يفكك ريتشارد كيرني في هذه الدراسة مقولةَ هايدغر الشهيرة في حواره مع دير شبيغل: «وحده إله ما يمكن أن ينقذنا»، متسائلًا عن هوية هذا الإله. يميّز كيرني بين ثلاثة أوجه للألوهة في فكر هايدغر: إله الوحي الكتابي الذي يخصّ اللاهوت لا الفلسفة، وإله الميتافيزيقا الذي تُختزل فيه الألوهةُ إلى علّة أولى لا يُصلَّى لها، وإله الشعراء الذي يتجلى كمقدّس في تجربة هولدرلين وريلكه. وفي القسم الثاني، ينتقد كيرني سلبيةَ الشعرية الهايدغرية وانتظارَها القدري، مقترحًا تصورًا إسكاتولوجيًا للإله كـ«إمكان» [posse] يستلزم التزامًا أخلاقيًا بالعدل، لا مجرد ترقّب شعري.
| الكاتب | ريتشارد كيرني |
| ترجمة | مازن محمد |
جدول المحتويات
القسم الأول: الألوهة لدى هايدغر
في مقابلته المثيرةِ للجدل مع مجلة دير شبيغل، والتي أُرجِئ نشرُها حتى وفاته عام (1976)، أدلى هايدغر بتصريح صادم مفاده «وحده إله ما، يمكن أنْ ينقذَنا» [nur noch ein Gott kann uns retten]. فما الذي يعنيه بذلك؟ مَن هو الإله الذي يشير إليه؟ أهو الإله الكتابي؟ أم إله الميتافيزيقا؟ أم إله الشعر؟
إنني أزعم أنَّ الإله الذي استحضره هايدغر – بشكل شبه مؤكد – هو من النوع الأخير، أي إله «المقدس» كما اختبرته الشعريةُ الإغريقية أول الأمر، وخلّده شعراء محدثون مثل هولدرلين وريلكه. إنَّ ما يهُمُّ هايدغر هنا هو هذا البُعد من «الرُّباعي»** للعالم الذي تشغله الألوهةُ الشِعرية – إلى جانب الفانين والسماء والأرض – وليس إله الفلاسفة أو إله الإبراهيميين. وفيما يلي سأقدِّم عرضاً موجزاً لمعالجةِ هايدغر لكلِّ من هذه التصورات حول الألوهة، قبل أنْ أختتمَ بنقدِ إله هايدغر الشعري، مقترحاً ضرورة أن يُستكمَلَ بتصور إتيقي للألوهة. وفي هذه الدراسة، يشكِّل تداخلُ الشعري والإتيقي والديني – ثالوث القيمِ لدى كيركغارد – محوراً لانشغالنا.
أولاً: إله الوحي
وإذ أبدأ بمعالجة هايدغر لإله الوحي الكتابي، فإن واحداً من بواكير أعماله في هذا الموضوع هو «الفينومينولوجيا واللاهوت»، الذي قُدِمت أولَ الأمرِ كمحاضرة في توبنغن في آذار (1927)، وهو العام نفسه الذي نُشر فيه كتابُ «الكينونة والزمان». وفي هذا المقال التأسيسي، يشير هايدغر إلى أنَّ اللاهوتَ يأخذ بداهةَ مُعطياتِ الوحي الكتابي، أي الموضوع المُسَلَّم به في العهدين القديم والجديد. وبهذا المعنى يمكن تسميته «علماً إيجابياً»، على خلاف الفينومينولوجيا «أو أي شكل آخَر للفلسفة» التي لا تفترض شيئاً سوى أسئلتها الخاصة. فبينما تتناول الفينومينولوجيا تجربةَ القلقِ كحالة وجودانية عن العدم، والتردد، واللاألفة، والتساؤل، فإنَّ اللاهوتَ سيتناولها كتعبير عن الخطيئة الأصلية والسقوط. وحيثما تسأل الفينومينولوجيا السؤالَ الفلسفي الجذري: لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ يكون لدى اللاهوت الجوابُ سلفاً: «لأنَّ الإله هو من خلقَ العالمَ».
لهذا السبب، وفي نصّ لاحق بعنوان «مدخل إلى الميتافيزيقا» (1953)، يصل هايدغر إلى حد التصريح بأنَّ فكرةَ فلسفة مسيحية هي بمثابة «مربع دائري وسوء فهم».[1] ولا ينبع موقفُه هذا من رفضه للمسيحية أو الوحي الكتابي كما هما، بل إنه يرى أنهما لكي يكونا موضوعاً مشروعاً تماماً وملائماً للبحث فسيكونان لتخصص آخَرَ هو اللاهوت. إنما بالنسبة للموقف الفلسفي، أو بالأخص الفينومينولوجي، لا يكون «إله الوحي موضوعاً للتفكير، ومن ثمّ غير ذي صلة». فالإله الكتابي هو مسألة إيمان، لا فلسفة. وكان القديس بولس محقاً تماماً حين وصف سرَّ الرسالةِ اليهودية -المسيحية بأنه «حماقة في نظر الفلاسفة». للفيلسوف المنشغل بسؤال الكينونة والعدم، يعدّ سلبُ هذا السؤال منه، بدعوى أنَّ الإله خلقَ العالمَ ومن ثمّ هو من سينقذنا، حماقة، بل أسوأ من ذلك، كما يُذكّرنا كيركيغارد باستمرار: «فضيحة» و«إساءة». وفي هذه النقطة تحديداً، يجد هايدغر وكيركيغارد نفسيهما في اتفاق تام «ولو من ضفّتين مختلفتين». ولا يمكن أن يكون هايدغر أكثرَ وضوحاً في هذا الشأن من قوله: «إنَّ اللاهوتَ هو علم إيجابي، وبهذه الميزة هو يختلف كلياً عن الفلسفة… إنَّ حدثَ الوحي، الذي يُسلّم للإيمان، والذي يحدث إذن من خلال الإيمان نفسه، لا يكشف ذاته إلا للإيمان… للاهوت معنىً وقيمةٌ فقط إذا عملَ بوصفه عنصراً من عناصرِ الإيمان، في نوع خاص من الحدث التاريخي».[2]
ويعود هايدغر إلى هذه النقطة الحاسمة بعد فترة ما يُعرف بـ«المنعرج»، رغم أنَّ الإشارةَ إلى اللاهوت كـعلم «إيجابي» قد جرى التخلي عنه بشكل ما. ففي حديثه إلى طلّاب جامعة زيورخ في تشرين الثاني (1951)، يقدِّم هايدغر تلميحاً ذاتياً كما أورده جان بوفريه (Jean Beaufret): «بعضُكم سيعلم أنني أتيتُ من اللاهوت، وما زلتُ أحتفظ له بعاطفة قديمة، وبقدر من الفهم. ومع ذلك، إنْ كان عليَّ أنْ أقومَ بعمل لاهوتي -وهو ما رغبتُ به كثيراً- فلن تظهر فيه كلمةُ الكينونة على الإطلاق. فالإيمانُ لا يحتاج إلى التفكيرِ في الكينونة. لماذا؟ لأنَّ الكينونةَ والإله ليسا الشيء نفسَه». وهذا يعني بالنسبة لهايدغر أنَّ على المرء ألّا «يفكر في الإله بوسائطِ الكينونة». ويضيف هايدغر أنَّ لوثر كان مدركاً جيّداً لهذا، رغم أنه مستعدٌ للاعتراف «…. بأن تجربة الإلهي وتجليه – بقدر ما هي جزء من لقاء مع الإنسان – تحدث في بُعد من الكينونة. لكن يجب ألا يُفهم من ذلك أنَّ الكينونةَ يمكن أن تُقَدَّمَ كمحمول يُسند للإله». وهنا، يُصرّ هايدغر على «أنّنا بحاجة إلى تمييزات جذرية جديدة».[3]
نعم، إنَّ هايدغر لم يتوسّعْ في الحديث في تلك المناسبة عن ماهية هذه التمييزات الممكنة. ولكن، وفي عدد من الحوارات اللاحقة وإنْ كانت نادرةً، يعود إلى هذا الموضوع بصراحة غير معهودة لديه. ففي مقابلة مع أي. نواك (A. Noack) عام (1953)، يصرّح هايدغر بأنه «لا يوجد تفكيرٌ (فلسفي) يمكن أنْ يُعدَّ أو يثبّتَ ما يحدث عن طريق الإيمان أو النعمة».[4] وفي حوار غير رسمي آخَرَ، هذه المرة في الأكاديمية البروتستانتية في هوفغيسمار في كانون الأول (1953)، يدلي هايدغر باعتراف آخَرَ: «إذا استدعيت من خلال الإيمان، لأغلقت ورشتي… الفلسفة لا تتعامل إلا مع ذلك الفكر الذي يمكن للإنسان أنْ يستخلصَه من إمكاناته الخاصة. وبمجرّد أنْ تُستدعى من قِبل الوحي، تتوقف الفلسفةُ». ويختم تبعاً لذلك بهذه النصيحة التي وجّهها إلى اللاهوتيين الحاضرين: «اللاهوتيون عموماً ليس لديهم ثقةٌ كافيةٌ بحقلهم الخاص، ويتخاصمون كثيراً مع الفلسفة. بينما ينبغي عليهم أنْ يبقوا ضمنَ المجال الحصري للوحي… فالتجربة المسيحية أمرٌ مختلفٌ للغاية، ولا حاجة بها لأنْ تدخلَ في منافسة مع الفلسفة. وحتى عندما يعرض اللاهوتُ بنظره عن الفلسفة بوصفها ضرباً من الحماقة، فـإنَّ الطابعَ الغامضَ للوحي يُصان على نحو أفضلَ بكثير… فالتفكير الفلسفي يظل دائماً في أُهبة التساؤل حول الكينونة، بينما الإيمان على العكس، يبقى أمراً منوطاً بالثقة».[5] وتمضي هذه الثقةُ لتتضمن موقفاً من الاستعجال أو الترقّب – فيما يتعلق بالمجيء، أو المجيء الثاني – للمخلّص. ومثل هذا الموقف، كما لاحظ هايدغر في محاضراته سنة (1921) حول أوغسطين والأفلاطونية المحدثة، يختلف جذرياً عن الموقف الميثولوجي عن الزمان. فبينما ترى المسيحيةُ في التاريخ التزاماً بالتهيئة لمجيء مملكةِ الله، يُفضّل التفكيرُ الأنطولوجي والميثولوجي أنْ يسمحَ للأشياء بأنْ تكونَ كما هي [Gelassenheit]* بالتخلية والتسليم. وكما لاحظ في «رسالة في النزعة الإنسانية» (1947)، فإنَّ المسيحي ليس «كينونة-في-العالم» في المقام الأول، بل هو من «عيال الإله» يسمع نداء الآب في المسيح، نداء يتجاوز هذا العالم بوصفه عابرَ سبيل نحو عالم لم يأتِ بعد.[6]
ولا يبدو أنَّ هايدغر كان يحمل أيَّ عداء تجاه إله الوحي بحدِّ ذاته، بل إنه، وكما سنرى لاحقاً، يبذل -في بعض الأحيان- جهداً للدفاع عن هذا الإله في مواجهة إله الميتافيزيقا، الذي – بحسب رأيه – يُفرغ الوحي من كلِّ سرِّه وقوته حين يُحاول اختزالَ الإله الإبراهيمي إلى مقولات من الحضور الصوري المنطقي – وهو ما يسميه هايدغر «التفكير التمثّلي»، ويطلق عليه دريدا «التمركز حول اللوغوس». ومع ذلك – وسنعود إلى هذه النقطة لاحقاً – فإنَّ الشاغلَ الرئيسَ لهايدغر في وضع هذه التمييزات الجديدة الجذرية، ليس الانشغال بالاعتبارات الكتابية بحد ذاتها، بل هو ترسيم الحدود الفاصلة بين: أولاً، الاعتبارات الكتابية الخاصة بالإله «بوصفها موضوعات خاصةً باللاهوت». وثانياً، التصورات الميتافيزيقية المختلفة عن الإله كعلّة أولى أو كائن أسمى. وثالثاً، الرؤى الشعرية «ما بعد الميتافيزيقية» عن الإله. هذا النوع الأخير من الإله -إله الشعراء، إله فينومينولوجيا المقدّس، إله من الرباعي- هو بوضوح الإله الذي يشغل هايدغر. وهو الإله الوحيد، في اعتقاد هايدغر، الذي «يمكن أنْ ينقذَنا».
ثانياً: إله الميتافيزيقا
في مقالته المعنونة «البنية الأنطو-ثيولوجية للميتافيزيقا»،* والمنشورة ضمن كتاب «الهوية والاختلاف» (1957)، يوسّع هايدغر من نقده لمفهوم الإله الميتافيزيقي كـ«ثـيوس» [theos] أي الكائن الأسمى الذي يُؤسِّس. فبدلاً من الالتفاتِ إلى التجلي المقدّس للألوهة كجزء من حدث الكينونة، كما فعل الشعراءُ الإغريق وما قبل السقراطيين، سعى التفكيرُ الميتافيزيقي – منذ بداياته مع أفلاطون وأرسطو– إلى اختزال اللعب الأنطولوجي للكينونة [Sein] إلى مجرَّدِ كائن [Seiend] وإنه – أي الكائن الإلهي أو الثيوس – هو أسمى الكائنات وأكثرها كفاية بذاته – واجب الوجود. فقد توالت هذه الصيغُ الميتافيزيقية في تمثيل وتشييئ الحدوث المقدَّس للكينونة، من «الخير الأسمى» [Agathon] لدى أفلاطون، و(الغاية) [Telos] لدى أرسطو، إلى المفهوم المدرسي للإله بوصفه «الكائنَ الأكملَ على الإطلاق» [Ens Perfectissimum] أو «الكائن/الموجود بذاته» [Ens Causa Sui]. وما تشترك فيه جميعُ هذه الصيغِ هو سعيها المشترك إلى تحويل اللعب السرّي للمقدّس -حيث كانت الآلهة والفانون مرتبطون ببعضهم أحياناً بشكل درامي وأحياناً مأساوي- إلى علّة أولى أو نهائية تعمل كمبدأ تأسيسي لنظام تأملي يفسِّر منطقياً كيف تأتي الأشياءُ إلى الكينونة وكيف تزول. ولا يَسلم إلهُ الفلاسفةِ من نبرةِ هايدغر الحادة: «العلّة الأولى بوصفها علّةَ ذاتها [causa sui] هي الاسم الصحيح لإله الفلسفة الذي لا يستطيع الإنسانُ أنْ يصليَ له، ولا أنْ يقدّمَ القربان. أمام هذا الإله لا يستطيع الإنسانُ أنْ يجثوَ بخشوع، ولا أنْ يعزفَ الموسيقى أو يرقص». ويُصعّد تحديه، مضيفاً أنَّ: «التفكير الذي لا إله فيه، والذي يتوجب عليه أنْ يتخلى عن إله الفلسفة -الإله بوصفه [causa sui] – قد يكون أقربَ إلى الإله الإلهي. والمراد هنا ببساطة: أنَّ التفكيرَ الذي لا إله فيه أكثرُ انفتاحاً على الألوهة مما يود المنطقُ الأنطو-ثيولوجي الاعتراف به»[7].
وفي نص لاحق، أي الجزء الأول من كتابه «نيتشه» (1962)، يؤكد هايدغر بحزم أنَّ تقويضَه لإله الميتافيزيقا لا يعني رفضاً للألوهة برمتها، بل على العكس، يُصرّ على أنَّ الرغبةَ في نزع الألوهة عن الكينونةِ ليست رغبةً في الإلحاد، بل رغبة في نزع العصابة الأنطو-ثيولوجية عن أعين الميتافيزيقا الغربية، كي «تتقدّم الآلهة نحو البشر». وأحد أكبرِ الحواجزِ أمام مجيء هذه الآلهة، ليس الإلحاد كما يُظَن غالباً، بل الهوس الميتافيزيقي بإيجاد براهينَ على وجود الإله. وقد جادل كيركيغارد ذاتَ مرة بأنَّ أيَّ شخص يحاول إثباتَ وجودِ الإله من خلال قياس منطقي، هو بحكم ذلك وثني. ولهايدغر قول يتصادى مع هذا التصور: «إنَّ البرهانَ على وجود الإله، حتى وإنْ بُني بأقصى وسائلِ المنطق الشكلي الصارم، لا يُثبت شيئاً، لأنَّ إلهاً يجب قبل كل شيء إثباتُ وجوده هو في النهاية إله ذو ألوهية ضئيلة جداً، وبرهانه يؤدي في نهاية المطاف إلى التجديف»[8].
إنَّ خطأ الميتافيزيقا بحسب هايدغر يكمن في محاولتها اختزال سرِّ الإلهي – كما اختبره شعراء المقدَّس وأنبياء الكتاب بطرائقَ شتى وإنْ بقوة بالغة – إلى فكرة كيان مطلق أسمى. لكن مسألة ما إذا كان الإله موجوداً أم لا ليست مسألةً تخصّ الميتافيزيقا إطلاقاً. وهايدغر لا يلين في هذه النقطة، كما يتضح في لقائه مع آر. شيرر (R. Scherer) عام (1947)، حيث يقول: «الميتافيزيقا لا تستطيع أنْ تؤكِّدَ من تلقاء ذاتها ما إذا كان مثلُ هذا الإله هو حقّاً إله بمعزل عن التجربة الدينية لكلمة الإله. فالإله هو معطى من معطيات التجربة الدينية، لا الفلسفة»[9].إنَّ الألوهةَ التي كُشِفتْ لنا بواسطة أنبياء الكتاب أو الشعراء الاغريق لا يمكن اختزالها إلى المقولات المنطقية للميتافيزيقا، كما أنها ليست بالضرورة الألوهةَ نفسَها. ولكن بما أننا سنتناول لاحقاً الفرقَ بين هذه الآلهة في الأقسام التالية، يكفي أنْ نختتمَ هذه النظرةَ السريعةَ بنقد هايدغر لإله الميتافيزيقا بهذا التصريح من محاضرات فصل الشتاء (1950–1951)، إذ يرسم تمييزاً حاداً بين المقاربة الأرسطية واللوثرية – أي الأنطو-ثيولوجية من جهة واللاهوتية من جهة أخرى – بخصوص الألوهةِ. ويبدو واضحاً إلى أيّ جانب يميل هايدغر ذاتياً، على الرغم من تكوينه المدرسي في معهد كاثوليكي، إذ يقول هايدغر هنا: «اللاهوت المسيحي، بخلاف الأنطو-ثيولوجي، يتحدَّث انطلاقاً من إيمان بالوحي. أما النظرية الكاثوليكية في الخلق فقد مالت إلى معاكسة ذلك، عبر عقلنة الوحي. وفي فعلها هذا، كثيراً ما تحيل إلى أرسطو. فعلاوة عن كونه أمراً غيرَ ضروري من الأساس، وهو لا يؤدي إلى مغالطات فحسب، بل هو أيضاً انتقاصٌ من المضمون الديني الأصلي للاهوت. فالوحي ليس بحاجة إلى أرسطو، وينبغي لنا كذلك أنْ نحذرَ كلَّ الحذرِ من تأويل الفلسفة اليونانية بمصطلحات مدرسية (مسيحية)»[10].
وما يسري على طرف، يسري على الآخَرِ. فإذا كانتِ الأنطو-ثيولوجيا مضرّةً باللاهوت، فهي أيضاً مضرّة بالأنطولوجيا. وإذا كان ينبغي صونُ اللاهوت من اختزالات الميتافيزيقا بالعودة إلى أنبياء الوحي، فإنَّ الأنطولوجيا بتجرِبتها الفينومينولوجيةِ الأصيلةِ للمقدَّس، ينبغي صونُها من هذه الاختزالات بالعودة إلى الكلِّم الأصلي لما قبل السقراطيين والشعراء.
إنَّ هذه الفينومينولوجيا الأصليةَ للمقدّس هي ما يدعو إليه هايدغر في «رسالة في النزعة الإنسانية» (1947) بوصفها الأساسَ الذي لا غنى عنه لكلِّ تجرِبة بشرية مع الألوهةِ، سواء فُهِمتْ لاهوتياً أم ميتافيزيقياً. إنها تُشكّل «أنطولوجيا أساسية» للمقدَّس، وهي ما تفترضه سلفاً الميتافيزيقا واللاهوتُ على السواء، وربما ما يشير أيضاً إلى ما يتجاوز كليهما. فقبل أنْ نتحدثَ عن إثباتِ أو نفي وجودِ الإله، علينا أوّلاً أنْ نعرفَ ما هي تجرِبتنا الوجودية مع الإله في الأصل. ومن هنا تنبع منطقيةُ تصريح هايدغر الجدلي في «رسالة في النزعة الإنسانية»: «فقط من حقيقة الكينونة يمكن التفكيرُ في ماهية المقدَّس، وفقط من ماهية المقدَّس يمكن التفكيرُ في ماهية الألوهةِ. وفي ضوء ماهية الألوهة يمكن التفكيرُ والقولُ بما ينبغي أنْ تعنيه كلمةُ الإله. أليس ينبغي لنا أوّلاً أنْ نكونَ قادرين على فهم وسماع هذه الكلمات بعناية كبشر، أي كائنات تتواجد، تريد أنْ نحظى بشرف اختبار علاقة ما بين الإله والإنسان؟». وعند هذه النقطة، يواصلُ هايدغر طرحَ السؤال الحاسم: «كيف يمكن إذن، لإنسان العصر الحاضر أنْ يكونَ قادراً حتى على طرح السؤال بجدّية وحزم عما إذا كان الاله يدنو أو يتوارى، بينما يتغاضى الإنسانُ عن الخطوات الأولية للتفكير العميقِ في البُعد الوحيد الذي يمكن فيه طرحُ هذا السؤال: أي بُعد المقدَّس، والذي… يبقى مُغلقاً ما لم يُفسَح المجالُ لانكشاف الكينونة، وفي انكشافها تُصبح دانية للإنسان؟». ويُغامر هايدغر بحدس شبه ديني فيقول: «إنَّ سمةَ هذا العصر تكمن في أنَّ بُعدَ النعمة قد أُوصد. وقد تكون هذه اللانعمة هي السمة الفريدة التي تخصّه». ولكن، أيّاً كان الردّ على هذه الـ«ربما» البلاغية، فإنَّ هايدغر لا يساوره أيُّ تردد في هذا المقطع الحاسم في التأكيد على أنَّ تعليقَ الانشغالِ الميتافيزيقي بوجود الإله أو عدمه، أو بإمكانه أو استحالته، لا يعني بأيِّ حال من الأحوالِ إعلاناً لصالح الإيمان أو ضده. إنَّ الفينومينولوجيا الخاصةَ بالمقدَّسِ، كما يُصرّ هايدغر، «لا يمكن أنْ تكونَ تَوحيدية (ثيولوجية)، تماماً كما لا يمكن أنْ تكونَ إلحاداً»[11]. فليستِ المسألةُ مسألةَ إثباتِ وجود علّة أولى، بل مسألة «تسمية المقدَّس». وهذا الدور قبل كلِّ شيء منوط بالشعراء.
ثالثاً: إله الشعراء
إنَّ الوجه الثالث للألوهة في فكر هايدغر هو إله الشعر. هنا الإله لا يكون موصوفاً كعلّة، ولا بخالق، بل بوصفه مقدَّساً. إنه الإله الذي يُفاجئنا في قلب المرئي ذاته؛ إله التجارِب الفينومينولوجية التي تتجلّى بطرق مختلفة في أديان مختلفة – كما بيّن ميرسيا إلياده في دراساته المقارنة الغنية في فينومينولوجيا الأديان – لكنها تجارِبُ لا تدّعي أبداً أنها تقدِّمُ لنا براهينَ أو أدلّةً أو وحياً يخصُّ وجودَ «الإله الحقيقي» دون غيرِه. هنا «يصبح المسيح وأبولو إخوةً»[12]. إحساس المقدَّس يمكن أنْ يُسجّلَ الدرجةَ نفسَها في معبد يوناني، أو كنيس يهودي، في مسجد إسلامي، أو كاتدرائية مسيحية. كل الأديان متاحة هنا؛ أو على نحو أدق، يُعلّق كل دين بوصفه ديناً لكي يُتاح اختبار «غير تعَبُّدي»* للمقدَّس بما هو مقدَّس. إنَّ ادّعاءاتِ الميتافيزيقا والوحي على السواء في تحديد مفهوم حصري ومطلق للإله تُترك جانباً، لصالح انفتاح شعري على اللعب الفينومينولوجي بين الآلهة والفانين. ولعل الشعراء هم أوّل من اخترع ممارسةَ التعليق الفينومينولوجي [epoché] على الأقل حين يتعلّق الأمرُ بوجود الإله. فبالنسبة للشعراء، الإله «بلا لِــمَ؟»، من دون أنْ يكونَ للدوغمائيات اللاهوتية والاستدلالات الميتافيزيقية وزن على السواء.
وأحسبُ أنَّ هذا ما كان يدور في ذهن غابرييل مارسيل حين قال إنَّ «هايدغر إغريقي»[13]؛ أو ما يكمن وراء ملاحظة بول ريكور بأنَّ «هايدغر تفادى بشكل منهجي المواجهةَ مع الفكر العبراني… الذي يبقى الغريب المطلق عن الخطاب اليوناني»[14]. ومن المؤكد أنَّ هايدغر حينما كان يتحدث عن اللوغوس الذي يحكم العالمَ، فإنه يفكر في هيراقليطس لا في القديس يوحنا. وفي «مدخل إلى الميتافيزيقا»، يصرّح بجرأة أنَّ «المسيحية مسؤولة عن إساءة فهم هيراقليطس» من خلال اعتبار عقيدةِ هيراقليطس في اللوغوس مجردَّ تمهيد لمقدمة إنجيل يوحنا، حيث يُطابق اللوغوس مع المسيح. ويُعبّر عن ازدرائه لهذا الفهم السائد الذي يفسِّر الإغريقَ باعتبارهم «لاهوتيين مسيحيين لم يكتمل نضجُهم بعدُ»[15].
ومما لا شك فيه أيضاً أنه حين يعلن أنَّ «المقدَّسَ هو كينونة الطبيعة» فإنه يقصد آلهةَ الأساطيرِ والمآسي والفنون الإغريقية.[16] فـ«الكلمة» التي تُسمّي البعد المقدَّس للكينونة تأتي من الشِعرية الإغريقية. وهذه التَسمِية تظهر في معالجته للإبداع في «منبع الأثر الفني» (1935–1936) من خلال ثلاثة نماذج – تمثال ومعبد وتراجيديا – يقول هايدغر: «هذا النوع من النصب هو الإنشاء بمعنى المباركة والتمجيد، لا يعني النصب هنا مجرد الإرساء. فالمباركة تعني جعل الشيء مقدَّساً، بمعنى أنه في التشييد الذي له طابع الأثر يُفتح المقدّس [das Heilige] بوصفه مقدَّساً حيث يُستدعى الإله إلى المجال المفتوح للحضور. تتضمن المباركة الإكرام بوصفه إكراماً لسناء وجلال الإله. السناء والجلال ليسا خصائصَ تقفُ بجانب الإله أو خلفه، بل إنَّ الإله حاضرٌ في السناء، وفي الجلال. وفي انعكاس هذا الجلال، يتوهّج، أي يُضيء ما أسميناه العالم»[17] يوجد هنا، في كل بهائه الوثني إله الميثوس الإغريقي، إله التجربة الجمالية الأصلية التي يعتبرها هايدغر أولَّ شكل من أشكال الفينومينولوجيا. هنا يكون الشعر حقاً «تسميةً للمقدس»، وهو جزء لا ينفصل من شعرية كونية أوسعَ، حيث تُظهر الآلهة ذاتها، وتتجلى، وتحضر بكيفية فينومينولوجية.
ومع ذلك، فإنَّ هايدغر لا يملك أوهاماً حول الطابع الماضوي لهذه التجربة «الإغريقية» في جوهرها. وعلى الرغم من أنه يرى في شعراء الحداثة الكبار – وعلى وجه الخصوص هولدرلين – حرّاساً للذاكرة الإغريقية، فإنها مع ذلك ليست سوى ذاكرة. ويبقى الشعرُ يحتفظُ بطبيعة الحال بمهمته الاصلية في تسمية المقدَّس، لكن مع فارق حاسم: وهو أنه اليوم يعرف أنَّ المقدَّس غائبٌ، وأنَّ الآلهةَ متواريةٌ، وأنَّ الأسماء مفقودةٌ. إنَّ الحداثةَ تختبر الآلهةَ بوصفها غياباً أو تَوارياً [Fehl Gottes]. وإذا كان هايدغر لا يزال قادراً على القول، في مقاله عن هولدرلين، إنَّ «الكلمة هي استحضار المقدَّس»، فهو استحضار يُعلن الحضورَ من خلال الغياب، إنه مجيء لا يمكن أنْ يحدثَ إلا حينَ نختبر بالكاملِ حالةَ الحداثةِ من التيه والضياع وفقدان الوطن الذي نسكن فيه شعرياً[18]. ويسوق هايدغر هذا التأويلَ لظاهرة فقدان الوطن في العصر الحديث في المبحث المعنون «العدمية الأوروبية» من الجزء الثاني من كتابه «نيتشه»: «عندما يتوارى [bleibt aus] انكشاف الكينونة بما هي كذلك، يختفي كلُّ ما يُبرئ بين الكائنات. ومع اختفاء المُبرئ، يُغلق الفضاء المفتوح للمقدَّس. وهذا الإغلاق للمقدّس يُظلم أي سناء للألوهة. وهذا التعتيم يُغلف ويُخفي فقدان الألوهة. الغياب المعتم يترك جميعَ الكائنات مقطوعةَ الصلةِ بأرضها: أي يأخذ الكائنُ صفةَ الموضوع لفعل غير منقطع من التشييء (أي: التقنية)، إذ يبدو متاحاً فقط للاستيلاء، ومعتاداً عليه بهذه الصفة في كلِّ مكان وبكلِّ وجه. إنَّ الوحشةَ، التي تَسِم الكائنَ بما هو كذلك، تُبرِّزُ اللاوطنَ (اللااُلفة) الذي يعيشه الإنسانُ التاريخي داخل كليّة الكائنات…»[19].
ولذا فإنَّ السؤالَ الجوهري لمجتمعنا التقني الحديث هو: هل يمكن خلق انفتاح يُتيح للآلهة أنْ تعودَ؟ هل يمكن للأرض أنْ تُستعادَ إلى عافيتها وتناميها، أنْ تُجعلَ صحيّة ومنقذة بأنْ تُستعاد لتكون صالحةً لـ«السكن الشعري» من جديد؟ هل يمكن للشعراء أنْ يستأنفوا مهمتهم في تسمية المقدَّس، حتى تصبح «الكينونة مرةً أخرى قابلةً للألوهة»[20] في مثل هذه الأزمنة المُجدبة؟ كما يتساءل هايدغر في مقاله اللافت عن ريلكه: «لماذا يوجد الشعراء؟»، وفي المقال ذاته، يُقدّم أحدَ أكثرِ تأملاته إثارةً حول الدور الذي يمكن أنْ يلعبه الشعراء في التهيئة لمجيء/عودة الآلهة. الشعراء يُعدّون لهذه العودة عبر التصدي لتحدّي العدمية التقنية، أي ذلك الإصرار الممنهج والمستمر لإرادة الاقتدار للإنسان الحديث. والمقطع التالي، والذي أقتبسه مطولاً، يلخِّص جوهرَ هذا التصور: «إنَّ ماهيةَ التقنية لا تنكشف إلا رويداً رويداً تحت ضوء النهار، لكن يومنا الآن هو ليل العالم، وقد أُعيد ترتيبُه كي يبدو مجردَ يوم تقني. هذا اليوم هو أقصر الأيام. إنه يُهدّد بشتاء واحد لا نهاية له. لم يعُدِ الحِمى يمنح الإنسانَ حمايته فحسب، بل إنَّ كُليّة ما هو كائن تبقى في العتمة. إنَّ ما هو سليم ومُعافى ينسحب. العالم يغدو بلا شفاء، بلا قداسة. ليس فقط أنَّ المقدّس، بوصفه مسار الألوهة، يظلّ محتجباً، بل إنَّ المسارَ ذاته المؤدّي إلى المقدَّس، إلى المعافى والتام، يبدو أنه قد مُحي». ولكن الأمر لا يكون كذلك إلا إذا بقي هناك بعضُ البشر الفانين القادرين على رؤية التهديد فيما هو غير قابل للشفاء، في غير المقدَّس، بوصفه خطراً. يكتب هايدغر: «ينبغي عليهم أن يُبصروا الخطرَ الذي يُداهم الإنسانَ. هذا الخطرُ يكمن في التهديد الذي يضرب طبيعةَ الإنسان في علاقته بالكينونة ذاتها، وليس في الأخطار العرضية، ذلك هو الخطر الحقيقي. إنه يختبئ في الهوة التي تتأسس عليها كلُّ الكائنات. ولكي نرى هذا الخطرَ ونُشير إليه، لا بد من وجود بشر فانين قادرين على النفاذ أولاً إلى أعماق الهاوية»[21].
هؤلاء الفانون هم الشعراء بالطبع. والطريق الوحيد، الذي يمكن للشعراء من خلاله أنْ يأملوا في استحضار المقدّس مجدداً، تبعاً لذلك، هو أن يقِرّوا أولاً بغيابه. إذ لا يمكن تسمية المقدَّس من جديد من دون الاعتراف بأنه قد غدا بلا اسم، محاطاً بالخطر. وهذا ما يقصده هولدرلين بصيغته الملتبسة: «حيث يوجد الخطر، يبزغ هناك أيضاً ما يُنقذ». أنْ يكونَ المرءُ شاعراً في زمن الجدب، يعني أنْ يُنصتَ في نشيده إلى آثارِ الآلهةِ الهاربةِ. ولهذا السبب، في زمن ليل العالم يُسمّي الشاعر المقدَّس. ولهذا أيضاً، بحسب كلمات هولدرلين مرّةً أخرى، فإنَّ ليلَ العالمِ هو «ليل مقدَّس». الشعراء بوصفهم الأكثر اختباراً للفناء من بين جميع الفانين يفوقون بما لا يقاس «جرأة» إرادة القوة والتأكيد الذاتي للإنسان التقني، في مواجهة الهاوية، ومقارعة الجدب الروحي الذي يصِم الحداثةَ. بهذا المعنى، فإنَّ تجرّؤ الشاعرِ الذي يُسمّي المقدَّس في قلب ما هو غير مقدّس يمكن وصفه بأنه ما بعد حديث.
هناك ملاحظة أخيرة بخصوص آلهة الشعراء قبل الانتقال إلى الخاتمة: فعند قراءة هذا التصوّر عند هايدغر ربما كان لينين سيسأل: ما العمل؟ أين نجد ذلك الإله الذي سيُنقذنا؟ مَن يكون هذا الإله؟ ما اسمه؟ وعن هذا السؤال المهم حول هوية الإله، يبقى هايدغر على عادته غامضاً. وربما أقرب ما اقترب فيه من تناولِ المسألة هو في استعادته لرؤية هولدرلين التي تنص على أنَّ أسماء ديونيسيوس وهيرقل لا تقل غياباً اليوم عن اسم المسيح الذي أزاحهما. فإذا كان مجيء المسيحِ قد أنهى نهارَ الآلهة، فإنَّ رحيلَه عن هذا العالم قد جرفَ معه أيضاً «أشقاءه في الأُلوهة»، ديونيسيوس وهيرقل. ومنذ اختفاء هؤلاء الآلهة الأشقاء، استمر غسقُ العالم هبوطاً نحو الليل. وعندما يستنتج هولدرلين وهايدغر أنَّ عصرَنا الحديثَ يتجلّى في «غياب الألوهة»، فإنهما لا يقصدان أنَّ المسيحيين أو أتباعَ الديانات الأخرى قد كفّوا عن الإيمان بإلههم -فهذا الإيمان واقع تاريخي ومن السخف إنكاره-، بل يعنيان أنه لم يعد هناك أيُّ إله يظهر لنا مرئياً أو فينومينولوجياً، أي أنه لم يعد هناك إله يجمع البشرَ والأشياء معاً في عالم تاريخي يمكن للفانين أنْ يسكنوه شعرياً. فمع انسحاب الآلهة، اختفى من العالم «نور وجلال المقدَّس».
أما الجواب إنْ وُجِد، فلا يمكن أنْ يكون في محاولة إحياء الآلهة الآفلة، ولا في ابتداع إله جديد. ليس هذا ما تُعنى به الشِعريةُ هنا، بل انفتاحاً على لعبة الرباعي للكينونة [das Geviert]، ويقظةً نحو أُلوهة لم تأتِ بعدُ. إنَّ هذا التقبلَ لهوة الكائن هو ما يومئ إلى إمكان أنْ يسطعَ نورُ الإلهي من جديد في كل ما يكون. إنه يمثّل الاستعدادَ لأنْ ننفتحَ على بهاء المقدَّس، وأنْ نصغي إلى أسماء ألوهة بلا اسم. لكن كيف يستطيع الإله أنْ يهمسَ باسمه لنا، أو أنْ يظهرَ ذاته، إنْ لم يكن نحن الفانون قد هيّئنا له المُقامَ سلفاً؟
وهنا، تبدو الشاعريةُ الهايدغريّة عاجزةً عن السماح بإمكانية أنْ يكونَ هناك فعلٌ سياسي أو إتيقي يقوم به البشرُ من أجل التهيئة، أي عن إمكانية أنْ يكونَ هناك ما يمكن للفانين أنْ يريدوه أو يبتكروه؛ بل إنَّ التهيئةَ وتسميةَ الإله يُعطيان لنا بوصفهما جزءاً من قدرِّية الكينونة. طمأنينة هايدغر التي يتبناها هنا لا تنفصل عن تشاؤميته، عن إحساسه العميق والراسخ بأنَّ كارثةً وشيكةً قادمةٌ. ولهذا، فإنَّ الشاعرَ المُتَبصِّرَ للهاوية، لا المرء الفاعل، هو وحده مَن يستطيع أنْ يلعبَ دوراً في مجيء الإله. لكن هذا الدورَ سلبي بالكامل، إنه مجرد شهادة صبورة على آثار الآلهة الآفلة، وعلى الغياب المطبق لأسماء المقدَّس في زمننا الحاضر المحفوف بالتلاشي، زمن إرادة الاقتدار للتقنية. إنَّ الحداثةَ في النهاية ليست سوى انتظار طويل في صالة انتظار، هي قدرةٌ على احتمال زمان البين بين «فات أوانُ الآلهة، فيما نحن مبكرون للكينونة». وهنا لا يكون لنا دور في أنْ نفهمَ السببَ كي نتصرّف وفقه لإنقاذ العالم. وفي هذا السياق، تصح استعارةُ عبارة أنجِلوس سيليزيوس (Angelus Silesius) (1624-1677) الصوفي المفضّل لدى هايدغر: «الإله من دون سبب، فهو يُزهِر لأنه يُزهِر».
ليس لنا إلا أنْ نَدَعَ الأشياء تكون في كينونتها. وهذه الكينونة على ما يبدو لا يمكن أنْ تكونَ بحال أفضلَ إلا إذا ساءتْ أولاً. ولهذا السبب فإنَّ التفكيرَ العميقَ هو خطأ خطير، وللسبب ذاته أيضاً فإنَّ أعظمَ الأخطار تُضمر في طيّاتها عظيمَ الخلاص. ومهما تكنْ تداعياتُ هذه الشعرية النبــوئيــة [apocalyptic poetics]، فإنها تَشِّف عن موقف متراخٍ تجاه الشرور السياسية كالفاشية والحرب – وهي في حالة هايدغر تداعيات خطيرة بالفعل – فتداعياتها على مسألة الألوهة تنتمي إلى ضرب من الطمأنينة غير الملتزمة [non-committal quietism]، أي إلى انتظار لا نهائي لغودو. وقد قال هايدغر الأمرَ بصراحة: «أنا لا أنكر الإله. أنا أُصرّح بغيابه. فلسفتي هي انتظار للإله الذي هو مشكلة عالمنا»[22]. في هذه اللحظة، نجد أنفسنا في قلب الموقف القدري الذي اتخذه هايدغر، وكما عبّر عنه في تصريحه لمجلّة دير شبيغل، والذي استُشهد به في البداية – تصريح يمكن أن يُقرأ، في نواحٍ عديدة، منها كدفاع عن سيرته [apologia pro sua vita]*. فلنعد الآن صياغة العبارة المقصودة، ولكن ضمن سياقها الكامل: «الفلسفة لا تستطيع أن تُنتج أثراً فورياً من شأنه أن يُغيّر الحالة الراهنة للعالم. وهو امرٌ لا ينطبق على الفلسفة فحسب، بل على جميع المساعي البشرية تحديداً. وحده إله ما، يمكن أن يُنقذنا الآن. والإمكان الوحيد الباقي لنا في الفكر والشعر هو أن نظلّ متاحين لتجلّي هذا الإله أو لغيابه هذا في انحدارنا».[23] لكن أيكفي هذا؟ الجواب بالنفي هو ما أراه، وأن الشعرية الهايدغرية لمجرد التأهب للاستقبال [disponibilité] بحاجة إلى استكمال بواسطة إتيقا العدل.
القسم الثاني: إله الإمكان
في هذا القسم من البحث، أعتزم أن أتوسّع في النقاش حول العلاقة النقدية بين شِعرية هايدغريّة للإمكان-كما بينت سلفاً- وبين إسكاتولوجيا دينية للإمكان تبلغ ذروتها في إتيقا العدل. فعلى مستوى المقارنة، يطالب كلا الاتجاهين بعكس الأولوية الميتافيزيقية التقليدية، التي تمنح الأفضلية للفعل على الإمكان. وأما على مستوى التباين، فسأستقصي الاقتراح القائل بأن الشعرية الأنطولوجية عند هايدغر تفتقر إلى الالتزام الأخلاقي الذي يتملَّكه، ويجدّده فهم لاهوتي أصيل للإمكان. وهذا الفهم، أُسمّيه هنا: إسكاتولوجي [eschatological]*.
فبالنسبة لهايدغر-كما هو معلوم- فإن تاريخ الميتافيزيقا الغربية هو تاريخ الأنطو-ثيولوجيا أي بتعبير آخر: هي حقبة تتجلّى فيها الكينونة بالكائن الإلهي الأسمى [theos] والكائن المؤسِّس الأكثر كلية [on] ومن بين صيغ هذا التصوّر الأنطو-ثيولوجي للكائن بوصفه حضوراً مُجسّداً نذكر:
- المفهوم الأفلاطوني لـ [eidos] كوحدة أزلية لا تتبدّل.
- المفهوم الأرسطي لـ [telos] موصوفاً بالعقل الذي يعقل ذاته.
- المفهوم الأوغسطيني للوجود الإلهي كـمحبة تُحبّ ذاتها [ amor quo deus se ipsum amat ].
- المفهوم التوماوي/المدرسي للوجود الإلهي كـوجود واجب بذاته [ ipsum esse subsistens ].
- المفهوم الديكارتي والسبينوزي [res cogitans] كمادة مكتفية بذاتها، تردّد صدى العلة الأولى كعلة ذاتها [ens causa sui].
- المفاهيم العقلانية الحديثة للموضوعية [Gegenwärtigung] والتمثيل [Repräsentanz] والحضور [Vorhandenheit].
إنَّ مشروعَ هايدغر في تجاوز الميتافيزيقا هو تحدٍّ مباشر لأولويّة الفعل على الإمكان للإنطو-ثيولوجيا التقليدية. أما ما يترتّب على هذا الفهم كبديل – أي ما بعد ميتافيزيقي للإله – فهو أمر جذري تماماً. ويعني هذا، في الحد الأدنى من التعقيد، أنه لم يعُدْ ضرورياً التفكيرُ في الإله كـكينونة ثابته لا زمانية [esse] بل كإمكان[posse] زماني تمكيني.
لقد كان إله الأنطو-ثيولوجيا إلهاً مسلوبَ الإمكان بوصفه أسمى الموجودات [summum ens] والعلة القصوى [ultima ratio] والسبب الأول للكينونة/الوجود [causa prima et essendi]، كما إنه ذلك الكائن المكتفي بذاته، والذي لا يحتاج إلى أي كائن آخر كي يكون. وقد عبّر توما الأكويني بوضوح حاسم عن هذه النقطة في الخلاصة اللاهوتية [Summa Theologica] الجزء الأول، حين كتب: «الله هو الفعلية المحضة، لا يمتلك شيئاً بالقوّة أو الإمكان» [deus est actus purus non habens aliquid de potentialitate] إنَّ تأكيد هايدغر المتقد بأنّه أمام إله الأنطو-ثيولوجيا لا يمكن للمرء أن يصلّي أو يرقص أو يقدّم قرباناً، يُصبح ذا صلة بهذا السياق.[24]
لقد كان هايدغر نفسه متحفِّظاً -كما أشرنا- في استكشاف التداعيات القصوى لتجاوز ميتافيزيقا الحضور «الكائن» من أجل تفكير مختلف حول الإله. فقد كان اهتمامُه الأساسي منصباً دائماً حول الكينونة لا الإله. كما أصرّ في «رسالة في النزعة الإنسانية»: «مع التحديد الوجوداني لماهية الإنسان (في علاقته بحقيقة الكينونة)، لم يُحسم شيء بعدُ بشأن وجود أو عدم وجود الإله، ولا بشأن إمكانية أو استحالة الإله».[25] وهكذا استمرَّ الحالُ، اذ اختار هايدغر أن يكونَ مشغولاً بالأنطولوجيا لا باللاهوت.
ومع هذه التحفّظات، سأحاول فيما تبقى من هذه الدراسة أن أرسم بعضَ دلالات التفكير الإسكاتولوجي حول الإله كإمكان في ضوء مقاربة نقدية مع مفهوم هايدغر ما بعد الميتافيزيقي للإمكانية المُمكِّنة [vermögen] *. أولاً، يمكن القول إنَّ الفهمَ الإسكاتولوجي [eschatological] لفكرة الإمكان يتيح لنا بصورة أفضلَ أن نفهم الإله على ضوء الفكرة الكتابية الأصلية عن[kenosis] الإخلاء الذاتي الإلهي. وإذا استحضرنا الصلة الاشتقاقية التي أشار إليها هايدغر في «رسالة في النزعة الإنسانية» بين المصطلحين الألمانيين [vermögen] «أن يُمَكِّن، يُفعّل الإمكان» و[mögen] «أن يُحبّ/المحبة» فإنه من الممكن على الأقل أن نرى في تصور الإله بوصفه مُمكِّناً [possibilization] تقارباً أكثر دقة مع الفكرة الإنجيلية عن [kenosis] الإلهي «اي حباً مُخلياً لذاته»، بدلاً من الفكرة الميتافيزيقية التي ترى في الإله حباً ذاتياً مكتفياً بذاته. فإذا كان الحب الإلهي هو ذاك الذي يمنح وعداً بالمملكة الآتية، أليس من الأنسب أن نُفسّر هذا الحب بوصفه تفعيلاً لإمكان هذه المملكة على الأرض، بأن يمنح ذاته للناس كإمكان عليهم أن يحقّقوه بحرّية وإبداع، لا بوصفها مُلكاً مُكتملاً منذ الأزل بصرف النظر عن حرية الإنسان؟ أليست المملكة الإسكاتولوجية أكثر صدقاً مع نفسها إذا فُهمت بوصفها إمكاناً تواصلياً، لا فعليّةً أحاديةً؟ بل أليس مثل هذا الفهم هو الطريق الأوثق لتجاوز الثنائية الأنطو-ثيولوجية التقليدية بين قدرة الإله المطلقة وحرية الإنسان؟ أن نفهم الإله بوصفه إمكاناً [posse] والتي أقترح ترجمته بـ «الربما» أو «قد يكون» [May-Be] هو أن نُدرك بأننا أحرار تماماً في أن نحقّق، أو ألا نحقّق، المملكة التي فعّل الله إمكانها. فحبّ الله هو [kenosis] لأنّه عطاءٌ لما هو أخصّ ما يملكه المسيح -حياته مع الآب- من أجل تحرير كائناته عبر تفعيـل مملكة إلهية في «سماء جديدة وأرض جديدة». وهذا قد يرتبط -عرضاً- بادعاء نيقولا الكوزاني (Nicholas of Cusa) (1401–1464)، -الذي أُهمل طويلاً- حيث اعتبر فيه أن تصور الإله بوصفه الإمكانية بذاتها [Posse Ipsum] أو الإمكان الكائن [Possest]*، يسبق جميع المفاهيم الميتافيزيقية المعيارية عن الإله بوصفه الكينونة المكتفية بذاتها.[26]
ثانياً، إنَّ تأويلَ الإله تأويلاً إسكاتولوجياً كإمكان يفتح طريقاً للخروج من المعضلة التقليدية بشأن التناقض بين خيرية الإله ووجود الشر، ويسمح لتجاوز الفضائح التاريخية للثيوديسات «تبرير المعاناة باسم الرب» والثيوقراطيات، إذا ما اعترفنا بالإمكان الإلهي كحوار مستمرّ بين حبّ إلهي يُمكِّن ذاته بذاته، وبين ممارسة بشرية تسعى لتحقيق هذا الحبِّ المُفعَّل. وبهذا الفهم يمكن للشرّ أنْ يُفهمَ بوصفه نتيجةً لغياب هذا الحوار في نسخة معدّلة من حجة «الشرّ هو غياب الخير». فالشرّ في عالمنا لا يعود إلى الإله، بل إلينا نحن البشر بقدر ما نرفض تحقيق الإمكان الإلهي في وجودنا اليومي، حيث ينبع الشرُّ من توقنا الشديد لإرادة الهيمنة والاستيلاء [libido dominandi] ومن انغلاق أنفسنا أمام هبات إمكان الكينونة الآتي مما يتخطى ذواتنا. فالإله الاسكاتولوجي في الكتاب المقدس ليس إمبراطوراً على العالم، كما اقترحت الأنطو-ثيولوجيا، بل هو «صوتٌ صارخ في البرية»، صوتٌ لا يمكنه أن يبوح حتى نصغي له وننطق به.
ثالثاً، إنّ المفهوم الإسكاتولوجي للإمكان [posse] يتيح لنا تجاوز تناقض آخرَ في الفهم الميتافيزيقي للإله، وهو أنّه يكون لذاته وللآخرين في آن معاً كحبّ للذات وللآخر. إذ إن أرسطو لم تكن لديه أوهامٌ حول التبعات الأنطو-ثيولوجية لتعريف الإلهله كمحرّك لا يتحرّك فذلك يعني أن الإله بما هو فعليّةٌ خالصة، يمكنه أن يُحرّك الآخرين بالرغبة، لكنه لا يمكنه أن يرغب بالآخرين. فالإله بما هو «عقلٌ يعقل ذاته» خالٍ تماماً من الإمكان [dunamis] ولذلك هو لا يحمل في ذاته دافعاً إلى التحقّق خارج نفسه؛ الإله فعلٌ محض مكتفٍ بذاته. ويعيد أنسلم تأكيد هذه الرؤية الأنطو-ثيولوجية حين يعرّف الإله على إنه «كائنٌ بذاته». ويعمل توما الأكويني ضمن الإطار الميتافيزيقي ذاته حين يسلّم: «بالضرورة أن يحب الله أولاً وبالأساس خيره الخاص وذاته». ومن هذا التعريف للإله بوصفه حباً لذاته، نشأت أيضاً الفكرة الجوهرانية للثالوث بوصفه تبادلاً أو رابطة محبّة حيث يفرح الآب والابن والروح القدس باقتنائهم المشترك لبعضهم بعضاً. وهذا بعيدٌ كلّ البعد عن الصوت الصارخ في البرية. أي نقيض الحب المفرغ لذاته [kenosis] تماماً.
إن فهم الاله كـإمكان إخلائي [kenotic posse]* يعني رؤيةَ محبّته كشوق متفتح وسخي ليتجسّد بالكامل في المملكة الإسكاتولوجية، تلك المملكة التي يجعلها الإلهُ ممكنةً، لكنها لا تتحقّق إلا متى ما استجبنا نحن البشرُ بحرية للنداء الإلهي بالكلمة والفعل. أليس هذا هو إله إبراهيمَ وإسحاقَ والأنبياء، ذلك الذي ميّزه باسكالُ عن إله الفلاسفة؟ أليس هو الإله الذي يمكن، كما قال هايدغر، أنْ نرقصَ أمامه ونركع ونصلّي كما فعل داودُ في المزامير؟ أليس هو الإله الذي يكشف عن نفسِه، كما يقول ليفيناس، في وجه الأرملة أو اليتيم أو ضحية المجاعة العاري والهشّ – إلهٌ خلق الإنسان لأنَّ المرءَ أفضلُ حالاً في الثنائية؟؛ أو ذاك الذي أشار إليه كيركيغارد حين كتب «إنَّ يسوعَ المسيح، رغم كونه واحداً مع الآب والروح، كان لا يزال يشعر بالرغبة إلى أنْ يُحِبَّ ويُحَبَّ من قبل الإنسان»، مضيفاً: «من ينكر هذا، يمكنه أن يُرَوحِّن الإله إلى حدّ مجرَّد بحيث يصبح قسوةً خالصةً»؟
الإله الإسكاتولوجي المُعلَن في العهدين القديم والجديد يمكن التعرّفُ عليه كإله آتٍ وليس كإله خفي، أي إله ليس كائناً، ولكنه «قد يكون». ها هنا إلهٌ باختصار، ينفي ويتجاوز جميعَ التصوّرات الميتافيزيقية عن الألوهة بوصفها وجوداً متحققاً ومكتفياً بذاته، ليكشف عن ذاته كإمكانية قد تأتي ملكوتُها وتتحقق إرادتُها على الأرض.
وهذا يقودنا إلى النقطة الرابعة والأخيرة التي تُدخلها إسكاتولوجيا الإمكان: علاقة الوحي الإلهي بالتاريخ. فالميتافيزيقا التقليدية لم تستطعْ أنْ تفسِّرَ بشكل مقنع كيف يكون الإلهُ في آن واحد خارجَ الزمن وداخله، متعالياً على التاريخ وحاضراً في العالم. وعلى النقيض من الأنطو-ثيولوجيا، التي مالَت إلى تعريف الإله كحضور أبديّ خارج الزمن التاريخي، فإنَّ المفهومَ ما بعد الميتافيزيقي للإمكان يُظهر كيف يمكن للإله، بوصفه إمكاناً متعالياً، أنْ يهبَ ذاته للبشر «كمجسّدين لهذه الإمكانية» عبر مغامرة التاريخ. إنَّ الإلهَ كإمكان هو إلهٌ آخَرُ لا لأنه يمتلك كينونةً متعالية على الكينونة الشِعرية الظاهرية لعالمنا، بل لأنَّ غيريته تتجلّى في تجاوز جذريّ للإمكان، يعتمد تحقّقه على أفعال تاريخية من نبوّة وعهد وخلاص. فالإله كإمكان ليس «كينونةً أخرى»، بل هو «غير الكينونة». وكما لاحظ إيمانويل ليفيناس: «الإنسان لا غنى عنه في مخطط الإله، أو بالأحرى، الإنسان ليس شيئاً آخَرَ غير مخطط الإله من صميم الكينونة. الإنسان يمكنه أن يفعل ما يجب عليه أن يفعله؛ يمكنه أن يسيطر على القوى العدائية للتاريخ بالمساهمة في تحقيق حكم مسيانيّ، حكم بالعدل تنبّأ به الأنبياءُ. إنَّ الانتظارَ للمسيح يشكّل امتدادَ الزمنِ ذاته».[27]
إنّ الإله المتعالي الذي ينكشف لنا في الكتاب المقدّس ليس هو إله الأنطولوجيا «أي إله الفلاسفة»، بل هو إله الإسكاتولوجيا «أي إله إبراهيم وإسحاق والأنبياء». إنّ إعادة التفكير في الإله استناداً إلى التماثل مع هايدغر في مفهومه [Vermögen] «تمكين وفسح المجال» الذي يتيح لنا خيارات جديدة لفهم الإيمان الديني بإله قد يكون، أو هو نهاية التاريخ، وغايته. وهذا يفتح طريقاً نحو فهم الإله لا بوصفه مكاناً للكينونة، بل بوصفه [u-topos] أي «لا مكان مغاير للكينونة»*.
وإن كان هايدغر لا يستقصي هذه الخيارات بنفسه، فإنه يُبيّن بوضوح أنّ أيَّ تأويلات لاهوتية لتفكيكه الفلسفي للميتافيزيقا -كالطرح الميتافيزيقي لمفهوم الإمكان مثلاً- يجب أنْ تلتزمَ بالإجراءات النقدية لتماثل قائم على التناسب السليم، وهذا يعني أنه بدل أن نُطَّعِم الكينونة بالإله مباشرةً، أو بالأحرى في إعادة تفكير تفكيكي للكينونة، علينا أن نحترم الفارق الهيرمنيوطيقي بين افتراضات الإيمان الديني من جهة، والتساؤل الفلسفي حول الكينونة من جهة أخرى. إنّ التناسبَ السليمَ الذي يوصي به هايدغر يُقرأ على النحو التالي: إنَّ الدازاين بالنسبة للكينونة كما المفكّر الديني بالنسبة إلى الإله. وبذلك، فإنّ ما نستقصيه في القسم الختامي من هذه الدراسة ليس، -إذا أردنا أن نكون أوفياء لهايدغر- تحديد الكينونة والإله كـإمكان مُمكِّن بتصور واحد [Vermögen/ Posse] بل تماثلاً تناسبياً سليماً بين مفهومين ما بعد ميتافيزيقيين متوازيين للإمكان: أحدهما يُطبّق على الكينونة، والآخر على الإله. ومثل هذه التماثلات تحمل بالضرورة اختلافات كما تحمل تشابهات.[28]
إذا كانت الكينونة بوصفها إمكاناً ينكشف للدازاين كدهشة أمام كينونة الأشياء [thaumazein] وكعناية [Sorge] وتساؤل عنها [Seinsfrage], فإنّ الإمكان الإسكاتولوجي ينكشف للمؤمنين كنداء إلى الإيمان والممارسة الأخلاقية. وإذا اقترحت أنّ تصور هايدغر للـ[Vermögen] كـ«محبة تُفَعِّل الإمكان» ترعى وتَسهر على طوبولوجيا الكينونة، يتماثل تماثلاً وثيقاً مع المفهوم الإسكاتولوجي لـ«المحبّة المُمَكِّنة» كهبة أو عطية إخلاء [kenotic charity]، فإنّ محبّة الكينونة الهايدغرية هي، إلى حد بعيد، رعاية للكائنات في كينونتها-هناك الطوبولوجية/الشِعرية بوصفها أشياء العالم؛ بينما المحبّة الإسكاتولوجية للإله ليست تماماً -على الأقل كتابياً- «من هذا العالم». وكما يوضح هايدغر في «الرسالة في النزعة الإنسانية»: «أن يُمكِّن شيءٌ ما يعني هنا أن يحفظه في ماهيته». وحتى حين نتعامل مع حراسة كاتدرائية أو جبل مقدّس، فنحن، من وجهة نظر أنطولوجية، نتعامل مع أحد أبعاد الرباعي للكينونة، لا مع تجلٍّ لمحبة إلهية إخلائية من حيث هي كذلك. فهذه الأخيرة تفترض فعل إيمان يقرأ المقدّس من خلال الكشف الإسكاتولوجي. ومن هنا، يبدو من المنصف القول إنّ الكشف الفينومينولوجي عن المقدّس يمثّل شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ للكشف الإسكاتولوجي عن الإله.
إنَّ فينومينولوجيا الأماكنِ المقدّسة، أو الطقوس، أو الرموز، كما بحث بها هايدغر الأخير أو مرسيا إلياده على سبيل المثال، يمكن أنْ تعلّمنا كيف يتجلّى الإلهي في أفقنا الفينومينولوجي للكينونة في العالم. بينما الإمكان الإسكاتولوجي، على النقيض من ذلك -وإن يكشف نفسه فينومينولوجياً من خلال الأماكن المقدسة والطقوس والرموز- يبقى متجاوزاً وآخَرَ بشكل جذري. بالنسبة لفينومينولوجيا المقدس، كما رأينا، فإنَّ المسيحَ وأبولو إخوةٌ. ولا نمنح أحدها الامتيازَ إلا إذا تبنّينا تأويلاً إيمانيّاً، كما في التأويل المسيحي حيث يُنظر إلى المسيح كتجسّد فريد للإمكان الإسكاتولوجي. في هذا المثال، إنَّ إله الإيمان المسيحي ليس مطابقاً لمفهوم المقدس الفينومينولوجي الذي هو بتعريفه متعدد الألوهة، إذ على الرغم من أنَّ الإله المسيحي يكشف نفسَه، بطبيعة الحال، من خلال أيقونات التجسّد – تتراوح من الأنبياء والمسيح إلى القديسين والكتاب المقدس وموضوعات العبادة الأخرى – فإنه يفعل ذلك بطريقة تشهد على مسافة جذرية بين الآخَرِ الإلهي كإمكان عمودي وبين الكينونة كإمكان أفقي متناهٍ [Vermögen]. هذا التباين الجوهري بين الآخرية اللانهائية للألوهية الإسكاتولوجية والتناهي «للكينونة-هناك» للمقدس الفينومينولوجي يبقى محفوظاً بحذر بواسطة قياس التناسب السليم الذي يمكننا من مقارنة وتمييز هذين النظامين من الإمكان. والفرق في النهاية في مسألة الإيمان.
لنستخلص أخيراً بعضَ نتائجِ هذا الاختلاف: إنَّ الإمكانَ الإسكاتولوجي بوصفه ما «قد يكون» هو أيضاً ما «ينبغي أن يكون»؛ أو بطريقة أخرى، بينما يعبِّر الإمكانُ الأنطولوجي عن نفسِه كمستطاع على الكينونة، فإنَّ الإمكانَ الإسكاتولوجي يكشف نفسَه [Seinsollen] كواجب بأن يكون. إنه مطلبٌ إتيقيٌّ مرتبطٌ بالإمكان الإلهي، وهو الارتباط الذي يلمح إليه دوستويفسكي عندما يصرح بأنه إذا كان الإله قد مات، فكل شيء مباح. فمن وجهة نظر أنطولوجيا الإمكان، كل شيء متاح. لكن هذا لا يعني أن الأنطولوجيا لا أخلاقية. إنها تعني ببساطة أنها محايدة أخلاقياً. بل تحاول الأنطولوجيا الأساسية لهايدغر أنْ تتجاوزَ الإطارَ الميتافيزيقي الذي – منذ أفلاطون – وحَّد بين الكينونة والخير. بخلاف الأفلاطونية التي عرَّفت المثال الأسمى بـ [Agathon]* الخير الأسمى، أو التوماوية التي أعلنت أنَّ الكينونةَ والخيرَ متكافئان، يؤكِّد هايدغر على أنَّ التساؤلَ عن الكينونة نشاطٌ فينومينولوجي صرفٌ يصف الكائناتِ كما تظهر، ظاهرات دون أيِّ معيار أخلاقي عما إذا كان ينبغي أنْ تظهر أم لا. إنَّ الأنطولوجيا الأصليةَ، كما يصرُّ هايدغر، وصف فينومينولوجي لا وصفة أخلاقية. كما أنه متحفظ فيما يتعلق باللاهوت، إذ لا يدعي تحديدَ أيِّ تجليات المقدس تكون حقيقيةً وأيها زائفة، مُوحاة أم مُبتدَعة، تتمحور حول الإله أم الانسان.
ولا يعني هذا أنَّ هايدغر مناهضٌ للأخلاق أو الدين. إنه ببساطة مدركٌ لمسألة الهوة التي تفصل بين فينومينولوجيا الكينونة في تناهيها والاهتمام الأخلاقي-الديني بما هو متعالٍ قياساً بأفق الدازاين التاريخي. إنَّ هايدغر غيرُ معني بوجود الإله أو عدمه، بل بغيابه أو حضوره فينومينولوجياً. إنه لا ينكر إمكانيةَ إله متعالٍ، بل فقط يعترف بأنَّ مثلَ هذه الأسئلةِ تتخطى حدودَ الأنطولوجيا الفينومينولوجية. وهذا يتماشى مع اعتراف هايدغر لهرمان نواك (Herman Noack) بأنَّ الألوهةَ التي استدعاها في «رسالة في النزعة الإنسانية» هي ألوهة التجربة الشعرية -هولدرلين وريلكه- بدلاً من إله الوحي الكتابي.
وحين يتحدث هايدغر والشعراء عن التواري المعاصر للآلهة كحدث فينومينولوجي في تاريخ الكينونة، فإنَّ إسكاتولوجيا الممكن تقرأ هذا الغيابَ كافتقار للوفاء البشري للمقتضيات الأخلاقية للعهدين الجديد والقديم، أي كإخفاق أخلاقي في تحقيق الإمكان الإلهي للعدالة الاجتماعية. ومن المنظور الإسكاتولوجي، فإنَّ الوعدَ بعودة الإله ليس مجردَ شيء قد يحدث بل ينبغي أنْ يحدثَ، شيء على عاتق المؤمنين أخلاقياً أنْ يسهموا في إنجازه في هذا العالم من خلال أفعالهم التاريخية. إنَّ مقاربةَ هايدغر الأنطولوجية لعودة الإلهي -كما في تصريحه لدير شبيغل بأن «وحده إله ما، يمكن أن ينقذنا» – لا تحمل في طياتها مثل هذه الإيحاءات الأخلاقية. إنها انتظار [warten] بلا إرادة بدلاً من توقع [erwarten] مُلّح نحو عالم آتٍ يستحِث الفعل. الإمكان الأنطولوجي بخلاف الإمكان الإسكاتولوجي، لا يعتمد على التدخل البشري لمجيئه أو عودته. إن ملكوت [Ereignis]* الكينونة يمكن أن يحدث مستقلاً عن الفعل البشري لأنه، بإقرار هايدغر نفسه «موسوم من الكينونة ذاتها». أما الإسكاتولوجيا الإلهية، على النقيض، لا يمكن أن تتحقق في التاريخ الا متى استجاب البشر للنداء الأخلاقي للإمكان.
وإن أمكن وصف الكينونة والإله على نحو تماثلي طبقاً لمفهوم هايدغر «للإمكان-المحب» [vermögend-mögende] فهناك فروق ملحوظة يجب تقديرها، وأهمّ هذه الفروق يمكن التعبير عنه، في المجمل على النحو التالي: إنّ الرؤية الإسكاتولوجية للإمكان تختلف عن الأنطولوجية في نظرها إلى الفانين، بوصفهم كائنات تتخطى الكينونة نحو ما هو آخر غير الكينونة، نحو الإمكانية الإسكاتولوجية لعالم لم يأتِ بعد.
في نهاية المطاف وبعد كل ما قيل، يُغرى المرء بأن يستنتج أنّه مهما كان العالمُ الآتي، ومهما كانت قداسته، ينبغي أن يكون عالماً يمكننا أن نسكنه شعريّاً. ففي مثل هذا العالم، لا ينبغي بعد الآن النظر إلى مطالب الإله والكينونة بوصفها متضادّة. فالإسكاتولوجيا التي للعدالة الإلهية، -إنْ وُجدت-لا تطلب أقلّ من هذا الإيجاز، في أن تكون الإتيقا والشعر شيئاً واحداً. هذا المطلب هو المهمة الأصيلة للمخيلة الهيرمنيوطيقية، هذه المهمة التي يبدو أن هايدغر لم يكن مستعداً لها بالشكل المناسب، وفق جميع الشواهد.[29]
المراجع
* Richard Kearney. Heidegger’s Three Gods. Warwick: Research Publication Series, Centre for Research in Philosophy and Literature, University of Warwick, 1992.
** مفهوم الرباعي [Geviert] هو مفهوم محوري في فلسفة هايدغر الثاني. وهو يشير إلى الترابط والتواشج بين أربعة أبعاد أساسية لكينونة الكائن أو الشيء. تترابط هذه الأبعاد وتتفاعل وتتكيف فيما بينها ويعكس بعضها بعضاً على نحو تبادلي، كمرايا متقابلة، وهي:
• الأرض: ترمز إلى الأساس الذي يقوم عليه كل شيء، وإلى الطبيعة الراسخة التي تؤوي وتغذي وتحمل وتحتضن.
• السماء: تمثل العالم في انفتاحه ومساره المتحرك، مسار الشمس والقمر، وتعاقب الفصول. إنها عتمة الليل وضوء النهار والمسار المقوس للشمس.
• الفانون: يقصد بهم البشر في وجودهم الأصيل، أي إدراكهم لفنائهم وموتهم كإمكانية قصوى، ويدعون بالفانين لأنهم وحدهم القادرون على الموت كموت.
• الإلهيون: لا يُقصد بهم آلهة ديانات بعينها، بل يُشار بهم إلى ما هو مقدّس وغامض، إلى الحضور المدهش لما يتجاوز السيطرة البشرية.
يقدّم هايدغر الرباعي بوصفه الطريقة التي يتجلّى بها «الشيء» [das Ding] في العالم فكينونة الشيء، مثل الإبريق، لا تكمن في مادته أو شكله، لأنها مقاربة تقنية أو تمثيلية، بل في الحدث الأنطولوجي: الانسكاب أو العطاء. فالإبريق ليس مجرد وعاء، بل هو ما يمنح ويُعطي وفي هذا العطاء يكشف عن جمعه للرباعي: الأرض التي تُنتج ما يُسكب، والسماء التي تمنحه، والآلهة التي يُقدَّم لها كقربان، والفانين الذين يصنعونه ويشربون منه. وفي فعل الانسكاب، يكشف الشيء عن معناه الحقيقي، لأنه يحفظ ويجمع الرباعي في حضور واحد. وهكذا يكون الإبريق بحق «شيئاً»، لا مجرد أداة. إنَّ الرباعي عند هايدغر تفكرٌ غير ميتافيزيقي لكينونة الكائن أي ما يُحدّد ما هو كائن، وما معناه، وكيف يكون ذا مغزى وقابلاً للفهم. لذلك، من الخطأ أنْ نقرأ الأبعادَ الأربعة للرباعي كما لو كانت مبادئ ميتافيزيقية، أو أفكاراً أو صوراً فوق حسية. فهذه الأبعاد ليست شروطاً أنطولوجية تجريدية ولا فروضاً مسبقة، بل هي أبعاد واقعية نعيشها في وجودنا اليومي كأبعاد للمعنى والمغزى. (المترجم):
Martin Heidegger. Insight Into That Which Is: Bremen Lectures. Translated by Andrew J. Mitchell, Indiana University Press, 2012. pp.11-19.
Mark A. Wrathall. “Fourfold (Geviert).” In The Cambridge Heidegger Lexicon, edited by Mark A. Wrathall, Cambridge University Press, 2021, pp. 335–338.
* يحتل مفهوم [Gelassenheit] موقعاً مهماً في فكر هايدغر المتأخر. وقد عرضه بوضوح في محاضرته الشهيرة التي ألقاها يوم 30 أكتوبر 1955 في مدينة مِسكيرش، بمناسبة الذكرى الـ 175 لميلاد الموسيقي الألماني كونرادين كرويتزر (Conradin Kreutzer)، التي عنوانها أيضاً [Gelassenheit]، والتي تُترجم إلى الإنجليزية غالباً بـ [Discourse on Thinking]. يستمد هايدغر هذا المفهومَ من التراث الصوفي الألماني، خاصة من مايستر إكهارت (Meister Eckhart)، لكنه يعيد تأويله ضمن أفق أنطولوجي معاصر يتجاوز سياقه المسيحي الأصلي. لا يعني هذا المفهوم الإفلات أو التحرير بالمعنى البسيط، بل يشير إلى حالة أعمقَ من التخلية أو التسليم: انفتاح يقظ على الكينونة دون هيمنة الإرادة أو خضوع التفكير لمنطق التقنية الحسابية. في هذا السياق، يميّز هايدغر بين التفكير التقني الحسابي [calculative thinking] والتفكير التأملي [meditative thinking]، ليطرح [Gelassenheit] كـ«صوت وسط» يتجاوز ثنائية النشاط والسلبية. وتظهر هنا مفارقة أساسية: كيف يمكن الاستجابة لدعوة التخلية عن الإرادة دون أن تكون هذه الاستجابة فعلاً إرادياً؟ يواجه هايدغر هذا الاعتراض مباشرة حين يقول: «أريد اللاإرادة»، مشيراً إلى أنَّ بلوغَ [Gelassenheit] يمرّ عبر مرحلة إرادة اللاإرادة، أي تدرب داخلي يُهيئ لتجاوز مجال الإرادة برُمته.
يرتبط هذا المفهوم ارتباطاً وثيقاً بنقد هايدغر للتقنية، وهو نقد لا يستهدف الأدوات التقنية في ذاتها، بل الإطار [Gestell] الذي يحوّل الطبيعة والإنسان إلى مخزون دائم [Bestand] مُعدّ للاستغلال. من هنا تتحدد معالم [Gelassenheit] في بُعدين متكاملين: التخلية إزاء الأشياء، أي القدرة على استخدام التقنية دون الوقوع في أسرها، والانفتاح على السرّ، أي الاستعداد لملاقاة ما يظل محتجباً في عصر التقنية. والسرّ عند هايدغر ليس غموضاً شاعرياً، بل هو البقاء في الاحتجاب كشرط لانكشاف الحقيقة. بهذا المعنى، تمثّل [Gelassenheit] استجابةً تاريخية-أنطولوجية لمرحلة اكتمال الميتافيزيقا، ومحاولة للانتقال من إرادة السيطرة الحديثة إلى علاقة أصيلة بالكائنات والكينونة، علاقة تسمح للحقيقة بأنْ تتكشفَ بذاتها. (المترجم):
Martin Heidegger. Discourse on Thinking. Translated by John M. Anderson and E. Hans Freund. New York: Harper & Row, 1966. pp.46-56,59-79.
Ian Alexander Moore. Eckhart, Heidegger, and the Imperative of Releasement. Suny Press, 2019. pp.280-302.
* في المحاضرة ذاتها طرح هايدغر صراحةً السؤالَ: «كيف دخل الله إلى الفلسفة؟». وفقاً لإجابته، فإنَّ دخولَ الإله إلى الفلسفة ناتج عن طبيعة الميتافيزيقا ذاتها، وهنا يقدم ثلاث نقاط أساسية:
أولاً: الميتافيزيقا تُفكر في الكينونة بوصفها الأساس [Grund]، وبما أنَّ التفكيرَ الميتافيزيقي يسعى لإيجاد الأساس النهائي، فإنه يضطر إلى افتراض الأساس الأول [erste Grund] أو السبب الأول أو العلة الأولى [causa prima].
ثانياً: هذا السبب الأول يجب أنْ يكونَ واجبَ الوجود أو عله ذاته [causa sui] أي الكائن الذي يُؤسس وجوده بنفسه. وهذا هو المفهوم الميتافيزيقي للإله.
ثالثاً: الميتافيزيقا بطبيعتها أنطو-ثيولوجية لأنها تجمع بين:
• الأنطولوجيا: البحث في الكينونة بصفة عامة والمشتركة بين جميع الكائنات.
• الثيولوجيا: البحث في الكائن الأعلى الذي يُؤسس جميع الكائنات الأخرى. (المترجم)
Martin Heidegger, Identity and Difference, translated by Joan Stambaugh. Chicago: University of Chicago Press, 1969, pp.55,58-71.
* يُستعمل مصطلح «غير تعبُّدي» [non-confessional] – والذي قد يترجم إلى غير اعترافي أو غير مذهبي – في سياق الدراسات الدينية للدلالة على المنهج الأكاديمي الذي يدرس الظواهر الدينية من موضع الحياد المعرفي، دون الانطلاق من التزام عقائدي أو هدف تبشيري. يهدف هذا النهج إلى «التدريس عن الدين» بوصفه ظاهرة تاريخية-ثقافية، أي وصف تراث الجماعات وممارساتها ونصوصها ومقدّساتها وتحليلها من دون تبنٍّ عقدي مسبق أو غاية تبشيريّة، في مقابل المقاربة التعبُّدية أو الإعترافية التي تُعلي من غاية «التدريس من أجل الإيمان» وتوريث الإيمان داخل قاعات الدرس والجامعة. يقوم هذا النهج على مبدأ «التعليق الفينومينولوجي» الذي يضع المعتقداتِ الشخصيةَ والأحكام المسبقة «بين قوسين» لتحقيق الوصف والتحليل الموضوعي للتجارِب الدينية، بحيث يجمع بين السعي إلى دراسة «موضوعية» أكاديمية وبين احترام قناعات الدارسين وتعاطف مع تعدّد تقاليدهم، بدل افتراض موقع داخلي اعترافي واحد. وفي التعليم المدرسي صيغت معالمه بوضوح: تعليم فهم الظاهرة الدينية لا جعل التلاميذ «متديّنين»، واعتبار التربية الدينية مادة أكاديمية لجميع التلاميذ بغضّ النظر عن خلفياتهم، وأن يدرّسها معلمون مهنيون لا «وكلاء» لمؤسسات دينية. ومع أنّ هذه اللاتعبُّدية تُقدَّم بوصفها حياداً منهجياً، فقد نُبّه إلى أنّ «اللاتعبُّدية الخالصة» متعذّرة نظرياً، لأنَّ كل تعليم «يُقِرّ» شيئاً ما ويصدر حكماً ضمنياً ولو بتحديد ما يُحسب ديناً وما لا يُحسب، ما يستدعي وعياً نقدياً بالتحيزات وحدود ثنائية «تعبُّدي/غير تعبُّدي». (المترجم)
Sophie Gilliat-Ray, “What Do the Terms ‘Confessional’ and ‘Non-confessional’ Mean, and are they Helpful? Some Social Scientific Musings,” in Jørgen S. Nielsen and Stephen Jones (eds.), Islamic Studies in European Higher Education: Names, Approaches and Themes (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2023), pp. 53-67.
* العبارة [apologia pro sua vita] أو [apologia pro vita sua] هي عبارة لاتينية، تعني دفاع المرء عن سيرته وترتبط أساساً بالكاردينال جون هنري نيومان (John Henry Newman) (1801-1890) الذي استخدمها عنواناً لعمله الشهير المنشور عام 1864. كتب نيومان هذا العمل للدفاع عن مسيرته الروحية ومبررات تحوله من الأنجليكانية إلى الكاثوليكية، رداً على الاتهامات الموجهة إليه بعدم الصدق وبالخداع. يُعتبر عمل نيومان واحداً من أهم كتب الكشف عن الذات في العالم ونموذجاً للدفاع الفكري والروحي عن الخيارات الحياتية.
وعلى غرار هذا النموذج النيوماني، لم تأتِ المقابلة الأخيرة التي أجرتها مجلة دير شبيغل مع مارتن هايدغر في 23 أيلول 1966 من فراغ، بل كانت ردّ فعل مباشر على حملة تشويه قادتها المجلّة ذاتها. فقد نشرت دير شبيغل قبل ذلك بأشهر قليلة، وتحديداً في 7 شباط 1966، مراجعةً لكتاب ألكسندر شوان (Alexander Schwan) المعنون «الفلسفة السياسية في فكر مارتن هايدغر» (Political Philosophy in the Thought of Martin Heidegger)، رُوِّج فيها لجملة من الاتهامات الملفَّقة ضدّ الفيلسوف الألماني: من بينها الزعم بأنّه أصدر أمراً بمنع أستاذه إدموند هوسرل من دخول مكتبة الجامعة، كما أنه رفض زيارة كارل ياسبرز في منزله بعد عام 1933 لأنّ زوجة الأخير يهودية. وقد دفعت هذه الاتهامات الخطيرة هايدغر إلى كسر صمته وقبول إجراء الحوار، بقصد الدفاع عن نفسه ودحض تلك المزاعم بالأدلّة.
ومن هنا يأتي توظيف ريتشارد كيرني للعبارة اللاتينية لوصف تلك المقابلة -التي لم تُنشر إلا بعد وفاة هايدغر عام 1976- إذ يرى أنّها تمثّل محاولة هايدغر الأخيرة للدفاع عن حياته الفكريّة وتبرير مواقفه الفلسفيّة والسياسيّة المثيرة للجدل، ولا سيّما علاقته بالنازية ومفهومه القدَري للتاريخ، بما يجعلها بمثابة «دفاع عن سيرته» على النحو الذي صاغه نيومان قبل قرنٍ من الزمان. (المترجم)
Frank Schalow, and Alfred Denker. Historical Dictionary of Heidegger’s Philosophy.2nd d., Scarecrow Press, 2010, p. 260.
* الإسكاتولوجي لدى كيرني هو كل ما يتوّق لوعد مستقبليّ مفتوح يستدعي استجابة إيتيقية حاضـرة؛ إنه هيرمنيوطيقا للإله وللعالم من منظور «ما قد يكون» لا «ما هو كائن». ويمكن إيجازه بـ:
أولاً- الجذور والمفهوم الأساس:
يستبدل كيرني مقولة الأنطو-ثيولوجيا بأنَّ الإله كوجود محض بمقولة الإسكاتولوجيا، فيعرِّف الإله بأنه «إمكان آتٍ» أكثر منه «حقيقة قائمة». لهذا يسمي مشروعه «أنطو-إسكاتولوجيا»: الجمع بين أنطولوجيا الإمكان [posse] واتجاه مستقبليّ يظل يتجاوز كلَّ تحقّق.
ثانياً- الأبعاد الفلسفية:
- 1- الأسبقية للإمكان على الفعلية: متأثراً بهايدغر، يرى كيرني أنَّ «الإمكان يعلو على الفعل»، فالكينونة تفهم من الإمكان على أنْ يكونَ لا من هويته المنجَزة.
- 2- إسكاتولوجيا مصغَّرة [Micro-Eschatology] بدلاً من سيناريو كوني نهائي، يركز على لحظات يوميّة «تُفعِّل» الوعد الإلهي؛ كل فعل رحمة هو «نقطة تجلٍّ إسكاتولوجي».
- 3- التجاوز النقدي للإنطو-ثيولوجيا: بالاحتكام إلى الإمكان، ليكسر الثنائية التقليدية «كينونة/عدم» ويترك المجال مفتوحاً لتحوّلات جديدة في فهم الإله والعالم.
ثالثاً- الأبعاد اللاهوتيـة:
- 1- إله الوعد: «الإله لا هو كائن ولا هو غير كائن، بل قد يكون»، أي أنَّ تحققَ الملكوتِ مشروطٌ بحرية الإنسان.
- 2- الإسكاتون [Eschaton] كحدث تعاوني: يتحقق «المُلكوت الممكن» متى شارك البشرُ في أعمال عدل وضيافة؛ الإله «طرف في الحاجة» إلى استجابتنا ليكون إلهاً بالفعل.
- 3- الكينوسيس [Kenosis] والتمكين: يفرّغ الإله ذاته من القوة ليستـثير قوة المحبة في الخليقة. هذا التخلّي هو ما يجعل الإمكان الإلهي متاحاً كدعوة إسكاتولوجية. (المترجم). انظر:
Richard Kearny. “Epiphanies of the Everyday: Toward a Micro-Eschatology.” In After God: Richard Kearney and the Religious Turn in Continental Philosophy, edited by John Panteleimon Manoussakis. Fordham University Press, 2006. pp.9-15.
Richard Kearny. The God Who May Be: A Hermeneutics of Religion. Indiana University Press, 2001.p.110.
* يشير مصطلح [Vermögen] في فلسفة هايدغر إلى مفهوم أساسي يتجاوز المعنى التقليدي للقدرة أو الإمكانية، ليحيل إلى ما يمكن تسميته بـ«الإمكانية المُـمكِّنة» أو «القدرة المُمَكنة الأصلية». فهو يعبّر عن عنصر أنطولوجي يُمكّن الفكر من أن يكون فكراً للكينونة، ويتيح للإنسان «الدازاين» أن يقف في علاقة أصيلة معها. ففي «رسالة في النزعة الإنسانية»، يوضح هايدغر أن العنصر هو ما يُمكِّن حقاً: إنه التمكين. إنه يحتضن التفكير ويجلبه إلى ماهيته، مشيراً إلى أن الكينونة توصف بـ«التمكين-المحب» للممكن، و«القدرة الهادئة للممكن». والمقصود بـالمحب هنا ليس العاطفة الإنسانية، بل ذلك الإيثار الأنطولوجي للكينونة الذي يكمن في أن تمنح ذاتها للكائنات وتُتيح لها أن تكون.
وفي هذا السياق، يرتبط مفهوم [Vermögen] كما يصوغه هايدغر ارتباطاً وثيقاً بما يسميه ريتشارد كيرني «التمكين الأنطولوجي» [ontological enabling]، إذ يشير كلا المفهومين إلى تلك القوة الأصلية التي للكينونة في التفتح، وتُتيح للكائنات أن تظهرَ وتنكشف، من غير أن تكون هي نفسها كائناً من بين الكائنات، بل هي الشرط الأنطولوجي الذي يسمح للكينونة بأن تُظهر ذاتها، وللإنسان بأن يدخل في علاقة تساؤل أصيلة مع معناها.
لذلك لا يُفهم [Vermögen] بوصفه مجرد قدرة يملكها الإنسان، بل باعتباره العطاء الأصلي للكينونة ذاتها، الذي يُمكِّن كل إمكان، وكل فهم، وكل انكشاف. (المترجم) انظر:
Martin, Heidegger. “Letter on ‘Humanism.'” In Basic Writings, translated by Frank A. Capuzzi., edited by David Farrell Krell. New York: HarperCollins, 1993, p. 220.
William, McNeill. “From Destruktion to the History of Being.” Heidegger Circle Gatherings, 2012, pp. 33-34.
* يقدم الكوزاني تصوراً مغايراً بصورة جذريّة للصياغة السكولائية الكلاسيكية، ولا سيّما للتصوّر التوماوي لله كـكينونة قائمة بذاتها، وكتجلٍّ لـ [actus purus] «الفعلية المحضة الخالية من كل إمكان بالمعنى الأرسطي». وفي مقابل هذا الإطار، يطرح الكوزاني مفهوم [Posse Ipsum] بوصفه الإمكانية المطلقة؛ لا من حيث هي مجرد قابلية غير مُنجَزة، بل باعتبارها قدرة إيجابية خلّاقة تتأسّس عليها كل الكائنات الممكنة.
أمّا مصطلح [Possest]، المكوَّن من [posse] و [est]، فيعبّر عن التطابق الجوهري بين الإمكان والفعل في الطبيعة الإلهية؛ ففي الألوهة لا تقوم ثنائية بينهما، بل يتحدان في وحدة متعالية هي عين الكينونة الإلهية نفسها. ومن هذا المنظور يصبح الله هو الكائن الذي تتطابق فيه القدرة المطلقة مع تحقُّقها الكامل، بحيث تتحد كل إمكانية مع فعلها في وحدة لا تقبل الانقسام؛ وهو ما يغاير التأويل التوماوي الذي يركّز على الله كفعلية صرف متعالٍية على جميع الممكنات، مع تمييز حادّ بين كينونة الخالق وكينونة المخلوقات.
وبذلك يعيد الكوزاني صياغة مفهوم الإله في أفق متعالٍ ودينامي، يبرز فيه البعد الخلّاق واللانهائي للإمكانية الإلهية، متجاوزاً الصياغة المدرسية التي ركّزت أساساً على سكون الفعلية المحضة وثباتها. (المترجم)
Internet Encyclopedia of Philosophy, “Nicholas of Cusa (1401-1464),” section 6.a (“De possest “), https://iep.utm.edu/nicholas/ (accessed November 3, 2025).
* عبارة [kenotic posse] كما يستخدمها ريتشارد كيرني في قراءته لفلسفة هايدغر حول الإله تشير إلى تصور يجمع بين معنيين يتكاملان: الإخلاء [Kenosis] «أي تفريغ الذات وتواضعها» من جهة، وإمكان الكينونة [posse] من جهة أخرى. وفق هذا الفهم، لا يكون الإله قوة متعالية لها سيادة قهرية، بل محبة قادرة على الضعف والإخلاء، تتجلى في العالم عبر العطاء والتجسد، وليس من خلال فرض الإرادة أو المعجزة السلطوية. فالإله، بحسب كيرني، «يخلي ذاته» في العالم ويُتيح الإمكان للكينونة، أي إنه يعد بالتعاطف والتوحد مع الإنسان في فرحه وألمه، ولا يفرض نفسه على الخليقة. لذا، فإن مفهوم [kenotic posse] يعني أن جوهر الألوهية يكمن في العطاء والتواضع والانكشاف، لا في القوة والاستعلاء. ومن هنا، اقترحنا ترجمته بـ «الإمكان الإخلائي» للدلالة على هذا الفهم الذي يصوّر ألإله بوصفه إمكاناً مفتوحاً للمحبة والتجسد، لا فعلية سلطوية تامة. (المترجم)
* يجمع كيرني بين البادئة u (من اليونانية οὐ = لا / نفي) وtopos (τόπος = مكان) مُبتكراً مصطلح اللامكان للإشارة إلى فضاء ما بعد ميتافيزيقي. فهو ليس مكاناً محدَّداً أو موقعاً أنطولوجياً، بل أفق يُتيح التفكير في الإلهي خارج إطار «الكائن الأعلى، أو العلة الأولى، أو واجب الوجود»، مُقترحاً إمكانية جديدة للمقدّس تتجاوز أيضاً ثنائية الحضور والغياب لدى هايدغر في التفكير حول الإلهي. وقد استخدم كيرني هذا المفهوم في سياقات متعددة تشترك في الغاية التحررية نفسها. ففي السياق الهيرمنيوطيقي-الثقافي، وظّفه كأداة لمقاومة الاستراتيجيات المُشوِّهة للهيمنة الرجعية، إذ عرّفه بأنه أفق الطموح الذي تفتحه الرموز، في مقابل الأصل [archē] الكامن وراءها. وفي هذا السياق، يتوضح مفهوم [u-topos] من خلال تحليل كيرني للأسطورة عند جيمس جويس قائلاً: «على النقيض من التوظيف الأيديولوجي للأسطورة لاسترداد ما هو أشدُّ إرضاءً للروح القومية، يُعيد الاستخدام اليوتوبي للأسطورة عند جويس سردَ المألوف في مسامع الغريب. في كتابات جويس، تتقابل الأساطير الكلتية وتتلاقى أو تتساكن مع الأساطير اليونانية والكتابية والبابلية. ومن هذا التفاعل التركيبي، ينفتح فضاء جديد هو اللامكان [u-topos] للبدائل والإمكانيات التي ظلّت مستحيلة حتى الآن. وباختصار، حيث تُجمّد الأساطير الأيديولوجية التاريخ، تفتحه الأساطير اليوتوبية أمام مستقبل متعدد». وهكذا، يحافظ المفهوم عبر استخداماته المختلفة – سواء في السياق الثقافي أو في التفكير حول الإلهي على وظيفته التحررية الأساسية وانفتاحه على إمكانيات جديدة تتجاوز الحدود الأيديولوجية والميتافيزيقية على السواء. (المترجم)
Richard Kearney, Poetics of Modernity: Toward a Hermeneutic Imagination, New Jersey: Humanities Press, 1995, pp.74,181.
* الأغاثون [Agathon] في فلسفة أفلاطون يمثل «الخير الأسمى أو المطلق» أو «مُثُل الخير»، كما أنه أحد أعقد المسائل في الفلسفة الأفلاطونية. فالأغاثون لا يُعرَّف بوصفه مجرد كائناً من بين الكائنات، بل كما يقول أفلاطون في (الجمهورية): «الخير ليس جوهراً، بل يفوق الجوهر في المنزلة والقوة». ان العبارة الشهيرة [epekeina tēs ousias] تعني أن الخير «ما وراء الكينونة» أو «ما يتخطى الكينونة»، مما يجعله مبدأً فوق أنطولوجياً [metaontological principle]. فالأغاثون، رغم كونه مصدر الكينونة والمعرفة لكل شيء آخر، إلا أنه لا ينتمي إلى نطاق الكينونة ذاتها، بل يقف خارج هذا النطاق كمبدأ متعالٍ. كما أن الشمس تمنح النور والنمو للأشياء دون أن تكون هي ذاتها من طبيعة الأشياء التي تنيرها، فإن الأغاثون يمنح الكينونة للمُثُل الأخرى دون أن يكون له وجود بالمعنى التقليدي. وقد أدى هذا التصور إلى جدل فلسفي مستمر: فبعض الشراح، مثل Matthias Brisson، يرى أن الأغاثون يبقى ضمن نطاق الكينونة ولكن ككينونة أسمى، بينما يدافع آخرون، كـ Rafael Ferber وGregor Damschen، عن التفسير الميتا-أنطولوجي الذي يضع الأغاثون خارج الكينونة تماماً. هذا النقاش حول طبيعة الأغاثون وعلاقته بالكينونة سيكون له تأثير عميق على تطور الفلسفة اللاحقة، خاصة في الأفلاطونية المحدثة عند افلوطين الذي طور مفهوم «الواحد» كمبدأ يتجاوز الكينونة، وفي التقليد المسيحي الذي تبنى هذا التصور لفهم طبيعة الإله. (المترجم)
Rafael Ferber & Gregor Damschen. “Is the Idea of the Good Beyond Being? Plato’s ‘epekeina tês ousias’ revisited (Republic, 6, 509b8-10).” In Debra Nails, Harold Tarrant, Mika Kajava, & Eero Salmenkivi (Eds.), Second Sailing: Alternative Perspectives on Plato. Espoo: Wellprint Oy (2015), pp. 197-203.
* يشير مصطلح [Ereignis] في فكر هايدغر ما بعد المنعرج – خاصة في «إسهامات في الفلسفة» (1936–1938) وما تلاها- إلى مفهوم مركزي شديد الإشكالية ترجمياً، لأنه يقوم على ثلاث طبقات دلالية متداخلة تقرّها الدراسات المتخصصة بالألمانية والإنجليزية.
أولاً: الحدث التاريخي-الأنطولوجي؛ فـ [Ereignis] لا يعني حدثاً زمنياً عادياً، بل انفتاحاً تاريخياً جذرياً تُمكّن فيه الكينونة من أن تظهر وتُكشف نفسها في لحظة أصلية، وتتم فيه إعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان [Dasein] والكينونة. وفي هذا الأفق ترتبط [Lichtung] «الفسحة/الرحاب» بوصفها المجال الذي يتيح هذا الظهور الأصلي. وهنا قد تبدو كلمة [event] في الإنجليزية مناسبة، لكنها تعجز عن تغطية البُعدين الآخرين.
ثانياً: الرؤية/العيان/الكشف؛ إذ يحيل الجذر اللفظي «er-äugnis من Auge=عين» إلى بُعد الرؤية والعيان، بحيث يحمل المفهوم عند هايدغر دائماً طابعاً كشفياً يُظهر ما كان محتجباً [unconcealment/Aletheia]. هذا البُعد العياني-الكشفي لا تنقله كلمة [event]، كما أنه غائب عن مصطلحات مثل [appropriation] أو [enowning]. ثالثاً: الملكية/الاختصاص الأصيل؛ إذ ينهض المفهوم على علاقة انتماء متبادل [mutual appropriation] يتخصّص فيها الإنسان والكينونة أحدهما بالآخر، بما يبرز لعب هايدغر على جذر [eigen] «الاختصاص/الملكية» في تاريخ الكينونة المتأخر. ولذلك لا يتيسر، من الناحية الاصطلاحية، ردّ هذه الطبقات إلى مكافئ إنجليزي واحد دون خسارة في المعنى. ولهذا السبب لجأ بعض الباحثين إلى تركيبات مثل [event of appropriation] «حدث التملك» في محاولة للجمع بين البُعدين الأول والثالث، لكن هذا التركيب يبقى عاجزاً عن تغطية البُعد العياني-الكشفي الثاني، وهو ما يفسر احتفاظ كثير من الباحثين بالمصطلح الألماني في كتاباتهم وهو ما لجأ اليه كيرني في هذا النص.
أما في التلقي العربي، فقد ظهرت اقتراحات متعددة: «العينية» طه عبد الرحمن، «التحقق» و«التملك المشترك» جورج زيناتي، «العهد» محمد محجوب، «الإباحة/الإتاحة» موسى وهبة، و«الحصول» عبد الهادي مفتاح. ويقترح فتحي المسكيني مقابلاً تأويلياً مفكّراً هو «الملكوت»، بدعوى أنه يجمع الطبقات الثلاث: الحدث التأسيسي، والبُعد العياني-الكشفي، والتملك المتبادل. كما يقرأ هذا المقابل في ضوء مشروع هايدغر المتأخر لتجاوز الأفق الأنطو-ثيولوجي، رابطاً «الملكوت” بمقام «الإله الأخير» بوصفه برزخ الانفتاح على حضور المقدّس. وهذا الربط ذو طابع تأويلي يستند إلى موارد اللسان العربي وتجربته الروحية، ويراهن على ترجمة مفكّرة تتجنب بعض آثار التغريب التي تلازم المكافئات التقنية الحرفية، مع الحرص على البقاء يقظة للفروق الدقيقة بين استعمال هايدغر وموروثاتنا الدلالية. (المترجم) انظر: موسى وهبة. «هايدغر والعربية في مهبّ الترجمات» الاستغراب، العدد 5 (خريف 2016): ص 255-263.
فتحي المسكيني. «التفكير ما بعد هايدغر أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل» بيروت-لبنان: جداول، 2011.ص 65-75.
Mark A. Wrathall. “Ereignis (Event of Appropriation)” In: The Cambridge Heidegger Lexicon, edited by Mark A. Wrathall, Cambridge University Press, 2021, pp. 22–30
الهوامش
[1] – Martin Heidegger, An Introduction to Metaphysics, trans. R. Manheim, Anchor, New York, 1961, p.6.
كان هايدغر قد طرح هذا الموقف مبكّراً، أي منذ عام 1925، حين ألقى في جامعة ماربورغ محاضراته «تاريخ مفهوم الزمان: تمهيدات»، التي يمكن عدّها صيغة مبكّرة من «الكينونة والزمان» (1927). وانظر، بخاصة، تعليقه الآتي: «ما دامت الفينومينولوجيا تفهم ذاتَها، فإنها ستلتزم هذا المسار البحثي (في المقولات) ضدّ كل ضرب من ضروب النزعة النبوية داخل الفلسفة، وضدّ أي ميل إلى وضع إرشادات للحياة. فالبحث الفلسفي يظلّ إلحاداً؛ ومن ثمّ تسوِّغ الفلسفة لنفسها (استعلاء التفكير).» انظر: (History of the Concept of Time, trans. T. Kisiel [Bloomington: Indiana University Press, 1992] , p. 80.)
[2] – Martin Heidegger, ‘Phenomenology and Theology’ in The Piety of Thinking: Essays by Martin Heidegger, trans. J.G. Hart and J.C. Maraldo, Indiana U.P., 1976, pp.7, 10-11.
[3] – Jean Beaufret in Magazine Littéraire, No. 196, 1976, p.3; see also the reported citations on this subject translated into French by Jean Beaufret and Jean Greish in Heidegger et La Question de Dieu, ed. R. Kearney and J. O’Leary, Grasset, Paris, 1980, pp.334-336.
[4] – See The Piety of Thinking, p.34; and Heidegger et la Question de Dieu, p.165.
[5] – Heidegger et la question de Dieu, pp.334-336.
[6] – Martin Heidegger, Letter on Humanism, trans. E. Lohner in Phenomenology and Existentialism, ed. R. Zaner and D. Ihde, Capricorn Books, New York, 1973, pp.147-181; see also Heidegger et la question de Dieu, p.317.
[7] – Martin Heidegger, Identity and Difference, trans. J. Stambaugh. Harper and Row, 1957, p.72.
[8] – Ibid, p.331.
[9] – Ibid, p.332.
[10] – Ibid, p.333.
[11] – Letter on Humanism, pp.172-3.
[12] – See François Fédier, ‘Heidegger et Dieu’ in Heidegger et la Question de Dieu, pp.37-45.
[13] – See The Piety of Thinking, p.193.
[14] – Paul Ricoeur, ‘Note Introductive’ in Heidegger et la Question de Dieu, p.17: يقول ريكور: لطالما أثار استغرابي حول هايدغر أنه تفادى بشكل منهجي متعمد مواجهة الفكر العبراني. صحيحٌ أنّه انصرف أحياناً إلى التأمّل انطلاقاً من الإنجيل ومن اللاهوت المسيحي، غير أنّه ظلّ دوماً يتفادى المدوّنة العبريّة التي تظلّ هي الغريب المطلق عن الخطاب اليوناني. وهكذا تملّص من الفكر الأخلاقي بما ينطوي عليه من أبعاد العلاقة بالآخر والعدالة، وهما ما شدّد عليهما ليفيناس مراراً. إنّه لا يتناول الفكر الأخلاقي إلّا باقتضاب شديد، كأنّه مجرّد فكر في القيمة، دون أن يقرّ باختلافه الجذري عن الفكر الأنطولوجي. أفلا تستدعي مهمّة إعادة التفكير في التقليد المسيحي، بـ«خطوة إلى الوراء»، أن نعترف بالبُعد العبري الجذري للمسيحيّة التي تتجذّر أوّلاً في اليهوديّة، ثمّ لاحقاً فقط في التقليد اليوناني؟ فلماذا التأمّل في هولدرلين وحده دون المزامير وإرميا؟ …
[15] – An Introduction to Metaphysics, p.107
[16] – See Martin Heidegger, Erlauterungen zu Hölderlin Dichtung, 1951; quoted in Heidegger et la Question de Dieu, pp.323-325.
[17] – The Origin of the Work of Art, p.44.
[18] – Erlauterungen zu Hölderlin Dichtung; quoted Heidegger et la Question de Dieu, p.325.
[19] – Martin Heidegger, Nietzsche II, quoted Heidegger et la Question de Dieu, pp.192-3.
[20] – Martin Heidegger, The Time of the World Picture, quoted in The Piety of Thinking.
[21] – Poetry, Language, Thought, p.117.
[22] – Quoted Partisan Review, 1948; see The Piety of Thinking.
[23] – Martin Heidegger, Der Spiegel Interview, 1976.
[24] – For details on this and subsequent references in this last section, see my earlier version of this argument in ‘Heidegger, le possible et Dieu’ in Heidegger et la Question de Dieu, pp.125-168.
[25] – Letter on Humanism, p.172.
[26] – See Nicholas of Cusa, Trailogue de Possest, ed. R. Steiger, hamburg, Felix Meiner Verlag, 1973. أنا ممتنّ لزميلي في جامعة دبلن، ديرموت موران، لتوجيه انتباهي إلى هذا النص. انظر أيضاً:
[Nicholas of Cusa and the Power of the Possible’ by P.J. Casarella in the American Catholic Philosophical Journal, Vol. LXIV, 1990, no.I, pp.7-35] يستكشف الكاتب أوجه التشابه اللافتة والموحية بين الكوزاني وهايدغر حول مفهوم الإمكان بوصفه حدثاً مقدساً للعطاء والمحبة – أي كشاعرية للإمكان
[27] – Emmanuel Levinas. ‘Judaism’, in The Levinas Reader. Ed. S. Hand. Blackwell, 1989, p. 252.
كان كارل ياسبرز من أوائل مَن نبّهوا إلى انحسار البُعد الأخلاقي في تفكير هايدغر. فبينما كان هايدغر يزدري فلسفة ياسبرز بوصفها «سيكولوجيا وعظية للوجود الإنساني»، اتّهم ياسبرزُ هايدغرَ بإقصاء مسائل المسؤولية الأخلاقية الملموسة والفعل من أنطولوجيته الفخمة: «ألا تُسهم مثل هذه النظرة إلى الأشياء، من خلال عدم تعيُّنها تحديداً، في انتشار الشر؟ ألا يحملنا الاتساع الذي يبدو مهيباً لمثل هذه الرؤى على إغفال الإمكانات العملية للفعل؟». وبفصل فكره عن الواقع، يكون هايدغر -في نظر ياسبرز- قد أسهم ربما في «تهيئة انتصار الشمولية». وكما عبّر هوغو أوت عن ذلك في تعليقه على مراسلات ياسبرز مع هايدغر: «إن المقولة الأخلاقية الوحيدة التي استطاع هايدغر أن يفكّر ضمنها أو يُفهَم بها -إذا جاز أصلاً أن نتحدّث عن أخلاق في حالته- هي مقولة (التسليم إلى الكينونة). تلك المعالم المرسومة بوضوح في رسالة في النزعة الإنسانية (1946): فكلّ مَن سعى، على غرار هايدغر، إلى الاندفاع قُدماً بالفكر إلى حقيقة الكينونة، أي إلى الفُسحة، حيث تتجلى الكينونة، يكون قد بلغ الموضع الذي يحضر فيه الإله المتواري، إلى الموضع الذي لا ينفذ إليه أيُّ اهتمام نحو توجيهات حياة الفعل؛ وعلى هذا المنوال، فإن مفكّراً كهذا يظلّ بمنأى عمّا يؤثر في أفعال البشر في عصر التقنية. كي يكون غير ملوّث وغير مثقَل بالذنب.» انظر:
Hugo Ott, Martin Heidegger: A Political Life. trans. A. Blunden [London: Basic Books 1993], pp. 34-35). On the controversy surrounding Heidegger and ethics see also Charles Scott, The Question of Ethics: Nietzsche, Foucault, Heidegger (Bloomington: Indiana University Press, 1994); and J. Caputo, Against Ethics (Bloomington, Indiana U.P., 1993).
[28] – See my discussion of Heidegger’s analogy between ontological and theological thinking as one of ‘as if’ or proportionality in my ‘Heidegger, le possible et Dieu’, pp. 123-168.
[29] – منذ إنجاز هذه الدراسة، لفت انتباهي كتابٌ صدر حديثاً لجورج كوفاكس بعنوان (مسألة الإله في فينومينولوجيا هايدغر)
يقسِّم المؤلف معالجة هايدغر للإله إلى ثلاث مراحل: 1) إشكالية الإله المُضمَرة، ولكن غير المُطوَّرة، في (الكينونة والزمان).
2) إشكالية الإله المأخوذة كمسألة صريحة ومنفصلة عن مسألة الكينونة. 3) تفكير هايدغر المتأخر وما بعد الميتافيزيقي حول الكينونة من منظور (تصوُّر الألوهة الحقيقية للإله). تتفق دراستنا مع عدة من خلاصات كوفاكس، وتحديداً: أن ثمة مسألة للإله في فكر هايدغر، وأن التفكير في الاختلاف الأنطولوجي وتقويض الميتافيزيقا، يستتبع إعادة تفكير في الإشكالية الميتافيزيقية للإله. وأخيراً، هناك حاجة للتفكير ليس مع هايدغر فحسب، بل أيضاً أبعد منه، لمواصلة التساؤل حول الكينونة وحول الإله حتى خارج مسار فكره. انظر:
George Kovacs, The question of God in Heidegger’s Phenomenology, Northwestern University Press, 1990, p. xx.
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
