كيف أوقعت بنا وسائل التواصل الاجتماعيّ؟ – زيغمونت باومان / ترجمة: حورية عمر موسى

 كيف أوقعت بنا وسائل التواصل الاجتماعيّ؟ – زيغمونت باومان / ترجمة: حورية عمر موسى


باومان عالم اجتماع بولنديّ حظي بشهرة واسعة بعد صدور كتابه: الحداثة السّائلة،  يندد فيه بالحقيقة القائلة أنّ فلسفة ما بعد الحداثة قد أدّت إلى انهيار “الصلابة”. فاليوم لا مكان للمفاهيم الصلبة والثابتة، إنّ كل ما حولنا مؤقت وعابر ومتغيّر.

‎من أهمّ دراساته: ظاهرة التواصل الاجتماعي، يحلل فيه ما طال علاقاتنا الاجتماعية وعواطفنا الإنسانيّة.

‎قدّم باومان تحليلًا دقيقًا للعالم المعاصر، ومنها ما قدمه حول الإنترنت و وسائل التواصل الاجتماعي التي يعرّفها بأنها فخّ إنسان العصر الحديث الذي لم يزَل يسقط به راضيًا سعيدًا، وهو ما تتناوله هذه المقالة.

‎يرى باومان أن “مؤسس شركة فيسبوك يتغذّى على خوف البشريّة من الوحدة!” هذا ما تشير له أرباح شركته التي تقدّر بـ $50,000,000,00، فعبقريّة مارك تكمن في إدراكه لمخاوف الإنسان الحديث، ففي العالم الافتراضيّ لا وجود للوحدة، هناك دومًا من يُبدي استعداده ليقرأ لنا وليشاركنا ” اللايك” معربًا عن إعجابه ودعمه.

‎الفيسبوك كما يراه باومان هو بيت المرايا الذي تنعكس به صفحات الوجوه وتتردد به أصداء ما تود النفس سماعه، مما يغيب احتمالية قيام حوار ومشاركة إنسانيّة فعّالة.

‎بالإضافة إلى ذلك يأخذ تكوين وقطع العلاقات الشبكيّة ضغطة زر، لتسود أنماط علاقات خفيفة العبء والكلفة، وحوارات تأخذ شكل تفاعلٍ مكتوب، بخلاف العلاقات الحقيقيّة التي تتطلب قدرًا من المواجهة والتفاعل، ممّا يخلقُ وهم التواصل الإنسانيّ، إذ ليس إلا أصداء صوت وصورة خيال.

‎تعمل وسائل التواصل على الحدّ من الخصوصيّة فهي تدعونا لإظهار  أنفسنا، لنحاول تقديم أليق صورة ليراها الآخرون، إنّه التجلي الأكبر لنزعات الإنسان الحديث، حيث مملكة أهوائه التي يديرها حاكم مُستبد يقرّر من يُقصي ومن يبقي.

‎لا مكان لتغييب الأنا، ما يحكم الأشياء ههنا منطق الحضور والظهور والإفصاح لا منطق الخفاء والتخليّ، لتُحكم سيطرة المخيال الفيسبوكي المرغوب على وعينا، ممّا قد يسبب حالة من الإحباط في حال لم نبلغه.

‎يرى باومان أن لـ وسائل التواصل تأثيرًا حاسمًا في ثقافة العصر الحديث: والتي يسمّيها” بالثقافة السائلة” : فهي “كالفخّ” يصطاد عواطفنا وبقايانا الهشّة حيث تسود أنماط علاقات غير مستقرّة بلا أعباء أو مسؤوليّات، وأطياف أحاسيس تأتي اليوم لتنقضي غدًا.

‎تحمل هذه المواقع منافع شتّى إلا أنها تزيد من إحكام قبضتها يومًا بعد يوم لصالح الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تسيء توظيف قواعد البيانات لتحقيق مآرب وغايات محدّدة.

‎عواقب هذا التوسع كما تلوح في الأفق ليست مبشرة، فتواصلنا الاجتماعيّ يأخذ صورة المونولوج على أن يكون حوارًا فعّالًا مثمرًا، بالإضافة إلى تمدّد العولمة مما يغوّل من نزعاتنا الفرديّة لصالح من يتحكمون بأنماط حياتنا.

المصدر

error: