أين تقع الذكريات في دماغك؟ بحث جديد يكشف السر / ترجمة: ميسون الصقعوب

أين تقع الذكريات في دماغك؟ بحث جديد يكشف السر / ترجمة: ميسون الصقعوب

 

مراجعة: معاذ الدهيشي


على الرغم من أن الذاكرة شيء غير ملموس، إلا أن لها أسساً بيولوجيةً متينة. حسب مراجع العلوم العصبية، فإن الذاكرة تتشكل عندما تقوم خلايا الدماغ المتجاورة بإرسال إشارات كيميائية عبر الوصلات العصبية أو المشابك Synpases بينهما (المساحة بين نهايات الخلايا العصبية التي تصلها ببعضها). في كل مرة تستعيد فيها الذاكرة فإنك تقوم بإعادة تنشيط هذه الوصلات وتقويتها. فكرة أن الذاكرة تسكن في الوصلات العصبية كانت هي السائدة لأكثر من قرن، ولكن دراسة جديدة في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس UCLA قد تقوم بقلب هذا المفهوم، بحيث تشير إلى أن الذاكرة تسكن بداخل بنية الخلايا العصبية نفسها!

تكمن أهمية هذا العمل في علاج بعض الاضطرابات النفسية المتعلقة بالذاكرة مثل اضطراب الكرب ما بعد الصدمة PTSD، وهي حالة متعلقة بالذكريات المؤلمة الغير متحكم بها كالناجين من الحروب والكوارث.

10683-2

 

منذ أكثر من عقد والعلماء يحاولون استخدام عقار البروبرانولول Propranolol لعلاج الاضطراب، هذا العقار يستخدم لمنع الذكريات من التكون عن طريق إيقاف إنتاج عدد من البروتينات المسؤولة عن تكوين الذاكرة طويلة المدى، ولكن سرعان ما تعرض هذا العقار للعقبات، حيث أنه لا يجدي إلا إذا تم إعطاؤه بعد التعرض للصدمة مباشرة! لاحقاً قام الباحثون بتجربة أمور أخرى، حيث أن المعطيات تدل على أنه عند إستعادة حدث معين فإنك لا تقوم بتقوية الوصلات العصبية المؤدية لها فحسب بل وتكون قابلة للتغيير بشكل مؤقت وهذه العملية تعرف بـ”إعادة تصليب الذاكرة” Memory Reconsolidation. إعطاء البروبرانولول أو غيرها من الطرق العلاجية مثل التحفيز الكهربائي أو عقارات أخرى أثناء إستعادة حدث معين قد يمكّن العلماء من إيقاف إعادة تصليب الذاكرة والقضاء على تلك الوصلة العصبية المتحكمة بذاكرة الحدث المعني.

القدرة على إيقاف إستعادة الذكريات أثار انتباه ديفد قلانزمان David Glanzman أخصائي علم الأحياء العصبية في جامعة UCLA، حيث قام بدراسة هذه العملية في دود البزاق البحري Aplysia والرخويات المشابهة له حيث تستعمل بشكل دائم في الأبحاث العصبية. قلانزمان و فريقه قاموا بتعريض دود البزاق لصدمات كهربائية خفيفة، هذا الحدث بالتالي تم حفظه عن طريق إنشاء وصلة عصبية جديدة في الدماغ. ثم قام الفريق البحثي بنقل الأعصاب من الرخويات إلى طبق الزرع Petri dish في المختبر وبعدها تحفيز الذاكرة كيميائياً ثم معالجة الخلايا بالبروبرانولول. في البداية كانت نتائج البحث متماشية مع الأبحاث السابقة حيث تم القضاء على الوصلة العصبية. الغريب في الأمر أنه عند تعريض الخلايا لمحفز يذكرها بتلك الصدمة فإن الذاكرة تعود بقوة كاملة في غضون ٤٨ ساعة. كما وضح قلانزمان: “تم إعادتها بشكل كامل”، وهذا يشير إلى أن الذاكرة لا تخزن في الوصلات العصبية كما كان يعتقد من قبل. بالمناسبة نتائج هذا البحث تم نشرها في دورية eLife العلمية المحكمة والمفتوحة المصدر.

tumblr_mlg1gx55Cp1rog5d1o1_500-2

حسناً، إذا كانت الذاكرة لا تسكن في الوصلات العصبية، فأين تقع؟

عندما قام علماء الأعصاب بدراسة الخلايا العصبية، وجدوا أنه حتى بعد إيقاف الوصلة العصبية والقضاء عليها، فإن التغيرات الجزيئية والكيميائية التي أنشئت سابقاً قد استمرت داخل بنية الخلية نفسها. إذاً قد يعني هذا أن أثر الذاكرة تم حفظه داخل الخلية عبر هذه التغيرات الدائمة. أو قد يتم ذلك بواسطة تشفير هذه التغيرات داخل الحمض النووي DNA للخلية مما يؤثر على التعبير الجيني لها، وهذا التفسير هو ما يميل إليه قلانزمان وغيره.

إيرك كندل أشهر الباحثين دولياً في مجال الذاكرة وعالم الأعصاب الحاصل على جائزة نوبل للطب أو الفيسيولوجيا عام ٢٠٠٠ نظير عمله في هذا المجال، نبّه أن نتائج البحث تم مشاهدتها خلال الثمان وأربعون ساعة الأولى بعد معالجة الخلايا، وهو الوقت الذي لا تزال فيه قابلية الخلايا للتصليب والتماسك حساسة.

بشكل أولي فإن نتائج البحث تقترح أن المصابين بإضطراب الكرب ما بعد الصدمة PTSD لن يتم القضاء على ذكريات صدماتهم بأخذ العلاج. يقول قلانزمان: “ إذا سألتني قبل عامين إن كنت أعتقد أنه يمكن علاج الإضطراب باستخدام هذه الأدوية المانعة فسوف أرد بالإيجاب، ولكن حالياً لا أعتقد ذلك! لكن الجانب المشرق للموضوع هو كون الذاكرة تسكن في أعماق الخلايا العصبية قد يعطي أملاً لإعتلالات أخرى مرتبطة بالذاكرة مثل مرض ألزهايمر”.