مقدمة

أفرد الفقيه الحنفي محمد بن الحسن الشيباني (ت189ه) كتاب (المخارج في الحيل)، تناول فيه المخارج التي يمكن أن يتخارج بها الناس في معاملاتهم ،كالطلاق والنكاح والمساكنة واليمين والهبة والإجارة والتقاضي والدَّيْن، وغيرها. ومحل عناية الفقيه بهذا ناشئة من كون هذه المعاملات أفعالًا كلامية، يكون التكلم فيها جزءًا من الفعل ويترتب عليه الفعلُ، ولذلك كانت الحيل التي يُتخارج بها من الحرج الشرعي حيلًا لغوية في المقام الأول. وعلى ذلك، فالفقيه يصنع عبارة الحيلة لكي يدفع بها الحرج الشرعي المتمثل في: الوقوع في الإثم، والوقوع تحت طائلة الحكم الفقهي، بإحداث تغييرات في اللغة تؤدي إلى تعديل القصد/ الفعل الذي تنهض به العبارة. وقد اهتم هذا البحث بدراسة الوسائط اللغوية التي استُخدمت في صناعة الحيلة الفقهية في كتاب (المخارج في الحيل).

الكاتبحصة عبدالله السنان

مشكلة الدراسة

محل صناعة الحيلة الفقهية بوسائط اللغة هو: إحداث تغييرات في بنية الجملة تؤدي إلى تعديل القصد الذي تؤديه العبارة، لأجل افتعال تسوية للموقف، والخروج من المأزقين: الشرعي الفقهي، والتواصلي الاجتماعي؛ دون أن يتطاول هذا المعنى إلى فهم المخاطب؛ لأن قصد المتكلم، في الحيل، يكون منعقدًا في نيته، يفتعله بأدوات اللغة لكي يحقق غرضه، فاللغة -في مواقف هذه الحيل- وإن كانت في مظهرها فعلًا تخاطبيًّا، يؤديه المتكلم لإبلاغ المخاطب، لكنها -على مستوى الممارسة- أداء لغوي يتعمد الإيهام والإبهام على المخاطب.

هدف الدراسة

تهدف الدراسة إلى معرفة (سر صناعة) الحيلة الفقهية: كيف افتعل الفقيه بوسائط اللغة تسوية يتحقق بها الخروج من المأزقين: الفقهي والتواصلي.

أسئلة البحث

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن: (1) ما الوسائط اللغوية التي استخدمها الفقيه لصناعة الحيلة؟ و(2) إلى أي درجة تحققت بها التسوية المطلوبة في الموقف الكلامي؟

أهمية الدراسة

لم أجد فيما بين يدي من الدراسات ما تناول الجانب اللغوي في مبحث الحيل والمخارج الفقهية، فضلًا عن الجانب التداولي، وقد كانت إستراتيجيات الغموض من مجالات البحث البينية التي أسهم فيها الدرس اللساني مع مجالات أخرى منها: الإعلام والخطاب السياسي وغيرها، غير أني لم أجد دراسة اهتمت بالغموض في النص الفقهي بوصفه ممارسة تداولية.

وتكمن أهمية هذه الدراسة في محاولة سد هذه الفجوة، من خلال دراسة المعاريض في الفقه الحنفي بوصفها ممارسة تداولية، على نحو يتمظهر بهدور اللغة فاعلةً في حياة الناس، ومتفاعلة مع مآزقهم.

الدراسات السابقة

تناول كتاب (People in Quandaries: The Semantics of Personal Adjustment) لوينديل جونسون (نشر عام 1946م) التقنيات اللغوية التي يتخارج بها الناس من مآزقهم، باعتبار أن ما نقوله يُحدِّد بدرجة مهمة ما نواجهه -من مشكلات- في واقعنا([1]) ورصد جونسون في الجزء الثاني من الكتاب: )لغة عدم التوافق( The Language of Maladjustment، ثم فصل في (اللغة بما هي تقنية) Language As Technique، يحاجج فيه بأن اللغة نوع من السلوك الذي يؤدَّى a way of doing something””([2])، ويمكن قياسه عن طريق فحص: الغرض الذي صُممت اللغة لكي تؤديه (في موقف معيّن)، وإلى أي درجة أدّت ذلك الغرض؟ وما الآثار التي ترتب على هذا الأداء؟([3]) وأشار جونسون إلى “أن ملاحظة المرء لخصائص السلوك اللغوي هذه [الذي قد يتسبب به الإشكال] في نفسه وفي غيره، [و] القدرة على إدراكها، تؤتي المرء قدرًا من الإمساك بزمامها، ودرجة من الفهم للتقنيات الأساسية للتقييم المناسب”، على نحو يساهم فهم وتطوير سلوك الفرد والمجتمع([4])، وسمّى هذا المبحث (علم دلالة التسويات الشخصية(، وهو مبحث وثيق الصلة بـ(التداولية).

ويترجم محمد محمد يونس علي pragmatics: بـ(علم التخاطب)، ويحاجج بأن “هذا المصطلح (وهو إغريقي الأصل) يفسره الغربيون بأنه علم الاستعمال the science of use، الذي يتفق تمامًا مع مباحث الاستعمال المقابلة لما يُعرف بالوضع عند علماء أصول الفقه، والبلاغيين العرب القدماء. وعلى الرغم من أن الاستعمال في التراث العربي والإسلامي لم يصبح علمًا لغويًّا مستقلًّا كما حدث للوضع، فإن تسمية  pragmaticsبعلم الاستعمال قد تكون أفضل من غيرها مما ذُكر”، أي: (الذرائعية)، أو (التداولية)، أو (النفعية). ويرى أنها “ترجمة تراعي ماصدق اللفظ لا مفهومه بالمعنى المنطقي للمصطلحين، حيث يُقصد بمباحث الاستعمال ما يدخل في إطار المباحث التخاطبية تمامًا”([5]). بينما يترجم هشام إبراهيم عبدالله الخليفة المصطلح نفسه بـ(الفعليّات)، ويحاجج بأنه العلم الذي يدرس “المعاني والمقاصد في السياق الفِعلي، أي الحقيقي.  وهذا هو ما نقصده حين نتحدث عن المعنى “الفعلي” أو القصد  “الفعلي للكلام أو حتى للسلوك غير اللغويnon-verbal “([6]).

وبحث مسعود صحراوي اشتغال العلماء العرب القدامى بدراسة “الصيغ والأدوات التي يستعملها المتكلم للدلالة على القوة الإنجازية التي يريد تضمينها كلامه”([7])، مما أنتج مباحث بارزة في البلاغة العربية تمثلت في (نظرية الخبر والإنشاء)، وفي الدرس الأصولي ضمن (ألفاظ العقود) وغيرها، وعند النحاة في أساليب اللغة والنحو، وفي حروف المعاني، وبحث الأسس الإبستيمولوجية للخبر والإنشاء عند المناطقة، وهي -أي هذه الصيغ وغيرها-الصيغ التي يقوم عليها أحد أهم أسس الدرس التداولي الحديث، في نظرية (أفعال الكلام).

ويتناول كتاب (إستراتيجيات الغموض) Strategies of Ambiguity (نشر عام 2024) الغموض بوصفه “نعمة” في النظام اللغوي، “قد تنامى الوعي بها”([8])، بوصفها ممارسة قد يشترك فيها القارئ للنص والسامع للغة المنطوقة، وتُستخدم لتحقيق غايات تواصلية في مجالات منها: الأدب والإعلام والخطاب السياسي وعلم النفس، وغيرها.

غير أني لم أجد دراسة تناولت الإسهام الفقهي في صناعة الحيلة الفقهية بوصفها ممارسة لغوية تتحقق بها إستراتيجيات الغموض في الاستعمال “الفعلي” للغة.

ولابد أن نقول هنا: إن الحيلة الفقهية، وإن كان قد يُرى في مظهرها تحايُل على الحكم الفقهي، وتطويع للغة في هذا التحايل، فإن عمل الفقيه معبّر عن فهمٍ للطبيعة البشرية، فالإنسان بما هو كائن ناطق، يقع قدرٌ من مشاكله والمصاعب التي يواجهها في الحياة في فعل التواصل اللغوي، إذ “الإنسان، فيما يبدو، هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يوقع نفسه في مشكلات لم تكن لتوجد لولا ذلك”([9]). ولذلك كان فعل الفقيه في تطويع اللغة للتخارج من هذه المشكلات عملًا إنسانيًّا،  وقد قيّد الفقيه هذه الحيل في استيفاء الحق، والنجاة من الظلم، وتجنب المحظور. ونقل الشيباني في أول أبواب كتابه قولًا يُنسَب إلى” ابن عباس: أنه قال: ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النَّعَم وسُودها”. و”عن عمر بن الخطاب أنه قال: إنّ في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب”([10](.

منهج الدراسة

(1) الإطار النظري

اتخذ البحث (أفعال الكلام) -حسب النظرية التي وضعها أوستن (في محاضرات ألقاها عام 1955م)- إطارًا نظريًّا لها. ويُقسَّم الفعل الكلامي إلى ثلاثة أقسام([11]):

  • 1- الفعل اللفظي locutionary act: ويقصد به “فِعل القول (التكلّم)”([12])، وفي السياق الفقهي: يتمثل التلفُّظ بالعبارة في: اليمين والحلف والنذر، واللفظ الذي يقع به الطلاق، ولفظ الإيجاب والقبول في الزواج، ونحوها من الألفاظ.
  • 2- الفعل غير اللفظي illocutionary act: وهو ما يؤدى بالقول من الطلب: كالتحذير والأمر والنهي والاستفهام والنداء والإخبار، والنصيحة، ويسمى غرض القول. ويتمثل هذا الجانب غير اللفظي في قصد المتكلم من عبارته، كما سيأتي بيانه.
  • 3- “فعل التأثير الكلامي” perlocutionary act، وهو التأثير الذي تُحدثه العبارة المنطوقة في المتلقي؛ تدفعه إلى فعل (القيام بأمر) أو تمنعه من فعل (الكف عن أمر)، أو تُطَمئنه أو تزجره، سواء قَصَده المتكلم أو لم يقصده([13]). وفي السياق الفقهي يتمثل الأثر الذي تستتبعه العبارة المنطوقة في: وقوع الطلاق، أو وجوب الشرط أو النذر، أو لزوم ما يلزم باليمين أو القسم أو الوعد.

وبذلك يمكن “النظر إلى اللغة على أنها أداء أعمال مختلفة في آن واحد، وما القول إلا واحد منها”([14])، فالمتكلم يقوم بالقول بأعمال منها: الإخبار عن أمر، أو الزواج، أو الطلاق، أو الإجابة، أو الالتزام بمقتضى وعد أو قَسَم، أو بعمل من أعمال البيع، وغيرها. وقد فرّقت نظرية الفعل الكلامي بين ثلاثة أنواع من الجمل بحسب سادوك و زويكي([15]):

  • 1- الجمل الخبرية declarative sentences: ويكون غرضها الإخبار، و”تستعمل للإعلانات والتصريحات والدعاوى وسرد القصص ونحوها”.
  • 2- الجمل الاستفهامية interrogative sentences: و”تستخدم لطلب إجابة لفظية من المخاطب”.
  • 3- الجمل الطلبية imperative sentences: و”تدل على رغبة المتكلم في التأثير على الأفعال المستقبلة، وتستخدم للطلبات، وإصدار الأوامر والاقتراحات، ونحوها”([16]).

(2) عينة الدراسة

اتخذت الدراسة من الحيل اللغوية الواردة في كتاب (المخارج في الحيل) للشيباني (وفي رواية السرخسي للكتاب نفسه) عينة لها. وكان ضابط الحيلة اللغوية: الحيل التي صُنعت باستخدام وسائط لغوية، على نحو أدَّتْ فيها الواسطة اللغوية إلى صناعة تسوية لفظية يتحقق بها غرض التخارج من المأزق: التواصلي أو الفقهي في الموقف الكلامي (لا من جهة كون العبارة قولًا ذا طبيعة إنجازية -كعبارات العقود-وحسب، ولكن من جهة كون القول ممارسة لغوية يُوظّف فيها قَدْر من الغموض في الأداء الكلامي للغة).

إجراءات اختيار العينة

  • ضُبط تكرار هذه الحيل (فإذا وردت الحيلة مرتين في نص متشابه في الكتاب نفسه، أو في أصل الكتاب في رواية السرخسي له، فإنني أذكرها مرة واحدة، وأحيل إلى موضع التكرار في الهامش.
  • إذا ورد أكثر من مثال تستخدم فيه الواسطة اللغوية نفسها، فإنه يُكتفى بمثال دال من هذه الأمثلة، ويُختار المثال الدال بناءً على معيار نوعي أو كمي:

فإذا كان المثال يحتوي على أكثر من لفظ وُظّفت فيه الوسائط اللغوية (متشابهة أو مختلفة)، اختيرت الحيلة التي وُظّف فيها أكثر من لفظ، فإذا تساوت الأمثلة في ذلك، اُختير المثال الذي تكرر وروده في الكتاب.

  • في حال ورود نص دال على إستراتيجية الفقيه في صناعة الحيلة، كأن يسوّغ شرعية هذه الحيلة، أو يذكر خلافًا فقهيًّا له دلالة تنعكس على اللغة، يُدرج هذا النص مع الشواهد.

(3) إجراءات التحليل

فحص البحث الطريقة التي صنع بها الفقيه الحيلة اللغوية برصد ثلاثة جوانب: الأول: وسائط اللغة التي استخدمت لإحداث تغييرات في بنية الجملة أو القول (يقصد بالقول: المنطوق من اللغة، ولو لم يكن جملة تامة، مثل: حرف الجواب (نعم)، كما سيأتي)، وتكون هذه التغييرات مؤثرة في الدلالة والحكم الفقهي. والثّاني: أثر هذه التغييرات على المستوى الدلالي (مثلًا: في الوسائط النحوية: فحص التغيير الذي أدى إلى تحويل جملة القَسم الطلبية إلى جملة استفهامية أو خبرية، ليحيل مقتضى الكلام من التأثير على أفعال المخاطب بإلزامه فعلًا أو موقفًا، إلى الاستفهام الذي يتطلب جوابًا لفظيًّا لا إلزامًا، أو في الوسائط البلاغية: أداء العبارة لمعنيين: قريب وبعيد). والثالث: فحص الأداء اللغوي في الموقف الكلامي (بين المتكلم والمخاطب)، وهذا هو المستوى التداولي، لبيان أثر هذا الأداء على تحقيق التسوية (وهو الغرض من الحيلة).

(4) أقسام البحث

جاء البحث في أربعة مطالب، تناول كل مطلب منها واسطة من هذه الوسائط، ورصد صورها وتطبيقاتها بالشاهد والمثال: درس المطلب الأول: الوسائط الصوتية، وتناول المطلب الثاني: الوسائط النحوية، ودرس المطلب الثالث: الوسائط البلاغية، وتناول المطلب الرابع: الوسائط الدلالية (المعجمية). وقد جعلت الواسطة الدلالية (المعجمية) آخر الوسائط في الترتيب لسببين: (1) أنها تمثلت في واسطة واحدة؛ (2) أنها متعلقة باستثمار الفقيه للفروق الدلالية في معاني الألفاظ لا بتغيير في اللغة.

ومعلوم التداخل بين هذه المستويات اللغوية: الصوتية والنحوية والبلاغية والمعجمية، فما يكون نحويًّا قد يتداخل مع البلاغي والمعجمي، وهكذا، ومعلوم أيضًا أن هذه المستويات تتضافر جميعها من أجل إنتاج الدلالة التي تستثمرها الحيلة اللغوية في التنويع بين مقصد المتكلم وفهم المخاطَب.

ولما كان مبنى الحيلة على إضمار القصد من القول، وإيهام المخاطب بغير قصد المتكلم، كان تحقيق الغموض، في الفعل التواصلي نفسه، معيارًا لنجاح الحيلة،فصناعة الحيلة محلها إحداث تغييرات في بنية الجملة تؤدي إلى تعديل القصد الذي تؤديه العبارة، لأجل افتعال تسوية للموقف، دون أن يصل هذا المعنى إلى فهم المخاطب؛ لأن قصد المتكلم، في الحيل، يكون منعقدًا في نيته، يفتعله بأدوات اللغة لكي يحقق غرضه وينجو من المأزقين: الشرعي الفقهي، والتواصلي الاجتماعي، حتى إذا ما أقسم مضطرًا فإنه لا يحنث، أو إذا ما حدّث -بما لا يريد أن يبوح به- لا يكون كاذبًا. فاللغة -في مواقف هذه الحيل- وإن كانت في مظهرها فعلًا تخاطبيًّا، يؤديه المتكلم لإبلاغ المخاطب، لكنها -على مستوى الممارسة- أداة تتعمد الإيهام والإبهام على المخاطب.

المطلب الأول: الوسائط الصوتية

إذا فحصنا الوسائل الصوتية التي استخدمت في صناعة الحيلة اللغوية نجد أنها تقع في المستوى النطقي، ونعني به: كيفية نطق الحروف، فإذا كانت عملية التواصل اللغوي تتحقق بالرسالة المنطوقة، بين متكلم يقوم بعملية (الإرسال)، وسامع (يستقبلها) ويفهم فحواها، فإن “مراحل انتقال الرسالة اللغوية بواسطة الكلام تتضمن أربعة مستويات أساسية”([17])، كما “أن أي خلل يطرأ على هذه السلسلة [عمليات: الإرسال، والاستقبال، والإدراك] في إحدى حلقاتها يعوق عملية التواصل، وقد يفسدها تمامًا أو يجعلها تدخل في باب المحال”([18]). ومستويات انتقال الرسالة اللغوية عند المتكلم تتعاقب على النحو الآتي([19]):

1- المستوى اللغوي: ويتمثل في: الشفرة اللغوية: الكلمات والجمل.

2- المستوى العصبي: ويتمثل في وظائف المخ التي تتولى إنتاج الصوت اللغوي عن طريق أعضاء النطق: “بحيث تخرج لنا بالصوت الصحيح في موقعه الصحيح”([20]). ويتحقق به الوجود النطقي للرسالة المنطوقة.

3- المستوى الفسيولوجي: ويتمثل في الانتقال من المتكلم إلى السامع، ويتحقق به “الوجود الفيزيائي” للرسالة المنطوقة.

أما “لدى السامع، فينعكس الترتيب والتعاقب بين هذه المستويات ليصير”([21]):

1- المستوى الفسيولوجي: ويتمثل في تَلَقّي الصوت من خلال الأذن.

2- المستوى العصبي: ويتمثل في تفسير الرسالة المسموعة من خلال المخ.

3- المستوى اللغوي: ويتمثل في الشفرة اللغوية المتمثلة في الكلمات والجمل

“ويقع المستوى الرابع -وهو المستوى الفيزيائي- مرحلة وسطى ما بين التكلم والسماع، أو -بعبارة أخرى- ما بين الإرسال والاستقبال، حيث يتم نقل الرسالة المنطوقة لتصبح رسالة مسموعة”([22]).

وتُصنَع الحيلة اللغوية (بالوسائط الصوتية) عند المتكلم على مستوى إنتاج الأصوات اللغوية (المستوى العصبي)، بحيث يُنتج أصواتًا تحدِث تغييرًا في معاني الكلمات أو الجمل (المستوى اللغوي).

وتستهدف هذه الحيل سمع السامع (المستوى الفسيولوجي) في المقام الأول، لأنها تتطلب إيقاع الإيهام في إدراكه (المستوى العصبي)، ذلك أن “وظيفة السمع بالنسبة للسامع تحتلّ المركز الأول من الأهمية؛ لأنها وسيلته الأساسية -وربما الوحيدة- لإدراك معنى الرسالة المنطوقة، وليس كذلك الأمر بالنسبة للمتكلم؛ فوظيفة السمع عنده ليست أكثر من وسيلة لمراقبة حركات أعضاء النطق، وتحقيق التطابق بين الرسالة الصوتية التي ينبغي بثها، والأداء الصوتي الصادر عنه بالفعل”([23]).

وفيما يأتي رصد للوسائط الصوتية التي استُعملت في صناعة الحيل، مع فحص أثرها على المستوى النطقي (للمتكلم)، والأثر الذي أحدثته عبارة المتكلم على مستوى اللغة (الألفاظ والتراكيب) ودلالاتها:

1-الإبدال الصوتي

صورته: إبدال وحدة صوتية بوحدة صوتية أخرى.

النّصّ: “قلت: فإن قالت هي له: كل امرأة تتزوجها فهي طالق حتّى ترجع إلينا، فقال: “نَعَبْ”، وظنّت المرأة أنّه قال: “نعم.”؟ قال: هذا أيضًا مخرج”([24]).

  • التغيير الحاصل على المستوى النطقي (للمتكلم): استبدال حرف الباء بحرف الميم في حرف الجواب (نعمْ)، وهذا الإبدال الصّوتيّ بين حرفين متجانسين؛ أي يخرجان من مخرج واحد، وهو الشّفتان. فيقول المتكلم: (نعب).
  • أثره على المستوى اللغوي والدلالي: أدّى الإبدال الصوتي إلى تجنب النطق بـ(نعم) “وهي حرف تصديق ووعد وإعلام”([25])،”وتأتي للتوكيد”([26])، إلى انتفاء هذه الدلالات جميعًا ولوازمها، من قصد المتكلم، وصارت دلالة اللفظ عند المتكلم مختلفة عن دلالته عند السامع مع إيهام السامع بعكس ذلك.

2-الإدغام

صورته: إضافة وحدة صوتية مع إدغامها.

النّصّ: “إذا عرفنا هذا فنقول: ينبغي أن ينوي شيئًا هو من محتملات لفظه، أو يكون راجعًا إلى تخصيص ما في لفظه حتى يكون عاملًا، وأسهل طريق قالوا في هذا النّوع من الأيمان أنّ القاضي إذا قال له: قل: “والله”، ينبغي أن يقول: “هو الله”، فيدغم الهاء على وجه لا يفطن به القاضي، ثمّ يمضي في كلامه إلى آخره، فلا يكون ذلك يمينًا، ولا يأثم فيه إذا كان مظلومًا”([27]).

  • التغيير الحاصل على المستوى النطقي (بالنسبة للمتكلم): زيادة وحدة صوتية (حرف الهاء) قبل واو القسم، مع إدغامها في الواو، فيقول المتكلم: (هو الله)، بدلًا من: (والله).
  • أثره على المستوى اللغوي والدلالي: صارت جملة القسم الإنشائية جملة خبرية، فتغير مقتضى الكلام (بالنسبة للمتكلم) من القسم الذي يتطلب أداءً إلى الإخبار، الذي لا يلزم منه أداء، مع إيهام السامع النّطق بلفظ القسم على حقيقته.

3- زيادة همزة الاستفهام

صورته: زيادة همزة الاستفهام على همزة الفعل المضارع المتكلم، مع تسهيل همزة المضارع.

النص: “قلت: فإن قال: كل امرأة أتزوّجها فهي طالق حتّى أرجع إليكم، كيف يصنع؟ قال: يقول كل امرأة آتزوجها فهي طالق حتّى أرجع إليكم؟ فيكون ذلك استفهامًا من الحالف، للألف التي زادها في أوّل حلفه([28]).

  • التغيير الحاصل على المستوى النطقي (بالنسبة للمتكلم): إدخال وحدة صوتية لها دلالة نحوية طلبية (همزة الاستفهام) على وحدة صوتية أخرى: (همزة المضارع المتكلم) – مطابقة لها على المستوى الصوتي- مع تسهيل الهمزة الثانية.
  • أثره على المستوى اللغوي والدلالي: أدى دخول همزة الاستفهام إلى تغيير مقتضى الكلام (بالنسبة للمتكلم) من القَسَم الذي يُعدّ تأكيدًا لمضمون الكلام، ويتطلب جوابًا يقتضي التزامًا عمليًّا من المتكلم، إلى الاستفهام الذي يستدعي جوابًا لفظيًّا من المخاطب لا المتكلم.

ويلاحظ في صناعة هذه الحيلة إهمال التنغيم الذي يقتضيه الاستفهام، حيث أهمل صعود النغمة في العبارة الاستفهامية؛ لأن التنغيم واسطة صوتية تقوم “بوظيفة نحوية grammatical function إذ [يمكن أن] تستقل وحدها بالتمييز بين التركيبين: التقريري والاستفهامي، من دون إضافة أي من أدوات الاستفهام”([29])،فالحيلة تتطلب إخفاء قصد المتكلم مع إيهام السامع بغيره، والتنغيم يؤثر في فهم المتلقي الرسالة المنطوقة، ولذلك أهمل التنغيم، مع إخفائه همزة الاستفهام بإدخالها على همزة المضارع وتسهيلها.

المطلب الثاني: الوسائط النحوية

إذا نظرنا إلى بنية الجملة العربية وجدنا أنها في تركيبها تنقسم إلى أنواع: اسمية، وفعلية، وظرفية، وشرطية، فالجملة الاسمية: هي التي يكون فيها المسند إليه اسمًا، والفعلية: هي ما يكون المسند فيها فعلًا، والظرفية: هي “المصدرة بظرف أو مجرور نحو: “أعندك زيد” و”أفي الدار زيد”([30]) والجملة الشرطية هي: “الجملة الواقعة موقع فعل الشرط”([31]).

وتُؤدى بالتراكيب والأدوات النحوية للجمل أغراض: خبرية أو إنشائية، فأما غرض الخبر: فالإعلام. وقد يأتي الخبر لأغراض أخرى، وتستهدف هذه الأغراض إحداث تأثير في نفس السامع، ومنها: الاسترحام، والحث، والوعظ، والتوبيخ والتعريض، وإظهار القوة أو الحزن أو الفرح أو الشماتة، وغيرها([32])، وتكون هذه الأغراض في الجملة الخبرية منعقدة في قصد المتكلم لا بأدوات اللغة.

وأما الإنشاء: فمنه ما يكون غرضه طلب القيام بفعل ما، أو الامتناع عن أمر ما، وتؤدي نتائج هذا الطلب إلى إحداث أثر في الواقع. وتؤدَّى هذه الأغراض الطلبية بصيغ: الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والنداء.

ومن أغراض الإنشاء ما هو غير طلبي؛ فلا يُتطلّب به القيام بفعل، وإنما يراد به إحداث أثر في نفس السامع -في المقام الأول- وتُؤدَّى هذه الأغراض غير الطلبية في اللغة بصيغ: التعجب، والمدح، والذم، والقسم، وأفعال الرجاء، وغيرها([33]).

وتُصنع الحيلة الفقهية في المسافة الواقعة بين غرض المتكلم وإدراك المخاطب، فعمل الفقيه في صناعة الحيلة بالوسائط النحوية يقوم على تغيير الغرض الذي تؤديه الجملة، ولذلك يجعل التغييرات في تركيب الجملة وبنيتها متوارية -ما أمكنَه ذلك- فتكون مضمرة في قصد المتكلم متوارية في عبارته، إذ ليس غايتها أن تسترعي إدراك المخاطب، ولا أن يتحقق بها أثر في واقعه. لذلك يتركز عمل الفقيه في صناعة الحيلة على تغيير الأداة أو التركيب النحوي للجملة، تغييرًا يؤثر في بنية الجملة ولكن لا يدركه المخاطب.

وضابط الواسطة النحوية الذي اعتمدته هنا هو استثمار الأداة اللغوية التي لها وظيفة نحوية استثمارًا يُدخلها في باب الحيلة. وفيما يأتي رصد للوسائط النحوية التي استخدمت لإحداث تغيير في بنية الجمل:

1- الاستفهام المقدر

صورته: أن ينوي المتكلم تقدير همزة استفهام محذوفة في الجملة، وهو ما يصرف الكلام من التقرير إلى الاستفهام الذي يُطلب به جواب.

النص: “قلت: فإن قالت: “أحلفك بالمشي إلى بيت الله”، كيف الحيلة في ذلك؟ قال: إن قال: “أنا أمشي إلى بيت الله، إن فعلت كذا وكذا؟”، يعني بقوله: “أنا أمشي” استفهامًا، وليس ينوي إيجابًا لم يحنث إن فعل”([34]).

  • التغيير الحاصل على المستوى النحوي (بالنسبة للمتكلم): تشكّلت الحيلة بتغيير غير ظاهر في بنية الجملة، وهو مُقدّر، وله أثر في البنية غير الظاهرة للجملة. فيكون تقدير الكلام: أأنا أمشي؟ وينطقه: أنا أمشي مع عدم إظهار أداة الاستفهام والتنغيم المعبر عنه، فلا يُحدث المتكلم تغييرًا نطقيًّا يعبّر عن الوظيفة النحوية للاستفهام، فلا يدركه السامع، لا على المستوى النحوي الظاهر: همزة الاستفهام، ولا على المستوى الصوتي: التنغيم.
  • أثره على المستوى الدلالي: يقتضي هذا تغيير نوع الجملة من الخبر إلى الاستفهام، وبذلك يتغير غرض الكلام من الإقرار إلى الاستفهام الذي يقتضي طلب الجواب لا التأكيد، وهو تغيير متحقق في قصد المتكلم، وفي بنية الجملة دون أن يظهر ذلك، أو يبلغ إدراك المخاطب.

2- توجيه معنى حرف العطف (أو) إلى الإباحة

صورته: توجيه معنى حرف العطف (أو) الذي يرد في جملة قَسم شرطية فيها شرطان، ليؤوَّل معنى حرف العطف بإباحةأحد الشّرطين، فيكون الواجب ثبوت أحدهما، بدلًا من وجوب الجمع بينهما.

النص: “وإذا قال الرّجل: إن خطبت فلانة أو تزوّجتها فأجازت، فهي طالق ثلاثًا. فله أن يخطبها ثمّ يتزوّجها بعد ذلك فلا يحنث؛ لأنه أدخل حرف (أو) بين الشّرطين، فيكون الثّابت أحدهما، وتنحلّ اليمين بوجود أحد الشّرطين. فإذا خطبها أوّلًا انحلّت اليمين، وهي ليست في نكاحه، فلم يقع عليها شيء، ثمّ يتزوّجها بعد ذلك ولا يمين فلا تطلّق، بمنزلة ما لو قال: إنْ قبّلتها أو تزوّجتها، فهي طالق، فقبّلها ثمّ تزوّجها لم تطلّق. ولو تزوّجها قبل أن يخطبها ثمّ بلغها فأجازت طلّقت ثلاثًا؛ لأن الموجود هنا شرط التّزوّج، وإنّما تمّ ذلك بإجازتها، وعند تمام الشّرط هي في نكاحه، فتطلّق ثلاثًا، بمنزلة قوله: إن قبّلتها أو تزوّجتها، ثمّ تزوّجها قبل أن يقبّلها” ([35]).

  • التغيير الحاصل على المستوى النحوي: تغيير متعلق بتوجيه معنى حرف العطف (أو) من معنى الجمع (المقتضي الجمع بين الشرطين) إلى معنى الإباحة (ومقتضاه جواز الجمع بين الشرطين، وجواز الاقتصار على أحدهما)، وهو تغيير لا يظهر على المستوى النحوي التركيبي، وإنما على المستوى الوظيفي؛ لأنه متعلق بمعنى حرف العطف.
  • أثره على المستوى الدلالي: إذا أقسم وعلّق القسم بشرطين، وعبّر عنه بجملة فيها شرطان معطوفان بحرف العطف (أو)، ثم وجَّه مقصوده من حرف العطف إلى معنى الإباحة، فإن هذا المعنى المقصود (الإباحة) يؤدي إلى أن ينحلّ القسَم بوجود أحد الشرطين، دون وجوب الجمع بينهما شرطًا ينحلّ به القَسم.

فأدّى إدخال معنى الإباحة لحرف العطف (أو) إلى إباحة أحد الشّرطين، أي: جواز الاقتصار على أحد الأمرين (الخطبة أو الزواج) لكي ينحلّ قسَم الطلاق. وقد انبنى على حصول الشّرط الأوّل (الخطبة) صحّة الزّواج، وعدم إيقاع يمين الطّلاق؛ لأنّ الشرط الثاني (وهو الزواج) لم يتحقق (لأنها ليست في نكاحه)، فانحلّت اليمين بوجود الخطبة (الشرط الأول)، فبذلك صحّ الزّواج. أما إن تزوّجها دون أن يخطبها، ثمّ بلغها فأجازت وقع الطّلاق؛ لأّن الموجود هنا شرط واحد (وهو التّزوّج)، وقد تمّ هذا الشّرط. ومثلها مسألة: “إنْ قبّلتُها أو تزوّجتُها فهي طالق”.

3- تعليق الكلام بشرط

صورته: تعليق الكلام بجملة شرطية، كأَنْ يعلّقه بمشيئة الله، أي: بلفظ: إن شاء الله.

