مقدمة المترجم

يعد غراهام أوبي (Graham Oppy، 1960–) أحد أبرز فلاسفة الدين التحليليين المعاصرين، ومن أكثر الباحثين تأثيرًا في النقاشات الفلسفية المعاصرة حول وجود الإله، و الطبيعانية، والإلحاد، والعقلانية الدينية. وقد اتسم مشروعه الفلسفي بالدقة التحليلية، والصرامة الحجاجية، والاعتماد على مبدأ الاقتصاد التفسيري، مع حرصه على مناقشة المواقف المنافسة بأقصى درجات الإنصاف. ويأتي هذا المقال بوصفه عرضًا مكثفًا لمفهوم الطبيعانية كما يفهمه أوبي، ولدوافع تبنيها، ولأهم الاعتراضات المثارة ضدها والردود عليها، مما يجعله مدخلًا مناسبًا لفهم تصوره للطبيعانية وموقعها في مشروعه الفلسفي.

الكاتبغراهام أوبي
ترجمةوسيم التهامي

الطبيعانية

في عام 2009، أجرى استطلاع PhilPapersSurvey  مسحًا لآراء (3226) مشاركًا في عددٍ من المسائل الفلسفية، من بينهم (1803) من أعضاء هيئة التدريس في أقسام الفلسفة أو الحاصلين على درجة الدكتوراه فيها، و(829) من طلبة الدراسات العليا في الفلسفة. وقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن (72٪) من الفلاسفة المتخصصين في فلسفة الدين صنفوا أنفسهم ضمن “المؤلهين”(theists)، في حين لم يصنف سوى (20٪) منهم أنفسهم ضمن “الطبيعانيين”.(naturalists) أما بين الفلاسفة غير المتخصصين في فلسفة الدين، فقد صنف (79٪) أنفسهم ضمن “الملحدين”(atheists)، بينما صنف (58٪) أنفسهم ضمن “الطبيعانيين”. وعلى مستوى العينة بأسرها، صنف (73٪) من الفلاسفة أنفسهم ضمن “الملحدين”، في حين صنف (50٪) منهم أنفسهم ضمن “الطبيعانيين”.

وفي ضوء ما كشف عنه هذا الاستطلاع من اتساع نطاق الانتساب إلى الطبيعانية، فليس من المستغرب أن يعد وصف “الطبيعاني” لدى كثيرٍ من الفلاسفة وسام اعتزاز، في حين يراه آخرون وصمة خزيٍ. وليس من المستغرب، كذلك، أن يشيع الخلاف حول ماهية الطبيعانية على وجه الدقة، وحول ما يلتزم به الطبيعانيون فلسفيا، سواءٌ بين من ينظرون إليها بعين الرضا، أم بين من ينظرون إليها بعين الازدراء.

تتسم الطبيعانية بإحدى سماتها المميزة، وهي تبني موقفٍ أنطولوجي؛ أي موقفٍ يتعلق بما يوجد، وبأنواع الموجودات والخصائص التي يتكون منها الواقع. ويطلق بعض الباحثين على هذه السمة من سمات الطبيعانية اسم “الطبيعانية الميتافيزيقية” (metaphysical naturalism)، أو “الطبيعانية الأنطولوجية” (ontological naturalism) أما الصياغة التي أفضلها لهذه الدعوى المعرفة للطبيعانية، فهي الآتية:

     الطبيعانية الميتافيزيقية: الواقع السببي كله واقعٌ طبيعي؛ فلا وجود لموجوداتٍ سببيةٍ غير طبيعية، ولا لخصائص

      سببيةٍ غير طبيعية.

ويجدر التنبيه إلى أن هذه الدعوى لا تتعلق إلا بالموجودات التي تتمتع بفاعليةٍ سببية؛ فهي تقرر أن كل موجودٍ ذي فاعليةٍ سببية هو موجودٌ طبيعي. كما أن ما تقرره بشأن الموجودات الطبيعية ينصرف إلى خصائصها السببية؛ فكل خاصيةٍ سببيةٍ تتصف بها الموجودات الطبيعية هي خاصيةٌ طبيعية. ومن الموجودات المفترضة التي يستبعدها هذا التوصيف: أرواح الأسلاف، والملائكة، والعقول الفلكية، والشياطين، والـ”ديفا” (devas)، والجنيات، والأشباح، والآلهة، والـ”غرملينات” (gremlins)، وحوريات البحر، والترولات (trolls)، ومصاصو الدماء، والمستذئبون، والساحرات، والسحرة، والزومبي، وما إلى ذلك. ومن الخصائص المفترضة التي يستبعدها هذا التوصيف: “التشي” (ch’i)، والاستبصار (clairvoyance)، و”الكامي” (kami)، والكارما (karma)، والمعجزات، والاستباق المعرفي (precognition)، والسامسارا (samsara)، و”سات” (sat)، والطاو (tao)، والتحريك الذهني (telekinesis)، والتخاطر (telepathy)، وما إلى ذلك.

ويرى بعض الذين يعرفون أنفسهم بأنهم طبيعانيون أن الواقع الطبيعي يستنفد الواقع كله؛ أي إنه لا وجود إلا لموجوداتٍ طبيعية، ولا لخصائص طبيعية. وإلى جانب استبعاد الموجودات والخصائص المفترضة المشار إليها آنفًا، يستبعد هذا التصور الأقوى أيضًا الموجودات المجردة، وربما يستبعد كذلك الخصائص القيمية، والمنطقية، والرياضية، والمودالية[1]، والمعيارية.

وتتمثل السمة المميزة الثانية للطبيعانية في تبنيها موقفًا إبستمولوجيا؛ أي موقفًا يتعلق بالكيفية التي نحدد بها الموجودات السببية وخصائصها السببية. ويطلق بعض الباحثين على هذه السمة اسم “الطبيعانية الإبستمولوجية” (epistemological naturalism) أو “الطبيعانية المنهجية” (methodological naturalism). أما الصياغة التي أفضلها لهذه الدعوى المميزة، فهي الآتية:

    الطبيعانية الإبستمولوجية: يعد العلم الراسخ معيارنا المرجعي في تعيين مكونات الواقع السببي؛ ومن ثم: (أ) يسلم

    الطبيعانيون بجميع الموجودات السببية، والخصائص السببية، والتفسيرات السببية التي يسلم بها العلم الراسخ؛ و(ب) لا

    يسلمون بأي موجوداتٍ سببية، أو خصائص سببية، أو تفسيراتٍ سببية لا يسلم بها العلم الراسخ. (ويترتب على ذلك،

    بوجهٍ خاص، أن الطبيعانيين لا يسلمون بأي موجوداتٍ سببية، أو خصائص سببية، أو تفسيراتٍ سببية يرفضها العلم

     الراسخ.)

ويجدر التنبيه إلى أن هذه الدعوى تستند إلى ما يقره العلم الراسخ وما يرفضه. فإذا ظل أمر بعض الموجودات، أو الخصائص، أو التفسيرات السببية المفترضة موضع خلافٍ بين المختصين المعنيين، فإن الطبيعانيين الذين لا يعدون هم أنفسهم من أولئك المختصين يعلقون الحكم عليها. ويجدر التنبيه، مرةً أخرى، إلى أن هذه الدعوى لا تنصرف إلا إلى الموجودات، والخصائص، والتفسيرات السببية؛ فهي لا تبت، من حيث هي كذلك، في المسائل المتعلقة، على سبيل المثال، بالخصائص القيمية، أو المنطقية، أو الرياضية، أو المودالية، أو المعيارية.

ويرى بعض الذين يعرفون أنفسهم بأنهم طبيعانيون أن العلم هو معيارنا المرجعي في تعيين مكونات الواقع؛ أي في تحديد ما يوجد، والخصائص التي تتصف بها تلك الموجودات. ومرةً أخرى، فإن هذا التصور الأقوى يستبعد، على الأرجح، الموجودات المجردة، وربما يستبعد أيضًا الخصائص القيمية والمعيارية.

