكون واحدا بطريقة معينة، يخلص إلى أن الواحد الحق هو علة الوجود والوحدة على السواء (انظر Adamson 2002b). هو يعتقد على وجه الخصوص أن الله “فاعل” أو علة فاعلة. يُعبّر عن هذا المنظور في  نص موجز (لعله جزء من عمل أطول مفقود) يتسيده عنوان في الفاعل الحق الأول التام والفاعل الناقص الذي هو بالمجاز ]فاعل[ (أبو ريدة 1950، 182-4). يبدأ النص بالتالي:

فنقول: إن الفعل الحقي الأول هو تأييس الآيسات عن ليس. وهذا الفعل بيّن أنه خاصة لله تعالى الذي هو غاية كل علة، فإن تأييس الآيسات عن ليس، ليس لغيره. وهذا الفعل المخصوص باسم الإبداع.

يمضي الكندي في شرح بأنه في حين الله هو الفاعل “الحق”، بما أنه علة الوجود ويفعل دون أن ينفعل، فإن كل الفاعلين هم فاعلون “بالمجاز”، لأنهم يفعلون وينفعلون. إن قوة مصطلح “بالمجاز” هنا هو نفسه ذلك في الفلسفة الأولى: فبمثل أن الأشياء متكثرة وواحدة وبالتالي ليست “حقا” واحدة، كذلك هي فاعلة ومنفعلة وبالتالي ليست “حقا” فاعلة.

ينبثق من هذا النص القصير سؤالين ذوا أهمية عن كيفية فهم الكندي للفعل الإلهي. أولا، مالذي يدور في رأسه حين يصف فاعلية الله تتوسط مفعولات “الفاعلين بالمجاز” (الله “علة قريبة للمنفعل الأول، وعلة بتوسط لما بعد المنفعل الأول من مفعولاته”)؟ ثانيا، ما الذي يشمله ” تأييس الآيسات من ليس”؟

فيما يخص السؤال الأول، يمكن للمرء أن يفترض أن يعقوب بن اسحاق الكندي يتبع نصوص الأفلاطونيين الجدد، وفي رأسه انبثاق تأثيرات وسيطة من المبدأ الأول. لو هذا صحيح، فإن “التأثير الأول” سيكون “عالم العقل” المذكور في النصوص الكندية الأخرى (مثل القول في النفس، مكررا عبارة من ثيولوجيا أرسطوطاليس). يدعم هذا تعليق غير ملزم في الفلسفة الأولى بأن “فالعقل متكثر، وقد نظن بأنه أول متكثر” (راشد وJolivet 1998، 87). لكن يبدو على الأقل بأن “التأثير الأول” المذكور هنا هو عالم السموات: فعبر خلقهن وبث الحركة فيهن، يحيي الله الأشياء في عالم الدنيا بطريقة غير مباشرة (انظر الفقرة اللاحقة 5.2). ستكون هذه نسخة أرسطية أكثر لفكرة أن العلة الإلهية تتوسط.

أما السؤال الثاني، فكرة أن الله العلة الفاعلة للوجود، قد تبدو للوهلة الأولى انحرافا عن أرسطو. بيد في الحقيقة حاج مؤلفون أفلاطونيون جدد أمثال أمنيوس السقاص جليا بأن إله أرسطو علة فاعلة للوجود، وليس مجرد علة نهائية للحركة. وتفهم فقرة من في كمية كتب أرسطوطاليس – النقاش المذكور آنفا عن سورة يس الآية (79-82) – الخلق على غرار نموذج التغير لدى أرسطو، حيث يمر الشيء من نقيض إلى نقيض. ففي حالة الخلق، النقيض “ليس آيس” إلى نقيض آخر “آيس”. لنقاش الكندي هذا نقاشات متوازية المسار في النقاشات الكلامية عن الخلق في القرن التاسع (انظرAdamson 2003). غير ما يثير الدهشة أن مصدره الرئيسي هو أمونيوس السقاص تلميذ يوحنا النحوي، أفلاطوني جديد مسيحي تكلم عن الخلق أيضا على أنه تأييس الآيسات “عن ليس”. ما يُفرّق الكندي ويوحنا عن أسطو هو فكرتهم أن هذا النوع من “التغيير” من آيسات عن ليس لا يتطلب موضوعا. مثلا، ليكون ثمة تغيير من غير الأبيض إلى الأبيض لا بد من وجود موضوع ما أو مادة لمنع البياض والبياض نفسه ( على سبيل المثال، يتحول السياج من غير الأبيض إلى أن يكون أبيضا حين يُصبغ). في حين الله، على النقيض، يوجد الآيس من العدم، دون موضوع للتغير. يركز الكندي أيضا على أن فعل الله الإبداعي لا يتطلب زمنا لإدراكه.

 3.3 أزلية الكون عند الكندي


تجلبنا هاتين النقطتين إلى استخدام يعقوب بن اسحاق الكندي الأكثر تعمقا في حجة يوحنا النحوي بأن الكون ليس بأزلي (والتي من أجلها انظر Davidson 1969 و1987، وStaley  1987). اتبع غالب اليونانيين الفلاسفة أرسطو في القبض على أن العالم أزلي، أي ليس بأنه لن ينعدم قط فحسب وإنما أنه دائما موجود. كان هذا مذهب أرسطو والسقراطيين والأفلاطونيين المتشددين أيضا. كان يوحنا النحوي استثناء لهذا. فهو حاج، وبشكل مطول، بعمل يفند فيه حجج بروكلس الأفلاطوني لصالح أزلية الكون أن طيماوس أفلاطون تصور بشكل صحيح كونا ببداية في الزمن. ويحاول يوحنا النحوي في عمل آخر موجه ضد أرسطو أن يوهن ححج في الفلك والفيزياء التي أظهر فيها أرسطو بأن الكون أزلي.

في الفقرة الثانية من في الفلسفة الأولى، وفي أعمال أخرى قصيرة تعيد نفس الحجج في هذا القسم، يتبع الكندي الحجج المستقاة من يوحنا النحوي. (ليس من الجلي أي نص أو نصوص يوحنا النحوي استخدمها، لكن يبدو أنه عالم على الأقل بأجزاء من ضد أرسطو.) وما يثير الانتباه أن الكندي يتجاهل تماما جانبا كبيرا من مناظرة يوحنا النحوي: ففي في السماوات حاج أرسطو بأن لابد للسماوات أن تكون أزلية لأنها تملك حركة دائرية وبالتالي ليست مصنوعة من أي من العناصر الأربعة القابلة للفساد لعالمنا الدنيوي. وفي حين يهاجم يوحنا النحوي علم الفلك هذا بدحض طويل ومفصل، يقبل الكندي ببساطة بأن السماوات مصنوعة من عنصر خامس ثابت ولا يفسد – بل يضيف ببساطة بأنه مع ذلك بأن بارئه جل وتعالى ابتدأه منذ الأزل. (لهذا الموضوع انظر رسالة في الإبانة عن أن طبيعة الفلك مخالفة لطبائع العناصر الأربعة، حررها أبو ريدة 1953، 40-6).

حين يأتي الكندي للمحاجة بجلاء ضد أزلية الكون فإنه يستخدم منهجية يوحنا النحوي باستخدام أرسطو ضد نفسه. من المعروف بأن أرسطو أعتقد بعدم وجود شيء لا متناهي فعليا. وبالتالي مثلا لا يمكن لجسم الكون أن تكون ضخما بالمطلق. يحاج الكندي بما أن الجرم محدد في الحجم المساحي فلا شيء يفترض بإمكانية كون جسم الجرم لامتناهيا. وبما أن الزمن هو أحد الأشياء التي تحدد هذا الجسم؛ فعليه الكون ليس بأزلي.

تبدو هذه الحجة ضعيفة حتى وإن أقر أرسطو بأنه لا يمكن توقع اللامتناهي من جسم متناهي، سيود بأن يقول أن الكندي أخفق في أخذ الاعتبار الكامل للفرق بين اللامتناهيات  الفعالة والمحتملة. اللا متناهي الفعال هو الحاضر ضمنا في أزليته – جسم لا متناهي الضخامة أو على العموم أي مجموعة بعدد لامتناهي من العناصر الموجودة في ذات الوقت. اللامتناهي المحتمل هو حين يمكن لمقدار متناهي أن يمتد أو يتضاعف إلى ما لانهاية. يعتقد أرسطو على سبيل المثال أن أي شيء متناهي في مقدار المساحة أو الزمن هو لا متناهي احتمالا، في إنه، من حيث المبدأ، يمكن تقسيمه لعدة أجزاء كما يشتهي المرء وبإمكانية تقسيمه لأجزاء أصغر من ذلك أيضا. إن جسم الفلك، كما يقر الكندي نفسه، لا متناهي احتمالا، بمقتضى أن لا يوجد استحالة مبدئية لزيادة حجمه لما لانهاية. لاحظ بأنه وفي الحالتين فإن المحصلة الفعلية لصيرورة كهذه سيكون متناه: أي إضافة محددة لحجم جسم ما سيظل يُنتج جسما بحجم متناه. وبالمثل، مهما قسمت جسما ما، فإن أي فعل محدد للتقسيم سيُنتج عددا متناه من الأجزاء.

الآن يؤمن أرسطو أن أزلية الكون تلزمه فقط بلا متنهاه محتمل. وذلك لأن القول بأن الكون كوجود دائم لا يتضمن أي لا متناه حاضر فعليا. بل يتضمن فقط بأن “أن الكون وُجد مسبقا منذ ن من السنين” وسيكون الكلام نفسه لأي قيمة كانت ن عليها. يمكن للمرء مجازا أن يمضي لأبعد ما يمكن في الماضي واضعا حقبا من الزمن الماضي متزايدة في الضخامة (غير أنها تظل متناهية)، أو يمكن للمرء أن يقسم جسما إلى أرق ما يشتهي. وهذا النوع من اللامتناهي المحتمل أبعد ما يكون من الوضوح في تطبيقه ليكون بقدر متناه. هل لدى الكندي رد على هذا؟

نعم لديه، بيد أن رده يأتي فقط في آخر معالجته لأزلية الكون. الرد، والموجود أيضا لدى يوحنا، هو بأنه للوصول إللى اللحظة الحالية حتى، لابد أن عددا لا متناهيا من اللحظات قد مرت. بمعنى آخر، ثمة في الوقت الحاضر عددا لامتناهيا من اللحظات (سنون أو سواها) مضت “منذ بدء الكون.” وكما يقول أرسطو نفسه لا يمكن للامتناهي أن يُقطع. ليس من الجلي إذا كانت هذه المحاجة ناجحة. إذ تبد أنها تفترض بأننا ننتقي نقطة لامتناهية البعد في الزمن الماضي ثم نخمن عدد السنون التي مضت منذ ذلك الوقت. غير من المحتمل أن أرسطو سيريد حجب الخطوة الأولى في انتقاء نقطة لامتناهية البعد في الزمن الماضي مصرا على أن أي نقطة معينة نختارها في الماضي ستُزال من الحاضر بعدد متناه من السنين ببساطة.

4. علم النفس عند الكندي

1.4 النفس البشرية

نملك عملان لـ يعقوب بن اسحاق الكندي مسخران لأنطولوجيا النفس البشرية وهما أنه توجد جواهر لا أجسام والقول في النفس. يعتمد الاثنان على مصادر يونانية مختلفة جدا، وعروض خطابية متباينة جدا. غير أن المذهب المنبثق منهما ليس بالضرورة منعدم الاتساق.

إن أنه توجد جواهر لا أجسام ( أبو ريدة 1950، 265-69، Adamson and Pormann 2009) تطبيق مبدع لأفكار من المقولات لأرسطو على معضلة تبيان أن النفس البشرية جوهر غير مادي. يتخذ الكندي هذه المهمة على مراحل، أولا مثبتا أن النفس جوهر غير مادي. يحاج بأن النفس جوهر عبر الإشارة إلى الفصول المفتوحة في المقولات ليزعم أن الشيء الواصف لشيء آخر والمعطيه حده واسمه لابد أن يكون من طبيعة موصوفه. وبما أن النفس هي جوهر الكائن الحي والكائن الحي نوع، فالنفس أيضا نوع. علاوة على أنها نوع غير مادي: إذ أن النفس “الصورة العقلية للكائن الحي”، والصورة العقلية نوع. ولكن الأنواع، كما يحاج الكندي، غير مادية؛ وبالتالي النفس غير مادية. ضمن الحركات المعضلة في قطار الحجة هذا هو التعرف على النفس البشرية بالنوع البشري. يبدو أن هذه هي محاولة الكندي لربط فكرة الأنواع، والتي هي “المادة الثانوية” في المقولات، مع مذهب الهيئة في أعمال مثل عن الروح وما بعد الطبيعيات. يدمج الكندي الاثنين ببساطة دون تقديم حجة – لا يتوجه إلى السؤال الجلي عن كيف يمكن لوجود هذا الكم من الأنفس البشرية أن تتطابق جميعا في نوع واحد ألا وهو الإنسان.

خلا التعليقات الافتتاحية والختامية في القول عن النفس (أبو ريدة 1950، 272-80؛ D’Ancona 1996, Genequand 1987, Jolivet 1996) فإن الرسالة تحتوي بالكامل على اقتباسات من مراجع يونانية – أفلاطون، فيثاغورس وأرسطو- عن طبيعة النفس. إن المصادر المستخدمة غير واضحة، على الرغم من أن الجمهورية هي المصدر الرئيسي لقسم يصف نفس أفلاطون ثلاثية الجوانب. أما القسم عن أرسطو فهو أسطورة عن ملك يوناني، ولا علاقة له بأي عمل أرسطي حي. إن فحوى هذه التعليقات محفزة وإنكارية وحتى تصورية: إن مهمتنا تطهير أنفسنا من “الدنس” التي تلتصق بها من الجسد، ومن ثم تصعد إلى الفلك السماوية وإلى “عالم العقل” في النهاية حيث تقيم في “نور الباري”. تبدو النفس موضع السؤال هنا نفسا عقلانية: الأجزاء الدنيا من نفس أفلاطون ثلاثية الجوانب (الأجزاء الغضبية والشهوانية) توصف على أنها ملكات موضوعة في الجسد. إن الغاية من هذا المنظور النفسي لا تخالف تلك في جواهر لا أجسام: النفس “جوهر بسيط”، منفصل عن الجسد. وهذا بالفعل معروض بمجمل الرسالة في تعليقات الكندي الختامية.

2.4 إبستيمولوجيا 

لعلم النفس الثنائي الصارم هذا آثارا بالغة التوغل في إبستيمولوجيا وأخلاقيات يعقوب بن اسحاق الكندي. من الجلي في القول أن الكندي حين يتحدث عن انفصال النفس عن الجسد، حتى في حياتنا الدنيا، فهو يشير فقط إلى النفس الفكرية أو العقلانية. وفي حين أن هذا وحده لا يستبعد أن العقلنة والمنطق هما راسختان في التجربة الجسدية بطريقة ما، إلا أن الكندي لا يتبع نظاما تجريبيا في السياقات حين يتجه إلى المسائل الإبستيمولوجية.

إن أكثر نصوص الكندي أهمية عن الإبستيمولوجيا هو العمل المعروف، عدا الفلسفة الأولى، المسمى عن العقل (أبو ريدة 1950، 353-8؛ أيضا McCarthy 1964, Ruffinengo 1997). نالت هذه الرسالة قدرا غير معتاد من الأهمية، على الرغم من إيجاز واختصار الحجة، لأنه أول عمل عربي يُظهر تأثير التقسيمات اليونانية للعقل إلى مستويات أو أنواع. (انظر Jolivet 1971, with Endress 1980خصوصا). كانت هذه التقسيمات في المقابل، مع النسخ المتنوعة التي قدمها ألكسندر وثاميسطيوس ويوحنا ومعلقون آخرون، محاولة لتنظيم تعليقات أرسطو عن العقل في الكتاب الثالث عن الروح وأماكن أخرى.

وبعيدا عن ربط العقل بالإحساس، يحاج الكندي في عن العقل بأن للعقل البشري وظيفة موازية لكن منفصلة عن الإدراك الحسي البشري. (ولتضاد مشابه انظر أيضا في الفلسفة الأولى، القسم 2.) ومثل الإحساس، يبدأ العقل البشري نفسه بوضع احتمالي وهذا هو النوع الأول من العقل، العقل المحتمل، والذي هو محض القدرة على استيعاب الصيغ العقلية. متى ما استوعب صيغة يفكر بها فعليا غدى “عقلا فعال”. إذن نحن قادرون على التفكير بتلك الصيغ عن إرادة. وقدرتنا لفعل ذلك هو ما يسميه الكندي “العقل المكتسب” (لا نخلط بين “العقل المكتسب” للفارابي والذي يعني بهذا الحصول الشامل على صيغ عقلية عدة). لاحظ بأن  أنواع العقل هذه هي نفسها حقيقة العقل البشري في ثلاث حالات مختلفة: الاحتمالي ككل والفعال ككل والاحتمالي مؤقتا لكن قادر على أن يتفعل عند الرغبة.

ولكن كيف انتقلنا من العقل المحتمل إلى العقل الفعال في المقام الأول؟ لعل الكندي تحدث هنا عن نوع من الحكاية التجريبية، ولعلها شملت التجريدية؛ تلعب حكاية كهذه بعضا من الدور على الأقل  في خلفاء الكندي أمثال الفارابي وابن سينا. غير أن الكندي يمنح اعتبارا عقلانيا متعمقا عن كيف أتينا إلى التفكير،واحدة منها موازية غير أنها مفارقة لاعتباره عن الإحساس. فمثلما الإحساس تفعّل عبر هيئة حسية خارجية، كذلك العقل تفعّل عبر هيئة عقلانية خارجية. وهذه الهيئة ستمكث في الصيغة النهائية للعقل، “العقل الأول”، وهو نسخة الكندي من “العقل الصانع” لأرسطو عن الروح 3.5 وفيما ليس من الجلي أي موقف من المقصود أن يحظى به العقل الأول لأنطولوجيا الكندي، غير أنه من الواضح بأنه نوع فارق عن العقل البشري. العقل الأول “يفعل دائمل” مما يعني بأنه يمكن أن يعمل كمصدر خارجي للصيغ العقلية، مثلما يعمل الموضوع الحسي كمصدر خارجي للصيغة الحسية.

امتلكنا بعض الفهم حيال كيف يمكن أن يعقوب بن اسحاق الكندي طبّق هذه الإبيستمولوجيا العقلانية في سياقات معينة من أعمال عن الاستذكار وعن الأحلام. ففي رسالته عن الاستذكار (لأجلها انظر Endress 1986 و 1994) يحاج بوضوح بأنه لا يمكننا اشتقاق صيغ عقلانية من إدراك حسي. عليه فإننا لا “نتعلم” تلك الصيغ، بل “نتذكرها” ببساطة قبل دخول النفس للجسد. يتبع الكندي هنا بالطبع وبشكل واسع اعتبار الاستذكار لدى أفلاطون في مينو وفايدو، على الرغم أنه لا يزال محجوبا لنا كيف عرف عن هذا الاعتبار. (على الأغلب بأنه عرفها من نسخة عربية، لعلها من مختصر عن فايدو.)

يمنح عن النوم والأحلام (أبو ريدة 1950، 293-311؛ أيضا Ruffinengo 1997)، والذي يعد نصا أكثر طولا وتفصيلا، اعتبارا طبيعيا عن لماذا تحصل رؤى الأحلام وكيف يمكن تأويلها. كان مصدر الكندي الأساسي هنا هو الطبيعيات الصغرى لأرسطو، والذي تضمن عن النوم وعن الأحلام وعن الرؤى في النوم. إن النسخة العربية الباقية من هده النصوص، والتي يمكن أن تكون متعلقة بالنسخة التي استخدمها الكندي، هي مختلفة بشكل مهم عن النسخة اليونانية، إذ أنها تقربأن رؤى الأحلام الحقة مرسولة من الله (قارن مع Pines 1974). إذا كان الكندي عالما بهذه النسخة فهو لم يتبع إلا جزءلا منها فقط، إذ يحتضن فكرة رؤى الأحلام، غير أنه لا يزعم بأنها تأتي لنا من الله. ولشرح الأحلام، يتطرق الكندي إلى ملكة لم نناقشها بعد ألا وهي الخيال تحديدا أو الفانتازيا. يقول الكندي، متبعا أرسطو، أن الأحلام تحصل حين ننام لأن حواسنا ما عادت فاعلة، مما يفسح للخيال ميدانا حرا لاستحضار صيغ تخصه. كما يمنحنا اعتبارا وظيفيا للنوم، والذي يفترق عن أرسطو عبر وضع ملكة الخيال في الدماغ. وفي حين يواجه أرسطو بعض الصعوبات في شرح ظاهرة رؤى الأحلام، بل في الواقع هو مشكك بها، فإن الكندي متحمس حيالها. بل حتى أنه يشرح الأنواع المتعددة للأحلام، بما فيها دقتها التي تحددها الحالة الوظيفية للدماغ. ولكن على الرغم من الأوجه الوظيفية لاعتبار الكندي، فإن النفس الروحية هي من تقوم بعمل التأويل الأساسي، والتي “تعلن” منظورها عن المستقبل للخيال. ومجددا، تقبض النفس العقلانية على موضوعاتها بنفسها. يعتقد الكندي وبشكل معبّر أن الإحساس يقوّض قدرة النفس هذه عوضا عن مساهمته بأي شيء حيالها.

 3.4 تطبيق الأخلاقيات

ليس من المفاجىء أن فكر يعقوب بن اسحاق الكندي الأخلاقي هو شديد العقلانية بعد معرفتنا أنه يفصل بحدة النفس العقلانية عن الجسد والملكات الوظيفية الدنيا وأنه يرى أن النفس العقلانية هي “ذاتنا” الحقة أو “جوهرنا” وهي الجزء الوحيد الذي ينجو بعد فناء الجسد. غير أنه من المؤسف بأن عددا كبيرا من المواضيع الأخلاقية والسياسية المنسوبة له في الفهرست مفقودة في مجملها تقريبا. أكثر النصوص أهمية من التي ظلت هو في الحيلة لدفع الأحزان (Ritter و Walzer1983، Butterworth 199،Druart 1993،Jayyusi-Lehn 2002، Mestiri و Dye 2004). وهذا أيضا أكثر أعمال الكندي اقتباسا من قبل المفكرين اللاحقين أمثال ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق.

وكما يشير العنوان في الحيلة لدفع الأحزان، هو عمل في مجال المواساة الفلسفية. إذ يحتوي غالب النص على نصح عملي، حكم ونوادر يمكنك للمرء أن يضعها بعين الاعتبار حين يجد نفسه قد أسرى به الحزن. ثمة فقرة مبهرة بالمجاز تصف حياتنا الدنيوية على أنها مرفأ في رحلة بحر، هذه الصورة منقولة حتميا من أبيكتيتوس. إن الأسس الفلسفية لهذه الرسالة مع هذا موضوعة في الأقسام الأولى، حيث يمنح الكندي حجة ذات مبدأ ضد وضع قيمة للمواضيع المادية. إذ يقول بأن الغنى والمواد المادية الأخرى بطبيعتها الأساسية هشة ومؤقتة. لا يمكن لأحد أن يسلم من فقد جميع مقتنياته – “يغصبنا قنياتنا أحد”. والأمر الأشد حسما هو حقيقة أنها وسائل مادية عرضة في ذاتها للتبدل والفساد وبالتالي الزوال. فعوضا عليه علينا أن نقدّر ونسعى للأشياء الثابتة والصامدة والتي لا يمكن أن تُغتصب مننا: ستكون تلك الأشياء فيما نعرفها الآن “عالم العقليات”. فإلى المدى الذي تكون به رغبات المرء تجاه الأشياء العقلية حصرا، سيكون المرء محصنا من الهشاشة والحزن. تُظهر هذه الحجة إذا بأن الحزن لا طائل منه أبدا. يُقصد من النوادر و”العلاجات” الأكثر عملية المطروحة في باقي الرسالة أن تجعل من الأيسر لنا القبول والعيش بمقتضى هذا الاستنتاج.

 5. العلم عند الكندي

1.5 استخدام الرياضيات

على الرغم من طبيعة إبيستمولوجية يعقوب بن اسحاق الكندي المناهضة للتجريبية الملاحظة آنفا، غير أنه يسخر طاقة مهولة لأفرع العلوم الفيزيائية المتعددة. تلك المستعرضة بشكل جيد في الكتلة الضخمة لعمله في البصريات والطب، خصوصا في تركيب الأدوية (للبصريات انظر راشد 1997؛ وللطب Gauthier 1939؛ وللاطلاع على هذه الجوانب عموما انظر Adamson 2007، الفصل 7). ما يميز توجه الكندي لمواضيع كهذه هو استخدام الرياضيات. نوقش بشكل مقنع بأن الرياضيات كانت أساسية لمنهجية الكندي نفسه في الفلسفة (Gutas 2004، قارن مع Endress 2003)؛ يعد توجهه الرياضي تجاه تصنيفات أرسطو مثالا جيدا؛ والذي يجعل من  الكم والنوع أساسا لمنطق أرسطو (Ighbariah 2012). وبالطبع لم يفوت أي فرصة لتطبيق الآليات الرياضية لما نعرفه الآن المواضيع “العلمية”. علاوة على أنه كتب أعمالا عدة في الموسيقى (حُررت في زكريا 1962)، التي كانت تعد للقدامى والكندي نفسه فرعا من العلوم الرياضية. فضلا على أنه كتب بالتفصيل بمواضيع تُعد رياضية أكثر، كما وُثقت عبر الفهرست، على الرغم أن جُلّ هذه المادة مفقودة.

يعد استخدام يعقوب بن اسحاق الكندي للهندسة في البصريات مثالا جيدا على  كيفية تطبيقه للرياضيات على المجالات الأخرى (انظر Lindberg 1971، راشد 1997، (Adamson 2006. يتبع الكندي في هذا الموضوع التقليد الذي دشنه إقليدس وكمله بطليموس وآخرون، إذ استُخدمت التركيبات الهندسية لشرح الظواهر مثل الإدراك البصري والظلال وانكسار الضوء والانعكاس والمرايا الحارقة. يوعز هذا الإجراء بأن الضوء والبصر يمكن تشكيله على أنه خطوط هندسية، وهو إيعاز احتضنه الكندي ومصادره عبر الزعم بأن البصر يحصل حين تنطلق “الأشعة” من العينين عبر خطوط مستقيمة لتضرب الغرض البصري. وبالمثل، تُضاء الأغراض حين يطلق مصدر الضوء أشعة ضوئية تضرب أسطح الأغراض. مهدت جوانب من اعتبار الكندي لابن الهيثم الذي وبعد عقود لاحقة سيغدو الأول في شرح البصر بدقة.

الآن، يبدو هذا الاعتبار المبني على “الأشعة” بأنه أساس أكثر أعمال الكندي طموحا عن العلوم الفيزيائية وهي رسالة مطولة عن الأشعة والمحفوظة باللاتينية فقط (انظر D’Alverny و Hudry 1974). ثمة بعض الشك في أصليتها، غير أنه يبدو من المعقول بأن عن الأشعة تمثل محاولة الكندي لشرح كل التفاعلات الفيزيائية – من التسخين والتبريد إلى البصر وإلى التأثير النجمي وإلى التعاويذ السحرية – بمقتضى آلية هندسية بالأساس. (للتوصل إلى أعمال البصريات انظر Travaglia 1999).

 2.5 الكونيات

يشرح الجزء المركزي من عن الأشعة أن النجوم والكواكب تبث الأحداث في العالم الدنيوي عبر أشعة تصدرها الأجرام السماوية إلى نقاط على سطح الأرض. هذا يختلف عن الاعتبار الموجود في الرسائل الفلكية الأخرى للكندي التي يتبع بها يوحنا النحوي ألكسندر الأفروديسي في القبض على أن الأجرام السماوية تسخن عالم الدنيا فعليا عبر الاحتكاك خلال مرورها عليه. وفي الحالتين، يقصد من الاعتبار المعطى شرح فاعلية علم الأفلاك. كتب الكندي أعمالا عدة عن هذا الموضوع، كما كان مشاركه أبو معشر أعظم رمز في علم الفلك العربي. كلاهما رأى علم الفلك كعلم عقلاني، مدعما بنظرية مشغولة جيدا بالأسباب الفيزيائية (للنظر أكثر Burnett 1993، Adamson 2002a).

تحتوي كتلة أعمال يعقوب بن اسحاق الكندي على رسائل عدة عن الكونيات، شارحا ومدافعا عن صورة الكون بأربعة دوائر من العناصر المتراكزة، والتي تتداخل سوية مع الجرم الأقصى الخارجي لتُنتج موادا مركبا ومعقدة مثل المعادن والنباتات والحيوانات. على الرغم من التأثير الرئيسي على الكندي هو أعمال أرسطو ومعلقوه، خصوصا ألكسندر، غير أنه يعرف بعض الشيء عن طيماوس، كما هو ظاهر من رسالة تشرح لماذا ربط أفلاطون العناصر والأجرام بالمجسمات الأفلاطونية (أبو ريدة 1953، 54-63؛ Rescher 1968).

أحد الجوانب التي يتبع بها يعقوب بن اسحاق الكندي ألكسندر هو قناعته بأن الأجرام هي الوسيلة التي يمارس بها الله عنايته الإلهية على العالم الدنيوي (انظر Fazzoو Fazzo 1993). إن مزاعم الكندي الجريئة عن الفلك تلزمه مسبقا بفكرة أن المدى العريض من أحداث معينة يمكن تكهنها على أساس سببية فلكية. إن معتقد عن العناية الإلهية تمضي قدما عبر الإيعاز أن كل الأحداث في العالم الدنيوي تسببها النجوم، التي تحمل “الأمر” الحميد من الله. هذا المعتقد معروض في الإبانة عن سجود الجرم الأقصى (أبو ريدة 1950، 244-261، راشد و Jolivet 1998، 177-99).  والإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد (أبو ريدة 1950، 214-237). تشرح الرسالة الأولى أن الأجرام تحوي أنفسا والتي تتبع أوامر الله بحرية بحيث تتحرك بطريقة يقصد بها بفضل العناية الإلهية أن تكون الأشياء والأحداث الدنيوية. فوفقا للكندي هذا ما يشير إليه القرآن “والنجم والشجر يسجدان”. في حين أن في الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة، يمنح الكندي اعتبارا أكثر تفصيلا للوسيلة التي بها تسبب الأجرام حدوث الأشياء في العالم الدنيوي (هنا يتطرق للاحتكاك وليس الأشعة). إن أكثر تأثرات النجوم جلاء على عالمنا هو مسار الفصول، لأن الشمس (بسبب حجمها وقربها) هي الجرم السماوي ذات الأثر الأقوى. إذ لم يكن ثمة سببية جرمية، فلن تندمج العناصر البتة وفقا للكندي، وسيتألف العالم الأدنى من أربع كرات من أرض وماء وهواء ونار غير مختلطة.

إن اعتبار الكندي عن السببية النجمية والعناية الإلهية لمثال جيد على منهجيته الفلسفية: الجمع والبناء على أفكار مأخوذة من أرسطو والفلاسفة اليونان اللاحقين والمؤلفين “العلميين” أمثال بطليموس. هو يمنح اعتبار عقلانيا لمفهوم مركزي في الإسلام ألا وهو السجود. إذ يظهر بأنه مستعد حتى لاستخدام اعتبار كهذا لتفسير القرآن نفسه. الكندي واثق بأنه متى ما كشف عن الأطروحات الحصيفة للحكمة اليونانية، فإن معاصروه الأكثر تنويرا وممولوه سيوافقون بأنه يمكن استخدام تلك النصوص الأجنبية بالجمع مع المجالات “العربية” الأصيلة كالنحو في سبيل فهم أعمق للإسلام نفسه.

 6. إرث الكندي

لم يكن تفاؤل يعقوب بن اسحاق الكندي بهذه النتيجة محمولا بالضرورة إلى الأجيال اللاحقة. لكن يمكن للمرء أن يفطن إلى ميل مستمر ضمن المفكرين المتأثرين بالكندي إلى تناغم الفلسفة “الأجنبية” مع التطورات الأصيلة” في الثقافة الإسلامية. هذه أحد المزايا التي يمكن تسميتها بـ “التقليد الكندي”، وهو تيار فكري جرى في القرن العاشر، والذي تمثل بشكل جلي عبر طلبة الكندي من الجيل الأول والثاني. ولعل الأبرز من بين هؤلاء الرموز هو العميري الذي يعد مفكرا أفلاطوني جديد من الجيل الثاني من طلبة الكندي (كان الرابط أبو زيد البلخي). كما تأثر بالكندي المفكر اليهودي إسحاق الإسرائيلي ( انظر عنه في  Altmannو Stern 1958 ) ومتعدد الثقافة في القرن العاشر الذي ذكر آنفا، ابن مسكويه.

وفي حين نادرا ما يقتبس الكتاب العرب ما بعد القرن العاشر للكندي، إلا أنه كان رمزا مهما للكتاب اللاتينين في القرون الوسطى. كانت أعماله عن علم الفلك الأكثر تأثيرا (انظر Burnett 1999)؛ فضلا على أن أعماله عن العقل تُرجمت أيضا، وكما ذكر آنفا ثمة أعمال للكندي باقية فقط باللاتينة. أحدها، عن الأشعة، والتي غدت هدفا لمناظرة ألفها جيليس رومانو.

يمكن أن نضيف لهذا أن الفلسفة في العالم الإسلامي كانت بحد ذاتها إرثا عريضا لـ يعقوب بن اسحاق الكندي، وذلك من ناحيتين. أولها؛ إن التراجم التي أنتجتها حلقة الكندي ستغدو نصوصا فلسفية معيارية لقرون قادمة – الأكثر تأثيرا على الخصوص سيكون تراجمهم لأعمال أرسطية معينة (مثل ما بعد الطبيعيات) ولأفلوطين في أثولوجيا أرسطوطاليس. ثانيا؛ على الرغم من أنه بالكاد ذكر مؤلفون أمثال الفارابي وابن رشد الكندي باسمه (لم يفعلها الفارابي قط، وفعلها ابن رشد فقط لينقد نظريته الدوائية)، بيد أنهم حملوا مشروعه المحب لليونان حيث تُعرّف ممارسة الفلسفة بارتباطها بالأعمال الفلسفية اليونانية. 


المراجع

  • Abu Rida, M.‘A.H. (ed.), 1950/1953, Al-Kindi, Rasa’il al-Kindi al-Falsafiyya, 2 volumes, Cairo: Dar al-Fikr al-‘Arabi.
  • Adamson, P., 2002a, “Abu Ma‘shar, al-Kindi and the Philosophical Defense of Astrology,” Recherches de philosophie et théologie médiévales, 69: 245–270.
  • –––, 2002b, “Before Essence and Existence: Al-Kindi’s Conception of Being,” The Journal of the History of Philosophy, 40: 297–312.
  • –––, 2003, “Al-Kindi and the Mu‘tazila: Divine Attributes, Creation and Freedom,” Arabic Sciences and Philosophy, 13: 45–77.
  • –––, 2005, “Al-Kindi and the Reception of Greek Philosophy,”in The Cambridge Companion to Arabic Philosophy, ed. P. Adamson and R.C. Taylor, Cambridge: Cambridge University Press, 32–51.
  • –––, 2006, “Vision, Light and Color in al-Kindi, Ptolemy and the Ancient Commentators,” Arabic Sciences and Philosophy, 16: 207–236.
  • –––, 2007, Al-Kindi, New York: Oxford University Press.
  • –––, 2015, Studies on Plotinus and al-Kindi, Farnham: Ashgate Variorum.
  • Adamson, P. and Pormann, P.E. (trans.), 2012, The Philosophical Works of al-Kindi, Karachi: Oxford University Press.
  • Adamson, P. and Pormann, P.E., 2009, “Aristotle’s Categoriesand the Soul: an Annotated Translation of al-Kindi’s That There Are Separate Substances,” in J.M. Dillon and M. Elkaisy-Friemuth (eds), The Afterlife of the Platonic Soul. Reflections of Platonic Psychology in the Monotheistic Religions, Leiden: Brill, 95–106.
  • Akasoy, A. (trans.), 2011, Al-Kindi: Die erste Philosophie, Freiburg: Harder.
  • Allard, M., 1972, “L’épître de Kindi sur les definitions,” Bulletin d’études orientales de l’Institut français de Damas, 25: 47–83.
  • Altmann, A., and Stern, S.M., 1958, Isaac Israeli: a Neoplatonic Philosopher of the Early Tenth Century, Oxford: Oxford University Press.
  • Atiyeh, G.N., 1966, Al-Kindi: the Philosopher of the Arabs, Rawalpindi: Islamic Research Institute.
  • Burnett, C., 1993, “Al-Kindi on Judicial Astrology: ‘The Forty Chapters,’” Arabic Sciences and Philosophy, 3: 77–117.
  • –––, 1999, “Al-Kindi in the Renaissance,” in P.R. Blum (ed.), Sapientiam amemus: Humanismus und Aristotelismus in der Renaissance, München: Wilhelm Fink, 13–30.
  • Butterworth, C., 1992, “Al-Kindi and the Beginnings of Islamic Political Philosophy,” in C. Butterworth (ed.), The Political Aspects of Islamic Philosophy, Cambridge, MA: Harvard University Press, 14–32.
  • Celentano, G., 1979, Due scritti medici di al-Kindi, Naples: I.U.O.
  • Cortabarria Beitia, A., 1972, “La classification des sciences chez al-Kindi,” MIDEO, 11: 49–76.
  • D’Alverny, M.-T. and Hudry, F., 1974, “Al-Kindi. De Radiis,” Archives d’histoire doctrinale et littéraire du moyen âge, 61: 139–260.
  • D’Ancona, C., 1996, “La dottrina Neoplatonica dell’anima nella filosofia Islamica: un esempio in al-Kindi,” in Actes del Simposi Internacional de Filosofia de l’Edat Mitjana, Vic: Patronat d’Estudis Osonencs, 91–6.
  • –––, 1998, “Al-Kindi on the Subject Matter of the First Philosophy. Direct and Indirect Sources of ‘Falsafa-l-ula,’ Chapter One,” in J.A. Aertsen and A. Speer (eds), Was ist Philosophie im Mittelalter, Berlin: Walter de Gruyter, 841–55.
  • Davidson, H.A., 1969, “John Philoponus as a Source of Medieval Islamic and Jewish Proofs of Creation,” Journal of the American Oriental Society, 89: 357–91.
  • –––, 1987, Proofs for Eternity, Creation and the Existence of God in Medieval Islamic and Jewish Philosophy, New York: Oxford University Press.
  • Druart, T.-A., 1993, “Al-Kindi’s Ethics,” Review of Metaphysics, 47: 329–57.
  • Endress, G., 1980, Review of Jolivet (1971), Zeitschrift der deutschen morgenländischen Gesellschaft, 130: 422–35.
  • –––, 1986, “Al-Kindi’s Theory of Anamnesis. A New Text and its Implications,” in Islão e arabismo na Península Ibérica: Actas do XI Congreso da União Europaeia de Arabistas e Islamólogos, Évora: Universidade de Évora, 393–402.
  • –––, 1987/1992, “Die wissenschaftliche Literatur,” in H. Gätje (ed.), Grundriss der arabischen Philologie(Wiesbaden: Ludwig Reichert), Volume 2, 400–506, Volume 3 (Supplement), 3–152.
  • –––, 1994, “Al-Kindi über die Wiedererinnerung der Seele,” Oriens, 34: 174–221.
  • –––, 1997, “The Circle of al-Kindi,” in G. Endress and R. Kruk (eds), The Ancient Tradition in Christian and Islamic Hellenism, Leiden: Research School CNWS, 43–76.
  • –––, 2003, “Mathematics and Philosophy in Medieval Islam,” in J.P. Hogendijk and A.I. Sabra (eds), The Enterprise of Science in Islam, Cambridge, MA: MIT Press, 121–76.
  • Endress, G. and Adamson, P., 2017, “Abu Yusuf al-Kindi,” in U. Rudolph, R. Hansberger, and P. Adamson (eds.), Philsophy in the Islamic World(Volume 1: 8th to 10th Centuries), Leiden: Brill, 143–220.
  • Fakhry, M., 1963, “Al-Kindi wa ’l-Suqrat,” al-Abhath, 16: 23–34.
  • Fazzo, S. and Wiesner, H., 1993, “Alexander of Aphrodisias in the Kindi Circle and in al- Kindi’s Cosmology,” Arabic Sciences and Philosophy, 3: 119–53.
  • Gannagé, E., 2016, Al-Kindī, “Ptolemy (and Nicomachus of Gerasa) Revisited,” Studia Graeco-Arabica, 6: 83–112.
  • Gauthier, L., 1939, Antécédents gréco-arabes de la psycho-physique, Beirut: Imprimerie Catholique.
  • Genequand, C., 1987, “Platonism and Hermetism in al-Kindi’s Fi al-Nafs,” Zeitschrift für Geschichte der arabisch-islamischen Wissenschaften, 4: 1–18.
  • Guidi, M. and Walzer, R., 1940, Uno Scritto Introduttivo allo Studio di Aristotele, Rome: Reale Accademia Nazionale dei Lincei.
  • Gutas, D., 1998, Greek Thought, Arabic Culture: the Graeco-Arabic Translation movement in Baghdad and early society (2nd-4th / 8th-10th centuries), London: Routledge.
  • Gutas, D., 2004, “Geometry and the Rebirth of Philosophy in Arabic with al-Kindi,” in R. Arnzen and J. Thielmann (eds), Words, Texts and Concepts Cruising the Mediterranean Sea: Studies on the Sources, Contents and Influences of Islamic Civilization and Arabic Philosophy and Science, Leuven: Peeters, 195–209.
  • Ighbariah, A., 2012, “Between Logic and Mathematics: al-Kindi’s Approach to the Aristotelian Categories,” Arabic Sciences and Philosophy, 22: 51–68.
  • Ivry, A., 1974, Al-Kindi’s Metaphysics, Albany: SUNY Press.
  • Janssens, J., 1994, “Al-Kindi’s Concept of God,” Ultimate Reality and Meaning, 17: 4–16.
  • Jayyusi-Lehn, G., 2002, “The Epistle of Ya‘qub ibn Ishaq al-Kindi on the Device for Dispelling Sorrows,” British Journal of Middle Eastern Studies, 29: 121–135.
  • Jolivet, J., 1971, L’Intellect selon Kindi, Leiden: Brill.
  • –––, 1979, “Pour le dossier du Proclus arabe: al-Kindi et la Théologie Platonicienne,” Studia Islamica, 49: 55–75.
  • –––, 1996, “La topographie du salut d’après le Discours sur l’Âmed’al-Kindi,” in M.A. Amir-Moezzi (ed.), La voyage initiatique en terre d’Islam, Louvain: Peeters.
  • –––, 2004, “L’Épître sur la quantité des livres d’Aristotepar al-Kindi (une lecture),” in R. Morelon and A. Hasnawi (eds), De Zénon d’Élée à Poincaré: Recueil d’études en hommage à Roshdi Rashed, Louvain: Peeters, 665–83.
  • Klein-Franke, F., 1975, “Die Ursachen der Krisen bei akuten Krankheiten: eine wiederentdeckte Schrift al-Kindi’s,” Israel Oriental Studies, 5: 161–88.
  • –––, 1982, “Al-Kindi’s ‘On Definitions and Descriptions of Things,’” Le Muséon: Revue des Études Orientales, 95: 191–216.
  • Lindberg, D.C., 1971, “Alkindi’s Critique of Euclid’s Theory of Vision,” Isis, 62: 469–89.
  • McCarthy, R., 1964, “Al-Kindi’s Treatise on the Intellect,” Islamic Studies, 3: 119–49.
  • Mestiri, S. and Dye, G., 2004, Al-Kindi: Le moyen de chasser les tristesses et autres textes éthiques, Paris: Fayard.
  • Pines, S., 1974, “The Arabic Recension of Parva Naturaliaand the Philosophical Doctrine Concerning Veridical Dreams According to al-Risala al-Manamiyya and Other Sources,” Israel Oriental Studies, 4: 104–53.
  • Périer, A., 1920, “Un traité de Yahya ben ‘Adi. Défense du dogme de la Trinité contre les objections d’al-Kindi,” Revue de l’orient christian(3rd series), 22: 3–21.
  • Rashed, R., 1997, Oeuvres Philosophiques & Scientifiques d’al-KindiVolume 1, L’Optique et la Catoptrique, Leiden: Brill.
  • Rashed, R. and Jolivet, J., 1998, Oeuvres Philosophiques & Scientifiques d’al-KindiVolume 2, Métaphysique et cosmologie, Leiden: Brill.
  • Rescher, N., 1968, “Al-Kindi’s Treatise on the Platonic Solids,” in N. Rescher, Studies in Arabic Philosophy, Pittsburgh: Pittsburgh University Press, 15–37.
  • Ritter, H., and Walzer, R., 1938, Uno Scritto Morale Inedito di al-Kindi, Rome: Reale Accademia Nazionale dei Lincei.
  • Rosenthal, F., 1942, “Al-Kindi als Literat,” Orientalia, 11: 262–88.
  • Ruffinengo, P.P., 1997, “Al-Kindi, Trattato sull’intelletto. Trattato sul sogno e la visione,” Medioevo, 23: 337–94.
  • Schöck, C., 2012, “The Controversy between al-Kindi and Yahya b. ʿAdi on the Trinity: a revival of the Controversy Between Eunomius and the Cappadocian Fathers,” Orientalia, 40: 1–50.
  • Staley, K., 1989, “Al-Kindi on Creation: Aristotle’s Challenge to Islam,” Journal of the History of Ideas, 50: 355–70.
  • Tornero Poveda, E., 1992, Al-Kindi: la transformacion de un pensamiento religioso en un pensamiento racional, Madrid: Consejo Superior de Investigaciones Científicas.
  • Travaglia, P., 1999, Magic, Causality, and Intentionality. The Doctrine of Rays in al-Kindi, Turnhout: Micrologus.
  • Zakariyya’, Y., 1962, Mu’allafat al-Kindi al-musiqiyya, Baghdad: Matba‘a Shafiq.

الأدوات الأكاديمية

sep man iconHow to cite this entry.
sep man iconPreview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
inpho iconLook up topics and thinkers related to this entry at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).
phil papers iconEnhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

  • Al-Kindi, a short podcast by Peter Adamson (Philosophy, LMU Munich).

مداخل ذات صلة

Aristotle | eternity, in Christian thought | Philoponus | Plotinus | Proclus


[1] Adamson, Peter, “al-Kindi”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2020/entries/al-kindi/>.