“العائق الإبستيمولوجي” و”القطيعة الإبستيمولوجية” و”الجدل” مفاهيم ثلاثة تشكل جوهر مفهوم باشلار لتاريخ العلوم في مشروعه الإبستيمولوجي. لقد حاولت تحديد تصوره لمفهوم تاريخ العلوم في مقالة سابقة صدرت بمجلة حكمة (2023.06.03) وفي هذه المقالة أحاول تحديد طبيعة علاقة الإبيستيمولوجية بتاريخ العلوم وإشكالية التقدم في تاريخ العلوم.
| الكاتب | محمد اليزناسني |
.2 .1علاقة الإبستيمولوجية بتاريخ العلوم
علاقة الإبستمولوجية بتاريخ العلوم هي أوضح وأعقد علاقة لها بالتخصصات الأخرى في الوقت نفس. فهي أوضح لأن تاريخ العلوم يقترب منها كثيرًا من حيث الموضوع والأهداف، لأن كلاهما يشتغلان بالمعرفة العلمية. المؤرخ والإبستيمولوجي لديهما ـ كما يقولجورج كانغيلام (Georges Canguilhem, 1904-1995) ـ “شيئا مشتركا” هو “الثقافة العلمية اليوم”.[1]
كما أنها الأكثر تعقيدًا، لأنه من الصعب عمليًا التمييز تمامًا بين التخصصين. عند أداء مهمته، ورغم جهوده لتحديد موضوع عمله، يمارس المؤرخ غالبًا نشاط الإبستيمولوجي بشكل غير مباشر، لذلك يبدو أن تاريخ العلوم غالبًا ما يُمارَس مصحوبًا باعتبارات إبستمولوجية، سواء كانت ضمنيًة أو صريحًة، سواء كان المؤرخ واعيًا أو غير واعٍ بهذا التصور. من هنا يطرح السؤال: هل يمكن للإبستمولوجي أن يؤدي مهمته كاملة دون الاستناد إلى تاريخ العلوم ودون أن يمارس بشكل ضمني أو صريح مهمة المؤرخ؟
إبستيمولوجية باشلار علمتنا أنه لا يمكن أن توجد معرفة علمية منفصلة عن تاريخها والتي يمكن أن تكون موضوعًا مميزًا ومحددًا للإبستيمولوجية. بدون رجوع مستمر إلى تاريخ العلوم ما كان باشلار ليتمكن من إبراز القيم الإبستيمولوجية التي تشكل إحدى مهام تاريخ العلوم، لذلك تبدو هناك حاجة ملحة للإبستمولوجية للدعم من طرف تاريخ العلوم والعكس صحيح. حسب كانغيلام، “إنه لمن المحال من دون الابيستيمولوجية أن نميز بين ضربين من التاريخ الذي يقال إنه تاريخ للعلوم: تاريخ المعارف البائدة وتاريخ المعارف المثبتة (…) غاستون باشلار هو الذي عارض بين التاريخ البائد والتاريخ المثبت.”[2] تاريخ العلوم هو، وفقًا لباشلار، “مدرسة” يتعلم فيها المرء كيفية الحكم.
لتحديد أكثر دقة لمهمة وأهمية تاريخ العلوم لدى باشلار أستند هنا إلى مصطلحات كانغيلام التي يصف من خلالها تاريخ العلوم بأنه “محكمة” تمارس فيها الإبستمولوجية نشاط القاضي من خلال تقييم “ماضي المعرفة” وتقديم “معايير الحكم” للتاريخ.[3]
لا يمكن أن يكون هناك انفصال أو توافق تام بين الإبستيمولوجية وتاريخ العلوم، كل ما هناك هو فقط جدلية الاختلاف والاتفاق في علاقتهما. العلاقة التكاملية بين التخصصين لا تعني أن كل تخصص يجب أن يشمل الآخر. يحدد باشلار هذه العلاقة بوضوح من خلال تمييز وتوضيح مهام كل منهما. يقول بشكل صريح: “لذا يجب على الإبستمولوجي انتقاء الوثائق التي جمعها المؤرخ. يجب أن يحكم عليها من منظور العقل، نعم من منظور العقل المتطور، لأنه فقط من خلال عصرنا يمكننا الحكم بشكل صحيح على أخطاء ماضي العقل.”[4]
على الرغم من تشابههما إلا أنهما يظهران “وظائف تاريخية مختلفة”. مهمة الإبسيمولوجي تبدأ عند النقطة التي تنتهي فيها مهمة المؤرخ، لذلك تسير مهام التخصصين في اتجاهات متعاكسة. “ينطلق المؤرخ من البدايات ويتجه نحو الحاضر. (…) ينطلق الإبستيمولوجي من الحاضر ويعود إلى بداياته.”[5]
ينطلق الإبسيمولوجي في مهمته من وعيه بأهمية العلم الحالية ويحاول تصحيح أخطاء العقل “من منظور العقل المتطور”. التصحيح بالنسبة له لا يعني تصحيح أخطاء العقل العلمي أي “عوائق المعرفة” في كل تفاصيلها، بل يعني ازالتها عبر „قطائع إبستيمولوجية”. إن إبستيمولوجية باشلار إذن ليست إبستيمولوجية وضعية، بل هي إبستيمولوجية معيارية. يترتب على ذلك حكمه الصارم على جميع المفاهيم الوضعية لتاريخ العلوم. تكمن إذن أصالة مفهوم باشلار لتاريخ العلوم في جداله ضد جميع المفاهيم الوضعية لتاريخ العلوم. يجب أن تكون الإبستيمولوجية “إبستمولوجية تاريخية” ويجب أن يكون التاريخ “تاريخًا إبستيمولوجيا”. يدعي دومنيك لكور (Dominique Lecourt, 1944-2022) في عمله عن باشلار أن إبستيمولوجية باشلار “تاريخية” وأنه يعتقد أن “عملية إنتاج المعرفة هي عملية جدلية.”[6] كما سبق الذُكر أعلاه فإن “المعيارية” و” التكرار” هما سمتان تميزان مفهوم باشلار لتاريخ العلوم عن التواريخ الأخرى، وليس فقط عن تواريخ العلوم، بل عن جميع التواريخ بشكل عام. لقد سبق وأن شرحت السمة الأولى التي تتجلى من خلال العلاقة بين تاريخ العلوم والإبستيمولوجية. السمة الثانية تطرح سؤالًا مثيرًا للجدل في تاريخ العلوم. يمكن صياغة هذا السؤال على النحو التالي: إلى أي مدى يمكننا مع باشلار التحدث عن “التقدم” في “التاريخ المتكرر” أو”المتجدد” (الذي يعني حسب باشلار أن تاريخ العلوم يُكتب دائمًا وفقًا للحالة الحالية للمعرفة العلمية)؟ هذه السمات هي نتيجة للمفهوم الجديد للإبستمولوجية عند باشلار الذي سبق أن تناولته في مقالة سابقة صدرت تحت عنوان: “تاريخ العلوم في المشروع الإبستيمولوجي الباشلاري بمجلة حكمة (03.06.2023). باختصار يجب أن تكون الإبستيمولوجية “إبستيمولوجية تاريخية” وأن يكون التاريخ “تاريخًا إبستيمولوجيًا”.
3.1. طبيعة التقدم في تاريخ العلوم
التحالف بين الإبستيمولوجية وتاريخ العلوم مكّن باشلار من صياغة تصوره لمفهوم جديد لتاريخ العلوم وهو مفهوم “التاريخ المتكرر”. عن هذه العلاقة ترتبت مشكلة إبستيمولوجية تتداخل فيها اليوم العديد من الدراسات وهي مشكلة طبيعة التقدم في تاريخ العلوم. في ماذا تتجلى إذن هذه المشكلة؟ في رأيي تكمن هذه المشكلة في طبيعة تاريخ العلوم نفسها، في طابعها الثنائي الأبعاد. في “التاريخ المتكرر” ينطلق المؤرخ من “يقين الحاضر” ويعود إلى الماضي لوصف وتقييم عملية تطور الفكر العلمي. بفضل مفهوم التاريخ المتكرر ابتعد باشلار عن جميع الأعمال التاريخية في عصره. هذا المفهوم تطور من خلال جداله ضد جميع ممثلي التصور “الاستمراري” لتاريخ العلوم. يعارض هذا الرأي بمفهوم “القطيعة” الذي طوره من خلال استخدامه في تحليل ماضي المعرفة العلمية. من خلال إدخال مفهوم القطيعة أسس باشلار منظورًا جديدًا في كتابة التاريخ وهو المنظور الذي يتبناه اليوم معظم المؤرخين والإبستيمولوجين مثل توماس كون( Thomas Kuhn, 1922-1996)،لويس ألتوسير( Louis Althusser, 1918-1990)، ومشيل فوكو(Michel Foucault, 1926-1984).
قبل أن أستمر في تناول الموضوع أود أن أقدم بإيجاز الآراء حول تاريخ العلوم التي انتقدها ورفضها وتجاوزها باشلار. في مشروعه الإبستيمولوجي يفترض باشلار أن فلسفة العلوم يجب أن تكون “ملائمة” للعلوم كل ما لا يتوافق مع هذه الأطروحة من جميع التيارات الفلسفية تعرض لانتقاد باشلار. في هذه الفلسفات تُستخدم العلوم فقط لتبرير المبادئ والأطروحات والنظريات الفلسفية. هذا هو بالضبط ما يسميه باشلار “التدخل” في العلوم، حيث تشمل الفلسفة النتائج العلمية. نتيجة لهذا التدخل لم تخلف الفلسفات التقليدية فيما يتعلق بالتاريخ نظرية متماسكة أو وجهة نظر متكاملة حول تاريخ العلوم وتركوا مشكلة “التقدم” الحقيقي للمعرفة العلمية جانبًا. كل ما يتعلق بالصفات المختلفة للعلوم وأزماتها وثوراتها لم تؤخذ بعين الاعتبار. الموقف الذي اتخذته هذه الفلسفات تجاه العلوم، سواء كان هذا الموقف وضعيًا أو براغماتيًا أو تقليديا، حال دون تأسيسها لمفهوم تاريخ العلوم. الأسباب لذلك تكمن في أنهم أولاً اعتبروا كل علم كنظام معرفي موحد وثانياً افترضوا أن العلم يتقدم بشكل متناغم ومستقيم، وثالثاً في الطريقة التي تم بها فهم طبيعة العلم:
- 1. في إطار فلسفة العلوم، انشغل الفلاسفة عمومًا بالمعرفة العلمية لاستخلاص الأدلة لأطروحاتهم الميتافيزيقية. يمكن بسهولة العثور على أمثلة توضح مثل هذه التفسيرات الميتافيزيقية للعلم. على سبيل المثال يحاول إميل مايرسون (Émile Meyerson 1859-1933) في كتابه “الهوية والواقع”[7] إثبات أن الأنطولوجية جزء لا يتجزأ من العلم وأن فصل التخصصين مستحيل. علاوة على ذلك فإن تاريخ العلوم هو تاريخ مثل جميع التواريخ الأخرى، تاريخ متناغم ومستمر لا يعرف العقبات أو الركود أو القطائع. تتجلى هذه النظرة إلى تاريخ العلوم بوضوح في أعمال ليون برونشفيغ Léon Brunschvicg, 1869-1944))، وهي نقطة تركزت عليها انتقادات باشلار بشكل خاص.
- 2. في فلسفة العلوم يتحدث الفلاسفة عن “العلم” وليس عن العلوم، عن “المنهج” وعن „تاريخ العلم” وعن المعارف العلمية كما لو كانوا يشكلون “مجموعة” موحدة أو كاملة، لها موضوعا ومنهجا وتاريخا واحدا. هذه النزعة لتوحيد المعرفة العلمية هي بالضبط مهمة الفلسفات التقليدية أو بالأحرى مهمة تقليدية لفلسفة العلوم بحد ذاتها التي يرفضها باشلار بسخرية ويتجاوزها. “إننا نجد من الادعاء المفرط أن يسعى العاِلم المعاصر إلى الجمع بين الكوسمولوجيا والتيلوجيا.”[8]
- 3. يستند فلاسفة العلوم في فهمهم للعلم إلى الفهم الذي قدمته التجريبية ويعتبرون أن المعرفة العلمية هي تطور للمعرفة العامية. على سبيل المثال لا يرى إميل مايرسون أي فرق بين النوعين من المعرفة.
كانت هذه باختصار بعض العقبات الأساسية التي منعت فلسفة العلوم من انشاء مفهوم “موضوعي” للعلم كان سيمكنها من تأسيس تصور “حقيقي” لتاريخ العلوم. كان باشلار واعيًا بهذا النقص الذي يكمن في الطريقة التي يُفهم بها موضوع العلم. باشلار يرفض الفهم الوضعي لموضوع العلم الذي يفهم هذا الموضوع فقط كموضوع معطى للتجربة. على العكس، فإن المواضيع العلمية ليست تلك التي تتوفر للعالم بشكل مباشر في الحياة اليومية، بل هي ما يشكله بنفسه من خلال عملية نقدية وباستخدام أدوات متطورة.
كيف يتم تكوين هذا الموضوع؟ يجيب باشلار كما يلي: “إن العقلانية الفوقية تعيّن، بجدلياتها وانتقاداتها، موضوعا فوقيا.”[9]
موضوع العلم وفقًا لباشلار ليس “موضوعًا مباشرًا”، بل هو “موضوع فوقي”. “الموضوع الفوقي هو نتيجة تموضُع نقدي، نتاج موضعةٍ لاتأخذُ من الموضوع إلا ما انتقدته فيه”[10]
من خلال تمييز موضوع العلم عن المواضيع غير العلمية تمكن باشلار من احداث ” قطيعة ” بين “المعرفة اليومية” و”المعرفة العلمية”.
في كتابه “تكوين العقل العلمي” قسم باشلار “ماضي” المعرفة العلمية إلى ثلاث فترات كبيرة. في الأساس لا يهتم بمشكلة التقسيم الزمني، بل بالفرق بين المعرفة العلمية والمعرفة العادية، يهتم أكثر بدراسة تطور مراحل نظرية أو مشكلة أو إشكالية.
اعتمادا على نتائج الأبحاث العلمية المعاصرة واستنادًا إلى أوغست كونت (Aguste Comte, 1798-1857)، يضيف باشلار فترة رابعة إلى “قانون المراحل الثلاثة” لكونت (Comte). الفترات الثلاثة الأولى تتوافق مع العصور القديمة والوسطى والعصر الحديث، والفترة الرابعة تتوافق مع العصر الحديث الذي حدثت فيه القطيعة بين المعرفة العلمية والمعرفة العامية.[11]
“العائق الإبستيمولوجي” و “القطيعة الإبستيمولوجية” و”الجدل” هي، كما سبق الذكر، ثلاثة مفاهيم تشكل مفهوم تاريخ العلوم عند باشلار. التصور الأول تم توضحه عبر اقتباس مطول (تكوين العقل العلمي، ص. 13)[12] بشكل كافٍ، أما التصوران الثاني والثالث فهما بحاجة إلى توضيح. فيما يلي سأتناول مفهوم القطيعة الذي يتيح توضيح تطور المعرفة العلمية وطبيعة التقدم في تاريخ العلوم عند باشلار، أما مفهوم الجدل فقد تناولته في مقال تحت عنوان: “مفهوم الجدل في المشروع الإبيستمولوجي الباشلاري” صدر بمجلة حكمة (2023.08.20).
يشير باشلار “بالقطيعة” إلى القفزات النوعية التي تحدث في تاريخ العلوم وللثورات العلمية التي تحدث نتيجة لظهور النظريات العلمية في هذا التاريخ. „التطور العلمي ليس مجرد تطور تاريخي؛ بل تمر به قوة واحدة ويمكن القول إن ترتيب الأفكار المثمرة هو ترتيب من نوع طبيعي.[13]
تاريخ العلوم يعرف، وفقًا لباشلار، فترات الركود والجمود والانحدار من جهة وفترات التقدم والفترات الانتقالية من جهة أخرى. بين هذه الفترات المتعارضة يوجد جدل يميز مفهوم باشلار لتاريخ العلوم. هذا التصور الجدلي يوجهه باشلار ضد التصور الاستمراري بوجه عام وخاصة ضد تصور إميل مايرسون. يتحدث باشلار عن الاستمرارية على مستويين: على المستوى الأول، هناك استمرارية بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية وعلى المستوى الثاني، هناك استمرارية بين التفكير العلمي الجديد والقديم. يقدم باشلار مفهوم القطيعة في عدة أعمال ويتناوله على مستويين: من ناحية، هناك قطيعة إبستيمولوجية بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية. من ناحية أخرى، هناك قطيعة إبستيمولوجية داخل المعرفة العلمية نفسها تحدث عند نشوء نظريات علمية جديدة في الرياضيات والفيزياء بين التفكير العلمي الجديد والقديم.[14]
القطيعة بين المعرفة العلمية والمعرفة اليومية يظهر من خلال الخصائص التالية:
- يميل ممثلو التصور الاستمراري لتاريخ العلوم دائمًا إلى البحث عن بداية وأصل كل نظرية علمية.
- كل اكتشاف علمي جديد يُعتبر من قبل التصور الاستمراري نتيجة لتطور علمي مسبق.
- تؤكد النظرة الاستمرارية لتاريخ العلوم على الاستمرارية بين اللغة العلمية واللغة اليومية.
باختصار، تختلف المعرفة العلمية عن المعرفة العامية من حيث طبيعة موضوعها. فيما يتعلق بالقطيعة في المعرفة العلمية نفسها، يمكن تمييز ثلاثة معاني للقطيعة. فهي تعني أولاً نشوء التفكير العلمي الشامل، أي أن القطيعة لا تعني الانفصال أو رفض التفكير السابق، بل تعني الاحتواء. “ومثال ذلك أن الهندسة غير الاقليدية تتضمن الهندسة الاقليدية، وأن الميكانيك غير النيوتيني ُيغلِّفُ الميكانيك النيوتيني، وأن الميكانيك التموجي ُيغلِّفُ الميكانيك النسبوي.”[15]
ثانياً، تستند نظريات العلوم الحالية إلى مراجعة المصطلحات العلمية الأساسية للعلوم السابقة. ثالثا، تعني القطيعة الانتقال إلى تفكير علمي مفتوح تاما. يحاول باشلار عبر مفهوم القطيعة الإبستيمولوجية إبراز ظواهر الثورة في تاريخ الفكر العلمي من ناحية وإلقاء الضوء على حقيقة أن تاريخ العلم يمكن فهمه انطلاقًا من حاضره وليس من ماضيه من ناحية أخرى. إن باشلار، كما يدعي دومنيك لكور (Dominique Lecourt)، مطالب بتمييز نوعين من اللحظات الحاسمة في تاريخ العلوم: “لحظة القطيعة” التي تنشأ فيها العلوم وتنفصل عن ماضيها الإيديولوجي و”لحظة إعادة التنظيم” التي تعيد فيها العلوم تنظيم قاعدتها بعد نشأتها.[16]
باستخدامه لمفهوم القطيعة يبتعد باشلار عن أسلافه ويرفض فكرتهم حول تطور الفكر البشري من خلال التقدم المستمر. طالما أن الواقع العلمي يختلف عن التجربة الأولى، تتطور المعرفة العلمية من خلال جدالها ضد الخبرة الأولى. تجتاز تطورات العلوم فترات وتغيرات في مفاهيمها ونظرياتها الأساسية وإعادة تنظيم مبادئها، لذلك ليس تاريخ العلوم تاريخًا ثابتًا، بل تاريخا ديناميكيا يتضمن فترات من “القطائع” والثورات وإعادة تنظيم عميقة، تتقدم من خلال التصحيحات وإعادة الصهر والقطائع. المعرفة العلمية وفقًا لباشلار تنتج فعلا عوائقها بنفسها وتحقق بنفسها أيضا قطائع من خلال تطورها الخاص.
في هذا السياق ينكر باشلار أي علة موجودة خارج نطاق العلوم الطبيعية، سواء للعقبات أو للعوائق. نتيجة لهذا التطور الداخلي الخالص لعلوم الطبيعة لا يمكن أن توجد قوانين تطور تاريخية. استقلالية التاريخ هذه يبرزها باشلار بشكل صريح: “في مصير العلوم تفرض القيم العقلانية نفسها، تفرض نفسها تاريخياً. تاريخ العلوم تقوده نوع من الضرورة الذاتية.”[17]
هذه الضرورة التاريخية تقهقرية فقط، لأن تاريخ العلوم نفسه تقهقري. لا تؤدي “التكرارات التاريخية” بأي شكل من الأشكال إلى السببية والحتمية التاريخية في التاريخ. بهذا التصور للتاريخ يرفض باشلار الكتابة التاريخية التطورية ويعارضها بوجهة نظر جدلية يعبر عنها بمفهوم القطيعة. ما هي الأهمية والوظيفة التي ينسبها باشلار لمفهوم الجدل في تاريخ العلوم؟ لن تتأتى الإجابة على هذا السؤال إلا بعد الإجابة على سؤال حول معنى “الجدل في المشروع الإبستيمولوجي الباشلاري”[18]
كماسبق القول، يعتبر دومينيك لكور إبستيمولوجية باشلار “إبستيمولوجية تاريخية” تعتبر” عملية إنتاج المعرفة عملية جدلية.”[19] يصف دمنيك لكور مهمة “الإبستيمولوجيا التاريخية” وضرورة الجدل في تاريخ العلوم في عمله حول إبستيمولوجية باشلار بقوله:
” لكن الإبستمولوجيا التاريخية تعلمنا سابقا أن العلم يتقدم على شكل قفزات من خلال تحولات مفاجئة وإعادة تنظيم لمبادئه: باختصار من خلال جدليات صريحة. لهذا السبب يجب أن يكون تاريخ العلوم بحد ذاته جدليًا.”[20]
عندما يتحدث باشلار في هذا السياق عن الديالكتيك فإنه يقصد فقط الديالكتيك داخل عملية تطور العلوم نفسها دون مراعاة لعلاقة العلوم بتطور المجتمع. هذا التصور الجديد للجدل في “مصير العلوم الطبيعية” لا يسمح بتصور جدل بين العلم والمجتمع وبين العلوم والأيديولوجيات، وأخيراً بين الجدل التاريخي أو الجدلي المادي أو المادية التاريخية.
يمكن إدراج مفهوم باشلار لتاريخ العلوم في النقاشات حول تاريخ العلوم بين المذهب الخارجي (L’éxternalisme)، والمذهب الداخلي (L’internalisme).[21]
لذلك يبدو أن باشلار يبتعد عن الموقفين رغم بعض القواسم المشتركة مع النزعة الداخلية، لأنه „من الجلي أن هذا الموقف أو ذاك يؤول إلى جعل موضوع تاريخ العلوم يماثل موضوع العلم.”[22]
يدعي مشيل فادي (Michel Vadée, 1904-1995) بالتوافق مع دومنيك لكور أن إبستيمولوجية باشلار تاريخية، لكنه ينكر ادعاءه بأن هذه الإبستيمولوجية يمكن أن تستند إلى أرضية المادية التاريخية. يقول مشيل فادي بهذا الصدد: „التاريخ ليس له مكان في الإبستيمولوجية. “يمكن وصف إبستيمولوجية باشلار بأنها تاريخية، ولكن لا يمكن تقريبها من المادية التاريخية إلا من خلال سوء الفهم”.[23]
هل يمكننا أن نستنتج من هذا الاقتباس أن دومينيك لكور قد كرس كتاباته -” نتيجة سوء فهم فقط” – لمحاولة تقريب إبستيمولوجية باشلار من الديالكتيكيين والماديين؟ في هذا الاقتباس تكمن المسألة المثيرة للجدل حول تفسير أفكار باشلار لدى هذين الماركسيين التي أشرت إليها في البداية عند تناول إبستمولوجية باشلار. سبب هذا النزاع يكمن في طبيعة تفكير باشلار نفسه، في الطابع الثنائي الأبعاد لمشروعه وحتى في غموض مصطلحاته، على سبيل المثال فإن مفهوم العائق وفقًا لـ مشيل فادي هو “غامض وموطن جميع تناقضات فلسفة باشلار وكذلك موطن العديد من التفسيرات الممكنة.” ويذهب إلى حد التأكيد أنه “مع أطروحته عن القطيعة ينكر باشلار إذن أي ضرورة للتطور التاريخي، وذلك اعتمادًا على تصوره للزمان وللعقل.”[24]
لا أتطرق هنا إلى هذه التأويلات بالتفصيل، بل أشير فقط إلى أن مفسري المشروع الإبستيمولوجي الباشلاري هم في الغالب ماركسيون جدد ينطلقون من وجهة نظر ماركسية لتفسير فكر باشلار فلسفياً وإيديولوجياً، إما على أساس المادية التاريخية (دومينيك لكور) أو على أساس الفلسفة المثالية (مشيل فادي). يضع فادي مفهوم باشلار لتاريخ العلوم الطبيعية في إطار الإشكالية المثالية الكلاسيكية للفلسفة الفرنسية: “أولاً: هذا التاريخ مستقل.” „ثانيًا: نموذج العقل هو العلوم الطبيعية أو بشكل أدق، التفكير الرياضي. “[25]
يذهب مشيل فادي إلى حد إنكار وجود التاريخ في المشروع الإبسيمولوجي الباشلاري. يقول بهذا الصدد أن “التاريخ، عند التفكير فيه حتى النهاية، ليس له واقع: إنه مجرد “نظرة إلى الوراء” من الحاضر الحالي إلى الماضي. “[26]
ما الذي يتحدث عنه باشلار عندما يتحدث في عدة مواضع عن تاريخ العلوم الطبيعية؟ يجيب مشيل فادي بشكل واضح، حيث يعارض في الوقت نفسه موقف دومينيك لكور من مفهوم باشلار لتاريخ العلوم: “لكن في الواقع يتعلق الأمر بنفس القدر بسجال ضد فكرة أن التاريخ يمكن أن يكون علما”.[27]
خليفة باشلار في معهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا في السوربون، جورج كانغيلام، يحاول فيما يتعلق بمجال البيولوجيا، تطوير الأسئلة التي كانت في الخلفية عند باشلار وإنهاء الجدل الناتج عنها مرة واحدة وإلى الأبد.[28]
يقول بوضوح تام: “تاريخ العلوم ليس علمًا وموضوعه ليس موضوعًا علميًا”.[29]
كانت هذه هي الخصائص الرئيسية لمفهوم باشلار لتاريخ العلوم الذي حاول تأسيسه من خلال إبستيمولوجية العلوم الطبيعية المعاصرة (خاصة الفيزياء) وكذلك الجزء الثاني من المشروع الإبستيمولوجي الباشلاري. من خلال النظر إلى هذا العمل ككل يمكن ملاحظة أن مهمة إبستيمولوجيته تظهر على مستويين:
على المستوى الأول توجد المهام المنهجية الثلاث: تطوير القيم العلمية والتحليل النفسي للمعرفة ودراسة تأثير النتائج العلمية على البنية العقلية. على المستوى الثاني توجد المهمة الفلسفية التي تبقى ضمنية عند باشلار وترتبط بالمهمات الثلاث الأخرى. تتمثل هذه المهمة في أن باشلار يحاول، استنادا إلى العلوم الحالية، تطوير موقف فلسفي مركب لتجاوز صراع الموقفين الميتافيزيقيين التقليديين (العقلانية-الواقعية). هناك إذن فرق بين هذين المستويين. يجب على الإبستيمولوجية أن تؤدي المهام الأولى، لكن المهمة الأخيرة يريد باشلار حلها بناءً على الإبستيمولوجية. في رأيي يكرس باشلار عمله الإبستيمولوجي للمهمة الأخيرة. هل تُفهم عقلانيته الجدلية “كتركيب فلسفي” تجمع بين العقلانية والواقعية؟ على هذا السؤال أجاب باشلار بوضوح في عدة مواضع تظهر فيها فلسفته للعلم في معنى أوسع كجدل بين العقلانية والواقعية.[30] هل نجح باشلار حقًا في تجاوز الصراع التقليدي بين الاتجاهين الميتافيزيقيين الأساسيين من خلال عقلانيته الجدلية والتطبيقية (فلسفته الحوارية)؟
ماينز في 2025.02.04
* عنوان مقالة نشر الجزء الأول منها بمجلة حكمة (2023.06.03) والجزء الثاني ينشر في هذه المقالة.
[1] “وبكلام آخر، يشترك المؤرخ الإبستيمولوجي أو على الأقل، ينبغي عليهما أن يشتركا في الثقافة العلمية اليوم، ولكنهما يختلفان في النظر إليها،
فيعطيانها وظيفة تاريخية مختلفة.”
كانغيلام، جورج: دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها. ترجمة د. محمد بن ساسي، المنضمة العربية للترجمة، بيروت 2007، ص. 268.
[2] المرجع نفس، ص .43.
باشلار عارض بين هذين النوعين من التاريخ في كتابه:
contemporaine. puf, Paris, p. 43. L’Activité rationaliste de la physique
[3] نفس المرجع ، ص. 42.
[4] Bachelard, Gaston: Formation d’esprit scientifique. 5è édition, J. Vrin, Paris 1967, p.20.
استنادا إلى الاقتباس المذكور أعلاه يكمل جورج كانغيلام مهام الإبستمولوجية وتاريخ العلوم على النحو التالي: “يجب على الإبستيمولوجي تتبع
تطور الفكر العلمي، ولهذا يجب عليه اختيار الوثائق التي جمعها المؤرخ وتقييمها.” كانغيلام، جورج: دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها. ترجمة د. محمد بن ساسي، المنضمة العربية للترجمة، بيروت 2007، ص. 268.
[5] المرجع نفسه، ص.271-270 .
[6]Lecourt, Dominique: Bachelard ou le jour et la nuit. Un essai du matérialisme dialectique. Grasset, Paris 1974, p. 77.
[7] Meyerson, Émile: Identité et réalité. F. Alcan, Paris 1908.
[8] باشلار، غاستون: تكوين العقل العلمي. مساهمة في التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية. ترجمة د. خليل أحمد خليل، الطبعة الثانية، المؤسسة
الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1982، ص. 15.
[9] المصدر نفسه.
[10] باشلار، غاستون: فلسفة الرفض. ترجمة د. خليل أحمد خليل، دار الحداثة، بيروت 1985، ص. 158.
[11] باشلار، غاستون: العقلانية التطبيقية. ترجمة د. بسام الهاشم. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1982، ص. 15. ص. 187.
[12] لقد كرس باشلار لتوضيح مفهوم العائق الإبستيمولوجي كتابه تكوين العقل العلمي.
[13] Bachelard, Gaston: Études. J. Vrin, Paris 1970, p. 159.
[14] تظهر الثورة العلمية الحالية وفقًا لباشلار من خلال النظريات العلمية التالية: الهندسات غير الإقليدية (الرياضيات) و الميكانيكا النسبية وميكانيكا الكم. (الفيزياء).
[15] باشلار، غاستون: فلسفة الرفض. ص. 156.
[16] Lecourt, Dominique: L’épistémologie historique de Gaston Bachelard. 2èm édition, J. Vrin, Paris 1972, p. 77.
[17] Bachelard, Gaston: L’Activité rationaliste de la physique contemporaine, P. U. F, Paris 1951, p. 47.
[18] لقد تناولت مفهوم الجدل في المشروع الباشلاري في مقال صدر بمجلة حكمة (2019.08.20).
[19] Lecourt, Dominique: Bachelard ou le jour et la nuit. p. 77.
[20] المصدر نفسه.
[21] جورج كانغلام يميز بين التصور الخارجي والتصور الداخلي بقوله: “فالمذهب الخارجي هو طريقة في كتابة تاريخ العلوم باشتراط عدد من الأحداث – نستمر في دعوتها أحداثا علمية تقليدا أكثر مما هو نتيجة للتحليل النقدي – في علاقاتها بمصالح اقتصادية واجتماعية وبمقتضيات وممارسات تقنية وبأيديولوجيات دينية أو سياسية. فهو في الجملة ماركسية مخففة أو على الأصح مفقرة (…) أما المذهب الداخلي- ويعتبره المذهب الأول مثالية – فيتمثل في الاعتقاد بأن تاريخ العلوم لا يوجد، إذ لم نضع نفوسنا داخل الأثر العلمي ذاته من أجل تحليل المسالك التي بها يبحث عن تلبية المعايير الخاصة التي تسمح بحده بوصفه علما لا بوصفه تقنية أو أيديولوجيا.” المصدر نفسه. كانغيلام: دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها. ص. 45-46.
[23] Vadée, p.148
[24] نفس المرجع
[25] نفس المرجع، ص. 150.
[26] نفس المرجع، ص. 151.
[27] نفس المرجع، ص. 151-152
[28] استنادًا إلى مفهوم “الإبستيمولوجية الجهوية ” لباشلار، يمكن تمييز أربع تيارات إبستيمولوجية:
١ إبستيمولوجية الرياضيات (Bertrand Russell; Henri Poincaré).
٢ إبستمولوجية العلوم الطبيعية (Bachelard; Reichenbach)
٣ إبستيمولوجيا البيولوجيا (Georges Canguilhem Jacques Monod; Claude Bernard; )
٤ إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية، وخاصة العلوم الاجتماعية وعلم التاريخ (;Pierre Bourdieu ;Louis Althusser Michel Foucault ).
[29] كانغيلام، جورج: دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها. ترجمة د. محمد بن ساسي، المنضمة العربية للترجمة، بيروت 2007، ص. 57.
[30] “وهكذا، فإن فلسفة العلوم المعاصرة كما نشأت من الثورات في بداية القرن تظهر كجدلية بين العقلانية المتعلمة والواقع المتطور.”
Bachelard, G.: ER, S, 134
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