وتتمثل السمة المميزة الثالثة للطبيعانية في تبنيها موقفًا من الذهن؛ أي موقفًا يتعلق بمواضع تحقق الظواهر الذهنية في الواقع السببي، من وعيٍ، وفاعليةٍ، وإدراكٍ، واعتقادٍ، ورغبةٍ، وقصدٍ، وذاكرةٍ، وتعلمٍ، وتنبؤٍ، وشعورٍ، وتعاطفٍ، ومعاناةٍ، وعقلٍ، وحسابٍ، وتواصلٍ، وما إلى ذلك. ويمكن أن نطلق على هذه السمة اسم “الطبيعانية النفسية” (psychological naturalism). أما الصياغة التي أفضلها لهذه الدعوى المميزة، فهي الآتية:

      الطبيعانية النفسية: لا تخلو الموجودات الذهنية من أن تكون إما كائناتٍ بيولوجيةً حديثة التطور نسبيا، وإما كياناتٍ تعد

      من النواتج التكوينية أو السببية المترتبة على أنشطة تلك الكائنات البيولوجية حديثة التطور نسبيا.                                   

وتمثل الكائنات الحية الفردية النموذج الأوضح للموجودات الذهنية؛ كالإنسان، وسائر الرئيسيات، وغيرها من الثدييات، والزواحف، وغيرها. غير أن هذه الكائنات تعد، بالقياس إلى عمر الكون، حديثة العهد نسبيا؛ إذ لم تظهر فيه أي كائناتٍ حيةٍ قبل تكون النجوم من الجيل الثالث. ومن الحالات التي يثور بشأنها شيءٌ من الجدل ما إذا كانت تعد من الموجودات الذهنية: الكيانات الجماعية؛ أي الجماعات المؤلفة من موجوداتٍ ذهنيةٍ فردية، كالمؤسسات البشرية، وربما أيضًا الجماعات المؤلفة من موجوداتٍ فرديةٍ غير ذهنية، كمستعمرات النمل. ومن الحالات التي لا تقل إثارةً للجدل كذلك كيانات الذكاء الاصطناعي؛ أي الموجودات الذهنية التي تنشئها، في المقام الأول، موجوداتٌ ذهنيةٌ أخرى.

يرى بعض الذين يعرفون أنفسهم بأنهم طبيعانيون أن نطاق الموجودات الذهنية أوسع من ذلك؛ فيذهب بعضهم إلى أن الكون قد يكون موجودًا ذهنيا، ويرى بعضهم أن سحب الغاز البين نجمي قد تكون موجوداتٍ ذهنيةً، ويذهب آخرون إلى أن الأرض قد تكون موجودًا ذهنيا، إلى غير ذلك من الموجودات. أما الطبيعانيون الذين أوافقهم، فيرون أن أصحاب هذه الآراء قد أخطؤوا في فهم طبيعة الذهن؛ إذ إن أيا من هذه الموجودات لا يمتلك المدخلات البيئية ولا المخرجات السلوكية اللازمة لقيام الذهن.

وتتمثل السمة المميزة الرابعة للطبيعانية في تبنيها موقفًا من القيم؛ أي موقفًا ينكر وجود أنواعٍ معينةٍ من القيم في الواقع السببي. وسأطلق على هذه السمة اسم “الطبيعانية التقويمية” (evaluative naturalism). أما الصياغة التي أفضلها لهذه الدعوى المميزة، فهي الآتية:

     الطبيعانية التقويمية: لا يشتمل الواقع على أي جانبٍ يتصف بالألوهية، أو بالقداسة، أو يكون أهلًا للعبادة.

يمكن تفكيك هذه الدعوى إلى شقين. أما الشق الأول، فيقضي بأنه لا يوجد في الواقع السببي أي جانبٍ يتصف بالألوهية، أو بالقداسة، أو يكون أهلًا للعبادة. وأما الشق الثاني، فيقضي بأنه إذا كان ثمة أي جانبٍ آخر من الواقع، فإنه لا يتصف هو أيضًا بالألوهية، ولا بالقداسة، ولا يكون أهلًا للعبادة. فإذا كان ثمة واقعٌ غير سببي، فلن يشتمل إلا على موجوداتٍ مجردةٍ محضة. ولا أرى أن القول بأن الموجودات المجردة المحضة ليست إلهيةً، ولا مقدسةً، ولا أهلًا للعبادة، قولٌ يثير خلافًا يعتد به. ولذلك، أرى أنه يكفي أن تصاغ الطبيعانية التقويمية على النحو الآتي: لا يوجد في الواقع السببي أي جانبٍ يتصف بالألوهية، أو بالقداسة، أو يكون أهلًا للعبادة.

ويرى بعض الذين يعرفون أنفسهم بأنهم طبيعانيون أن بعض الموجودات الطبيعية ذات الفاعلية السببية تتصف بالألوهية، أو بالقداسة، أو تكون أهلًا للعبادة؛ كالكون، والنجوم، والأرض، والجبال، والأنهار، والصخور، ونحو ذلك. وأنا لا أجد حرجًا في الإقرار بأن هذه الموجودات تثير الدهشة والإعجاب؛ غير أنني أصر، في الوقت نفسه، على أنها تفتقر إلى كل ما من شأنه أن يجعل شيئًا ما إلهيا، أو مقدسًا، أو أهلًا للعبادة.

إن الطبيعانية التي عرضتها طبيعانيةٌ متواضعةٌ؛ إذ إن الدعاوى الأربع التي تقوم عليها لا تكاد تقارب أن تشكل نظريةً شاملةً للواقع بأسره. ومع ذلك، فليس من العسير أن نفهم ما يجعل النظريات الطبيعانية الشاملة جذابةً؛ أي تلك النظريات التي تستوعب، على نحوٍ منسجم، الدعاوى الأربع المميزة للطبيعانية.

إن كل نظريةٍ شاملةٍ للواقع، إذا أريد لها أن تكون نظريةً مرضية، فلا بد أن تقر بالموجودات السببية، والخصائص السببية، والتفسيرات السببية التي تقر بها العلوم الراسخة. وإذا أريد لها، فوق ذلك، أن تكون مقتصدةً في التزاماتها الأنطولوجية، فلا ينبغي أن تثبت في الواقع السببي موجوداتٍ، أو خصائصٍ، أو تفسيراتٍ سببيةً تتجاوز ما تقر به تلك العلوم. وكذلك، فإن كل نظريةٍ شاملةٍ للواقع، إذا كانت مرضية، فلا بد أن تقر بالموجودات الذهنية التي تعترف بها النظريات الطبيعانية الشاملة، وإذا كانت مقتصدةً في التزاماتها الأنطولوجية، فلا ينبغي أن تثبت موجوداتٍ ذهنيةً تتجاوز ما تعترف به تلك النظريات. ثم إنه لا توجد نظريةٌ شاملةٌ للواقع، مقتصدةٌ في التزاماتها الأنطولوجية، تقر بوجود أي جانبٍ من الواقع السببي يتصف بالألوهية، أو بالقداسة، أو يكون أهلًا للعبادة. وعلى هذا، فإن النظريات الطبيعانية الشاملة هي تلك النظريات الشاملة للواقع التي تجمع بين الاقتصاد في التزاماتها الأنطولوجية والاتساق مع ما استقرت عليه العلوم الراسخة.

ولماذا ينبغي أن نرجح النظريات الشاملة للواقع، التي تتسم بالاقتصاد في التزاماتها الأنطولوجية، وتنسجم مع ما استقرت عليه العلوم الراسخة؟ تنقسم إجابتي عن هذا السؤال إلى شقين.

أولًا، ثمة أسبابٌ تفسر ما تتمتع به العلوم الراسخة من امتيازٍ إبستمولوجي. وإذا أردنا التعبير عن ذلك بعبارةٍ موجزة، أمكن القول إن العلم مشروعٌ جماعي يقوم على وصف العالم، والتنبؤ بظواهره، وتفسيرها، اعتمادًا على المعطيات، ويتخذ من إجماع الخبراء غايةً تنظيميةً يحتكم إليها. ويترتب على اتخاذ إجماع الخبراء غايةً تنظيميةً في العلم ما يأتي: (أ) أن قابلية النتائج لإعادة الإنتاج، والاقتصاد في الفروض، وتآزر الأدلة، تعد من القيم الأساسية للممارسة العلمية؛ (ب) وأن ثمة بروتوكولاتٍ صارمةً تنظم إجراء التجارب، وجمع البيانات، وتحليلها؛ (ج) وأن هناك مؤسساتٍ راسخةً تعنى بصون نزاهة البحث العلمي، والنشر العلمي، والاعتراف بالإنجازات العلمية، ومكافأتها. ولأن هذه هي طبيعة العلم، فإن الإجماع العلمي بين الخبراء يحوز أعلى درجات السلطة الإبستمولوجية؛ إذ لا يوجد، في الميادين التي يتحقق فيها مثل هذا الإجماع، ما هو أولى بأن يعول عليه في تكوين الرأي. ومن ثم، فإذا كانت نظريتك الشاملة للواقع لا تقر بالموجودات السببية، والخصائص السببية، والتفسيرات السببية التي تقر بها العلوم الراسخة، فإنها تكون قاصرةً إبستمولوجيا.

ثانيًا، ثمة أسبابٌ تفسر ما تتمتع به النظريات الشاملة للواقع، التي تتسم بالاقتصاد في التزاماتها الأنطولوجية، وتنسجم مع ما استقرت عليه العلوم الراسخة، من أولويةٍ إبستمولوجية. فالعلم وحده هو الميدان الذي يتخذ من إجماع الخبراء غايةً تنظيميةً يحتكم إليها. أما الميادين التي تفترض وجود موجوداتٍ سببيةٍ غير طبيعية، أو خصائص سببيةٍ غير طبيعية، أو تفسيراتٍ سببيةٍ غير طبيعية، فلا تعرف إجماعًا بين الخبراء، ولا يسود فيها توقعٌ مشتركٌ يقضي بأن تتوافق الآراء مع ذلك الإجماع. ونظرًا إلى اتساع نطاق الخلاف حول تلك الموجودات، والخصائص، والتفسيرات غير الطبيعية، حتى بين القائلين بوجودها، فإن الموقف الذي يقلل من احتمال الوقوع في الخطأ الإبستمولوجي يتمثل في افتراض عدم وجود أي موجوداتٍ سببيةٍ غير طبيعية، أو خصائص سببيةٍ غير طبيعية، أو تفسيراتٍ سببيةٍ غير طبيعية. ومن ثم، فإذا كان غرضك تعظيم نسبة المعتقدات الصادقة إلى المعتقدات الكاذبة، فإن أرجح السبل إلى ذلك هو تبني نظريةٍ شاملةٍ للواقع، تتسم بالاقتصاد في التزاماتها الأنطولوجية، وتنسجم مع ما استقرت عليه العلوم الراسخة.

ومع أن جاذبية الطبيعانية تتبدى على نحوٍ قبلي ((a priori، فإن الالتزام المعقول بها لا يقوم إلا على اعتباراتٍ بعدية a) (posteriori. فليس ثمة اعتباراتٌ قبليةٌ تستبعد وجود أرواح الأسلاف، أو العقول النجمية، أو الشياطين، أو الديفات، أو الجنيات، أو الأشباح، أو الآلهة، أو الغرملينات، أو حوريات البحر، أو الترول، أو مصاصي الدماء، أو المستذئبين، أو الساحرات، أو السحرة، أو الزومبي، ونحو ذلك. كما لا توجد اعتباراتٌ قبليةٌ تستبعد وجود التشي (ch’i)، أو الاستبصار (clairvoyance)، أو الكامي (kami)، أو الكارما (karma)، أو المعجزات، أو الإدراك المسبق (precognition)، أو السمسارا (samsara)، أو الست (sat)، أو الطاو (tao)، أو تحريك الأشياء عن بعد (telekinesis)، أو التخاطر (telepathy)، ونحو ذلك. غير أنه، بحسب الطبيعانيين، لدينا من الاعتبارات البعدية ما يكفي لاستبعاد جميع هذه الأشياء؛ إذ إن أفضل النظريات التي ينبغي تبنيها، بعد أخذ جميع الاعتبارات ذات الصلة في الحسبان، هي النظريات الشاملة للواقع، التي تتسم بالاقتصاد في التزاماتها الأنطولوجية، وتنسجم مع ما استقرت عليه العلوم الراسخة.

إن كل من يعرف نفسه بأنه طبيعاني، ويقبل الدعاوى الأربع التي أعدها مقوماتٍ للطبيعانية، يلتزم، تبعًا لذلك، بجملةٍ من الدعاوى الأساسية الأخرى. غير أنني أرى أن هذه الدعاوى الإضافية لا تعد التزاماتٍ طبيعانية؛ أي إنها ليست من الالتزامات التي تقوم الطبيعانية. بل إنها إما دعاوى لا خلاف عليها، تشترك فيها جميع أفضل النظريات الشاملة للواقع، وإما دعاوى يثار حولها الخلاف بين الطبيعانيين أنفسهم.

فبعض الذين يعرفون أنفسهم بأنهم طبيعانيون يعتنقون العدمية القيمية (value nihilism)، أو نظرية الخطأ القيمية (value error theory)، أو الإقصائية القيمية (value eliminativism)؛ ومن ثم يرفضون جميع القيم وتقويمها. وبعضهم يعتنقون التعبيرية القيمية (value expressivism)، أو اللامعرفية القيمية (value non-cognitivism)؛ ويرون أن التقويمات ليست سوى تعبيراتٍ عن الرغبات. وبعضهم يعتنقون الذاتية القيمية (value subjectivism)؛ ويرون أن التقويمات ليست سوى تعبيراتٍ عن الآراء الذاتية. وبعضهم يعتنقون الواقعية القيمية (value realism)؛ ويفترضون أن ثمة حقائق تتعلق بالقيم وتقويمها، نكتشفها ولا نبتدعها. ولا يوجد موقفٌ بعينه من القيم وتقويمها يعد موقفًا ممثلًا للطبيعانية أو مقومًا لها.

فبعض الذين يعرفون أنفسهم بأنهم طبيعانيون يعتنقون العدمية الاعتقادية (belief nihilism)، أو نظرية الخطأ الاعتقادية (belief error theory)، أو الإقصائية الاعتقادية (belief eliminativism)؛ ومن ثم ينكرون وجود الاعتقادات وفعل الاعتقاد. وبعضهم يعتنقون نظرية الهوية في الاعتقاد (belief identity theory)؛ ويرون، على وجه التقريب، أن الاعتقاد ليس سوى نمطٍ معينٍ من الحالات العصبية، يتشكل بفعل التاريخ المحلي، والاجتماعي، والتطوري للكائن الحي، ويرتبط ارتباطًا ملائمًا بسلوكه، كما يرتبط بغيره من الحالات العصبية التي تشكلت بالطريقة نفسها. وبعضهم يعتنقون الوظيفية في الاعتقاد (belief functionalism)؛ ويرون، على وجه التقريب، أن الاعتقاد ليس سوى نمطٍ معينٍ من الحالات الوظيفية، تحققه تلك الحالات العصبية التي يعدها أصحاب نظرية الهوية اعتقاداتٍ. ولا يوجد موقفٌ بعينه من الاعتقاد يعد موقفًا ممثلًا للطبيعانية أو مقومًا لها.

فبعض الذين يعرفون أنفسهم بأنهم طبيعانيون يعتنقون العدمية إزاء الموجودات المجردة (abstract object nihilism)، أو نظرية الخطأ إزاء الموجودات المجردة (abstract object error theory)، أو الإقصائية إزاء الموجودات المجردة (abstract object eliminativism)؛ فينكرون وجود البنى الجبرية، والموجودات الاعتباطية، والصفات، والخواص، والفئات، والمضامين، والموجودات الخيالية، والدوال، والموجودات العامة، والجماعات، والمستحيلات، والموجودات غير المكتملة، والموجودات غير المتسقة، والمؤسسات، والموجودات القصدية بالمعنى المكثف (intensional objects)، والموجودات القصدية (intentional objects)، والتطبيقات، والممكنات المحضة، والأعداد، والأنماط، والقضايا، والحلقات، والمجموعات، والحالات، والبنى، والأنواع، والكليات، والقيم، ونحو ذلك. (ومن بين هؤلاء الطبيعانيين من يعتنقون الخيالية (fictionalism)، ومنهم من يعتنقون الفيغورالية (figuralism)، ومنهم من يعتنقون صورًا أخرى من الاسمية (nominalism). وعلى النقيض من ذلك، يعتنق بعض الذين يعرفون أنفسهم بأنهم طبيعانيون الواقعية إزاء الموجودات المجردة (abstract object realism)؛ ومن ثم يلتزمون بوجود بعض الموجودات التي تنكرها العدمية إزاء الموجودات المجردة. وليس ثمة موقفٌ بعينه من الموجودات المجردة يعد ممثلًا للطبيعانية أو مقومًا لها.

ولا يعد اختلاف الطبيعانيين في هذه المسائل، وغيرها، مأخذًا على الطبيعانية. ذلك أن النظرية التي يتبناها المرء في شأن الاعتقاد، أو القيم، أو الموجودات المجردة، ونحوها، مستقلةٌ استقلالًا تاما عن النظرية التي يتبناها في شأن نطاق الموجودات السببية وخواصها السببية، أو ـ بالنسبة إلى من يتبنون الصيغة اللامينيمالية(nominimalistic) ذات الصلة ـ في شأن الإسنادات السببية. ومن ثم، فإن أفضل النظريات الطبيعية الشاملة للواقع لا تقتضي سوى أن تشتمل على أفضل النظريات المتاحة في هذه المسائل. ولذلك، يستطيع الطبيعانيون أن يواصلوا خلافهم في شأن الاعتقاد، والقيم، والموجودات المجردة، وغيرها من المسائل، من غير أن يضعف ذلك، بأي وجه، القول بأن أفضل النظريات الشاملة للواقع هي النظريات الطبيعية الشاملة للواقع.

ومن الاعتراضات الشائعة على الطبيعانية الأنطولوجية القول إن وجود الواقع السببي الطبيعي يفتقر إلى تفسيرٍ سببي. غير أن الطبيعانيين يرون أن هذا الاعتراض لا أساس له. فمن الواضح أن وجود الواقع السببي لا يمكن أن يكون له تفسيرٌ سببي. ولما كان الواقع السببي ليس سوى الواقع السببي الطبيعي، فإن الواقع السببي الطبيعي، في نظر الطبيعانيين، لا يمكن أن يكون له تفسيرٌ سببي، ومن ثم لا يفتقر إلى مثل هذا التفسير. وقد يعترض بعضهم بأن للواقع السببي الطبيعي سببًا يتمتع بخصائص تفسيريةٍ مميزة. غير أن الطبيعانيين يجيبون بأن أي خصائص تفسيريةٍ مشروعةٍ من هذا القبيل أولى بأن تنسب إلى الواقع السببي الطبيعي نفسه. فبدلًا من القول بأن للواقع السببي الطبيعي سببًا واجب الوجود، يذهبون إلى أن الواقع السببي الطبيعي نفسه ــ أو، على الأقل، بعض أجزائه الأولى ــ واجب الوجود. وبدلًا من القول بأن للواقع السببي الطبيعي سببًا يتصف بما يسمى “القصور الوجودي”[2] (existential inertia)، يرون أن الواقع السببي الطبيعي نفسه يتصف بهذه الخاصية، على الأقل إلى أن يبلغ نقطةً لا يعود فيها كذلك. وهكذا دواليك.

ومن الاعتراضات الشائعة الأخرى على الطبيعانية الأنطولوجية القول إن في الواقع السببي الطبيعي خصائص تستدعي تفسيرًا سببيا غير طبيعي. ولننظر، على سبيل المثال، إلى ما يعرف بالضبط الدقيق المزعوم لبعض “المعاملات الكونية القابلة للتعديل”. فلنفترض أنه تبين بالفعل وجود معاملاتٍ كونيةٍ من هذا القبيل، بحيث لو اتخذت قيمًا لا تختلف عن قيمها الفعلية إلا اختلافًا طفيفًا للغاية، لكان كوننا إما قصير العمر جدا، وإما قد تمدد بمعدلٍ بالغ السرعة إلى الحد الذي يجعله لا يشتمل، على الدوام، على ما يقارب فضاءً خاليًا لا غير. فلماذا اتخذت هذه المعاملات الكونية القابلة للتعديل القيم التي تتخذها؟ ومن الواضح أن الجواب عن هذا السؤال يتوقف على الموضع الذي ثبتت فيه تلك القيم داخل الواقع السببي. فإن كانت هذه القيم مثبتةً في جميع أنحاء الواقع السببي، فإن أقرب الفروض إلى القبول هو أن يكون اتصاف تلك المعاملات بهذه القيم أمرًا ضروريا. (والبديل الوحيد هو القول إن اتصافها بهذه القيم، دون غيرها من القيم التي كان يمكن أن تتخذها، أمرٌ عرضي على نحوٍ غاشم.) أما إذا وجدت في الواقع السببي نقطة انتقالٍ تثبت عندها قيم تلك المعاملات، فإن اتصافها بهذه القيم، دون غيرها من القيم التي كان يمكن أن تتخذها، ليس إلا أمرًا عرضيا على نحوٍ غاشم. ولا يفضي افتراض سببٍ غير طبيعي للواقع السببي الطبيعي إلى أي تحسينٍ في الوضع التفسيري، في أي من هذين الاحتمالين. (فإذا افترضت، على سبيل المثال، أن هذه القيم هي على ما هي عليه لأن الإله أراد لها أن تكون كذلك، فإن السؤال الحاسم هو: هل أراد الإله دائمًا أن تكون على هذه الصورة؟ فإما أن يكون تعلق إرادة الإله بهذه القيم أمرًا ضروريا، وإما أن يكون تعلقها بها، دون غيرها من القيم التي كان يمكن أن تتعلق بها، أمرًا عرضيا على نحوٍ غاشم.)

ومن الاعتراضات الشائعة على الطبيعانية الإبستمولوجية أنها تنطوي على نزعةٍ اختزالية. غير أن هذا الاعتراض، كما سبقت الإشارة، يغفل في الغالب اتساع نطاق المواقف التي يتبناها الطبيعانيون، بل كثيرًا ما يصدر عن مواقف لا تخلو هي نفسها من نزعةٍ اختزالية. وسأبين هاتين الملاحظتين من خلال مناقشة مسألة القيم، مع أن ملاحظاتٍ مماثلة يمكن إيرادها أيضًا عند مناقشة الموجودات المجردة والاعتقادات.

يتبنى بعض الطبيعانيين موقفًا اختزاليا إزاء القيم؛ وعلى وجه الخصوص، فإن الطبيعانيين الذين يتبنون اللامعرفية أو الذاتية في تفسير القيم يعدون اختزاليين إزاءها. غير أن من بين الطبيعانيين الذين يدافعون عن الواقعية القيمية من لا يتبنى أي صورةٍ من صور الاختزالية في شأن القيم. فثمة، على سبيل المثال، من يرى أن هناك حقائق أوليةً تتعلق بالقيم، وهؤلاء، من الواضح، ليسوا اختزاليين فيما يتصل بالقيم.

تأمل الادعاء الآتي: من الضروري أن يكون القتل خطأً، إلا في نطاقٍ محدودٍ من الحالات الاستثنائية. وتشمل هذه الحالات، على سبيل المثال، بعض حالات الدفاع عن النفس، وبعض حالات الدفاع عن الأهل وذوي القربى، وبعض حالات القتل التي يرتكبها أفراد الشرطة أو الجنود أثناء أداء واجباتهم. وقد تشمل أيضًا، في جملة ما تشمل، بعض حالات الإجهاض، وبعض حالات القتل الرحيم الطوعي، وبعض حالات المساعدة على الانتحار، وبعض حالات القتل الذي تجيزه الدولة، وبعض حالات القتل لأغراضٍ تجارية أو صناعية أو ترفيهية. ورغم أننا لا نتوقع من جميع الواقعيين القيميين الاتفاق على تحديد نطاق هذه الحالات الاستثنائية، فإننا نتوقع منهم الاتفاق على أصل هذا الادعاء نفسه. بل ينبغي أن نتوقع أيضًا أن يرى الواقعيون القيميون الذين يسلمون بصحة هذا الادعاء أنه لا يفتقر إلى أي تفسيرٍ آخر. فما كان صادقًا بالضرورة، فهو صادقٌ على كل حال. وإذا كان من الضروري أن يكون القتل خطأً، إلا في نطاقٍ محدودٍ من الحالات الاستثنائية، فلا يبقى ثمة ما يمكن الاستناد إليه لتفسير سبب كونه كذلك.

وقد يميل بعض المؤلهين إلى القول: إن من الضروري أن يكون القتل خطأً، إلا في نطاقٍ محدودٍ من الحالات الاستثنائية، لأن الإله، بالضرورة، يقرر أن القتل خطأٌ، إلا في نطاقٍ محدودٍ من تلك الحالات. غير أن هذا القول ينطوي على خطأٍ من وجهين. فأولًا، كما سبقت الإشارة، لا مجال لتفسير ما هو ضروري؛ فإذا صح، من جهةٍ، أن القتل خطأٌ بالضرورة، إلا في نطاقٍ محدودٍ من الحالات الاستثنائية، وصح، من جهةٍ أخرى، أن الإله، بالضرورة، يقرر أن القتل خطأٌ، إلا في نطاقٍ محدودٍ من تلك الحالات، فلا تقوم بين هذين الادعاءين أي علاقةٍ تفسيرية. وثانيًا، إذا افترضنا أنه، مع كون خطأ القتل ــ إلا في نطاقٍ محدودٍ من الحالات الاستثنائية ــ أمرًا ضروريا، فإن قول الإله بذلك ليس إلا أمرًا عرضيا على نحوٍ غاشم، فإن المؤمن بالإله يكون قد قلب جهة التفسير رأسًا على عقب. فأقصى ما يمكن قوله هو أن الإله يقرر أن القتل خطأٌ، إلا في نطاقٍ محدودٍ من الحالات، لأنه من الضروري أصلًا أن يكون القتل خطأً، إلا في ذلك النطاق المحدود. ومن ثم، فإن محاولة اختزال القيمة الأخلاقية إلى مجرد ما يقرره الإله محاولةٌ غير مقبولةٍ البتة.

ومن الاعتراضات الشائعة الأخرى على الطبيعانية الإبستمولوجية أنها مضحوضةٌ ذاتيا. ويرتكز هذا الاعتراض على مقدمتين رئيستين: (أ) بما أن الطبيعانيين يسلمون بأن ملكاتنا المعرفية قد نشأت على النحو الذي تخبرنا به العلوم الطبيعية والاجتماعية، فإنهم ملتزمون بالقول إن من غير المرجح جدا أن تكون ملكاتنا المعرفية موثوقة. و(ب) إن الالتزام بالقول إن من غير المرجح جدا أن تكون ملكاتنا المعرفية موثوقةً التزامٌ غير عقلاني. ويكمن مفتاح الرد الطبيعاني على هذا الاعتراض في التمعن على نحوٍ أدق في الادعاء القائل إن ملكاتنا المعرفية غير موثوقة.

ذا كانت ملكاتنا المعرفية قد نشأت على النحو الذي تخبرنا به العلوم الطبيعية والاجتماعية، فمن المتوقع أن تكون هذه الملكات ــ كالإدراك، والذاكرة، والاستبطان، والحس الأخلاقي، وما إلى ذلك ــ موثوقةً في طيفٍ واسعٍ من مجالات الحياة اليومية. بل إنه، إذا سلمنا بما تخبرنا به العلوم الطبيعية والاجتماعية عن نشأة ملكاتنا المعرفية، وأخذنا في الحسبان المؤسسات العلمية التي أنشأناها، فمن المتوقع كذلك أن تكون ملكاتنا المعرفية الجماعية موثوقةً عبر مختلف مجالات البحث العلمي. وبوجهٍ عام، فإن وجود توافقٍ مستقل، أو توافقٍ مستقل بين الخبراء، يعد دليلًا قويا على موثوقية ملكاتنا المعرفية. أما في المجالات التي يغيب فيها توافقٌ مستقل بين الخبراء، فإن لدينا دليلًا قويا على أن ملكاتنا المعرفية ليست موثوقةً فيها. وليس من قبيل المصادفة أن تكون هذه المجالات ــ كالدين، والسياسة، والفلسفة ــ هي بعينها المجالات التي يبدو، من الوجهة الحدسية، أن ملكاتنا المعرفية ليست موثوقةً فيها.

ولما كانت الطبيعانية مذهبًا فلسفيا، فإنها تندرج ضمن جملة المجالات التي يغيب فيها التوافق المستقل بين الخبراء. ومن ثم، فحتى لو أفلتت الطبيعانية من الاعتراض القائل إنها مضحوضةٌ ذاتيا لأنها تلتزم بأن ملكاتنا المعرفية غير موثوقة، فقد يبدو أنها تظل عرضةً للتشكيك، لمجرد أنها تنتمي إلى ضربٍ من الدعاوى نعلم أن ملكاتنا المعرفية لا يعول عليها في إصدار الأحكام فيه. ولعل في هذا الاعتراض قدرًا من الوجاهة؛ فربما لا ينبغي لنا أن نبالغ في الثقة بصحة الطبيعانية. غير أنه، إذا كان للحجج التي عرضتها آنفًا دفاعًا عنها شيءٌ من القوة، فربما وسع الطبيعانيين أن يستأنسوا بالفكرة القائلة إن الطبيعانية هي أسوأ المذاهب، باستثناء جميع المذاهب المنافسة لها. وعلى أقل تقدير، يبدو أن ثمة جاذبيةً خاصةً في المذهب الذي لا يستكمل النظرية التي يقدمها لنا الحس المشترك والعلم في تفسير (ما يقرب من) كل شيء إلا بأقل قدرٍ ممكنٍ من الالتزامات.


[1] هامش المترجم: الخصائص المودالية (Modal properties): هي الخصائصُ المتعلِّقةُ بجهاتِ الإمكان والوجوب والامتناع؛ أي بما يمكن أن يكون، أو يجب أن يكون، أو يستحيل أن يكون. وتشمل، على سبيل المثال، خصائصَ الإمكان(possibility)، والوجوب(necessity)، والامتناع.(impossibility)

[2] هامش المترجم: القصور الوجودي :(Existential Inertia) المبدأ القائل بأنَّ الموجود، متى وُجد، لا يحتاجُ إلى علَّةٍ تُبقيه موجودًا، بل يظلُّ موجودًا ما لم يوجد سببٌ يُفضي إلى زواله.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

2 تعليقات

  1. يقول احمد محمود خليل:

    اهلا وسهلا بالسيد اوبى مجددا ، هذا المقال (الطبيعانية) به مسحة غرابة -من ذلك إغفال ذكر اسم المترجم- حتى انى ترددت فى التعليق عليه ٠ وبما انى عزمت على ألا أفوت فرصة فى سبيل عرض افكارى الخاصة من خلال نقد افكار الآخرين ٠ وهو المنهج الذى اتّبعته الفلسفة مذ نشأتها ٠ وهو منهج اكثر راحة وبحبوحة للكاتب والقارئ على السواء ٠ من وجين ، الاول افتراض ان القارئ على علم مسبق بها كلها او ببعضها ٠ والثانى ، إعفاء للكاتب من مشاق وعناء البداية ٠ اذن ، من هذا المنطلق يأتى تعليقى ٠
    السؤال البدئي :” لماذا يعد وصف “الطبيعانى” لدى بعض الفلاسفة وسام اعتزاز وعند آخرين وصمة خزى ؟ لو اصطحبنا ممثلا عن كلا الفريقين إلى اقرب معمل علمى فسنجد حتما ان العقل (الدماغ) هنا هو الذى هناك ، وهذا من نوع الانسان وذاك من نفس النوع ؟ لماذا تباينت النتيجة مع ان السبب الفيزيائي عن كلاهما واحد ، نفس الجسم نفس العينين والقدمين وقلب ورئتين الخ ٠ الأمر اذن يتعدى السبب الفيزيائي ، فكلاهما ذو ارادة كمال (سبب واحدة ) فلماذا اختلفت (النتيجة )؟
    السببية العلمية او التى تحتكم إلى العلم الراسخ بتعبير الاستاذ جراهام هى من اكبر اوهام الفكر البشرى ، على الاقل كما يفهمها الاستاذ جراهام وأقرانه من الطبيعانيين ٠ لنكون محددين اكثر فثمة فارق بين السببية العلمية والسببية فى الطبيعة ٠ لا سببية فى الطبيعة ، لا شئ سبب شئ ، على الإطلاق ٠ فكرة السببية نفسها دليل على ارادة كمال الانسان كسبب يعقبها نتيجة ٠ بحكم جسمانيته ، وجوده الجسمانى ، فعندما اقول الحيوان ينام بسبب شعوره بالتعب فلماذا يستيقظ ؟ عندما اسبب هجرة الطيور بكذا وكيت فهذه سببية أنا كإنسان اصطنعتها لظاهرة معينة ولا يعنى ذلك صحتها على الإطلاق ٠ وغالبا ودائما هى غير صحيحة ٠ الاجابة ببساطة ان مسألة السببية غير كافية للإجابة عن كل اسئلتنا ولن تكون ٠ الحيوان كما هو واضح لكل ذى عين مخلوق كامل نفسا وجسما ٠ لا يشاهد الاسد غزالا ولا أرنبا فيهجم عليه لإفتراسه بمجرد رؤيته ٠ انما بحسب دائرة كماله التى خلق بها يسلك ويتصرف ٠ لا مفاجئات ، لا تغير ، لا تطور ، لا زيادة ولا نقصان ٠ واذا لم نستطيع تحديد تلك الدائرة بدقة متناهية فالعيب فينا لأننا ذوى ارادة كمال (سبب ) والاسوأ من ذلك (نتيجة) ٠ ولكن بما ان الانسان ذو ارادة كمال سبب ونتيجة فهو يحتاج إلى السببية لكل امر ، والسببية من ناحية الجسم الكامل غير حقيقية ، معدومة ٠ ولكن السببية فى العلوم ممكنة ولو مؤقتا ٠ وهى صحيحة فى نتيجتها من ناحية كونها جزء ٠ ولكنها باطلة وكاذبة وضارة وغبية وسيئة وشريرة من ناحية كونها كل ٠ ان غلى الماء فى وعاء يؤدى إلى غليان الماء ومن ثم تبخيره ولكنه لا يؤدى إلى تبخير كل الماء فى المحيط ٠ عندما نقول ان ارتفاع درجات الحرارة يؤدى إلى تمدد المعادن مما يؤدى إلى تمدد فى الطول والحجم غير صحيح ٠ اولا فنحن نتكلم عن معادن غير طبيعية انما صناعية ، غير موجودة او غير منشورة لعشرات ومئات الكيلوات مترات مما يستوجب عمل او اختلاق فواصل عند كل مسافة معينة فى قضبان الحديد (الصناعية ) ٠ هل يتمدد خام الحديد فى الطبيعة ؟ ومع ذلك فلماذا لا تتمدد الموتور فى السيارة او الماكينات العملاقة وهى تعمل بدرجات حرارة هائلة ومهما كانت الاجابة العلمية التى سيخبرك بها مثل انه لا اثر لتلك الحرارة بسبب تركيبنا لكيت وكيت فهذا يعنى ان هذه ارادتنا وليس علما ، العلم بنظرى هو ما لا يشترط ظروفا ولا شروطا معينة ليتحقق لأنه ببساطة ناتج عن قانون طبيعى ، والطبيعة هى ما هى عليه ، ليست ناشئة ولا مقيمة فى معمل علمى ٠
    مرة اخرى دعونا نكرر ، ونؤكد ، ان السببية العلمية ، حقيقية ، وصحيحة ، نتيجة جزئيتها التى حبسناها فيها ولكنها بالضرورة ضارة ، وخاطئة ٠ عندما اقوم بهرمنة الغذاء فهذا كعلم صحيح ٠ بدليل إنتاجه ٠ لكنه ولأنه من انتاج ذو ارادة الكمال فهو منتج ذو ارادة كمال ٠ وتلك الإرادة التى استقاها من الانسان حالما تتصل به لا تتوقف -تلك الإرادة- عن التعبير عن نفسها فى مظاهر شتى ، عن تحقيق ارادتها هى ، وتظل تطلبها إلى ما لا نهاية حتى تفنى او تنقرض ٠
    السببية فى الطبيعة ممتنعة لأن الطبيعة ككل وكأجزاء مخلوق كامل ، يسعى بدائرة كماله ولا يتحول عنها قيد شعرة ، لا بالزيادة ولا بالنقصان ٠ الطائر يظل طائرا ، يأكل الحب لو كان من آكليه او اللحم إن كان من آكلى اللحم بلا سببية ٠ لا سببية هنا تبرر تصرفاته وسلوكه ٠ انه لا يحتاج إلى سبب ليفعل ذلك ٠ عندما تفترس لبؤة أرنبا او غزالا هى لا تفعل ذلك بوحشية ولا بكراهية ولا بفرحة ولا بحزن لأنه لا سببية فى سلوكها ٠ انها تتصرف بحسب ما يمليه عليها كمالها ٠
    اخترع الانسان مفهوم السببية ليس لأنه ذو عقل تميز به دون سائر الموجودات ٠ فالموجودات كافة ، ذات عقل حتى لو لم تتخذ او تملك عقلا مثل عقولنا ( الاشارة هنا إلى الدماغ باعتبار ما اصبح يُنظر اليه على انه العقل ) ففى النهاية هى تمتلك عقلا ٠
    ولا ينبغى ان نتصور مشابهته لعقلنا اى مخ ومخيف يمكن ان يكون بأشكال وسبل اخرى لا نراها بأعيننا ولا ندركها بعقولنا ٠ الكائن الحى ، طالما كان موجودا ، فهو ذو نفس ٠ وكل ذو نفس ذو عقل ٠ بمعنى انه يشعر ، يحس ، يفهم ، يأكل ٠ حتى تلك الجمادات او ما نشير اليها انها كذلك ذات نفوس وإذن فهى ذات عقل ولا يعنى عدم إدراكنا له (لهذا العقل ، على اى وجه ينوجد ) نفى وجوده ٠ فكما قلنا العقل لا يعنى الدماغ حتى ولو أثبتنا انه بتعطيل هذه المنطقة او تلك منه يفقد الذاكرة او النطق ، حتى لو جزأناه إلى مليون جزء ، ووضعها لكل جزء اسم ومعنى ودلالة ووظيفة ، فهذا لا يعنى انه العقل كما نفهمه فى تداولاتنا العلمية اى مكمن القوة الادراكية للإنسان ٠ بينما مكمن القوة الادراكية فى الانسان هى نفسه ٠ والنفس تستخدم آلة العقل التى افضل توسيع نطاقه وعدم حصره على الدماغ ليشمل كامل الجسم لتحقيق ارادة كمالها ٠ ولأنها ذات ارادة كمال (سبب ) فهى لم ولن تستطيع بلوغ كمال كامل مثل الجسم الذى تسكنه هى نفسها٠
    ونحن لم نعرف ذلك عن اجسامنا ، وأخذنا نتجاوزه ونهينه مع انه آلة جبارة بكل معنى الكلمة ٠ نحن نسكن آلة جبارة ، ليس امتيازا حصريا لبنى الإنسان بل لكل كامل ٠
    فكرة الكمال تبطل القول بالتطور والسببية وبعدى المكان والزمان ٠ ولقد تساءلت طويلا لماذا لم يدرك الإنسان فى اى مرحلة من تاريخه المحدود (وليس كما يخبرنا العلم ويقدره بملايين السنين – سنوضح ذلك فى مناسبة اخرى ) كنت اتساءل لماذا لم يتبين الانسان من قبل كمال الطبيعة والموجودات من حوله بما فيها جسمه وأنه من ناحية نفسه مختلف عن الجميع ٠ من السخافة ان تقول ان ثمة خالق خلق الجميع ، نحن والحيوانات ، لكنه جعلنا ارقى منهم ، هذا لا يلبى طموحنا عن العدالة الالهية والقدرة الالهية والسخاء الالهى فيما يصنع ويقرر ويشاء والامر غير مكلف بالنسبة له فيكفى ان يقول للشئ كن فيكون ٠ولكننا نصر على الفهم الخاطئ ونحمله ، سبحانه مسئولية قصور فهمنا لحلاله ، بل ونضع الاله فى تناقض ، فالإله لا يخلق إلا خالدا وكاملا كخلقه الارباب المحدثون وهم خالقو الطبيعة والجسم البشرى لا الله بل كان يجب ان يقودنا فكرنا اى نفوسنا وهى من نفس الاله الواحد إلى رد الموجودات إلى صانع آخر او صناع آخرين صنعهم الاله الواحد وان طبيعة خلقهم وهندستهم لما يخلقون تختلف عن خلق الاله الواحد فهى تحتاج إلى مادة وتحتاج إلى قانون حاكم لكل كائن وهو الكمال على عكس ما ننتجه نحن البشر فكل منتجاتنا ذات ارادة كمال مثلنا فهى قلقة متغيرة مضطربة مؤقته متطورة ٠
    لقد درجت الفلسفة على التعامل مع الإنسان كوحدة واحدة ٠ وهذا لعمرى كان خطأ فاحشا ٠ فالجسم كامل والنفس ذات ارادة كمال ٠ وهذا يعود لطبيعة خلقها وطبيعة خلق الجسم ٠ لاحظ اننى هنا اتكلم عن السببية ولو لم استخدم اللفظ ، والاسم ، ولأن غرضى الاول هو اكتشاف حقيقة الوجود ولا شئ آخر فيجب ان اكون نزيها فى عرض الحقيقة ولا أتلاعب بها كما فعل الاستاذ جراهام أربى فى مقاله الذى انتقده هو نفسه بأكثر وأفضل مما يمكن ان يفعله نقاده ٠ عندما اقول فى الفقرة السابقة : وهذا يعود إلى طبيعة خلقها اى بسبب طبيعة خلقها ، فهذه ليست سببية علمية بل هو تفكير من نفسى متجاوز لمفهوم السببية المحدود ٠ يمكنك ان تسمه استبصارا ٠
    اذن النفس من نفس الاله الواحد والجسم من خلق وصناعة الارباب المحدثون وهذا لا يضير الانسان بل يعطيه فهما أعمق لمسيرته ، لحياته ٠ وكيف ينبغى عليه ان يتقبل عدم بعثه كفرد ، لا فرصة بحسب معرفتنا بطبيعة الله ، لا فرصة للإنسان فى حياة اخرى إلا كنتفة فى كائن واحد اسمه الانسان ، كما جئت من ظهر مخلوق واحد تعود ٠ الأمر يشبه مصباح يطلق نوره وفى نهاية اليوم يلم كل ما صدر عنه فيرتفع مقدار الزيت فى المصباح إلى ما كان عليه ، وهو على كل شئ قدير ٠
    عندما يعرف الإنسان ان الطبيعة من حيث هى كذلك مخلوق كامل ٠ ليس بمفهوم ليس فى الإمكان ابدع مما كان بل بمفهوم الانتهاء والمحدودية على ما هو عليه الكائن فيتحقق كماله ٠ لو علم الإنسان فنائه وعودته من حيث أتى إلى نفس واحدة تحتوى الكل لتغير سلوكه ولاسيما فى مسألة الأوطان بوصفها ملكية خاصة لجماعة من الناس ولتوقف عن زيادة السكان والتى اعتبرها قنبلة ذرية تبدو القنابل النووية الانشطارية إلى جوارها كألعاب الأطفال لأن زيادة السكان لا تعنى عددا اكبر او اكثر بل تعنى الدفع بملايين ارادات الكمال بما يتسبب فى الحرب والعدوان بأبشع صورة ٠ الحرب والعدوان سمة إنسانية بامتياز تنتجها ارادة كمالنا (سبب ونتيجة ) ولو عرفنا انها ك (نتيجة) هى نتيجة زائفة لتراجعنا عن اقتراف تلك الجريمة الشائعة ٠ ولو عرفنا ذلك ، لأوقفنا صناعاتنا لبضع سنوات حتى نعطى الارض الكوكب الكامل فرصة لإظهار نواحى كماله ونخفف من الضغط على كماله فمزيد من الضغط على دائرة كماله سيؤدى إلى انبثاق الجحيم من تحت اقدامنا ٠
    وعودة إلى السببية ، قديما كان ثمة سبب بعيد وآخر قريب ٠ هل نسينا ذلك ؟ والسبب البعيد صحيح فسبب ما نحن عليه هو ارادة كمالنا (سبب ونتيجة ) الحضارة ، التعليم ، وحتى الجريمة ، وكل شئ هو ارادة الكمال (سبب ونتيجة) ٠ هو دليل عليها ونتيجة لها ٠ اما السبب القريب فلا شئ سبب شئ فالأجسام كاملة ونحن نحولها إلى مخلوق ذو ارادة كمال يخضع لإرادة كمالنا وتوجيهاتنا وحكمنا وننسى اننا بذلك نحقنه بإرادة كمالنا فيصبح هو نفسه ذو ارادة كمال يطالب بتحقيقها وهذا هو الحاصل فى كل امر حولنا ٠
    ينظر الانسان بشكل معكوس لمنتجاته ، كاللغة فهو يذهب إلى تحليلها وفلسفتها فى حين يمكنه النظر إلى نفسه من خلال اللغة ويفهمها ٠ فاللغة تدل على الإنسان وليس العكس ٠ وكذلك يمكن ان تنظر للذكاء الصناعى فهو على سبيل المثال لا يؤكد ارادة كمال الإنسان (سبب ونتيجة) بل هو يفسر بوجوده فى حد ذاته ان الوعى ليس هو الوعى الذى نعتقده كما ان العقل ليس هو العقل الذى نعنيه ٠ يا لها من صعوبة ،ههنا، فى توصيل المعنى الذى اريد ، لقد ذهبنا إلى اعتبار الدماغ هو العقل ، وكذلك ذهبنا إلى اعتبار الوعى هو المعلومات وكذلك الذكاء بينما الوعى والذكاء ما هى إلا مظاهر جزئية فى شئ واحد كلى اشمل وأعمق هو انت ، هو النفس ٠ والنفس مفكرة وزمنية ٠ وهى زمنية بغض النظر عن الجهد المبذول او المرض او الحركة فأنت تخسر زمنك تلقائيا ولا يسعك عمل شئ حيال ذلك ٠
    لا يوجد دليل واحد يثبت وجود الزمن خارج نفس الإنسان ٠ احجب نفسك عن الليل والنهار وسوف تكبر وتنمو وتشيخ لأن الزمن ينبع من داخلك ٠ الزمن تفرزه النفس عندما تستهلك زمنها ٠ ومسألة النمو وتعاقب الفصول ودوران الارض حول نفسها وحول الشمس ، كلها يوم واحد ٠
    قسم الاستاذ جراهام الطبيعانية الى انواع عديدة وأهمها برأيى كان الطبيعانية الميتافيزيقية ، فيقول ” الواقع السببى كله واقع طبيعى ولا وجود لموجودات سببية غير طبيعية ولا وجود لخصائص سببية غير طبيعية ” ٠ ما لم ينتبه اليه الاستاذ جراهام هو ان ما قاله هو قوله هو ٠ اى انه لا يلزم بها الطبيعة ٠ لا توجد سببية فى الطبيعة على الإطلاق فكل كائن يدرج فى حياته حسب ما تمليه عليه كماله ، وبالأحرى ، دائرة كماله ٠ هذا من الوضوح بمكان يقترب من البديهة الطبيعانية ٠ والطبيعانية لا يجب ان نربطها بالسببية لأن السببية هى من إنتاجنا نحن بنى الانسان لأننا ذو ارادة كمال ٠ ولأن الطبيعة كامل فإن سلوكها الكامل يجعلنا نظن ان ثمة قوانين سببية تحكمها وتفسرها ٠ لا ، على الإطلاق انها تتحرك وفق كمالها الذاتى ٠ لماذا لم تبنى الطبيعة حضارة ، لأنها مخلوق كامل لا يعوزها ذلك وبنى الانسان حضارته بسبب انه ذو ارادة كمال سبب ونتيجة ٠ ٠
    يقول الاستاذ جراهام ” ان كل موجود ذى فاعلية سببية هو موجود طبيعى ” يا سيدى ، الموجود الوحيد ذو الفاعلية السببية هو جسم الانسان لأن من يستخدمه هى نفس ذات ارادة كمال (سبب ونتيجة ) وهى التى تحمل السببية على الظهور والتجلى فيما تعلق بنشأته ٠ وهذا ما تقوم انت بفعله الان بكتابتك هذا المقال ٠ بينما الموجودات الاخرى ، كافة ، لا سببية لديها ولا تحركها السببية ٠ فهى كاملة النفس والجسم مما يتعذر معها ظهور اى نوع من السببية ، هل شاهدت قط ينتحر لعدم حصوله على الطعام او لفشله فى امتحان او لطرده من وظيفة مرموقة ؟، هل يتظاهر لعدم وفرة الغذاء وشح المطر ؟ ربما تهاجر بعض انواع الطيور والأسماك ولكن ليس الجميع طالما يدعوها كمالها لذلك وبالأحرى دوائر كمالها ٠ هل من سبب يحمل الطيور تهاجر لآلاف الاميال ، السبب هنا من عندياتنا ، من عند بنى الانسان ٠ لكن لا الطيور ولا سواها تفعل ذلك لسبب بل بحسب دائرة كمالها التى انوجدت فيها ٠ وقوله ” لا وجود إلا لموجودات طبيعية ” حسنا ، فماذا عن العالم ما دون ذرى ٠ هل هو من بنات افكارنا ٠ هذا العالم لم يكن له وجود قبل عقود ٠ وسوف يدهش القارئ من اصرار الاستاذ جراهام على استدعاء وتكرار قوله ” العلم الراسخ ” اين هو هذا العلم الراسخ ، وكل علومنا مجزأة ومتغيرة ووصل التهور بالبعض إلى اعتبار انه ما لم تكون النظرية العلمية قابلة للتطور فهى ليست بعلم ولا تكون صالحة او تكون فاسدة ٠ ما هذه اللاعقلانية التى تحكمنا ٠ اين هو العلم الراسخ بعد نظرية الكوانتم وانتهاء العلم إلى الأخذ بمبدأ اللاحتمية ، وهو بالمناسبة مبدأ استعجب كيف نرده إلى العلم بينما هو مبدأ فلسفى اصيل ٠ فالإنسان ذو ارادة كمال لا يسعه قط الاحاطة بكامل ربما يقترب مرة من تخوم دائرة الكامل ولكنه لا يستطيع ان يمسك بحقيقة كمال الطبيعة ٠ ويقول ” العلم هو معيارنا المرجعى فى تعيين مكونات الواقع ” حين يصطاد الاسد فهو لا يقيس فريسته بالطول والعرض والارتفاع ، انه يفعل ما يتوجب عليه فعله وكذلك الفريسة التى سرعان ما تستسلم لقضائها بلا ندم ولا حزن وربما كانت الفريسة فى قطيع يتكون من آلاف وهى قادرة على سحق الاسد بل مجموعة الأسود كافة لكنها لا تفعل لأنه ليس من دائرة كمالها ٠
    واما قوله ” كل نظرية شاملة للواقع إذا اريد لها ان تكون نظرية مرضية فلابد ان تقر بالموجودات السببية والخصائص السببية والتفسيرات السببية التى تقر بها العلوم الراسخة ” ٠ حسنا ، هذه الفقرة تستحق العناية ، كل نظرية فلسفية لا تبدأ من الخالق اما يقضى عليها فى منتصف الطريق بضعف نفسها وقلة حيلتها او بنتائجها الخاطئة ٠ لا مفر ، ان تبدأ من الخالق ٠ واذا قلت وما أدرانا ان ثمة خالق ؟ لأنك لن تثبت انك خالق نفسك بل على العكس تجد نفسك مقاد إلى ما لا تحب طول الوقت ، كالمرض ، والموت ٠ اما النقطة الوحيدة التى اتفقت والأستاذ جراهام عليها فهى قوله :” لا يوجد فى الواقع السببى اى جانب يتصف بالألوهية او بالقداسة او يكون اهلا للعبادة ” هذا صحيح إلا قليلا ٠ فالواقع السببى اولا مصدره الانسان واذا كان يقصد الطبيعة وهذا بالفعل قصده فلا شئ الهى ٠ الطبيعة خلقها من خلقهم الله وهم الارباب المحدثون ٠ وخلقوها كاملة على طبيعة خلقهم لأنهم آلهة كاملين ٠ ولكن ثمة موجود وحيد على الكوكب خلقه الله وهو نفس الانسان وهى تستحق العبادة ٠
    والى تعليق آخر بصحبة جون استيوارت مل ٠

  2. يقول Ali Al-Taleb:

    في تعقيبٍ نقديٍّ على مقال «الطبيعانية» للفيلسوف غراهام أوبي؛ تكمن المفارقة الهيكلية في أطروحته في وقوعها في مصادرة إبستمولوجية عبر الاختزال الآلي؛ إذ يُحيل تفسيره على علمٍ استبعد الميتافيزيقا بقرارٍ مسبقٍ في أدواته.

    ثم يتجاوز سؤال ’علّة انتظام القوانين‘ بذريعة ’القصور الوجودي‘، ليوظف شفرة أوكام في ترسيخ بساطةٍ مزعومةٍ، ثمنها تجريف موضوعية الوعي والأخلاق واختزالهما في عوارض بيولوجية.

    بيد أن هذا المأزق الإبستمولوجي لا يلغي أن أطروحة أوبي تظل صياغةً أصليةً رفيعةً، ومحاولةً جادةً لمنح الطبيعانية متانةً منطقيةً تُحسب له، برغم محمولاتها البنيوية الحَرِجة.

شاركنا رأيك