الكاتبعبد الكريم الشريعة

يتناول هذا المقال دراسة تحليليّة للمناهج الفلسفية باعتبارها أدوات لإنتاج المعرفة، وتبليغها، الاستدلال عليها، وعلى ذلك تم تصنيف المناهج في الفلسفة إلى ثلاثة أصناف: مناهج الاكتشاف، ومناهج التبليغ، ومناج الاستدلال. كما يستعرض المقال تطبيق هذه المناهج في الفكر التقليدي، من خلال نموذج المنهج الجدلي عند أفلاطون، وفي الفلسفة الحديثة من خلال نموذج المنهج التأملي عند رونيه ديكارت، وصولًا إلى الفلسفة المعاصرة من خلال نموذج المنهج الظاهراتي عند إدموند هوسرل وموريس مرلوبونتي، ليخلص المقال إلى أن الفلسفة عبر هذه المناهج المتكاملة؛ تمثل ممارسة معرفية غنية، للنفاذ إلى معرفة هذا الكون، وسبر أغواره.

1-  توطئة

تعرف الفلسفة في جوهرها بأنهاتفكير إنساني منهجي في قضايا الإنسان والطبيعة على حد سواء، ومن هذا المنطلق تميزت منذ نشأتها عن باقي أنماط التفكير الأخرى بقدرتها على الكشف عن المعرفة، وتبليغها، والاستدلال عليها ضمن إطار منهجي محكم يوجه تفكير الفيلسوف نحو دراسة المفاهيم والبحث في الظواهر ومحاولة الإجابة عن الأسئلة الكبرى. غير أن الفلاسفة لم يلتزموا بمنهج واحد وأوحد للتفلسف، بل تبنوا طرقًا متعددة تعكس مقاربة كل فيلسوف للموضوع الذي يناقشه. ومن هذا المنظور، يصبح الحديث عن الفلسفة حديثًا عن طرق التفكير بصيغة الجمع وليس بصيغة المفرد، نظرًا لثراء الأساليب والمناهج التي استعملها الفلاسفة منذ الفلسفة اليونانية القديمة مرورًا بالفلسفة الحديثة والمعاصرة، مما يعكس التنوع والغنى المعرفي للفكر الفلسفي، في هذا السياق يمكن تعريف المناهج في الفلسفة على أنها أساليب منظّمة للتفكير والتحليل والبحث عن الحقيقة، تمكّن الفيلسوف من دراسة القضايا والظواهر والمفاهيم بطريقة دقيقة ومنهجية، وتمثل هذه المناهج أدوات ضرورية لفهم الواقع والتأمل في القضايا الوجودية والمعرفية والأخلاقية.

2- تعدد المناهج وأصنافها

يُعدّ المنهج أحد المقومات الأساسية في الممارسة الفلسفية، إذ “لم يفتأ الفلاسفة يتبعون منهجا أو طرائق في النظر والبحث”[1] فالفلسفة لا تنفصل عن الطريقة التي تُنتج بها مفاهيمها، وتُبنى بها إشكالاتها، وتُبلّغ بها نتائجها، وتدافع عن تصوراتها حول للإنسان والعالم، غير أن تاريخ الفلسفة يبيّن أن المنهج لم يكن واحدًا ولا ثابتًا، بل تعدّد بتعدد الرهانات المعرفية والسياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية، ذلك أن الفلسفة ليست فقط بحثًا غايته الكشف عن الحقيقة، بل هي أيضًا خطاب يُنقل، ومعرفة تُدرَّس، وممارسة عقلية قد تنفتح على النقد أو تنغلق في التلقين.
وانطلاقًا من هذا المعطى، يمكن التمييز بين ثلاثة أصناف كبرى من المناهج الفلسفية: مناهج الاكتشاف التي تهدف إلى إنتاج المعرفة، ومناهج التبليغ والتلقين التي تسعى إلى نقلها وتوضيحها للمتلقي، ومناهج الاستدلال التي تعمل على البرهنة والمحاجة على المعرفة بغاية إقناع المتلقي.

إن تعدد المناهج في الفلسفة وتنوعها لا يُمكن اعتباره مجرد تباين في طرائق التفكير، بل يمثل عصارة التجربة الإنسانية في سعيها الدائم إلى صياغة المعرفة وبناء الحقيقة، فهذه المناهج لا تقوم في الواقع الفلسفي متجاورة أو متنافرة، بل تلتحم فيما بينها وتتمازج داخل الممارسة الفعلية للفيلسوف؛ في: “النظر والتحليل وسعيه إلى التبليغ وحرصه على الإقناع”[2] ذلك أن الفيلسوف، وهو ينتج مفاهيمه ويصوغ إشكالاته ويقدم أطروحاته ونظرياته، لا ينفصل عن كونه مخاطِبًا للغير، حريصًا على تبليغ أفكاره وتبريرها بالحجج والبرهنة، مما يجعل المنهج الفلسفي أفقًا مركبًا تتقاطع فيه مناهج الاكتشاف والتبليغ والاستدلال.

2-1 مناهج الاكتشاف: الفلسفة بوصفها بحثاً عن الحقيقة

تتحدد الفلسفة بكونها بحثاً عن الحقيقة وكشفاً لها، فماهية الفلسفة حسب كارل ياسبرز؛ هي:”البحث عن الحقيقة، لا امتلاكها”[3]، في هذا السياق فإن مناهج الاكتشاف تُحيل إلى تلك الطرائق الفلسفية التي تجعل من التفلسف نشاطًا معرفيًا إنتاجيًا، يقوم على السؤال والمساءلة والنقد، بدل الاكتفاء بتلقي الأجوبة الجاهزة أو إعادة إنتاج المعارف السائدة. “أن تتفلسف يعني أن تكون في الطريق. إن الأسئلة في الفلسفة أكثر أهمية من الأجوبة، وكل جواب يغدو سؤالاُ جديداً”[4]. فالحقيقة ضمن هذا الأفق المنهجي، لا تُفهم باعتبارها معطًى نهائيًا مكتملًا، بل بوصفها أفقًا مفتوحًا يُبنى تدريجيًا عبر سيرورة عقلية مركبة، تتوسل بالجدل، وبالتساؤل المستمر، والتحليل المفهومي، ووصف التجربة، أو نقد البنى الفكرية والاجتماعية التي تؤطر الوعي الإنساني.

تتسم مناهج الاكتشاف بطابعها الإشكالي، إذ تنطلق من الشك المنهجي والسؤال الفلسفي بوصفهما مدخلين أساسيين للمعرفة، لا من اليقين المسبق أو المسلمات غير المفحوصة. كما تتميز ببعدها النقدي الذي يسعى إلى تقويض البداهات والكشف عن الأسس الخفية للأفكار والمعتقدات، وبنزعتها التركيبية التي لا تكتفي بتسجيل التناقضات، بل تعمل على تجاوزها وإعادة بناء المعرفة في أفق أكثر شمولًا واتساقًا.

وتفترض مناهج الاكتشاف فاعلية الذات العارفة، باعتبارها ذاتاً مشاركة في بناء المعرفة، لا مجرد متلقٍ سلبي لها. فالمعرفة الفلسفية، في هذا السياق، تُبنى من داخل تجربة التفكير ذاتها، وتظل مشروطة بالحوار، والمراجعة، والانفتاح على إمكان الخطأ والتصحيح، فتعريف الفلسفة بوصفها بحثاً مستمرا عن الحقيقة، يقتضي الإقرار بأن الحقيقة ليست معطى واحداً – ناجزا – ونهائيا، بل  إن طبيعة الفلسفة الخاصة تجعلها منفتحة على ممكنات مختلفة من الأجوبة، بالنظر أيضا إلى طبيعة الأسئلة التي تطرحها الفلسفة، والتي تقبل مقاربات متعددة تبعاً لاختلاف زوايا النظر والمناهج المعتمدة. ومن ثمّ، فإن تعدد الأجوبة يعكس غنى السؤال الفلسفي بالأساس، فالاعتماد على سبيل المثال لا الحصر، على  المنهج العقلي، أو المنهج التجريبي، أو الجدلي، أو التأويلي، يؤدي إلى اختلاف في النتائج والتصورات، بحيث يصبح إنتاج الحقيقة مرتبطاً بالمعيار المعتمد في البحث عنها، وتعدد هذه المعايير يمنح الفكر الإنساني ثراءه لأنه يسلط الضوء على تعدد زوايا نظر الفلاسفة تجاه ما يشغل بالهم، حيث تضحى الحقيقة الفلسفية من هذا المنظور أفقًا مركبًا لا يُدرك من منظور واحد.

إن القيمة الفلسفية لمناهج الاكتشاف تكمن في حفاظها على جوهر التفلسف بوصفه بحثًا دائمًا عن الحقيقة، لا يرضى بالإجابات النهائية ولا باليقين المغلق. كما تكتسي هذه المناهج أهمية بالغة في منحاها التربوي أيضا، لكونها تُسهم في تنمية الاستقلال العقلي، وترسيخ ملكة التفكير النقدي، وتكوين ذات قادرة على الفهم والحكم والمساءلة، بما يجعل من الفلسفة ممارسة تحررية بامتياز، تسهم في بناء إنسان واعٍ بذاته وبالعالم من حوله.

2-2 مناهج التبليغ: الفلسفة بوصفها خطابًا تبليغيا

إذا كانت مناهج الاكتشاف تُنتج المعرفة الفلسفية، فإن مناهج التبليغ تهتم أساسًا بنقل هذه المعرفة وتنظيمها وتوضيحها، فهي لا تنطلق من السؤال بقدر ما تنطلق من الجواب، ولا تهدف إلى الابتكار بقدر ما تسعى إلى الفهم والتفسير.
وتقوم مناهج التبليغ على مبدأ التواصل، أي جعل الفكرة الفلسفية قابلة للفهم من طرف الغير، عبر الشرح، والتحليل المفهومي، والعرض النسقي للمذاهب، أو التأريخ للأفكار. وهي مناهج ضرورية، لأن الفلسفة لا يمكن أن تستمر دون نقل تراثها، ولا أن تؤدي دورها التربوي دون تبسيط نسبي لمفاهيمها.
غير أن الإشكال الذي يواجه مناهج التبليغ يتمثل في خطر تحوّلها إلى غاية في ذاتها، بحيث تُختزل الفلسفة في عرض المذاهب وتكرار التصورات، دون إعادة مساءلتها أو ربطها بإشكالات الحاضر. وعندئذ، يفقد التبليغ بعده التمهيدي للاكتشاف، ويتحوّل إلى نقل جامد للمعرفة.

يمثل التلقين أقصى أشكال الانغلاق المنهجي في الفلسفة، إذ تُختزل المعرفة فيه إلى معطيات جاهزة تُحفظ وتُستعاد، دون مشاركة فعلية للعقل في إنتاجها أو نقدها. ويقوم هذا الصنف من المناهج على تقديس النص أو المذهب، وهيمنة الجواب الواحد، وإقصاء السؤال والاختلاف، وقد حدد طه عبد الرحمن موانع عدة تحول دون قيام إبداع فلسفي يتسم بالاختراع والابتكار والإنشاء؛ موانع تصب كله في مانع القدسية التي اكتسبها القول الفلسفي الأصلي، شكلا ومضمونا عند المتفلسف العربي، ولتجاوز هذه القدسية التي سقط في المتفلسف العربي، ينبغي أن يتحقق هذا الأخير “بأن القول الفلسفي ليس مجرد قول، وإنما هو  ((خطاب))، والخطاب عبارة عن توجه القائل بالقول إلى المتلقي بغرض إفهامه مقصودا معينا؛ ويستفاد من هذا أن مراعاة وضع المتلقي شرط في حصول الخطابية؛ وعليه لا خطابية في القول الفلسفي ما لم يعتبر فيه قدر المتلقي من الفهم الفلسفي”[5] ؛ ومعنى هذا أن ناقل الخطاب ينبغي أن يراعى وضعية المتلقي نظرا لاختلاف الوضعين؛ أي وضع الخطاب ووضع المتلقي، بما يضمن للمتفلسف العربي إمكانية توليد  قول فلسفي متميز عن القول الفسلفي الأصلي، فينأى بنفسه عن النقل الحرفي والحفظ الكلي للفظ والمضمون، أوليس “مدلول الابتكار الفلسفي إلا هذه القدرة على تصرف المتفلسف في ما بين يديه من الأقوال الفلسفية الأصلية، بحيث ينتج منها أقوالاً أخرى تنتفي فيها أسباب الأسطورة، لفظية كانت أو مضمونية”[6]، بحيث يمكن إنتاج أقوال فلسفية متعددة ومتنوعة، بتعدد وتنوع الأفهام والسياقات التلقي.

إن الفيلسوف المبدع هو الذي يحسن التصرّف في الموروث الفلسفي عبر إعادة تنظيم مفاهيمه، وتنقيتها من بقايا التفكير الأسطوري، سواء على المستوى اللفظي الذي قد يحتفظ بالغموض على مستوى التعبير، أو على مستوى المضمون الذي قد ينطوي على افتراضات غير مبرهنة عقلانيًا، وبهذا المعنى، يغدو الابتكار فعلًا عقلانيًا تفكيكيًا- تركيبيًا في آن واحد: تفكيكًا للأسطورة حيثما تسللت إلى القول الفلسفي، وتركيبًا لأقوال جديدة أكثر انسجامًا مع مقتضيات العقل والبرهنة، مما يجعل الفلسفة وفية لروحها وأصالتها؛ من حيث كونها حركة متواصلة من التجاوز الخلاّق والمبدع داخل تاريخها الخاص، لا قفزًا خارجه.

يهدف الفيلسوف عبر توظيفه لتقنيات التفلسف المختلفة إلى إدراك الحقيقة، وحين يدركها؛ يمكنه أن “يستخدم التقنية الخطابية من أجل تبليغها وجعلها مسلماً بها لدى مستمعيه”[7]. فمهمة الفيلسوف لا تقتصر على جمع المعارف، بل هناك دور آخر يتجلى في تحويل المعرفة إلى خطاب قابل للتواصل، لأن الخطاب الفلسفي لا يهدف فقط إلى التعبير عن الأفكار، بل يسعى إلى تبليغ هذه الأفكار، مع الحرص على أن تكون هذه الأفكار واضحة في وعي المستمعين، من هنا يظهر الدور التواصلي للفيلسوف: فهو بمثابة وسيط بين المعرفة اليقينية المحصلة وفهم المتلقي المتبصر، هذه العملية تبرز الطبيعة التفاعلية للفلسفة: فهي ليست نشاطًا انعزاليًا، بل حركة فكرية تتجاوز الفرد إلى المجتمع، حيث تتحقق الفائدة من خلال التبليغ والنقد والتفاعل مع الآخرين.

تأسيسا على ما سبق فإن الفلسفة في أصلها نشأت بوصفها خروجًا من الدوغمائية، وفي المعنى العام “تعتبر الدوغمائية مرادفة للتشدد والتصلب والتسلط والتعنت. ويحيل الموقف الدوغمائي إلى تصرف الشخص الذي يحاول فرض أفكاره كما لو كانت هي الوحيدة صائبة وصحيحة”[8] ومنه فإن الفلسفة تهدف من بين ما تهدف إليه: تحرير العقل من سلطة الرأي السائد والتفكير الجاهز، كما أن التلقين يُنتج عقلًا تابعًا، عاجزًا عن النقد، وغير قادر على الربط بين المعرفة والواقع، لكن لا يعني هذا الاستغناء التام عن بعض أشكال النقل أو الحفظ، شريطة أن تظل خاضعة للتمحيص، ومندمجة في أفق نقدي يجعل من المعرفة وسيلة للتفكير لا غاية في ذاتها.

2- 3 مناهج الاستدلال: الفلسفة بوصفها خطابا حجاجيا وبرهانياً

تعد الفلسفة تفكيراً حجاجياً وبرهانياً بالدرجة الأولى، بل إن الفلسفة منذ بدايتها تحددت كتفكير استدلالي ينقل الإنسان من المعرفة الأسطورية إل المعرفة القائمة على البرهان والمنطق والحجة، فلو شئنا القول أن ما يميز الفلسفة عن باقي أنماط التفكير الأخرى؛ لقنا أن ما يميزها: قدرتها على الإقناع والتأثير في المتلقي عن طريق استدلالات عقلية منهجية، حيث تتجلى طبيعة الفلسفة الحجاجية في اعتماد الفيلسوف على الاستدلال كأداة أساسية للبرهنة على صحة أطروحاته ومواقفه من مختلف الإشكالات والقضايا التي يعمل على معالجتها،

إن مناهج الاستدلال تتيح للفيلسوف القدرة على مواجهة الأطروحات المختلفة والاعتراضات الفكرية التي يمكن أن يواجهها، فالخطاب الحجاجي لا يكتفي بعرض الأفكار، بل يتضمن دائمًا معالجة النقد المحتمل، والرد على الاعتراضات، وتوضيح نقاط الضعف وتثمين جوانب القوة في كل تصور فلسفي،بهذه الطريقة، تتحول الفلسفة من مجرد سرد للأفكار إلى نشاط حيوي حجاجي وبرهاني، يربط بين المعرفة والوعي في بعده النقدي، كما يعزز من قدرة المتلقي على المشاركة الفكرية والتفاعل مع النصوص والأفكار.

إذا كانت الفلسفة؛ هي خطاب حجاجي برهاني، فهي في نهاية المطاف تسعى إلى إقناع المخاطب الذي هو المتلقي أو القارئ، فالهدف هو: “إقناعه. هنا نجد خطاب واحد، وحقل معجمي واحد؛ أما إذا كانت الوظيفة الحجاجية وظيفة سجالية؛ أي أن المخاطب هو الخصم، فالهدف هو دحض موقفه..”[9]. يفترض هذا القول أن طبيعة المخاطَب هي التي تحدد بنية الخطاب الحجاجي ووظيفته، فعندما يكون الهدف هو الإقناع، فإن الخطاب يتجه نحو بناء معنى مشترك مع المخاطَب، لذلك يميل إلى توحيد الحقل المعجمي وتنسيق المفاهيم، وكأن المتكلم يسعى إلى إدخال الآخر داخل أفقه الدلالي، لا إلى مواجهته. هنا يصبح الحجاج أداة تواصُل وبناء توافق. أما حين تتحول الوظيفة الحجاجية إلى وظيفة سجالية، فإن العلاقة بين المتكلم والمخاطَب تقوم على التقابل، لأن المخاطَب يُنظر إليه بوصفه خصمًا. ونتيجة لذلك، لا يعود الخطاب معنيًا بتوحيد الحقول المعجمية، بل بتفكيك خطاب الآخر، وكشف تناقضاته، وإبطال أسسه، في هذا السياق، يغدو الحجاج ممارسة نقدية- تفكيكية هدفها الدحض بالأساس. وسواء تعلق الأمر بالإقناع بطرح ما أو دحضه، فإن ذلك يحتاج إلى التسلح بأدوات حجاجية وبرهانية نأخذ بعين الاعتبار أفق الخطاب وأفق المتلقي.

إن البناء الحجاجي في بعده الفلسفي يخضع لسيرورة منهجية متدرجة تقوم على ثلاث لحظات أساسية هي: الإخبار والتفسير، والإقناع. فالإخبار يشكل نقطة الانطلاق في كل خطاب حجاجي، إذ يتم فيه عرض خبر أو قضية قابلة للحكم بالصدق أو الكذب أو الاحتمال، ويكون هذا الخبر معبرًا عن رأي صاحبه وموقفه من قضية معينة، وهو ما يحدد موضوع النقاش ويضع الإطار العام للحجاج، غير أن عرض الرأي وحده لا يكفي، لذلك تبرز الحاجة إلى التفسير، الذي يهدف إلى توضيح الرأي المطروح وكشف أبعاده ودلالاته المختلفة، حتى يصبح مفهومًا وقابلًا للنقاش، ويعتمد التفسير على جملة من الأساليب مثل التعريف والوصف والسرد والمقارنة والتصنيف، مما يسمح بتقريب المعنى وبناء أرضية مشتركة تمهّد لعملية الإقناع.

أما الإقناع فيمثل الغاية النهائية للبناء الحجاجي، حيث يسعى المتكلم إلى الدفاع عن صحة رأيه وحمل المخاطَب على التسليم به، وذلك من خلال تقديم حجج وأدلة تستند إما إلى الواقع والمعطيات المحسوسة، أو إلى مبادئ عقلية ومنطقية ذات طابع دلالي. ويتحقق الإقناع بواسطة وسائل متعددة، من بينها الوسائل المنطقية التي يحتل فيها القياس المنطقي مكانة أساسية بوصفه آلية انتقال من مقدمات مسلَّم بها إلى نتائج محل إشكال، إضافة إلى الوسائل الدلالية مثل الاستشهاد بالأقوال الفلسفية أو العلمية والحجج الواقعية، فضلًا عن الوسائل اللغوية التي تشمل التوكيد والنفي والشرط والتكرار والسجع والتوازي الصوري والطباق. ويكشف هذا كله أن الحجاج ليس مجرد عرض للأفكار، بل هو بناء خطابي متكامل تتداخل فيه العقلانية واللغة والبلاغة، مما يجعل الخطاب الفلسفي خطابًا إقناعيًا بامتياز.

يعتبر حمو النقاري في كتابه روح التفلسف أن الصورة المنطقية للقول الفلسفي تتمثل في طابعه الاستدلالي، ويتحدد الاستدلال عنده في معنيان: “أحدهما المعنى ((التبيني)) وهو المعنى الحاضر في ((القراءة التفلسفية)) وذلك أن فهم نص ما راجع إلى القدرة على ((تبيُّن)) البنية الاستدلالية التي بني بها، والآخر المعنى ((البياني)) أو ((التبييني)) وهو المعنى الحاضر في ((الكتابة التفلسفية)) وذلك أن إنتاج نص تفلسفي أو إنشاءه أو تأليفه أو تحريره لا يكون إلا دعوة للغير لجعله يسلّم ويقبل الدعاوى التي يدعيها المتفلسف في نصه”[10]، وهي دعاوى لا يمكن قبولها أو التسليم بها إلا إذا توفرت أدلة وحجج متناسقة ومتسلسلة على نحو منطقي، مما يجعل من الاستدلال الفلسفي الوسيلة الناجعة والفعالة في الإقناع. ويعني هذا أيضا أن الفعل الفلسفي ليس مجرد عرض للآراء، بل هو عملية تفاعلية بين المخاطب والمتلقي، بحيث يكون هذا الأخير مدعواً أيضا من جهته إلى تقييم الأدلة والحجج، بهدف التيقن من الدعاوى قبل قبولها والأخذ بها. كما تجدر في هذا المقام الإشارة إلى أهمية تحرير القول الفلسفي، من حيث كونه تعبيرا عن الآراء والأفكار، ولكن أيضا من حيث كونه يتيح للمتلقي قبول الدعوة والتسليم بها أو رفضها، لهذا وجب على القول الفلسفي في شموليته؛ أن تكون معانيه مقروءة ومفهومة وبيّنة.

3- نماذج من المناهج في الفلسفة

تُعدّ المناهج التقليدية في الفلسفة الأساس الذي تَشكّل عليه التفكير الفلسفي منذ نشأته، إذ سعى الفلاسفة منذ بداية فجر الفلسفة، إلى وضع طرق منظمة تمكّن العقل من فهم العالم وتحليل القضايا الكبرى المتعلقة بالوجود والمعرفة والقيم. ولم تكن هذه المناهج مجرد أساليب تقنية، بل كانت تعبيرًا عن تصورات شاملة لطبيعة الحقيقة وسبل بلوغها؛ فمنهم من اعتمد الحوار والجدل لتحرير الفكر من الوهم، ومنهم من ارتكز على البرهان المنطقي لضبط الاستدلال، بينما اتجه آخرون بعد ذلك، نحو اعتماد التأمل الداخلي كطريق لإزالة الشك وبلوغ اليقين، في حين اعتمد آخرون المنهج الفينومينولوجي لإدموند هوسرل، والذي يدرس تجربة الوعي كما هي مع تعليق الأحكام المسبقة، ليضيف مرلوبونتي بعدًا جسديًا، مؤكدًا أن الإدراك هو تعايش حيّ للجسد مع العالم المعيش، وليس مجرد تمثيل ذهني.

3- 1 المنهج الجدلي: أفلاطون

تمثل الحقيقة محور التفكير الفلسفي، ومطلب الفلاسفة وغاياتهم، إذ لم تُفهم الفلسفة منذ نشأتها؛ إلا على أنها محبة الحكمة، والحكمة هنا؛ لا تعني شيئًا، سوى السعي إلى الحقيقة. في هذا السياق نسج الفلاسفة أدوات منهجية ومعرفية بغرض بلوغ حقائق الأشياء، ومن بين هذه الأدوات والمناهج، يبرز المنهج الجدليّ كسبيل للمعرفة، لا سيما في فلسفة أفلاطون، حيث يصبح الحوار  والنقاش والتحليل العقلي، وسائل أساسية للوصول إلى الفهم الجيد بالمفاهيم والقضايا التي تهم المواطن اليوناني وتشغل باله.

إن الناظر في مؤلفات أفلاطون، يلحظ أن نصوصه برمتها تنطوي على الجدل من حيث كونه حوارٌ ونقاشٌ يهدف إلى تحليل الموضوعات بغرض الوصول إلى حقيقتها، إذ يجمع في قيامه بين الأجوبة المنهجية الموجهة بأسئلة نقدية دقيقة فاحصة ومشخصة للمعرفة، ترمي إلى الكشف عن التناقضات الكامنة في أجوبة المخاطب، ومنه تصحيح للمفاهيم والأفكار المغلوطة، حيث يسلم دارسي أفلاطون بوجود “علاقة وثيقة بين طريقة الحوار، من حيث هي أسلوب لعرض الأفكار الفلسفية، وبين المنهج الديالكتيكي، الذي كان هو المنهج المفضل لديه”[11]. يتضح ذلك بشكل جلي في حواراته الشهيرة مثل: “الجمهورية” و”مينون” و”فيدون”، حيث يُوظف الحوار النقدي للكشف عن التناقضات وفهم طبيعة الفضيلة والمعرفة والعدالة.

يشير الباحث الأفلاطوني (نتلشب nettleship) إلى أن كلمة ديالكتيك تعني حسب الفيلسوف اليوناني (زينوفان Xénophane): “تقابل الناس سوياً من أجل المناقشة، بحيث يفصلون الأشياء ويناقشونها تبعاً لنوعها”[12]. وهذا هو أصل الفلسفة اليونانية التي كانت تقوم في أصلها على المناقشة الشفوية، حتى إننا نجد أن الأمة اليونانية تُصف بأنها أمة متكلمة لما اشتهرت به من فنون الكلمة: بلاغة، خطابة، شعر، منطق، مجادلة…وقد جسد ذلك سقراط في حياته، باعتباره المتكلم الأول؛ المتقن لفنون الكلمة، التي ليست مجرد حديث، بقدر ما هي منهج في البحث عن الحقيقة، يتم عبر حوار بين شخصين أو أكثر، أو بين الشخص وذاته؛ حوار في جوهره: تبادل للأسئلة والأجوبة بشكل متناسق ومتسلسل.

أ- محاورة الجمهورية

تعدُّ محاورة الجمهوريةلأفلاطون واحدة من أبرز المحاورات الفلسفية التي تناولت طبيعة العدالة، وطريقة تحقّقها في الفرد والدولة، إلى جانب دراسة الفضائل الأساسية كالخير والحكمة والشجاعة والاعتدال.  من هنا تأتي أهمية هذه المحاورة في سياقها التاريخي، إذ عاش أفلاطون في عصر شهد تدهور المدينة بعد أن بلغت اليونان أوج مجدها بانتصارها على الفرس، إلا أن ذلك المجد سرعان ما خبا، وبدأت الأزمة تتعمق في الروح اليونانية، خاصة بعد الحرب الكبرى بين أثينا وإسبرطة. في هذا الظرف المتأزم، سعى أفلاطون إلى تقديم تصور قد يبدو اليوم مثالياً، لكنه كان مبرراً وذا قيمة في سياقه التاريخي، فهو الحالم ببناء يونان قوية وعادلة ومزدهرة، مستنداً في رؤيته إلى قيم العدالة والفضيلة.

لقد كان أفلاطون محاضرا ومعلما وكاتبا، لهذا أراد أن يقدم لنا فكره وفق طريقته في تعليم تلامذته، “لقد أراد ككل معلم أصيل، أن يجعل الناس يفكرون بفضل تعليمه، ورأى بوصفه كاتبا، أن أفضل طريقة لإيقاظ الفكر في أذهان قرائه هي أن يجعلهم يتابعون سير ذهن المؤلف”[13]، بحيث يمكن القول بأن ما كتبه أفلاطون في محاوراته يعكس، بطريقة أو بأخرى، أسلوبه الأكاديمي التعليمي المتطور، سواء في منهجه أو في تقنيات تدريسه، فهو يعرض أفكاره في حلقة فكرية منظمة، تُطرح الآراء وتُناقش بناءً على براهين وحجج، ما يكسبها مصداقيتها؛ اتساقها المنطقي وخلوها من التناقض، وقوتها الإقناعية، فالمحاورة بهذا الشكل؛ هي: “هذه العملية التي تدور في الذهن الفردي وقد اكتسبت صورة عينية. وهي تعبر عن مراحل هذه العملية في صورة أشخاص”[14].

يمثل الحوار عند أفلاطون تقنية أساسية في توليد المعرفة، لكنه؛ ومن دون شك، فإن الحوار الحي له ما يميزه عن الحوار المكتوب أو المؤلف، ففي الأول يكون الذهن مشاركا فيه ومتفاعل معه. أما في الثاني فإنه يكتفي بمشاهدته وقراءته، إذ تكون الحقيقة قد تجسدت بالفعل في نص المحاورة؛ بمعنى آخر، يكون الجدل في الحوار الحي واقعًا ملموسًا ومساهمًا في بناء الحقيقة، أما في الحوار المكتوب، فتظهر الحقيقة مكتملة أمام القارئ الذي يتتبع مسار الحوار حتى نهايته. ورغم هذا الاختلاف، فإن كلا النوعين يسهمان في تنشيط الذهن، ودفعه نحو التساؤل والبحث عن حقائق الأشياء وطبائعها.

يمنح الحوار للمحاور إمكانية الاعتراض والنقد وعرض وجهة نظره، والتوسل بحجج وبراهين يراها مناسبة لتدعيمها، كما يمكّنه من إبراز قدرته في كشف المتناقضات من الأفكار وتحقيق الاتساق الفكري في الحديث، وقد اعتبر أفلاطون منهج سقراط في الحوار بأنه منهج توليدي أو تهكمي، والمقصود بالتوليد: “استخلاص الحقيقة الكامنة في داخل الخصم ذاته، والتي ينطوي عليها عقله وإن كان يغشاها نوع من الضباب الذي يمكن تبديده بالتوجيه السليم”[15] .

يُعد كتاب الجمهورية من أهم مؤلفات الفيلسوف اليوناني أفلاطون، وقد صاغه في شكل حوار فلسفي يتصدره سقراط باحثًا مع محاوريه في سؤال العدالة بوصفه مدخلًا لفهم الإنسان والدولة معًا؛ إذ ينطلق النقاش في بدايته من بيت سيفالس حين يتحول الحديث من الشيخوخة إلى تعريف العدالة، فتُعرض آراء متعددة مثل القول بأنها إعطاء كل ذي حق حقه أو نفع الأصدقاء وإضرار الأعداء، غير أن سقراط يفند هذه التصورات مبيّنًا أن الخطأ في الحكم على الناس قد يجعل العدالة ظلمًا، وأن “الإضرار بالإنسان يجعله أكثر شرًّا وأقلّ عدالة”[16] فلا يمكن أن يكون فعلًا عادلًا. ثم يتدخل ثراسيماخس ليقرر أن العدالة ليست إلا مصلحة الأقوى لأن الحكومات تشرّع بما يخدمها، لكن سقراط يبرهن أن الحاكم قد يخطئ وأن فن الحكم – كسائر الفنون – يهدف إلى مصلحة من يُحكمون لا مصلحة الحاكم نفسه، وأن الظلم يولد الانقسام بينما العدالة تحقق الانسجام والقوة. ومن هذا المسار الجدلي يتبلور التصور الأفلاطوني بأن العدالة ليست قانونًا خارجيًا بل انسجام داخلي يتحقق حين يؤدي كل عنصر وظيفته الطبيعية، سواء في النفس التي تتألف من العقل والغضب والشهوة، أو في الدولة المثالية التي تتوزع إلى حكام فلاسفة وجنود ومنتجين، بحيث تكون الفضيلة ثمرة التوازن بين هذه القوى. ويؤكد أفلاطون أن الحكم الحق ينبغي أن يكون بيد الفيلسوف العارف بالخير في ذاته، أي من ارتقى من عالم الحس المتغير إلى عالم المثل الثابتة، وهو ما يجسده مثال الكهف الذي يصور البشر أسرى الظلال حتى يتحرر أحدهم إلى نور الحقيقة ثم يعود لهداية غيره، وتصبح التربية أداة رئيسية لتحقيق هذا الانسجام.

من أبرز عناصر المنهج الحواري في محاورة الجمهورية: استخدام الحوار المباشر بين الشخصيات، الجدلية الاستقصائية التي تعتمد على كشف الافتراضات الخاطئة، التجريد والتحليل النظري، واستعمال الاستدلال بالمثال والتشبيه لتسهيل فهم المفاهيم المعقدة، وهو ما جعل الجمهورية نصًا مؤثرًا وأساسيًا في الفلسفة السياسية والأخلاقية الغربية، وما زالت مادة رئيسية لدراسة الفكر الفلسفي الكلاسيكي حتى اليوم.

ب-  محاورة مينون

وفي محاورة مينون، يُبرز أفلاطون بوضوح دور الحوار الجدليّ كأداة مركزية في الوصول إلى المعرفة، خاصة وأن موضوع المحاورة متعلق بدراسة طبيعة الفضيلة، حيث يبدأ الحوار بسؤال مباشر لمينون موجه إلى  سقراط: “هل تستطيع أن تقول لي يا سقراط ما إذا كانت الفضيلة تعلم، وإذا لم يكن ممكنا تعلمها، فهل هي شيء يأتي بالمران، أم أنها، إذا لم تكن تأتي لا بالمران ولا بالتعلم، تظهر عند البشر هبة طبيعية، أو بطريقة أخرى؟”[17] ومع ذلك، لا يقدم سقراط إجابة جاهزة كما يفعل جورجياس، الذي كان يميل إلى الإجابة عن كل سؤال يُطرح عليه، ليس لأنه يمتلك جميع المعارف، بل بفضل مهارته في فنون البلاغة والإقناع. فقد كان جورجياس رمزًا للخطابة، وقد مكّنته هذه المهارة من توصيل آرائه وإقناع الشباب اليوناني بها، حتى وإن لم تكن حقيقة، ما يبرز التباين بين الجدل الفلسفي لسقراط القائم على البحث عن الحقيقة، والخطابة السفسطائية لجورجياس المبنية على الإقناع والكلمة المؤثرة.

يعتمد سقراط أسلوب السؤال النقدي المتسلسللكشف التناقضات في أفكار المخاطب،  لهذا سعى في رده على سؤال منيون من دعوته إلى ضرورة بيان أولا طبيعة الفضيلة قبل معرفة خصائصها، حيث يقول؛ موجها كلامه لمينون: “تَعتبر أنني أعرف ما إذا كانت الفضيلة تُعلم أو ما إذا كانت تأتي بأية طريقة أخرى، فما أَبْعَدني عن معرفة إن كانت تُعلم، بل إنني لا أعلم على الإطلاق حتى طبيعة الفضيلة ما هي…فإذا كنت لا أدري طبيعة الشيء، فكيف لي أن أعرف خصائصه؟ أم أنك تعتقد أنت أنه يمكن، حينما لا يعلم المرء على الإطلاق، من يكون مينون، أن يعرف أنه جميل أو غني أو عريق الأصل، أو أنه غير ذلك؟ هل تعتقد أن هذا ممكن؟”[18] وهكذا، تتوالى إجابات مينون الموجهة بأسئلة سقراط، التي تتضمن تشخيصًا دقيقًا وفحصًا نقديًا لمعرفة المخاطب. من خلال هذا الأسلوب، يدفع سقراط محاوره إلى الشك في معارفهم السابقةوتحفيزهم علىإعادة النظر فيها ومراجعتها بعناية، مستعينًا بأسئلته المنهجية التي تكشف التناقضات وتفتح المجال للفهم الجيد للموضوع المطروح للحوار والنقاش.  ويمكن تشبيه ذلك بأن كل حوار يشغل حيزًا من الصفحات، وإذا افترضنا أن مساحة كل حوار محددة بمئة صفحة أو يزيد، فإن الإجابة النهائية لسقراط لا تظهر إلا في الصفحة الأخيرة من هذه الصفحات،مما يعكس أن المعرفة الحقيقية تتحققتدريجيًا وبتأني من خلال التسلسل المنهجي للأسئلة المبنية والمفكرة فيها.

من خلال محاورة مينون، يتضح جليا أن المنهج الجدلي عند أفلاطون لا يهدف فقط للوصول إلى تعريف محدد للفضيلة، بل إلى تنمية الفهم الذاتي للموضوعات، وتعزيز القدرة على التفكير المنظم والمنهجي، وهو ما يعكس جوهر فلسفته في تعليم الإنسان كيف يبحث عن الحقيقة ويكتشفها بنفسه، معتبرا هذا البحث غاية في ذاته، وليس مجرد ممارسة سفسطائية ترمي التأثير في المتلقي لا بيان الحقيقة.

ج- محاورة فيدون

تُعَدّ محاورة فيدون من أبرز المحاورات الأفلاطونية وأكثرها مكانةً، إذ ظلت حاضرةً بقوة في مختلف مراحل تاريخ الفلسفة، لما أثارته من اهتمام واسع لدى القرّاء والشارحين لأسباب متعددة. فالقارئ “يرى فيها تخليداً لاسم سقراط ووصفاً مؤثراً لموت الفيلسوف وعرضاً لمشكلة شغلت الإنسانية، مشكلة النفس وخلودها، ويجذبها إليها سهولتها في كثير من مواضعها…أما المتخصص فإنه يرى فيها لا شك هذا كله، ولكنه يرى فيها كذلك إحدى قمم التفلسف الأفلاطوني”[19] وهذه خاصية أساسية في النصوص الفلسفية الكبرى، التي تتجلى في قدرتها على مخاطبة مستويات متعددة من الفهم في آنٍ واحد، مما يجعلها نصوصًا حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل عبر العصور.

يستأثر موضوع خلود النفس بالنصيب الأكبر من محاورة فيدون، وإن لم يكن موضوعها الرئيس. وهي محاورة دارت أساسًا بين سقراط وكلٍّ من سيمياس وسيبس، بحضور عدد من الفلاسفة الذين قدموا لزيارته في سجنه قبيل وفاته. يعرض أفلاطون بأسلوبه الجدلي دور الحوار كأداة أساسية لفهم طبيعة الروح وعلاقتها بالمعرفة والخلود، حيث تبدأ المحاورة بمناقشة الموت، وما إذا كان نهاية الروح أم انتقالها إلى عالم آخر، حيث يستخدم سقراطأسلوب السؤال النقدي المتسلسل لكشف التناقضات في أفكار محاوره وتحفيزهم على التفكير وتوليد الأجوبة الأكثر منطقية، بدل الاكتفاء بالقبول السطحي للمعتقدات السائدة، مبينّا أفكاره في ما يخص خلود الروح، عبر مراحل متدرجة، حيث يبدأ بسبر العلاقة الكامنة بين النفس والجسد وطبيعة علاقتهما بالموت وموضع الأفكار من كل ذلك، فالموت في نظره “ما هو إلا انفصال الروح والجسد..وعليهم ألا يهابوه، وأنّ الأفكار ستكون بصحبة الروح بعد تركها الجسد.”[20].

بعد ذلك، يدعو سقراط سيبس إلى التأمل في مسألة خلود النفس أو زوالها، من منظور خاصية التضاد التي لا تنطبق على الإنسان فقط، بل تشمل جميع الكائنات والأشياء. فالتضاد هنا يعكس دورة جدلية مستمرة بين الشيء وضده، كما يوضح سقراط: “فالليل يتولد من النهار والنهار من الليل، والنائم يتولد من المستيقظ والمستيقظ من النائم. وأخيراً، فكما أنّ هناك مستيقظ سينام ونائماً سيستيقظ فهناك إنسان يحيا ويموت ليحيا من جديد وهكذا دواليك. ولا يمكننا أن نعتقد أبداً أنّه يحيا ويموت ولا يحيا من جديد”[21] ولتعزيز حجته حول خلود الروح، يستخدم سقراط أسئلته التوليدية لتوجيه سيبس نحو التأمل في أيهما أسبق: الروح أم الجسد؟ ويعرضّه لسلسلة من التناقضات التي تهدف إلى إيصاله إلى الفكرة القائلة بأن الروح، هي؛ الأسبق، وهي؛ الأصل، حيث يوضح سقراط: “إنّ الروح تشبه الإلهي والجسم يشبه الفاني، ولا مجال للشك في ذلك. والإلهي والبسيط خالد والمركّب يفنى. لهذا ما علينا سوى العناية بأرواحنا وإنقاذها من شرورها، وذلك بحصولها على أعلى درجات الحكمة والفضيلة، وأن نتشبه باللّه حسب الطاقة الإنسانية”[22].

يبدو مما تقدم بأن سقراط في منهجه التوليدي الحواري:

  • لا يقدم إجابات جاهزة، بل يوجه محاوره إلى التفكير الذاتي للتمييز بين الظن والمعرفة.
  • محاورو سقراط يميلون إلى الإجابة المباشرة، مستندين إلى فنون البلاغة والإقناع، بغرض التأثير على المتلقي دون البحث عن الحقيقة.
  • إن أسلوب الحوار الجدلي في محاورة فيدونلا يهدف فقط إلى شرح فكرة محددة، بل إلى تربية العقل على الفحص النقدي، وتنمية القدرة على استيعاب المفاهيم الأخلاقية والفلسفية المركبة
  • يهدف المنهج الجدليّ في فيدون أيضا، إلى إعداد النفس للتأمل في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالموت والخلود والمعرفة.

يُعد مفهوم التذكّر (Anamnesis) جزءًا أساسيًا من هذا الحوارات التي يقيمها سقراط مع محاوريه، حيث يرى سقراط أن النفس تمتلك معرفة كامنة يمكن استرجاعها بواسطة الأسئلة الموجهة والمنهجية الدقيقة. وهكذا، يصبح الحوار الجدلي ليس مجرد نقاش لفظي، بل أداة تعليمية منهجية تنمي قدرة الفرد على التفكير النقدي والتحليلي، وتمكّنه من تمييز الصواب من الخطأ، والفضيلة من الرذيلة.

3-2 المنهج التأملي: روينه ديكارت

يُعد المنهج التأملي الذي أسسه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفلسفة، إذ نقل البحث عن الحقيقة من الاعتماد على المعطيات الحسية والآراء الموروثة إلى الارتكاز على يقين عقلي خالص ينطلق من داخل الذات المفكرة نفسها. فقد رأى أن بلوغ المعرفة اليقينية يقتضي أولًا مراجعة شاملة لكل المعتقدات السابقة وإخضاعها لامتحان الشك المنهجي، لا بقصد الهدم بل بهدف العثور على أساس ثابت لا يمكن زعزعته، حيث يقول: “لقد كانت غايتي أن أثق بصحة ما أعلم، وأن أبني علومي على الصخر، والصلصال، لا على المتحرّك من الرمال”[23].

إن الشك عند رونيه ديكارت يمثل منطلق منهجه في بناء المعرفة، فهو خطوة ضرورية لتحرير العقل من كل ما هو قابل للريبة والظن، لما للشك من فائدة “عظيمة جدا، وإن كانت لا تظهر لنا، فورا، بادئ بدء، فهي تمنعنا عن إطلاق الأحكام السابقة، وتمهد للفكر سبيلا نحو التحرر من الحواس، وتقوي إيماننا بالأمور، التي تكون قد بانت لنا أنها صحيحة”[24] فالشك من هذا المنطلق ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحرير العقل من التسرّع والأحكام المسبقة، وإن بدا في بدايته فعلًا سلبيًا يزعزع الاستقرار المعرفي، إلا أن فائدته تكمن في كونه يوقظ الفكر من سباته، ويدفعه إلى إعادة النظر في مسلّماته، إنه لحظة تطهير للعقل من أوهام الحس ومن سلطة العادة والتقليد. فالشك يمنعنا من إطلاق الأحكام السابقة؛ أي أنه يحول دون الوقوع في الدوغمائية. فكم من أحكام نعتقد بصحتها لمجرد أننا ألفناها أو تلقيناها من غيرنا! هنا يتدخل الشك ليضع هذه المعتقدات موضع مساءلة، فلا نقبل منها إلا ما ثبت بدليل واضح ومتميز. ومن ثمّ فهو يحقق نوعًا من الانضباط المنهجي الذي يؤسس لمعرفة يقينية.

يتحدد الشك عند ديكارت من منطلق أن الإنسان منذ نعومة أظافره يتلقى مجموعة من الآراء الخاطئة على أساس أنها صحيحة، فكان لزاما على هذا الإنسان من أجل أن يؤسس لمعارف يقينية تقوم على أساس صلب وصحيح، كان لابد عليه من العمل على مراجعة هذه الآراء مراجعة ذاتية، عن طريق الشك في جميع المعارف السابقة باستثناء البديهية منها، قد يبدو هذا العمل في شموليته مرهقا، لهذا دعا ديكارت إلى العمل على فحص الأسس التي تقوم عليه معارفنا، منها الحواس التي تخدعنا، يقول ديكارت في هذا الباب: “كل ما تلقيته، حتى الآن، على أنه أصدق الأمور، وأوثقها، قد اكتسبته بالحواس، أو عن طريق الحواس. غير أني وجدت الحواس خادعة، وفي بعض الأوقات، ومن الحكمة ألا نطمئن أبدا كل الاطمئنان إلى من يخدعنا، ولو مرة واحدة”[25]  ومن ثمّ فإن ما تقدمه الحواس، وما يعتري الإنسان في أحلامه أو ما يتسلل إلى ذهنه من أفكار وصور، يظل محتاجًا إلى مراجعة وتمحيص، لأن الطريق إلى اليقين يمر عبر تنقية المعرفة من كل ما يحتمل الخطأ أو الوهم.

انطلاقًا من هذا التصور، تغدو الحقيقة التي تصمد أمام الشك أكثر ثباتًا وأشد يقينًا، لأنها لم تُقبل على سبيل التسليم أو العادة، بل تأسست بعد امتحان عقلي صارم. وهكذا لا يعود الشك لحظة اضطراب أو قلق، بل يتحول إلى دعامة للطمأنينة المعرفية، إذ يقود في نهاية المطاف إلى يقين راسخ لا يمكن زعزعته، كما تجلّى ذلك في الكوجيتو الذي صاغه رينيه ديكارت: “((أنا أفكر، إذن أنا موجود)) – أي اليقين من وجود الأنا المفكرة العارفة”[26] فالتفكير، بما يتضمنه من شك وفهم وتحليل وتخيّل، لا يمثل مجرد نشاط ذهني عابر، بل يشكل حقيقة معرفية ووجودية في آن واحد؛ إذ بفضل هذه القدرة يملك الإنسان إمكانية إدراك العالم ومعرفة حقائقه، وفي الوقت نفسه يبرهن على وجوده فيه، باعتبار أن التفكير هو الخاصية الجوهرية التي تتأسس عليها الهوية الإنسانية وتتمايز بها الذات بوصفها ذاتًا واعية عاقلة.

إن عملية بناء المعرفة وتمييز الحقيقة عن الخطأ والوهم، يتطلب خطوة ثانية من خطوات المنهج الديكارتي التأملي، المتمثلة أساسا في التقسيم والتحليل؛ أي تقسيم المشكلة إلى أجزاء والعمل على حل كل جزء على حدة بنوع من التسلسل والتدرج، في هذا العنصر يذكر أن ديكارت تأثر بالفلاسفة العرب المسلمين وتحديدا بالغزالي الذي تطرق في مؤلفاته عن العقل وفضله في الوصول إلى المعارف عامة، وكيفية معالجة الموضوعات بشكل خاص، حيث أن كلامها يقران  بأنه: “لا بد للباحث من التدرج في الفكرة ومن معالجة الموضوع بانتظام وتسلسل بين الموضوعات والعناصر”[27]   فهو مبدأ يوضح أهمية الانتقال من الأفكار البسيطة الواضحة إلى القضايا المركبة، مع احترام مبدأ التدرج والترتيب، لأن العقل، في تصورهما لا يبلغ اليقين إلا إذا سار خطوة خطوة، وفق ترتيب منهجي ومنطقي منظم ومرتب. على أن يعمل بعد ذلك الباحث في خطوة ثالثة: (التركيب)، إلى إعادة بناء العناصر التي تم تقسيمها، بناء منهجيا، عن طريق دمج ما فكك بما يمنح الأفكار وحدتها واتساقها المنطقي، إلى أن ينتهي في خطوة أخيرة من منهج التأملي – الشكي، إلى: (الإحصاء والمراجعة)، ومعنى ذلك؛ إعادة النظر في جميع الخطوات التي قطعها الباحث في بحثه، بغرض التأكد من شمولية البحث لكل عناصره، وعدم إغفال أي عنصر أو معطى من معطيات البحث، ضمانا للترابط المنطقي بين المقدمات والنتائج.

من هذا المسار كله انتهى روينه ديكارت إلى جعل الفكر والوعي أصل كل يقين، ومعيار كل حقيقة. وبذلك غدا العقل عنده المرجع الأعلى للمعرفة، وأصبح التأمل الداخلي أداة فلسفية مركزية تتيح للإنسان أن يبني معارفه بناءً منظمًا ومتدرجًا، الأمر الذي أسهم في تأسيس روح فلسفية جديدة جعلت الذات العاقلة محور التفكير، ومهدت لظهور اتجاه عقلاني حديث يرى أن فهم العالم يبدأ أولًا بفهم قدرة العقل نفسه، غير أن هذه الرؤية لا تخلو من حدود؛ فقد يُفضي الإفراط في الشك إلى تعطيل الفعل أو إلى نزعة تشكيكية مفرطة، كما ذهب إلى ذلك بعض الفلاسفة التجريبيين الذين رأوا أن المعرفة لا تقوم فقط على العقل بل أيضًا على التجربة الحسية. ومع ذلك، يظل الشك عند ديكارت لحظة تأسيسية في الفلسفة الحديثة، لأنه حرر العقل من سلطة المسلمات، وأرسى مبدأ استقلال الفكر في البحث عن الحقيقة.

3-3 المنهج الظاهراتي: إدموند هوسرل، موريس مرلوبونتي

في مؤلفيه أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا المتعالية وفكرة “الفينومينولوجيا*”[28]، رأى إدموند هوسرل أن الفلسفة بحاجة إلى منهج دقيق يتوافق مع طبيعة موضوعاتها لتستعيد صرامتها وفاعليتها. ومن هذا المنطلق حدد المنهج الفينومينولوجي باعتباره طريقة جديدة يجب أن تتجدد الفلسفة من خلالها، فهو في الوقت ذاته موضوع ومنهج: موضوع من حيث أنه علم بالظواهر كما تُعطى في الوعي، ومنهج من حيث أنه خطوات محددة لدراسة هذه الظواهر وصفًا دقيقًا.

ويأتي هذا التأسيس كرد على نقد هوسرل للنزعة العلمية – الطبيعية – الحديثة، التي ركّزت على ما هو خارجي وموضوعي، وتجاهلت التجربة الذاتية التي تشكل أساس كل معرفة ممكنة. فإذا كانت الفلسفة الحديثة، مع رينيه ديكارت، قد أسست المعرفة على الذات المفكرة، وجعلت من الشك المنهجي طريقًا إلى اليقين، فإن الفلسفة المعاصرة، من خلال الظاهراتية، تعيد الاعتبار للتجربة المعيشة كما تُعطى في الواقع. فالظاهراتية لا تنطلق من مجرد استدلال عقلي، بل من وصف الخبرة الإنسانية كما هي قبل كل تأويل نظري أو افتراض ميتافيزيقي، محاولة بذلك العودة إلى الأشياء ذاتها.

ضمن هذا الأفق عرّف موريس ميرلوبونتي الظاهراتية بقوله: “إن الظواهرية، هي دارسة جواهر الأمور، وكل المشاكل بالنسبة لها تعود إلى تعريف الجواهر: جوهر الإدراك، جوهر الوعي، مثلا.”[29] والجواهر في سياق الفلسفة الظاهراتية لا تحيل على معانٍ ميتافيزيقية مفارِقة، بل تحيل إلى البنيات الأساسية التي تنكشف داخل التجربة ذاتها؛ أي أن الجوهر لا يُستخلص عبر استدلال عقلي مجرد، بل يُستعاد من خلال وصف دقيق لكيفية ظهور الظاهرة في الوعي، كما تُعاش في علاقتها بالعالم.

يمكن القول من هذا المنطلق بأن الظاهراتية هي علم وصفي للظواهر كما تتبدى في وعينا الإنساني، إن الأمر يتعلق بالوصف لا بالتفسير العلمي أو التحليل الانعكاسي، إنها وصف للتجربة كما تمارس وتعاش. “إنها محاولة وصف مباشر لتجربتنا كما هي بغض النظر عن أصلها النفساني وتفسيراتها السببية التي يمكن للعالم أو للمؤرخ أو لعالم الاجتماع، إعطاؤها”[30] وبذلك، تتعرف الظاهراتية كنمط وكأسلوب في المعرفة عند تطبيقها في دراسة الظواهر.

3-3-1 أسس ومبادئ المنهج الفينومينولوجي

أ-  التعليق الفينومينولوجي – الإيبوخي (Epoché)

يشكّل مبدأ الإيبوخي أوتعليق الحكمأحد المبادئ الأساسية للمنهج الظاهراتي الذي وضعه إدموند هوسرل، ويقوم هذا المبدأ علىتعليق الأحكام المسبقة والتصورات الجاهزة حول وجود الأشياء، لا بغرض نفيها، إنما وضعها بين قوسين، حتى يتسنى للباحث دراسة الظاهرة كما تقدم نفسها مباشرة في تجربة وعي الإنسان.

بتعبير آخر، يمكن القول: إنَّ الردّ الفينومينولوجي (الإيبوخي) يشكل منعطفًا منهجيًا حاسمًا، لأنه ينقل الفكر من أفق الاعتقاد العفوي بالعالم إلى أفق التحليل الواعي لبنية المعنى كما تتجلى في الخبرة المعيشة. إنّه انتقال من موقف يتعامل مع الأشياء بوصفها معطيات جاهزة إلى موقف يتقصّى شروط ظهورها في الوعي، سعيًا إلى بلوغ فهمٍ أدقّ لطبيعة التجربة ذاتها وكيفية تشكّل الدلالة فيها.

وعلى هذا الأساس، يصبح الردّ الفينومينولوجي ممارسة منهجية تهدف إلى تحرير الوعي من الافتراضات السابقة التي قد تُشوّه معطيات الخبرة، وذلك عبر وضع كل معرفة موضع سؤال، ولا سيّما تلك التي تبدو أولى وبديهية. فالمعرفة، في أفق الفينومينولوجيا، لا تُؤخذ كما تُعطى في الإدراك المباشر، بل تُعاد مساءلتها في أفق الوعي القاصد، بما يسمح بإبراز بنيتها ومعناها. لذلك كان الردّ خطوةً تأسيسية، لأنه يؤسس لإمكانية بلوغ معرفة أصيلة تنبع من تحليل التجربة كما تُعاش، لا كما تُفترض. فالامتناع عن افتراض”أيّ معطى سابق في الوجود وفي الإدراك”[31] لا يعني نفيه، بل يدل على أن الوعي “لا يأخذ المعرفة أنى شاء بغير فحص وإنما بعكس ذلك يأخذ المعرفة التي يعطيها لنفسه والتي يضعها بنفسه معرفة أولى”[32] ومن ثمّ، يغدو الردّ الفينومينولوجي تعبيرًا عن مطلب فلسفي أصيل، قوامه العودة إلى الأشياء ذاتها، أي إلى كيفية تجلّيها في خبرتنا الحيّة.

إنّ لحظة الردّ تُحدث نوعًا من الإيقاف المنهجي للزمن الموضوعي، بما هو زمن العالم الخارجي، لتفسح المجال أمام استكشاف البعد القصدي للوعي؛ إذ تُفهم هذه اللحظة بوصفها “إيقاف للزمان، خروج عن العالم، انفصال عن الأنا لتَحصُّل الإدراك بالحدس المحض”[33] فكل ظاهرة نفسية تُدرك من حيث هي معيشة في أفق وعيٍ يقصدها ويمنحها معناها، لا باعتبارها واقعةً قائمة بذاتها خارج هذا الأفق، بل من حيث هي: إدراك مطلقًا ظاهرًا ظهورًا محضًا قاصدًا هذا الذي هنا بنفسه”[34] وبهذا المعنى، يتحوّل البحث من الانشغال بتقرير وجود الأشياء في العالم إلى تحليل كيفية انكشافها للذات؛ أي إلى دراسة الظهور ذاته في بنيته الخالصة.

وعليه، يغدو الردّ الفينومينولوجي ممارسةً نقديةً تقتضي مجاوزة الموقف الطبيعي بما ينطوي عليه من تسليمات جاهزة، والامتناع عن استخلاص الوجود على نحوٍ بدهيّ من معطيات مفترضة سلفًا، قصد بلوغ مستوى: “الظاهرة المحضة”[35] كما تُعطى في الحضور المباشر للوعي.

إنّ الردّ الفينومينولوجي لا يُفهم بوصفه إجراءً سلبياً محضاً، بل باعتباره حركةً منهجية تتخذ طابعاً شمولياً يمسّ الأبعاد النظرية والعملية والمعيارية معاً، بما يجعلها، في هذا الأفق، مطابقةً لمطلب الميتافيزيقا كما يتصوّرها إدموند هوسرل، فهو يسعى إلى بلوغ الحدّ النهائي للمعنى؛ أي إلى استيفاء المعنى في أقصاه، من خلال “اتخاذ مجرى حدسيّ مثالي داخل أضيق (حدود) الردّ الفينومينولوجي إنما هو خاصيتها فحسب، إنه المنهج الفلسفي بخاصة على قدر كونه منتسبا أساسا إلى معنى نقد المعرفة غير منفصل عموما عن نقد العقل”[36]. فخصوصية هذا الردّ لا تكمن في كونه تعليقاً فحسب، بل في كونه مساراً حدسياً يهدف إلى تحصيل المعنى في صفائه،  ويمنح الظاهرة إمكان انكشافها ضمن أفقها الخالص.

تقتصد الفينومينولوجيا في التعبير عن الظواهر باكتفاء موقف الناظر الذي يعلق الأحكام المسبقة ويركّز على الوعي ذاته كقوة حدسية تدرك الموضوعات والمعطيات، وتتجلى الترنسندنتالية في هذا السياق باعتبارها دراسة الشروط التي تجعل تجربة الظاهرة ممكنة؛ أي الكشف عن بنيتها الجوهرية ضمن الزمنية الخاصة للوعي، وهو ما يجسّده هوسرل قائلاً: “أنا الوعي الذي يساوق وجوده الوجود الغائي والمثالي للوعي نفسه بما هو قدرة على الحدس بالموضوعات والمعطيات”[37]، أي والوعي الذي يتتبع ذاته، ويستظهر مقوماته الصورية؛ مثل: الذكر والانتظار، وينظم الموضوعات ضمن استمرار الزمان واتصاله

وفي هذا المسار الحدسي، يرتقي الوعي إلى أقصى درجات إدراكه لذاته، ليبلغ أقصى إمكاناته في تصريف الإحساس، وتفعيل الخيال، وإثبات الحضور، مع استدراك الغياب، ذكرًا لما مضى وانتظارًا لما سيأتي، ليؤكد بذلك مبدأ الإيبوخي على صفاء المعنى وحدس الظاهرة ضمن أفقها الترنسندنتالي الأصلي.

ب- القصدية

تمثل القصدية قضية مركزية في المنهج الفينومينولوجي، ومبدأ أساسيا من مبادئه، والتي تفهم من خلال العبارة التالية: “كل وعي هو وعي لشيء ما”[38]  أي أن الوعي ليس شيئاً مغلقاً على ذاته، بل دائماً يتجه نحو موضوع معين؛ نحو كائن، فكرة، شعور، أو تجربة معينة. فالوعي دائمًا موجّه نحو العالم.

ويتمثل جوهر مبدأ القصدية في أنالوعي لا يكون فارغًا أو عشوائيًا، بل مرتبط دائمًا بما يدركه الإنسان،سواء كان ذلك الشيء موجودًا فعليًا في العالم الخارجي أو مجرد فكرة أو تصور داخلي. هذا المبدأ يجعل دراسة الظواهر دراسة مباشرة لتجربة الإنسان في إدراكه للعالم، وليس مجرد دراسة للظواهر كمظاهر خارجية منفصلة عن خبرة الإنسان، إلا أن فكرة القصدية مع موريس ميرلوبونتي تطورت لتأخذ بعدًا جسديًا ووجوديًا: فالوعي ليس مجرد نشاط ذهني، بل هو دائمًا متجسد؛ أي أنه مرتبط بالجسد الذي يختبر العالم ويتفاعل معه، حيث يضحى الجسد وسيطا للمعرفة، فالإنسان لا يدرك العالم كعقل فقط، بل كجسد يعيش ويتحرك.

 المقصود بالقصدية عند ميرلوبونتي ليس مجرد الانتباه إلى شيء ما، بل التجربة الحية للعالم من خلال الجسد والوعي معًا، مما يجعل كل إدراك أو معرفة تجربة معيشة ومتفاعلة، وليست مجرد انعكاس عقلي للمظاهر الخارجية. يقول ميرلوبونتي: “إن صمتي وكلام الآخر العفوي لابد أن يأخذا معنى وإن كانا صادرين عن تعبي أو عن ضرورة المناسبة، فهما ليسا عارضين وإنما يعبرّان عن بعض اللامبالاة، أو عن اتخاذ موقف معينّ تجاه الوضعية. كل شيء يبدو مصادفة، وإذا نظرنا إلى الحدث عن قرب، في لحظة كونه مُعاشاً: إن طموح المصادفة والالتقاء المناسب والظرف المحلى تبدو أنها كانت قاطعة. ولكن المصادفات تتوازن وهذا هو غبار الوقائع يتجمع ويرسم شكلا معينا لاتخاذ موقف تجاه الوضعية الإنسانية وحدثا تتحدد أطرافه ويمكن أن نتكلم عنه.”[39] بمعنى أن التجربة المعيشة حسب موريس ميرلوبونتي؛ هي محور المعنى في حياتنا، فصمتنا وكلام الآخرين، حتى وإن بدا عفويًا أو صادرًا عن تعبير عن تعب أو مناسبة، لا يعد مجرد صدفة. فكل فعل أو قول يحمل معنى ضمن سياق التجربة التي نعيشها، ويجب فهمه في اللحظة التي يُعاش فيها، وليس بشكل مجرد أو بعد وقوع الحدث. وما قد يبدو أحيانًا عشوائيًا أو مصادفة هو في الواقع جزء من النسيج الحي للوعي؛ فالمصادفات ليست أحداثًا منفصلة، بل عناصر تتوازن مع بعضها لتكوّن شكلًا معينًا يسمح للوعي باتخاذ موقف تجاه الوضعية الإنسانية. من هذا المنطلق، لا يتكون الحدث من مجرد وقائع، بل يُحدد أطرافه ويصبح قابلاً للفهم والتحدث عنه عند النظر إليه أثناء عيشه، أي أن المعنى يظهر من خلال التفاعل المباشر مع الحدث وليس من خلال تأمل بعد وقوعه أو تحليله النظري. ويؤكد ميرلوبونتي أن كل تجربة تعكس موقف الإنسان تجاه الواقع، فكل قول، صمت، أو حدث يُعبّر عن موقف معين تجاه الوضعية الإنسانية، وهو هذا الموقف الذي يمنح التجربة قيمتها ومكانتها داخل الوعي.

هناك فرق بين الفهم التقليدي والفهم الظاهراتي للأشياء؛ فالعقل التقليدي يقتصر على التعامل مع الطبيعة بوصفها شيئًا ثابتًا وموضوعيًا، أما الظاهراتية فتنطلق من الأصل الذي تتشكل فيه المعاني داخل التجربة ذاتها. مثلا: “عندما يتعلق الأمر بشيء مُدرَكٍ، بحدث تاريخي أو بعقيدة ما، فإن الفهم يعني بلوغ القصد الشامل”[40] أي أن الفهم في سياق الظاهراتية لا يكون مجرد إدراك لخصائص الشيء أو الوقائع المرتبطة به، بل هو بلوغٌ للقصد الشامل الذي يمنح تلك الوقائع معناها، إذ إن الشيء لا يُختزل في خصائصه الفيزيائية، كما لا تُختزل العقيدة في أفكارها المجردة، لأن الوجود الإنساني يتجلى في معنى باطني يتجاوز التحديد العلمي أو الرياضي. إن الفكرة – في بعدها الحضاري – ليست قانونًا فيزيائيًا، بل هي صيغة لتوجّه الإنسان في العالم: نحو الطبيعة، والزمن، والموت، والتاريخ. إنها شكل من أشكال تنظيم العالم واستيعابه. ومن ثمّ، فإن أبعاد التاريخ والمعنى لا يمكن ردّها إلى تفسير موضوعي خالص، لأن الإنسان ليس مجرد كائن طبيعي أو عضوي، بل كائن تاريخي حيّ، تتحدد حركته داخل شبكة من الدلالات.

ج- العيش المباشر

إلى جانب مبدأ القصدية، يُعدّ مبدأ العيش المباشرمن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها المنهج الظاهراتي، إذ يحيل إلى ذلك العالم الذي نحياه يوميًا في تلقائيته وبساطته، قبل أن يتدخل العقل العلمي ليُخضعه للتحليل والتجريد والتفسير. إنه عالم الخبرة الأولى، عالم المعايشة الحية، حيث تتشكل معاني الأشياء في تماسّ مباشر مع وعينا وتجربتنا، وقد عبر موريس ميرلوبونتي عن هذا بقوله:”نحن نرى الأشياء ذاتها، والعالم هو ذاك الذي نراه”[41] ويقصد بذلك أن علاقتنا بالعالم ليست علاقة تمثيل ذهني أو صورة داخلية تحلّ محل الواقع، بل علاقة حضور مباشر، إننا لا ندرك نسخًا عن الأشياء داخل وعينا، بل نلتقي الأشياء نفسها في تجربتنا الحية. العالم بهذا المعنى هو ما ينكشف لنا في فعل الإدراك.

 في سياق الحديث عنالعيش المباشر، يتضح أن هذا المفهوم لا يقتصر على وصف تجربة فردية آنية، بل ينفتح منذ البداية على بعدٍ مشترك. وقد بلوره منهجيًا بداية الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، حين عالج داخل الظاهراتية فكرة العالم المشترك بوصفها أساسًا للتجربة الإنسانية. فالعيش المباشر، عنده، ليس انغلاقًا للذات داخل وعيها الخاص، بل هو انخراط في أفق تلتقي فيه الذوات وتتقاطع خبراتها. ومن ثمّ، فإن العالم المعيش يُعطى لنا دائمًا كعالم للجميع، أي كفضاء تذاوتي تتأسس فيه المعاني عبر اشتراك الوعي مع وعي الآخرين، لا كمعطًى فردي معزول.  في هذا الصدد يقول إدموند هوسرل: “إن حياة الوعي المنسابة والمتغيرة بأشكال متعددة لا تجري في الذوات المختلفة بكيفية فردية، بل كونها حياة للوعي في اجتماع متبادل وفي اشتراك بين الذوات…يتخذ وجود العالم بالنسبة لنا جميعا معنى مشتركا بصفته ال ((عالم))، عالم الجميع بالنسبة للجميع.”[42] إننا لا نوجد في العالم بوصفنا أفرادًا منفصلين، بل كذوات تشترك في أفق إدراكي واحد، سواء تمّ هذا الاشتراك بصورة مباشرة أو ضمنية.

ومن ثمّ، فإن العالم لا يُعطى لكل فرد كعالم خاص به فحسب، بل كـعالم للجميع. إنه عالم يتخذ معنى الوجود المشترك، حيث يتحدد وجود الأشياء ومعانيها داخل أفق جماعي تتداخل فيه الخبرات. فالعالم الذي نعيش فيه ليس مجرد مجموع إدراكات فردية، بل هو بنية دلالية مشتركة تمنح لوجودنا معناه الكامل. بهذا المعنى، يصبح العالم المعيش فضاءً تتوحد فيه الذوات دون أن تنمحي خصوصيتها؛ إذ يحتفظ كل فرد بطريقته الخاصة في الوجود، غير أن هذه الخصوصية نفسها تنفتح على أفق إنساني عام، يجعل من العالم إطارًا مشتركًا للحياة والمعنى.

تتحدد قيمة الإضافة التي جاء بها موريس ميرلوبونتي في هذا الباب، في كونه أعاد تأسيس العلاقة بين الذات والعالم على أساس جسدي لا عقلي صرف، إذ لم يعد الإدراك فعلًا يصدر عن وعيٍ منفصل، بل هو تجربة تتكوّن في قلب التداخل بين الجسد ومحيطه. فالجسد عنده ليس موضوعًا من موضوعات العالم، بل هو المجال الذي ينبثق فيه المعنى، لذلك يؤكد ميرلوبونتي: أن “الإدراك لا يولد أينما كان بل ينبعث من خفايا جسد.”[43] في إشارة إلى أن المعرفة تتشكل من الداخل، من خبرة متجسدة سابقة على كل تنظير، كما أن تحليله لتجربة لمس اليدين يكشف هذا البعد الالتفافي، حيث يصبح الجسد في آنٍ واحد لامسًا وملموسًا، دون أن يتحقق تطابق كامل، وهو ما يعبّر عنه بقوله: “جسدي لا يدرك، بل كأنّما يحيق بالإدراك الذي ينبثق من خلاله”[44]، وبهذا التحول، نقل ميرلوبونتي الفلسفة من أفق الثنائية التقليدية بين الذات والموضوع إلى أفق تشابك وجودي يجعل العالم المعيش نسيجًا حيًا تتداخل فيه الذات بالأشياء والآخرين، فتغدو المعرفة نمطًا من العيش قبل أن تكون بناءً مفهوميًا مجردًا.

في هذا السياق يبرز المنهج الظاهراتي بوصفه تحولاً نوعياً في تصور المنهج الفلسفي، إذ لم يعد الهدف هو تأسيس معرفة يقينية عبر الاستدلال العقلي المجرد، بل الكشف عن كيفية ظهور المعنى داخل التجربة نفسها. وقد وجد هذا المنهج تطوره مع موريس ميرلوبونتي، الذي نقل الظاهراتية من تحليل بنى الوعي إلى التفكير في الجسد باعتباره شرط كل إدراك ممكن، والذي يعبر عن انخراط كلي للكائن الإنساني في العالم، حيث تتداخل الذات والموضوع في علاقة حية ومتبادلة. هكذا يشكل المنهج الظاهراتي عند ميرلوبونتي تجاوزاً للثنائية التقليدية بين الذات والعالم، وتأسيساً لفهم جديد للإنسان بوصفه كائناً متجسداً، يعيش في العالم ويتفاعل معه قبل أن يؤسسه نظرياً.

4- خاتمة

يبدو مما تقدم، أن المناهج في الفلسفة ليست مجرد وسائل خارجية تنظّم الخطاب فحسب، بل هي بنية داخلية يتحدد عبرها فعل التفلسف وتتجلى ضمنها حدوده وإمكاناته. فالفلسفة، كما تبين، لا تقوم إلا داخل أفق منهجي يضبط شروط اكتشاف المعرفة، ويؤطر سبل تبليغها وتداولها، ويؤسس إمكان الاستدلال عليها ضمن نسق عقلاني منسجم. ومن ثمّ، فإن تنوع المناهج يعكس تعدد التصورات الكامنة للحقيقة، وغنى الرؤى للذوات الباحثة تجاه القضايا والموضوعات، أكثر مما يعكس مجرد اختلاف في أساليب العرض أو التقنيات الحجاجية.

غير أن هذا التنوع لا يعني وجود منهاج واحد ثابت يحتكم إليه جميع الفلاسفة، ولا حتى التزام الفيلسوف الواحد بمنهج واحد في مختلف مراحل مشروعه الفكري؛ إذ تكشف التجربة الفلسفية أن المنهج يتشكل ويتحول تبعًا لطبيعة الإشكال المطروح، وللأفق النظري الذي يتحرك داخله التفكير. فالتقدم في الفكر الفلسفي لم يتمثل فحسب في مزيد من الدقة في صياغة المشكلات، بل اقترن أيضًا بالبحث الدائم عن السبل المنهجية الكفيلة بمقاربة تلك المشكلات على نحو أكثر اتساقًا وأكثر فاعلية، ومن ثمّ، فإن المنهج ليس قالبًا جاهزًا يُفرض على التفكير، بل هو استجابة لمتطلبات السؤال الفلسفي وغاياته المعرفية.

في النهاية فإن المناهج في الفلسفة تنتظم وفق ثلاثة أصناف: الاكتشاف، والتبليغ، والاستدلال؛ إلا أنها أصناف تحضر بشكل متداخل ومتكامل داخل كل ممارسة فلسفية، فلا إنتاج للمعرفة، دون تنظيم مفهومي، ولا مشروعية للأطروحة دون بناء استدلالي، ولا فاعلية للفكر دون قابلية للتبليغ والإقناع. وبهذا، تغدو المنهاج في الفلسفة عناصر تأسيسية لقيام خطاب الفلسفي قوي ومتماسك.

المراجع

–  أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة: حنا خباز، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى:2017.

–  أبو الزهراء،  دروس الحجاج الفلسفي، الناشر:الشبكة التربوية الشاملة فيلومرتيل، 2008.

–  رونيه ديكارت، مقالة الطريقة لحسن قيادة العقل وللبحث عن الحقيقة في العلوم 1637، ترجمه إلى العربية وقدّم له وعلّق عليه: جميل صليبا، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع – بيروت، المكتبة الشرقية.

–  في الفضيلة (محاورة “مينون”)، ترجمة وتقديم: دكتور عزت قرنى، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 2001.

– إبراهيم مصطفى إبراهيم،  الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هيوم، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2001.

– أبي حامد الغزالي، المنقذ من الظلال، والموصل إلى ذي العزّة والجلال، النص العربي؛ تحقيق: محمد محمد أبو ليلة، نورشيف عبد الرحيم رفعت، نشر جمعية البحث في القيم والفلسفة، واشنطن – الولايات المتحدة الأمريكية.

– أحمد بوعود، الفلسفة والتواصل قضايا وإشكالات في مبحثي الحقيقة والحرية، الناشر: مكتبة سلمى الثقافية، مطبعة الحمامة تطوان، الطبعة الأولى:2023.

– إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجية، ترجمة: فتحي إنقزو، مركز دراسات الوحدة العربية.

– أفلاطون ((فيدون)) (في خلود النفس) ترجمها عن النص اليوناني مع مقدمات وشروح دكتور: عزت قرنى، الناشر: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع(القاهرة)، الطبعة الثالثة.

– أفلاطون المحاورات الكاملة، المجلد الأول الجمهورية، نقلها إلى العربية: شوقي داود تمراز، إصدار: الأهليّة للنشر والتوزيع بيروت 1994..

– الطاهر وعزيز، المناهج في الفلسفة، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى:1990.

– جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة: فؤاد زكرياء، الناشر: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2004م.

– حمو النقاري، روح التفلسف، الناشر: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، الطبعة الأولى – بيروت؛ 2017.

– روينه ديكارت، تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى تثبت أن الله موجود وأنّ نفس الإنسان تتميز من جسمه، ترجمة: كمال الحاج، منشورات عويدات – بيروت، باريس..

– شاييم بيرلمان، الإمبراطورية الخطابية صناعة الخطابة والحجاج، ترجمة وتقديم وتعليق: الحسين بنوهاشم، الناشر: دار الكتاب الجديد المتحدة.

– طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية:2006.

– طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية:2006.

– كارل ياسبرز، مدخل إلى الفلسفة، ترجمة جورج صدقني، الناشر: مكتبة أطلس.

– موريس مرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم: عبد العزيز العيادي بدعم من مؤسسّة محمد بن راشد آل مكتوم، توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية.

– موريس ميرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، ترجمة: فؤاد شاهين، معهد الإنماء العربي، 1998.

إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية، ترجمة: إسماعيل المصدق بدعم من مؤسسّة محمد بن راشد آل مكتوم، توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية.

الهوامش

[1]– الطاهر وعزيز، المناهج في الفلسفة، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى:1990، ص:11

[2]– الطاهر وعزيز المناهج في الفلسفة، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة: الأولى، ص:22

[3]– كارل ياسبرز، مدخل إلى الفلسفة، ترجمة جورج صدقني، الناشر: مكتبة أطلس، ص:15

[4]– كارل ياسبرز، مدخل إلى الفلسفة، ترجمة جورج صدقني، الناشر: مكتبة أطلس، ص:15

[5]– طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية:2006، ص:119.

[6]– طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية:2006، ص:120.

[7]– شاييم بيرلمان، الإمبراطورية الخطابية صناعة الخطابة والحجاج، ترجمة وتقديم وتعليق: الحسين بنوهاشم، الناشر: دار الكتاب الجديد المتحدة، ص:246.

[8]– أحمد بوعود، الفلسفة والتواصل قضايا وإشكالات في مبحثي الحقيقة والحرية، الناشر: مكتبة سلمى الثقافية، مطبعة الحمامة تطوان، الطبعة الأولى:2023، ص:17.

[9]– أبو الزهراء،  دروس الحجاج الفلسفي، الناشر:الشبكة التربوية الشاملة فيلومرتيل، 2008، ص:13

[10]– حمو النقاري، روح التفلسف، الناشر: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، الطبعة الأولى – بيروت؛ 2017،  ص:81

[11]– جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة: فؤاد زكرياء، الناشر: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2004م، ص:33.

[12]– جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة: فؤاد زكرياء، الناشر: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2004، ص:33.

[13]– جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة: فؤاد زكرياء، الناشر: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ص:35.

[14]– جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة: فؤاد زكرياء، الناشر: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ص:36.

[15]– جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة: فؤاد زكرياء، الناشر: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ص:45

[16]– أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة: حنا خباز، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى:2017، ص:14

[17]– في الفضيلة (محاورة “مينون”)، ترجمة وتقديم: دكتور عزت قرنى، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 2001، ص:69.

[18]– في الفضيلة (محاورة “مينون”)، ترجمة وتقديم: دكتور عزت قرنى، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 2001، ص:71-72.

[19]– أفلاطون ((فيدون)) (في خلود النفس) ترجمها عن النص اليوناني مع مقدمات وشروح دكتور: عزت قرنى، الناشر: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع(القاهرة)، الطبعة الثالثة، ص:10.

[20]– أفلاطون المحاورات الكاملة، المجلد الأول الجمهورية، نقلها إلى العربية: شوقي داود تمراز، إصدار: الأهليّة للنشر والتوزيع بيروت 1994.ص:17-18.

[21]– أفلاطون المحاورات الكاملة، المجلد الأول الجمهورية، نقلها إلى العربية: شوقي داود تمراز، إصدار: الأهليّة للنشر والتوزيع بيروت 1994.ص:18.

[22]– أفلاطون المحاورات الكاملة، المجلد الأول الجمهورية، نقلها إلى العربية: شوقي داود تمراز، إصدار: الأهليّة للنشر والتوزيع بيروت 1994. ص:19.

* محاورة فيدون: جرت هذه المحاورة قبيل تناول سقراط السمّ بساعات (أنظر ص:19 من كتاب: أفلاطون المحاورات الكاملة، المجلد الأول الجمهورية، نقلها إلى العربية: شوقي داود تمراز، إصدار: الأهليّة للنشر والتوزيع بيروت 1994.

[23]– رونيه ديكارت، مقالة الطريقة لحسن قيادة العقل وللبحث عن الحقيقة في العلوم 1637، ترجمه إلى العربية وقدّم له وعلّق عليه: جميل صليبا، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع – بيروت، المكتبة الشرقية، ص:36.

[24]– روينه ديكارت، تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى تثبت أن الله موجود وأنّ نفس الإنسان تتميز من جسمه، ترجمة: كمال الحاج، منشورات عويدات – بيروت، باريس، ص:10.

[25]– روينه ديكارت، تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى تثبت أن الله موجود وأنّ نفس الإنسان تتميز من جسمه، ترجمة: كمال الحاج، منشورات عويدات – بيروت، باريس، ص:14.

[26]– إبراهيم مصطفى إبراهيم،  الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هيوم، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2001، ص:121.

[27]– أبي حامد الغزالي، المنقذ من الظلال، والموصل إلى ذي العزّة والجلال، النص العربي؛ تحقيق: محمد محمد أبو ليلة، نورشيف عبد الرحيم رفعت، نشر جمعية البحث في القيم والفلسفة، واشنطن – الولايات المتحدة الأمريكية، ص:94.

[28]– * إن الفينومينولوجيا التي تتحدد مضمونها لحد الآن على أنه نقد العقل النظري إنما هي جامعة بين وجهين للتفكير في ذاك المضمون: وجه أول هو تعلقها بمقام العلم واقتدارها على جميع ميادين علمية داخلة في مجال نظرها وملتئمة على منوال نسقي متكامل؛ ووجه ثانٍ دال على اعتبارها منهجا فلسفيا، أي مقاما للفكر من حيث خصوصية وجهة النظر الفلسفية وبنيتها الصورية(…) أنظر كتاب: فكرة الفينومينولوجيا لإدموند هوسرل، ترجمة: فتحي إنقزو، ص:15.

[29]– موريس مرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، ترجمة: فؤاد شاهين، معهد الإنماء العربي، 1998، ص:07.

[30]– موريس مرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، ترجمة: فؤاد شاهين، معهد الإنماء العربي، 1998، ص:07

[31]– إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجية، ترجمة: فتحي إنقزو، مركز دراسات الوحدة العربية، ص:24

[32]– إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجية، ترجمة: فتحي إنقزو، مركز دراسات الوحدة العربية، ص:24

[33]– إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجية، ترجمة: فتحي إنقزو، مركز دراسات الوحدة العربية، ص:25

[34]– إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجية، ترجمة: فتحي إنقزو، مركز دراسات الوحدة العربية ، ص:25

[35]– إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجية، ترجمة: فتحي إنقزو، مركز دراسات الوحدة العربية، ص:25

[36]– إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجية، ترجمة: فتحي إنقزو، مركز دراسات الوحدة العربية، ص:26

[37]– إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجية، ترجمة: فتحي إنقزو، مركز دراسات الوحدة العربية، ص:28

[38]– موريس ميرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، ترجمة: فؤاد شاهين، معهد الإنماء العربي، 1998، ص:14

[39]– موريس ميرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، ترجمة: فؤاد شاهين، معهد الإنماء العربي، 1998، ص:15.

[40]– موريس ميرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، ترجمة: فؤاد شاهين، معهد الإنماء العربي، 1998، ص:15

[41]– موريس مرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم: عبد العزيز العيادي بدعم من مؤسسّة محمد بن راشد آل مكتوم، توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية، ص:17

[42]– إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية، ترجمة: إسماعيل المصدق بدعم من مؤسسّة محمد بن راشد آل مكتوم، توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية، ص:455

[43]– موريس مرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم: عبد العزيز العيادي بدعم من مؤسسّة محمد بن راشد آل مكتوم، توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية، ص:61

[44]– موريس مرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم: عبد العزيز العيادي بدعم من مؤسسّة محمد بن راشد آل مكتوم، توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية، ص:61


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك