التفلسف، كما يقال، هو أن يفكر المرء بنفسه. لكن ألا ينطوي التعليم بالضرورة على الاستماع إلى خطاب تعليمي؟ نخلُص بهذا إلى أن تدريس الفلسفة مشروع -إن لم يكن مستحيلًا- فهو على الأقل متناقض. إلا أن هذا التناقض هو ما يغذي الفلسفة ويثريها منذ القدم.
| الكاتب | جاك داريولا |
| ترجمة | بشاير الزهراني |
كان لي الشرف خلال أربعين عامًا (أي تقريبا منذ 1970 إلى 2010) بتعليم الفلسفة، لطلبة الثانوية أولًا، ثم في الجامعة. وعوضًا عن الحديث عن تدريس الفلسفة في فرنسا في الجمهورية الثالثة (على الأقل) – مثلما يبدو أنه الموضوع الذي يدعو إليه عنوان لقاء اليوم: (فرنسا، مثال نموذجي؟)- فقد اخترتُ ببساطة تناول الأسئلة التي طُرحت عليّ تباعًا خلال سنواتي في التعليم. حين أنظر اليوم إلى التدهور الشديد الذي يغشى التعليم المحلي، سواء عبر قراءة المقالات التي تمر عليّ أو من سماع قصص الأساتذة القدماء الذين ما زالوا في الميدان، أشعر أنني عشت عصرًا ذهبيًا، حين كان يمكننا تعليم الفلسفة تعليمًا أصيلًا. ورغم ذلك، فقد شعرنا أيضًا آنذاك أننا نعيش عصر تدهور، وكنا مثل مناضلين في آخر الصفوف نحمي متطلبات فكرية باتت تزداد ابتعادًا عن المعايير السائدة. هل يمكنني أن أضيف أن ذلك الشعور النسبي بالتهميش كان – وأرجو أنه لا زال – دافع فخرٍ وليس دافع إحباط؟
كان من شأن فترة التحليق عاليًا، أو الفترة السحرية، التي مرت على جيلي في شهري مايو ويونيو 1968 – وكلما علا التحليق صار السقوط أصعب – أن جعلتنا نعتقد أن من الممكن محو الماضي برمته، وبدء العالم من جديد. آنذاك، تلاشى محتوى تدريس الفلسفة كأن لم يوجد، كما لو ابتلعه الفراغ، والأساتذة الذين بدؤوا تدريس الفلسفة في سبعينيات القرن العشرين فوجئوا بلا رحمة بأن عليهم إعادة ابتكار كل شيء من جديد. وهذا ليس شعورًا ذاتيا، بل هو واقع موضوعي ويمكن التحقق منه: فكتب الفلسفة القديمة – وأتذكر منها كتاب فيرجيز وهويزمان[1] الذي بدا لنا ونحن في سنتنا الدراسية الأخيرة تافهًا للغاية لشدة توافقه مع الهيمنة الدامغة آنذاك للعلوم المسماة “إنسانية” – باتت كتبًا غير موثوقة، وبعد سنوات من التشكك إزاءها أزيحت واستبدلت بمجلدات نصوص فلسفية جيدة إلى حد ما، لكنها تفتقر إلى الترابط في محتواها، وفي أفضل الحالات كانت بسبب ثرائها وتعقيدها لا تصلح المبتدئين.
وغلب في تلك المرحلة أن يستعاض عن تدريس الفلسفة بتدريس تاريخ الفلسفة، أي بدراسة كبار المؤلفين، وهو أمر لم نكرهه في الحقيقة، فقد رأينا أن الدراسة العقلانية والمتعمقة لهذه النصوص قد تحل بامتياز محل الأحاديث العابرة في محاضرات الفلسفة التي بدت وكأنها أحاديث صالونات، وهي الطريقة التي صاغتها التقاليد تدريجيًا. وفي ذلك الوقت، علمتنا البنيوية كيف نقرأ النصوص الفلسفية الكبرى بعناية فائقة[2]، ووجدنا في ذلك التمرين زادًا فكريًا أغنى من فن المناورة بين الأطروحة ونقضيها وتوليفة مناقشاتها بينما يكون الموضوع في جوهره بلا أهمية، ويصبح كل ذلك ذريعةً لعرض فني بارعٍ هو عبارة عن – على حد تعبير ليفي شتراوس في كتابه مدارات حزينة- :”أن نعد في عشر دقائق فقط محاضرة جدلية متينة تمتد لساعة كاملة، حول الأفضلية النسبية للحافلات على الترامواي”[3]. ومع ذلك، فقد كانت خطورة هذا التحول إلى تاريخ الفلسفة هو اختزال التساؤل الفلسفي إلى مجرد معرفة ما يسمى زيفًا بـ “المدارس الفلسفية الكبرى”، فالفلسفة في حقيقتها هي فكر يتعلم المرء كيف يعيشه، ولم تكن يومًا “مذهبًا” نحفظه عن ظهر قلب.
وانعكس إفراغ تدريس الفلسفة من مضمونه – بهذه الصورة الاستثنائية – على مناهج التعليم التي يفترض أنها توجه تعليمنا، فباتت مختزلة في قائمة من العناوين مأخوذة من فهرس كتاب قديم جدًا لأرماند كوفيلير، لكنها ليست سوى عناوين جوفاء، مثل سمكة لم يبق منها إلا هيكلها العظمي. وهكذا، وجد شبان في مقتبل العمر أنفسهم فجأة في وضع غير مألوف، يدرّسون فلسفة لا يعلم أحدٌ يقينًا ممّ هي، واضطروا إلى تناول موضوعات الحب والرغبة، والوعي واللا وعي، والحرية وأفضل أنظمة الحكم، والخير والشر، بل حتى وجود الإله – فماذا يمنعهم؟ -، مقدّمين هذه الموضوعات وحدهم أمام قرابة أربعين مراهقًا لا يساور أحدٌ منهم أدنى شك في أنهم سيتلقون إجابات نهائية على هذه الأسئلة، ويتوقعون من أستاذ الفلسفة -الذي لا يعلمون كيف يصنفونه أهو مرشد روحي أم مجرد مخادع محترف – ما يتوقعه كل المراهقين، أن يعرف كل شيء، كل شيء بلا استثناء.
وللخروج من ذلك المأزق أصبحنا خبراء في النقد بشتى أنواعه – ولم يكن ذلك دون اقتناع، ولا سيما في البداية -، وأساتذة في تفكيك الأساطير، وأبطالًا في فنون إسقاط الأوهام، وتبديد سحب الدخان التي كونتها الأيدولوجيات، ورفع الغشاوة عن الأعين المستلبة، وإعادتها إلى حريتها الأولى. وكل ذلك كان باسم نسخة شعبية سطحية من الماركسية، غير أنها ومن دون أن ندرك كانت أكثر ميلًا إلى أفكار هيبوليت تين من ميلها إلى كارل ماركس. وفي هذا أتذكر – مع شيء من الخجل – أنني درّست مبدأ الكوجيتو بوصفه دلالة على الوعي البرجوازي المنغلق على نفسه، مثلما تُسيّج أرض المالك بعناية. كانت تلك سنتي الأولى في التدريس، ومن حسن الحظ أنني لم أكمل على ذلك النهج. لن يعرف التلاميذ أبدًا حجم ما يدين به معلمهم لهم، فهم يعرفون كيف يبرزون – بفضل تململهم الكئيب – تفاهة أي خطاب، ويفعلونها أفضل من أي عرض علمي رصين.
التدريس اختبار لا رحمة فيه. فما لا ينجح فهو سيئ، وحين تلمع العيون، وتنبثق الشرارة، نعرف حينها أننا على طريق جدير بالاتباع. وجاء حكم الطلبة بالغ الوضوح: نقد الفلسفات يخنقهم سأمًا. ولما كنا عاجزين عن تعليمهم أي شيء، أخذنا نحاكم ما لا يجب تدريسه، وهذا لم يرضِ جمهورنا الذي كان لحسن الحظ جائعًا نهمًا، ولم يكن جل ما يرغب به أن لا يُحرم مما يغذي أحلامه، بل أراد أن يأكل من مأدبة الفلسفة نفسها. وعلاوة على ذلك، كان في تصويرنا لأنفسنا على أننا صانعو معجزات قادرين على أن نعيد للأعمى بصره قدرًا كبيرًا من الغرور، ولم يكن هناك ما يسوّغ ادعاءنا بأننا أكثر ذكاء من طلابنا، بل لعلهم فاقونا في الذكاء، وعرفوا في الغالب أحسن منا كل الأساطير والتيارات التي كنا نتباهى بهدمها -وذلك ببساطة لأنهم كانوا يؤمنون بها ويحبونها-. وإذًا فقد بدا لهم ذلك النهج نهجًا متغطرسًا، وإن أمكننا أن نثير دهشتهم في الأسابيع الأولى فإن استراتيجية النقد المنهجية لم تكن طريقةً يمكن الاستمرار عليها طوال السنة.
توجب علينا إذًا أن نعلمهم الفلسفة، ولتحقيق ذلك، تعين علينا أن نعطي هذا التخصص الذي صار شبحًا مضمونًا حقيقيًا. وصار لزامًا علينا -إن جاز القول- تعليم طلبتنا أن يستغنوا عنا، أي أن يتعلموا بمفردهم، فذلك هو -حسبما يبدو- جوهر الفلسفة: أن يعرف المرء “كيف يفكر بنفسه”. وهو تحدٍّ بدا في الوهلة الأولى عصيًّا على التحقق، فإن كان على المرء أن يفكر بنفسه، ففيم يفيد الإصغاء إلى المعلم الذي لن يستطيع إلا إزاحتك عن طريقك الأصيل والفريد؟ وهو سؤال طرحه علينا طلابنا أصلًا، إذ توجسوا آنذاك أن “يُتلاعب بهم” كما عبّروا، أو على أقل تقدير أن “يتأثروا” بأستاذهم الذي لطالما اشتُبه فيه بأنه سينقل إلى طلبته هواجسه التي استحوذت عليه، تحت غطاء التعليم. صحيح أنه لم يكن من الصعب أن نبرهن لمحاورينا أنهم، لم يكونوا هم أنفسهم بمنأى عن أي عدوى فيما يتعلق بالتلاعب؛ فعندما كنا نسألهم أي موضوع يرغبون في مناقشته – وكان السؤال يُطرح للنقاش، إذ كان ينبغي آنذاك أن يتمكن كل فرد من التعبير عن نفسه “بحرية”، وأن يمارس بذلك “عفويته” المقدسة – كانت هناك احتمالات كبيرة لأن يقع اختيار الأغلبية على البرنامج التلفزيوني الذي عُرض في الليلة السابقة.. وفي الحقيقة، فإنه من أجل أن نفكر بأنفسنا، فإننا دائمًا ما نبدأ بالتفكير وبصورة عفوية من خلال الآخرين، للأسف. ومن ثَمّ فقد تعين علينا أن نجعلهم يدركون أنهم ليسوا دمىً يمكننا التلاعب بهم بلا تبعات، وأن كلّا منهم يملك في داخله كنز الفكر، وهو في الحقيقة أكثر الأمور المشتركة بين البشر.
وتوجب علينا حينها أن نستعيد زمام المبادرة، وأن نمسك بالثور من قرنيه إن صح التعبير، في محاولة جريئة لإعطاء الفلسفة مضمونًا من جديد. ولما كانت أطروحة “أن يفكر المرء بنفسه” لا تعني أن يقول الشخص كل ما يجول داخل رأسه، ولمّا لم يكن هناك ما هو أصعب من أن يفكر المرء بنفسه، وهي مهمة قد تستغرق العمر بأكمله، فقد صار من الواجب الوصول إلى هذه الحقيقة – وهي حقيقة متناقضة مثلما تكون دائمًا الحقائق البدهية – : فمن أجل أن يفكر المرء بنفسه، يجب أن يبدأ بالاستماع إلى الآخرين، أو بالأحرى بالاستماع إلى القول الذي يدعو إلى التفكير، ويعلّم، أي إلى القول الذي يشير إلى المتلقي، أي يواجهه بضرورة أن يجيب. وحينها، آن للنصوص العظيمة التي شهدت في صمت على الأصوات العظيمة التي رحلت، النصوص التي عُرفت بأنها تملك أكثر من غيرها تلك القدرة الداعية التي لا يستقيم تعليم بدونها، آن لها أن تُضمّن على نحو مشروع في عملية التعليم، شريطة أن لا تؤخذ بوصفها أنظمة أو عقائد، ولكنها آراء متسقة ومتطورة في مضمونها، وأن لا يُتصور تاريخ هذه النصوص مثل متجر للملابس الجاهزة، حيث يتاح لنا أن نرتدي وفق أهوائنا وطبيعتنا زي الأخلاق الكانطية، أو نظرية المعرفة الأفلاطونية، أو النقد الماركسي للأيديولوجيا. لأنه إن كانت الفلسفة، وفقًا لمبدأ المجتمع الاستهلاكي، ما هي إلا متجر بنظام الخدمة الذاتية حيث يختار كل فرد فيه على هواه ما يناسب ميوله، فإنها ستصبح حينئذ مفتقرة إلى الجدية والقيمة مثلها مثل أي سلعة عادية، وبناء عليه، يصير كل شيء متساوٍ في عالم التماثل الشامل الذي بات يغزو عالم الأفكار مثلما يغزو عالم الأشياء، ولا تبقى قيمة لأي شيء، فوجبة سريعة تساوي مأدبة أفلاطون، ولقطة سيلفي تساوي مبدأ الكوجيتو الديكارتي، وقراءة صحيفة تساوي فلسفة هيجل في التاريخ.
وإن أردنا أن نعطي الفلسفة مضمونًا لتدريسها فلا يكفي أن نضع قائمة بالنصوص الواجب قراءتها، بل علينا أن نفكر أيضًا في المشترك بين هذه النصوص، وفيما يمنح هذه النصوص المتنوعة وحدتها ومعناها. وتفاديًا للانزلاق إلى التوافه – ولعل تطلّب المراهقين الملحّ وأسئلتهم هي خير ما يعلّم المعلم في هذا الشأن – فيجب علينا أن ندرّس الفلسفة، لا الفلسفات المتفرقة، ويجب أن ندرك أن كل الفلسفات هي بطريقةٍ ما فلسفة واحدة، رغم اختلافاتها الحادة أحيانًا. وعلينا أن لا ندرّس تاريخ الفلسفة وحده، بل فلسفة هذا التاريخ، وهو النقطة العمياء حيث يتضخم حولها تساؤل يبدو سرمديًا.
وعندئذ لا يكون من الصعب أن نفهم أنه لمّا كانت كل هذه النصوص ترمي إلى الدعوة إلى التفكير، فإن الفكر نفسه هو موضوعها الوحيد، وأن هذا تحديدًا هو مدار ما يُبتغى من كل فلسفة أصيلة أن تفكر فيه. وهكذا، وخلافًا لما نعدّه العلوم التطبيقية حيث يسعى كل علمٍ منها إلى التفكير في موضوع محدد ومعرفته، وهو موضوع يطرحه العقل نفسه ليكون مادة دراسته، فأحداث الماضي هي موضوع المؤرخ، والأشكال التي يمكن بناؤها في مساحة ذات فضاء نونيٍّ هي موضوع المهندس المسَّاح، وبنية المادة هي موضوع الفيزيائي، فإن الفلسفة هي ذلك الفكر الذي لا يريد سوى استقلاله الذاتي، وأن لا يُعطى إليه شيء ليكون مادته، وإنما أن يُبنى كل شيء من خلاله.
ولهذا لا يمكن للفلسفة أن يكون لها موضوع غير ذاتها، بمعنى أن تجعل مهمتها أن تفكر في الفكر نفسه، وأن تختبره، وأن تفكر فيما نسميه التفكير، والتفكير ليس الخيال، ولا أن يكرر المرء بنفسه أفكارًا تلقاها من غيره دون أن يقيم عليها حجته، والتفكير ليس المعرفة أيضًا، إذ من المحتمل أن يكون الفكر عصيًا على المعرفة بالنسبة إلى نفسه، أي أنه قد لا يستطيع أن يجعل نفسه -أي التفكير- موضوعًا للمعرفة. ومع ذلك فلا ينبغي أن نخلُص إلى أنه من غير المجدي أن نفكر في التفكير طالما أننا لا نستطيع إدراك كنهه، إذ من الممكن أننا سننسى أن نفعل ذلك، وسنتخلى طويلًا عن ممارسة التأمل، مما سيعني أننا قد ننسى إنسانيتنا، فإن كان صحيح أن الإنسان، والإنسان وحده، يمتاز بأنه لا يفكر فحسب، وإنما يفكر في أنه يفكر، فإن نسياننا أن نكون “إنسانًا” قد يجعلنا لا إنسانيين.
ومن هذا المنطلق، يمكن إعادة إرساء تدريس الفلسفة بعد تجاوز الأزمات التي وضعتْهُ موضع شك جذري. ولعلني أوضح أمرًا هنا: إذا كانت كل فلسفةٍ هي تفكير في الفكر -كما سبق وطرحتُه- فإن ذلك لا يعني أن الفلسفة يمكن إيجازها بأنها ميتافيزيقا الوعي الذاتي (بالألمانية: Selbstbewusstsein) بل بالأحرى فإن موضوع الوعي بالذات هو مسألة جوهرية في النقاش الفلسفي، سواء أكان الغرض من ذلك إرساء أساس لكل معرفة راسخة وثابتة فيه، أو العكس، أي فضح الوهم النظري لهذا السراب الروحي. وفي هذا المعنى يمكننا التعريج على السؤال المطروح اليوم حول “الذكاء الاصطناعي”، السؤال العبثي في رأيي، لأنني أظن أن على المرء أن يجهل كثيرًا عن التفكير في الفكر لكي يتخيل ولو لوهلة أن آلة حاسوبية مهما بلغ تعقيدها يمكن أن تستطيع -ولو في لحظة خاطفة- أن تفكر، ورغم ذلك فإن هذا السؤال السيئ الصياغة يتعلق فعلًا بالتساؤل الفلسفي.
وثمة أمر -وبه أختم هذا الخطاب عن منهجية التعليم، أو بصياغة أبسط، هذا العرض لمساري أيام عملي في التدريس-، وهو أننا يتعين علينا أن نفهم كيف يمكن لهذا التصور للممارسة الفلسفية أن يجدد دراسة النصوص التي عُرفت بأنها تدعو إلى التفكير أكثر من غيرها. فإن كان بإمكاننا الآن بالفعل أن نعود إلى قراءة الفلاسفة، أو أولئك الذين هم وفقًا للتقاليد فلاسفة – وهو أمر لنا أن نرفضه أو نقبله فيما نعتنقه من معتقدات، كما كان يقول ديكارت – مستعينين بالمعيار الذي صغناه للتو، وهو أن كل فلسفة أصيلة هي تفكير في الفكر، فليس الغرض من ذلك دراسة أفكار متنوعة يُنظر إليها على أنها حكيمة، وإنما مطالبة هذه النصوص بأن تفكر في الفكر نفسه، أي أن تساعدنا على إدراك القدرة على التفكير الموجودة فينا، والتي لا يمكن من دونها أن تكون هناك حرية – والحرية لا تتمثل في أن نفكر فيما نريد، وإنما في أن نفكر على نحو ملائم، أي وفق الضرورة الوحيدة التي يفرضها المفهوم – ولا يمكن من دونها أن تكون هناك قدرة حقيقية على الفعل، وعلى الحياة.
وهذا القول لا يعني أنه ينبغي أن ندرّس الفلسفة كأنها أنظمة متفرقة، ولا أن نؤسس منها مجموعة لكافة المجموعات أو نظامًا لكافة الأنظمة ثم يتاح لنا أن نختار من بينها[4]، وإنما أن نفهم هذه الأفكار انطلاقًا الحدس الأوليّ، أو من الفكرة الجوهرية التي ترفدها وتخلق فيها الحياة. وليس الأمر أن نعلّم فلسفات، بل أن نعيد نحن تفعيل ممارسة فكرية كانت ذات غنى وثراء كافيين لتثمر منهما مجموعة من الأسباب المترابطة والمتسقة فيما بينها. وليس الأمر أيضًا أن نتعلم المذاهب الفلسفية، ولكن أن نعيد خلقها انطلاقًا من النقطة المصدر التي ابتدأت فيها، هذه النقطة التي كتب عنها بيرغسون في محاضرة رائعة ألقاها عام 1911[5] أنها ” شيء بسيط، وبسيط على نحو استثنائي، إلى درجة أن الفيلسوف عجز عن قولها، ولهذا ظل يتكلم طوال حياته.” وبهذا المعنى فإن علينا أن نصغي أولًا إلى الآخرين بغية أن نستطيع في نهاية المطاف التفكير بأنفسنا، وليس ذلك لنتعرف على أفكار ليست لنا، وإنما على العكس لكي نتعلم أن نجد ذواتنا في فكر يبدو لنا في البداية غريبًا عنا، وهذا لا يكون ممكنًا إلا بشرط أن لا نكتفي بمجرد ترديد دوغمائية معينة، بل أن نعيد من جانبنا ابتكار فلسفة انطلاقًا من البذرة التي نشأت منها.
وإذا كان هذا هو حقًا الأسلوب الذي ينبغي لنا اتباعه في تدريس الفلسفة – وقد لا يكون ذلك سهلًا، لكننا نعلم أن “كل أمرٍ جميل هو صعبٌ بقدر ما هو نادر”[6]– فيجوز لنا في الختام أن نستحضر الأثر الذي ينبغي لمثل هذا التعليم أن يحدثه. صحيحٌ أن الأمر لا يتعلق بإملاء درس، وإنما بتحريك عجلة التفكير. وقد يحدث، مثلما يقول باشلار، أن يخفق المرء في إشعال جذوة الدرس مثلما يخفق في إشعال النار، إذ يظل الحطب يتوهج ويتفرقع لحظات في الموقد قبل أن يتحول إلى جمر ثم يخمد. غير أنه يحدث أحيانًا أن يُثمر التعليم وتشتعل تلك الجذوة، فبأي علامة نعرف هذا التوقّد؟ نعرفه في ذلك النشاط الصامت والمستغرق الذي يقتفي أثر الحجة، ويواصل في صمت عمله الخفيّ حتى بعد انقضاء الدرس، مولّدًا فيضًا من الأفكار الجديدة، وكاشفًا -لمن يصغي إلى دبيب خلية النحل في داخله- عن تلك القوة الفائقة للتفكير الكامنة في أعماقه. وهكذا بتُّ أقيس عمق الحوار مع طلبتي بمدى كثافة صمتهم، فكلما حالفنا الحظّ في إثارة ذلك الاضطراب المثمر، أمكننا القول إننا لم نضع وقتنا، وإن تدريس الفلسفة استحقّ أن نكرّس لأجله حياتنا.
نُشرت على الإنترنت في 1 يناير 2020، وأُلقيت هذه المحاضرة في 10 نوفمبر 2018 في إطار “منتدى الفلسفة” [Forum Philo]، الذي نظمته مدينة لومان [Le Mans] وصحيفة “لوموند” [Le Monde]، بإشراف الصحفي والكاتب الفرنسي جان بيرنبوم [Jean Birnbaum].
[1] أندريه فيرغيز [André Vergez] ودوني هويزمان [Denis Huisman]، دروس في الفلسفة في أربعة مجلدات [Cours de philosophie en quatre volumes]، صدر أولها، الميتافيزيقا [Métaphysique]، عام 1955. وقد درّس دوني هويزمان [Denis Huisman]، من عام 1958 إلى عام 1976، في المدرسة العليا للدراسات التجارية [HEC]، ثم في دوفين [Dauphine]، وهما مؤسستان لم تكونا تبدوان لنا آنذاك من أكثر الأماكن مهابةً لممارسة تدريس الفلسفة.
[2] كان كتاب غيرو عن ديكارت [Le Descartes de Gueroult] قد صدر عام 1953، وصدر المجلد الأول من كتابه عن سبينوزا [Spinoza] عام 1968.
[3]Lévi-Strauss, Tristes tropiques, Plon 1955, p. 55.
[4] هذا هو المشروع الذي ينهض به مارسيال غيرو [Martial Guéroult] في كتابه “فلسفة تاريخ الفلسفة” [Philosophie de l’histoire de la philosophie]، باريس، أوبـييه-مونتين [Aubier-Montaigne]، 1979. وهو الكتاب الثاني من مشروعه “ديانوماتيك” [Dianoématique]. أما الكتاب الأول، “تاريخ تاريخ الفلسفة” [Histoire de l’histoire de la philosophie]، الذي يتألف من ثلاثة مجلدات، فقد صدر لاحقًا، بعدما صدر الجزء الثاني، بين عامي 1984 و1988.
[5] الحدس الفلسفي [L’intuition philosophique]، في الفكر والمتحرك [La pensée et le mouvant]، وهي محاضرة أُلقيت في بولونيا [Bologne] في 10 أبريل 1911. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن غيرو [Gueroult]، في العمل المذكور سابقًا، عبّر عن تحفظه العميق تجاه منهج يؤسس مبدأه على ما لا يمكن التعبير عنه.
[6] هذه هي الكلمات الأخيرة من الأخلاق [Éthique] لسبينوزا [Spinoza].
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
