الكاتبريتشارد نيد ليبو
ترجمةإيهاب عبد الرحيم علي
مراجعةحواس محمود

يحدد مؤلف كتاب “لماذا تتحارب الأمم” ريتشارد نيد ليبو  أربعة دوافع عامة لنشوب الحروب، وهي الأمن والمصلحة والمكانة والانتقام.

ويرى أن الأمن مسؤول عن تسع عشرة حربا فقط من الحروب الأربع والتسعين التي درسها، وحرض على كثير من هذه الحروب قوى عظمى ضد قوى عظمى أخرى،  لكن أيا منها لم يكن مرتبطا بانتقال السلطة، وهذا لا يعني أن الأمن غير مهم في الشؤون الدولية، فلا بد أن يكون الشغل الشاغل لجميع الدول التي تعرضت للهجوم، وتمثل المصالح المادية بدورها دافعا ضعيفا للحرب، إذ كانت مسؤولة عن ثماني حروب فقط، كما أن معظم تلك الحروب كان في القرن الثامن عشر ، وبالإضافة إلى ذلك في بعض الأحيان  يعمل الأمن والمصالح المالية بالتنسيق مع بعضها البعض، وفي أحيان أكثر مع دوافع أخرى، وتكون في بعض الحروب ثانوية لهذه الدوافع الأخرى، أما المكانة وعلى النقيض من ذلك فكانت مسؤولة عن اثنتين وستين حربا كدافع أولي ثانوي، وكان الانتقام وهو أيضا مظهر من مظاهر الروح مكتنفا في 11 حربا أخرى، ليس هناك كثير من الشك في أن الروح هي السبب الرئيسي للحرب عبر القرون ، وفي أنها هي وعواقبها تم تجاهلها بصورة شبه كاملة في أدبيات العلاقات الدولية.

يؤكد المؤلف على أن الظروف المادية والاجتماعية التي توجه هذه الدوافع إلى حروب ترتبط بمراحل تاريخية معينة، كانت آخر مجموعات الحروب المتعلقة بالأمن مرتبطة بالاستعداد لخوض وإدارة الحربين العالميتين اللتين دارت رحاهما في القرن العشرين، وقد كانت بدورهما نتاجا للاختلافات الناجمة عن التحديث في بيئة كان فيها التنافس بين القوى العظمى ودوافع السيطرة تقاد بشكل أساسي عن طريق وسائل عنفية، أما الآن وقد انقضت هذه الحقبة في أوروبا وانحسارها في جزء كبير من البلدان المطلة على المحيط الهادي، وكون الهيمنة التي يتم تحقيقها بالقوة لم تعد تمثل طموحا مشروعا، فلا بد للمتطلبات والمخاوف الأمنية للقوى العظمى من أن تخسر بدورها، لقد حدث انخفاض حاد في الحروب الانتقامية منذ القرن الثامن عشر، وهو ما يعزوه المؤلف إلى ارتباطها الوثيق باحتلال الأراضي، وكل الحروب الإنتقامية، في مجموعة بيانات المؤلف تمثل جهودا مبذولة لاستعادة ارض فقدت في حروب سابقة، وباعتبار  أن احتلال الأراضي فقد شرعيته ومن ثم أصبح أكثر صعوبة وأقل منفعة لهذه الأسباب وغيرها من المرجح أن تصبح الحروب الإنتقامية أقل تواترا،وفي مقابل هذه التوقعات المتفائلة علينا أن نعترف بأن الحروب الإنتقامية يمكن أن تنتج عن أسباب أخرى كما هي الحال في الغزو الأمريكي لأفغانستان، أما بالنسبة إلى الحروب المتعلقة بالمكانة فمن المتوقع أن تنحسر هذه أيضا وخلال فترة ما بعد الحرب وربما أكثر حتى منذ نهاية هذا الصراع أصبحت الحرب والمكانة منفصلتين على نحو متزايد من حيث أن النجاح في بدء الحرب لم يعزز المكانة، بل إنه قد يؤدي في الواقع إلى فقدان المكانة في غياب موافقة الأمم المتحدة على المبادرة العسكرية المعنية.

يرى المؤلف أن التدخل الأنجلو- أمريكي في العراق،  وهو حرب ليست لغزو

الأراضي فيها أهمية، يعد مثالا على ذلك، ويعمل تغير القيم والأعراف على تشجيع القادة العقلانيين على إيجاد طرق سلمية أخرى لادعاء المكانة وإلى الحد الذي يتم به هذا، فإن تواتر الحروب التي تكشف أيا من القوى الصاعدة أو العظمى يتوقع أن ينخفض على نحو حاد.

الدراسات العلائقية للحرب

 تمثل الدراسات العلائقية للحرب في المقام الأول ظاهرة نشأت بعد الحرب، والتي تلقت دفعة قوية من مشروع علائق الحرب  ( cow   )، الذي انطلق عام 1963 في جامعة ميشيغان، يقسم النهج الأصلي لمشروع علائق الحرب بكونه استقرائيا سعى واضعوه إلى بناء مجموعة من البيانات التي تسمح بالبحث عن انتظامات، وفي العقود الأخيرة استخدم الباحثون مشروع علائق الحرب وغيره من مجموعة البيانات، بما في ذلك تلك التي جمعها جاك ليفي ومعهد أبحاث السلام في أوسلو لاختبار سلسلة من الفرضيات حول أسباب ونتائج الحرب ، لم تؤد الدراسات الإحصائية على وضع أي نظريات حول الحرب، رغم أنها استخدمت لاختبار مجموعة واسعة من الفرضيات والنظريات الأخرى، وقد أفرزت بعض النتائج التجريبية المثيرة للاهتمام، وفي معرض تلخيصه لتلك الأدبيات يشير دانيال غيلر  إلى أن ” القرب / التواصل الجغرافي والتكافؤ الثابت في القدرات والتحولات نحو التكافؤ parity   وعلاقات التحالف الخارجي غير المتوازنة ووجود منافسة مستمرة تمثل عوامل ترتبط على نحو مهم وايجابي بوقوع كل النزاعات العسكرية والحروب، ويشير المؤلف إلى أنه نادرا ما تكون الحروب مستقلة لأنها تقع غالبا على هيئة مجموعات يمكن لحرب ما أن تؤدي إلى نشوب أخرى، ويمكن أن ينتج عن مجموعة منها عدد من الدروس التي يتم تطبيقها على التحديات المستقبلية، سواء كانت وثيقة الصلة بها أم لا.

إن غزو اليابان للصين عام 1931 ومهاجمة ايطاليا للحبشة عام 1935، والتدخل الايطالي والألماني السوفييتي في الحرب الأهلية الاسبانية، والصراع السوفييتي الياباني في منغوليا عام 1939 والحرب الروسية الفنلندية التي نشبت في العام نفسه تمثل جميعها جزءا من الفترة المؤدية إلى الحرب العالمية الثانية، وجزءا لا يتجزأ منها، وهذه الحرب بدورها هي في الحقيقة دالة عامة على حروب أوثق صلة : الغزو الألماني والسوفييتي لبولندا وحرب المانيا في الغرب، والهجوم الايطالي على فرنسا، وإخضاع المانيا ليوغسلافيا والبانيا واليونان، والغزو الألماني للاتحاد السوفييتي والحرب البحرية غير المعلنة في المحيط الأطلسي بين الولايات المتحدة وألمانيا والهجوم الياباني على القوى الغربية في المحيط الهادي، ودخول أمريكا رسميا في الحرب، ويمكن تناول كثير من مكونات الحرب العالمية الثانية هذه – من الناحية التحليلية – كحروب مستقلة بالطريقة نفسها التي عادة ما توصف بها التحالفات المختلفة في الحروب الفرنسية والنابليونية على أنها حروب منفصلة وان كانت متعلقة بعضها ببعض.

وعلى العكس من ذلك فإن الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو على الأقل مكوناتهما الأوروبية يمكن دمجهما معا، كجزء من حرب قارية استمرت على مدى ثلاثين عاما.

يرى المؤلف أن القوى الصاعدة    powers rising  دول عازمة  على انتزاع الاعتراف بها بوصفها قوى عظمى، وأن يقر معاصروها بأنها كذلك، ومن أمثلة ذلك بروسيا وروسيا في القرن الثامن عشر، وإيطاليا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وطول معظم الفترة قيد الدراسة كان النظام الدولي مقتصرا على أوروبا  والمناطق المتاخمة لها، ومن ثم يجب النظر إليه بوصفه منظومة إقليمية، ومنذ الحرب العالمية الثانية تتواجد أنظمة إقليمية متميزة ضمن الإطار الأوسع للنظام الدولي، ويستبعد المؤلف من اعتباره تلك القوى التي لا يمكن عدها  كقوى عظمى على الصعيد الدولي، رغم أنها قد تسعى جاهدة إلى الهيمنة الإقليمية  ( مثل إيران وإسرائيل والبرازيل ) وقد صنفت الهند بعد العام 1974 ، على أنها قوة صاعدة بفضل قدراتها النووية وحجمها  وعدد سكانها واقتصادها، وعلى الرغم من أن المكانة مثلت دافعا مستمرا للحرب فهي ليست موحدة في مظاهرها خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر ، وجدت المكانة تعبيرا عنها ضمن إطار التنافس بين الأسر الحاكمة،  فقد سعى الحكام إلى تحقيق المجد عن طريق الغزو، وقد قاد كثير من حكام هذا العصر جيوشهم شخصيا في المعارك  ( مثل لويس الرابع عشر وفريدريك الأول والثاني وبطرس الأكبر   ) مما يعزز بشكل كبير سعيهم إلى نيل المجد ودخول القرن التاسع عشر، كان هذا الأمر قد تغير، كان نابليون آخر  حاكم مهم يظهر بشكل منتظم في ساحة المعركة، أصبح البحث عن المكانة هما وطنيا على نحو متزايد حتى في بلدان مثل ألمانيا والنمسا، التي يمكن بالكاد  اعتبارها ديموقراطية، كانت الأغلبية الساحقة من أصول أفراد النخبة  من صناع السياسات الخارجية لا تزال ارستقراطية، وربما أكثر التزاما  وأشد حماسا لنيل الشرف الوطني أو الحفاظ عليه، ففي هذا الوقت صارت رموز الشرف التقليدية اقل نفوذا في العلاقات بين الأشخاص، ارتبط الرأي العام بالدول الوطنية بقوة، وكذلك في البلدان التي تم فيها إبعاد طبقة المثقفين والطبقة الوسطى إلى هامش التسلسل الهرمي للقوة والمنزلة، أصبحت هذه الظاهرة أكثر وضوحا في القرن العشرين، وكانت سببا رئيسيا لنشوب الحرب العالمية الأولى.

مثل الأمن دائما هاجسا مهما في العلاقات الدولية، ومع ذلك تشير بيانات المؤلف  إلى أنه ليس من بين الأسباب الرئيسية للحروب التي دارت رحاها بين القوى العظمى هناك 19 فقط من بين 94 حربا، يبدو أنها نشبت لدافع امني ، سواء كليا أو جزئيا، وكذلك كان سبعة من بين 18 طرفا بادئا والتي بدا أنها تصرفت بدافع من القلق على أمنها مدفوعين بالمكانة أيضا، ومن أمثلة ذلك إعلان الولايات المتحدة الحرب على أسبانيا خلال العامين 1898 و 1899 والتي بدأت بهجوم على مستعمرة كوبا الأسبانية.

ويرى المؤلف أن الحرب العالمية الأولى تستحق بدورها ترميزا مزدوجا، وأن المكانة كانت الدافع الرئيسي المحرك للزعماء الألمان والنمساويين، في حين تؤكد التفسيرات التقليدية على الأمن، فقد منحت الأمن منزلة مساوية بناء على ذلك، ثمة قضية أخرى مثيرة للاهتمام وهي الغزو السوفييتي لأفغانستان لأسباب تتعلق بالمكانة، لم يكن القادة السوفييت راغبين في فقدان صدارتهم السياسية في دولة تابعة مجاورة، وقد تعزز هذا القلق بفعل المخاوف المتعلقة بانتشار الأصولية الإسلامية في المنطقة المسلمة المحيطة بها، وفي هذه الحالة فقد عزت الحرب إلى كلا الدافعين

هناك حرب يبدو أنها وقعت بدافع من المصالح الأمنية والمادية وهي هجوم الولايات المتحدة وقوات التحالف على العراق عام 1990

إن معظم الجهات التسع الأخرى البادئة للحرب التي قام المؤلف يترميزها باعتبارها مدفوعة بالأمن، يمكن أن نعزوها بثقة إلى هذا الدافع، وهي تشمل الغزو السوفييتي لفنلندا عام 1939 والهجوم السوفييتي في العام نفسه على جيش كوانتو نغ الياباني في منغوليا، هناك عدد قليل من الحروب المدفوعة بالأمن والتي تظل مفتوحة على تفسيرات بديلة أو متعددة ومنها الهجوم الياباني على الولايات المتحدة والقوى الاستعمارية الغربية في العام 1941، وبسبب الحظر النفطي الذي قادته واشنطن أصيب القادة اليابانيون باليأس بصورة متزايدة، واعتبر العديد منهم أنه ليس أمامهم خيار سوى خوض الحرب قبل ألا يعود ذلك ممكنا، ومع ذلك فقد كانت هذه معضلة من صنع اليابان، فلو لم يكن اليابانيون أقدموا على غزو الصين كجزء من سعيهم إلى تحقيق الهيمنة في آسيا لما كان هناك أي حظر، ومن الحالات الأخرى نجد الغزو السوفييتي للمجر وتدخل الولايات المتحدة في الهند الصينية، وكما هي الحال في أفغانستان، فقد اعتبرت هذه التدخلات ضرورة للأمن القومي من قبل صناع السياسات السوفييت والأمريكان، على الترتيب، وفي التدخلين الفيتنامي والأفغاني، يمكن إثبات أن فهمهم كان  معيبا، إن لم يكن مشوبا بحنون العظمة


الكتاب: لماذا تتحارب الأمم 

المؤلف: ريتشارد نيد ليبو،  ترجمة إيهاب عبد الرحيم علي

الناشر: سلسلة عالم المعرفة – الكويت

الصفحات: 354 قطع متوسط


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك