كان جون ستيوارت مِل (1806–1873) أكثر الفلاسفة الناطقين بالإنجليزية تأثيرًا في القرن التاسع عشر. كان طبيعانيًّا ونفعيًّا وليبراليًّا، تستكشف أعماله النتائج المترتبة على تبنّي نظرة تجريبية شاملة. وقد سعى في ذلك إلى الجمع بين أفضل ما في فكر التنوير في القرن الثامن عشر وبين التيارات الرومانسية والتاريخية الناشئة حديثًا في فلسفة القرن التاسع عشر. ومن أهم مؤلفاته: «نظام المنطق» (1843)، و«في الحرية» (1859)، و«المذهب النفعي» (1861)، و«فحص فلسفة السير ويليام هاملتون» (1865) .


1. سيرة مِل

وُلد جون ستيوارت مِل في العشرين من مايو عام 1806 في حي بِنتونڤيل، الذي كان آنذاك ضاحية شمالية من ضواحي لندن، لأبوين هما هارييت بارو وجيمس مِل. وكان جيمس مِل، وهو اسكتلندي، قد تلقّى تعليمه في جامعة إدنبرة — على يد أساتذة منهم دوغالد ستيوارت — وانتقل إلى لندن عام 1802، حيث صار صديقًا وحليفًا بارزًا لجيريمي بنثام والراديكاليين الفلسفيين. وقد جرى إعداد تعليم جون المميّز، الذي رواه في «سيرته الذاتية» على نحوٍ شهير، بنيّة تأهيله لقيادة الجيل التالي من الراديكالية. وقد أعدّه هذا التعليم لتلك المهمّة على الأقل إعدادًا حسنًا. بدأ مِل باليونانية في الثالثة من عمره واللاتينية في الثامنة، وكان قد استوعب معظم المدوّنة الكلاسيكية في الثانية عشرة — إلى جانب الجبر وإقليدس وكبار المؤرخين الاسكتلنديين والإنجليز. وفي مطلع سنوات المراهقة، درس الاقتصاد السياسي والمنطق والتفاضل والتكامل، مستغلًّا وقت فراغه في هضم مصنّفات العلوم التجريبية على سبيل التسلية. وفي الخامسة عشرة — عقب عودته من رحلة استمرت عامًا إلى فرنسا، البلد الذي سيدعوه في نهاية المطاف وطنًا له — شرع في العمل على أمّهات مصنّفات الفلسفة وعلم النفس والحُكم. وكان كل هذا يجري تحت إشراف والده اليومي الصارم — بينما يتحمّل الفتى جون المسؤولية الأولى عن تعليم إخوته (Reeves 2007: 11–27).

وقد نتج عن شدّةُ الدراسة وثقلُ التوقعات ثمنًا باهظًا. فقد كان مِل قد استبطن العقيدة الراديكالية والنفعية خلال تعليمه — وهي عملية تُوّجت بقراءة متأنّية لبنثام في ترجمة دومون الفرنسية وبتوليه مسؤولية تحرير «الأساس المنطقي للأدلة القضائية» لبنثام — وبدأ يطبّقها عمليًّا بوصفه داعيةً يافعًا. لكنه سرعان ما اكتشف أن تعليمه لم يُعِدّه للحياة. فأصيب مِل، وهو في العشرين، بـ«أزمة نفسية».

خطر لي أن أطرح على نفسي هذا السؤال مباشرة: «افترض أن جميع أهدافك في الحياة قد تحققت؛ وأن كل التغييرات في المؤسسات والآراء التي تتطلع إليها قد تمّت تمامًا في هذه اللحظة عينها: أفكان ذلك سيكون فرحًا وسعادة عظيمين لك؟» فأجاب وعيٌ ذاتيٌّ لا يُقمَع، بوضوح: «لا!» […] بدا لي أنه لم يبقَ لي ما أحيا من أجله. (السيرة الذاتية، I: 139).

استمرّ اعتلال مِل خلال عامَي 1826–1827 (Capaldi 2004: 55 وما بعدها). ومع أن مثل هذه النوبات كانت تتكرر طوال حياته، فإن تعافيه الأول جاء من شعر الرومانسيين. فتطوّر جانبٌ جديد في شخصية مِل، وصار يشدّد الآن على أهمية ثقافة المشاعر إلى جانب الحاجة إلى الإصلاح الاجتماعي. وكان مِل يُثمّن وردزورث بوجه خاص في تلك الفترة — وإن كانت اهتماماته الجديدة قد قادته سريعًا إلى أعمال كولريدج وكارلايل وغوته. ومنحته معرفته بهؤلاء المفكرين انفتاحًا دائمًا على الفكر الرومانسي — ووعيًا حادًّا بأن فلسفة التنوير التي نشأ عليها لم تكن تحتوي سوى «جانبٍ واحد من الحقيقة» (السيرة الذاتية، I: 169). وصار هدفه الفلسفي الأول، وظلّ كذلك طوال حياته، أن يوحّد ويوفّق بين هاتين المدرستين الفلسفيتين المتعارضتين. «فمَن يستطيع أن يتقن مقدّمات كلتيهما ويجمع بين منهجيهما، سيمتلك الفلسفة الإنجليزية بأسرها في عصره» (كولريدج، X: 121).

وقد أفضت هذه الانتقائية المكتشَفة حديثًا أيضًا إلى تفاعل مثمر مع مفكرين، منهم فرانسوا غيزو، وأوغست كونت، وتوكفيل. وقد ترك كل هؤلاء أثرًا دائمًا في عمل مِل، لكن شخصية أخرى برزت أيضًا في تلك الفترة: هارييت تايلور (Kinzer 2007: 77–111). التقى مِل بهارييت في حفل عشاء عام 1830، وسرعان ما وقع الاثنان في الحب. وكانت هارييت قد تزوّجت قبل ذلك بأربع سنوات من جون تايلور — وهو صيدلاني ودود، وإن كان غير مغامر فكريًّا. وتوصّل الثلاثة في النهاية إلى ترتيبٍ يُسمح بموجبه لمِل بزيارة هارييت في منتجع آل تايلور الريفي حين لا يكون زوجها حاضرًا، وفي مسكنهما بلندن أثناء زيارته لناديه. واستمرّ هذا الترتيب سنين، وكانت العلاقة بين مِل وهارييت — بشهادة الجميع — أفلاطونية تمامًا. وتوفي جون تايلور عام 1849، فتزوّج مِل وهارييت عام 1851 — وإن لم يكن ذلك قبل أن تكون الفضيحة المتصوَّرة قد أحدثت شرخًا بين مِل وكثير من أصدقائه. وقد لمس مِل بنفسه الأثر الخانق لتزمّت العصر الفيكتوري وأعراف اللياقة القمعية — وهو موضوع سيتناوله لاحقًا في «في الحرية».

كان مِل يقدّس هارييت، ونسب إليها ما يقارب المشاركة في تأليف كثير من أعماله. وفكّ خيوط التأثير الذي مارسته في فكر مِل أمرٌ معقّد، وذلك تحديدًا لأن الاثنين عملا معًا على نحوٍ وثيق فيما صار كثيرًا من أفكار مِل المحورية. غير أنها توفّيت عام 1858، بينما كانا يسافران عبر فرنسا. ودُفنت هارييت في أڤينيون، حيث اشترى مِل بعد ذلك منزلًا قريبًا من المقبرة، وعاش فيه بقية حياته. ونقش مِل على قبرها أنها:

كانت البهجة الأرضية الوحيدة لمن سعِدوا بأن ينتموا إليها. […] ولو وُجدت سوى قلّة من القلوب والعقول كقلبها وعقلها، لصارت هذه الأرض بالفعل الجنّةَ المرجوّة.

في الواقع، لم يأتِ موت هارييت إلا بعد ما يزيد قليلًا على شهر من تقاعد مِل من شركة الهند الشرقية، التي عمل فيها نحو خمسة وثلاثين عامًا. كان مِل قد تولّى وظيفة كاتب مبتدئ في السابعة عشرة، يعمل مباشرة تحت إمرة والده، الذي كان قد نال الوظيفة على أساس تأليفه «تاريخ الهند البريطانية». وصعد جون في المراتب، حتى شغل منصب كبير مفتّشي المراسلات — وهو منصب يعادل تقريبًا منصب وكيل وزارة الدولة، ويتضمّن إدارة المراسلات الخاصة بالإدارة الاستعمارية (Zastoupil 1994). ولاحظ مِل أن الوظيفة وفّرت استقرار الدخل الذي يحتاجه مؤلف بلا موارد مستقلة، ولم تكن مرهقة إلى الحدّ الذي يمنعه من بذل معظم وقته وطاقته الذهنية على مساعيه الفلسفية. وفي عام 1865، انتُخب عضوًا في البرلمان عن دائرة وستمنستر عن حزب الأحرار (الليبراليين). وانسجامًا مع آرائه في التمييز بين التمثيل والتفويض، رفض مِل أن يقوم بحملة انتخابية نشطة لأجل المقعد — بل ظلّ، طوال معظم الحملة، في منزله بأڤينيون. وأثناء وجوده في مجلس العموم، ناصر ما رآه قضايا مهمّة وإن كانت غير شعبية: مدّ حقّ الاقتراع إلى النساء، وإصلاح أوضاع أيرلندا، ومحاكمة الحاكم آير على الفظائع المرتكبة أثناء إدارته لجامايكا. ولم يفز بولاية ثانية، إذ هُزم عام 1868 (Kinzer, Robson, and Robson 1992).

وتجدر الإشارة إلى أن مِل لم يشغل قط منصبًا جامعيًّا — بل إنه لم يلتحق بالجامعة نفسها — باستثناء المنصب «الفخري» لعِمادة (Rector) جامعة سانت أندروز. وكان طوال حياته متشككًا دينيًّا، إذ «نشأ منذ البداية من دون أي معتقد ديني» (السيرة الذاتية، I: 41؛ انظر أيضًا Matz 2017). وتوفّي في أڤينيون في السابع من مايو عام 1873، ودُفن بجوار زوجته.

2. طبيعانية مِل

2.1 رفض القَبْليّة

تنبثق نظرة مِل الفلسفية بأسرها من روح الطبيعانية (Skorupski 1989: 5 وما بعدها). غير أنه ليس من اليسير التمكّن من هذه الطبيعانية. فصورة مِل العامة للعقل والعالم تُرسى بالاحتكام إلى ما يحقّ لنا اعتقاده بشأن طبيعة تلك الأشياء — وهي تعتمد بالتالي على تصوّرٍ جوهري للمعرفة. غير أن تصوّره للمعرفة يستند إلى صورته العامة للعقل والعالم وعلاقتهما — ويعتمد من ثمّ على نظرية في ما هو موجود. وستُناقَش هذه الدائرية في القسم 3.7. وكمدخلٍ إلى منظومة مِل العامة لأغراض العرض، يمكننا ببساطة أن نلاحظ التزام مِل بدعوى أن البشر جزءٌ كامل من الطبيعة، مع مراعاة أن مِل لا يعدّ هذا نقطة انطلاقه غير المدعومة، بل دعوى جوهرية بحدّ ذاتها.

يمكن أن يُقابَل اعتقاد مِل بأن العقل جزء من الطبيعة على نحوٍ مفيد بأولئك الفلاسفة الذين يرون أن للعقل مكانةً رفيعة في نظام الأشياء. ومن التباينات ذات الصلة، على سبيل المثال، الربوبيون الذين يرون أن عقولنا قد وهبها لنا إلهٌ قدير خيّر لغرض الفهم، والمثاليون الذين يرون أن للعقل دورًا مُكوّنًا في بناء العالم. فبالنسبة لهؤلاء المفكرين، قد يبدو التناغم الأساسي بين بنية العقل وبنية العالم أمرًا مُسلّمًا به — ومن ثمّ، لو أمكن أن نجد تجربتنا تتخذ شكلًا معينًا، لأمكننا أن نستنتج وقائع عن كيفية تركّب العالم. لكن مِل يرفض هذه الخطوة.

إن مثل هذا الاستنتاج لن يكون مبرَّرًا إلا إذا أمكننا أن نعلم قَبليًّا أننا لا بدّ أن نكون قد خُلقنا قادرين على تصوّر كل ما هو قادر على الوجود: أي أن عالم الفكر وعالم الواقع، العالمَ الأصغر والعالمَ الأكبر (كما كانا يُدعيان ذات يوم) لا بد أنهما صيغا في تطابق تام أحدهما مع الآخر […] لكن يصعب أن يُقدَّم افتراض أشدّ افتقارًا إلى الدليل من هذا. (الفحص، IX: 68)

بوصفها مسائل واقعية مستقلّة منطقيًّا، رأى مِل أنه لا يمكن أن يكون هناك استنتاج سلسٌ من تركّب عقلنا إلى كيفية وجود بقية العالم، أو كيف يجب أن يوجد. لذا يرى مِل أنه لا يمكن أن تكون هناك معرفة قَبلية حقّة بالوقائع الموضوعية. ورؤية مِل أنه «لا توجد حقائق يمكن للعقل إدراكها بنوره الباطن، مؤسَّسة على بيّنة حدسية» (كولريدج، X: 125) تسري على جميع الأصعدة.

إن مذهب المبادئ القَبلية مذهبٌ واحدٌ بعينه، سواء طُبِّق على «الكائن» (الأنطولوجي) أم على «الواجب» (الأخلاقي) — على معرفة الحقيقة أم على معرفة الواجب. (ويويل حول الفلسفة الأخلاقية، X: 171)

فكل معرفة حقيقية، إذن، سواء أكانت نظرية أم أخلاقية، لا بدّ أن تُكتسَب بالملاحظة والتجربة.

2.2 المذهب الترابطي

يمكننا أن نسمّي هذا رفض مِل للقَبليّة في المعرفة — وهذه الرؤية عميقة الجذور، تُضفي طابعًا أنثروبولوجيًّا وتجريبيًّا على فلسفته بأكملها. ويضيف مِل إليها تفسيرًا نفسيًّا للآلية الكامنة التي نُكوّن بها الأفكار. وهو هنا يسير في تقليد التجريبيين البريطانيين — إذ يردّ مِل النظرية إلى هوبز، مرورًا بلوك وهارتلي، وصولًا إلى نشر جيمس مِل لكتاب «تحليل ظواهر العقل البشري» — في تبنّيه لما صار يُعرف بعلم النفس الترابطي: «النظرية التي تردّ جميع ظواهر العقل إلى أفكارٍ حسّية مترابطة معًا بقانون التداعي» (تاريخ بليكي للعلم الأخلاقي، X: 23).

يرى مِل أن جميع أفكارنا ومعتقداتنا لها أصولها في الانطباعات الحسّية. فالأفكار أو الأحاسيس التي تكون إما (1) «متشابهة» أو (2) «متكرّرة الاختبار (أو التصوّر) إما تزامنًا أو في تعاقب مباشر»، تأتي لتُتصوَّر معًا، وتصبح في النهاية مرتبطة على نحو لا ينفصل في عقولنا، مكوّنةً أفكارًا أكثر تركيبًا (نظام المنطق، VIII: 852؛ انظر Wilson 1990). وتهدف النظرية إلى اشتقاق حتى أشدّ أفكارنا تجريدًا من التجربة — «فالمكان، والامتداد، والجوهر، والعِلّة، وسائرها، تصوّرات مُركّبة من أفكار حسّية بقوانين التداعي المعروفة» (الفحص، IX: 9) — وبذلك تقويض دعوى الحدسي بأن مثل هذه الأفكار قَبلية.

وتخضع المعتقدات القَبلية ظاهريًّا لتحليلٍ تقويضي مماثل.

ثمّة حالات لا حصر لها من الاعتقاد لا يمكن أن يُعزى إليها سببٌ سوى أن شيئًا ما قد خلق ترابطًا قويًّا بين فكرتين بحيث لا يستطيع الشخص فصلهما في الفكر. […] [و] هذا واحد من أشدّ مصادر الفكر الخاطئ خصوبةً وإسهامًا فيه. (ملاحظات على «التحليل»، XXXI: 161).

ولنضرب مثالًا من أمثلة مِل ذاته: يُفسَّر الاعتقاد الحدسي ظاهريًّا بأن المكان اللا متناهٍ في الواقع محض نتيجةٍ لعملية ترابط.

لم ندرك قطّ أي شيء، أو أي جزء من المكان، لم يكن وراءه مكان آخر. وقد ظللنا ندرك أشياء وأجزاءً من المكان منذ لحظة الولادة. فكيف إذن يمكن لفكرة شيء، أو فكرة جزء من المكان، أن تفلت من الارتباط اللاانفصامي بفكرة مكان إضافي وراءه؟ إن كل لحظة من لحظات حياتنا تسهم في ترسيخ هذا الترابط، ولم نمرّ قطّ بتجربة واحدة تنزع إلى فصمه. (الفحص، IX: 82)

ومن هذه العملية، نأتي لنكوّن الاعتقاد بأن المكان لا متناهٍ. لكن،

إن ترابطًا بين فكرتين، مهما بلغ من الوثاقة، ليس أساسًا كافيًا للاعتقاد؛ وليس دليلًا على أن الوقائع المقابلة متّحدة في الطبيعة الخارجية. (ملاحظات على «التحليل»، XXXI: 163)

فمثل هذه المعتقدات يجب أن تُختبَر بالاستدلال حول ما ينبغي لنا اعتقاده — وهي عملية سنبحثها أدناه، في القسم 3.2.

3. فلسفة مِل النظرية

3.1 فلسفة اللغة والمنطق

مع أن مِل يرى أن الفكر البشري الأساسي ممكن من دون لغة، فإنه «في الحالات المعقّدة [لا] يمكن أن يحدث بطريقة أخرى» (نظام المنطق، VII: 19). ومن ثمّ، فإن دراسة انخراط البشر النظري في العالم تتطلّب وضوحًا حول هذه «الأداة الأساسية للفكر» (نظام المنطق، VIII: 663؛ انظر أيضًا Losonsky 2006: 119–28). ويدور تصوّر مِل للغة حول تمييزٍ بين «الدلالة» (denotation) و«المفهوم» (connotation) للكلمة. فالكلمات تدلّ على الأشياء التي تصدق عليها؛ وتتضمّن (تُفهِم) صفاتٍ معيّنة لتلك الأشياء. فكلمة «إنسان»، مثلًا، تدلّ على، أو تصدق على، جميع البشر — «بطرس وبولس ويوحنا وعددٍ غير محدود من الأفراد الآخرين» (نظام المنطق، VII: 31). لكنها تتضمّن الصفات التي بمقتضاها تنطبق كلمة «إنسان» على هؤلاء الأفراد — «الجسمانية، والحياة الحيوانية، والعقلانية، وشكلٌ خارجي معيّن نسمّيه لتمييز الشكلَ البشري» (نظام المنطق، VII: 31). ويحدّد المفهومُ الدلالةَ بالمعنى الآتي: أن تعرف مفهوم كلمة هو أن تعرف الشروط الضرورية والكافية لتحديد ما إذا كان شيءٌ معيّن مدلولًا عليه بتلك الكلمة.

وليست كل الكلمات ذات مفهوم. يلاحظ مِل أن الكلمات يمكن أن تكون مفردة أو عامّة. فـ«شيشرون» اسمٌ مفرد — ينطبق على شيء واحد فقط، وهو شيشرون. أما «روماني» فاسمٌ عامّ، بالمقابل — ينطبق على أشياء كثيرة، منها شيشرون، ولكن أيضًا أوغسطس ونيرون وكثيرون غيرهم. وبينما «جميع الأسماء العامّة العينية دالّة بالتضمين» (نظام المنطق، VII: 32) — تشير إلى الصفات التي تُبرّر إطلاقنا الاسمَ على الأشياء المفردة — فلا يمكن قول الأمر نفسه عن الأسماء المفردة. صحيحٌ أن بعض الأسماء المفردة ذات مفهوم — فـ«مؤلّف كتاب الجمهورية (De Re Publica)» هو، كما نقول، وصفٌ محدَّد، ويُعيّن فردًا واحدًا عبر الإشارة إلى صفاته — لكن ليست كلها كذلك. فاسم «شيشرون» لا يتضمّن أي صفات على الإطلاق — بل هو اسم عَلَم، ويكتفي بأن يكون علامةً على ذلك الفرد (Schwartz 2014).

ويتيح هذا التحليل وسيلة بسيطة لتحديد معنى طائفةٍ واسعة من القضايا البسيطة — تلك الأجزاء من الخطاب «التي يُثبَت فيها محمولٌ واحد أو يُنفى عن موضوعٍ واحد» عبر رابطةٍ مثل «هو» أو «ليس» (نظام المنطق، VII: 81) — وتركيبها في كيانات لغوية أعقد (Skorupski 1989: 178–92). فالقضية «س هي ص» يمكن أن تُفهَم، في حال كان «ص» حدًّا ذا مفهوم، على أنها الدعوى بأن الشيء المدلول عليه بـ«س» يحمل الصفة التي يتضمّنها «ص». فقولنا «قمّة تشيمبورازو بيضاء» يؤكّد واقعة عن العالم — أن الشيء المدلول عليه باسم «قمّة تشيمبورازو» يحمل الصفة التي يتضمّنها اسم «أبيض» (نظام المنطق، VII: 97). أما القضية «س هي ص»، حيث يكون «ص» حدًّا غير ذي مفهوم، فيمكن أن تُفهَم على أنها الدعوى بأن الشيء المدلول عليه بـ«س» هو الشيء نفسه المدلول عليه بـ«ص». فقولنا «تُلّي هو شيشرون» لا يؤكّد سوى واقعة عن الاسمين — أن اسم «تُلّي» يُستخدم للإشارة إلى الشيء نفسه الذي يشير إليه اسم «شيشرون».

والفرق جوهري. فنحن لا نتعلّم شيئًا عن العالم حين نعلم أن «تُلّي هو شيشرون» صحيحة — فهذه القضية لا تنقل واقعةً عن كيفية وجود الأشياء، بل عن أعرافنا اللغوية في التسمية (نظام المنطق، VII: 110). فالقضية، بمصطلح مِل، «لفظية محضة». ومثل هذه القضايا مفتاحٌ لفهم الطبيعة غير المُفيدة (غير المُخبِرة) للقضايا القَبلية وللاستدلال القَبلي. ومِل، عن حق، لا يدّعي أن القضايا القَبلية مثل «كل إنسان كائن حيّ» هي، مثل «تُلّي هو شيشرون»، مجرّد تأكيداتٍ عن أعرافنا في التسمية. لكنه يجادل بأنها تشترك في خاصّية عدم نقل أي معلومة حقّة عن العالم. فمفهوم «إنسان» — الصفات التي يشير إليها — يشمل مفهوم «كائن حيّ». فمن يعرف بالفعل معنى حدّ «إنسان» لا يُخبَر بشيء عن كيفية وجود العالم حين يُقال له إن «كل إنسان كائن حيّ» (Kroon 2017: 214–6).

ويرى مِل أن الاستدلال الاستنباطي أو القَبلي فارغٌ على نحوٍ مماثل. فهو، سابقًا للثورة التي أحدثها المنطق في أواخر القرن التاسع عشر، يفكّر في الاستدلال الاستنباطي أساسًا من حيث القياس. ويجادل بأن الاستدلال القياسي لا يمكنه استخراج أي حقائق جديدة عن كيفية وجود العالم: «لم يُبرَهَن قط، ولا يمكن أن يُبرهَن، أي شيء بالقياس لم يكن معلومًا، أو مُفترَضًا معلومًا، من قبل» (نظام المنطق، VII: 183).

  • المقدّمة 1: كل الناس فانون،
  • المقدّمة 2: سقراط إنسان،
  • النتيجة: سقراط فانٍ.

في الاستدلالات القياسية المعيارية، يجادل مِل، لكي تكون الحجج صحيحة، يجب أن تكون النتيجة قد أُثبتت مسبقًا في المقدّمات. فعلى سبيل المثال، في الحجّة أعلاه، يجب أن تكون النتيجة قد أُثبتت مسبقًا في المقدّمة 1 — إذ يجب أن يُقال إن قضية «كل الناس فانون» تتضمّن قضية «سقراط فانٍ» إن كانت الحجّة صحيحة. ومن ثمّ، لا تُكتسَب أي معرفة جديدة في الاستدلال من المقدّمات إلى النتيجة. ولعلّ هذه الدعوى أصعب دعمًا مما يُقدّره مِل، إذ تعتمد على مساواة معنى العبارة الكلّية بمعنى اقترانٍ (عطف) من العبارات المفردة (Fumerton 2017: 200). ومع ذلك، فإن حجّة مِل بأننا لا نستطيع أن نتعلّم شيئًا عن العالم بالتأمّل في لغتنا تتناغم تناغمًا دقيقًا مع دعواه الطبيعانية بأن كل تقدّم معرفي حقيقي لا بدّ أن يحدث بالملاحظة.

ويطرح الزعم بأن الاستدلال الاستنباطي لا يمكن أن يقودنا إلى أي معرفة جديدة سؤالين. أولًا، إن لم تكن وظيفة الاستدلال القياسي هي تقدّم المعرفة، فما وظيفته؟ وثانيًا، ماذا نقول عن الاستدلال الاستنباطي ظاهريًّا الذي يقودنا بجلاءٍ إلى معرفة جديدة؟ عن السؤال الأول، يجيب مِل بأن الاستدلال القياسي يتيح لنا «اختبار» التزامنا بالقضايا الكلّية (نظام المنطق، VII: 196). ففي إجراء حججٍ كالحجّة أعلاه، لا يمكننا اكتساب معرفة جديدة: إذ لا وقائع تتجاوز تلك الموجودة في المقدّمات حاضرةٌ في النتيجة. لكن تبعات التمسّك بمقدّمة كلّية تُعرَض على نحوٍ أوضح بالاستدلال القياسي، وهذا قد يدفعنا، في حالاتٍ معيّنة، إلى إعادة تقييم التزامنا بتلك المقدّمة. وعن السؤال الثاني، يرى مِل أنه حيثما نكتسب معرفة جديدة فعلًا — في حالات الرياضيات والهندسة مثلًا — لا بدّ أننا، على مستوىً ما، نستدلّ استقرائيًّا. أي أن مِل يحاول تعليل الطبيعة المُفيدة حقًّا للاستدلال الرياضي والهندسي عبر إنكار أنهما قَبليان بأي معنى حقيقي. وسنعود إلى هذه الدعوى في القسم 3.4.

3.2 أسس العقل النظري

لا يمكننا، إذن، اكتساب أي معرفة حقّة قَبليًّا. يرى مِل أن المعرفة لا تُكتسَب إلا بالملاحظة التجريبية، وبالاستدلال الذي يجري على أرضية تلك الملاحظات. ويقف هذا المبدأ في صميم تجريبيته الراديكالية. فالمدركات الحسّية هي «المعطيات الأصلية، أو المقدّمات النهائية لمعرفتنا» (نظام المنطق، VII: 7) — ولا يُتوصَّل إلى المعرفة بمستوياتها الأعقد إلا بالاستدلالات من تلك المعطيات الأصلية. وكما سنرى، لا يقرّ مِل بصحّة سوى نوعٍ واحد من الاستدلال. «فالاستدلال، وتبعًا لذلك كل برهان، وكل اكتشافٍ لحقائق ليست بديهية، إنما يتكوّن من الاستقراءات، وتأويل الاستقراءات» (نظام المنطق، VII: 283).

إن الاستقراء بالمعنى الصحيح للكلمة […] يمكن […] أن يُعرَّف بإيجاز بأنه «التعميم من التجربة». وهو يتمثّل في الاستدلال من بعض الحالات الفردية التي تُلاحَظ فيها ظاهرة ما، إلى أنها تقع في جميع حالات صنفٍ معيّن؛ أي في كل ما يشبه الحالات الأولى، فيما يُعدّ من الظروف الجوهرية. (نظام المنطق، VII: 306)

يلاحظ مِل عن حقّ أنه لدى ملاحظتنا أن س1، س2، س3، … س x هي «ص»، يميل البشر إلى تكوين الاعتقاد بأن س x+1 مماثلًا لها هو «ص» أيضًا. فعند رؤية عشرة بجعات، كلها بيضاء، مثلًا، ننزع إلى الاعتقاد بأن بجعةً حادية عشرة لم نرها هي أيضًا بيضاء. لكن مِل يرى أن مثل هذه الاستدلالات ليست شيئًا نميل فحسب إلى اعتقاده، بل شيئًا لدينا سببٌ لاعتقاده — إذ الاستدلالات من هذا الشكل العامّ مبرَّرة. ويأتي السؤال، بطبيعة الحال، كيف يمكن أن نكون مبرَّرين في اعتقاد نتائج الاستقراء قبل تأكّدها أو انتفائها — كيف يتأتّى أن نكون محقّين في اعتقاد نتيجة يوحي بها الاستقراء.

يقدّم مِل إجابتين عن هذا السؤال. الأولى يمكن أن نسمّيها تصديقه التكراري للاستقراء. فنحن مبرَّرون في اعتقاد الاستقراءات العدّية، كما يرى مِل، لأن «[الكون]، بقدر ما نعرفه، مركّبٌ بحيث إن كل ما هو صادق في أي حالة واحدة، صادقٌ في جميع الحالات من وصفٍ معيّن» (نظام المنطق، VII: 306). غير أن اطراد الطبيعة هذا شيءٌ لا نعرفه، ولا يمكن أن نعرفه، قَبليًّا، بل نعرفه هو نفسه «بوصفه حالةً من حالات الاستقراء» (نظام المنطق، VII: 307). أي أننا نعلم، بفعل استقراءٍ، أن التعميمات الاستقرائية تنزع إلى الصدق، وأن الاستقراء بالتالي طريقةٌ جيدة للاستدلال. فالاستقراء، بهذا المعنى، ذاتيّ الدعم.

وهذا التبرير، كما يدرك مِل، دائري. فإن كنا مبرَّرين في اعتقاد أن الاستقراء طريقة جيدة للاستدلال عمومًا فقط بقدر ما تُعدّ استقراءاتنا الماضية استدلالاتٍ جيدة، فإن السؤال يبقى: كيف يمكن أن تكون تلك الاستقراءات أشكالًا مبرَّرة من الاستدلال (قارن Fumerton 2009: 167–8). أما إجابة مِل الثانية، التي يمكن أن نسمّيها تصديقه المُبتدِئ للاستقراء، فتعالج هذه المسألة.

كثيرٌ من الاطّرادات القائمة بين الظواهر ثابتٌ إلى حدّ، ومكشوفٌ للملاحظة إلى حدّ، بحيث يفرض نفسه على الاعتراف اللاإرادي. (نظام المنطق، VII: 318)

فنحن، كما يدّعي مِل، منزوعون بالطبيعة إلى الاستدلال استقرائيًّا، ولدى الفحص النقدي، تبدو لنا أفعال الاستقراء «جديرة بالاعتماد» (نظام المنطق، VII: 319). ونحن نتبنّى الاستقراء «تلقائيًّا» منهجًا للاستدلال — ويبدو لنا، لدى التأمّل الحرّ، معقولًا أن نفعل ذلك (نظام المنطق، VII: 317).

وهذا التصديق المُبتدِئ لمبدأ الاستقراء موازٍ مباشرةً لحجّة مِل لمبدأ المنفعة (Macleod 2014). فنحن منزوعون بالطبيعة إلى اشتهاء اللذّة، ومثل هذه الرغبات، حين ننتبه إليها، تبدو لنا معقولة — أي جديرة بأن تُشتهى. وبالمثل، نحن مُهيَّؤون بالطبيعة للاعتقاد بالتعميمات الاستقرائية، ومثل هذه المعتقدات، حين ننتبه إليها، تبدو لنا معقولة — أي جديرة بأن تُعتقد. وفي كل حالة، ليس ثمّة تبرير أوّليّ إضافي لنزعاتنا الاستدلالية الطبيعية سوى أنها، لدى الفحص النقدي، تبدو لنا سليمة. بل إن كون مبادئ العقل الصحيحة — العملية والنظرية — تُرسى بإلقاء نظرة نقدية على كيفية استدلالنا الفعلي ينبغي ألّا يفاجئنا: فمثل هذا النهج الأنثروبولوجي إزاء المعياري يفرضه على مِل مذهبُه الطبيعاني. إذ لا يمكننا أن نعرف قَبليًّا ما يشكّل الاستدلال الجيد، ومن ثمّ «[إن] قوانين ملكتنا العقلية، مثل قوانين أي عاملٍ طبيعي آخر، لا تُتعلَّم إلا برؤية العامل وهو يعمل» (نظام المنطق، VII: 833).

وبطبيعة الحال، فإن البيّنة التي يوفّرها الفحص النقدي لأنماط استدلالنا الطبيعية قابلةٌ للنقض — وكما هي الحال في «برهان» مبدأ المنفعة، فإن التصديق المُبتدئ ليس برهانًا بالمعنى الاستنباطي التقليدي. لكن التبرير المُقدَّم حقيقي مع ذلك. ومن هنا، يستطيع التصديق التكراري أن يزيد ثقتنا بأننا مبرَّرون في الاستدلال استقرائيًّا: فاستقراءات أخرى تمتدّ فوق الاستقراءات يمكن أن تحسّن قدراتنا الاستدلالية بأن ترسي بطرقٍ أدقّ فأدقّ الظروف التي تكون فيها الخطوات الاستقرائية خطواتٍ جيدة. وهذه العملية من شحذ الاستدلال الاستقرائي بـ«المراجعة اللاحقة لـ[…] تعميماتنا التلقائية» (نظام المنطق، VII: 319) هي، كما سنرى، قلب عملية التفكير العلمي عينه.

وكما لوحظ أعلاه، يدّعي مِل ليس فقط أن الاستقراء العدّي مبدأٌ صحيح، بل إنه المبدأ الوحيد الذي بمقتضاه نكون مبرَّرين في استنتاج وقائع غير مُلاحَظة عن العالم. وهو، على وجه الخصوص، يرفض الصحّة المستقلّة لـ«المنهج الفَرَضي» — ما صار يُعرف بالاستدلال إلى أفضل تفسير (نظام المنطق، VII: 492). أي أننا لسنا مخوَّلين للاعتقاد بشيء غير مُلاحَظ لمجرّد أنه يفسّر الوقائع المُلاحَظة (Skorupski 1989: 197–202؛ انظر أيضًا Macleod 2016؛ Jacobs 1991). فالفرضية:

لا يجوز قبولها على أنها صادقة على الأرجح لأنها تفسّر جميع الظواهر المعلومة؛ إذ إن هذا شرطٌ تفي به أحيانًا وبدرجة مقبولة فرضيتان متعارضتان. (نظام المنطق، VII: 500)

وهذا ليس إنكارًا لدور الفرضية في البحث بالكلّية. فمِل يدّعي أن الفرضيات عن الكيانات غير المُلاحَظة، المطروحة في محاولة تفسير الملاحظات التجريبية، يمكن أن تقدّم اقتراحاتٍ مفيدة، لكن حقّ الاعتقاد لا يمكن أن يوفّره إلا استدلالٌ مؤسَّس على مبدأ الاستقراء العدّي.

إن الفرضية، باقتراحها ملاحظاتٍ وتجارب، تضعنا على الطريق إلى تلك البيّنة المستقلّة إن كانت قابلة للبلوغ حقًّا. (نظام المنطق، VII: 496، التوكيد مضاف)

3.3 شحذ العقل: فلسفة العلم

كل معرفة استدلالية حقّة لدينا عن العالم، إذن، مُبرَّرةٌ باستخدام الاستقراء العدّي البسيط — وهذا هو «البنية الوحيدة القائمة بذاتها والحاملة لكامل الثقل في منطق مِل» (Godden 2017: 175). فالاستدلال الذي يجري في انخراطنا العلمي مع العالم، كما يرى مِل، ليس سوى تطبيقٍ لصيغةٍ مصقولة على نحوٍ خاص من هذا الاستقراء العدّي.

إن أشدّ الإجراءات علميّةً لا يمكن أن يكون أكثر من صيغةٍ محسَّنة لِما كان يتّبعه الفهم البشري بدائيًّا وهو غير موجَّه بالعلم. (نظام المنطق، VII: 318)

ويأتي تحسين المنهجية الاستقرائية عبر الفحص الذاتي التأمّلي للعقل النظري — أي النظر الاستقرائي في الاستقراء ذاته.

تشهد التجربة بأنه من بين الاطّرادات التي تُظهرها أو تبدو أنها تُظهرها، بعضُها أجدر بالاعتماد من بعض […] وهذا النمط من تصحيح تعميمٍ بواسطة آخر، تعميمٍ أضيق بتعميمٍ أوسع، وهو ما يقترحه الحسّ السليم ويتبنّاه عمليًّا، هو النمط الحقيقي للاستقراء العلمي. (نظام المنطق، VII: 319)

فتاريخ العلم، كما يراه مِل، هو تاريخ نموّ معرفتنا  عبرالعقل الاستقرائي، بل وأيضًا نموّ معرفتنا بالعقل الاستقرائي نفسه. فكلما تعلّمنا أكثر عن العالم، ترسّخ الاستقراء أكثر فأكثر، ومع هذا يصبح ناقدًا لذاته ومنهجيًّا.

«[إننا] قد نكتشف، بمحض الملاحظة من دون تجربة، اطّرادًا حقيقيًّا في الطبيعة» (نظام المنطق، VII: 386). غير أن الانخراط في النشاط التجريبي، حيثما أمكن، هو أكثر الطرق مباشرةً لكشف العلاقات السببية بين الأحداث، لأنه يتيح لنا أن «نصادف بعض السوابق منفصلةً عن البقية، ونلاحظ ما ينتج عنها؛ أو بعض اللواحق، ونلاحظ بأي شيء سُبقت» (نظام المنطق، VII: 381). ويدّعي مِل أنه، مع تقدّم العلم، برزت أربعة مناهج ناجحة في عزل أسباب الظواهر المُلاحَظة (نظام المنطق، VII: 388–406؛ انظر Cobb 2017: 240–1). أولًا، «منهج التوافق»: حيث تكون حالات الظاهرة «أ» مصحوبة دائمًا بالظاهرة «ب»، حتى مع تنويع الظروف الأخرى المصاحبة لـ«أ»، فلدينا سبب للاعتقاد بأن «أ» و«ب» مرتبطتان سببيًّا. ثانيًا، «منهج الاختلاف»: حيث تكون السِمة المميِّزة الوحيدة التي تفصل بين المواقف التي تقع فيها «ب» أو لا تقع، هي حضور الظاهرة «أ» أو غيابها، فثمّة سبب للاعتقاد بأن «أ» جزءٌ لا غنى عنه من سبب «ب». (فإن لاحظنا، عبر منهج التوافق، أنه في جميع حالات «أ» تكون «ب» حاضرة، أمكننا، حيثما تسنّى، أن نسحب «أ» منهجيًّا لنقرّر ما إذا كانت «أ» سببًا لـ«ب» عبر منهج الاختلاف. ويسمّي مِل هذا المنهج المشترك للتوافق والاختلاف.) ثالثًا، «منهج البواقي»: في ضوء معرفة أن «أ» سبب «ب»، وأن «ب» سبب «ج»، وأن «أ ب س» تُسبّب «أ ب ص»، وأن «أ ب» تُسبّب فقط «أ ب ج»، يمكننا (باستبعاد أن «س» أثرٌ مشترك لـ«أ ب») أن نعدّ «س» سببًا لـ«ص». رابعًا، «منهج التغيّرات المصاحبة»: كلما تغيّرت «ب» حين تتغيّر «أ» على نحوٍ معيّن، جاز أن تُعدّ «ب» مرتبطة سببيًّا بـ«أ».

ويجب، بطبيعة الحال، تطبيق هذه المناهج بحذر — فوجود الشروط الخلفية يجعل من الصعب القول بيقين إن أي ظاهرة مفردة هي في الواقع العامل الفاعل سببيًّا — وستبقى النتائج دومًا مؤقّتة، ومفتوحة لمزيد من التصحيح (Ducheyne 2008). لكن بتنويع الظروف بعناية، كما يرى مِل، يمكننا عزل الأسباب وكشف القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية. فنحن نتعلّم أولًا أن نفسّر الأحداث المفردة ببيان أنها حالاتٌ لقوانين سببية معلومة، ثم «على نحوٍ مماثل، يُقال إن قانونًا أو اطّرادًا في الطبيعة قد فُسِّر، حين يُشار إلى قانونٍ آخر أو قوانين أخرى، يكون ذلك القانون نفسه ليس سوى حالةٍ منها» (نظام المنطق، VII: 464). وبالتطبيق المتواصل لـ«قواعد الاستقراء»، يمكن التيقّن من أعمّ قوانين الطبيعة — وهذه هي الغاية القصوى للعلم. ويتبنّى مِل تصوّرًا هيوميًّا لهذه القوانين بوصفها اطّرادات: «إن عبارة قوانين الطبيعة لا تعني سوى الاطّرادات القائمة بين الظواهر الطبيعية» (نظام المنطق، VII: 318). ومع ذلك، يرى أن العلم يكشف البنية العميقة للعالم — كيف هي الأشياء حقًّا.

لم يضع كبلر ما تصوّره في الوقائع، بل رآه فيها. فالتصوّر يقتضي، ويقابل، شيئًا مُتصوَّرًا: ومع أن التصوّر نفسه ليس في الوقائع، بل في عقلنا، فإنه إن كان سينقل أي معرفة تتعلّق بها، فلا بدّ أن يكون تصوّرًا لشيء موجودٍ حقًّا في الوقائع، خاصّيةٍ تمتلكها فعلًا، وكانت ستُظهرها لحواسّنا لو كانت حواسّنا قادرة على إدراكها. (نظام المنطق، VII: 295؛ قارن نظام المنطق، VII: 651)

إن إصرار مِل على أن عملية العلم تنطوي على إيجاد البنية الحاضرة أصلًا في الطبيعة يُضفي على فلسفته توجّهًا واقعيًّا. ولعلّ أوضح مثال على هذه الواقعية في عمله هو الدعوى بأن «للأنواع (Kinds) وجودًا حقيقيًّا في الطبيعة» (نظام المنطق، VII: 122). فالتحليل العلمي للطبيعة، كما يرى مِل، يكشف «تمييزًا جذريًّا في الأشياء نفسها» (نظام المنطق، VII: 123).

بقدر ما يقوم تصنيفٌ طبيعي على «أنواع» حقيقية، فإن مجموعاته ليست اصطلاحية بالتأكيد؛ ومن الصحيح تمامًا أنها لا تتوقف على اختيارٍ عشوائي من الطبيعي (عالِم الطبيعة). (نظام المنطق، VIII: 720)

ومثل هذه «الأنواع» لا تتميّز بامتلاك ماهيةٍ ميتافيزيقية ما — بل بكونها تُعلِّم «كثرةً غير محدَّدة من الخصائص غير المشتقّة بعضها من بعض» (نظام المنطق، VII: 126). فبعض مجموعات الأشياء تتشارك في خصائص لأن تلك الخصائص هي ذاتها أُسس تجميعها معًا — فالأنواع الحقيقية تتشارك في عددٍ غير معلوم من أوجه التشابه لأن لها طبيعةً مشتركة. وهذا المفهوم وثيق الصلة، وإن لم يكن بلا مشكلات، بالمفهوم الحديث لـ«النوع الطبيعي» (Magnus 2015).

ولأن طبيعانية مِل تُلزمه بمبدأ أن «[قوانين] ملكتنا العقلية […] لا تُتعلَّم إلا برؤية العامل وهو يعمل»، فإن التحرّي عن المنهجية العلمية المُنتَهَج في «نظام المنطق» يتّخذ شكل تحقيقٍ نظري في الدروس المستفادة من تاريخ الممارسة العلمية الناجحة. ولعلّه من الغريب، إذن، أن مِل نفسه لم يكن مؤرّخًا للعلم على أي عمقٍ حقيقي. ومن حيث الواقعة السِّيَريّة، فإن معرفة مِل بهذا الموضوع استُمدّت أساسًا من مصادر ثانوية — «تاريخ العلوم الاستقرائية» لويليام ويويل، و«خطاب في دراسة الفلسفة الطبيعية» لجون هيرشل، و«دروس في الفلسفة الوضعية» لأوغست كونت — وكانت الأقسام من «النظام» التي تحتكم بشكل كبير إلى تاريخ العلم مَدينة إلى حد بعيد للبحث الذي أجراه نيابةً عنه ألكسندر بِيْن (السيرة الذاتية، I: 215–7, 255؛ Bain 1904: 137, 141). ولو كان مِل أفضل معرفةً بتاريخ الممارسة العلمية الفعلية، لكان من المشكوك فيه أن يصرّ على أن قصّة التقدّم العلمي هي ببساطة قصّة الاستخدام المطّرد للملاحظة والاستقراء — وأن تكون «قواعد الاستقراء» مستوفيةً حقًّا للطريقة التي مكّن بها البحث العلمي البشر من اكتساب المعرفة بالعالم. فمن المرجّح أن تكشف دراسة أنثروبولوجية مفصّلة لتاريخ الممارسة العلمية الناجحة عن الاستخدام غير القابل للاختزال للفرضية التخيّلية — ناهيك عن الأسئلة والمُثُل المتغيّرة من النوع الذي أبرزه لاحقًا توماس كون (1962). وقد كان هذا أساسًا لمناظرة تاريخية-معيارية دالّة بين ويويل ومِل — إذ جادل الأول بأن الاستدلال العلمي قد انطوى وينبغي أن ينطوي على التطوير الإبداعي القَبلي للمفاهيم قبل اكتشاف القوانين، بينما ادّعى الثاني، كما يظهر في الاقتباس أعلاه، أن الملاحظة والاستقراء وحدهما يمكن أن يتتبّعا وقائع عن العالم ويستخرجا المفاهيم المُستخدَمة في العلم (Snyder 2006).

3.4 الحساب والهندسة والضرورة

من بين قوانين الطبيعة المُتعلَّمة عبر الاستدلال الاستقرائي قوانينُ الهندسة والحساب. ويجدر التأكيد على أن مِل لا يرى في أي حال أن الطبيعة الاستقرائية النهائية للعلوم — سواء الفيزيائية أو الرياضية أو الاجتماعية — تحول دون التنظيم والممارسة الاستنباطيَّين للعلم (Ryan 1987: 3–20). فمن الجليّ أننا نعمل عبر كثير من الاستدلالات بألفاظ استنباطية — وليس هذا أوضح في أي مكان منه في حالة الرياضيات. ودعوى مِل هي ببساطة أن أي مقدّمة أو استدلال غير لفظي لا يمكن أن يكون أقوى من التبرير الاستقرائي الذي يسنده.

فالحساب، كما يرى مِل، غير لفظي في أساسه. فكون اثنين زائد واحد يساوي ثلاثة ليس:

تعريفًا لكلمة «ثلاثة»؛ ولا عبارةً تقول إن البشر اتّفقوا على استخدام اسم «ثلاثة» علامةً تكافئ تمامًا «اثنين وواحدًا»؛ أي أن يُسمّى بالاسم الأول ما يُسمّى بالاسم الآخر الأكثر ثِقلًا. (نظام المنطق، VII: 253)

فخلافًا لكثيرين في التقليد التجريبي — بمن فيهم والده — يرى مِل أن القضايا الرياضية تؤكّد وقائع حقيقية. «[إن] في كل خطوة من خطوات الحساب العددي أو الجبري استقراءً حقيقيًّا، استدلالًا حقيقيًّا لوقائع من وقائع» (نظام المنطق، VII: 254). وإن أداءنا للعمليات على نحوٍ استنباطي في الحالة الآتية:

2 × (2 + 1) = 2 × 3 = 6

لا ينبغي أن يُغطّي على أن صحّة كل خطوة تُرسى بالاستقراء. فنحن نُرسي أن اثنين زائد واحد يساوي ثلاثة بالتعميم من حالاتٍ محدّدة: أن حصاتين وحصاة تُكوّن معًا ثلاث حصوات، وأن حِصانين وحصانًا يُكوّنون معًا ثلاثة أحصنة، وهكذا. وكذلك سائر قوانين الحساب. وبطبيعة الحال، كما هي الحال في اكتشافنا للقوانين الفيزيائية، فإن القوانين التي نتعلّمها أولًا تُضمَّن، مع نموّ «علم العدد» تعقيدًا، بوصفها حالاتٍ لقوانين أكثر أساسية — ويمكن في نهاية المطاف بيان أنها تتبع من مسلّمات الرياضيات (نظام المنطق، VII: 253, 608 وما بعدها).

كذلك تُستنتَج القضايا الهندسية من مقدّمات لها هي نفسها مضمونٌ حقيقي. فمثل هذه المقدّمات — أننا، مثلًا، نستطيع رسم خط مستقيم يصل بين أي نقطتين مفردتين — ليست قضايا لفظية محضة. بل إن مِل يدّعي أن مثل هذه المقدّمات ليست، بالمعنى الدقيق، حتى صادقة عن المكان الحقيقي الذي نصادفه في التجربة: فلا نقاطٌ مفردة تامّة، ولا خطوطٌ مستقيمة تامّة، توجد في الطبيعة. بل هي تمثيلاتٌ مثالية لذلك المكان — لكنها تمثيلات مثالية قائمة على مبادئ لا يمكن أن تُعرَف إلا بالتعميم الاستقرائي لملاحظاتنا. وينطبق الأمر نفسه على نتائج الاستدلال الهندسي (نظام المنطق، VII: 224 وما بعدها).

وتصوّر مِل للرياضيات موجز، ويثير مسائل كثيرة. ومن أشدّ الأسئلة إلحاحًا ما يتعلّق بمكانة الأشياء التي يتحدّث عنها الرياضيون. فبإمكان الأفلاطوني أن يصف دعاوى الرياضيات بأنها دعاوى عن أشياء مجرّدة — لكن، بوصفه طبيعانيًّا، لا يتاح لمِل مثل هذا الخيار. «فكل الأعداد لا بدّ أن تكون أعدادًا لشيءٍ ما: ولا وجود لأشياء مثل الأعداد في المطلق» (نظام المنطق، VII: 254). وبالمثل، لا توجد أشياء حقيقية مقابلة لتعريفات الهندسة (نظام المنطق، VII: 225). بل يدّعي مِل أن الأعداد خصائص للتجمّعات (aggregates)، ومن ثمّ تدلّ على تجمّعات ذات تلك الخصائص، ويعدّ الأشياء الهندسية حالاتٍ حدّية لأشياء العالم الواقعي (نظام المنطق، VII: 610–1, 226–9). لكن، ثمّة ما ينبغي قوله أكثر عن مراجع الكيانات المُحتكَم إليها في المناطق العليا من الرياضيات — المجموعات ذات الرتبة الأعلى، والأعداد التخيّلية، والأعداد فوق المنتهية — وكذلك عن كيفية تفسير «الحالات الحدّية» طبيعانيًّا (Shapiro 2000: 91–102, 226–56؛ Kitcher 1998). ويمكن، ربما، عدّ الأشياء الرياضية خيالات (Balaguer 2014) — لكن بيان كيف يمكن لمثل هذه الخيالات أن تخضع لمعايير مقيَّدة للصدق والكذب يظلّ صعبًا.

ولعلّ كون مِل يرى أن حتى الرياضيات مؤسَّسة على الاستدلال الاستقرائي هو الأكثر إثارةً للاهتمام لأنه يبيّن الطابع الراديكالي الشامل لتجريبيته. بل إن مِل رأى هذا الجانب من عمله على هذا النحو تحديدًا، إذ ناهض المدرسة القَبلية والحدسية بـ«طردها من معقلها الحصين» (السيرة الذاتية، I: 233). ونفي مِل للمكانة القَبلية للقضايا الرياضية يتحدّى، بطبيعة الحال، الفكرة الشائعة بأن مثل هذه القضايا، حين تكون صادقة، صادقةٌ بالضرورة. بل إن رفض إمكان المعرفة القَبلية بصفتها هذه يتحدّى الفكرة القائلة بوجود أي حقائق ضرورية. ولا ينكفئ مِل عن هذا اللازم. فالحقائق يمكن أن تكون أرسخ أو أقل رسوخًا — مركزية أو هامشية بالنسبة لفهمنا للعالم — ومن ثمّ يمكن أن نكون أكثر أو أقل استعدادًا للتخلّي عنها. لكن مِل يُبدي اهتمامًا ضئيلًا بالتمييزات الجهيّة (المودالية) المبدئية أو المطلقة بين الحقائق الضرورية والعرضية. بل يجادل مِل بأن بعض القضايا تبدو لنا ضرورية بسبب عمليات ترابطٍ نفسي تجعلها راسخة إلى حد يبدو معه نفيها لنا غير قابل للتصوّر.

3.5 العقل في العالم: علم النفس والإيثولوجيا والحرية

كما لوحظ أعلاه (القسم 2.1)، تنطوي طبيعانية مِل على الدعوى بأن البشر وعقولهم جزءٌ كامل من الطبيعة. ومن ثمّ، فهم يخضعون للقوانين السببية على النحو نفسه الذي يخضع له سائر العالم الطبيعي — والدراسة التجريبية للعقل، كما يرى مِل، تكشف أنه محكومٌ بقوانين علم النفس الترابطي. وترابطية مِل تختلف في جوانب أساسية عن ترابطية أسلافه — إذ يُبدي حرصًا أكبر على إنصاف تلقائية العقل (علم نفس بِيْن، XI: 335)، وعلى الطبيعة الموجَّهة نحو العالم للفكر التمثيلي (ملاحظات على «التحليل»، XXXI: 413)، وعلى واقعة أن بعض الأفكار المركّبة لا يمكن تعليلها بحدود التركيب الآلي للأفكار البسيطة الحاضرة في التجربة الحسّية (نظام المنطق، VIII: 852–6). وكانت هذه التعديلات على إرثه الترابطي، جزئيًّا، ردّ فعلٍ على نقاطٍ أثارتها المدرسة الجرمانية-الكولريدجية. غير أن تصوّره يظلّ راسخًا داخل تقليد التجريبية البريطانية — ولا يحيد قطّ عن الالتزام بدعوى أن حياتنا الذهنية محكومة بقوانين سببية تعمل على نحوٍ حتمي. بل إن مِل يعقد الأمل على أن يتحسّن فهمنا لمثل هذه القوانين — بل يُبدي اهتمامًا بوعد فهم «الشروط المادية» للفكر في الدماغ والجهاز العصبي (علم نفس بِيْن، XI: 348).

وطبيعة عقل الفرد، كما يرى مِل، دالّةٌ كليًّا على الخبرات التي مرّ بها ذلك الفرد. وبهذا المعنى، يتمسّك مِل بثبات بمذهب التجريبيين في القرن الثامن عشر عن «الصفحة البيضاء» (tabula rasa). غير أنه على يد مِل يتحوّل إلى دعوى مميِّزة للقرن التاسع عشر بأن الطبيعة البشرية نفسها قابلة للتشكيل (Mandelbaum 1971: 141 وما بعدها). فالخبرات المحدّدة، بلا شك، تكتب دروسها على عقولنا — لكن الشروط الخلفية، التي تختلف من ثقافة إلى أخرى، تؤدّي دورًا لا يقلّ أهمية. فمثل هذا التطبّع الثقافي يؤثّر في شخصيات البشر ورغباتهم ونزوعاتهم، التي تتفاوت تفاوتًا جذريًّا تبعًا لبيئة البشر — وهي نقطة لاحظها كثير من معاصري مِل الرومانسيين، وأثّرت في وجهة نفعيّته. فالطبيعة البشرية تُظهر «مرونةً مذهلة» (الحضارة، XVIII: 145).

[إن] كانت هناك بعض نزعات الطبيعة البشرية […] التي تظلّ واحدة في جميع العصور والبلدان، فإن هذه لا تشكّل قط كامل النزعات. (روح العصر، XXII: 256–7)

لكنه يؤثّر أيضًا في معتقداتنا وفي أنماط إدراكنا للعالم. فكما يلاحظ مِل:

إن جزءًا كبيرًا مما يبدو ملاحظةً هو في الواقع استدلال […] إذ في كل فعلٍ تقريبًا من أفعال ملكاتنا الإدراكية، تمتزج الملاحظة والاستدلالات امتزاجًا وثيقًا. فما يُقال إننا نلاحظه هو عادةً نتيجةٌ مركّبة، قد يكون العُشر منها ملاحظة، والأعشار التسعة الباقية استدلالًا. (نظام المنطق، VIII: 641–2)

فما هو بالحقّ استدلالات من ملاحظاتنا يأتي، بعمليات ترابط، ليبدو ملاحظاتٍ في ذاته. فأنا ألاحظ، بالحقّ، مجرّد متصلٍ حسّي معيّن، وأستدلّ على أن هذا أخي — لكن، مع التكرار، يندمج الاستدلال بالترابط مع الملاحظة، وأتّخذ المضمون المُستدَلّ عليه جزءًا من الملاحظة نفسها. أي أن عمليات الترابط تجعل ملاحظاتنا مُشرَبةً بالنظرية إشرابًا عميقًا. والنظريات التي تُشرَب بها، بطبيعة الحال، ستتفاوت بتفاوت البيئة الاجتماعية.

ويسمّي مِل العلم المنهجي الذي يتناول موضوع كيفية تأثير التنشئة والبيئة في تكوين الأفراد «الإيثولوجيا» (نظام المنطق، VIII: 861). وهذا العلم، الذي سيستخدم مبادئ علم النفس ليتيح لنا تحديد الشروط الأكثر مواتاةً أو ضررًا لإنتاج شخصياتٍ نراها مرغوبة، «لم يُنشَأ بعد» (نظام المنطق، VIII: 872–3). ومع ذلك، يمكن النظر إلى كثير من عمل مِل بوصفه محاولةً لبدء مثل هذا البرنامج البحثي، برسم آثار الشروط الاجتماعية في خلق الشخصية — شخصيّته هو في «السيرة الذاتية»، وشخصية النساء في «استعباد النساء»، وشخصيات المجتمعات الديمقراطية في «في الحرية» (Ball 2010).

فشخصيات الأفراد نتيجةٌ لعمليات سببية — ومثل هذه الشخصيات تحدّد أفعالهم.

ما من أحدٍ يعتقد أنه يعرف معرفةً تامّة ظروف أي حالة، وشخصيات الأشخاص المختلفين المعنيّين، إلا وتنبّأ من دون تردّد بكيفية تصرّف كلٍّ منهم. (نظام المنطق، VIII: 837)

وبما أن الأفراد خاضعون لمثل هذه القوانين، فليس ثمّة سبب يُذكر للاعتقاد بأن المجتمعات المؤلَّفة من أفراد لن تكون خاضعة لقوانين طبيعية (نظام المنطق، VIII: 879). بل إن مِل يرى من الممكن تعيين قوانين تتطوّر بها المجتمعات من حال البربرية إلى الحضارة — «قوانين تنظّم التعاقب بين حالٍ للمجتمع وأخرى» (نظام المنطق، VIII: 912) — ورسم مسار التاريخ رسمًا علميًّا (Levin 2004؛ انظر أيضًا Macleod 2017). فـ«نظام التقدّم البشري» موجَّهٌ بـ«ضربٍ من الضرورة مُرسًى […] بالقوانين العامة للطبيعة البشرية» (نظام المنطق، VIII: 938).

وفهم العالم البشري علميًّا — فهمه بوصفه جزءًا من العالم الطبيعي — يضع، بطبيعة الحال، ضغطًا على الفكرة القائلة بأن البشر أحرارٌ بأي معنى حقيقي. ومِل واضحٌ في أن الأفعال البشرية يمكن «استنتاجها استنتاجًا لا يخطئ» لو عُرفت سوابقها، لكنه يبقى مع ذلك متمسّكًا بأن هذا الموقف الحتمي لا «يتعارض ولو بأدنى درجة مع ما يُسمّى شعورنا بالحرية» (نظام المنطق، VIII: 837). فأفعالنا محدَّدة سببيًّا، لكننا مع ذلك، كما يبقى مِل متمسّكًا، أحرار (Ryan 1987: 103–131). فمِل يتبنّى تصوّرًا توافقيًّا (compatibilist) للحرية البشرية. فمع أنه من الصحيح أن شخصيتنا ورغباتنا، مقترنةً بمجموعةٍ من الظروف، تُلزم سببيًّا فعلًا معيّنًا، فليس من الصحيح أنه لو كان لدى ذلك الشخص شخصيةٌ ومجموعةُ رغباتٍ بديلة، لألزم السببُ نفسه ذلك الفعل نفسه. فلو كانت لدى ذلك الشخص رغباتٌ مختلفة، أو شخصية مختلفة، فقد كان بإمكانه أن يتصرّف على نحوٍ مختلف. وهذا، كما يقرّ مِل، سيكون عزاءً ضئيلًا لو كانت شخصيتنا ورغباتنا خارجةً عن مقدور الفرد على التأثير فيها. لكنه، كما يشير، يمكننا أن نؤثّر في شخصيتنا ورغباتنا. فبإمكاننا أن نضع أنفسنا في ظروفٍ تُعدّل شخصيتنا، وأن نمارس عاداتٍ أفضل.

[لو] فحصنا عن كثب، لوجدنا أن هذا الشعور، بأننا قادرون على تعديل شخصيتنا إن شئنا، هو ذاته شعور الحرية الأخلاقية الذي نعيه. (نظام المنطق، VIII: 841)

3.6 العالم في العقل: نسبية المعرفة ومثالية مِل

كما رأينا، يرى مِل أن «جزءًا كبيرًا مما يبدو ملاحظةً هو في الواقع استدلال» (نظام المنطق، VIII: 641). فمضمون التجربة الخام نفسه بالغ الضيق — بل إن مِل يرى أننا لا ندرك إدراكًا مباشرًا سوى انطباعاتنا الباطنة. «فمن حواسّي، لا أملك سوى الأحاسيس» (نظام المنطق، VIII: 643). والدعوى قويّة — بأن ما يحضر مباشرةً للعقل ليس أشياء خارجية، بل مجرّد «طائفةٍ من المظاهر» (نظام المنطق، VIII: 783). فنحن لا نملك وصولًا غير وسيط إلا إلى الانطباعات المتولّدة فينا — إذ نعي مباشرةً محض مضموننا الذهني.

فنحن لا نعرف عن الأشياء في العالم إلا بقدر ما تؤثّر فينا وتُثير انطباعاتٍ واعية — ومثل هذه الانطباعات لن تُعرَض أبدًا إلا عبر ملكات الحسّ الوسيطة. ويدّعي مِل أننا لا نستطيع أن نعرف شيئًا عن الأشياء في ذاتها، بل فقط كما تبدو لنا، ويسمّي هذا الموقف «نسبية المعرفة الإنسانية» (الفحص، IX: 4).

[إن] جميع الصفات التي نُسبغها على الأشياء تتمثّل في كونها ذات قدرةٍ على إثارة نوعٍ أو آخر من الأحاسيس في عقلنا […] فمعرفتنا بالأشياء […] تتألّف من لا شيء سوى الأحاسيس التي تُثيرها. (الفحص، IX: 6)

فانخراطنا النظري مع العالم موسَّطٌ دائمًا بملكاتنا المُكيِّفة — ومن ثمّ فإن تمثيلاتنا للعالم هي دائمًا تمثيلات لِما يكون عليه العالم بالنسبة لكائناتٍ مثلنا.

ويسمّي مِل هذه البصيرة «واحدةً ذات وزنٍ كبير ودلالة عظيمة، تطبع طابعها على كامل نمط التفكير الفلسفي لكل من يتلقّاها» (الفحص، IX: 11). ويدفع هذا المذهب مِل في نهاية المطاف نحو المثالية. فقد يرى المرء أنه، مع أننا لا نألف في التجربة سوى الانطباعات الذهنية، يمكننا مع ذلك أن نستنتج وجود أشياء غير ذهنية كامنة وراء تلك الأشياء الذهنية. لكن مثل هذا الاستنتاج لا يمكن أن يُسنَد داخل التجربة بالاستقراء العدّي — إذ لا تُلاحَظ قط أشياء غير ذهنية وراء الأشياء الذهنية — بل فقط بفرضيةٍ إلى كيانٍ غير مُلاحَظ. لكن، كما لوحظ أعلاه، يرفض مِل منهج الفرضية بوصفه شكلًا مستقلًّا من الاستدلال — فلا يمكن أن يكون أي استنتاج كهذا إلى أشياء غير ذهنية غير مُلاحَظة صحيحًا عنده. ومِل مُلزَمٌ بالتالي بالانتهاء إلى أنه لا يمكن أن يكون لنا أي حقّ في الاعتقاد بكياناتٍ غير ذهنية.

فكل ما يمكن إرساؤه استقرائيًّا هو أن صنفًا معيّنًا من أشياء الإحساس ثابت — أي أنه يمكن الرجوع إليه، بعد مُددٍ تظلّ فيها غير مُدرَكة. وهذا، كما يرى مِل، هو المضمون الحقيقي لمفهومنا عن العالم الخارجي.

يمكن، إذن، أن تُعرَّف المادة بأنها «إمكانٌ دائم للإحساس». فإن سُئلتُ هل أؤمن بالمادة، سألتُ ما إذا كان السائل يقبل هذا التعريف لها. فإن قبِله، فإني أؤمن بالمادة: وكذلك جميع أتباع بيركلي. أما بأي معنى آخر غير هذا، فلا. (الفحص، IX: 183)

ففكرة العالم الخارجي ليست حاضرة في مضمون التجربة. بل إن فكرتنا عن «الخارجية» مُستمَدّة من إدراك أن أحاسيس معيّنة يمكن الرجوع إليها: أنه:

مع أنني كففتُ عن رؤيته […] فإني أعتقد أنني حين أضع نفسي مجددًا في الظروف التي كانت لي فيها تلك الأحاسيس […] سيكون لي مجددًا؛ وأكثر من ذلك، أنه لا توجد لحظة فاصلة لم يكن الأمر فيها كذلك. (الفحص، IX: 179)

ففكرتنا عن المادة مُستنفَدةٌ بفكرة:

شيءٍ يوجد حين لا نفكّر فيه؛ شيءٍ وُجِد قبل أن نفكّر قط وكان سيوجد لو أُفنينا. (الفحص، IX: 178–9)

لكن المادة، مُتصوَّرةً هكذا، ليست «متمايزة في ذاتها» عن الإحساس نفسه (الفحص، IX: 182). وسننظر أدناه، في القسم 3.7، فيما إذا كان هذا الموقف متّسقًا تمامًا.

وتمتدّ دعوى مِل عن نسبية المعرفة إلى معرفتنا بالعقل نفسه.

[إن] معرفتنا بالعقل، مثل معرفتنا بالمادة، نسبيّة تمامًا […] فليس لدينا تصوّرٌ عن العقل ذاته، متمايزًا عن مظاهره الواعية. (الفحص، IX: 188–9)

فنحن نعرف ذاتنا، كما يدّعي مِل، فقط كما تبدو لنا ظاهراتيًّا — ولا نعرف عن الذوات الأخرى إلا بالاستدلال من حالتنا الخاصة. ويرفض مِل «النظرية الشائعة عن العقل بوصفه ما يُسمّى جوهرًا» (الفحص، IX: 206). لكنه يقاوم أيضًا الاختزال الكلّي للعقل إلى وجود الأحاسيس — أو حتى إلى وجود أحاسيس ممكنة — على أساس أنه تبقى وحدةٌ للإدراك الواعي. فكما يشير، لا يمكن أن يكون اختزال الذات إلى أحاسيس مُرضيًا تمامًا، لأن إحساسًا بالذات يدخل في كثير من الأحاسيس بوصفه جزءًا مُكوِّنًا. فحين أستحضر ذكرى، مثلًا، يكون الإحساس هو إحساس ذكرى يشمل مضمونها أنها ذكراي أنا.

ولذلك، إن تحدّثنا عن العقل بوصفه سلسلة من المشاعر، لَزِمنا أن نُتمّ العبارة بأن نسمّيه سلسلةً من المشاعر «تعي ذاتها بوصفها ماضية ومستقبلة»؛ وعندئذٍ نُختزَل إلى بديلين: إما الاعتقاد بأن العقل، أو الأنا، شيءٌ مختلف عن أي سلسلة من المشاعر، أو إمكاناتها، أو قبول المفارقة القائلة إن شيئًا هو بحسب الفرض مجرّد سلسلةٍ من المشاعر، يمكن أن يعي ذاته بوصفه سلسلة. (الفحص، 194)

في الظاهر، فإن دوافع مِل نحو المثالية معرفية — أننا لا يمكن أن نختبر قط أشياء غير ذهنية غير موسَّطة، ومن ثمّ لا يمكن أن نكون محقّين في الاعتقاد بوجودها. لكن الحجّة تمضي أعمق، إذ توحي بأننا لا نستطيع حتى أن نتخيّل ماذا يعني الاعتقاد بوجود أشياء غير ذهنية. «[فحتى] الشيء المتخيَّل ليس سوى تصوّر، من النوع الذي نقدر على تكوينه، عن شيءٍ من شأنه أن يؤثّر في حواسّنا» (الفحص، IX: 6). بل إن مِل يوحي أحيانًا بصيغةٍ دلالية (سيمانطيقية) من الحجّة، من شأنها أن تُرسي أن معنى كلماتنا ذاته — المحدَّد، كما هو، بالتجربة — يحول بيننا وبين الإشارة إلى أي شيء يتجاوز التجربة.

لا شك أنه من العبث أن نفترض أن كلماتنا تستنفد إمكانات الوجود. فقد تكون هناك أنماطٌ لا حصر لها منه لا تصل إليها ملكاتنا، ومن ثمّ لا نقدر على تسميتها. لكن ينبغي ألّا نتحدّث عن هذه الأنماط من الوجود بأيٍّ من الأسماء التي نملكها. فهي جميعًا غير قابلة للتطبيق، لأنها جميعًا تقف عن أنماطٍ معلومة من الوجود. (الفحص، IX: 11)

ويجدر التشديد على أن حجّة مِل عن حدود المعرفة البشرية لا تعتمد على حالتنا الراهنة من المعرفة العلمية — ولا في الواقع على ملكات الحسّ المحدّدة التي نملكها. فحتى لو كانت لدينا ملكات حسّية إضافية أو صرنا ندرك بطرقٍ جديدة، كما يلاحظ، فإن كل معرفةٍ ستظلّ «محض ظاهراتية» (الفحص، IX: 8). فالإدراك، في أي كائن حسّاس، لا بدّ أن يكون موسَّطًا بطريقةٍ ما من الإدراك — وحتى لو صرنا نملك طرقًا جديدة لإدراك العالم، «[فلن] نعرف الأشياء كما هي في ذاتها، أكثر مما نعرفها في الوقت الحاضر» (الفحص، IX: 8، التوكيد مضاف). بل إن القول بأن «الخالق» يعرف الأشياء كما هي في ذاتها هو ارتكابٌ لخلط.

3.7 فلسفة مِل النظرية: أهي ذاتية الدعم أم ذاتية التقويض؟

فلسفة مِل النظرية، بمعنىً مهم، دائرية وذاتية الدعم (Skorupski 1989: 125, 149). فكما لوحظ، ينظر مِل إلى الاستقراء العدّي — المنهج الوحيد للاستدلال النظري المبرَّر — على أنه ذاتيّ التصديق وذاتيّ التحسين. فنحن نتّخذ تلقائيًّا خطواتٍ استقرائية أوّلية بوصفها مبرَّرة. ثم يقود فحص الاستقراء لذاته إلى ثقةٍ متزايدة بأن الاستقراء طريقةٌ مبرَّرة للاستدلال عن العالم، وإلى شحذٍ عام لذلك المنهج. وكان بإمكان الاستقراء أن يكون ذاتيّ التقويض — فنجاحه بوصفه شكلًا من الاستدلال عن العالم، مُرسًى بشروطه الخاصة، ليس أمرًا بديهيًّا.

لكن على نحوٍ أعمّ، فإن رؤية مِل النظرية للعقل والعالم، ككل، دائرية وذاتية الدعم. فصورة مِل الطبيعانية للعلاقة بين العقل والعالم — للعقل بوصفه ذاته جزءًا من النظام الطبيعي وغير قادر على المعرفة القَبلية — يجب أن تُعامَل هي نفسها بوصفها اكتشافًا جوهريًّا. ومن ثمّ، لا يمكن التوصّل إليها إلا بالاستدلال الاستقرائي. فالتحرّي الاستقرائي يتيح لنا أن نفهم فهمًا أفضل أن العقل نفسه محكومٌ بقوانين طبيعية — وأن نفهم فهمًا أفضل عمليات الإدراك الحسّي التي تتيح لنا أن نكون متلقّين سببيًّا للعالم. وقد تبدو عناصر من علم نفس مِل الترابطي عتيقة — لكن هذا لا يغيّر النقطة الأساسية بأن الدراسة الطبيعانية للعقل قد نجحت نجاحًا هائلًا في تقديم فهمٍ أفضل لكيفية معالجتنا للعالم الذي نقطنه. فمثل هذه الاكتشافات توضّح وتقوّي إحساسنا بلماذا تستحيل المعرفة القَبلية أصلًا، ولماذا يلزم التحرّي التجريبي لأي معرفة حقّة.

والرؤية التي يرسمها مِل ثريّة بالإمكانات — ولها من الاتّساع ما يَعِد بوسيلةٍ ناجحة لتوجيه أنفسنا نظريًّا في العالم. والمسألة، بطبيعة الحال، هي ما إذا كانت الطبيعانية هي الرؤية الممكنة الوحيدة. فمع التسليم بأن فلسفة مِل النظرية مُبهرة على أساس تقديمها طريقةً منهجية ومتّسقة للتفكير في العالم وفي تاريخ انخراطنا النظري معه، يبقى السؤال ما إذا كان ذلك الاتّساق والمنهجية أي ضمانٍ للصدق. ويجب أن يبقى السؤال ما إذا كانت هناك طرقٌ غير طبيعانية جيدة بالقدر نفسه للتفكير في العالم ومكاننا فيه. ولأن الطبيعانية مذهبٌ جوهري، فهذا احتمالٌ يجب أن يبقى مِل منفتحًا عليه.

بل إن سؤالًا أشدّ إلحاحًا هو ما إذا كانت صورة مِل متّسقة حقًّا. فكما نوقش أعلاه، يدفع نهج مِل الطبيعاني، عبر استقرائيّته وإقراره بنسبية المعرفة، نحو المثالية. فهو يرى في نهاية المطاف أن الأشياء الوحيدة التي يمكن أن نكون محقّين في الاعتقاد بها هي إمكانات الإحساس الدائمة. لكن مثل هذه الأشياء ليست — أو ليست بوضوح على الأقل — كيانات طبيعية. ومِل ليس واضحًا قط بشأن مكانة إمكانات الإحساس الدائمة. فبقدر ما تكون أشياء مثالية، قد نشكّك في مكانتها ككيانات طبيعية؛ وكلما ازداد تشييء (reification) مثل هذه الكيانات نسبةً إلى الأحاسيس الفعلية، قلّت معقولية وصف الاستنتاج من الإحساس إلى إمكان الإحساس بأنه استنتاجٌ استقرائي. وما إذا كانت طبيعانية مِل تتوافق مع مثاليّته سؤالٌ مفتوح إلى حدٍّ بعيد.

ويدخل هذا القلق من اتجاهاتٍ متعددة. فأوضحها، ربما، أنه يضع موضع التساؤل الواقعية الرصينة التي يتبنّاها مِل داخل فلسفة العلم. فدعوى مِل بأن عملية العلم تنطوي على إيجاد البنية الحاضرة أصلًا في الطبيعة تبدو، على الأقل، في توتّرٍ مع الدعوى بأن كل معرفةٍ ظاهراتية ونسبية. وعلى نحوٍ أدقّ، يبدو تصوّر مِل الأساسي لعلاقة العقل بالعالم مُتحدًّى أيضًا. فمِل يدّعي أن المعرفة القَبلية مستحيلة لأننا لا يمكن أن نعلم:

أن عالم الفكر وعالم الواقع، العالم الأصغر والعالم الأكبر (كما كانا يُدعيان ذات يوم)، لا بد أنهما صيغا في تطابق تام أحدهما مع الآخر. (الفحص، IX: 68)

لكن إن كان العالم مثاليًّا في أساسه — إن كان عالَمنا، كما يبدو أن مِل يدّعي، هو العالمَ مُكيَّفًا بحواسّنا الوسيطة، لأننا لا نستطيع معرفته وتمثيله بأي نحوٍ آخر — فقد نتساءل: لِمَ لا يُؤخَذ تناغمٌ أساسي بين بنية العقل والعالم مُسلَّمًا به، وتصير المعرفة القَبلية ممكنة؟ بل إن دعوى مِل بأن الإدراك لا بدّ أن يكون موسَّطًا بطريقةٍ ما من الإدراك — بأن أي كائن لا بدّ أن يدرك على هذا النحو — تبدو هي نفسها غير قابلة للمراجعة وقَبلية على نحوٍ مُريب.

وتنشأ هذه المشكلات لأن الأولوية بين العقل والعالم في عمل مِل غير واضحة: فالعقل يُنظَر إليه بوصفه شرطًا لتمثيل العالم الوحيد الذي نصادفه، وبوصفه في الوقت نفسه شيئًا طبيعيًّا داخل العالم. فالأول لا يُبرَز إلى المقدّمة إلا في أشدّ لحظات مِل فلسفيةً — والثاني حاضرٌ في كل توصيف مِل للتفكير العلمي والعادي. وأحد خيارات حلّ هذا التوتّر، بطبيعة الحال، هو أن نتبع كانط في التمييز بين المستويين الترنسندنتالي (المتعالي) والتجريبي للتأمّل — وآخر هو أن نتبع المثاليين ما بعد الكانطيين في محاولة توحيد مثل هذه التقابلات وتجاوزها حيثما وقعت. غير أن مِل لم يعمل قطّ عبر الضغوط الداخلية لموقفه بما يكفي من الصرامة ليستشعر الدفع داخل الطبيعانية نحو هذه المواقف.

4. فلسفة مِل العملية

4.1 أسس العقل العملي: «البرهان»

بينما يُعنى العقل النظري بما ثمّة سببٌ لاعتقاده، يُعنى العقل العملي بكيف ثمّة سببٌ للفعل. وكما يرى مِل أن هناك مبدأً أساسيًّا واحدًا للعقل النظري — مبدأ الاستقراء العدّي — كذلك يرى أن هناك مبدأً أساسيًّا واحدًا للعقل العملي.

ليست هناك مبادئ أولى للمعرفة فحسب، بل مبادئ أولى للسلوك أيضًا. ولا بدّ أن يكون هناك معيارٌ يُحدَّد به الخير أو الشر، المطلق والنسبي، للغايات أو موضوعات الرغبة. وأيًّا كان ذلك المعيار، فلا يمكن أن يكون سوى واحد. (مِل، نظام المنطق، VIII: 951)

وذلك المبدأ، بطبيعة الحال، هو مبدأ المنفعة.

[إن] المبدأ العام الذي ينبغي أن تتطابق معه جميع قواعد الممارسة، والمحكّ الذي ينبغي أن تُختبَر به، هو مبدأ الإسهام في سعادة البشرية […] فتعزيز السعادة هو المبدأ النهائي لعلم الغايات (Teleology). (نظام المنطق، VIII: 951)

فالدعوى بأن «السعادة هي الغاية الوحيدة للفعل البشري، وتعزيزها هو المحكّ الذي يُحكَم به على كل سلوك بشري» تقف في مركز فلسفة مِل العملية، إذ تحدّد كيف ينبغي أن يتصرّف الأفراد، فرادى وجماعات (المذهب النفعي، X: 237).

ويُفحَص مبدأ المنفعة بالتفصيل في «المذهب النفعي»، وفيه يُوضَّح ويُدافَع عنه معًا. وفي قلب العمل يقف «برهان» مِل على مبدأ المنفعة. وتجري الحجّة عبر ثلاث دعاوى فرعية. فمِل يجادل من أجل:

  • الاشتهائية (desirability): أن السعادة مشتهاة بوصفها غاية،
  • الاستيفائية (exhaustiveness): أنه لا شيء سوى السعادة مشتهًى بوصفه غاية، و
  • الحياد (impartiality): أن سعادة كل شخص مشتهاة بالتساوي.

ويعدّ مِل الدعوى الفرعية الأولى — الاشتهائية — غير مثيرة للجدل إلى حدٍّ معقول. فالسعادة، كما سيقرّ معظم الناس، هي على الأقل واحدة من الأشياء المشتهاة (Donner 1991: 31). لكن حجّته على هذه الدعوى صارت سيّئة الصيت.

إن البرهان الوحيد الممكن تقديمه على أن شيئًا ما مرئي هو أن الناس يرونه فعلًا. والبرهان الوحيد على أن صوتًا مسموع هو أن الناس يسمعونه: وهكذا سائر مصادر تجربتنا. وعلى النحو نفسه، فيما أفهم، فإن البيّنة الوحيدة الممكن إنتاجها على أن شيئًا ما مشتهًى هي أن الناس يشتهونه فعلًا. (المذهب النفعي، X: 234)

ويضيف مِل إلى هذا ملاحظة أن «كل شخص، بقدر ما يعتقد أنها قابلة للبلوغ، يشتهي سعادته الخاصة» (المذهب النفعي، X: 234). ومن ثمّ، يُبيَّن أن السعادة مشتهاة بوصفها غاية.

وقد هاجم جي. إي. مور هذه الحجّة على نحوٍ شهير، إذ رأى أن «المغالطة في هذه الخطوة جليّة إلى حدٍّ يجعل من العجيب حقًّا كيف فات مِل أن يراها» (Moore 1993: 118). فـ«مُشتهًى» (desired) لا يحمل النسبة نفسها إلى «مشتهًى/جدير بالاشتهاء» (desirable) التي يحملها «مسموع» (heard) إلى «مسموع (قابل للسمع)» (audible) — إذ إن الاشتهائية هي خاصّية كون الشيء مستحقًّا أو جديرًا بأن يُشتهى، بينما المسموعية هي خاصّية كون الشيء قابلًا لأن يُسمَع. واختيار مِل صياغة الحجّة على هذا النحو، لا شك، غير موفّق، لكن جوهر الحجّة قوي مع ذلك، إذا فُهم في ضوء أهدافه الخاصة.

فالحجّة على اشتهائية السعادة، مثل بقية فلسفة مِل، طبيعانية التوجّه. فكما لوحظ أعلاه (القسم 2.1)، تقود طبيعانية مِل إلى الدعوى بأننا لا يمكن أن تكون لدينا أي معرفة بالحدس. ودعواه بأن «البيّنة الوحيدة» الممكن إنتاجها على الدعاوى المعيارية عن الاشتهائية هي ملاحظات تجريبية عمّا «يشتهيه الناس فعلًا» يجب أن يُنظَر إليها في سياق هذا الالتزام الأساسي — فمعرفتنا بالمشتهى لا يمكن أن ترتكز على بصيرةٍ قَبلية مباشرة في طبيعة الخير، ومن ثمّ لا يمكن أن تأتي إلا عبر الفحص النقدي لِما يتّخذه البشر فعلًا خيرًا.

فـ«الوعي الذاتي والملاحظة الذاتية المُمارَسان، بمعاونة ملاحظة الآخرين» يكشفان أن البشر يشتهون السعادة فعلًا، كأمرٍ واقع (المذهب النفعي، X: 237). ونحن نفعل ذلك، كما يدّعي مِل، بحكم طبيعتنا — وذلك النزوع يبدو لنا معقولًا لدى الفحص. فكون البشر يشتهون السعادة كافّةً فعلًا، ويرون أنه من المعقول فعل ذلك لدى التأمّل الحرّ، بيّنةٌ على أن السعادة مشتهاة. ومثل هذه البيّنة، بطبيعة الحال، قابلة للنقض — لكنها حقيقية مع ذلك. وفي غياب أسباب للتشكيك في نزوعنا الكلّي إلى اشتهاء السعادة، نكون محقّين في عدّ السعادة مشتهاة. فالحجّة على اشتهائية السعادة، بهذا المعنى، موازية لتصديق مِل المُبتدئ لمبدأ الاستقراء العدّي (انظر القسم 3.2).

والبشر، بطبيعة الحال، يشتهون أشياء كثيرة إلى جانب السعادة — ويقرّ مِل بهذه الواقعة بوصفها «جليّة» (المذهب النفعي، X: 234). وبقدر ما يُتّخَذ ما نشتهيه بيّنةً على ما هو مشتهًى، فقد يبدو هذا متعارضًا مع الدعوى الفرعية الثانية لمِل — أن السعادة مستوفية للمشتهى. واستراتيجية مِل لإرساء أن السعادة هي الشيء المشتهى الوحيد هي أن يبيّن أنه، مع أن هناك أشياء أخرى يشتهيها البشر، فإن مثل هذه الأشياء لا تُشتهى إلا بسبب النسبة التي تحملها إلى السعادة. فأشياء كثيرة، بطبيعة الحال، تُشتهى بوصفها مجرّد وسائل إلى السعادة. ولدى الفحص، لا تبدو لنا مثل هذه الأشياء مشتهاةً في نهاية المطاف، بل مجرّد آلياتٍ نافعة لتحقيق ما هو مشتهًى في نهاية المطاف. لكن مِل يقرّ بأن ليست كل المشتهيات إلى جانب السعادة مشتهاة بوصفها مجرّد وسائل. فبعض الناس، مثلًا، «يشتهون الفضيلة لذاتها» — فكـ«واقعةٍ نفسية»، يشتهونها «من دون غرض، لذاتها» (المذهب النفعي، X: 237, 235). وهذا لا يهدّد الدعوى بأن السعادة هي الشيء المشتهى الوحيد في نهاية المطاف، كما يجادل مِل، لأن الفضيلة عند مثل هؤلاء الأفراد مشتهاة لأنها تشكّل جزءًا من سعادتهم.

إن الفضيلة، وفق المذهب النفعي، ليست بطبيعتها وأصلها جزءًا من الغاية، لكنها قادرة على أن تصير كذلك […] لم تكن هناك رغبة أصلية فيها، ولا دافع إليها، سوى إسهامها في اللذّة، وخاصةً في الحماية من الألم. لكن عبر الترابط المتكوّن هكذا، يمكن أن تُشعَر بأنها خيرٌ في ذاتها، وتُشتهى بصفتها هذه بشدّةٍ تعادل شدّة اشتهاء أي خيرٍ آخر. (المذهب النفعي، X: 235–6)

فالأشياء المشتهاة ابتداءً بوصفها مجرّد وسيلة إلى السعادة، يمكن أن تصير مركزيةً إلى حدٍّ في تصوّر الشخص لمعنى أن يكون سعيدًا بحيث تُرى جزءًا من سعادته. وعند هذه النقطة، يمكن أن تُشتهى في ذاتها — وبمعزلٍ تام عن نتائجها. وسنناقش هذه الدعوى بمزيد من التفصيل أدناه (القسم 4.2). لكن بوصفها جزءًا من استراتيجية مِل العامة لبيان أن لا شيء يتجاوز السعادة مشتهًى، فإن مغزى الدعوى واضح. فهي تتيح لمِل أن يجادل بأن لا شيء عدا السعادة مشتهًى في نهاية المطاف. «فكل ما يُشتهى على نحوٍ آخر غير كونه وسيلة […] إلى السعادة، إنما يُشتهى بوصفه ذاته جزءًا من السعادة»، ومن ثمّ «لا شيء في الواقع مشتهًى سوى السعادة» (المذهب النفعي، X: 237).

وحجّة مِل على الحياد — أن سعادة كل شخص مشتهاة بالتساوي — تمرّ سريعًا، وقد وجدها كثيرون إشكالية. فمِل يدّعي أن «سعادة كل شخص خيرٌ لذلك الشخص، ومن ثمّ فإن السعادة العامة خيرٌ لمجموع الأشخاص جميعًا» (المذهب النفعي، X: 234). والحجّة، بمعنى، مجرّد انعكاسٍ لفردانية مِل (قارن نظام المنطق، VIII: 879). فالفكرة الكامنة هي أن خير مجموعةٍ من الناس لا يمكن أن يكون سوى مجموع خير أفرادها. لكن الحجّة تمضي أعمق من هذه الدعوى المعقولة، إذ تعتمد على مقدّمات أقوى. فالافتراض بأن «كميات متساوية من السعادة مشتهاة بالتساوي، سواء أشعر بها الشخص نفسه أم أشخاص مختلفون» (المذهب النفعي، X: 258 هامش) هو في الواقع افتراضٌ مثير للجدل. فقد يجادل المرء، مثلًا، بأن الإضافة إلى سعادة الراضي أصلًا أو غير المستحقّ ليست إضافةً إلى الخير العام بالمستوى نفسه الذي تكون به الإضافة إلى سعادة الساخط أو المستحقّ: أي أن قيمة السعادة تتحدّد جزئيًّا بحيث تقع. غير أن مِل لا ينظر في هذه الاعتراضات.

وببيان أن السعادة مشتهاة، وأن لا شيء سوى السعادة مشتهًى، وأن سعادة كل شخص مشتهاة بالتساوي، يرى مِل أن «مبدأ المنفعة قد بُرهِن» (المذهب النفعي، X: 239). وهو، بطبيعة الحال، ليس برهانًا بالمعنى التقليدي بوصفه استنباطًا منطقيًّا لمبدأ المنفعة. بل إن مِل يقرّ بأنه بالمعنى الدقيق، «الغايات النهائية غير خاضعة للبرهان المباشر» (المذهب النفعي، X: 207؛ قارن X: 234). ولأن الدعاوى عن كيف ينبغي أن نستدلّ — عمليًّا أو نظريًّا — قائمةٌ على فحصٍ نقدي لكيفية استدلالنا الفعلي، فيجب أن تبقى مؤقّتة، ومفتوحة لتصحيح مستمرّ بمزيد من ملاحظات ممارساتنا الاستدلالية. ومع ذلك، يرى مِل أن «البرهان» يقدّم «اعتباراتٍ […] قادرةً على تحديد العقل» (المذهب النفعي، X: 208). ومن ثمّ، فإن مبدأ المنفعة — «المذهب القائل إن كل الأشياء خيّرة أو شرّيرة بحكم اللذّة أو الألم اللذين تُنتجهما وحدهما» — يُبيَّن أن له «أُسسًا عقلية» (بروتاغوراس، XI: 61؛ المذهب النفعي، X: 208).

4.2 تصوّر مِل للسعادة

رأينا، إذن، أن مِل يرى أن «السعادة هي الغاية الوحيدة للفعل البشري، وتعزيزها هو المحكّ الذي يُحكَم به على كل سلوك بشري» (المذهب النفعي، X: 237). غير أن مضمون هذه الدعوى يعتمد بوضوح إلى حدٍّ بعيد على ما يُقصَد بالسعادة. ويقدّم مِل ما يبدو بيانًا واضحًا لا لبس فيه لمقصده. «فبالسعادة يُقصَد اللذّة، وغياب الألم؛ وبالشقاء، الألم، وحرمان اللذّة» (المذهب النفعي، X: 210). وقد بدا هذا البيان لكثيرين مُلزِمًا لمِل، على مستوى أساسي، بالمذهب اللذّي (hedonism) بوصفه تصوّرًا للسعادة ونظريةً في القيمة — أي أن الأحاسيس اللذيذة هي الشيء القيّم في نهاية المطاف.

غير أن مِل يفارق التصوّر البنثامي، الذي يرى أنه إن احتوت تجربتان كميتين متساويتين من اللذّة، فهما بذلك متساويتان في القيمة. وفي المقابل، يجادل مِل بأنه:

[من] العبث، بينما يُؤخَذ الكيف بعين الاعتبار مع الكمّ في تقدير كل شيء آخر، أن يُفترَض أن تقدير اللذّات يعتمد على الكمّ وحده. (المذهب النفعي، X: 211)

فبعض اللذّات، بطبيعتها، أعلى كيفًا من غيرها — ومن ثمّ ينبغي أن تُقدَّر أكثر.

إن سُئلتُ ماذا أعني باختلاف الكيف في اللذّات، أو ما الذي يجعل لذّةً أثمن من أخرى، بوصفها لذّةً محضًا، عدا كونها أكبر مقدارًا، فليس ثمّة سوى جواب واحد ممكن. فمن لذّتين، إن كانت هناك واحدة يمنحها كل من جرّبهما، أو جُلّهم، أفضليةً حاسمة […] فتلك هي اللذّة الأجدر بالاشتهاء. (المذهب النفعي، X: 211)

والدعوى تتعلّق بترتيب القيمة محضًا — أنه يمكن أن توجد تجربتان «ع» و«د»، بحيث تكون «ع» أثمن من «د»، رغم احتواء «د» على كمية مساوية أو أكبر من اللذّة مقارنةً بـ«ع». وقد ادّعى بعض الشرّاح (Riley 2002) أن مِل يرى أن أي كمية من لذّةٍ أعلى أثمن من أي كمية من لذّةٍ أدنى، على أساس المقطع الآتي:

إن وُضعت إحدى [اللذّتين]، من قِبل المُلمّين بكلتيهما إلمامًا كافيًا، أعلى من الأخرى إلى حدٍّ يفضّلونها معه […] ولا يتخلّون عنها لقاء أي كمية من اللذّة الأخرى التي تقدر طبيعتهم عليها، فإننا مُحقّون في أن نُسبغ على المُتعة المُفضَّلة تفوّقًا في الكيف. (المذهب النفعي، X: 211)

غير أن الدعوى بأنه سيكون من العقلانية التضحية بأي مقدار من لذّةٍ أدنى لقاء مقدارٍ ضئيل من لذّةٍ أعلى تبدو أشدّ استبعادًا من أن تُنسَب إلى مِل — وفي المقطع المذكور، هو لا يسجّل إلا شرطًا كافيًا لعدّ لذّةٍ أعلى كيفًا من أخرى، لا شرطًا ضروريًّا (Saunders 2011؛ Miller 2010: 58). وفي الواقع، لا يقدّم مِل سوى إشارة ضئيلة إلى كيفية موازنة الكيف بالكمّ من اللذّة — فهو ببساطة لا يتطرّق إلى تفاصيل كيفية التوفيق بين كميات متفاوتة من اللذّات ذات الكيفيات المتفاوتة بعضها إزاء بعض.

ويبقى السؤال أيّ أنواع اللذّات أعلى كيفًا من غيرها. يرى مِل أن لذّات «العقل، والمشاعر والخيال، والوجدانيات الأخلاقية» هي من بين اللذّات الأعلى (المذهب النفعي، X: 211). لكن مذهب مِل لا يلزم أن يُقرَأ قراءةً عقلانية تقييدية. فإلى جانب لذّات العقل، يرى أن اللذّات المُكتسَبة في النشاط أعلى كيفًا من تلك المُكتسَبة بانفعالٍ سلبي (في الحرية، XVIII: 262؛ قارن المذهب النفعي، X: 215). لكن في نهاية المطاف، يجب أن يكون كيف أي لذّة معطاة سؤالًا جوهريًّا في ذاته، يُعالَج بالتجريب والمقارنة المستمرّين لتفضيلات القُضاة الأكفّاء — أولئك الذين جرّبوا، وقدّروا، أنواع اللذّة الجاري مقارنتها.

والشبهة الكامنة عند كثيرين هي أن مِل، بتمييزه كيفيات اللذّة، يفارق المذهب اللذّي. فإن ادّعى مِل أن مقدارًا ضئيلًا من اللذّة يمكن أن يكون أثمن من مقدارٍ كبير، كما يوحي المؤوّلون المناهضون للمذهب اللذّي، فلا بدّ أن يكون ذلك على أساس تقدير شيءٍ عدا التجربة اللذيذة نفسها — إذ لو كان مِل يُقدّر التجربة اللذيذة وحدها، لقدّر دومًا تجربةً أكثر لذّة على تجربةٍ أقل. فلا بدّ أن يعدّ مِل اللذّات عالية الكيف أثمن لا بحكم لذّتها، بل على أساسٍ آخر — أي مصدرها. لكن هذا سيكون تخلّيًا عن المذهب اللذّي. وقد يُدعَّم التأويل المناهض للمذهب اللذّي أكثر بالاحتكام إلى حديث مِل عن «أجزاء السعادة». فكما لوحظ أعلاه، حين يدافع عن الدعوى بأن السعادة هي الغاية الوحيدة للفعل، يقرّ مِل بأن «مكوّنات السعادة متنوّعة جدًّا، وكلٌّ منها مشتهًى في ذاته» (المذهب النفعي، X: 235). ومع أن الحديث عن (مثلًا) الفضيلة بوصفها جزءًا من السعادة أمرٌ مفهوم بالتأكيد، فربما يكون أقل بداهةً أنه متوافق مع مذهبه اللذّي.

وقد ادّعى الذين يشكّون في بقاء مِل لذّيًّا عمومًا أنه يتحرّك نحو تصوّرٍ سعادوي (eudaimonistic) أو كمالي (perfectionist) للسعادة (Brink 2013: 46 وما بعدها؛ Nussbaum 2004؛ Clark 2010). فبـ«السعادة»، كما يدّعون، لا يعني مِل تجارب أو أحاسيس معيّنة، بل الازدهار المُتحقِّق في إعمال مثالٍ للشخصية. وثمّة مناسبات يطرح فيها مِل دعاوى تُذعِن لمثل هذا التأويل. فحين يشدّد مِل، في «في الحرية»، على قيمة الاستقلال الذاتي والأصالة — حين يدّعي أنه «مهمٌّ حقًّا، ليس فقط ما يفعله الناس، بل أيضًا أيّ صنف من الناس هم أولئك الذين يفعلونه» (في الحرية، XVIII: 263) — يبدو أن تركيزه على قيمة أن يكون المرء على نحوٍ معيّن، لا على قيمة التجارب.

من المؤكّد أن مِل، في محاولته الجمع بين أفضل ما في تجريبية القرن الثامن عشر ورومانسية القرن التاسع عشر، مال نحو الشخصية بوصفها موضع التنظير العملي (Devigne 2006). وقد انطوى هذا، بالضرورة، على تحوّلٍ في التركيز في فلسفته. غير أن السؤال هو ما إذا كان تركيز مِل على الشخصية مجرّد حالةٍ من محاولته استخلاص «نتائج ديناميكية» من «مقدّمات ميكانيكية» (رسالة إلى توماس كارلايل، XII: 181) — أي ما إذا كانت محاولته هي إرساء أخلاقٍ محورها الشخصية على أُسس لذّية. فالدعوى بأن بعض كيفيات اللذّة أثمن من غيرها لا يلزم أن تنتهك الدعوى الجوهرية للمذهب اللذّي: بأن التجارب اللذيذة هي الأشياء القيّمة في نهاية المطاف. فمن المتاح تمامًا للذّي أن يدّعي أن تجارب لذيذة مختلفة هي، على أساس ظاهراتيّتها، ذات قيمةٍ مختلفة. وترابطية مِل تقدّم الموارد لادّعاء أن اللذّات نفسها انفعالاتٌ مركّبة ومتطوّرة، منعكسةٌ عن الشخصيات التي تنشأ عنها، ومتشابكةٌ معها غالبًا. وقد يقدّم هذا أيضًا بعض التفسير لِما يعنيه مِل بادّعائه أن الفضيلة، مثلًا، يمكن أن تصير جزءًا من سعادتنا. وبالنظر إلى تصريح مِل بأن:

كل الأشياء المشتهاة […] مشتهاة إما للذّة الكامنة فيها، أو بوصفها وسائل إلى تعزيز اللذّة ومنع الألم،

فليس ثمّة سبب يُذكر للتشكيك في التزامه بالمذهب اللذّي (المذهب النفعي، X: 210).

4.3 الأخلاق

من المهم ملاحظة أن الدعاوى المطروحة حتى الآن تتعلّق بـ«علم القيم» (axiology) عند مِل (Fletcher 2008). أي أنها تتعلّق بأي حالات الأمور قيّمة — أي النتائج خيّرة. ومثل هذه الدعاوى القيميّة صامتةٌ في ذاتها عن مسألة التزاماتنا الأخلاقية. فمِل ليس نفعيًّا تعظيميًّا (maximizing) في الأخلاق. فمع أنه، بلا شك، كثيرًا ما يطرح عباراتٍ يبدو أنها تُلزمه بهذا الموقف — أشهرها، قرب بداية «المذهب النفعي»، أن «الأفعال صائبة بقدر ما تنزع إلى تعزيز السعادة، وخاطئة بقدر ما تنزع إلى إنتاج نقيض السعادة» (المذهب النفعي، X: 210) — فإن مثل هذه العبارات ينبغي أن تُفهَم بوصفها أدواتٍ تبسيطية لأغراض العرض الأوّلي. فعباراتٌ أخرى أكثر تدقيقًا تبيّن بوضوح أن هذا ليس موقفه المُتأمَّل.

فالنفعي التعظيمي يرى أننا مُلزَمون أخلاقيًّا بإحداث أكبر قدرٍ من السعادة نستطيعه — وأننا بقدر ما نقصّر عن هذا الحدّ، ننتهك التزاماتنا الأخلاقية. غير أن مِل يرى بوضوح أننا لسنا مُلزَمين بفعل كل ما نستطيع تحت طائلة اللوم الأخلاقي.

ليس من الخير أن يكون الأشخاص مُلزَمين، برأي غيرهم، بفعل كل ما يستحقّون الثناء على فعله. فثمّة معيارٌ من الإيثار ينبغي أن يُطالَب الجميع ببلوغه، ودرجةٌ فوقه ليست إلزامية، لكنها جديرة بالثناء. (أوغست كونت والوضعية، X: 337)

أي أن مِل يؤمن بوجود صنفٍ من الأفعال «فوق الواجب» (supererogatory) (Donner 2009: 140–3). فمع أنه قد يكون جديرًا بالثناء إلى حدٍّ بعيد أن نفعل أكبر خيرٍ نستطيعه — ومع أنه قد يكون ثمّة سبب لفعل أكبر خيرٍ نستطيعه — فإن التقصير عن ذلك ليس المعيار الذي يُميّز بين الفعل الأخلاقي واللاأخلاقي. بل يدّعي مِل أن مفهوم الخطأ الأخلاقي متّصل بمفهوم العقاب.

أظن أنه لا شك في أن هذا التمييز يقع في أساس مفهومَي الصواب والخطأ؛ فنحن نسمّي سلوكًا خطأً، أو نستخدم بدلًا من ذلك تعبيرًا آخر من تعبيرات الكراهية أو الازدراء، بحسب ما نظنّ أن الشخص ينبغي، أو لا ينبغي، أن يُعاقَب عليه. (المذهب النفعي، X: 246)

غير أن مفهوم مِل للـ«عقاب» مفهومٌ واسع.

نحن لا نسمّي شيئًا خطأً، ما لم نُرِد أن نُضمِّن أن على الشخص أن يُعاقَب بطريقةٍ أو أخرى على فعله؛ إن لم يكن بالقانون، فبرأي أقرانه من البشر؛ وإن لم يكن بالرأي، فبتأنيب ضميره. […] [فإن] لم يكن الأمر حالةً من الالتزام الأخلاقي، فإننا لا نلومهم، أي لا نظنّهم موضوعاتٍ مناسبة للعقاب. (المذهب النفعي، X: 246)

ففعلٌ ما يكون خطأً أخلاقيًّا، إذن، إن كان جديرًا باللوم، أي إن كان من المناسب أن يُلام الفاعل على أدائه. والسؤال، بطبيعة الحال، هو ما الذي يُؤسّس مثل هذه المعايير للّوم. وقد أخذ المؤوّلون عمومًا مِل على أنه يرى أن ما إذا كان علينا أن نلوم فردًا على أي فعلٍ معطى — وما إذا كان ذلك الفعل بالتالي خطأً أخلاقيًّا — يتحدّد باعتبارات الكفاءة النفعية. ففعلٌ ما يكون خطأً، إذن، إن كان من المُنتِج للمنفعة الكلّية أن يُلام فردٌ على أداء ذلك الفعل — أو، بتأويلٍ محوره القاعدة، إن كان من المُنتِج للمنفعة الكلّية أن توجد قاعدة مفادها أن الأفراد الذين يؤدّون أفعالًا من ذلك النوع يخضعون للّوم.

وستعتمد كفاءة مثل هذه المعايير للّوم، جزئيًّا، على الثقافة التي ستعمل فيها — على نزوعات الأفراد للتفاعل مع اللوم ووعيد اللوم، وعلى إمكان غرس هذه النزوعات في جماعةٍ معينة — ولهذا السبب، سيتفاوت مجال الواجب الأخلاقي بتفاوت الزمان والمكان (أوغست كونت، X: 338؛ Miller 2010: 99). وسؤالٌ باقٍ مهم هو ما إذا كان هناك قيدٌ يفرضه على الأخلاق منطقُ ذلك الانفعال: أي ما إذا كانت هناك أفعالٌ معيّنة لا يمكن، بسبب طبيعة انفعال اللوم، أن تُعدّ خطأً أخلاقيًّا (Jacobson 2008).

وموقف مِل من مكانة الأخلاق في الاستدلال العملي ككل — كيف تتّصل التزاماتنا الأخلاقية بما ينبغي أن نفعله، بالنظر إلى كل شيء — موقفٌ معقّد. فمِل يكتب أن:

النظرة الأخلاقية إلى الأفعال والشخصيات […] هي بلا منازع أول وأهمّ نمطٍ للنظر إليها. (بنثام، X: 112)

لكنه، في الوقت نفسه، ناقدٌ لأولئك الفلاسفة «المخمورين بالأخلاق» الذين يجعلون الأخلاق تزاحم مجال العقل العملي بأكمله — الذين يعاملون البُعد الأخلاقي لأسئلة كيف ينبغي أن نتصرّف «كأنه البُعد الوحيد» (أوغست كونت، X: 336؛ بنثام، X: 112). فـ«العقل العملي» — أو، كما يسمّيه مِل أيضًا، «فنّ الحياة» — غايته الصحيحة إيجاد أكبر سعادةٍ ممكنة. وهو ينقسم إلى ثلاثة مجالات: «الأخلاق، والحصافة أو السياسة، والجماليات؛ الصواب، والنافع، والجميل أو النبيل» (نظام المنطق، VIII: 949؛ قارن بنثام، X: 112). فالفعل حصيفٌ بقدر ما يُعظّم منفعة الشخص الفردية، التي يمكن بالطبع أن تكون جزئيًّا دالّةً على منفعة الآخرين؛ والفعل جميلٌ بقدر ما يكون جديرًا بالإعجاب، ويثير لذّة جمالية في تأمّله (قارن Loizides 2013: 133–40).

وتؤدّي القواعد الأخلاقية دورًا في توجيه الفعل وتقييمه، بلا شك، لكن كذلك تفعل قواعد الجماليات والحصافة: فهذه أيضًا تعزّز السعادة العامة، ومن ثمّ تقدّم أسبابًا للفعل. ويمكن، بطبيعة الحال، أن تقع تصادمات بين مثل هذه القواعد الأخلاقية والحصيفة والجمالية — بل تصادمات بين القواعد داخل تلك المجالات. وفي مثل هذه الحالات، يكتب مِل، «يلزم الاحتكام إلى المبادئ الأولى» (المذهب النفعي، X: 226؛ قارن نظام المنطق، VIII: 951). ويجيز مِل أيضًا الاحتكام المباشر إلى مبدأ المنفعة في المناسبات التي يعلم فيها الفاعل أن اتّباع القواعد — الأخلاقية أو الحصيفة أو الجمالية — سيولّد سعادةً كلّية أقل بكثير من انتهاك تلك القواعد (المذهب النفعي، X: 223؛ رجل الدولة لتايلور، XIX: 638–40). لكن مِل غير واضح كم مرّة تُجيز مثل هذه التصادمات والاستثناءات الاحتكام المباشر إلى مبدأ المنفعة. فبقدر ما ينبغي للمرء غالبًا أن يتجاهل قواعد الأخلاق والحصافة والجماليات، ويتصرّف ببساطة على أساس أي فعلٍ أجدر بالاختيار وفق نظرية العقل العملي ككل، فإن مِل، في نهاية المطاف، يُجذَب نحو شيءٍ يقترب من موقفٍ نفعيّ فِعلي (act-utilitarianism) (Turner 2015).

4.4 المساواة والجنسان والقرن التاسع عشر

كان القرن التاسع عشر فترةً تتأقلم مع صعود الديمقراطية، وهذا ينعكس في اهتمامات فلسفته الاجتماعية. وكتابات مِل في هذا المجال ليست استثناءً. فانخراطه في مسألة كيف ينبغي أن يُنظَّم المجتمع ومؤسّساته موجَّهٌ بالطبع بالتزامٍ مجرّد بالسعادة العامة بوصفها معيار نجاح كل ممارسة بشرية — لكنه أيضًا شديد الانتباه إلى الإمكانات والمخاطر الملموسة للعصر الديمقراطي الناشئ حديثًا، وكيف تتّصل بهذه الغاية الجامعة (Skorupski 2006).

وتأثّرًا بتوكفيل، رأى مِل أن الاتجاه الكبير لعصره كان أفول الأعراف الأرستقراطية ونموّ المساواة. وقد وصف مِل، بطريقته الإنجليزية المميّزة إزاء أوروبا الحديثة، «النزوع الذي لا يُقاوَم إلى المساواة في الأحوال» بأنه تجلٍّ لـ«نموّ الطبقة الوسطى» (توكفيل حول الديمقراطية في أمريكا [II]، XVIII: 150, 196). ومع أن أوروبا الحديثة لم تكن قد محت الفوارق الطبقية للعصور السابقة، فإن مثل هذه الفوارق، في رأي مِل، كانت تصير أقل فأقل تأثيرًا في الأعراف الاجتماعية. فالثروة والتعليم والمكانة، ومن ثمّ السلطة، كانت تتراكم لدى طبقةٍ وسطى مهيمنة اجتماعيًّا وسياسيًّا، تُملي سماتها ومصالحها التجارية المشتركة المساواةَ بوصفها القاعدة الناشئة.

ويرى مِل أن هذا الاتجاه يمثّل فرصةً لتحسين المجتمع — وبهذا المعنى، يقف بوصفه وريث بنثام وجيمس مِل في السعي لدفع أجندة التحديث قُدُمًا. لكنه، مثل كثير من معاصريه في القرن التاسع عشر — وخاصةً النقّاد الاجتماعيين المحافظين مثل كولريدج وكارلايل — يرى أيضًا أن النظام الناشئ حديثًا يحمل معه مخاطر ناشئة حديثًا. لذا كان هدفه أن يُخفّف من الآثار السلبية لصعود المساواة، مع استثمار الفرصة التي تقدّمها للإصلاح.

وأشدّ الحاجات إلحاحًا للإصلاح في هذا الوضع، كما رأى مِل، كانت إزالة بُنى التمييز والاضطهاد ضدّ النساء. فقد رأى مِل، على أُسس علم النفس الترابطي، أن الشخصية البشرية كلّها نتاجُ التنشئة. ومن ثمّ، كان مرتابًا في الدعوى الشائعة آنذاك بأن للنساء طبيعةً مختلفة عن الرجال — وأن الجنسين بالتالي مؤهّلان بالطبيعة لأدوارٍ مختلفة داخل الأسرة والمجتمع الأوسع.

[ما] من أحدٍ يستطيع أن يجزم بأمانٍ أنه لو تُركت طبيعة المرأة تختار اتجاهها بحرّيةٍ كحرّية الرجل، ولو لم يُحاوَل إعطاؤها أي انحناءٍ مصطنع سوى ما تتطلّبه شروط المجتمع البشري، مُعطًى للجنسين معًا، لكان هناك أي فارقٍ جوهري، أو ربما أي فارقٍ على الإطلاق، في الشخصية والقدرات التي ستتكشّف. (استعباد النساء، XXI: 305)

فبقدر ما يُظهر الجنسان عمومًا سماتٍ شخصية مختلفة، فإن هذه السمات نتاجُ التنشئة على قوالب نمطية، لا مبرّرًا لتلك القوالب. وكذلك الأمر بالنسبة للفوارق المزعوم وجودها بالطبيعة بين الأعراق، والمُتَّخذة لتبرير سلطة مجموعةٍ من الأفراد على أخرى (مسألة الزنجي، XII: 93). ومع نموّ المساواة الذي جاء مع طبقةٍ وسطى مهيمنة، كما رأى مِل، برزت أشكال الاضطهاد هذه أكثر وضوحًا، وصار الوقت مناسبًا بالتالي لتفكيك مثل هذه الممارسات التمييزية.

وكانت مثل هذه الممارسات، كما رأى مِل، مرفوضةً على أُسس «الملاءمة الاجتماعية» — أي أنها مضرّة بالمنفعة الكلّية (استعباد النساء، XXI: 64؛ قبول النساء في حقّ الاقتراع، XXVIII: 152). فحرمان النساء من التصويت يضرّ بالمحرومين على أساسين. أولًا، مصالحهم — مصالح قد تتباعد بطرقٍ مهمة عن مصالح مجموعات أخرى (السيرة الذاتية، I: 107) — تظلّ غير ممثَّلة في البرلمان، ومن ثمّ عُرضة للإحباط. وثانيًا، حرمان الأفراد من الوصول إلى المشاركة السياسية كان حرمانًا لهم من جانبٍ مهم من الحياة الخيّرة السعيدة.

[إن] حقًّا متساويًا في أن يُسمَع المرء — في أن يكون له نصيبٌ في التأثير في شؤون البلد — في أن يُستشار، ويُخاطَب، وأن تُوجَّه إليه الاتفاقات والاعتبارات المتعلّقة بالسياسة — نزع إلى الارتقاء بكرامة الرجل وتعليمها […] فإعطاء الناس اهتمامًا بالسياسة وبإدارة شؤونهم كان المُثقِّف الأعظم للبشرية […] وكان ذلك أحد أسباب رغبتي في أن يكون للنساء أصوات؛ فهنّ يحتجن إلى التثقيف كما يحتاجه الرجال. (انتخاب وستمنستر 1865 [4]، XXVIII: 39؛ انظر أيضًا اعتبارات، XIX: 469)

ولهذه الأسباب، ناضل مِل ضدّ التمييز السياسي طوال حياته، فيلسوفًا وعضوًا في البرلمان معًا (Kinzer, Robson and Robson 1992؛ Varouxakis 2013). وسنعود إلى تعقيدات آراء مِل في الديمقراطية السياسية أدناه (القسم 4.7)، لكن في سياق مناقشة المساواة، ينبغي أن نلاحظ أن مِل كان ناقدًا للأشكال الاجتماعية من التمييز بقدر نقده لحرمان النساء من التصويت. فالحواجز أمام التعليم والمهن، كما رأى، كانت بحاجة إلى الإصلاح بقدر الحواجز أمام التمثيل (استعباد النساء، XXI: 300). لكن أشدّ انتقاداته حدّة وُجّهت إلى مؤسّسة الزواج، كما مُورست في عصره.

فالزواج — الذي حرم الزوجة في تلك الفترة من الملكية والشخصية القانونية، وفرض الطاعة التامة للزوج — كان، كما رأى مِل، أشبه بالعبودية (استعباد النساء، XXI: 271). وكثيرًا ما كان ينطوي، كما لاحظ، على عنفٍ جسدي. لكن حتى حين لم يكن الأمر كذلك، فإن الإعداد لمثل هذه الشراكات غير المتكافئة والمشاركة فيها جعلت النساء يُنمّين شخصياتٍ مُقيَّدة ومصطنعة وخاضعة. ولم يكن مُهينًا للنساء فحسب أن يُحتجَزن في مثل هذا الوضع من العبودية — بل كانت ممارسة مثل هذه الهيمنة مُحطّةً من قدر الرجال، مُفسِدةً لشخصياتهم هم أيضًا (استعباد النساء، XXI: 321). فشيوع مثل هذه العلاقة السلطوية الخبيثة في مجالٍ محوري من مجالات الحياة الإنسانية استصرخ التجديد. والظرف الوحيد الذي يمكن أن يكون فيه الزواج مؤسّسةً إيجابية، مضيفةً إلى السعادة الإنسانية، هو ذلك الذي يُعامَل فيه الرجال والنساء بمساواةٍ تامّة (Miller 2017).

4.5 «في الحرية» وحرية التعبير

جلب تحوّل المجتمع من أشكال التنظيم الأرستقراطية إلى أشكاله الديمقراطية المتزايدة، إذن، فرصًا. لكنه قدّم أيضًا مخاطر. فقد كان يعني حُكم كتلةٍ اجتماعية أشدّ قوّةً واطّرادًا وحضورًا في كل مكان من ملوك العصور السابقة. فهيمنة الأغلبية، كما رأى مِل، قدّمت تهديداتٍ جديدة من الطغيان على الفرد — فالحرية لم تكن أقل عُرضةً للخطر من الكثرة المُمكَّنة حديثًا منها من مَلِكٍ مطلق. والقيود على الحرية التي شغلت مِل شملت، بلا شك، القيود التشريعية المسنونة على الحرية — لكنها شملت أيضًا «الإكراه والضبط» الأوسع، «سواء أكانت الوسيلة المُستخدَمة القوّة الجسدية في صورة عقوباتٍ قانونية، أم القسر المعنوي للرأي العام» (في الحرية، XVIII: 223). فالآليات غير الرسمية للضغط الاجتماعي والتوقّع يمكن أن تكون، في المجتمعات الديمقراطية الجماهيرية، شاملةَ الضبط. وقد خشي مِل أن تؤدّي ممارسة مثل هذه السلطات إلى امتثالٍ خانق في الفكر والشخصية والفعل.

وفي هذا السياق كُتب «في الحرية» (Scarre 2007: 1–9). وتُعلَن غاية الحجّة في الفصل الأول:

إن غرض هذه المقالة هو تقرير مبدأ واحد بالغ البساطة […] وذلك المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي يكون فيها البشر، فرادى أو جماعات، مخوَّلين للتدخّل في حرية فعل أيٍّ منهم، هي حماية الذات. (في الحرية، XVIII: 223)

وكما هي الحال في كل فلسفة مِل العملية، فإن الحجّة على هذه الدعوى نفعية.

من المناسب أن أُصرّح بأنني أتنازل عن أي ميزةٍ يمكن أن تُستمَدّ لحجّتي من فكرة الحقّ المجرّد، بوصفه شيئًا مستقلًّا عن المنفعة. (في الحرية، XVIII: 224)

فلا يمكن أن يُعرَف قَبليًّا أنه ينبغي لنا أن ننظّم المجتمع وفق مبادئ ليبرالية. بل إن مِل رأى أن ظروف الحرية لا تكون مرغوبة إلا في المجتمعات المتحضّرة — «[فحتى] ذلك الحين، ليس أمامهم سوى الطاعة الضمنية لأكبر أو لشارلمان، إن كانوا محظوظين بما يكفي للعثور على واحد» (في الحرية، XVIII: 224). فحجّة مِل للحرية، بهذا المعنى، قائمة على ملاحظةٍ عن الظروف التي يزدهر فيها البشر ويكونون سعداء.

ودعوى مِل بأن «في الحرية» يقدّم «مبدأً واحدًا بالغ البساطة» — بأنه «ضربٌ من الكتاب الفلسفي المدرسي لحقيقةٍ واحدة» — ربما تُخفي واقعة أن هناك حججًا ونتائج متمايزة كثيرة مطروحة في النصّ (في الحرية، XVIII: 223؛ السيرة الذاتية، I: 259). فمِل يوظّف استراتيجيات مختلفة للحجاج من أجل حرية الفكر والنقاش، وحرية الشخصية، وحرية الفعل — ومع أن مثل هذه الحجج تتداخل بالطبع، فيجب فكّها بعناية إن أردنا تقدير مواطن قوّتها وضعفها. وفي هذا القسم، سننظر في الحجّة على حرية التعبير، على أن ننتقل، في القسم التالي، إلى دعواه لحرية الشخصية والفعل بوجهٍ أعمّ.

وتُطرَح حجّة مِل على حرية الفكر والنقاش في الفصل الثاني من «في الحرية»، وفيها يهدف إلى بيان أنه ينبغي ألّا تكون هناك أي محاولة «للتحكّم في التعبير عن الرأي» (في الحرية، XVIII: 229؛ انظر Riley 2015: 74 وما بعدها). ويتّخذ الفصل شكل برهانٍ من استيفاء الحالات. فمِل يدّعي أنه، بالنسبة لأي رأيٍ «ر» يكون مرشّحًا للقمع، فإن «ر» لا بدّ أن يكون إما: (1) صادقًا، أو (2) كاذبًا، أو (3) صادقًا جزئيًّا. وأيًّا كان الأمر، كما يجادل، فإن تأكيد «ر» سيكون نافعًا لاكتشاف الحقيقة وصونها — ومن ثمّ ينبغي الترحيب به.

فالمعتقدات الصادقة تُقمَع عمومًا لأنها، وإن كانت صادقة، يُظنّ أنها كاذبة. وأن نفترض أنه لأننا نظنّ رأيًا كاذبًا فينبغي قمعه، كما يجادل مِل، هو أن نفترض العصمة لمعتقداتنا. غير أن البشر ليسوا كائناتٍ قادرة على المعرفة المعصومة. فتجريبية مِل تقوده إلى الاعتقاد بأنه ليست لدينا بصيرة قَبلية مباشرة في الحقيقة، وأن جميع معتقداتنا يجب أن تبقى مفتوحةً للمراجعة في ضوء مزيدٍ من الملاحظة. ومن ثمّ، يجب أن يبقى النقاش مفتوحًا — حتى في المسائل التي نظنّها راسخةً بأمان. وقد يُجادَل، كما يلاحظ، بأن بعض المعتقدات الصادقة ينبغي قمعها لأنها، وإن كانت صادقة، يُظنّ أنها ضارّة. لكن أن نجادل بأنه ينبغي قمع رأيٍ لأنه ضارّ سيكون إما افتراضًا للعصمة بشأن كونه ضارًّا، أو إجازةً للنقاش في تلك المسألة — وهذا بدوره يجب أن ينطوي على نقاشٍ في القضية الجوهرية نفسها. فالآراء المنتمية إلى الحالة (1) ينبغي بالتالي ألّا تُقمَع.

وحتى حين يكون معتقدٌ كاذبًا، كما يرى مِل، فإن تأكيده قد يظلّ مُسهِمًا في تأمين الحقيقة — ومن ثمّ، فإن الآراء المنتمية إلى الحالة (2) ينبغي ألّا تُقمَع. فتأكيد الآراء الكاذبة يقود إلى النقاش — الذي يقود بدوره إلى فهمٍ أكبر. فمن دون دفاعٍ فاعل عن حقيقة، نُخاطر بفقدان إحساسنا بمعناها الحقيقي، إذ تُختزَل المعرفة الحقّة إلى «عباراتٍ مُستبقاة عن ظهر قلب» (في الحرية، XVIII: 249). فمن المهم بالقدر نفسه سماعُ الحجج المضادّة للحقيقة كأهمية إعادة صياغتها.

مهما امتنع مَن لديه رأيٌ قوي عن الإقرار بإمكان أن يكون رأيه كاذبًا، فينبغي أن يحرّكه الاعتبار بأنه مهما كان صادقًا، فإنه إن لم يُناقَش مناقشةً تامّة ومتكرّرة وبلا خوف، سيُتمسَّك به بوصفه عقيدةً ميّتة، لا حقيقةً حيّة. (في الحرية، XVIII: 243)

ويرى مِل أن:

ثمّة حالةً أكثر شيوعًا من هاتين؛ حين تتقاسم العقيدتان المتعارضتان، بدلًا من أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، الحقيقةَ بينهما. (في الحرية، XVIII: 252)

ومثل هذه المواقف تشكّل الحالة (3). ففي المسائل المعقّدة — خاصةً في مسائل السياسة والأخلاق — تكون الحقيقة «متعدّدة الجوانب» (رسالة إلى توماس كارلايل، XII: 181). فمعظم الآراء المُحكَمة التفكير — سواء أكانت محافظة أم ليبرالية — في مثل هذه المسائل تحتوي جزءًا من الحقيقة. ونادرًا ما يكون الأفراد في موضعٍ يمكّنهم من رؤية «الحقيقة الكاملة» بأنفسهم، والسبيل الوحيد لبروزها هو بالتالي «التوفيق بين المتقابلات والجمع بينها» (في الحرية، XVIII: 258, 254).

ويعدّ مِل الحالات الثلاث مستوفيةً: فأيًّا كانت مكانة الرأي من حيث الصدق، إذن، فإن قمعه سيكون مُضرًّا معرفيًّا (Skorupski 1989: 377–83). وتركيز الحجّة على الحقيقة، بطبيعة الحال، يحدّ من نطاق الحجّة. فمع أنه قد تكون هناك حجج تُرسي أن أشكال التواصل التي لا تكون الحقيقة غايتها — الشعر، والفنّ، والموسيقى — ينبغي أن تكون حرّةً من التدخّل، فإن هذه لا تُوجَد في الفصل الثاني، بل لاحقًا في «في الحرية».

4.6 «في الحرية» وحرية الشخصية والفعل

تُطرَح حجّة مِل على حرية الشخصية — «الفردية» (في الحرية، XVIII: 260) — في الفصل الثالث من «في الحرية»، وهي ذات شعبتين. فمن جهة، يجادل بأنه من الأفضل للأفراد أن يُمنَحوا الحرية والحيّز لتطوير شخصيتهم الخاصة. ومن جهة أخرى، يجادل بأنه من الأفضل للمجتمع أيضًا. وحجّة مِل على الأول رومانسية النبرة، إذ يبقى على أنه، لأن للأفراد المختلفين طبائع مختلفة، يجب أن يُمنَحوا الحيّز لاكتشاف شخصياتهم وطرائق عيشهم الخاصة وتطويرها.

إن الطبيعة البشرية ليست آلةً تُبنى وفق نموذج، وتُهيّأ لتؤدّي بالضبط العمل المرسوم لها، بل شجرة، تحتاج إلى أن تنمو وتنشأ من كل جانب، وفق نزوع القوى الباطنة التي تجعلها شيئًا حيًّا. (في الحرية، XVIII: 263)

فالتنوّع الأساسي للبشر يعني أنه ليس من المُنتِج أن يوجد توقّعٌ بأن يعيش جميع الأفراد على نحوٍ متشابه. وبهذا المعنى، فالحجّة عملية (براغماتية): أن نمطًا واحدًا من الحياة يستبعد أن يناسب جميع الأذواق الفردية. لكن مِل يوحي أيضًا بأنه سمةٌ محورية للحياة الخيّرة أن تكون حياةً يختارها المرء لنفسه.

من الممكن أن يُوجَّه في دربٍ حسن […] لكن ما قيمته النسبية بوصفه إنسانًا؟ إنه مهمٌّ حقًّا، ليس فقط ما يفعله الناس، بل أيضًا أيّ صنف من الناس هم أولئك الذين يفعلونه. (في الحرية، XVIII: 263)

وإلى جانب مفكّرين آخرين في تلك الفترة — أرنولد ونيتشه وشيلر جميعهم نقاط مقارنة مفيدة — يرى مِل أن الخطر العظيم للمجتمع الجماهيري هو الكبت الذاتي والامتثال، مما يؤدّي إلى استنزاف الطاقة والإبداع البشريين. فالمجتمع الفيكتوري كان، كما ادّعى، محكومًا بروحٍ من اللياقة قائمةٍ على «الإنكار الذاتي المسيحي»؛ ومِل، في المقابل، يشجّع «المثال اليوناني للتطوير الذاتي» (في الحرية، XVIII: 266). فالأفراد المكتملون، الأصلاء، التلقائيون، كما يعتقد، هم الأكثر سعادةً حقًّا.

ومن المهم أيضًا للمجتمع بوجهٍ أعمّ أن يكون الأفراد أحرارًا في تطوير طرائق عيشهم الخاصة. فمن المفيد أن يوجد تنوّعٌ ثريّ من «تجارب العيش» (في الحرية، XVIII: 260) معروضًا في أي مجتمع معيّن، لإتاحة أن يستلهم الأفراد من طيفٍ واسع من صور الحياة الممكنة. والتنوّع القائم داخل مثل هذا السياق، كما يرى مِل، مفتاحٌ لصون التقدّم الاجتماعي. فـ«تنوّع الشخصية والثقافة» يوفّر المحرّك للتوتّر المُنتِج الذي يدفع الأمّة قُدُمًا. ومن دونه، يخشى مِل «الركود الصيني» (في الحرية، XVIII: 188؛ توكفيل حول الديمقراطية في أمريكا [II]، XVIII: 189).

إن استبداد العُرف في كل مكان هو العائق الدائم أمام تقدّم البشر، إذ يقف في خصومةٍ لا تنقطع مع ذلك النزوع إلى ابتغاء ما هو أفضل من المُعتاد، الذي يُسمّى، بحسب الظروف، روح الحرية، أو روح التقدّم أو التحسين. (في الحرية، XVIII: 272)

وفي الفصلين الرابع والخامس من «في الحرية»، ينتقل انتباه مِل من دفاعٍ عام عن الآثار النافعة للحرية إلى استكشافٍ لأيّ الأفعال بعينها ينبغي أو لا ينبغي أن تخضع للتدخّل. ونطاق الإكراه المشروع موجَّهٌ بـ«مبدأ الضرر»:

إن الغرض الوحيد الذي يمكن أن تُمارَس من أجله السلطة، على حقٍّ، على أي فردٍ من أفراد مجتمعٍ متحضّر، ضدّ إرادته، هو منع الأذى (الضرر) عن الآخرين. (في الحرية، XVIII: 223؛ قارن في الحرية، XVIII: 292)

فيمكن التعدّي على فعل الفرد على نحوٍ مشروع إذا وفقط إذا كان ذلك الفعل قد يؤذي فردًا آخر. وبطبيعة الحال، قد لا يكون من الحصافة التدخّل في جميع الحالات التي يكون فيها التدخّل مشروعًا. وبهذا المعنى، فالمبدأ يقرّر فقط الشروط التي يكون فيها التدخّل جائزًا — لا الشروط التي يكون فيها مرغوبًا.

ويستبعد مِل التدخّل في ذلك «الجزء من حياة الشخص الذي يخصّه وحده» أساسًا لأن الأفراد — متى بلغوا «نضج ملكاتهم» — أكثر كفاءةً بكثير فيما يخصّ خيرهم الخاص من غيرهم (في الحرية، XVIII: 280, 224؛ انظر Turner 2013).

[ففيما] يتعلّق بمشاعره وظروفه، يملك أشدّ الرجال أو النساء عاديةً وسائل معرفةٍ تفوق بما لا يُقاس تلك التي يمكن أن يمتلكها أي شخصٍ آخر. فتدخّل المجتمع لإبطال حكمه وأغراضه فيما يخصّه هو وحده لا بدّ أن يقوم على افتراضاتٍ عامة؛ قد تكون خاطئة تمامًا، بل حتى إن كانت صائبة، فمن المُرجَّح بقدرٍ مساوٍ أن تُطبَّق خطأً على الحالات الفردية. (في الحرية، XVIII: 277)

ومن ثمّ، ينبغي أن يوجد افتراضٌ عام ضدّ المحاولات الأبوية (paternalistic) للتدخّل في سلوك الفرد المتعلّق بذاته من أجل خيره هو.

ويقرّ مِل عن طيب خاطر بأنه ما من سلوكٍ متعلّق بالذات بمعنى أنه يؤثّر في الفاعل وحده. «فما من شخصٍ كائنٌ منعزلٌ تمامًا» (في الحرية، XVIII: 280). لكن، فقط حين «ينتهك [الفرد] التزامًا محدّدًا قابلًا للتعيين تجاه أي شخصٍ أو أشخاص آخرين، تُخرَج الحالة من صنف المتعلّق بالذات» (في الحرية، XVIII: 281). فبالمعنى الذي يقصده مِل، إذن، نحن نؤذي فردًا فقط حين ننتهك التزامًا تجاه ذلك الفرد. فالضرر الذي يُحدثه القدوة السيّئة للسكّير للآخرين لا يقدّم سببًا مشروعًا للتدخّل في سلوكه؛ أما إن جعله سُكره ينتهك التزامه بإعالة أسرته، فإن ذلك الفعل يشكّل ضررًا ويخضع للتدخّل.

وشاغل مِل، في كامل «في الحرية»، هو صون حرية الفرد ليس فقط في مواجهة تهديد الإكراه التشريعي أو الحكومي، بل من تهديد أشكالٍ أكثر خبثًا من الإكراه الاجتماعي. ففي المجتمع الجماهيري، يمكن أن تكون الأحكام المتلصّصة (curtain-twitching) وحملات التشهير المهموسة أشدّ خطورةً في الضبط من أفعال الطغيان الرسمية، إذ «تتغلغل أعمق بكثير في تفاصيل الحياة، وتستعبد الروح نفسها» (في الحرية، XVIII: 220). ومع ذلك، بطبيعة الحال، يرى مِل أن الأفراد أنفسهم أحرارٌ في تكوين آراءٍ غير مواتية عن شخصية الآخرين. فنحن أحرار في أن نُعاتب فردًا، ونتجنّبه، ونشجّع الآخرين على تجنّبه — فذلك حقّنا. لكن ليس في أن «نستعرض التجنّب» (في الحرية، XVIII: 278). غير أن الخط الفاصل بين الاستخدام المشروع وغير المشروع لحرّيتنا صعب الرسم بالتأكيد.

4.7 السلطة والديمقراطية

كما رأينا، يرى مِل أننا لا يمكن أن تكون لنا أي معرفة حقّة قَبليًّا. وأحد النتائج المهمة لهذه الدعوى العامة، كما يرى مِل، هو أن المعرفة — في المسائل السياسية والأخلاقية، وكذلك داخل العلوم الفيزيائية — أصعب اكتسابًا مما قد يرغب فيه من يحتكمون مباشرةً إلى الحدس أو الحسّ السليم. فحاجة الفرد إلى المعرفة تفوق بكثير إمكان الملاحظة الفردية — ومن ثمّ، فإن الأغلبية العظمى من معرفتنا يجب أن تُكتسَب على أساس الشهادة (testimony).

لا أُقلّ عن أحدٍ في درجة الذكاء التي أعتقد أن [الناس] قادرون عليها. لكنني لا أعتقد أنه، إلى جانب هذا الذكاء، ستُتاح لهم قط فرصٌ كافية من الدراسة والخبرة، ليصيروا هم أنفسهم مُلمّين بجميع التحقيقات التي تفضي إلى الحقائق التي من الخير أن ينظّموا بها سلوكهم، وأن يتلقّوا في عقولهم كامل البيّنة التي جُمعت منها تلك الحقائق، والتي تلزم لإرسائها. […] فما دام النهار لا يتجاوز أربعًا وعشرين ساعة، وعمر الإنسان لا يمتدّ إلا إلى السبعين […] فإن الأغلبية العظمى من البشر ستحتاج الجزء الأكبر بكثير من وقتها وجهدها لتحصيل قوتها اليومي. (روح العصر، XXII: 241)

ففي العصور السابقة، كان وجود طبقةٍ مُترَفة وروحية يعني أنه كان من اليسير نسبيًّا تحديد من يمتلك السلطة الفكرية ليؤدّي دور القادة في الفكر والفعل (روح العصر، XXII: 304–5). لكن فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر كانوا قد نزعوا المصداقية عن هذه الأشكال الموثوقة من السلطة، مما جعل تمييز «الرأي المؤسَّس جيدًا» من «الشعوذة» أصعب فأصعب (الحضارة، XVIII: 132, 135). فصعود الأغلبية العددية في العصر الحديث عنى أن الفرد صار عُرضةً لأن «يضيع في الحشد إلى حدٍّ يجعله، مع أنه يعتمد أكثر فأكثر على الرأي، يميل إلى الاعتماد أقل فأقل على الرأي المؤسَّس جيدًا» (الحضارة، XVIII: 132؛ قارن في الحرية، VIII: 268).

وفي نهاية المطاف، يبقى مِل متفائلًا بشأن آفاق الفرد الحديث في أن يُبحر بنجاح واستقلال عبر ذلك الحشد ويحدّد الأصوات الجديرة بالاحترام.

ما من حكومةٍ بديمقراطية أو بأرستقراطية عديدة […] ارتفعت قط، أو أمكنها أن ترتفع، فوق المتوسّط، إلا بقدر ما ترك «الكثيرون» ذوو السيادة أنفسهم يُوجَّهون (وهو ما فعلوه دائمًا في أزهى أوقاتهم) بمشورة وتأثير «الواحد» أو «القلّة» الأكثر موهبةً وعلمًا. […] فشرف الإنسان المتوسّط ومجده أنه قادر على اتّباع تلك المبادرة؛ أنه يستطيع أن يستجيب باطنيًّا للأشياء الحكيمة النبيلة، وأن يُقاد إليها وعيناه مفتوحتان. (في الحرية، XVIII: 269)

غير أنه واعٍ بأن الأمر يتطلّب جهدًا لصون قدرة الفرد على التعرّف على مثل هذه الأصوات والاستجابة لها وتنميتها. فالتعليم النظامي، بطبيعة الحال، لا بدّ أن يؤدّي دورًا كبيرًا في صون «جمهورٍ مستنير» يعرف ما يكفي «ليقدر على تمييز مَن هم الذين يعرفونها [الأمور] أفضل منه» (الخطاب الافتتاحي، XXI: 223؛ انظر Findlay 2017). لكن مِل يتطلّع أيضًا إلى مؤسّسة الديمقراطية نفسها للمساعدة في ترسيخ تأثير النخب.

فقد رأى مِل، كما لوحظ أعلاه (القسم 4.4)، أن التوسيع الديمقراطي لحقّ الاقتراع كان حتميًّا، وجديرًا بالترحيب. فامتلاك التصويت كان يضمن تمثيل مصالح الفرد — والأهم بالقدر نفسه، كان له أثرٌ مُرتقٍ ومُثقِّف على الجمهور. فالمشاركة الفاعلة في صنع القرار الجماعي كانت، كما رأى مِل، جزءًا من الحياة الخيّرة السعيدة (Urbinati 2002). لذا كان مؤيّدًا لمدّ التصويت إلى جميع من لا يعتمدون على الدعم العام ويمتلكون كفاءةً أساسية في القراءة والكتابة والحساب. «لكن مع أنه ينبغي أن يكون لكل شخصٍ صوت — فإن أن يكون لكل شخصٍ صوتٌ متساوٍ قضيةٌ مختلفة تمامًا» (اعتبارات، XIX: 473). ففي نظامٍ مثالي للديمقراطية، كما رأى مِل، أولئك الذين تكون آراؤهم «جديرة بقدرٍ أكبر من الاعتبار» يُمنَحون اعتبارًا أكبر، مع تحديد مستوى التعليم لعدد الأصوات التي يمكن للشخص الإدلاء بها (اعتبارات، XIX: 474؛ انظر Miller 2015).

فنظامٌ من التصويت التعدّدي لن يقاوم فقط نزوع الديمقراطية إلى الانحدار إلى حكم الغوغاء، بل سيجسّد ويُشير إلى المبدأ العام بأن بعض الآراء أجدر بالاهتمام من غيرها.

ليس من النافع، بل من المؤذي، أن يُعلن دستور البلد أن الجهل مُخوَّلٌ لقدرٍ من السلطة السياسية مساوٍ لِما هو مُخوَّلٌ للمعرفة. فينبغي للمؤسّسات الوطنية أن تضع كل الأمور التي تُعنى بها، أمام عقل المواطن في الضوء الذي من خيره أن يراها به: وبما أنه من خيره أن يظنّ أن لكل شخصٍ بعض التأثير، لكن للأفضل والأحكم أكثر من غيرهم. (اعتبارات، XIX: 478)

وشاغل مِل بضمان ألّا يضيع الاعتراف بالخبرة الحقيقية في عصر الديمقراطية يقع أيضًا خلف تأييده لنظام توماس هير للتمثيل النسبي. فبدلًا من حصر الاختيار في المرشّحين المحليين، أمل مِل في إتاحة أن يتّحد الناخبون وينتخبوا أبرز المرشّحين من أنحاء الأمّة، مما يؤدّي إلى انتخاب «نخبة الأمّة» ذاتها، وممارستها تأثيرًا داخل البرلمان وخارجه (اعتبارات، XIX: 456). وتوجّه الرغبة في الخبرة أيضًا اعتقاد مِل بأن أفضل ما يكون عليه مجلسٌ ثانٍ هو أن يكون مجلس شيوخٍ (Senate) مؤلَّفًا ممن سبق لهم أن شغلوا مناصب أو وظائف سياسية رفيعة، وأثبتوا بذلك جدارتهم بوصفهم «قادةً بالطبيعة» (اعتبارات، XIX: 516).

ومحاولة مِل تأمين ظروفٍ يمكن فيها تحديد السلطات الحقيقية وسماعها وسط ضجيج المجتمع الديمقراطي ليست، بطبيعة الحال، محاولةً لإسكات الأصوات الأخرى. كما أنها ليست محاولةً لفرض إرادة الخبراء على أغلبيةٍ غير راغبة. ففي جميع النقاط، يبقى مِل ملتزمًا بحرية الأفراد في اعتناق آرائهم الخاصة والتعبير عنها، وبسيادة إرادة الأغلبية في الشؤون العامة. أي أن حساسيّته إزاء المخاطر الحقيقية جدًّا للشعبوية في المجتمعات الحديثة لا يُسمَح لها قط بأن تُطغي على التزامه الأساسي بالديمقراطية الليبرالية بوصفها النظام السياسي الأنسب لتنمية مواطنةٍ حرّة فاعلة سعيدة.

المراجع

المصادر الأولية

جميع الاستشهادات من مِل مأخوذة من الأعمال الكاملة لجون ستيوارت مِل (The Collected Works of John Stuart Mill)، بتحرير جون م. روبسون (تورونتو: مطبعة جامعة تورونتو، ولندن: Routledge and Kegan Paul، 1963–91)، في 33 مجلدًا، وتُعطى بالمجلد والصفحة.

المصادر الثانوية

  • Bain, C., 1904, Autobiography, London: Longmans, Green and Co.
  • Balaguer, M., 2014, “Mill and the Philosophy of Mathematics: Physicalism and Fictionalism”, in Loizides 2014: 83–100.
  • Ball, T., 2010, “Competing Theories of Character Formation: James vs. John Stuart Mill”, in John Stuart Mill—Thought and Influence: The Saint of Rationalism, Georgios Varouxakis and Paul Kelly (eds.), London: Routledge, pp. 35–56.
  • Brink, D., 2013, Mill’s Progressive Principles, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2017, “Mill on Justice and Rights”, in Macleod and Miller 2017.
  • Brook, R.J., 1973, Berkeley’s Philosophy of Science, The Hague: M. Nijhoff.
  • Capaldi, N., 2004, John Stuart Mill: a Biography, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Clark, S., 2010, “Love, Poetry, and the Good Life: Mill’s Autobiography and Perfectionist Ethics”, Inquiry, 53(6): 565–78.
  • Cobb, A., 2017, “Mill’s Philosophy of Science”, in Macleod and Miller 2017: 234–49.
  • Devigne, R., 2006, Reforming Liberalism: J.S. Mill’s Use of Ancient, Religious, Liberal, and Romantic Moralities, New Haven, CT: Yale University Press.
  • Donner, W., 1991, The Liberal Self: John Stuart Mill’s Moral and Political Philosophy, Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • –––, 2009, “Mill’s Moral and Political Philosophy”, in Donner and Fumerton 2009: 15–143.
  • Donner, W. and R. Fumerton, 2009, Mill, Malden, MA: Wiley-Blackwell.
  • Ducheyne, S., 2008, “J.S. Mill’s Canons of Induction: From True Causes to Provisional Ones”, History and Philosophy of Logic, 29: 361–76.
  • Eggleston, B., 2017, “Mill’s Moral Standard”, in Macleod and Miller 2017: 358–73.
  • Findlay, G., 2017, “Mill on Education”, in Macleod and Miller 2017: 504–17.
  • Fletcher, G., 2008, “The consistency of qualitative hedonism and the value of (at least some) malicious pleasures”, Utilitas, 20(4): 462–71.
  • Fumerton, R., 2009, “Mill’s Logic, Metaphysics, and Epistemology”, in Donner and Fumerton 2009:147–95.
  • –––, 2017, “Mill’s Epistemology”, in Macleod and Miller 2017: 192–206.
  • Godden, D., 2017, “Mill on Logic”, in Macleod and Miller 2017: 175–91.
  • Jacobs, S., 1991, “John Stuart Mill on Induction and Hypotheses”, Journal of the History of Philosophy, 29: 69–83.
  • Jacobson, D., 2008, “Utilitarianism without Consequentialism: The Case of John Stuart Mill”, The Philosophical Review, 117(2): 159–91.
  • Kinzer, B., 2007, J.S. Mill Revisited: Biographical and Political Explorations, Basingstoke: Palgrave Macmillan.
  • Kinzer, B., A.P. Robson, and J.M. Robson, 1992, A Moralist In and Out of Parliament: John Stuart Mill at Westminster, 1865–1868, Toronto: Toronto University Press.
  • Kitcher, P., 1998, “Mill, Mathematics, and the Naturalistic Tradition”, in J. Skorupski (ed.) The Cambridge Companion to Mill, Cambridge: Cambridge University Press, 57–111.
  • Kroon, F., 2017, “Mill’s Philosophy of Language”, in Macleod and Miller 2017: 207–21.
  • Kuhn, T., 1962, The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: Chicago University Press.
  • Levin, M., 2004, J.S. Mill on Civilization and Barbarism. London: Routledge.
  • Loizides, A., 2013, John Stuart Mill’s Platonic Heritage: Happiness Through Character. Plymouth: Lexington Books.
  • ––– (ed.), 2014, Mill’s System of Logic: Critical Appraisals, London: Routledge.
  • Losonsky, M., 2006, Linguistic Turns in Modern Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Magnus, P.D., 2015, “John Stuart Mill on Taxonomy and Natural Kinds”, HOPOS: The Journal of the International Society for the History of Philosophy of Science, 5: 269–280.
  • Macleod, C., 2013, “Was Mill a Non-Cognitivist?” The Southern Journal of Philosophy, 51: 206–23.
  • –––, 2014, “Mill on the Epistemology of Reasons: A Comparison with Kant”, in Loizides 2014: 151–69.
  • –––, 2016, “Mill’s Antirealism”, Philosophical Quarterly, 66(263): 261–279.
  • –––, 2017, “Mill on History”, in Macleod and Miller 2017: 266–78.
  • Macleod, C. and D. Miller (eds.), 2017, A Companion to John Stuart Mill, Oxford: Wiley-Blackwell.
  • Mandelbaum, M., 1971, History, Man and Reason, Baltimore, MD: Johns Hopkins Press.
  • Matz, L., 2017, “Mill on Religion”, in Macleod and Miller 2017: 279–93.
  • Miller, D.E., 2010, J.S. Mill, Cambridge: Polity Press.
  • –––, 2015, “The Place of Plural Voting in Mill’s Conception of Representative Government”, The Review of Politics, 77(3): 399–423.
  • –––, 2017, “Mill on the Family”, in Macleod and Miller 2017: 472–87.
  • Moore, G.E., 1993, Principia Ethica, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Mueller, I., 1956, John Stuart Mill and French Thought, Urbana, Il: University of Illinois Press.
  • Nussbaum, M.C., 2004, “Mill between Aristotle & Bentham”, Daedalus, 133(2): 60–8.
  • Reeves, R., 2007, John Stuart Mill: Victorian Firebrand, London: Atlantic Books.
  • Riley, J., 2002, “Interpreting Mill’s Qualitative Hedonism”, Philosophical Quarterly, 53(212): 410–8.
  • –––, 2015, The Routledge Philosophy Guidebook to Mill’s On Liberty, 2nd ed., New York, NY: Routledge.
  • Ryan, A., 1987, The Philosophy of John Stuart Mill, 2nd edition, New York: Humanity Books.
  • Saunders, B., 2011, “Reinterpreting the Qualitative Hedonism Advanced by J.S. Mill”, The Journal of Value Inquiry, 45(2): 187–201.
  • Scarre, G., 1989, Logic and Reality in the Philosophy of John Stuart Mill, London: Kluwer Academic Publishers.
  • –––, 2007, Mill’s On Liberty, London: Continuum.
  • Schwartz, S.P., 2014, “Mill on Names”, in Loizides 2014: 44–62.
  • Shapiro, S., 2000, Thinking About Mathematics, Oxford: Oxford University Press.
  • Skorupski, J., 1989, John Stuart Mill, London: Routledge.
  • –––, 2006, Why Read Mill Today?, London: Routledge.
  • –––, 2007, “The Philosophy of John Stuart Mill”, British Journal for the Philosophy of Philosophy, 15: 181–97.
  • Snyder, L., 2006, Reforming Philosophy: A Victorian Debate on Science and Society, Chicago: Chicago University Press.
  • Turner, P.N., 2013, “The Absolutism Problem in On Liberty”, Canadian Journal of Philosophy, 43(3): 322–40.
  • –––, 2015, “Rights and Rules in Mill”, Journal of the History of Philosophy, 53(4): 723–45.
  • Urbinati, N., 2002, Mill on Democracy: From the Athenian Polis to Representative Government, Chicago, IL: University of Chicago Press.
  • Varouxakis, G., 1999, “Guizot’s historical works and J.S. Mill’s reception of Tocqueville”, History of Political Thought, 20(2): 292–312.
  • –––, 2013, “‘Negrophilist’ Crusader: John Stuart Mill on the American Civil War and Reconstruction”, History of European Ideas, 39(5): 729–54.
  • Wilson, F., 1990, Psychological Analysis and the Philosophy of John Stuart Mill, Toronto: Toronto University Press.
  • Zastoupil, L., 1994, John Stuart Mill and India, Stanford, CA: Stanford University Press.

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.
Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up topics and thinkers related to this entry at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على إنترنت

مداخل ذات صلة

freedom: of speech | liberalism | Mill, Harriet Taylor | Mill, James | Mill, John Stuart: moral and political philosophy | naturalism | utilitarianism: history of

شكر

أدين لروفين براندت، آرون كوب، سام كلارك، فريد كرون، جون سكوروبسكي أونوين لقراءتهم المسودات، وتقديم التعليقات، وتصحيح الأخطاء. كما يتضح من الببليوغرافيا أعلاه، تعلمت الكثير عن ميل خلال عملية مشاركتي تحرير لكتاب “رفيق ميل“—لذا أدين للمساهمين في ذلك المجلد، وكذلك لمحرري المشارك، ديل ميلر.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك