يُقصد بـ لغات الأفراد (idiolects) هو اللغةٌ التي يمكن بيان خصائصها اللسانية كلها، مثل تركيبية اللغة وصوتها وإحالها ونحو ذلك، بالرجوع إلى الخصائص الذاتية لفرد واحد بعينه، يكون هو صاحب تلك اللغة. والمقصود بوصف هذه الخصائص بأنها «ذاتية» ألا يكون تحديدها متوقفًا بالضرورة على سمات البيئة الأوسع لذلك الشخص، ولا سيما جماعته اللغوية.
يرى بعض الباحثين أن لغات الأفراد، بهذا المعنى، لا وجود لها، أو أن مفهومها عديم الجدوى أو غير متماسك. ومع ذلك لا يتحرج هؤلاء من استعمال مصطلح «لغة الفرد» للدلالة على القدر الذي أحاط به الشخص من لغة ذات طبيعة اجتماعية لا تقبل الرد إلى الأفراد، أو على نمط خروجه عليها. لكن موضع الخلاف الحقيقي هنا ليس تعريف لفظ بعينه، بل أي المنظورين أولى في فهم اللغة: المنظور الذي يجعل لغة الفرد أساسًا، أم المنظور الذي لا يجعلها كذلك. فمن يتبنى المنظور الأول يمنح لغات الأفراد، بمعنى قريب من التعريف السابق، أولوية وجودية أو بحثية على اللغات الاجتماعية، ويرى أن هذه الأخيرة ليست إلا لغات أفراد تتداخل بدرجات متفاوتة. أما من يتبنى المنظور الثاني فيعد اللغات الاجتماعية متميزة وجوديًا عن لغات متكلميها الأفراد وسابقة عليها. ومن ثم يدور السؤال حول ماهية اللغات نفسها.
غير أن أطراف الخلاف أعقد مما يوحي به هذا العرض؛ إذ تتسع المسألة لطيف من المواقف. فقد يكون من الأنسب اتخاذ لغة الفرد أساسًا عند بحث اكتساب اللغة، لا عند بحث إحالة أسماء الأعلام. وقد يلزم أيضًا التمييز بين نوعين من المحتوى اللغوي، لا يُفهم أحدهما، وهو المحتوى الضيق، على الوجه الأفضل إلا في إطار لغة الفرد. ثم إن أشد أنصار هذا المنظور تمسكًا به سيحتاجون إلى تقييد التعريف السابق؛ فيربطون خصائص لغة الفرد بشخص في وقت أو مقام اجتماعي أو مناسبة محددة، مثلًا، أو ينسبونها لا إلى متكلم عيني بما يصاحب أداءه من أخطاء شتى، بل إلى شخص مُصاغ في بعض الوجوه صياغة مثالية مجردة.
تتناول مناقشات مهمة عدة لغاتٍ يغلب عليها الطابع الفردي أكثر من الاجتماعي. وقد عولج بعضها تفصيلًا في مداخل أخرى؛ انظر مداخل فرضية لغة الفكر، واللغة الخاصة، والخارجانية في المحتوى الذهني. أما هذا المدخل فيركز على موقف بالغ التأثير لا يجعل لغة الفرد أساسًا، وهو تفسير لويس للغات بوصفها أعرافًا والوارد في القسم الثاني، حيث تُناقش أيضًا مناهضة ديفيدسون للعرفية، وعلى موقف بالغ التأثير يجعلها أساسًا، هو مفهوم تشومسكي للغة الداخلية في القسم الثالث. ويبدأ القسم الأول بملاحظات عامة عن أنطولوجيا اللغات.
| الكاتب | أليكس باربر، وإدواردو غارسيا راميريز |
| ترجمة | محمد عسيري |
جدول المحتويات
1. . أنطولوجيا اللغة
1.1 لغات الأفراد واللغات الاجتماعية
يقوم التمييز بين لغة الفرد واللغة الاجتماعية على إمكان تعيين اللغة الطبيعية الواحدة، L، بطريقتين: إما بحسب خصائص لسانية محددة لها، دلالية وتركيبية وصوتية وغيرها، وإما بوصفها اللغة التي يتكلمها فرد أو جماعة بعينها أو يستعملها على نحو آخر. فالفرنسية، مثلًا، هي اللغة التي تضم الصفة rouge، الدالة على اللون الأحمر، والتي يبدأ نطقها باحتكاكي لهوي مجهور، إلى غير ذلك من الخصائص. لكنها أيضًا اللغة الأولى لمعظم سكان فرنسا، واللغة المشتركة في ساحل العاج، واللغة التي كتبت بها سيمون دو بوفوار وتكلمت وفكرت، وهكذا.
لا حد لعدد اللغات التي يمكن أن نتصورها تجريدًا إذا اتبعنا الطريقة الأولى في التعيين. إلا أن قليلًا فقط من هذه الكيانات المجردة سيتحقق على نحو يسمح بوصفه بالطريقة الثانية، أي بوصفه لغة تُنسب إلى فرد أو جماعة، أو يعرفها أو يتكلمها أو يفهمها أو يستعملها من وجه آخر. فإذا عيّنا لغةً بأنها لغة فرد معين، ورأينا أن خصائصها يمكن تحديدها بالرجوع إلى خصائصه الذاتية، كنا نعين لغة فرد. أما إذا عيّناها بالرجوع إلى جماعة، أو بالرجوع إلى فرد لا يمكن تحديد خصائص لغته إلا بالنظر في بيئته الاجتماعية الأوسع، كأن نحدد الجهات اللغوية المرجعية المؤثرة، كنا نعين لغة اجتماعية.
يختلف منظّرو اللغة في تصورهم لما يعنيه تحقق لغة ما. فعند ديفيد لويس تتحقق اللغة المجردة، وهي بالنسبة له اقتران بين الجمل والمعاني، في جماعة حين تصف عُرفًا يحكم سلوك أفرادها بالمعنى المحدد الملخص في القسم الثاني؛ ومن ثم لا يجعل لويس لغة الفرد أساسًا. أما نعوم تشومسكي فيرى أن اللغة تتحقق في الفرد إذا كانت «مُمثَّلة» في «ملكته اللغوية»، وهي مكوّن من دماغه. وغاية اللسانيين في التقليد التشومسكي أن يصوغوا ما هو مُمثَّل في صورة نظرية، أي النحو، لذلك الفرد؛ وهذا منظور يجعل لغة الفرد أساسًا. بيد أن في الأمر قيدًا مهمًا: فخصائص الدماغ التي تعني تشومسكي في المقام الأول مشتركة بين أفراد النوع البشري، وليست خاصة بفرد دون آخر؛ ولذلك لا يعدو «الفرد» هنا أن يكون ثمرة صياغة مثالية تفيد في فهم الكفاية اللغوية بوصفها سمة بيولوجية بشرية. ومع ذلك يصح أن نسمي هذا منظورًا قائمًا على لغة الفرد، لأنه لا يجعل للغات الجماعات اللغوية المنفصلة دورًا لازمًا.
1.2 الاعتراض على الإنجليزية وغيرها من اللغات في التصور الشائع
ينطلق عامة الناس، ومعهم كثير ممن ينصبون أنفسهم خبراء، من أنطولوجيا شائعة للغات الاجتماعية يرفضها معظم اللسانيين. وتضم هذه الأنطولوجيا الإنجليزية والمجرية والتغالوغية والنوردية القديمة وغيرها، وللاعتقاد بها آثار واقعية يراعيها السياسيون ويستطيع الباحثون في علم اللغة الاجتماعي دراستها. لكن اللسانيين ينظرون عادةً إلى هذه اللغات نفسها، تمييزًا لها من اعتقادات الناس فيها وعنها، بوصفها كيانات متخيلة أو أيديولوجية. ولئن اضطر اللسانيون إلى الحديث عن «المجرية» ونحوها، فهم غالبًا يعدون ذلك اختصارًا ملائمًا لعبارة «لغة فرد نموذجي من سكان المجر».
تتعدد أسباب رفض الأنطولوجيا الشائعة للغة. فمن الباحثين من يرى أن تحديد خصائص لغة من لغات هذه الأنطولوجيا لا ينفك عن حكم معياري، ومن ثم يخرج عن العلم. ويُستشهد أحيانًا بمعنى الكلمة الإنجليزية livid لتوضيح هذا الاعتراض. فأكثر المعاجم يورد لها معنى «مائل إلى الزرقة» أو «شاحب»، مراعاةً لتاريخها الاشتقاقي المعقد؛ بينما يميل أكثر الناطقين بالإنجليزية إلى فهمها بمعنى «أحمر»، متأثرين بالتعبير livid with rage وبالاعتقاد أن الغضب يحمرّ معه الوجه. وعلى نحو مشابه، ومما يزعج كثيرًا ممن يزعمون معرفة الإنجليزية «الحقيقية»، يفصل الناطقون بالإنجليزية بانتظام بين أداة المصدر وفعله، ويرون استعمال hopefully في المثال (1) مقبولًا كاستعمالها في المثال (2)، مع أن الاستعمال الأول يُنعت بأنه دخيل من الألمانية.
(1) Hopefully, all the passengers will escape by helicopter.
من المأمول أن ينجو جميع الركاب بطائرة مروحية.
(2) The passengers looked hopefully at the helicopter.
نظر الركاب إلى الطائرة المروحية وهم مفعمون بالأمل.
ليست مشكلة هذه الأحكام وأمثالها، التي يسرد كريستال (2007) تاريخها في الإنجليزية، أنها محافظة على نحو منفّر أو أنها أداة للإقصاء الاجتماعي؛ فكثيرًا ما لا تؤدي هذا الدور. وقد صارت بعض المعاجم تدرج «الأحمر» ضمن المعاني الممكنة لكلمة livid، لكن هذا أيضًا موقف معياري. والتعارض مع الموقف العلمي إنما يقع في المعيارية نفسها، لا في المحافظة وحدها. فحتى الآراء المتساهلة في المقبول لغويًا، كإجازة إنهاء الجملة بحرف جر، تظل أحكامًا تقرر ما ينبغي قوله. وإذا تعذر تجنب هذه المعيارية عند تعيين خصائص الإنجليزية وغيرها من اللغات في التصور الشائع، فلا موضع لهذه اللغات في العلم، إلا بوصفها كيانات متخيلة تصلح للبحث الاجتماعي لما للاعتقاد بها من آثار، أو بوصفها اختصارات نافعة.
ويقوم اعتراض آخر مستقل، وإن اتصل بالسابق، على الأنطولوجيا الشائعة للغة: فرسم حدود جماعة بوصفها ناطقة بلغة واحدة تحكمه دائمًا اعتبارات جيوسياسية. فلم يستمر وجود «الصربية الكرواتية» و«اللغات التشيكوسلوفاكية» في هذه الأنطولوجيا إلا ما دامت السياسة القومية تحتاج إليهما، ثم زالتا بين ليلة وضحاها تقريبًا من غير تغير كبير في كلام الناس. وبعض لهجات هولندا أقرب في خصائصها إلى لهجات ألمانيا المجاورة منها إلى اللهجات المنطوقة على الساحل الهولندي، ومع ذلك تُجمع مع لهجات الساحل، لا مع نظائرها الألمانية، تحت لغة واحدة هي الهولندية. ولا يكفي وصف اللغات في الأنطولوجيا الشائعة بأنها ضبابية الحدود لبيان موضع الإشكال؛ فالعلوم الخاصة حافلة بحدود من هذا القبيل. وإنما تبدو شروط تعيين اللغة اعتباطية من الوجهة اللسانية. وينطبق الاعتراض نفسه على اللهجات كما يتصورها عامة الناس. فيُشترط تقليديًا في «الكوكني»، ومن ثم في متكلم لهجة كوكني، أن يكون مولودًا حيث تُسمع أجراس كنيسة باو في شرقي لندن؛ غير أن التلوث الضوضائي والتغير السكاني جعلا هذا التعريف عبثيًا. ومهما بالغنا في تفصيل الأنطولوجيا الشائعة، عادت المشكلات نفسها.
يُعد المذهب المعياري في اللغة، وهو القول إن على المتكلمين اتباع مجموعة من القواعد التي تحدد لهم كيف يستعملون لغةً ما L، من أبرز الدوافع إلى التصور الشائع لماهية اللغة. فبمقتضاه توجد طرائق سليمة في استعمال L تلتزم القواعد، وطرائق غير سليمة تخالفها. ويستند هذا المذهب إلى حجج اجتماعية وسياسية، منها السعي إلى تجانس جماعة معينة ووحدتها في ممارسة سلوكية اجتماعية مشتركة. ويعارضه المذهب الوصفي، إذ يرى أن التفسير السليم لاستعمال L ينبغي أن يقتصر على وصف استعمال المتكلمين الفعلي لها. ويُنظر إلى المذهب الوصفي بوصفه أقدر على تقديم تفسير أدق، تطوريًا وتاريخيًا، لتغير اللغة.
قد يصح الخلاف اجتماعيًا وسياسيًا في سلامة المذهب المعياري، لكن غياب موضع له في منظور لغة الفرد أقل إثارة للجدل. فلنتذكر رأي تشومسكي القائل إن L هي النحو المُمثَّل في دماغ الفرد بواسطة الملكة اللغوية. وأيًا تكن المبادئ المُمثَّلة على هذا النحو، فلن تحددها أوامر اجتماعية سياسية ترمي إلى توحيد سلوك جماعة معينة. ولما كانت لغات الأفراد ذات طبيعة جوهرية وبيولوجية، فلا يمكن أن تتأثر بأحكام معيارية خارجية ذات منشأ اجتماعي وسياسي.
ولا يلزم من استبعاد اللغات التي يفترضها التصور الشائع أن نتجه إلى جعل لغة الفرد أساسًا. فما تقدم لا ينفي إمكان صوغ مفاهيم فنية للغة الاجتماعية تتجنب المعيارية أو الاعتباطية الكامنة في نظائرها الشائعة، إن كان هذا التجنب لازمًا أصلًا. ويمكن عد تفسير لويس للغة بوصفها عُرفًا من هذا القبيل.
2. الجدل في عُرفية اللغة
2.1 استعمال اللغة بوصفه عُرفًا: التصور الأساسي
نشأ تفسير لويس للغات البشرية (1975 [1983[) من محاولته حل مفارقة ظاهرة. فمن جهة، اللغات دوال من الجمل إلى المعاني، وتصف نظرية المعنى لأي لغة هذه الدوال. ومن جهة أخرى، اللغة الطبيعية ممارسة اجتماعية تتبعها جماعة معينة. وهكذا يبدو أن اللغات بإطلاقها واللغات الطبيعية تنتمي إلى فئتين شديدتي الاختلاف، فيثور السؤال عن الصلة بينهما. ومن الفروق أن عدد اللغات لا ينحصر في حد معين، لكن أكثريتها الساحقة لا تصلح حتى من حيث الإمكان لأن تكون لغات طبيعية؛ إذ يتعذر على البشر تعلمها أو اكتسابها أو استعمالها، لأنها قد تضم، مثلًا، معجمًا لا نهائيًا، أو عددًا لا نهائيًا من قواعد التأليف، أو تتيح إدراج جمل فرعية بلا حد. ومن الفروق أيضًا أن اللغات كيانات مجردة، في حين تبدو اللغة الطبيعية شيئًا عينيًا يتعلمه أفراد جماعة بشرية محددة ويكتسبونه وينمّونه، بحكم تعريفها.
يزعم لويس إمكان الجمع بين المنظورين في تصور واحد. فاللغات الطبيعية، في رأيه، مجموعة جزئية حقيقية من مجموعة اللغات. وعلى وجه أدق، اللغة الطبيعية دالة L من الجمل إلى المعاني تستعملها جماعة معينة، ويحكم استعمالها لها عُرف «الصدق والثقة في L». ولفهم هذا الاقتراح، ينبغي بيان ثلاثة أمور: (أ) تصور لويس للدافع الذي قد يحمل جماعة على استعمال L، و(ب) مقصوده بـ«العُرف»، و(ج) كيف يمكن للغة، وهي دالة من الجمل إلى المعاني، أن تدخل في عُرف مفهوم على هذا النحو.
- (أ) على أعم المستويات، كثيرًا ما يريد أفراد أي جماعة أن يفكر الآخرون ويتصرفوا بطريقة معينة. ويقتضي ذلك أن يتعرف بعضهم مقاصد بعض، وأن يتبادلوا الأفكار ثم يتصرفوا وفقها. فلا بد لهم من وسيلة يُظهرون بها مقاصدهم، ويستدلون بها كذلك على مقاصد غيرهم. واستعمال لغة واحدة، أي دالة واحدة من الجمل إلى المعاني، في نقل حالاتهم الذهنية وسيلة ممتازة إلى ذلك؛ فهو يتيح لهم «التحكم، إلى حد ما، في معتقدات الآخرين وأفعالهم بالأصوات والعلامات» (Lewis 1975 1983: 166). ويشرح لويس كيف يفعلون ذلك، ولا سيما كيف يستقرون على لغة واحدة، مستعينًا بمفهومه العام للعُرف.
- (ب) العُرف ممارسة تحل مشكلة تنسيق داخل جماعة. ويعود الحل بالنفع المتبادل، لكنه يظل اعتباطيًا. فالقيادة على يمين الطريق في أمريكا الشمالية عُرف بهذا المعنى: ممارسة نافعة للجميع، مع وجود حل آخر على الأقل لمشكلة تجنب التصادم وجهًا لوجه، هو القيادة على اليسار. وتبدو اللغات الطبيعية، أي استعمال الجماعات للغات على النحو المبين في (أ)، أعرافًا بهذا المعنى البسيط. فاتفاق أفراد الجماعة على معان مشتركة نافع لهم بلا ريب، كما يتضح من استعمال الإنجليزية بين الجماعات الناطقة بها؛ إذ يتيح لهم، مثلًا، معرفة أفكار بعضهم عن العالم. لكن توجد حلول كثيرة أخرى لهذه المشكلة، كاستعمال الإسبانية أو اليابانية، ولذلك يكون اختيار لغة بعينها اعتباطيًا.
ويتجاوز لويس هذا التصور البسيط للعُرفية، فيعرّف العُرف بأنه اطراد R في أفعال جماعة P، مثل القيادة على اليسار، أو في اعتقاداتها، تكاد تتحقق فيه دائمًا الشروط الستة الآتية:
- يلتزم الجميع بـ R.
- يعتقد كل واحد أن الآخرين يلتزمون بـ R.
- يمنح الاعتقاد الوارد في (2) كلَّ من يعتقده سببًا، عمليًا أو معرفيًا، للالتزام بـ R.
- يُفضَّل عادةً امتثال الجميع لـ R على امتثال يقل عن ذلك قليلًا.
- ليست R الاطراد الوحيد الذي يمكن أن يحقق الشرطين (3) و(4).
- تدخل الشروط (1)–(5) في العلم المشترك: فيعلمها الجميع، ويعلم الجميع أن الجميع يعلمونها، وهكذا.
يفضي الشرطان (2) و(3) معًا إلى توقع بقاء R واستمرارها داخل الجماعة، كما في (1)، على الرغم من أنها اختيرت اعتباطًا وفق (5). ويستقر العُرف داخل الجماعة لأن التزام كل فرد به تصرف عقلاني. ويعرض مدخل العُرف هذه المسألة بمزيد من التفصيل.
(ج) كيف يكون استعمال اللغة في معنى لويس، أي الدالة التي تقرن الجمل بالمعاني، عُرفًا في معناه هو، أي اطرادًا يحقق الشروط من (1) إلى (6)؟ يجيب لويس بأن R هي ممارسة الصدق والثقة في لغة L. فإذا أصبحت هذه الممارسة عُرفًا في جماعة، كانت L لغة تلك الجماعة. والصدق في L هو ألا ينطق المرء بجملة إلا إذا اعتقد أن ما تعنيه في L صادق. أما الثقة في L فهي أن يعتقد المرء صدق كل ما تعنيه في L الجمل التي يسمعها. وينشأ من العرفين معًا تعاون أساسي متبادل: يلتزم المتكلمون بالصدق، ويثق السامعون بما يسمعون. ومن دون هذا التنسيق المتبادل يغدو حل مشكلة التنسيق عسيرًا، إن لم يكن متعذرًا. فإذا لم يلتزم المتكلمون بالصدق، لم يكن كلامهم دليلًا موثوقًا على أفكارهم؛ وإذا لم يثق السامعون، لم ينفع كلام المتكلمين في حملهم على الاعتقاد والتصرف على النحو المقصود.
وبضم هذا إلى الشروط الستة التي تحدد ماهية العُرف، تكون L اللغة الطبيعية لجماعة معينة متى تحققت الشروط الستة الآتية، على الأقل بدرجة معتبرة:
- يلتزم الجميع بالصدق ويثقون في L.
- يعتقد كل واحد أن الآخرين يلتزمون بالصدق ويثقون في L.
- يمنح الاعتقاد الوارد في (2) كلَّ فرد سببًا لالتزام الصدق والثقة في L.
- يُفضَّل عادةً امتثال الجميع لعُرفي الصدق والثقة في L على امتثال يقل عن ذلك قليلًا.
- ليست L اللغة الوحيدة التي يمكن أن تحقق الشرطين (3) و(4).
- تدخل الشروط (1)–(5) في العلم المشترك: فيعلمها الجميع، ويعلم الجميع أن الجميع يعلمونها، وهكذا.
2.2 جوانب مهمة أخرى في تفسير لويس
يعرض القسم 2.1 التصور الأساسي للغات الطبيعية بوصفها تجسّدًا، داخل جماعة بشرية، لعُرف معرّف بلغة مأخوذة في معناها المجرد. وتستحق ثلاثة جوانب أخرى من رأي لويس إبرازًا: تفسيره لوجوب اتصاف اللغات الطبيعية بالتأليفية، وتنبيهه إلى أن تفسيره ليس سوى صياغة مثالية، وكون نظريته تتناول معنى العبارة لا معنى المتكلم.
لكي يُحل استعمال L مشكلة التنسيق داخل P، ينبغي أن يستطيع جميع أفراد P تحديد معاني جميع جمل L. أي لا بد أن تتاح لهم طريقة يتعرفون بها الدالة التي تعطي كل جملة معناها الموافق. ونظرًا إلى حدود قدرات المتكلمين الجسدية والمعرفية، يجب أن تكون هذه الطريقة متناهية وبسيطة. ويساعد مبدأ التأليفية في L على تفسير إمكان ذلك. وخلاصة المبدأ أن معاني جميع العبارات المركبة e1…en في L تتحدد بالكامل بمعاني أجزائها وبكيفية تأليف تلك الأجزاء؛ ومن ثم تراعي الدوال التي تربط الجمل بمعانيها معاني الأجزاء وطريقة تركيبها.
غير أن استعمال اللغة ينطوي على ظواهر إشكالية لا بد أن يستوعبها التفسير، منها الإشارية، والحساسية للسياق، والالتباس. ولتفسيرها على الوجه الصحيح، لا بد أن تقبل دوال المعنى متغيرات عدة بوصفها وسائط. فلن تكون العلاقة تقابلًا بسيطًا واحدًا لواحد بين الجملة والمعنى، بل دالة أعقد تربط جملةً، مع متكلم وزمان وعالم وغير ذلك، بمعنى موافق. ويدرك لويس هذا، ويدخله في وصف ما ينبغي أن تكون عليه L حتى تستعملها P. وما دام أفراد P يعرفون هذه السمة في L ويستعملونها ملتزمين عرفي الصدق والثقة، فلا يُتوقع أن تنشأ مشكلة جسيمة. وليس القول إن المتكلمين يعرفون ذلك قولًا إنهم يستطيعون، عند الطلب، أن يصرحوا بكيفية عمل L، بل إن لديهم معرفة ضمنية بها تمكنهم من التواصل مع بقية أفراد P وفهمهم. ويسمي لويس تحقق اللغة بهذه الصورة «حالة تامة من الاستعمال اللغوي العادي»؛ فهي، في أحسن الأحوال، صياغة مثالية تحتاج إلى تنقيح. ويمكن فهم تشومسكي وديفيدسون، كل على طريقته، على أنهما يريان أن التصور المعروض هنا للغة ولتحققها خاطئ في أساسه، لا مجرد مسودة أولية خشنة.
يتناول تفسير لويس معنى العبارة، ولذلك يُنظر إليه أحيانًا بوصفه مكمّلًا نافعًا لتفسير معنى المتكلم القائم على القصد، مثل تفسير بول غرايس. ففي التقليد الغرايسي يتحدد معنى المتكلم بالأثر الذي يقصد إحداثه في المخاطَب عند إصدار قول معين، عن طريق إدراك المخاطَب لهذا القصد نفسه. أما الصورة الدقيقة للمقاصد التي تمنح القول معناه فموضع خلاف لا يعنينا كثيرًا هنا؛ انظر مدخل بول غرايس. لكن نظرية معنى المتكلم الفرد تحتاج، فضلًا عن بيان دقيق للمقاصد المانحة للمعنى، إلى نظرية مكمّلة في معنى العبارة. فبهذه النظرية وحدها يمكن تفسير أمرين: توقع المتكلم أن يُفهم على الوجه الذي قصده، إذ لا يتكون قصد أصلًا من غير قدر من توقع النجاح؛ ومعدل نجاح المخاطبين في إدراك ذلك القصد. وقد ربط غرايس أول الأمر معنى العبارة بمعنى المتكلم مقترحًا ما يأتي:
قد يمكن، في محاولة أولى، مساواة قولنا إن [العبارة] x تعني (دون تقييد [زمني]) «كذا وكذا» بعبارة أو فصل من عبارات عما يقصد «الناس»، على غموض هذا اللفظ، أن يحدثوه بواسطة x… (Grice 1957: 385).
يُعد تفسير لويس لمعنى العبارة على أساس العُرف تقدمًا هائلًا على تلك المحاولة المبكرة الخام. وفي المقابل يقدم تفسير غرايس لمعنى المتكلم عنصرًا يفتقده لويس؛ فلكي يوجد عُرف للصدق والثقة في L، لا بد أن يكون للتكلم في مناسبة معينة بمعنى بعينه مضمون محدد، وهذا ما تمنحنا إياه نظرية غرايس
2.3 الاعتراض على عدّ اللغات أعرافًا
يذهب دونالد ديفيدسون، في مقاله «اختلال لطيف في شواهد القبور» (A Nice Derangement of Epitaphs)، إلى أن اللغات لا وجود لها إذا كانت «شبيهة بأي شيء افترضه كثير من الفلاسفة واللسانيين» (1986: 446). ولا يسمي الفلاسفة واللسانيين الذين يقصدهم، لكن نظرية لويس العُرفية تقع قريبًا من مركز طيف المواقف التي ينتقدها.[1] ويرفض، على نطاق أوسع، فكرة وجود روابط مقررة اجتماعيًا بين العبارات والمعاني، تتيح المشاركة فيها لأفراد جماعة أن يتواصلوا. ولأن مقالة ديفيدسون حافلة بالمصطلحات، يصعب تفكيك حجتها. وسنبدأ في عرضها بشرح الصياغة التي يقدمها للموقف المرفوض، ثم نبين حجته عليه.[2]
يُصاغ الموقف في الدعوى القائلة إن المعنى الأولي مشترك ونسقي ومهيأ سلفًا. ولفهم «المعنى الأولي»، لنتأمل مثال غرايس الشهير لخطاب توصية بمرشح لوظيفة أكاديمية:
سيدي الكريم، يتقن السيد X الإنجليزية إتقانًا ممتازًا، ويواظب على حضور الدروس. وتفضلوا بقبول التحية، إلخ. (Grice 1975: 33)
لا يُستدل على ما يلمّح إليه الكاتب، وهو أن السيد X مرشح ضعيف، إلا بعد تفسير العبارات أولًا كما استُعملت في هذا القول. وهذا التفسير الأول هو المعنى الأولي. والتقابل المضمر في وصفه بـ«الأولي» هو مع التلميحات أو الاستلزامات التي يُستخرجها المتلقي من القول بعد ذلك. ويتعمد ديفيدسون استعمال «المعنى الأولي» تجنبًا لمصطلحي المعنى «الحرفي» و«العُرفي»، لأنه يعترض تحديدًا على افتراض وجود مستوى من المعنى يتحدد، بطريقة ما، بمعزل عن فعل التواصل وبحكم العُرف اللغوي. ولذلك ينبغي فهم «المعنى الأولي» بحياد أكبر: إنه أول معنى يقصد المتكلم أن ينسبه المخاطَب إلى العبارات المنطوقة في سياق قول معين.
في الموقف الذي يرفضه ديفيدسون، ينجح التواصل لأن هذا المعنى الأولي مشترك، أي إن المتكلم والمخاطَب ينسبان إليه المعنى نفسه، ومهيأ سلفًا، أي كان متاحًا لهما قبل صدور القول، ونسقي، أي يمكن صوغه في نظرية تأليفية. وهذه الصفات الثلاث مضمرة في الفرض العُرفي القائل إن معاني العبارات محددة داخل اللغة الاجتماعية التي تنتمي إليها. وقد نتصور هذه اللغة الاجتماعية على أنها الإنجليزية، أو على أنها عُرف بالمعنى الفني عند لويس. وفي الحالة الثانية، يستهدف ديفيدسون الدعوى القائلة إن التواصل داخل جماعة لغوية معينة يصبح ممكنًا بفضل عُرف مشترك ومهيأ سلفًا ونسقي للصدق والثقة في لغة L ما. وينكر ديفيدسون وجود أي L من هذا القبيل.
تنشأ حجته على أن المعنى الأولي ليس نسقيًا ومشتركًا ومهيأ سلفًا من تأمل ظواهر لغوية مختلفة، يجمعها أن «المتكلم يتوقع أن يُفسَّر كلامه كما قصد، ويقع ذلك فعلًا، مع أن المؤول لم تكن لديه سلفًا نظرية صحيحة» (1986: 440). ولا ينطبق هذا الوصف على مثال غرايس؛ ولذلك لا يهدد القول إن المعنى الأولي، المتعلق بانتظام الحضور، نتاج بسيط لنظرية تأليفية مشتركة من قبل. أما الإحلالات اللفظية، أي استعمال كلمة مكان أخرى قريبة منها في الصوت، فتنطبق عليها الصفة. وفيما يأتي قول السيدة ملابروب للكابتن أبسولوت في الحوار الذي استمد منه مقال ديفيدسون عنوانه:
[I]f I reprehend anything in this world, it is the use of my oracular tongue, and a nice derangement of epitaphs! (Richard Sheridan, The Rivals, Act III, Scene 3)
«[إ]ن كنت أستنكر شيئًا في هذا العالم، فهو استعمال لساني النبوئي، واختلال لطيف في شواهد القبور!» (ريتشارد شيريدان، «المنافسون»، الفصل الثالث، المشهد الثالث)
تمكن الكابتن أبسولوت من استنباط المعنى الأولي لقول السيدة ملابروب: إذا كانت تفهم شيئًا في هذا العالم، فهو استعمال لسانها الدارج، وحسن ترتيب النعوت. ويقدم ديفيدسون وصفًا حدسيًا لما يجري في هذه الحالة، وهو وصف ينطبق كذلك على التبادل التواصلي العادي، ثم يحاج بأن هذا الوصف لا ينسجم مع القول إن المعنى الأولي نسقي ومشترك ومهيأ سلفًا، ومن ثم عُرفي.
يصوغ ديفيدسون هذا الوصف الحدسي بمصطلحي النظريات المسبقة والنظريات الآنية للمعنى الأولي، ويعرّفهما لأي متكلم S وأي مخاطَب مقصود H كما يأتي:
نظرية H المسبقة: الكيفية التي يتهيأ بها H، قبل قول S، لتفسير عباراته.
نظرية S المسبقة: ما يعتقد S أنه نظرية H المسبقة.
نظرية S الآنية: النظرية التي يقصد S أن يستعملها H في تفسير عبارات قوله.
نظرية H الآنية: الكيفية التي يفسر بها H بالفعل العبارات الواردة في قول S.
ينجح التواصل على مستوى المعنى الأولي متى تطابقت نظريتا S وH الآنيتان، مهما اختلفت نظريتاهما المسبقتان. فإذا رمزنا بالسيدة ملابروب إلى S وبالكابتن أبسولوت إلى H، نسبت نظرياتهما المسبقة والآنية إلى كلمة epitaph المعاني المبينة في الجدول الآتي:
| S | H | |
| معنى «epitaph» بحسب النظرية المسبقة | epithetنعت | epitaphشاهد قبر |
| معنى «epitaph» بحسب النظرية الآنية | epithetنعت | epithetنعت |
لا يستوفي المعنى بحسب النظريات المسبقة ولا المعنى بحسب النظريات الآنية الصفات الثلاث كلها اللازمة ليكون عُرفيًا. وعلى وجه التحديد:
النظريات المسبقة نسقية ومهيأة سلفًا، لكنها غير مشتركة.
النظريات الآنية نسقية ومشتركة، لكنها غير مهيأة سلفًا.
يتوقع ديفيدسون ردًا بسيطًا مؤداه أن متحاورين «يشتركان في اللغة نفسها» إذا تقاربت نظريتاهما المسبقتان بما يكفي لتمكينهما من استعمال طرائق تفسير مرتجلة، كالطريقة التي استعملها الكابتن أبسولوت وجمهور المسرح: البحث عن كلمة قريبة في الصوت تجعل القول مفهومًا في سياقه. لكن «مبادئ… التكيف الخلاق لا يمكن اختزالها هي نفسها إلى نظرية؛ إذ تستدعي ما لا يقل عن جميع مهاراتنا في بناء النظريات». وبعبارة أخرى:
هذه القدرة، وإن كانت مشتركة ومهيأة سلفًا، ليست نسقية.
وإذا صغنا الدعوى اعتراضًا على لويس خاصة، قلنا: لا توجد L، أي لا يوجد اقتران بين الجمل والمعاني، يصبح به التواصل كما يقع فعلًا ممكنًا بفضل عُرف مشترك ومهيأ سلفًا ونسقي للصدق والثقة في L.
قد تبدو الإحلالات اللفظية ظاهرة هامشية ينبغي معاملتها حالةً خاصة. لكن ديفيدسون يرى أن الفكرة أعم، وأن الوصول إلى توافق في النظريتين الآنيتين يتطلب عملًا يفوق بكثير مجرد المشاركة في عُرف. فهناك، أولًا، ظواهر كثيرة تشبهها من الجهة ذاتها: الاستعارة، وتعدد المعنى، والجمل الناقصة، والأسماء غير المألوفة، وأخطاء الأداء مثل زلات اللسان أو الحيرة المؤقتة بين التعبيرين الإنجليزيين الآتيين:
cannot be underestimated
لا يمكن التقليل من شأنه
cannot be overestimated
لا يمكن المبالغة في تقديره
بل حتى حين تتفق النظريتان المسبقتان، يحتاج المتكلم والمخاطَب إلى ذكائهما العام، لا إلى مجرد تطبيق عُرف معروف، لكي يدركا وقوع هذا الاتفاق.
2.4 ردود أنصار العُرفية
تضمن موقف ديفيدسون، إذا فُهم اعتراضًا على لويس، ثلاث دعاوى مستقلة. أولًا، كما يبين مثال الإحلال اللفظي، قد لا تكفي معرفة L قبل استعمال معين لإنجاح التواصل، لأن «المعاني المسبقة» لدى المتكلم والسامع قد لا تتطابق، فلا تكون المعرفة السابقة مشتركة. ثانيًا، تنشأ بعد وقوع الاستعمال معرفة مشتركة بـ L تكفي لتحقيق التواصل، لكنها لم تكن حاصلة سلفًا. ثالثًا، قد يحدث الانتقال من معرفة سابقة غير كافية بـ L إلى تواصل ناجح بفضل معرفة غير لغوية، كالتفكير العملي والتفسير والمعرفة العامة، إلا أن هذه المعرفة ليست نسقية.
يبدو أن لدى لويس جوابًا عن اعتراض ديفيدسون، وسنكتفي برسم خطوطه العامة. فلنتذكر أصول تفسيره. أولًا، اللغات كلها، ومنها الطبيعية، كيانات مجردة هي دوال من الجمل إلى المعاني. وقد تبلغ هذه الدوال من التعقيد ما يلزم، فتتخذ وسائط أخرى غير الجمل، كمناسبات الاستعمال والأزمنة والعوالم والمتكلمين. وهي، شأن كل كيان مجرد، على ماهيتها بمعزل عن أي عُرف قد يسود جماعة بشرية. ثانيًا، يواجه البشر مشكلة تنسيق، ويحلّونها باستعمال لغة ما، أي مجموعة مجردة ما من الدوال. ثالثًا، لكي ينجح استعمال الكيان المجرد L في حل مشكلة التنسيق بين أفراد جماعة P، يجب أن يسود بينهم عُرفان على الأقل: عُرف الصدق في L وعُرف الثقة بها. وأخيرًا، يُفترض أن أفراد P يعرفون جميع الدوال ذات الصلة، أو يملكون وسيلة إلى معرفتها، لكل جملة ممكنة في L. وخلاصة ذلك أنهم يعرفون سلفًا، بمعنى ما، جميع الدوال ذات الصلة التي تقرن جمل L بمعانيها.
يعرض ديفيدسون حالة لا تكفي فيها المعرفة السابقة بـ L لضمان التواصل، ومن ثم لحل مشكلة التنسيق التي يقصدها لويس. ومع ذلك يتضح أن المتكلمين ينجحون في حلها حتى في حالات الإحلال اللفظي. ويرى ديفيدسون أنهم يفعلون ذلك باستعمال معرفة غير لغوية، مثل التفكير العملي والتفسيري. ولكي نعلم هل تمثل هذه الاستعمالات لـ L مثالًا ناقضًا لموقف لويس، ينبغي أن نسأل: هل يلتزم المتكلم والسامع، وهما يحلان مشكلة التنسيق، عرفي الصدق والثقة في L، أم يرفضان العرفين كي ينجح التواصل؟
تشير نظرة سريعة في مثال ديفيدسون إلى أن المتكلم والسامع يلتزمان العرفين حتى في الإحلال اللفظي. فكلا S المتكلمة وH السامع يفترض أنهما يستعملان اللغة نفسها، مع أنهما لا يدركان أن ذلك غير صحيح تمامًا، لأن اختلاف نظريتيهما المسبقتين يعني أنهما لا يشتركان في L مسبقة واحدة. ومع ذلك تظل S صادقة على الرغم من إحلالها اللفظي، ويفترض H صدقها، فيعيد تفسير كلامها مستعينًا بالتفكير العملي أو التفسيري أو بغيره من صور التفكير العام. ولذلك ينبغي عد H ملتزمًا عُرف الثقة؛ وإلا غدا تشخيصه لإحلال S اللفظي، وما يصاحبه من إعادة تفسير كلامها الأصلي، عبثًا. ويبدو كذلك أن افتراضًا قريبًا من التأليفية حاضر هنا؛ فلولاه لاستغربنا أن يستبدل H ذهنيًا العبارة الأولى بالثانية:
a nice derangement of epitaphs
اختلال لطيف في شواهد القبور
a nice arrangement of epithets
حسن ترتيب النعوت
إذ يبدو أن معنى الثانية يتألف بالطريقة نفسها تمامًا.
يمكن للجواب اللويسي، انطلاقًا من هنا، أن يسلك إحدى استراتيجيتين. تقر الأولى بأن التفسير لا يشمل الإحلالات اللفظية، لكنها تعاملها حالة خاصة من ظاهرة ليست لغوية خالصة، ومن ثم تستدعي بالضرورة الذكاء العام. ويتوقف نجاح هذه الاستراتيجية على مدى إمكان تعميم هذه الحالات.
أما الاستراتيجية الثانية فتراجع النظرية لتجعل الذكاء العام عنصرًا مركزيًا فيها. ولا يلزم أن يثير ذلك مشكلة، لأن نظرية لويس مقصودة بوصفها صياغة مثالية. وكما يلاحظ لويس، نحتاج أصلًا إلى الذكاء العام لمعالجة الغموض والإشارية وغيرهما من الظواهر. وليس لويس منفردًا في هذا؛ فقد ذهب بعض الباحثين إلى أن «المحددات التداولية لما يقال» تعمل في كل قول بلا استثناء. ولمزيد من البحث في هذا الموضوع، انظر مدخلي التداولية والمعاني الافتراضية في الدلالة والتداولية.
ويمكن تطوير الاستراتيجية الثانية نفسها بطريقتين مختلفتين لإظهار توافقها مع الإطار العام لنظرية لويس. فقد يُسلّم أولًا بعدم وجود L مسبقة يتحقق فيها عرفا الصدق والثقة معًا، مع القول إن العرفين يتحققان في النظريات الآنية. ويصل المشاركون إلى هذه النظريات انطلاقًا من نظرياتهم المسبقة، التي قد تتباعد، وبمساعدة ذكاء عام. وتؤدي التأليفية أيضًا دورًا جوهريًا في استخلاص النظريات الآنية من النظريات المسبقة، ثم يُلتزم عرفا الصدق والثقة في L الآنية الناتجة. لكن مبدأ التأليفية سيحتاج عندئذ إلى إضعافه، بحيث لا تُعد العملية اللغوية الخالصة التي يصفها محددةً للمعنى تحديدًا كاملًا، وبذلك يبقى مجال لعناصر إضافية. والطريق البديل هو القول بإمكان الصدق والثقة في L مسبقة إذا رُفض تعيين لويس الدقيق للغات. ففي هذه الصيغة من النظرية قد تقرن L واحدة بعينها الجملَ بمعان مختلفة أحيانًا؛ أو قد يقال إن العرفين يتحققان في لغات L مشتركة مختلفة، أو في مجموعة لغات متشابهة بما يكفي.
وبعد توسيع مناسب للنظرية، قد تنسجم أصول رأي لويس تمامًا مع وصف ديفيدسون نفسه لهذه الحالات التي يُزعم أنها إشكالية. فحتى في الإحلال اللفظي يحاول المتكلم والسامع حل مشكلة تنسيق باستعمال لغة مشتركة L، سواء كانت L آنية مشتركة، أو L مفتوحة أو دينامية مشتركة، أو مجموعة مشتركة من لغات متشابهة بما يكفي، مع الالتزام بعرفي الصدق والثقة. ولا بد للويس، بطبيعة الحال، من إدخال صورة من التفكير التفسيري العام، فيخالف بذلك افتراضه الظاهر أن الاستعمالات الناجحة لـ L نسقية، أو تأليفية، على نحو كامل. لكن ينبغي تقدير مقدار الضرر الذي يلحق تفسيره من جراء ذلك. ويبدو جليًا أننا سنظل بحاجة إلى نظرية قريبة من نظرية لويس، تتضمن صيغة مناسبة أضعف لافتراض التأليفية، كتلك التي طورها García-Ramírez عام 2019.
3. . اللغات الخارجية واللغات الداخلية
3.1 مفهوم تشومسكي للغة الداخلية
لا يختصر الحرف الإنجليزي I كلمة واحدة في مصطلح «اللغة الداخلية» (I-language)، بل يلمّح إلى كلمات عدة توحي بمنهج يجعل لغة الفرد أساسًا واتفق أن تبدأ بهذا الحرف؛ ومن أبرزها internal، أي «داخلي»، وindividualistic، أي «فرداني».[3] أما مصطلح «اللغة الخارجية» (E-language) فيستعمله تشومسكي استعمالًا نقديًا للدلالة على الأشياء، أيًا تكن، التي يدرسها من يعد اللغات وخصائصها خارجة عن الذهن، ومن هؤلاء كثير من فلاسفة اللغة. وفي المحصلة، لا تنفصل حجة تشومسكي لإدخال مفهوم اللغة الداخلية واستعماله عن حجته للمنهج المعرفاني (cognitivist) في دراسة اللغة بوصفها ظاهرة طبيعية. أما حجته على اللغات الخارجية فهي أنه لا يوجد مشروع علمي متماسك يحتاج إلى افتراضها كياناتٍ نظرية.
3.1.1 حجة تأييد اللغات الداخلية
إذا تجاوزنا التفاصيل الفنية، وجدنا أن مفهوم لويس للغات الطبيعية يقارب الفهم المألوف للغات بوصفها أشياء نستعملها للتواصل مع الآخرين في جماعة لغوية. ومن هذه الزاوية قد يبدو مفهوم تشومسكي للغة بوصفها كيانًا داخل ذهن الإنسان أو دماغه غريبًا. ويزول هذا الشعور إذا فهمنا المشروع العلمي الذي نشأ فيه هذا الاستعمال لكلمة «لغة». فمخالفة الاستعمال للتفكير المألوف لا تكون اعتراضًا عليه إذا كان المشروع الذي يندرج فيه سليمًا. وقد يصعب على التفكير المألوف تقبل الكتلة بوصفها صورة ممكنة للطاقة، لكن الفيزيائيين لا يجدون في ذلك ما يدعوهم إلى التوقف.
يهدف مشروع تشومسكي إلى بلوغ فهم علمي موثوق لكيان طبيعي هو الدماغ البشري. والأقرب إلى الإمكان أن طموحه ينصب على إحراز تقدم في فهم جوانب الدماغ المركزية في طبيعتنا بوصفنا كائنات لغوية. وفرضية البدء المعقولة أن جزءًا مستقلًا وظيفيًا من الدماغ، هو «الملكة اللغوية»، مسؤول عن العناصر الأساسية في قدرتنا على استعمال اللغة. وإذا صحت الفرضية، فقد تتضافر أجزاء أخرى من الدماغ، وعناصر كثيرة خارج الدماغ في بيئتنا الاجتماعية والمادية، مع الملكة اللغوية لإنتاج السلوك اللغوي؛ لكن البحث نفسه يقصر غايته على فهم الملكة اللغوية. ولهذا القيد الطوعي مسوغ: فسلوكنا الظاهر شديد التعقيد، وهو حصيلة تفاعل يعسر تفكيكه، ولذلك ينبغي أن نعتدل في طموحنا التفسيري. وسيكون فهم آليات الملكة اللغوية الداخلية إنجازًا هائلًا في ذاته. ويمكن للسلوك اللغوي، من أصوات يصدرها مستعملو اللغة وأحكامهم على بعض التراكيب بأنها غير نحوية وغير ذلك، أن يقدم أدلة قابلة للنقض تؤيد فرضياتنا عن الملكة اللغوية نفسها أو تعارضها؛ لكن وصف السلوك الظاهر لا ينبغي أن يكون غاية البحث. وفي صياغة أسبق للفكرة نفسها تقريبًا، ميّز تشومسكي بين الكفاية الأساسية واستعمالها الظاهر في الأداء، ورأى أن الكفاية أجدر بكثير أن تكون موضوع البحث اللساني. ثم عدل عن هذه المصطلحات بعدما ولّدت تأويلات خاطئة متكررة؛ فكلمة «الكفاية»، مثلًا، تحمل إيحاءات معيارية لم يقصدها، كما حين نقول إن شخصًا «ضعيف الكفاية في الإسبانية».
يبين هذا بأي معنى يتخذ تشومسكي منهجًا داخليًا وفردانيًا في دراسة اللغة، لكنه لا يوضح بعد موقع مفهوم اللغة، سواء كانت مستبطنة أم لم تكن، داخل هذا المنهج، ولا سبب الحاجة أصلًا إلى الحديث عن لغات بعينها، باستعمال «لغة» اسمًا معدودًا لا اسم جنس. وتقدم مناقشة تشومسكي لاكتساب اللغة مثالًا جيدًا لهذه الخطوة الإضافية، كما تكشف فرقًا دالًا بينها وبين منهج لويس؛ انظر 2.1.[4]
رأينا أن لويس يعد اللغة اقترانًا اعتباطيًا بين الجمل والمعاني، وأن التنسيق المتجسد في ممارسة عُرفية يتجاوز هذا الاعتباط؛ وهذه الممارسة لغة خارجية بمصطلح تشومسكي. ولا ينكر تشومسكي قدرًا من الاعتباط اللغوي يظهر في تنوع اللغات، لكنه يرى أن علم النفس البشري يحد هذا التنوع (1995a: 15f). وفي نموذج «التعلم» الذي يرفضه تشومسكي، يكون الرضع علماء صغارًا يلاحظون الأعراف اللغوية السائدة بين البالغين ويستدلون عليها، كعرفي الصدق والثقة في L ما. غير أن المتعلمين لا يستطيعون استبعاد جميع اللغات المتوافقة منطقيًا مع البيانات والإبقاء على واحدة فقط. وحتى لو كان الطفل بالغ الذكاء، فإن الأدلة المتاحة في البيئة اللغوية المعتادة لا تبلغ من الغنى ما يكفي؛ وهنا تظهر «حجة فقر المثير». فإذا كانت معلومات بيئة الطفل أفقر من أن تفسر نمو كفايته، فلا بد أن تمده معرفة سابقة بسند ذهني؛ انظر Laurence and Margolis 2001 ومدخل الفطرية واللغة.
في هذا السياق يفيد، بحسب تشومسكي (1986: 22–3؛ 2000: 4–5)، إدخال مفهوم اللغات الداخلية. ويمكن تصور اكتساب اللغة مسارًا من حالات الدماغ يبدأ بالحالة S0، ويمر بحالات وسيطة، وينتهي بحالة ناضجة مستقرة نسبيًا SM. وتمثل S0 الحالة الابتدائية المشتركة بين البشر جميعًا، بعد التجريد من حالات القصور اللغوي الفردية ونحوها. أما الحالات اللاحقة فتنشأ بالتعرض لبيئة لغوية معينة. ولا يلزم مما تقدم أن تكون هذه الحالات تمثيلية بحيث يصح تسميتها «معرفة لغة». لكن إذا وصفنا وجود الفرد في الحالة SL بأنه معرفة لغة L، وهي معرفة يستطيع اللساني من حيث المبدأ التصريح بها في نظرية لـ L، أمكن أن نصف اكتساب اللغة، وصفًا مفيدًا، بأنه انتقال الأطفال في مراحل معرفية مختلفة حتى يكتسبوا كفاية البالغ. وتفيد هذه الصياغة لأنها تتيح عرض الخلاف بين التجريبيين والفطريين على أنه خلاف في مقدار المعلومات اللغوية التي يجب أن يعرفها من هو في S0 سلفًا حتى تنتهي به المعلومات الواردة من البيئة اللغوية إلى معرفة اللغة الناضجة M. يقول التجريبيون إن الحاجة إلى المعرفة السابقة ضئيلة، وإن S0 «صفحة بيضاء» تملؤها البيانات البيئية. أما الفطريون فيرون أن معلومات كثيرة لا بد أن تكون متاحة من قبل في صورة معرفة فطرية بلغة سماها تشومسكي النحو الكلي (UG). فكل منا مهيأ لاكتساب لغات معينة دون غيرها، هي اللغات الممكنة للبشر التي يمكن أن تنشأ عن النحو الكلي.
فاللغة الداخلية إذن شيء مُمثَّل في الملكة اللغوية لفرد مفترض على سبيل الصياغة المثالية، في مرحلة معينة من نموه؛ لكنها ليست شيئًا زائدًا على الملكة اللغوية. والقول إن اللغات الداخلية مُمثَّلة في الدماغ هو «قول في بُنى الدماغ مصوغ عند مستوى معين من التجريد عن الآليات» (1986: 33). أي إن وصف الملكة اللغوية بأنها تمثل قدرًا من المعلومات ليس سوى طريقة من طرائق الوصف المجرد لهذه الملكة، وهي «عضو» بشري (Chomsky 1975: 10؛ Anderson & Lightfoot 2000). وربما أمكن وصفها وصفًا كيميائيًا أيضًا، لكن الوصف التمثيلي أنفع من الكيميائي في سياق تفسير اكتساب اللغة، للأسباب التي تقدمت. ونحو الفرد، أي النظرية اللسانية المتعلقة به، صياغة مجردة لهذه اللغة الداخلية؛ غير أن ما يدّعي وصفه هو ملكته اللغوية، لا كيانًا خارجها.
تستمد اللغات الداخلية، بوصفها مفترضات نظرية، مسوغها من دورها في هذا النوع من البحث. فعندما تُعامل الحالات الواقعة في طريق الإنسان إلى الكفاية اللغوية الناضجة المعتادة بوصفها حالات تمثيلية أو معرفية، يكون المُمثَّل أو المعروف فيها لغة داخلية، ويغدو من الممكن صوغ تعميمات تجريبية مهمة وتقويمها. ولا يلزم أن يقف الباحث عند الطرف الفطري من طيف الخلاف في اكتساب اللغة حتى يقبل هذه الصياغة للمسألة. ثم إن تصور الدماغ نظامًا تمثيليًا لمعالجة المعلومات، أو حزمة متكاملة من هذه الأنظمة، يتجاوز تطبيقه اللغة وحدها، في النمو وغيره. وكانت حجة تشومسكي على السلوكية في دراسة اللغة (1959)، ورؤيته البديلة لكيفية دراستها، عاملًا حاسمًا في الثورة المعرفية في علم النفس والتخصصات المتصلة به؛ انظر مثلًا Glass, Holyoak, & Santa 1979؛ Marr 1982؛ Pylyshyn 1984؛ Fodor 1987.
3.1.2 حجة الاعتراض على اللغات الخارجية
لا ينكر تشومسكي أن اللغة، حين تستعمل اسم جنس، «نتاج اجتماعي» في بعض جوانبها على الأقل (1986: 18). ويستشهد، مثلًا، بفرضية بوتنام الشهيرة في «تقسيم العمل اللغوي» (Putnam 1975)، ويرى أن ظاهرة الاعتماد الدلالي على أهل الخبرة، إذا وُصفت على الوجه الملائم، تنسجم مع منظوره الداخلي. وإنما يشكك في اللغات الخارجية، حيث ترمز E إلى externalized، حين تكون «اللغة» اسمًا معدودًا. فلهذه الكيانات خصائص مستقلة عن الذهن أو الدماغ، ولا سيما عن الملكة اللغوية. ويورد أمثلة عدة (1986: 19): رأي بلومفيلد أن اللغة مجموع الأقوال الممكنة في جماعة كلامية؛ ومفهوم سوسير لـ langue، أي الربط الاعتباطي بين الأصوات والمفاهيم؛ واقتران لويس بين الجمل والمعاني، الذي يكون اللغة المتحققة فعلًا لجماعة حين تسود الاطرادات الموصوفة آنفًا. ويضم تشومسكي كذلك أي نسق من الأفعال أو السلوكات يكون فردانيًا، لكنه ينتج من تفاعل عدد لا يحصى من أنظمة الأداء مع الملكة اللغوية ومع بعضها. ويدّعي النحو، في منظور اللغة الخارجية، وصف هذه الكيانات الواقعة خارج الذهن، أو خارج الملكة اللغوية على الأقل.
ولشدة تنوع التصورات الكامنة وراء هذه المفاهيم للغات، قد تبدو انتقادات تشومسكي تعميمية. لكن الفكرة التي تجمعها أن اللغات الخارجية أقل «واقعية» من اللغات الداخلية، ولذلك «يبدو أن مفهوم [اللغة الخارجية] لا يؤدي دورًا في نظرية اللغة» (1986: 26). ولا تختلف الحجة المؤدية إلى هذه النتيجة السلبية كثيرًا عن الحجة الإيجابية لمنظور اللغة الداخلية المعروضة في 3.1.1. فالسلوك اللغوي ينتج من الملكة اللغوية من جهة، ومن المؤثرات الخارجية من جهة أخرى، وهي أنظمة الأداء في ذهن الفرد أو دماغه والعوامل الاجتماعية. وليس السؤال هل يمكن قط أن نقول شيئًا نافعًا عن هذه الآثار المترتبة، بل هل لمفهوم اللغة الخارجية دور تفسيري محوري في ذلك، إلا أن يكون اختصارًا مفيدًا. فلا نضيف شيئًا ذا بال إلى تفسير تعلم اللغة في 3.1.1، مثلًا، إذا وصفناه بأنه نمو نحو تعلم لغة اجتماعية محددة وفق منظور خارجاني، بدل أن نصفه بأنه نمو نحو حالة ناضجة معينة SM لفرد.
ولهذا نتيجة ظاهرة تهم كثيرًا من فلاسفة اللغة الذين شغلهم بناء نظرية لمعنى الإنجليزية. والرأي الشائع أن هذه النظرية ينبغي أن تبين الخصائص الإحالية لعبارات الإنجليزية، أي الصلة بين الكلمات والأشياء في العالم، بحيث تُشتق منها شروط صدق جميع الجمل الإنجليزية؛ انظر Davidson 1970 وMontague 1970 ومدخلي نظريات المعنى والإحالة. ويقترح تشومسكي، مرددًا رأي P. F. Strawson (1950)، أن الإحالة فعل يفعله الناس. صحيح أنهم يستعملون الكلمات فيه، لكن الكلمات لا تحيل من تلقاء نفسها بواسطة كيان خرافي اسمه «الإنجليزية» (2000: 40–1). وإذا كان لعبارة «الخصائص الإحالية للتعابير» مضمون، فلا ينبغي فهمها على أنها خصائص علائقية بين التعابير وأشياء خارجية، أو علاقات بين الكلمات والعالم، بل على أنها تعليمات لنظام الفرد التصوري، وهو أحد أنظمة الأداء التي تتصل بها الملكة اللغوية؛ وقد بحث Jackendoff 2002 هذه الفكرة. وإذا صح رأي تشومسكي، كان جانب كبير من فلسفة اللغة مخطئًا من أساسه أو محتاجًا إلى إعادة تفسير واسعة؛ انظر Hornstein 1989 وLudlow 2003 وPietroski 2003 وStainton 2006.
3.2 الرد الأول على منظور اللغة الداخلية: لا تمثيل بلا شيء مُمثَّل
تمتد انتقادات داخلانية تشومسكي، ومن ثم مفهومه للغة الداخلية، أكثر من نصف قرن، وكذلك ردوده عليها. وتضم ثلاث مجموعات، هي George 1989 وMcGilvray 1999 وAntony and Hornstein 2003، طيفًا كاملًا من التعليقات الفلسفية. وسنركز في هذا القسم والقسم الذي يليه على اعتراضات لها حضور خاص في النقاش الراهن.
ركز كثير من النقاد على التزام خارجاني غير معلن يرونه مضمرًا في مصطلحات تشومسكي. ويمكن توجيه الاعتراض باستعمال أي من الألفاظ التي عبّر بها عن داخليته، ومنها الكفاية والمعرفة والتمثيل. فأولًا، تقتضي الكفاية كفايةً في شيء ما. وإذا عُرّف ذلك الشيء بالملكة اللغوية نفسها، استحال وجود عدم الكفاية، وبطل معنى الحديث عن الكفاية؛ كما استحال الخطأ (انظر Barber 2001). وثانيًا، تقتضي المعرفة شيئًا معلومًا، هو لغة خارجية أو طائفة من خصائصها. وقد وصف تشومسكي هذه الانتقادات بأنها ناشئة من سوء فهم رأيه، وقال إنه يستعمل الكفاية والمعرفة بمعنى فني لا يطابق الاستعمال العادي تمامًا. واقترح أحيانًا اتخاذ cognize مصطلحًا فنيًا بديلًا اتقاءً للالتباس؛ ومعناه أن تكون اللغة الداخلية مُمثَّلة في ملكة المرء اللغوية.[5] ولذلك اتجهت الصيغ الأحدث من النقد إلى التمثيل. إذ يبدو أنه لا تمثيل من غير شيء مُمثَّل، يكون خارج الشيء الذي يقوم بالتمثيل، ومن ثم خارج الملكة اللغوية أو حتى خارج الفرد. وقد أجاب تشومسكي بأنه لا يستعمل التمثيل استعمالًا علائقيًا، أي بمعنى «تمثيل شيء» (1995a: 53؛ وفي Antony and Hornstein 2003: 276–7).
يشغل مفهوم التمثيل موقعًا مركزيًا في جانب كبير من العلوم المعرفية، وقد استأثر باهتمام كثير من فلاسفة العقل واللغة الذين يشاركون تشومسكي نزوعه الطبيعي. واستغرب كثير منهم رفضه لمفهوم التمثيل العلاقي، حيث تقوم العلاقة بين حوامل التمثيل في الذهن أو الدماغ وبين الأشياء التي تمثلها، ورفضه كذلك محاولات تعريف هذه العلاقة بلغة طبيعية؛ انظر النظريات السببية للمحتوى الذهني والقصدية والتمثيل الذهني. ويرى جورج ري، مثلًا، أن القصدية، أي «التعلق بشيء»، المضمرة في مفهوم التمثيل لازمة للنظرية الحاسوبية التمثيلية للعقل، وهي تحديدًا النظرية التي يرى هو وغيره أن أعمال تشومسكي أسهمت في إلهامها وصوغها (Rey 2003a,b & 2005). ويخلص ري إلى أن تشومسكي مخطئ في شأن منزلة نظريته نفسها، ويقترح بدلًا من ذلك تفسيرًا يراه أرفق بها: فالتمثيلات تمثل شيئًا، لكنها تكون في العادة غير دقيقة من غير أن يترتب على ذلك ضرر.
حاولنا في العرض السابق، 3.1.1، بيان مفهوم تشومسكي غير العلاقي للتمثيل، حيث لا يعد وصف شيء بأنه يمثل لغة داخلية إلا طريقة لوصفه وصفًا مجردًا. وذهب جون كولينز أبعد في الدفاع عن إمكان وجود تمثيلات بلا أشياء مُمثَّلة (2014). فهو يقول إن اتخاذ «صياغة تمثيلية ثنائية الطرف» يعيننا على «تأطير تعميمات عن حالات تمثيلية أحادية الطرف». وليست الأشياء المُمثَّلة إلا نواتج جانبية لمحاولة النحويين تصنيف الحالات غير العلاقية التي يمكن أن يكون عليها الذهن أو الدماغ أو ينتقل بينها. ولا يوجب الاستناد إليها التزامًا وجوديًا بلغات خارج الذهن أو الدماغ الموصوف.
وتتبنى فرانسس إيغان موقفًا يبدو وفيًا لروح رأي تشومسكي في التمثيل، مع إفساحه المجال، بل إقراره بالحاجة، إلى مفهوم علاقي للمحتوى التمثيلي في التفسير المعرفي عمومًا وفي اللسانيات خصوصًا. فبحسب إيغان (2003، 2014)، يدخل المحتوى التمثيلي، بمفهومه ثنائي الطرف، في التفسير المعرفي، لكن لا على الصورة التي يفترضها الرأي السائد. فالآلية الحاسوبية الداخلية وحدها، من غير تفسير دلالي لها، هي التي تنهض بالتفسير. أما اتصاف هذه الآلية بمحتواها التمثيلي فلا يدخل إلا ضمن العنصر المُفسِّر، ويُستعمل لتحديد ما يراد تفسيره. وكثيرًا ما يوصف هذا الشيء المراد تفسيره، ومن ثم كل محتوى يُنسب إليه، بعبارات فضفاضة جدًا، بل قد لا يقابل شيئًا حقيقيًا أصلًا.
«لأن الآلية، كما تُوصف حاسوبيًا، لا تتعقب هذه الخصائص [الخارجية] في كل بيئة، لا يكون التفسير الدلالي للجهاز وصفًا جوهريًا له، ولا يصلح أساسًا لتعيين هويته. لكنه يمكّننا من تحديد الوظيفة المعرفية للآلية، فنصفها، مثلًا، بأنها تحسب العمق [البصري] من التفاوت، أو تحسب البنية التركيبية لجملة» (Egan 2014: 98).
ويمكن القول إن هذا يوافق روح وصف تشومسكي للملكة اللغوية بأنها «تزود» أنظمة الأداء «بتعليمات» (1995b: 15). ومن أمثلة ذلك التمثيل المقابل للعنصر النحوي الآتي داخل الملكة اللغوية:
[voiced coronal sibilant]
[صوت صفيري تاجي مجهور]
فهذا التمثيل لا يدل على حركات الفم، ومنها الحركة التي تصاحب أول نطق الكلمة الإنجليزية الآتية:
zebra
ومع ذلك قد يدخل في التفسير السببي لتحريك الإنسان فمه بطريقة معينة في ظروف معينة.
يركز كثير من المشاركين في هذا النقاش على حالات مثل الحواف في وهم مثلث كانيتسا، في الشكل 1، أو PRO، وهو مكوّن تركيبي لا يقابله شيء في السلسلة المنطوقة. ويبدو أن لب المسألة هو كيف نفهم عدم وجود حافة أو مكوّن تركيبي وراء الحافة أو المكوّن المُمثَّل في الذهن أو الدماغ. وربما صدق الأمر نفسه على مفهوم اللغة المشتركة. ولم يُحسم بعد ما يترتب على ذلك لطبيعة التفسير المعرفي ولمفهوم التمثيل الذي يدخل فيه عادةً؛ وهذه مسألة تمس صميم فلسفة العلوم المعرفية.
الشكل 1. مثلث كانيتسا (من ويكيميديا كومنز، للمستخدم Fibonacci)

3.3 الرد الثاني على منظور اللغة الداخلية: علم اللغة النفسي
في العقود الأخيرة خُصص حقل علمي كامل، هو علم اللغة النفسي، لدراسة خصائص اللغة الخارجية المناهضة للفردانية والمستقلة عن الذهن، وأسهم بذلك إسهامًا هائلًا في تقدم فهمنا لنمو اللغة (انظر Hoff and Shatz 2007). وينطلق هذا الحقل من أن العوامل الخارجية، ومنها بيئة الطفل الاجتماعية والمادية، قد تؤدي دورًا كبيرًا في تحديد كفايته اللغوية ومفردات اللغة التي يكتسبها وتركيبها. ووفق هذا الرأي توفر تلك العوامل معظم المثيرات ذات الصلة باكتساب اللغة، إن لم توفرها كلها، خلافًا لحجة تشومسكي المركزية في فقر المثير تأييدًا للغات الداخلية.
أفادت دراسات علم اللغة النفسي للسلوك اللغوي الظاهر بحوثًا مختلفة. ومنها البحث في مقدار استقلال مجالات المعرفة اللغوية، بسؤال من قبيل: هل يستقل التركيب والدلالة والتداولية بعضها عن بعض، أم يساند بعضها بعضًا؟ انظر Gleitman, Cassidy, et al. 2005؛ Gleitman 1990؛ Naigles and Swensen 2007؛ Diesendruck 2007. ومنها أيضًا البحث في دور الطفل في اكتساب اللغة: أهو متلق سلبي أم مشارك فاعل داخل جماعته اللغوية؟ انظر Shatz 1987، 1994؛ Shafer and Garrido-Nag 2007؛ Poulin-Dubois and Graham 2007.
رأينا في القسمين 3.1.1 و3.1.2 أن حجة تشومسكي للغات الداخلية وعلى اللغات الخارجية شديدة الارتباط بافتراض فقر المثير. ويُستعمل هذا الافتراض للدفاع عن أن اللغات البشرية لا تعدو في معظمها تعديلات على النحو الكلي، وأن اكتساب اللغة ونموها هو مسار هذه التعديلات. غير أن الدراسات بينت أن المدخل الاجتماعي الذي يستطيع الأطفال التقاطه والاعتماد عليه غني في مضمونه وبنيته معًا (انظر Baldwin and Meyer 2007). ففي الكلام الموجه إلى الطفل يستعمل البالغون الكلمات بطريقة تسهل عليه تعيين المعلومات ذات الصلة (انظر Brent and Siskind 2001؛ Akhtar, Dunham, and Dunham 1991)، مما يدل على شدة صلة المدخل الاجتماعي بنمو المعرفة الدلالية. وحتى إذا قصرنا فرضية النحو الكلي على التركيب، ظلت أمامها تحديات تجريبية. فوفق هذه القراءة الأضيق يُنظر إلى اكتساب العمليات التركيبية على أنه «يعتمد أشد الاعتماد على عمل مبادئ بنيوية فطرية» (Baldwin and Meyer 2007: 95)، ولا يؤدي المدخل الاجتماعي إلا دور المحفز. وقد بينت دراسات أخرى أن هذه الفرضية موضع خلاف؛ إذ أوضحت تفسيرات اجتماعية تداولية بديلة أن الأطفال يستطيعون تعلم التركيب من استعمال البالغين للغة (انظر Tomasello 2003، 2004). ويُعتقد أن قدرات الطفل العامة غير الخاصة بمجال، مثل التحليل الإحصائي والتعرف على الأنماط والمقاصد، تعينه على تمييز البنية التركيبية في المدخل اللغوي الاجتماعي الذي يتلقاه واكتسابها (انظر Saffran, Aslin, and Newport 1996؛ Gentner, Holyoak, and Kokinov 2001). وبوجه عام، تشير الأدلة التجريبية المستمدة من دراسات علم اللغة النفسي بقوة إلى أن اكتساب اللغة ونموها يتجاوزان كثيرًا مجرد تعديل النحو الكلي بفعل نضج الذهن أو الدماغ.
وأيًا يكن مآل هذه المناقشات، يبدو أمران واضحين. أولهما أن خصائص اللغة الخارجية المناهضة للفردانية والمستقلة عن الذهن، ومنها السلوك اللغوي الظاهر، تصلح للبحث العلمي المنضبط. ويبقى مقدار ما تمثله هذه النتيجة من تهديد لرأي تشومسكي محل خلاف؛ فقد رأينا في 3.1.2 أنه يؤكد عدم إنكاره كون اللغة، في بعض جوانبها على الأقل، نتاجًا اجتماعيًا. لكن الدعاوى المبنية على تلك النتائج تخالف بوضوح الاتجاه العام لداخليته. وثانيهما أن لدينا، خلافًا لتشكك تشومسكي، أسبابًا وجيهة لتطوير البحث في المؤثرات الخارجية؛ فقد يتبين أنها مركزية لفهم سليم لدلالة اللغة البشرية، بل لقواعدها وتركيبها، ولاكتسابها أيضًا.
4. لمزيد من الاطلاع
للاطلاع على مناقشات تتناول أفضل السبل لتوصيف تصور لغات الأفراد، وعلى الآراء المتعلقة بموقع هذا التصور إزاء الداخلية التشومسكية والتصورات الاتفاقية للغة، انظر George 1990 وHigginbotham 2006.
أما نظرية الاتفاقات التي يستخدمها Lewis 1975 [1983]، فقد طُوّرت بالتفصيل في كتابه السابق (1969). وقد بسط Bennett 1976 نظرية اللغة المترتبة على ذلك، في حين وجّه إليها Burge 1975 وLaurence 1996 انتقادات. ويرى Wiggins 1997 وMillikan 2005، شأنهما شأن Lewis، أن اللغات ذات طبيعة اجتماعية في جوهرها، وقد ردّ Chomsky على صيغة من هذا الرأي الأخير في Antony and Hornstein 2003.
وقد خصصت مجلة Inquiry عددًا خاصًا (انظر Begby & Ramberg 2016) يضم عددًا من المناقشات المفيدة لمقال Davidson المؤثر الصادر عام 1986. ومن بينها Stainton 2016، الذي يرفض ما يصفه بأنه حجة Davidson ضد وجود اللغات العامة، ويضيف إلى انتقادات مماثلة للحجج التشومسكية التي تنتهي إلى النتيجة نفسها، كما في Stainton 2011. وللاطلاع على أعمال تتناول الحد الفاصل بين التداولية والدلالة، وكثير منها يثير مسائل مشابهة، انظر Stanley 2000، وCarston 2002، وBorg 2004، وRecanati 2004، وCappelen and Lepore 2005، وSzabó 2005. وفي أعمال أقدم تناولت مقالة Davidson، ناقش Hacking 1986، وDummett 1986، وPietroski 1994، وReimer 2004 موقفه المناهض للاتفاقية. ويتناول Hacking مدى ما إذا كانت نتيجة Davidson تقوّض فلسفته السابقة في اللغة. أما Dummett فيحاول أن يبيّن أن مفهوم النظرية القَبْلية يفترض مسبقًا وجود جماعة لغوية، ومن ثم وجود لغة مشتركة.
ويقدم McGilvray 1999 وSmith and Allott 2016 عرضين واضحين لفلسفة Chomsky في اللغة واللسانيات، بما في ذلك تمييزه بين اللغة الخارجية (E-language) واللغة الداخلية (I-language). ويمكن العثور على عرض أقصر لآرائه في هذا الموضوع تحديدًا لدى Bezuidenhout 2006. أما المناقشات النقدية فترد في خمس مجموعات من الدراسات: George 1989، وOtero 1994 (المجلد الثاني)، وAntony and Hornstein 2003، وBarber 2003، وMcGilvray 2005. وعادة ما تكون كتابات Chomsky غير التقنية ميسّرة للقارئ. ومن المداخل الجيدة للموضوع الفصل الثاني من Chomsky 1986، والمقالات الواردة في Chomsky 2000 (وقد ظهر بعضها أيضًا ضمن كتابه الصادر عام 1995a)، أو الأقسام الأولى من الفصل الأول في Chomsky 1995b (بالاشتراك مع Howard Lasnik).
ويقدم Hoff and Shatz 2007 عرضًا شاملًا وممتازًا لمجال تطور اللغة، بما في ذلك القضايا التأسيسية، إلى جانب موضوعات تتعلق بالنحو والدلالة والتداولية لدى الرضع والأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، وكذلك في حالات التطور غير النمطي.
المراجع
- Akhtar, Nameera, Frances Dunham, and Philip J. Dunham, 1991, “Directive Interactions and Early Vocabulary Development: The Role of Joint Attentional Focus”, Journal of Child Language, 18(1): 41–49. doi:10.1017/S0305000900013283
- Anderson, Stephen R. & David W. Lightfoot, 2000, “The Human Language Faculty as an Organ”, Annual Review of Physiology, 62: 697–722. doi:10.1146/annurev.physiol.62.1.697
- Antony, Louise M. and Norbert Hornstein (eds), 2003, Chomsky and His Critics, New York: Blackwell. doi:10.1002/9780470690024
- Baldwin, Dare and Meredith Meyer, 2007, “How Inherently Social is Language?”, in Hoff and Shatz 2007: chapter 5. doi:10.1002/9780470757833.ch5
- Barber, Alex, 2001, “Idiolectal Error”, Mind and Language, 16(3): 263–83. doi:10.1111/1468-0017.00169
- –––, (ed.), 2003, Epistemology of Language, Oxford: Oxford University Press.
- Begby, Endre and Bjørn Torgrim Ramberg, 2016, “Davidson’s Derangement Revisited: Guest Editors’ Introduction”, Inquiry, 59(1): 1–5. doi:10.1080/0020174X.2015.1122314
- Bennett, Jonathan, 1976, Linguistic Behaviour, Cambridge: Cambridge University Press.
- Bezuidenhout, Anne L., 2006, “Language as Internal”, in Lepore and Smith 2006: 127–39. doi:10.1093/oxfordhb/9780199552238.003.0005
- Borg, Emma, 2004, Minimal Semantics, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/0199270252.001.0001
- Brent, Michael R. and Jeffrey Mark Siskind, 2001, “The Role of Exposure to Isolated Words in Early Vocabulary Development”, Cognition, 81(2): B33–B44. doi:10.1016/S0010-0277(01)00122-6
- Burge, Tyler, 1975, “On Knowledge and Convention”, Philosophical Review, 84(2): 249–55. doi:10.2307/2183970
- Cappelen, Herman and Erenest Lepore, 2005, Insensitive Semantics: A Defense of Semantic Minimalism and Speech Act Pluralism, New York: Wiley-Blackwell. doi:10.1002/9780470755792
- Carston, Robyn, 2002, Thoughts and Utterances: The Pragmatics of Explicity Communication, Oxford: Blackwell. doi:10.1002/9780470754603
- Chomsky, Noam, 1959, “A Review of B. F. Skinner’s ‘Verbal Behavior’”, Language, 35(1): 26–58. doi:10.2307/411334
- –––, 1975, Reflections on Language, New York: Pantheon.
- –––, 1986, Knowledge of Language: Its Nature, Origin, and Use, New York: Praeger.
- –––, 1995a, “Language and Nature”, Mind, 104(413): 1–61. doi:10.1093/mind/104.413.1
- –––, 1995b, The Minimalist Program, Cambridge, MA: MIT Press. Chapter 1, pp. 13–127, co-authored with Howard Lasnik.
- –––, 2000, New Horizons in the Study of Language and Mind, Cambridge: Cambridge University Press.
- Collins, John, 2014, “Representations Without Representata: Content and Illusion in Linguistic Theory”, in Piotr Stalmaszczyk (ed.), Semantics and Beyond: Philosophical and Linguistic Inquiries, Boston: Walter de Gruyter, pp. 27–64. doi:10.1515/9783110362480.27
- Crystal, David, 2007, The Fight for English: How Language Pundits Ate, Shot, and Left, Oxford: Oxford University Press.
- Davidson, Donald, 1970, “Semantics for Natural Languages”, in Visentini et al. 1970: 177–88; reprinted in Davidson 1984: 55–64. doi:10.1093/0199246297.003.0004
- –––, 1984, Inquiries into Truth and Interpretation, New York: Oxford University Press.
- –––, 1986, “A Nice Derangement of Epitaphs”, in Lepore 1986: 433–446.
- Diesendruck, Gil, 2007, “Mechanisms of Word Learning”, in Hoff and Shatz 2007: chapter 13. doi:10.1002/9780470757833.ch13
- Dummett, Michael, 1986, “A Nice Derangement of Epitaphs: Some Comments on Davidson and Hacking”, in Lepore 1986: 459–76.
- Egan, Frances, 2003, “Naturalistic Inquiry: Where does Mental Representation Fit in?” in Antony and Hornstein 2003: 88–104. doi:10.1002/9780470690024.ch4
- –––, 2014, “How to Think About Mental Content”, Philosophical Studies, 170(1): 115–35. doi:10.1007/s11098-013-0172-0
- Fodor, Jerry A., 1987, Psychosemantics: The Problem of Meaning in the Philosophy of Mind, Cambridge, MA: MIT Press.
- García-Ramírez, E., 2019, Open Compositionality: Toward a New Methodology of Language, Maryland: Lexington Books.
- Gentner, Dedre, Keith J. Holyoak, and Boicho N. Kokinov (eds.) 2001. The Analogical Mind, Cambridge, MA: MIT Press.
- George, Alexander L. (ed.), 1989, Reflections on Chomsky, Oxford: Blackwell.
- –––, 1990, “Whose Language Is It Anyway? Some Notes on Idiolects”, Philosophical Quarterly, 40(160): 275–98. doi:10.2307/2219723
- Glass, Arnold Lewis, Keith James Holyoak, and John Lester Santa, 1979, Cognition, Reading, MA: Addison-Wesley.
- Gleitman, Lila, 1990, “The Structural Sources of Verb Meanings”, Language Acquisition, 1(1): 3–55. doi:10.1207/s15327817la0101_2
- Gleitman, Lila R., Kimberly Cassidy, Rebecca Nappa, Anna Papafragou, and John C. Trueswell, 2005, “Hard Words”, Language Learning and Development, 1(1): 23–64. doi:10.1207/s15473341lld0101_4
- Grice, H.P., 1957, “Meaning”, Philosophical Review, 66(3): 377–88. doi:10.2307/2182440
- –––, 1975, “Logic and Conversation”, in P. Cole and J. Morgan (eds.), Syntax and Semantics, Volume 3. London: Academic Press. Reprinted in H. P. Grice, Studies in the Way of Words, Cambridge, MA: Harvard University Press, 1989.
- Gunderson, Keith (ed.), 1975, Language, Mind, and Knowledge (Minnesota Studies in the Philosophy of Science, Volume 7), Minneapolis: University of Minnesota Press. [Gunderson 1975 papers are available online]
- Hacking, Ian, 1986, “The Parody of Conversation”, in Lepore 1986: 447–58.
- Higginbotham, James, 2006, “Languages and Idiolects: Their Language and Ours”, in Lepore and Smith 2006: 140–50. doi:10.1093/oxfordhb/9780199552238.003.0006
- Hoff, Erika and Marilyn Shatz (eds), 2007, Blackwell Handbook of Language Development, Blackwell Publishing. doi:10.1002/9780470757833
- Hornstein, Norbert, 1989, “Meaning and the Mental: The Problem of Semantics After Chomsky”, in George 1989: 23–40.
- Jackendoff, Ray, 2002, Foundations of Language: Brain, Meaning, Grammar, Evolution, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780198270126.001.0001
- Laurence, Stephen, 1996, “A Chomskian Alternative to Convention-Based Semantics”, Mind, 105(418): 269–301. doi:10.1093/mind/105.418.269
- Laurence, Stephen and Eric Margolis, 2001, “The Poverty of the Stimulus Argument”, British Journal for the Philosophy of Science, 52(2): 217–76. doi:10.1093/bjps/52.2.217
- Lepore, Ernest (ed.), 1986, Truth and Interpretation: Perspectives on the Philosophy of Donald Davidson, Cambridge: Blackwell.
- Lepore, Ernest and Barry C. Smith (eds.), 2006, The Oxford Handbook of Philosophy of Language, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/oxfordhb/9780199552238.001.0001
- Lewis, David K., 1969, Convention: A Philosophical Study, Cambridge, MA: Harvard University Press.
- –––, 1975 [1983], “Languages and Language”, in Gunderson 1975: 3–35; page references are to the reprint in D. Lewis, Philosophical Papers (Volume 1), New York: Oxford University Press, 1983, pp. 163–188. doi:10.1093/0195032047.003.0011
- Ludlow, Peter, 2003, “Referential Semantics for I-languages?” in Antony and Hornstein 2003: 140–61. doi:10.1002/9780470690024.ch6
- Marr, David, 1982, Vision. A Computational Investigation into the Human Representation and Processing of Visual Information, San Francisco, CA: W.H. Freeman.
- McGilvray, James, 1999, Chomsky: Language, Mind, and Politics, Cambridge: Polity Press.
- –––, (ed.), 2005, A Companion to Chomsky, Cambridge: Cambridge University Press.
- Millikan, Ruth Garrett, 2005, “In Defense of Public Language”, Chapter 2 of her Language: A Biological Model, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/0199284768.001.0001
- Montague, Richard, 1970, “English as a Formal Language”, in Visentini et al. 1970: 189–224; reprinted in Richmond H. Thomason (ed.), Formal Philosophy. Selected Papers of Richard Montague, New Haven: Yale University Press, 1974, pp. 188–221.
- Naigles, Letitia R. and Lauren D. Swensen, 2007, “Syntactic Supports for Word Learning”, in Hoff and Shatz 2007: chapter 11. doi:10.1002/9780470757833.ch11
- Otero, Carlos P. (ed.), 1994, Noam Chomsky: Critical Assessments, New York: Routledge.
- Pietroski, Paul M., 1994, “A Defense of Derangement”, Canadian Journal of Philosophy, 24(1): 95–117. doi:10.1080/00455091.1994.10717361
- –––, 2003, “The Character of Natural Language Semantics”, in Barber 2003: chapter 7.
- Poulin-Dubois, Diane and Susan A. Graham, 2007, “Cognitive Processes in Early Word Learning”, in Hoff and Shatz 2007: chapter 10. doi:10.1002/9780470757833.ch10
- Putnam, Hilary, 1975, “The Meaning of ‘Meaning’”, in Gunderson 1975: 131–193.
- Pylyshyn, Zenon W., 1984, Computation and Cognition: Toward a Foundation for Cognitive Science, Cambridge, MA: MIT Press.
- Quine, W.V., 1970, “Methodological Reflections on Current Linguistic Theory”, Synthese, 21(3/4): 386–98. doi:10.1007/BF00484806
- Recanati, François, 2004, Literal Meaning, Cambridge: Cambridge University Press.
- Reimer, Marga, 2004, “What Malapropisms Mean: A Reply to Davidson”, Erkenntnis, 60(3): 317–334. doi:10.1023/B:ERKE.0000023383.38025.cd
- Rey, Georges, 2003a, “Chomsky, Intentionality and a CRTT”, in Antony and Hornstein 2003: 105–139. doi:10.1002/9780470690024.ch5
- –––, 2003b, “Intentional Content and a Chomskian Linguistics”, in Barber 2003: 140–186.
- –––, 2005, “Mind, Intentionality and Inexistence: An Overview of My Work”, Croatian Journal of Philosophy, 5(3): 389–415.
- Saffran, Jenny R., Richard N. Aslin, and Elissa L. Newport, 1996, “Statistical Learning by 8-Month-Old Infants”, Science, 274(5294): 1926–1928. doi:10.1126/science.274.5294.1926
- Shafer, Valerie L. and Karen Garrido-Nag, 2007, “The Neurodevelopmental Bases of Language”, in Hoff and Shatz 2007: chapter 2. doi:10.1002/9780470757833.ch2
- Shatz, Marilyn, 1987, “Bootstrapping Operations in Child Language”, in Keith E., Nelson and Anne van Kleeck (eds), Children’s Language (Volume 6), Hillsdale, NJ: Erlbaum, pp. 1–22.
- –––, 1994, A Toddler’s Life: Becoming a Person, New York: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780195099232.001.0001
- Smith, Neil, and Nicholas Allott, 2016, Chomsky: Ideas and Ideals, third edition, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9781139979634
- Stainton, Robert J., 2006, “Meaning and Reference—Some Chomskian Themes”, in Lepore and Smith 2006: 913–40. doi:10.1093/oxfordhb/9780199552238.003.0036
- –––, 2011, “In Defense of Public Languages”, Linguistics and Philosophy, 34: 479–488. doi:10.1007/s10988-011-9104-7
- –––, 2016, “A Deranged Argument Against Public Languages”, Inquiry, 59(1): 6–32. doi:10.1080/0020174X.2015.1115279
- Stanley, Jason, 2000, “Context and Logical Form”, Linguistics and Philosophy, 23(4): 391–434. doi:10.1023/A:1005599312747
- Strawson, P.F., 1950, “On Referring”, Mind, 59(235): 320–44. doi:10.1093/mind/LIX.235.320
- Szabó, Zoltán Gendler (ed.), 2005, Semantics versus Pragmatics, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199251520.001.0001
- Tomasello, Michael, 2003, Constructing a Language: A Usage-Based Theory of Language Acquisition, Cambridge, MA: Harvard University Press.
- –––, 2004, “Syntax or Semantics? Response to Lidz et.al.” Cognition, 93(2): 139–140. doi:10.1016/j.cognition.2003.09.015
- Visentini, Bruno et al. (eds.), 1970, Linguaggi nella Società e nella Tecnica: convegno promosso dalla C. Olivetti, per il centenario della nascita di Camillo Olivetti, Museo Nazionale della Scienza e della Tecnica Milano, 14–17 ottobre 1968 (Volume 87 of Saggi di cultura contemporanea), Milan: Edizioni di Communita.
- Wiggins, David, 1997, “Languages as Social Objects”, Philosophy, 72(282): 499–524. doi:10.1017/S0031819100062380
أدوات أكاديمية
How to cite this entry. Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society. Look up topics and thinkers related to this entry at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO). Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.
مصادر أخرى على الإنترنت
- Dialects and languages, maintained by Michael Gasser, Indiana University.
- Idiolect and Context, [in PDF], Carlo Penco, Università di Genova
مداخل ذات صلة
behaviorism | compositionality | convention | Davidson, Donald | defaults in semantics and pragmatics | externalism about the mind | Grice, Paul | innateness: and language | intentionality | intrinsic vs. extrinsic properties | language of thought hypothesis | meaning, theories of | meaning: normativity of | mental content: causal theories of | mental content: narrow | mental representation | pragmatics | private language | reference
Barber, Alex and Eduardo Garcia Ramirez, “Idiolects”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2025 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2025/entries/idiolects/>.
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