النص الأول: “قال: قلت: أرأيت رجلًا طلّق امرأته ثلاثًا أو واحدة، يقول لها: أنت طالق، فهل في ذلك حيلة حتّى لا يقع عليها الطّلاق، وترجع إليه فتكون على حالها؟ قال: نعم. قلت: فما الحيلة في ذلك؟ قال: إذا قال: أنتِ طالق ثلاثًا أو واحدة، فقال: إن شاء الله، فوصل يمينه بالاستثناء، قلت: وكذلك إن قال لعبده: أنت حرّ إن شاء الله؟ قال: نعم. قلت: ويقول هذا غيركم؟ قال: نعم([36]).

النص الثاني: “قال: حدّثنا يعقوب قال: حدّثنا أبو حنيفة عن حمّاد عن إبراهيم أنّه قال: من حلف بطلاق أو عتاق فقال: “إن شاء الله”، لم يقع طلاق ولا عتاق، فمن حلف بشيء من هذه الأيمان فقال: “إن شاء الله”، فقد برّ ولم يحنث، ولا يقع عليه شيء، ومن حلف بنذر أو غير ذلك من الأيمان المغلّظة فقال: “إن شاء الله”، فقد برّ وخرج من يمينه. وقال أبو يوسف: فقد حدّثنا أبو بكر النهشليّ عن الحسن البصري ومحمّد بن سيرين أنّهما قالا في ذلك: “يقع الطّلاق؛ لأن الله قد شاء الطّلاق”. قال: فقد بلغنا حديث الحسن عن ابن سيرين في ذلك، ولسنا نأخذ به”([37]).

النص الثالث: “فإذا قال الرّجل لمملوكه: “أنت حرّ إن شاء الله” فقد برّ، والاستثناء له، وإذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فله الاستثناء ولا طلاق عليه”([38]).

  • التغيير الحاصل على المستوى النحوي: وَصْل الكلام بجملة شرطية تتعلق بالمشيئة الإلهية، بزيادة عبارة: “إن شاء الله” في نهاية الكلام، هذا التّعليق بالمشيئة جملة شرطيّة، وإن اصطلح الفقهاء المتقدمون على تسميته بالاستثناء، فالمقصود به تعليق كلام سابق على كلام لاحق.
  • أثره على المستوى الدلالي: أدّى استخدام صيغة (إن شاء الله) إلى جعل الخبر في الجملة الخبرية معلقًا، فلا يلزم وقوعه، فالمتكلم حين يعلّق كلامه بمشيئة الله، فإن ذلك يستدعي عدم إيقاع الطلاق والعتاق أو غيرهما من ضروب الكلام على المتكلّم، فيكون الطلاق والعتاق معلّقين بالمشيئة، فلا يقعان، وهذا يؤدي إلى أن المتكلم لا يكون حانثًا.

وفي المسألة خلاف فقهي، كما يبين النص المنقول، غير أن الواسطة النحوية التي وظفها الفقيه للتخارج من الحكم الفقهي واحدة، وإن اختلفت أقوال الفقهاء فيما يقع -أو لا يقع- من الأحكام.

4- توظيف المستثنى منه لإبطال شرط الاستثناء

صورته: توظيف عبارة (كلما شئت) في سياق الاستثناء لإخراج كلام لاحق من كلام سابق، بأن يجعل الشرط المنعقد عليه الاستثناء واسعًا؛ بحيث يبطل به شرط الاستثناء.

النص الأول: “قلت: فإن قال: أنت طالق إن خرجت من الدّار إلّا بإذني، فخاف أن يأذن لها، ثمّ تخرج مرّة أخرى بغير إذنه فيحنث، كيف الحيلة في ذلك؟ قال: يقول: قد أذنت لك في الخروج أبدًا كلما شئت، فتخرج متى شاءت”([39]).

النّصّ الثاني: “ولو قال لامرأته: إن دخلت دار أبيك إلّا بإذني فأنت طالق، فالحيلة في ألّا يحنث أن يقول لها: قد أذنت لك في دخول هذه الدّار كلّما شئت، فتدخل كلّما شاءت ولا يحنث؛ لأنّه جعل الدّخول بإذنه مستثنى من يمينه، والإذن بكلمة كلّما يتناول مرّة بعد مرّة ما لم يوجد النّهي، فهي في كلّ مرّة إنّما تدخل بإذنه إلّا أن يمنعها من الدّخول، فحينئذٍ إذا دخلت بعد ذلك كان دخولًا بغير إذنه”([40]).

  • التغيير الحاصل على المستوى النحوي: أُلحِقت بجملة الاستثناء جملةٌ أخرى جعلت المستثنى منه واسعًا، وأبقت من الاستثناء الاصطلاحي بـ(إلا) صورته.
  • أثره على المستوى الدلالي: زوال معنى القيد من الشرط، وذلك بأن جعل المستثنى منه واسعًا على نحو يزول به القيد المعلق بوقوعه يمين الطلاق، وهو ما يؤدّى إلى إمكان ممارسة الفعل المنعقد بحصوله يمين الطلاق، دون أن يؤدي ذلك إلى وقوع يمين الطلاق.

5- النفي بعد الإثبات

صورته: استخدام عبارتين متناقضتين؛ إحداهما تثبت أمرًا، والثانية تنفيه.

النّصّ: “قلت: أرأيت الرجل يتهم جارية أنّها سرقت له مالًا، فقال: أنت حرّة إن لم تصدقيني، وخاف المولى ألّا تصدّقه فتعتق، كيف الحيلة في ذلك؟ قال: تقول الجارية: “قد سرقته”، ثم تقول بعد ذلك: “لم أسرقه”، فلابد من أن تكون قد صدقته في أحد الكلامين، فيكون قد برئ من يمينه”([41]).

  • التغيير الحاصل على المستوى النحوي (في عبارة المخاطب):أُتْبِعت جملة الإثبات التي تفيد إقرار الجارية بالسرقة، بجملة أخرى منفية تفيد نفيها السرقة عن نفسها.
  • أثره على المستوى الدلالي: لما كانت إحدى الجملتين مثبتة، حُكمها: إثبات فعل السرقة للجارية، والثانية منفية، حكمها نفي فعل السرقة عنها، كانت الجملتان متناقضتين، وصِدق إحداهما يستلزم عدم صدق الثانية. وقد تشكلت الحيلة الفقهية في نُطق الجارية بجملة النفي؛ لأن شرط يمين المولى بإعتاقها منعقد بعدم تصديقها لحكم جملة الإثبات، فلما قالت جملة النفي حصل عدم التصديق، وهذا يدفع عنه حكم الإعتاق المنعقد بوجود التصديق؛ لأنها -على المستوى القولي- نطقت بجملة تقتضي -في بِنيتها- عدم التصديق، فحصل شرط ينقض الشرط المعلّق به يمين الإعتاق، فسقط عن المولى وجوب العتق، بقولها ذلك.

6- تغيير الوظيفة النحوية لـ (ما)

النّصّ: “قال: قال رجل لإبراهيم: إنّي ذكرت من رجل شيئًا فبلغه ذلك، فكيف الحيلة في ذلك؟ وكيف أعتذر إليه؟ فقال له إبراهيم: قل: والله إنّ الله ليعلم ما قلت لك [كذا] من ذلك من شيء. فإنّ الله قد علم -حين قلت ما قلت- خيرًا قلت أو شرًّا، قال: أو لم تقل”([42]). “يعني: إنّ الله يعلم كلّ شيء”([43]).

  • التغيير الحاصل على المستوى النحوي: تشكلت الحيلة بتوجيه الفقيه الوظيفة النحوية لـ (ما) من النفي إلى الموصولية، فتكون (ما) اسمًا بمعنى: الذي، ومعناها يتم بجملة الصلة بعدها([44])، وهي -أي جملة الصلة- محلّ القسم. وهو تغيير لا يظهر في البنية الظاهرة للجملة.
  • التغيير الحاصل على المستوى الدلالي: بتوجيه معنى (ما) في عبارة الحيلة إلى معنى الموصولية، تكون: “ما قلتُ” بمعنى: “الذي قلتُه”، ويكون القسَم في قصد المتكلم موجّهًا إلى معنى: “إن الله علم كل شيء قلته”. ويكون فهم المخاطب للعبارة متوجهًا إلى معنى النفي،فتكون)ما( نافية، ويكون المعنى المتوهم هو نفي القول عن القائل: “ما قلت”: أي: “لم أقل”.

المطلب الثالث: الوسائط البلاغية

يُعدّ الغموض من إستراتيجيات البلاغة، وتؤدى به غايات بلاغية واتصالية؛ فأما البلاغية: فمتعلقة بحُسن الأسلوب، وتحقيقه التأثير والإقناع في المتلقي، وأما الاتصالية: فتتعلق بتعمّد المتكلم إخفاء قصده عن المخاطب في الموقف الاتصالي؛ لرفع حرج أو خروج من مأزق تتباين أسبابه([45]). وتتخذ البلاغة التورية واسطة بلاغية tactic لتحقيق الغموض، ويشير مصطلح Paronomasia (التورية) (اختار مترجمو موسوعة البلاغة مصطلح )الجناس( مكافئًا للمصطلح الإنجليزي. ولعل مصطلح (الجناس التام) يعبّر عن التماثل الحاصل بين لفظين من جهتي الصوت والتركيب، يردان في منطوق الكلام متحدين لفظًا ومختلفين معنى، في عبارة واحدة. وهذا الشرط لم يتحقق في الأمثلة الواردة في الحيل، بينما يعبّر مصطلح (التورية) عن الغاية التداولية في الاستعمال). “إلى نوع من الحيل اللفظية؛ على أن الحيل اللفظية بصفة عامة يمكن وصفها من خلال علاقات خاصة بين الكلمات وبعضها بعضاً داخل إطار الثلاثية التي تجمع ما بين البناء الصوتي (phonology)، والتهجئة (graphemics)، والدلالة (semantics)”([46]).

ولهذه الحيل اللفظية ستة أنواع، وما يعنينا منها هنا هي الأنواع التي يتطابق فيها النطق ويختلف المعنى، إذ لا عبرة بالرسم الكتابي، ولا بتطابق المعنى مع اختلاف الألفاظ؛ لأن الموقف الاتصالي الذي يصنع له الفقيه حيلته اللغوية في كتاب (المخارج في الحيل) موقف شفهي، والمأزق التواصلي في هذا الموقف هو مأزق تخاطبي -في المقام الأول- فالتخارج منه إنما يكون باللغة في صورتها المنطوقة، ولذلك كانت إحدى وسائط الفقيه في صناعة الحيلة أن يصنع حيلته بعبارة أو لفظ يتطابق فيه النطق، ويحتمل أكثر من معنى. وفيما يأتي أنواع هذه الحيل اللفظية التي تُستخدم في الموقف الشفهي:

  • حيلة التطابق الصوتي (homophonic wordplay) وسماتها تتمثل في: (تطابق البناء الصوتي) [المتمثل في النطق اللفظي]، و(اختلاف التهجئة) [المتمثلة في الرسم الكتابي]، و(اختلاف المعنى)([47]).
  • حيلة اختلاف الهجاء (Metagraphic wordplay) وسماتها تتمثل في: (تطابق الصوت)، و(تطابق المعنى)، و(اختلاف التهجئة)” ([48]).
  • حيلة المشترك اللفظي (Homonymic wordplay) وسماتها تتمثل في: (تطابق الصوت)، و(تطابق التهجئة)، و(اختلاف المعنى)”([49]).

وبالنظر إلى الحيل اللفظية التي استعمل فيها الفقيه التورية نجد أنها اقتصرت على النوعين: الأول والثالث؛ إذ لا معنى لتطابق المعنى في صناعة الحيل التي يتطلبها الموقف الذي عُني بها الفقيه.

  • الواسطة البلاغية الأولى: التورية

ويصنع الفقيه حيلته بواسطة التورية، من خلال توظيف المشترك اللفظي، “وهو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر”([50]). وتقع هذه الحيلة في الإحالة، بحيث يقصد المتكلم إحدى الإحالات من محتملات اللفظ، ويفهم المخاطب محالًا إليه آخر. ويمكن أن يكون المحال إليه:

  • في الأفعال: الحدث المحال إليه، حقيقةً أو مجازًا؛ (مثل: فعل القيام؛ حيث يقصد به المتكلم النهوض بالأمر، ويفهم منه المخاطب الحركة الفيزيائية: الوقوف).
  • في الأسماء: المعنى اللغوي للفظ؛مثل تفاوت معاني (القرء)، أو (العين) أو (الجارية) أو (الوطء). أو الشيء المشار إليه في العالم الخارجي؛ مثل: (هذا البيت أو ذاك). ذلك أن معنى اللفظ يمكن أن يتعين بنوعين أساسيين من الإحالة([51]):

(1) الدلالة المرجعية للكلمة: المعنى بوصفه إحالة إلى شيء خارج اللغة: حيث يتحدد معنى اللفظ بتعيين المشار إليه (المرجع: الشيء الذي تشير إليه الكلمة في العالم الخارجي)، ويتحدد معنى الكلمة بوصفها تعبيرًا يحيل إلى شيء مشار إليه خارج اللغة. ومثاله: يتحدد معنى (هذا البيت) بتعيين البيت الذي يشير إليه هذا اللفظ، في العالم الخارجي.

(2) الدلالة اللغوية للكلمة: المعنى بوصفه مفهومًا أو تمثيلًا عقليًا: حيث تتحدد الدلالة اللغوية للكلمة بعلاقتها بالكلمات الأخرى داخل اللغة. ويعرّف المعنى اللغوي للكلمة بتعيين صلاتها بالمفردات الأخرى في اللغة (ومنها العلاقات الدلالية: التخصيص والتعميم، والحقيقة والمجاز، والترادف والتضاد، والاشتمال). فيكون معنى (البيت): المسكن، والمبنى، والخباء، والدار، والقصر، وغيرها من المعاني التي يُستعمل فيها اللفظ، مثل: بيت الشِّعر، وبيت الله: أي: المسجد.

وإذا نظرنا إلى العبارات التي استخدمت التورية لصناعة الحيل، نجد أن الفقيه قد وجّه اللفظ الموجود في العبارة إلى معنى يقصده المتكلم (وهو المعنى البعيد)، مع توظيف احتمال (المعنى القريب) الذي يتبادر إلى فهم المخاطب.

وإذا كانت الدلالة اللغوية للفظ متعلقة بمعناها اللغوي، وهو أمر تمتلكه اللغة وتؤثر فيه، فإن الدلالة المرجعية للفظ متعلقة بأمر خارج اللغة (وهو المرجع أو الشيء المشار إليه في العالم الخارجي)، وهذا يجعل الدلالة المرجعية في قبضة المتكلم([52]) متأثرة بقصده في تعيين المشار إليه، في السياق الذي قيل فيه الكلام، مع إمكانه إخفاء القصد عن المخاطب وإيهامه بغيره.

وقد اُعتُبرت الغاية التداولية في تصنيف  الوسائط البلاغية في الحيل؛ بحيث روعي القصد من الأداء، فجعل ضابط التورية ليس أصل الوضع اللغوي، وإنما أن يقصد المتكلم معنى، ويفهم المخاطَب معنى آخر، بما يُنشئ حيلة لغوية تتحقق بها إستراتيجيات الغموض؛ لأن المعتبر هو المقام وماجربات الكلام بين المتكلم والمخاطب. وهذا الضابط يتسع لتدخل الحقيقة والمجاز في مفهوم التورية؛ بأن يقصد المتكلم المجاز مثلًا، ويفهم المخاطب الحقيقة. قال ابن جني في (باب في أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة): “اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة، وذلك عامة الأفعال”([53]).

وفيما يأتي أمثلة من الحيل التي وُظّفت فيها ألفاظ المشترك اللفظي في التورية:

أولا: ألفاظ وظّف فيها تعدد الدلالة اللغوية للمشترك اللفظي

1-الاختلاف في المعنى الحقيقي والمعنى المجازي:

  • لفظ التورية: سدَّدني

النّصّ الأول:

“قال: وحدّثنا يعقوب عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم أنّه قال له رجل: إنّ فلانًا يأمرني أن آتي مكان كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذلك، فكيف الحيلة لي؟ قال له إبراهيم: قل له: والله ما أبصر إلّا ما سدّدني غيري. واعْنِ: إلّا ما بصّرني ربّي”([54]).

النص الثاني:

“حدّثنا يعقوب قال: حدّثنا عقبة، وأتاه رجل فقال: يا أبا عمران، إنّ الأمير يريد أن يضرب على البعث، وقد خبّرته أنّي لا أبصر وأنا أبصر قليلًا، فإنّه يريد أن يحلّفني بالله: ما تبصر، فما الحيلة في ذلك؟ قال له إبراهيم: احلف بالله ما تبصر إلّا ما سُدّدت وسدّدك غيرك، واعْنِ: أنّ الله هو الذي يسدّدك”([55]).

معنى السدّ: “إغلاق الخلل وردم الثلم”، “وَسَدَّدَهُ: أَصلحه وأَوثقه”([56])، “واسْتَدَّ الشيءُ إِذا اسْتَقَامَ”([57]).فيكون السدّ معبّرًا عن وجود عيب (حقيقي أو مجازي)، ويكون التسديد بمعنى إصلاح ذلك العيب أو سد الخلل. وقد صنع الفقيه حيلته بتوظيف المعنيين: (الحقيقي والمجازي) في المساحة الواقعة في دائرة الحاجة إلى القوة الباصرة (المباشرة أو غير المباشرة) من مانح يُعطيها، فاستخدم لفظ: التسديد بمعنيين:

  • المعنى القريب: وهو معنى المخاطب، وهو المعنى الحقيقي، فيكون (التسديد) معبّرًا عن حاجة غير المبصر لمن يقيم سيره على الطريق بمساندة حسية، ولازم الحاجة هنا: ذهاب حاسة البصر.
  • المعنى البعيد: وهو معنى المتكلم، وهو المعنى المجازي، فيكون معنى (التسديد): منح القوة الباصرة الحسية والمعنوية التي يُبصر بها المرء، ويَتوصل بها إلى السير على الطريق من مصدر إلهي، ولازمه حاجة هذه القوة إلى مصدرٍ مانح لها.
  • لفظ التورية: الوطء

النص: “قلت: فإن قال لها: كل امرأة أتزوجها فأطأها فهي طالق حتّى أرجع إلى الكوفة، قال: هذا حانث، إلّا أن يعني: فأطأها بقدمي. قلت: فإن عنى ذلك؟ قال: يدين فيما بينه وبين الله”([58])،”لأنّ المنويّ من محتملات لفظه، وقال بعض مشايخنا رحمهم الله: ينبغي أن يدين في هذا الموضع في القضاء، لأنّه نوى حقيقة كلامه، فالوطء يكون بالقدم حقيقة، إلّا أنّا نقول: الوطء متى أضيف إلى النّساء فهو حقيقة في الجماع دون الوطء بالقدم، وإنّما يراد الوطء بالقدم إذا ذُكر مطلقًا غير مضاف إلى النّساء، فلهذا لا يدين هنا في القضاء، وهو مدين فيما بينه وبين الله تعالى”([59]).

تتناول هذه الفتوى يمين الطلاق المعلّق بالوطء، وتقوم الحيلة هنا على توجيه معنى (الوطء) في نية المتكلم، باستثمار “محتملات لفظه”، للخروج مما يوجب حكم الطلاق، ومن أجل إيهام المخاطب بوقوعه “إن حلّفته بطلاق كل امرأة يتزوجها عليها”([60]). وقد وُجّه لفظ (الوطء) ههنا بمعنيين:

  • المعنى القريب: المعلوم من الجماع، وهو المعنى المجازي. وقيل: إنه المعنى الحقيقي؛ لأن “الوطء متى أضيف إلى النّساء فهو حقيقة في الجماع”. ولذلك اُختلف في حكم هذا اليمين المعلّق بالوطء؛ أفيه مخرج لغويّ أم لا؟ باعتبار أن المعنى الحقيقي للوطء إذا أضيف للنساء فهو الجماع، فلا يمكن الخروج منه إلى معنى الوطء بالقدم.
  • المعنى البعيد: وهو المعنى الحقيقي للوطء بالقدم. وهو المعنى الذي يريد الفقيه أن يوجّه قصد المتكلم إليه في صناعة الحيلة للخروج من المأزق الشرعي في كلامه.
  • لفظ التورية: اعترضتُ

النّصّ:

“قال عقبة: وأتاه رجل فقال: يا أبا عمران، إنّ رزقي في الدّيوان، وإني اعترضتُ على دابة، وإنّ دابّتي نفقتْ، وإنّهم يريدون أن يحلفوني بالله إنّها الدّابة التي اعترضتُ عليها، فكيف الحيلة في ذلك؟ قال له إبراهيم: اذهب فاركب دابّةً، واعترض عليها على بطنك اعتراضًا، ثمّ احلف بالله إنّها الدّابة التي اعترضت عليها، وانو بها الدّابة التي اعترضت عليها على بطنك”([61]).

في هذا المثال يصنع الفقيه حيلة لغويّة يستدفع بها إثم اليمين، عن سائل فقير يريد أن يحصل على دابة من رزق الديوان -الذي فيه نصيب للفقراء- بدل دابته التي نفقتْ، مستفيدًا من مشاركته في ركوب دابة (أخرى) يوم العرض. ووجّه الفقيه السائل إلى أن يقصد بلفظ (الاعتراض) غير المعنى الذي يريده المخاطب، ثم أن يقصد بـ(الدابة) غير دابة العرض، ليخرج من الإثم إن حلف ليحصل على بدل عن دابته التي نفقت.

وفي هذا المثال تقع الحيلة في لفظين: الدلالة اللغوية: للفظ (الاعتراض)، والدلالة المرجعيّة: للفظ: (الدابة)، (وستأتي في بابها). أمّا الدلالة اللغوية للفظ (الاعتراض):

  • فالمعنى القريب: وهو معنى المخاطب، هو المناسب لسياق القول، وهو ركوب الدابة وقت العرض([62]). وهو معنى غير مباشر لحركة الاعتراض.
  • والمعنى البعيد: وهو معنى المتكلم، وهو معنى مباشر لحركة الاعتراض: أن يستلقي على الدابة عرضًا على بطنه.
  • لفظ التورية: تُقام

النّصّ الأول:

“قال: كان رجل من باهلة عَيونًا، فرأى بغلة لشريح فأعجبته، فرأى شريح ذلك، فقال له شريح: أما إنّها إذا ربضت لا تقوم حتّى تقام، فقال له الرّجل: أفّ أفّ”([63]).

النص الثاني:

“رجل قال: والله إنّي لا أجلس [كذا] فما أقوم حتّى أُقام، يعني: حتّى يقوّيني الله على ذلك فيقيمني، لا يحنث وهو صادق في يمينه، لأنّ المذهب عند أهل السّنّة والجماعة أنّ أفعال العباد مخلوق لله تعالى… فلا يقوم أحد ما لم يُقمه الله تعالى”([64]).

  • المعنى القريب: هو المعنى المباشر المنصرف إلى منح القوة الحسية التي يُستعان بها على النهوض والقيام، فيكون معنى الإقامة معبّرًا عن حاجة المرء أو الدابة إلى معين يعينه على القيام. وهو المعنى الذي يفهمه المخاطب، ويكون الـمُقيم -على هذا المعنى- هو الـمُعين من المخلوقات.
  • المعنى البعيد: وهو المعنى غير المباشر المنصرف إلى القوة الربانية، فتكون الإقامة هي منح القوة المعينة على القيام من مصدر إلهي، وبهذا المعنى تكون الإقامة فعلًا مسندًا إلى الخالق سبحانه.

وبتوجيه قصد المتكلم للمعنى البعيد لفعل الإقامة أُريد له أن يسلم من المأزق الدنيوي: عين الحاسد، ومن الإثم الشرعي إذا ما حلف.

2– تخصيص الدلالة العامة اللفظ

  • لفظ التورية: غيري

النص الأول: “قال له إبراهيم: قل له: والله ما أبصر إلّا ما سدّدني غيري، واعن: إلّا ما بصّرني ربّي”([65]).

النص الثاني: قال له إبراهيم: احلف بالله ما تبصر إلّا ما سُدّدت وسدّدك غيرك، واعن أنّ الله هو الذي يسدّدك”([66]).

قلنا -فيما سبق-: إن التسديد بمعنى: منح القوة الباصرة التي يُبصر بها المرء، ويَتوصل بها إلى السير على الطريق، ولازمه وجود مصدر مانح لهذه القوة يمنحها. وأما المانح لهذه القوة، أي: من يقوم بفعل التسديد، فهو من يمنحك إياها مطلقًا، وفي هذا المعنى يكون المسند إليه: من يعينك عليها مطلقًا إعانة بفعلٍ مباشر (حسي) أو غير مباشر (إلهي).

وتقع الحيلة في هذا المثال في نطاق تخصيص الدلالة اللغوية العامة للفظ (غير)، الذي يدل على ما سواه مطلقًا، فخُصص المعنى المقصود من (غير) في نية المتكلم، فلا يقصد به المتكلم أحدًا من البشر، بل الله عزَّ وعلا. وبهذا تكون الدلالة اللغوية للفظ (غير):

  • المعنى القريب: وهو معنى المخاطب: من يعينك من الناس (إعانة حسّية).
  • المعنى البعيد: وهو معنى المتكلم: المصدر الإلهي الذي يمنحك هذه القدرة.
  • لفظ التورية: الموضع

النّصّ: “حدّثنا يعقوب قال: حدّثنا عقبة بن أبي العيزار قال: كنّا نأتي إبراهيم النخعي -وهو متغيّب خائف من الحجّاج بن يوسف- فكنّا إذا خرجنا من عنده يقول لنا: إن أنتم سُئلتم عنّي، وحُلّفتم فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا، ولا لنا به علم، ولا في أي موضع هو. واعنوا أنّكم لا تدرون في أيّ موضع أنا فيه قائم أو قاعد أو نائم، فتكونوا [كذا] قد صدقتم؛ لا تدرون أين أنا قائم أو قاعد أو نائم”([67]).

يُقْسم المتكلّم في هذه الحيلة -خوفًا على نفسه وعلى إبراهيم النخعي من بطش الحجاج- على أنّه لا يدري موضع إبراهيم النخعي، المتخفي، ولا يُطلِق المتكلم قصده من المعنى، بل يخصص قصده -في نيته- بعدم علمه: باللحظة الآنيّة لا على إطلاق الزّمان، ويخصصه كذلك بتفاصيل الحال. وبهذا يكون عدم العلم بموضع إبراهيم بمعنيين:

  • المعنى القريب: مكان إقامة (إبراهيم النخعي) الذي يتخفى فيه عن جند الحجاج، (وهو معنى المخاطب).
  • المعنى البعيد: البقعة التي يقيم فيها، في اللحظة الحاضرة، وحاله على التفصيل، من قيام أو قعود ونحوه، (وهو قصد المتكلم).

وتقع الحيلة هنا في تخصيص الموضع المشار إليه في قصد المتكلم، وهو تخصيص إشاري.

3- اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين

حيث ترد صيغتان للاستحلاف، يُوظَّف لفظ المشترك اللفظي في كل صيغة منهما:

  •  لفظ التورية: نعم

النص: “قلت: أرأيت الرّجل يريد أن يغيب، فتقول له امرأته: كلّ جارية تشتريها فهي حرّة إلى أن ترجع إلى الكوفة. كيف الحيلة في ذلك، حتّى يشتري ولا تعتق؟ قال: يقول الرّجل: “نعم”؛ يعني: نعم بني تغلب، أو نعم بعض أحياء العرب”([68]).

وقد اُستُعمل لفظ (نعم) في هذه الحيلة بمعنيين:

  • المعنى القريب: وهو معنى المخاطب (الزوجة)، وهو: لفظ (نعم): بمعنى حرف الجواب. ولازمه التزام الزوج بمقتضى حلفه.
  • المعنى البعيد: وهو معنى المتكلم (الزوج)، “وهو: يعني: نعم بني تغلب أو غيره من أحياء العرب، أو ينوي بقلبه: واحد الأنعام”([69])، ومقتضاه عدم الإيجاب، مع إيهام المخاطب به.
  • لفظ التورية: جارية

النص: “قلت: فإن أبت إلّا أن يكون الزّوج هو الذي يقول: كلّ جارية أشتريها فهي حرّة، كيف يصنع؟ قال: فليقل: ذلك، ويعني بذلك: كل جارية سفينة”([70]).

استُعمل لفظ (جارية) هنا بمعنيين:

  • المعنى القريب: وهو معنى المخاطَب (الزوجة): (جارية) بمعنى فتاة. ومقتضاه أن تفهم الزوجة إيجاب الزوج للحلف أو نطقه به، ويكون لازم النطق: التزامه بمقتضى المنطوق.
  • المعنى البعيد: وهو معنى المتكلم (الزوج): (جارية) بمعنى سفينة، ومقتضاه عدم التلفظ بالمراد من العبارة، مع إيهام المخاطب بعكس ذلك.

ولا معنى للنطق باللفظ بهذين المعنيين (جارية: بمعنى سفينة، ونعم: بمعنى واحد الأنعام) إلا لغرض إيهام المخاطب، فالغاية هنا غاية تداولية متعلقة بالمنفعة الحاصلة للمتكلم من موقف التواصل؛ وهي التخارج من المأزق التواصلي والشرعي، وليست غاية دلالية يُتوصل بها إلى معنى تتم به العبارة.

ثانيًا: ألفاظ وظّف فيها تعدد الدلالة المرجعية للفظ

  • لفظ التورية: بيت الله

النص: “قال: وحدّثنا يعقوب عن قيس بن الربيع عن حماد عن أبيه، أنّه سئل عن رجل ادّعى عليه رجلٌ دعوى، وهو ظالم له، فقال: احلف بالمشي إلى بيت الله، كيف الحيلة في ذلك؟ قال له إبراهيم: احلف بالمشي إلى بيت الله، واعنِ مسجد حيّك، فإنّك لا تحنث”([71]).

وظّف الفقيه هنا اختلاف الدلالة المرجعية للفظ (بيت الله)، في حيلة يتخارج بها المتكلم من الحرج الشرعي لئلا يحنث، ومن الضر الواقع عليه بظلم المدعي له. فيحلف إن استُحلف، “بالمشي إلى بيت الله”. ويقصد بلفظ (بيت الله) غير المسجد المتبادر إلى الذهن عند إطلاق هذا اللفظ، فيكون لمعنى (بيت الله) دلالتان مرجعيتان:

  • المحال إليه القريب: وهو مراد المخاطب: (بيت الله الحرام)، وهو المتبادر إلى الذهن عند إطلاق لفظ (بيت الله).
  • المحال إليه البعيد: وهو المحال إليه في قصد المتكلم بلفظ (بيت الله)، وهو: مسجد حيِّه.
  • لفظ التورية: الدابّة

النص: “قال عقبة: وأتاه رجل فقال: يا أبا عمران، إنّ رزقي في الدّيوان، وإني اعترضت على دابّة، وإنّ دابّتي نفقت وإنّهم يريدون أن يحلّفوني بالله إنّها الدّابة التي اعترضت عليها، فكيف الحيلة في ذلك؟ قال له إبراهيم: اذهب فاركب دابّة، واعترض عليها على بطنك اعتراضًا، ثمّ احلف بالله إنّها الدّابة التي اعترضت عليها، وانو بها الدّابة التي اعترضت عليها على بطنك”([72]).

وهذا المثال الذي ورد سابقًا، عن فقير نفقت دابته، ويريد أن يحصل على بدل منها من الديوان، مستفيدًا من ركوبه دابة يوم العرض= قد شُكِّلت الحيلة فيه في أمرين: (أ) توظيف اختلاف الدلالة اللغوية: للفظ (الاعتراض) -كما بينا- و(ب) توظيف اختلاف الدلالة المرجعية للفظ (الدابة):

  • المحال إليه القريب: وهو المحال إليه في فهم المخاطب، ويعني: الدابة التي ركبها الفقير يوم العرض، (وهي دابة الديوان).
  • المحال إليه البعيد: وهو المحال إليه في قصد المتكلم، ويعني: الدابة التي اعترض عليها على بطنه.

غير أن دابته التي نفقتْ لم تكن موضع إشارة في الحيلة لا بلفظ (الدابة)، ولا بهاء الضمير (بلفظ: إنها)؛ لأن المتكلم أحال (في قصده) إلى الدابة التي ركبها على بطنه؛ لأن العبارة التي استُخدمت في الحيلة غير العبارة التي أُسنِد فيها الموت إلى الدابة، فالإشارة هنا متعلقة بالدابة التي اعترض عليها الحالف، والإشارة في العبارة التي أُسنِد فيها الموت إلى الدابة هي لدابته التي نفقت.

ومما ينبغي ذكره في هذا السياق أنه لابد من التنبه للجانبين الشرعي والأخلاقي في استعمال هذه الحيل؛ فهذا الفقير يريد دابة لا تحقّ له، حيثُ يُراعى سدُّ فقره من بيت المال بطريقة مشروعة؛ قال الشيباني: “من احتال بأمر يدخل عليه به في دينه مكروه لم يحتل، ولم يُعدّ ذلك منه حيلة، إنما الحيلة في أن يأخذ بالحلال، ويحتال ليترك الحرام، ذلك الحيلة”([73]).

ثالثًا: حذف المضاف إليه

  • لفظ التورية: العِدّة

النّصّ: “امرأة طلّقها زوجها، ولها عليه دين بغير بيّنة، فحلف ما لها عليه حقّ، فأرادت أن تأخذ منه، وأنكرت أن تكون عدّتها قد انقضت، تريد بذلك أن تأخذ منه نفقة بقدر دَينها. قال: يسعها ذلك؛ لأنها لو ظفرت بجنس حقها، كان لها أن تأخذه بغير علمه، فكذلك إذا تمكنت من الأخذ بهذا الطريق؛ وهذا لأن الزوج، وإن كان يعطيها بطريق نفقة العدة، فهي إنما تستوفي بحساب دَيْنها، ولها حقّ استيفاء مال الزوج بحساب دَيْنها على أي وجه كان منه. وإن حلّفها القاضي على انقضاء عدّتها، فحلفت تعني به شيئًا غير ذلك وسعها. وقد بيّنّا أنها متى كانت مظلومة، تُعتبر نيّتها، فإذا حلفت ما انقضت عدّتي، تعني عدّة عمرها وسعها ذلك”([74]).

وتؤدي هذه الحيلة إلى مخرج فقهيّ لامرأة طُلَّقت من زوجها، ولها في ذمّته دَيْن لا سبيل إلى استيفائه، فتحلف عند القاضي، تحصيلًا لحقها، على أن عدّتها لم تنقضِ، ويترتّب على ذلك تحصيل حقّها من ماله، من خلال نفقة تتوجب على الزّوج قضاءً.

و(العِدّة) لفظ يشير في دلالته اللغوية إلى: “مِقْدَارُ مَا يُعَدُّ ومَبْلغُه”، “وَقِيلَ: العِدّةُ مَصْدَرٌ كالعَدِّ”([75])، وهو من المشترك اللفظي الذي يتعلق معناه بالدلالة الزمنية أو الكمية لِما يعدّ (من الأيام وسواها). فاللفظ في دلالته اللغوية واحد، وتختلف دلالته على الزمن المعدود المضاف إليه. وقد تشكلت الحيلة اللغوية بحذف المضاف إليه الدال على نوع مخصوص من الزمن المعدود: زمن الطلاق المعدود بالقرء (في قصد المخاطب: القاضي)، وزمن العمر (في قصد المتكلمة: المرأة المطلقة)، واستُعيض عن اللفظ المضاف إلى العدة بياء المتكلم.

(ب) الواسطة البلاغية الثانية: الإضمار

النّصّ: “رجل حلف بعتق كلّ مملوك يملكه إلى ثلاثين سنة، وعليه كفّارة ظهار، فأراد أن يعتق ويجوز عن ظهاره. قال: يقول لرجل: “أعتق عبدك عنّي على ألف درهم”، فإذا فعل ذلك، جاز ذلك عنه؛ لأنّ الملك هنا وإن كان يثبت للآمر فإنّما [كذا] يثبت ذلك في حكم تصحيح العتق؛ لأنّه ثابت بطريق الإضمار، والمقصود بالإضمار تصحيح الكلام، ففيما يرجع إلى تصحيح الكلام يظهر حكم المضمر، ولا يظهر فيما وراء ذلك، فلا يصير شرط الحنث في اليمين الأولى موجودًا بهذا اللفظ، فيقع العتق عن الظّهار كما أوجبه بالكلام الثّاني”([76]).

وتقع الحيلة في هذا المثال بطلب المظاهِر ممن يملك عبدًا أن يعتِق عبده مقابل أجر يعطيه إياه المظاهر، بجملة طلبية (بصيغة أمر)، ويضمر المظاهِر قصده من طلب الإعتاق، وهو أن يكون العتق كفارة له عن الظهار، (فَعَل المظاهر ذلك؛ لأن عليه يمينًا سالفة بعتق كل رقبة يملكها ثلاثين سنة، فلم يجد ما يعتقه كفارة عن ظهاره)، فيبرّ بالقسمين معًا، فلا ينكث القسَم الأوّل، ويكفّر عن يمينه.

وتتشكّل الحيلة الفقهية في هذا الموقف بقولٍ وإضمار:

  • يتمثّل القول: في الجملة الطلبية: “أَعتق عبدك عني”، يقولها المظاهِر. ففعل الإعتاق قام به؛ أي: أدّاه على المستوى العملي: المالك المعتِقعبده بثمن،وأدّاه على المستوى القولي: الآمر: الذي دفع ثمن الإعتاق، وطلب الإعتاق بجملة طلبية فيها فعل أمر: “أعتِق عبدك عني”، وبهذا يكون الأمر بالإعتاق فِعلًا كلاميًّا للآمر.
  • ويتمثّل الإضمار في إخفاء صاحب يمين الظهار قصده من فعل الإعتاق، وهو التكفير عن يمين الظهار. وبهذا يثبت فعل الإعتاق للآمر (صاحب يمين الظهار)، ويكفّر بالإعتاق عن يمينه.

المطلب الرابع: واسطة دلالية (معجمية)

وتتعلق الحيلة في هذا المستوى حسبما وردت في كتاب (المخارج من الحيل) بتوجيه الفقيه لمعنى اللفظة. ويتمثل الاستثمار هنا في: استثمار الفروق الدلالية بين بعض الألفاظ، كما في:

  • لفظ: (الثمن)

النص: “ولو حلف لا يبيع هذا الثّوب من فلان بثمن، فباعه بجارية لم يحنث؛ لأنّ الثّمن اسم للنّقد الذي لا يتعيّن في العقد، ولأنّ البيع بثمن لا يتناول بيع المقابضة”([77]).

وقد بُنيت الحيلة الفقهية في توجيه المعنى ههنا على تحديد المكوّن الدلالي للفظ (الثمن)، للتفريق بين نوعين من الأثمان: النقود والعروض، فكان لفظ (الثمن) دالًّا على البيع بالنقود دون غيرها. وبهذا الفرق الدلالي الدقيق أخرج الفقيه باللفظ نوعًا آخر من البيع، وهو: المقايضة، فجاز لصاحب اليمين أن يحصل على جارية مقابلًا للثوب، ولا يكون حانثًا.

  • لفظ (الموسم)

النص: “قال: وحدّثني يحيى أبو زكريّا السيلحيني، قال: أخبرنا الحارث بن عبيد الإيادي البصري عن عامر الأحول: أنّ امرأة من أهل مكّة أهلّتْ بالحجّ، وسعتْ بين الصّفا والمروة، فكان بينها وبين زوجها كلام، فقال: أنت طالق ثلاثًا إن وافيت الموسم. قال يحيى: يعني: عرفة. فسُئل عطاء، فقال: تجعلها عمرةوتقيم”([78]).

ويتناول هذا المثال حيلة صنعها المفتي ليدفع عن امرأة فعلًا معلَّقًا به يمين طلاقها، فذهب (عطاء) إلى توجيه كلمة (الموسم) التي تعني -في دلالتها اللغوية في سياقها-: اجتماع الناس وقت الحج([79])، إلى معنى: أداء ركن الحج: وهو الوقوف بعرفة، وبتوجيهه اللفظ إلى معنى أداء النُسك لا مجرد الاجتماع، وجَّه الفقيه المرأة إلى أن تنوي العمرة في سعيها بين الصّفا والمروة لا الحج، فوظّف المعنى الاصطلاحي الفقهي للفظ، ثم وجه المستفتية لإخراج نُسك الحج هذا من نيتها، ومن فعلها، فلا تُتمّ الحج، وبهذا يُدفع عنها الفعل المعلَّق به طلاقها.

  • الدلالة اللغوية العامة للفظ: اجتماع الناس وقت الحج.
  • والدلالة اللغوية الخاصة للفظ: حضور عرفة أداءً للحج، (وهو معنى اصطلاحي خاص، وجّه به الفقيه لفظ اليمين، فأوّل المفتي كلمة (الموسم) -التي وردت في قول المتكلم (الزوج)-: بأداء ركن الحج الأكبر، وأخرج بذلك من اللفظ أداء غيره من المناسك.

وبتوجيه اللفظ إلى معنى الوقوف بعرفة، وجّه الفقيه فعل المستفتية ونيّتها إلى أركان العمرة، فدفع عنها بذلك الفعلَ المعلّق به الطلاق.

الخاتمة

تمثلت الحيلة الفقهية في مستويين: (أ) ممارسة تتعلق بالمفتي: يقوم من خلالها بتوجيه دلالة اللفظ المنطوق (الذي نطق به المستفتي) إلى أحد محتملات اللفظ، ليخرجه من المأزق الشرعي، وذلك باستثمار الفروق الدلالية بين الألفاظ، (مثل لفظ: الثمن)، أو بتوجيه دلالة اللفظ العام إلى معنى اصطلاحي، (كما في لفظ: الموسم). وهذا يتعلق بمستوى الدلالة المعجمية للألفاظ. و(ب) ممارسة تتعلق بالمستفتي؛ حين يُوجَّه إلى نطق عبارة الحيلة التي صُمّمت لتُخرجه بالأداء اللغوي من المأزق الشرعي أو التواصلي.

وتُوظّف في الحيلة وسائط لغوية عدّة تقع في مستويات اللغة المختلفة: الأصوات، والدلالة المعجمية، والتركيب النحوي، والوسائط البلاغية. (انظر جدول 1). ولما كانت الحيلة ممارسة قولية يقوم بها المتكلم، وُظّف الأداء الصوتي فيها على مستويين: المستوى الصوتي الذي يتعلق بالوحدة الصوتية التي يُحدث تغييرُها تغييرًا في المعنى (وتمثّلت وسائط الوحدة الصوتية في: الإدغام والإبدال وإدخال وحدة صوتية على وحدة مماثلة لها). ويتعلق بالأداء الصوتي الذيكان فاعلًافي صناعة الحيلة التي استخدمت فيها الوسائط النحوية؛ حيث يتعمّد المتكلم إخفاء تنغيم العبارة، أو إخفاء النطق بها؛ لكيلا يفطن المخاطب إلى قصده منها، (فلا يفطن بانتقال العبارة من الخبر إلى الإنشاء مثلًا).

وكانت الوسائط النحوية والبلاغية الأكثر تنوعًا، ووُظِّف في بعضها الأداء النُطقي لإخفاء القصد عن المتكلم، وكانت التورية أكثر الوسائط ورودًا. (جدول2).

ملاحق البحث

الجدول (1)

أمثلة الحيل الواردة في البحث

المستوى اللغويالواسطة المستخدمةلفظ الحيلةواسطة مساندة
الصوتيالإبدال الصوتييقول: “نعب” بدلاً من “نعم” 
الإدغاميقول: “هو الله” بدلاً من “والله” 
زيادة همزة الاستفهاميقول: “آتزوجها؟” بدلاً من “أتزوجها”عدم تنغيم عبارة الاستفهام
النحويالاستفهام المقدريقول: “أنا أمشي إلى بيت الله؟” بدلاً من “أنا أمشي إلى بيت الله”عدم تنغيم عبارة الاستفهام
توجيه معنى حرف العطف (أو)يقصد الإباحة بدلاً من التخيير 
تعليق الكلام بشرطإن شاء اللهإخفاء عبارة التعليق بالمشيئة عن المخاطب
توظيف المستثنى منه لإبطال شرط الاستثناءيقول: “قد أذنت لك في الخروج أبدًا كلما شئت” 
توظيف المستثنى منه لإبطال شرط الاستثناءيقول لها: “قد أذنت لك في دخول هذه الدّار كلّما شئت” 
النفي بعد الإثباتإتباع كلام مثبت بكلام منفينقض جملة بأخرى
تغيير وظيفة (ما)يقول: “ما قلت”، ويقصد: “الذي قلت” 
البلاغيالتورية (تعدد المرجع)بيت الله الدابة 
التورية (تخصيص العام)غيري 
الموضع 
التورية (الحقيقة والمجاز)سددني الوطء اعترضت تقام 
التورية (تعدد المعنى للفظ)نعم جارية 
التورية (حذف المضاف إليه)العدّة 
الإضمارإخفاء عبارة من الكلام عن المخاطب 
الدلالي (المعجمي)استثمار الفروق الدلالية بين الألفاظثمنتتعلق بتوجيه الفقيه لمعنى اللفظ في فتواه
استثمار الفروق الدلالية بين الألفاظالموسمتتعلق بتوجيه الفقيه لمعنى اللفظ في فتواه

الجدول (2)

إحصائية الحيل اللغوية في كتاب (المخارج في الحيل)

المستوى اللغوينسبة عدد الحيل إلى مجموع الحيلعدد الحيلأنواع الوسائط
المستوى الصوتي9.6%33
النحوي22.5%76
البلاغي51.6%162
الدلالي (المعجمي)16.1%51

المراجع

المراجع العربية

  • الأحمد، عبدالسميع مصطفى. أثر الخلافات النحوية على الخلافات الفقهية في القرآن الكريم. الطبعة الأولى، الكويت: دار المرقاة للدراسات والنشر، 2023.
  • الجارم، علي، وأمين، مصطفى. البلاغة الواضحة في البيان والمعاني والبديع. تح: قاسم محمد النوري، الطبعة الأولى، دمشق: مكتبة دار الفجر، 2014.
  •  ابن جني، عثمان.  الخصائص. تح: د. عبدالحميد هنداوي، الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتب العلمية، 2003.
  •  سلوان، توماس. موسوعة البلاغة. ترجمة: بدر مصطفى وآخرين، الطبعة الأولى، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016. (العمل الأصلي نشر في 2001).
  •  الشيباني، محمد بن الحسن. المخارج في الحيل. ويليه رواية أخرى لهذا الكتاب لمحمد بن أحمد السرخسي. J. C. Hinrichs’sche Buchhandlung.، وأعيد طبعه بالأوفست، بغداد: مكتبة المثنى، 1930.
  • صحراوي، مسعود. التداولية عند العرب: دراسة تداولية لظاهرة الأفعال الكلامية. الطبعة الأولى، بيروت: دار الطليعة، 2005.
  • علي، محمد يونس. مقدمة في علمي الدلالة والتخاطب. الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2004.
  • عمر، أحمد مختار. علم الدلالة. الطبعة الخامسة، القاهرة: عالم الكتب، 1998.
  • مصلوح، سعد. دراسة السمع والكلام: صوتيات اللغة من الإنتاج إلى الإدراك. الطبعة الأولى، القاهرة: عالم الكتب، 2000.
  • ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب. تح: اليازجي وجماعة من اللغويين، الطبعة الثالثة، أج. 3؛ 7؛ 12، بيروت: دار صادر، 1994.
  • ابن هشام، عبدالله بن يوسف. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. تح: د. عبداللطيف محمد الخطيب، الطبعة الأولى، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2000.
  • هوانغ، يان. معجم أكسفورد للتداولية. ترجمة هشام إبراهيم الخليفة، الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2020.

المراجع الأجنبية

  • Bauer M and Zirker A. Strategies of Ambiguity. First edition, New York: Routledge, 2024.
  • Hurford, James R., Brendan Heasley, and Michael B. Smith. Semantics: A Coursebook. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2007.
  • Johnson, Wendell. People in Quandaries: The Semantics of Personal Adjustment. 8th printing. San Francisco: International Society for General Semantics, 2002.
  • Riemer, Nick. Introducing Semantics. 6th printing. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.
  • Sadock, Jerrold M, and Arnold M. Zwicky. “Speech Act Distinctions In Syntax”, In Language Typology And Syntactic Description, edited by Timothy Shopen, vol. 1, 155–169. 4th ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1985.

الهوامش

([1]) Wendell Johnson, People in Quandaries: The Semantics of Personal Adjustment. Eighth printing (California: International Society for General Semantics; 2002), p.268.

([2]) Johnson, People in Quandaries, p.269.

([3]) Johnson, People in Quandaries, p.269.

([4])  Johnson, People in Quandaries, p.263.

([5])  محمد يونس علي، مقدمة في علمي الدلالة والتخاطب، الطبعة الأولى (بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2004)، 5.

([6])  يان هوانغ، معجم أكسفورد للتداولية، ترجمة هشام إبراهيم الخليفة، الطبعة الأولى (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2020)، 32.

([7])  مسعود صحراوي، التداولية عند العرب: دراسة تداولية لظاهرة الأفعال الكلامية، الطبعة الأولى (بيروت: دار الطليعة، 2005). 6.

([8]) M Bauer and A Zirker, Strategies of Ambiguity, First edition (New York: Routledge, 2024), preface of the book.

([9]) Johnson, People in Quandaries, p.268.

  ([10]) محمد بن الحسن الشيباني، المخارج في الحيل، ويليه رواية أخرى لهذا الكتاب لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (ليبسك: J. C. Hinrichs’sche Buchhandlung 1930,، وأعادت طبعه بالأوفست مكتبة المثنى ببغداد)، 6.

 ([11])  علي، مقدمة في علمي الدلالة والتخاطب، 34- 35.

([12])  هوانغ، معجم أكسفورد للتداولية، 392.

([13])  هوانغ، معجم أكسفورد للتداولية، 476.

([14])  علي، مقدمة في علمي الدلالة والتخاطب، 34.

([15])  JM Sadock and AM Zwicky, Speech Act Distinctions in Syntax. In: Shopen T. editor. Language Typology and Syntactic Description, vol. 1. Cambridge: Cambridge University Press, 1985), p. 155-196. p.160.)

([16])  علي، مقدمة في علمي الدلالة والتخاطب، 36.

([17])  سعد مصلوح، دراسة السمع والكلام: صوتيات اللغة من الإنتاج إلى الإدراك، الطبعة الأولى (القاهرة: عالم الكتب، 2000)، 7.

([18])  مصلوح، دراسة السمع والكلام، 8.

([19])  مصلوح، دراسة السمع والكلام، 6-7.

([20])  مصلوح، دراسة السمع والكلام، 6.

([21])  مصلوح، دراسة السمع والكلام، 7.

([22])  مصلوح، دراسة السمع والكلام، 8.

([23])  مصلوح، دراسة السمع والكلام، 8-9.

([24])  الشيباني، المخارج، 45.

([25])  عبد الله بن يوسف بن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تح: عبد اللطيف الخطيب، الطبعة الأولى (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2000)، 4/296.

([26])  ابن هشام، مغني اللبيب، 4/297.

([27])  الشيباني، المخارج، 113.

([28])  الشيباني، المخارج، 45.

([29])  مصلوح، دراسة السمع والكلام، 223.

([30])  ابن هشام، مغني اللبيب، 5/13-14.

([31])  ابن هشام، مغني اللبيب، 5/14، هامش (4) كلام المحقق.

([32])  علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، تح: قاسم محمد النوري، الطبعة الأولى (دمشق: مكتبة دار الفجر، 2014). 283، 284.

([33])  الجارم وأمين، البلاغة الواضحة، 317، 318.

([34])  الشيباني، المخارج، 45.

([35])  الشيباني، المخارج، 115.

([36])  الشيباني، المخارج، 1.

([37])  الشيباني، المخارج، 2.

([38])  الشيباني، المخارج، 2-3.

([39])  الشيباني، المخارج، 47، وقريب منه ص70.

([40])  الشيباني، المخارج، 122.

([41])  الشيباني، المخارج، 46، ومثله ص133.

([42])  الشيباني، المخارج، 6.

([43])  الشيباني، المخارج، 47.

([44])  ابن هشام، مغني اللبيب، 4/7، هامش (2) كلام المحقق.

([45])  أحمد مختار عمر، علم الدلالة، الطبعة الخامسة (القاهرة: عالم الكتب، 1998)، 180-183.

([46])  توماس سلوان،موسوعة البلاغة، ترجمة بدر مصطفى وآخرين، الطبعة الأولى (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016)، 3/94.

([47])  سلوان، موسوعة البلاغة، 3/94.

([48])  سلوان، موسوعة البلاغة، 3/95.

([49])  سلوان، موسوعة البلاغة، 3/95.

([50])  عبد السميع مصطفى الأحمد، أثر الخلافات النحوية على الخلافات الفقهية في القرآن الكريم، الطبعة الأولى (الكويت: دار المرقاة للدراسات والنشر، 2023)، 59.

([51])  Nick Riemer, Introducing Semantics, First edition (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), 25-32. See also :JR Hurford and MB Smith, Semantics: A Coursebook. Second edition (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), 26-34.

([52])  Riemer, Introducing Semantics, 94.

([53])   أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، تح: عبدالحميد هنداوي، الطبعة الثانية (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، 2/212.

([54])  الشيباني، المخارج، 6.

([55])  الشيباني، المخارج، 7، وقريب منه ص47 وص94.

([56])  محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، الحواشي لليازجي وجماعة من اللغويين، الطبعة الثالثة (بيروت: دار صادر، 1994م/1414ه)، 3/207.

([57])  ابن منظور، لسان العرب، 3/208.

([58])  الشيباني، المخارج، 45.

([59])  الشيباني، المخارج، 132-133.

([60])  الشيباني، المخارج، 132.

([61])  الشيباني، المخارج، 7.

([62])  ابن منظور، لسان العرب، 7/167.

([63])  الشيباني، المخارج، 6.

([64])  الشيباني، المخارج، 133، وقريب منه ص47.

([65])  الشيباني، المخارج، 6، وقريب منه ص47.

([66])  الشيباني، المخارج، 7.

([67])  الشيباني، المخارج، 6-7.

([68])  الشيباني، المخارج، 44-45، وقريب منه ص132.

([69])  الشيباني، المخارج، 132.

([70])  الشيباني، المخارج، 45، وقريب منه ص132.

([71])  الشيباني، المخارج، 5-6، وقريب منه ص45-46.

([72])  الشيباني، المخارج، 7.

([73])  الشيباني، المخارج، 24.

([74])  الشيباني، المخارج، 128-129، وقريب منه ص44.

([75])  ابن منظور، لسان العرب، 3/282.

([76])  الشيباني، المخارج، 128، وقريب منه ص44.

([77])  الشيباني، المخارج، 119.

([78])  الشيباني، المخارج، 47.

([79])  ابن منظور، لسان العرب، 12/636.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك