الكاتبرحاب عبد الداي

ماذا لو كان علم النفس نفسه بحاجة إلى أن يتحرر؟ وماذا لو كان هذا العلم الذي اختار الإنسان موضوعًا له قد أصبح عاجزًا عن فهم الإنسان على نحو كلي، بل حولّه إلى متغيرات ودرجات وأرقام، وتم توزيع كيانه بين تخصصات متفرقة، حتى أصبح كل تخصص يرى جزءًا منفصلًا عن الأجزاء الأخرى؟ في المقابل، لابد أن نسأل أنفسنا كمتخصصين في هذا العلم عن طبيعة الموضوعات التي يتم دراستها في الوقت الراهن، هل يتم اختيار أسئلتنا البحثية لأنها تدرس الإنسان بتركيبته المعقدة، أم لأنها قابلة للقياس والتنفيذ والنشر؟ وماذا يحدث عندما تتحول لغة علم النفس إلى لغة يتحدث بها المتخصص وغير المتخصص، وتصبح مفايهمه سلعة متداولة ومنفصلة عن سياقها العلمي؟ ليس ذلك فحسب، لابد من طرح سؤال آخر في غاية الأهمية، وهو: هل أصبحنا نملك من الدراسات ما يكفي لتفسير أسباب الظواهر النفسية المستجدة على مجتمعنا، بينما لا نملك القدر نفسه من الحلول الإبداعية التي تستطيع أن تغير الواقع إلى أحسنه؟ ثم أين علم النفس الذي لا ينتظر المرض حتى يتدخل، بل يسعى إلى بناء الإنسان وتنميته؟ فإذا كان علم النفس قد نشأ ليقترب من الإنسان ويفهمه، فهل حان الوقت لنسأل: هل أصبح علم النفس نفسه خلف القضبان؟ ومن الذي صنع هذا القضبان؟

ولمزيد من التفصيل، سنحاول في هذا المقال التوقف أمام أربعة قضبان أساسية نرى أنها تحاصر علم النفس المعاصر، وتحد من قدرته على دراسة الإنسان بوصفه وحدة كلية. وسيتم تناول هذه القضبان على نحو تفصيلي ليس بهدف إدانة العلم أو التقليل من إنجازاته، وإنما بهدف مراجعة بعض الممارسات والاتجاهات التي ساهمت في تقييده، وذلك على النحو الأتي:

القضبان الأول: اختزال الإنسان

نشأ علم النفس في جوهره بوصفه محاولة لفهم الإنسان: كيف يفكر، وكيف يشعر، وكيف يتصرف، وكيف تتفاعل خبراته ودوافعه مع بيئته المحيطة؟ ولكن أدى تزايد فروع علم النفس الدقيقة إلى تفكيك هذا الكائن المتكامل إلى أجزاء متخصصة؛ فأصبح لكل جانب منه مجالًا، ولكل عملية نفسية متغيراتها الخاصة بها، ولكل متغير أدوات قياس. فأصبحنا ندرس الذاكرة بمعزل الوجدان، والانتباه بمعزل عن الدافعية، والشخصية بمعزل عن السياق الاجتماعي، وكأن الإنسان مجموعة من الجزر المنفصلة التي يمكن فهم كل واحدة منها دون الحاجة إلى النظر للكيان المتكامل.

ولا تكمُن المشكلة في التخصص ذاته؛ فالتخصص ضرورة لتطور أي علم، كما أن دراسة العمليات النفسية بصورة دقيقة أسهمت في بناء معرفة علمية واسعة. لكن الإشكالية تتجلى عندما يتحول التخصص من وسيلة لفهم جانب من الإنسان إلى بديل عن فهم الإنسان نفسه ككل (على سبيل المثال، عندما نقيس الدافعية لدى الفرد لا يعني أننا أحطنا بكل ما يدفعه إلى الفعل). فالإنسان ليس مجموع أجزائه فحسب، بل هو شبكة معقدة من التفاعلات بين الأجزاء، وبينها وبين سياقه الذي يعيش فيه.  

ومن ثّم، يظهر حاجزًا آخر داخل القضبان الأول ويتمثل في هيمنة الرقم، أي عندما يصبح الرقم هو اللغة الوحيدة التي نثق بها في الحديث عن الإنسان. لقد منح المنهج الكمي علم النفس قدرة مهمة على القياس والمقارنة واختبار الفرضيات والكشف عن العلاقات بين المتغيرات، ولا يمكن إنكار قيمته العملية. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل كل ما نريد دراسته في الإنسان يمكن اختزاله إلى رقم؟ وهل ما لا نستطيع قياسه بسهولة يصبح أقل أهمية لمجرد أدواتنا الحالية لا تستطيع تقديره بصورة واضحة؟ وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي يتمثل في: هل نستخدم الأرقام في علم النفس أم لا؟ بل: هل ما زلنا نستخدم الأرقام لفهم الإنسان، أم بدأنا نعيد تشكيل صورة الإنسان لتناسب الأرقام التي نستطيع قياسها؟ فحين يصبح ما لا يمكن قياسه غير جدير بالدراسة، وحين يصبح الإنسان مجرد مجموع من الدرجات على المقاييس، نكون قد اقتربنا من القضبان الأول.

القبضان الثاني: حين تصبح المعرفة النفسية سلعة

إذا كان القضبان الأول قد حاصر الإنسان داخل المتغيرات والأرقام، فإن القضبان الثاني يضع المعرفة النفسية نفسها أمام سؤال آخر أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما تتحول المعرفة التي يفترض أن تساعدنا على فهم الإنسان إلى سلعة يتم إنتاجها وتسويقها واستهلاكها؟ فمع اتساع الاعتمام بعلم النفس، لم تعد المفاهيم النفسية حبيسة الكتب والعيادات، بل أصبحت حاضرة وبقوة في وسائل التواصل الاجتماعي، والبرامج، والدورات التدريبية، والاعلانات، والمحتوى الرقمي. هذا الانتشار في حد ذاته ليس مشكلة؛ بل قد يكون علامة على زيادة الوعي النفسي. لكن المشكلة تبدأ عند طرح المفاهيم النفسية من قبل غير المتخصصين،والذي يتم تناولها أو طرحها في عبارات جذابة ليس لها أساس من الصحة، أصبح ما يجذب الجمهور أكثر أهمية مما هو دقيق علميًا.

ساهم المختصون والأكاديميون -عن غير قصد- في هذه الأزمة بسبب الخطاب التقليدي الذي ينتهجونه، حيث اتسمت لغة التخصص بالتعقيد، والمصطلحات الجافة، والانعزال داخل الأسوار الأكاديمية، مما جعلها غير جذابة للجمهور العادي الذي يبحث عن الفهم السريع لمشكلاته. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:هل نحن أمام انتشار للثقافة النفسية على نحو علمي؟ أصبحنا الآن نستخدم مفاهيم بوصفها جزءًا من حياتنا اليومية مثل: النرجسية، والتعلق، وصدمات الطفولة، والاحتراق النفسي وغيرها. فمن الإيجابي أن يعرف الناس شيئًا عن صحته النفسية، لكمن الخطورة تكمُن في أن يتحول المفهوم العلمي إلى ملصق جاهز نضعه على أنفسنا أو على الآخرين.

 في النهاية، لا ينبغي أن ننظر إلى انتشار المعرفة النفسية خارج الأوساط الأكاديمية بوصفه خطرًا، بل قد يكون فرصة لعلم النفس أن يخرج من برجه الأكاديمي المغلق، ويصل إلى الناس بلغة يفهمونها. المشكلة إذن ليست في خروج علم النفس إلى المجتمع، وإنما في الطريقة التي يخرج بها، والتأكيد على أهمية المتخصص. فالمعرفة النفسية لا تفقد قيمتها عندما تصل إلى الناس، بل تفقد قيمتها عندما يصبح الوصول إلى الناس أهم من الحقيقة التي نحاول إيصالها لهم.

القضبان الثالث: من دراسة الواقع إلى تكرار المألوف

  إذا كان البحث العلمي هو الأداة التي يفترض أن يتقدم بها علم النفس، فإن أحد الأسئلة التي تستحق التوقف أمامها هو: هل ما زالت البحوث النفسية تبدأ من أسئلة حقيقية يطرحها الإنسان والواقع، أم أنها تبدأ أحيانًا من موضوعات مألوفة يسهل تحويلها إلى دراسة؟ فالبحث العلمي في جوهره ليس مجرد الحصول على درجة علمية أو استكمال متطلبات أكاديمية، ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن بعض الموضوعات البحثية تدور داخل دائرة متكررة من المتغيرات والمفاهيم والعلاقات؛ فتتغير العينة أو المرحلة العمرية أو بعض تفاصيل العنوان، بينما تظل الفكرة الأساسية واحدة. ولا يعني ذلك أن تكرار البحث أمر غير علمي في ذاته؛ فالعلم يحتاج إلى التكرار والتحقق وإعادة اختبار النتائج في سياقات مختلفة. لكن الفراق كبير بين التكرار الذي يختبر المعرفة ويطورها، والتكرار الذي يعيد إنتاج الفكرة نفسها دون إضافة حقيقية.

القضبان الرابع: حين تتوقف المعرفة عند حدود التفسير

قد يكون من السهل نسبيًا أن نجري دراسة تكشف ارتفاع مستوى ظاهرة معينة لدى فئة ما، أو نثبت وجود علاقة بين متغيرين، أو تحدد بعض العوامل المرتبطة بمشكلة نفسيةأو اجتماعية. لكن اكتشاف المشكلة لا يعني تحليلها، وتفسير أسبابها لا يعني أننا امتلكنا القدرة على تغييرها. وهنا تظهر إحدى المفارقات وتتمثل في تكرار الدراسات التي تثبت وجود المشكلة، بينما تظل المشكلة نفسها قائمة في الواقع. وتزاد الفجوة عندما تكون الحلول المقترحة في نهاية الدراسات متشابهة وتقليدية، فقعد ندوات توعوية، وإعداد برامج إرشادية هي توصيات قد تكون مهمة في حد ذاتها، لكن السؤال المهم يكمُن في: من سينفذ؟ وكيف؟ وبأي موارد؟ وعلى أي نطاق؟ وكيف نعرف أن ما تم تنفيذه قد أحدث تغييرًا حقيقيًا؟ هنا تبرز الحاجة إلى أن يتجاوز علم النفس حدود التدخل الفردي إلى التعاون المؤسسي. وفي النهاية، ربما لا يتحرر علم النفس من هذا القضبان بمجرد إنتاج مزيد من الدراسات، وإنما ببناء جسر حقيقي بين المعرفة والتطبيق؛ جسر تتعاون في بنائه الجامعات والمؤسسات والممارسون وصانعو السياسات والمجتمع نفسه.

خاتمة

ربما يبدو ما سبق قاسيًا على علم النفس، وربما يتساءل البعض: هل وصل الأمر إلى أن يصبح هذا العلم كله أسيرًا لعشرات القيود؟ والحقيقة أن الهدف من هذه المقالة ليس محاكمة علم النفس، ولا إنكار ما قدمه من إسهامات في فهم الإنسان، وعلاج معاناته، وإنما دعوة إلى مراجعة المتخصصين لذاتهم. فكل علم يريد أن يرتقي لابد أن يسأل متخصصينه أنفسهم من حين إلى آخر: ماذا أصبحنا؟ وماذا نريد أن نكون؟ وهل ما نفعله اليووم مازال يقترب بنا من الإنسان الذي كان هدفه الأسمى. ولعل التحرر من القضبان لا يعني هدمها جميعًا، ولا التخلي عن الإحصاء والمنهجية والتخصص والبحث العلمي، وإنما يعني أن نعيد كل ذلك إلى مكانه الطبيعي، بمعنى استخدام أدوات في خدمة الإنسان، لا قيودًا تحاصر فهمه. فربما لم يكن السؤال لحقيقي طوال هذه المقالة: هل علم النفس خلف القضبا؟ وإنما: هل نملك الشجاعة لفتح أبوابها؟


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك