آلبرت أ. هيرشمان: عالِم اجتماع “مشرق” لأحفادنا – إمري أوزتشيلك / ترجمة: آلاء الجهني

آلبرت أ. هيرشمان: عالِم اجتماع “مشرق” لأحفادنا – إمري أوزتشيلك / ترجمة: آلاء الجهني

هيرشمان

ألبرت هيرشمان ، اقتصادي ألماني


“قد تُقرأ قصة ألبرت أ. هيرشمان كذاكرة جمعية في شكل حكاية شخصية، أو كتلاقٍ بعلم اجتماع يجد الأمل في خيبة الأمل، والحلول في التوتر، والحرية في جو من عدم اليقين، ونمط من النظر إلى العالَم الاجتماعي باعتباره مصدراً لإمكانيات بمقدور المفكر استحضارها بمزيج مختلف من التواضع والجرأة.” (Adelman, 2013a: 15)

وُلِد أوتو ألبرت هيرشمان (1915-2012)  في برلين لوالدين يهوديين على قدر جيدٍ من التعليم. غير اسمه إلى ألبرت أوتو هيرشمان في الولايات المتحدة الأمريكية (بُدِّل الاسم الأول بالاسم الأوسط وأسقط حرف نون من الاسم الأخير). قبل أن يترك هيرشمان أوروبا للولايات المتحدة في أوائل عام 1941، أكمل دراسته السابقة للحياة المهنية بأكثر الطرق العالمية الممكنة. زوده تورطه في الصراعات المناهضة للفاشية في أوروبا خلال ثلاثينيات القرن العشرين بخلفية عملية بنى عليها حياته الفكرية الرائدة في الولايات المتحدة، حيث أصبح خبيراً متميزاً في اقتصاد التنمية والاقتصاد السياسي وتاريخ الفكر الاقتصادي.

 

بعد أن حارب ضد القوى القومية التابعة للجنرال فرانكو في الحرب الأهلية الأسبانية، عمل هيرشمان أيضاً لدى لجنة الإنقاذ الطارئة المزعومة في عام 1940. وقد تولى قيادة اللجنة الصحفي فاريان فراي Varian Fry، وهو صحفي ناشط أمريكي شهد كمراسل أجنبي في برلين التطهير النازي لليهود في عام 1935. في أثناء وجوده في نيويورك، استقطب فراي العديد من مناهضي الفاشية وجمع مبلغاً قدره  30,000دولار أمريكي لاستخدامه في عملية إنقاذ سرية. كان الهدف من العملية إنقاذ “على وجه الخصوص المفكرين والفنانين المعروفين الذين كانوا معرضين للخطر” في جنوب فرنسا. مع وصول فراي إلى مرسيليا لقيادة عملية الإنقاذ، أصبح هيرشمان ذراعه اليمنى. وقد أثار إعجاب فراي ابتسامة وسحر هيرشمان الغامر، فأطلق عليه لقب “المشرق Beamish”،  والواقع أن ابتسامة ونهج هيرشمان الإيجابي في التعامل مع حتى أكبر المشاكل الشائكة أكسبه لقب “المشرق” من بين كل المشاركين في عملية الإنقاذ. عمل فراي و”مشرق” معاً بشكل وثيق في عملية إنقاذ خطرة مكنت أكثر من 2000 لاجئ من الفرار من فرنسا، التي غزاها النازيون في ذلك الوقت (Adelman, 2013a: 171–2)1 وفي مرحلة معينة قرر فراي و هيرشمان أنه يتعين على الأخير مغادرة أوروبا أيضاً، حيث كانت تطارده قوات الدرك. في ديسمبر/كانون الأول 1940، عبر هيرشمان جبال البرانس سيراً على الأقدام من بانيول في فرنسا إلى بورتبو في إسبانيا. احتوت حقيبة سفره الصغيرة على وثائق هوية مزورة، وجوارب، ومقالات مونتين. وكانت وجهته الولايات المتحدة عبرأسبانيا والبرتغال. تمكن أخيراً في ميناء لشبونة من ركوب سفينة SS Excalibur العابرة للأطلسي.

ومع اقتراب السفينة من شواطئ نيويورك في فبراير/شباط 1941، كتب رسالة إلى والدته، انتهت بالكلمات التالية: “كنت أتفحص مشاعري بالأمس، لاحظت بأنها بالفعل تأمركت بعض الشيء. والواقع أنني سوف أدخل إلى هذا البلد بإرادة الوصول إلى شيء ما، من خلال إظهار أنني استحققت سلسلة استثنائية من الحوادث الموفقة التي قادتني إلى هنا” (Adelman, 2013a: 180–6).

من صالة فرانزوسيش للألعاب الرياضية إلى بيركلي

كان لسنوات هيرشمان في صالة فرانزوسيش للألعاب الرياضية في برلين  (1923-1932) أثر تأسيسي عليه. أحب التاريخ والجغرافيا إضافة إلى اللاتينية واليونانية، وكان أداؤه جيداً إلى حد كبير في الرياضيات. التحق بمحموعة عمل، حيث كان يجتمع في منزل أحد معلميه لقراءة ومناقشة “فاوست” لجوته. ومن بين ما كان يفضله من الأعمال روايات تولستوي ودوستويفسكي ورواية “بودنبروكس” لتوماس مان. بدأ بقراءة ماركس في الرابعة عشرة من عمره. وبعد عامين، تعمق في قراءة نيتشه وبدأ يساءل نفسه: “كيف أستطيع أن أوفق بين ماركس ونيتشه؟”. قرر أن يصبح اشتراكياً، وانضم إلى حركة الشباب في الحزب الديمقراطي الاشتراكي في عام 1931. ثم تبعته أخته أورسولا (وهي أكبر منه بعام واحد) في الانضمام إلى هذه المجموعة اليسارية، التي كان لها أعضاء بارزون آخرون مثل ويلي برانت Willy Brandt (Hirschman, 2001: 48–51). بعد تخرجه من صالة الألعاب الرياضية في عام 1932، التحق هيرشمان بجامعة برلين، حيث بدأ في دراسة “شيء ما بين القانون والاقتصاد”.

ولكن في عام 1933، وقعت سلسلة من الأحداث المروعة: ففي يناير/كانون الثاني، عُيِّن هتلر مستشاراً؛ وفي فبراير/شباط، بدأ النازيون حملاتهم الإرهابية واضطهاداتهم، فاستغلوا حريق الرايخستاغ كذريعة؛ وفي مارس/آذار توفي والد هيرشمان بالسرطان. ولقد أفضت هذه السلسلة من الكوارث إلى رحيل هيرشمان عن برلين إلى باريس في شهر إبريل/نيسان، شجعته طلاقته في اللغة الفرنسية. ظلت أمه وأخته الأصغر إيفا في ألمانيا حتى أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، في حين شقت شقيقته المُسيَّسة أوروسولا طريقها إلى باريس أيضاً. في باريس، قدم هيرشمان دروساً في الألمانية لكسب بعض المال، ودَرَسَ الاقتصاد والتمويل والمحاسبة في جامعة السوربون. وفي عام 1935، فاز بمنحة لمدة عام واحد في كلية لندن للاقتصاد، حيث أخذ بعض من المقررات الدراسية التي ألقاها ليونيل روبنز Lionel Robbins وفريدريش فون هايك Friedrich von Hayek ــ اثنين من كبار مناهضي كينز في ذلك الوقت. ولكن أصدقاء هيرشمان المقربين في إنجلترا كانوا من أتباع كينز، الذين ذهب معهم إلى كمبريدج “للاستماع إلى الأستاذ” (Hirschman, 2001: 54–59). أعجب أصدقاؤه بكينز، إلا أن هيرشمان لم يكن مقتنعا بالكينزيةـ يعكس هذا ارتيابه المتزايد من أي شيء تفوح منه رائحة نظرية كبرى. جعلته تجربته في كلية لندن للاقتصاد يعي العناصر الجامدة في تقاليد الاقتصاد السياسي الاشتراكي، والتي كان على صلة وثيقة بها حتى ذلك الوقت. فقد بدأ يميز بين “المفاهيم الاقتصادية” و”المواقف السياسية”، و”أخذ هايك لا سيما على محمل الجد، وقدّر النزعة الفردية الشديدة بعد حميته السابقة من التصانيف الجماعية ‘الوعرة’ مثل الطبقة الاجتماعية”. وفي مقابلة لاحقة، تذكر أيام زمالته في إنجلترا، قائلاً “هناك فحسب اكتشفت فعلاً ما هو الاقتصاد”. إلا أنه لم يتخلص من الماركسية ويعتنق هايك، ولم يترك وراءه التحليل الطبقي ليعظِّم كينز. كان على استعداد لسماع كل الأطراف. وقد حرص على تتبع النقاش الكينزي ـ الهايكي ، إلا أنه لم يقصر اهتمامه على ذلك النزاع. وجد في كلية لندن للاقتصاد “الفرصة الأولى للتغلغل في تاريخ الفكر الاقتصادي”، فانخرط في أعمال جون ستيوارت مِل John Stuart Mill، و ألفريد مارشال Alfred Marshall، وأيضا ديفيد ريكاردوDavid Ricardo (Adelman, 2013a: 123–5). أسرت الأفكار الاقتصادية اهتمام هيرشمان إلى حد كبير حتى أنه ذهب إلى كمبريدج مرة أخرى، وهذه المرة بمفرده وليس من أجل كينز. كما رتب لقاءً مع بييرو سرافا Piero Sraffa، أحد الهاربين البارزين من الفاشية الإيطالية. كان سرافا واحداً من أشد المنتقدين عداوة لاقتصاد النمساوي هايك ومنطقه المتشائم باستمرار. زار هيرشمان سرافا في مكتبه في كلية ترينيتي في الوقت الذي كان فيه هذا الأخير منغمسا في أعمال ريكاردو. دارت بين الرجلين المناهضين للفاشية، أحدهما من ألمانيا والآخر من إيطاليا، “محادثة طويلة ورائعة”، كما قال هيرشمان في مقابلة أجريت معه لاحقا. لا توجد وثائق أو سجلات تكشف تفاصيل المحادثة، ولكن لا يزال بوسعنا أن نشعر بتصميم هيرشمان على “اتباع مثال رافا في نسج تحليل اقتصادي متطور مقترن بالالتزام السياسي” (Adelman, 2013a: 125). كان رافا ابن عم ايوجينيو كولورني Eugenio Colorni، فيلسوف إيطالي مناهض للفاشية. كان كولورني هو الذي كتب لـ هيرشمان خطاب توصية يتوسط زيارته لسرافا. كان هيرشمان يعرف كولورني من أيام دراسته الجامعية في برلين، حيث بدأ كولورني يولي اهتماماً بشقيقته الكبرى أورسولا. وفي عام 1935، تزوجت أوروسولا من كولورني وانتقلت من باريس إلى مدينة ترييستي، حيث كان كولورني يُدرِّس الفلسفة “في معهد للمعلمين”. أدت بعض الصعوبات المالية إلى مواصلة هيرشمان تعليمه في جامعة ترييستي. وهناك حصل على الدكتوراه في الاقتصاد في عام 1938 قبيل إصدار موسوليني مراسيم معادية للسامية، منهياً أطروحته حول موضوع بدأ دراسته أثناء تواجده في كلية لندن للاقتصاد: “الإصلاح الاقتصادي الفرنسي في 1925-1926 وتاريخ الفرنك البوانكاريه”  (Hirschman, 2001: 59–60) وفي الوقت نفسه، أصبح كولورني، الذي كان أيضاً من عائلة يهودية، صديقاً حميما ومؤثرًا كبيراً على هيرشمان . لقد لعب كولورني ، وهو اشتراكي غير تقليدي، دوراً أساسياً في نفور هيرشمان من الروايات الكبرى والنظريات العظمى، وفي ابتعاده عن مثالية اليسار الألماني. مكن تركيز كولورني الفلسفي على أهمية الأفكار الصغيرة هيرشمان من اكتساب عادة من التفكير يمكن بمقتضاها استخلاص رؤى عظيمة من أفكار صغيرة. على الصعيد السياسي، كانت البيئة الاشتراكية التي وجد فيها هيرشمان نفسه في إيطاليا، بفضل كولورني، أقل اهتماماً بالحصول على التشخيص الإيديولوجي الصحيح من أن تغير التاريخ بالعمل. فضلاً عن ذلك فإن الحركة التي كان ينتمي إليها كولورني كانت حركة حاولت الجمع بين روح الليبرالية المحبة للحرية وبين دافع تحقيق العدالة الذي تسعى إليه الاشتراكية (Adelman, 2013b: vii–xiv). وعلى هذا فربما كان كولورني ودائرته قد مهدا الطريق للموقف الليبرالي ـ بالمعنى الأميركي للمصطلح ـ الذي تبناه هيرشمان في أواخر حياته. لقد أثبت هيرشمان طيلة حياته الأكاديمية في الولايات المتحدة أنه واحد من آخر أعظم كتاب المقالات الاقتصاديين على مستوى العالم، نوع سرعان ما انقرض في عالم اليوم ذي الاقتصاد المُريَّض. كان أيضاً كولورني هو “الذي أثار في هيرشمان الإعجاب بمونتين وجمال فن المقالة” (Adelman, 2013b: xiv). إن التفاؤل الممزوج بالتشكك الفلسفي في مقالات مونتين هو أمر معروف تماما ولا داعي لفحصه هنا. بعض المواضيع التي تتخلل المقالات بوضوح: حدود المعرفة البشرية، قابلية الأفكار للتغيُّر، تنوع العواقب المحتملة للفعل البشري، الشك في الرؤى العالمية المتعصبة، رفض الطاعة العمياء للتقاليد الرسمية، والشك كمصدر للحكمة المتفائلة… فمن الذي قد يعارض التأكيد على أن مونتين كان لديه موقف متشكك “مشرق” تجاه الحياة؟ والواقع أن ثنائي كولورني–هيرشمان يشاطر الرأي القائل بأن الشك قد يكون أرضاً خصبة يمكن أن تفضي فيها الإمكانيات المختلفة للعمل البشري إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها ولكنها تبعث على الأمل في الوقت نفسه. وجدت نظرتهم هذه أفضل تعبير لها في نكتة كانا يتبادلانها: إثبات خطأ هاملت! 2

في حين عانت الشخصية الشكسبيرية من الشك المشل للحركة، فقد تصور النسيبان الشك مصدرًا للعمل ومحفزاً له، فقد تنشأ عنه عواقب مفيدة.  في ظل هذه الخلفية وطأت قدم هيرشمان الأرض الأميركية في فبراير/شباط 1941، الفضل يعود للتأشيرة التي أتاحتها زمالة روكيفلر Rockefeller في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. هناك التقى بطالبة، سارة تشابيرو، مهاجرة أوربية أيضاً، وتزوجها في يونيو/حزيران من نفس العام. في مارس 1943 انضم هيرشمان إلى الجيش الأميركي وأصبح مواطناً أميركياً أثناء خدمته العسكرية. عمل كرقيب في الجيش الأمريكي لمدة عامين تقريباً بين عامي 1943 و1945، أولاً في الجزائر ثم في إيطاليا، حيث عمل أيضاً في مكتب الخدمات الاستراتيجية Office of Strategic Services (OSS) (Hirschman, 2001: 74–6) وأثناء خدمته كرقيب في الجزائر العاصمة، علم من مجموعة من مناهضي الفاشية الإيطاليين أن كولورني قد قتل على يد الفاشيين في روما في عام 1944. سماع خبر مقتل كولورني كان بمثابة “ضربة فظيعة” وجهت إلى هيرشمان: ” ‎لقد أدركتُ أن كولورني كان أكثر الناس أهمية في حياتي” (Hirschman, 2001: 76).  في أكتوبر/تشرين الأول 1945، وبعد انتهاء الحرب مباشرة، عمل هيرشمان مترجماً في روما أثناء محاكمة الجنرال الألماني أنطون دوستلر Anton Dostler، مجرم حرب مثل أمام القاضي في تحدٍ لاتفاقية جنيف بشأن أسرى الحرب، بتهمة طلب إطلاق النار على بعض رجال مكتب الخدمات الاستراتيجية. وفي نهاية المحاكمة، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المترجم “قد شحب وجهه بينما كان يلقي حكم الإعدام” في وجه دوستلر (Adelman, 2013a: 247).

هيرشمان كخبير اقتصادي تنموي

كان هيرشمان قد تبنى روح التخطيط التي سادت في فترة ما بعد الحرب، مثل أغلب معاصريه الذين عملوا على قضايا التنمية. ولكنه كان دائما متمرداً إلى حد ما في هذا الفرع الناشئ حديثاً، لأنه “رأى الفضيلة في حقيقة مفادها أن لا شيء يجري كما هو مخطط له” (Gladwell, 2013) استند برنامجه البحثي على الفكرة المشرقة التي تفيد بأن الإخفاقات التنموية لديها قدرة كامنة على توليد الإبداع والابتكار، مفضية في نهاية المطاف إلى النجاح بطرق غير مقصودة (Hirschman, 1967a). والواقع أن إرثه المتميز بوصفه أباً مؤسساً غير تقليدي لاقتصاد التنمية يتضمن ما يشبه الشعار الذي يقول أن هنالك دوماً بديل آخر، حتى في ظل الظروف التي قد يُنظَر إليها باعتبارها الأكثر بؤساً. إن منهج هيرشمان “كان يسعى لإظهار كيف يمكن لأفعال المخيلة الفكرية أن تطلق العنان للإمكانيات الهائلة” (Adelman, 2013b: vii) فالنسبة له “ما يبدو ثابتا ومستعصيا ومقاوماً للتغيير يمكن أن يشكل مصدرًا للخيارات”  (ibid.: xii). فبدلاً من أن يشغل نفسه بالروايات الكبرى والنظريات العظمى التي تحاول تفسير كل شيء في وقت واحد، حبذ “أفكارًا صغيرة” و”أفكارًا أقل أهمية” لديها القدرة على توليد “رؤى عظيمة” ذات قيمة عملية. إلا أن تفضيله للمقاييس الأقل حجماً لم يعكس غيابًا للطموح، إذ كان لديه مشروع يتجاوز معايير العلوم الاجتماعية الأميركية المهنية ويتحدى التصنيف السهل ((ibid.: vii).

طور هيرشمان على هذا المنوال العديد من المفاهيم والأفكار المستشهد بها على نطاق واسع، مثل: ” “التنمية كسلسلة من الاختلالات” (1958)؛ “نهج الروابط في التنمية”(1958, 1992a, 1992b); “العقلانيات المستترة” (1958, 1968, 1992b); “النعم المتخفية” (1963a); “فراكاسومانيا (هوس الفشل)”(1963a); “إشاعة الإصلاح” (1963c, 1963d); “متلازمة الاقتصادي الزائر” (1963e, 1992b); “مبدأ اليد الخافية” (1967a); “الخروج والصوت” (1970); “الانحياز للأمل” (1971a); “الإمكانية”(1971b, 1992c); “الحق في مستقبل غير مقدر” (1971a); “الأعمال المزيِّنة للنعي” (1973a); “تأثير النفق” (1973b); “الأهواء في مقابل المصالح” (1977, 1992d); “التعدي” (1981c);  ” الاقتصاد القابل للتطبيق كونيا”.” 1981b); “وجهات مجتمع السوق المتضادة” (1982a, 1992e); “سعادة السعي في مقابل الانتفاع المجاني في الحياة العامة” (1982b); “المشاركات المحوِّلة” (1982b); “التقدم بشكل جماعي” (1984a); “الميل نحو تخريب الذات” (1995). 1981b); هذه الأفكار هي مكونات أساسية لإرثه العلمي الاجتماعي، وسيفحص بعضها في الصفحات التالية.

إضافة إلى المفاهيم الأساسية المذكورة أعلاه، كان لدى هيرشمان (1981c: 305) “فكرة أخرى أكثر طموحاً وربما أكثر طوباوية”، اختتم بها خطابه الذي ألقاه عند تلقيه جائزة فرانك إي. سيدمان المتميزة في الاقتصاد السياسي  Frank E. Seidman Distinguished Award in Political Economy في عام 1980.  سارداً وصفًا للتوتر الدائم بين العلوم الاجتماعية والأخلاق فيما يتعلق بـ”الصدع العميق بين العقل والقلب”، اختتم كلمته بإمعان النظر في إمكانية تخيل “نوع من العلوم الاجتماعية يختلف تماماً عن ذلك النوع الذي مارسه أغلبنا”. وهذا العلم هو:

علم اجتماع أخلاقي لا تُقمع فيه الاعتبارات الأخلاقية أو تُفصل، بل تمزج بانتظام بالجدال التحليلي، دون الشعور بالذنب إزاء أي افتقار إلى التكامل؛ حيث يحصل على نحو متكرر وبسهولة الانتقال من الوعظ إلى البرهنة والعكس؛ حيث لا ينبغي بعد الآن أن تهرَّب الاعتبارات الأخلاقية خلسة، أو يُعبَّر عنها دون وعي، وإنما تظهر علناً وبشكل جذاب. هذا يعني في جزء منه حلمي في أن يكون هناك “علم اجتماع لأحفادنا” (ibid.: 305–6) هذه الصورة الحالمة في أن يكون هناك علم اجتماع لأحفادنا هو قمة مجد إرث “مشرق” — ومن هنا أتى عنوان هذا المقال.

بعد مغادرته أوروبا لم يحل ارتياب هيرشمان من الآراء التقليدية بينه وبينه سعيه نحو حياة مهنية متميزة فقد شغل المناصب التالية: زميل أبحاث في بيركلي  (1941-1943); اقتصادي، مجلس الاحتياطي الفيدرالي، واشنطن العاصمة (1946–1952); مستشار اقتصادي ومستشار في بوغوتا، كولومبيا (1952–1956); أستاذ بحوث زائر، جامعة ييل (1956–1958); أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية، جامعة كولومبيا  (1958–1964); أستاذ في كرسي إلوسيوس ن. ليتاور للاقتصاد السياسي بجامعة هارفارد (1964–1967; 1967–1974); زميل، مركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية، ستانفورد (1968–1969);  عضو زائر، معهد الدراسات المتقدمة، برينستون (1972–1973);   أستاذ العلوم الاجتماعية، معهد الدراسات المتقدمة، جامعة برينستون (1974–1985)، حيث كان أستاذاً فخريا فيها من عام 1985 إلى وفاته في عام 2012. بعد سقوط الجدار في مسقط رأسه برلين في عام 1989، التحق أيضا بمعهد برلين للدراسات المتقدمة  Wissenschaftskolleg zu Berlin كزميل زائر من وقت لآخر (1990–1991, 1991–1994, 2000).3

في بيركلي، شارك هيرشمان في مشروع بحثي تحت إدارة الاقتصادي جاك كوندليف Jack Condliffe ، الذي ساعده في الحصول على زمالة روكيفلر. وكان ألكسندر جيرشنكرون  Alexander Gerschenkron، المؤرخ البارز للتنمية الاقتصادية، جزءً أيضاً من ذلك المشروع. عمل كوندليف وجيرشنكون و هيرشمان سوية في نفس المكتب في بيركلي (Hirschman, 2001: 74–6). وقد أكمل هيرشمان كتابه الأول “القوة الوطنية وهيكل التجارة الخارجية National Power and the Structure of Foreign Trade” عندما كان هناك، وأرسله إلى مطبعة جامعة كاليفورنيا في نهاية عام 1942؛ ثم نشره في عام 1945. ركز الكتاب على تأثير العلاقات الاقتصادية الدولية على السياسات الدولية. واضعاً ومستعينا ببعض المؤشرات الاحصائية4، درس هيرشمان بالتفصيل الطبيعة غير المتكافئة للعلاقات الاقتصادية بين البلدان المتقدمة والبلدان الأقل تقدماً، وخاصة عدم تماثل “مكاسب التجارة” بين البلدان الكبيرة والصغيرة. يبدو أن النفوذ السياسي المتزايد الذي كان لألمانيا هتلر في شرق وجنوب شرق أوروبا خلال الثلاثينات كان في مكان ما في باطن عقله. لقد ناقش كيف أنه من الممكن أن تكون التجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية قد مهدتا الطريق لتبعية البلدان الصغيرة لبلد أكبر. من هذا المنطلق، كان أول كتاب من تأليف هيرشمان في بعض النواحي باكورة لنظرية التبعية التي نشأت في ستينيات القرن العشرين. وبعد بضعة عقود من الزمان لم يتردد هيرشمان في الإشارة إلى نفسه بوصفه “الجد المؤسس غير المعترف به باستمرار [لنظرية التبعية] (Hirschman, 1978: 45).5

 في الفترة ما بين 1946 و1956 أتيحت لهيرشمان فرص كانت من شأنها أن توفر الأساس لمساهماته الرئيسية في اقتصاد التنمية. ففي عودته من أوروبا، وجهت إليه دعوة من جيرشنكرون للانضمام إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن العاصمة. كان هيرشمان قد عين خبيراً اقتصادياً وكان يشارك بشكل مباشر في تنفيذ خطة مارشال Marshall Plan، وخاصة قضايا إعادة البناء المتعلقة بفرنسا وإيطاليا، وتنظيم الاتحاد الأوروبي للمدفوعات European Payments Union. ثم أعقبت فترة الست سنوات التي قضاها في بنك الاحتياطي الفيدرالي أربعة أعوام عمل فيها كمستشار اقتصادي في بوجوتا بكولومبيا. أول تعيين لـ هيرشمان كان في الحكومة الكولومبية بناء على توصية من البنك الدولي. وفي هذه المرة عمل في الميدان بصورة مكثفة، فراقب بشكل مباشر قضايا التنمية في دولة نامية في أميركا اللاتينية.  واستمر عقده مع الحكومة الكولومبية لمدة عامين، ثم أقام بعد ذلك شركة استشارية خاصة به وظل لمدة عامين آخرين في بوجوتا (هيرشمان ، 2001: 77-81). وقد قدمت شركته خدمات استشارية اقتصادية ومالية إلى “شركات وبنوك” ومرافق عامة كانت تحاول الحصول على التمويل والقروض من البنك الدولي، كما أجرت الشركة دراسات في السوق للشركات الخاصة (المرجع نفسه: 81-2). في عام 1954، بعد عامين من عمله في كولومبيا، طُلب إلى هيرشمان تقديم ورقة عن التنمية الاقتصادية في مؤتمر عقد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology (MIT).6 كان عرضه شاحذاً التفكير.7 كان هيرشمان ينتقد علناً ما يسمى “التخطيط الاستثماري المتكامل” ــ نهج التنمية التقليدي في ذلك الوقت ــ وأطلق عليه وصف “خرافة”. في شهر يوليو/تموز 1956، دعت جامعة ييل هيرشمان إلى منصب أستاذ زائر للبحوث، فقبل ذلك. وفي جامعة ييل انتهى من كتابة “استراتيجية التنمية الاقتصادية The Strategy of Economic Development” (1958)، التي قدم فيها أول مساهماته الكبرى في الفكر التنموي، بعد عقد من العمل التطبيقي في خطة مارشال وفيما يخص كولومبيا. في الاستراتيجية، تحدى هيرشمان النهج السائد في التعامل مع التنمية من خلال منظوره البديل للنمو غير المتوازن المصاحب لآثار الارتباط. لقد عارض النهج الراسخ الذي حمل لواءه في هذا السياق بول روزنتاين-رودان Paul Rosentein‐Rodan وراغنار نورسك Ragnar Nurske والذي تصور التنمية باعتبارها “نمواً متوازناً”، يتطلب “دفعة كبيرة” من خلال الاستثمارات المتزامنة في مختلف قطاعات الاقتصاد بالاستعانة بخطة متكاملة. فوفقاً للحجة التقليدية إذا كانت تفتقر البلدان النامية إلى الموارد الكافية لتنفيذ مثل هذه الخطط، فإنه قد تساعدها المعونات الأجنبية. ولكن هيرشمان تصور أن البلدان النامية تعاني من الافتقار ليس فقط إلى الموارد المادية والمالية، بل وأيضاً تعوزها القدرة على اتخاذ القرار والقدرة على تنظيم المشاريع اللازمة لتصميم مثل هذه الخطط التنموية الشاملة وتحقيقها. اقترح بدلاً من ذلك استراتيجية أكثر تواضعاً تحدد القطاعات الواعدة التي قد تقود الاقتصاد في عملية التنمية. من الممكن اختيار مثل هذه القطاعات الواعدة باستخدام معيار “الربط”، أو بالتركيز على القطاعات التي تتمتع بعمليات تشغيلية مرتبطة بقطاعات أخرى. على سبيل المثال، يمكن لمشروع استثماري يستهدف صناعة إنتاجية، والذي كان بداية يستورد آلاته ومدخلاته من الخارج أن يُصمم على نحو يحفز الإنتاج المحلي لهذه الآلات والمدخلات بيد صناعات أخرى، وبالتالي يمهد الطريق أمام تشكيل رأس مال محلي وأسواق مدخلات (رابطة عكسية). وعلى العكس من ذلك، يمكن أيضا تصميم مشاريع استثمارية بحيث تؤدي التحسينات في صناعات المدخلات المستهدفة إلى تحفيز الصناعات الانتاجية القائمة، أو إلى تشكيل صناعات إنتاجية جديدة (رابطة أمامية). إن توجيه القدرات الإدارية وقدرات تنظيم المشاريع (والموارد المالية) إلى عدد قليل من الصناعات المختارة التي تربط فيما بينها صلات عديدة يشكل بديلاً أفضل للتنمية من أن توجه هذه الموارد النادرة إلى صناعات عديدة في نفس الوقت (Hirschman, 1958, 1992a, 1992b). ففي حالة هيرشمان كان التغلب على المشاكل التنموية يتطلب في المقام الأول تحديد المجالات ذات الأولوية، بدلاً من وضع مخطط شامل وميكانيكي يفرض مجموعة واسعة من المتطلبات الاقتصادية وغير الاقتصادية اللازمة للتنمية. من المثير للاهتمام أن المناقشات الحالية بشأن النمو والتنمية تعكس جوانب مهمة من نهج هيرشمان . على سبيل المثال، تقدم داني رودريك8 Dani Rodrik وزملاؤه بفكرة “مشخصات النمو” التي تسعى إلى الكشف عن “القيود الملزمة” على النمو والتنمية (Hausmann et al., 2008; Rodrik, 2007a, 2008, 2010).

في معارضته للوصفات النيوليبرالية الشاملة للنمو والتنمية، والتي عبرت عنها الإصدارات السابقة والموسعة لما يسمى “إجماع واشنطن” Washington Consensus (Rodrik, 2006, 2007b) يؤكد نهج “القيود الملزمة” على تحديد ومواجهة أخطر المآزق في الاقتصاد (مثل تحديد أولويات جانب العرض أو الطلب في تكوين رأس المال المادي أو المالي أو البشري).

تضمنت فلسفة التنمية المتمحورة حول الأولوية التي تبناها هيرشمان مزيدا من التحسينات والأبعاد. فقد تصور التنمية باعتبارها سلسلة من الاختلالات. (1958: 65–70). وصف هيرشمان بلغة شومبيترية ونيوكلاسيكية المغزى من السياسات التي تنتهجها فلسفته التنموية على النحو التالي:

“يجب أن يكون الهدف هو الحفاظ وليس القضاء على الاختلالات التي تشكل عوارضاً للربح والخسارة في  اقتصاد تنافسي. وإذا كان للاقتصاد المضي قدماً، فإن مهمة السياسة التنموية  تتلخص في الحفاظ على التوترات، والتفكك، والاختلالات. هذا الكابوس لاقتصاد التوازن ، خيوط العنكبوت التي تُغزل بلا انقطاع، هو ذلك النوع من الآليات التي يتعين علينا أن نبحث عنها ونستعين بها دون كلل كعون قيِّم في عملية التنمية.” (Hirschman, 1958: 66)

تتطلب التنمية عند هيرشمان تشويهات متعمدة للتوازن، وهذا يعني ضمناً أن البلدان النامية لم يكن لزاماً عليها أن تسعى إلى اتخاذ قرارات عقلانية (بالمعنى النيوكلاسيكي للاستخدام الأمثل) والتي من شأنها أن تفضي إلى التوازن باعتباره نتيجة فعّالة. فتحت جهود التنمية المشوهة للتوازن، والتي يعتبرها خبراء الاقتصاد التقليديون غير عقلانية وغير فعّالة، رأى هيرشمان “عقلانيات مستترة” (1958: 1–7; 1992b: 9–14) فبالنسبة له التطور لا يعتمد كثيراً على التوفيق الأمثل بين موارد معينة وعوامل إنتاج بعينها، بل يعتمد على تطويع واستدعاء لأجل أغراض التنمية الموارد والقدرات المخفية أو المبعثرة أو المستخدمة بصورة سيئة. (1958: 5). يتطلب اكتشاف الموارد والقدرات المخفية أو المبعثرة أو المستخدمة بصورة سيئة نوعاً من التعلم بالممارسة، والذي ينطوي بدوره على عملية من التجربة والخطأ تتحدى العقلانية النيوكلاسيكية9 وإيمانا منه بما قد أطلق عليه ‘عقلانية اللاعقلانية’ في حالة الدول النامية، عارض هيرشمان أيضاً الشمولية الروستوفية لمفهوم مراحل النمو10 :

رأيتُ على خطى جيرشنكرون، الإبداع والابتكار في الانحراف عن المسار الذي سَلَكَتْه البلدان الصناعية الأقدم، وفي تخطي المراحل، واستحداث التسلسلات التي “توحي بمظهر خاطئ”. كان هذا الموقف بالتأكيد هو الذي سمح لي أن أستنبط ديناميكية الربط الخلفي والأمامي وأن أُشيد كمفخرة جدلية-مفارِقة بما كان يسمى فيما بعد بالتصنيع الذي يحل محل الواردات:  ستكتسب بحسبه أي دولة ميزة نسبية في السلع التي تستوردها. .. (Hirschman, 1992b: 15–16)

ركز هيرشمان من خلال بحث منهجي عن العقلانيات المستترة في التجارب التنموية للبرازيل وكولومبيا وشيلي  (Hirschman, 1963e: Chs. 1–3) على “الظروف والمواقف التي تعد على نحو موسع مضادة للتغيير” ولكنها أيضاً “تنطوي على بُعد إيجابي مستتر ومن ثم فإن ذلك قد يخدم ويعزز التقدم على نحو غير متوقع” (1963a: 6).  كان نهجه، على حد تعبيره، “متسامحاً بإفراط مع العيوب والإخفاقات القائمة، وكثيراً ما كان يمنح مزايا إبداعية لهذه العيوب والنقائص”، لأنه رأى في مثل هذه العيوب والنقائص “نِعَم محتملة متخفية” (ibid.: 6–7) في إشارة إلى “القوة المستفادة من نقاط الضعف الظاهرية”، فإن مفهوم “النعم المتخفية” ليس قضية “افتتان بالمفارقة”، وإنما “شيء يمليه جوهر عملية التغيير” (ibid.: 7) كان يعتقد هيرشمان أنه إذا ما أُظهرت هذه النعم المقنعة وسلِّم بأنها عناصر متأصلة في عملية التنمية، فإنه إلى حد ما يمكن القضاء على التشاؤم المبالغ فيه الذي كثيراً ما تُعَامل البلدان النامية به، خاصة بلدان أميركا اللاتينية. كان أحد مصادر هذا التشاؤم هو الوصفات الساذجة التي طرحها الخبراء الأجانب (1963e). لقد أشار هيرشمان إلى هذا الأمر باعتباره “متلازمة الخبير الاقتصادي الزائر”، أو “عادة” خبراء التنمية الأجانب في إملاء “النصيحة القطعية والوصفات عن طريق الدعوة إلى مبادئ وسبل علاج اقتصادية صالحة عالميا ـ سواء كانت قديمة أو جديدة ـ بعد أقل قدر من التعرف على “المريض” (1992b: 11) . فيما يتصل بهذه المتلازمة11 شخَّص هيرشمان مزالق أكثر خطورة في قضايا التنمية: “ميل العديد من الكولومبيين والأميركيين اللاتينيين بسبب مواقفهم المنتقصة للذات إلى العمل جنباً إلى جنب مع الاقتصاديين الزائرين” (ibid.)  وفي هذا السياق فإن فكرة “النعم المتخفية” قد تساعد أميركا اللاتينية على تجاوز المواقف الانهزامية:

“قد تخدم بعض الحجج الرئيسية التي أقدرها في التوفيق بين أميركا اللاتينية وبين واقعها، لأؤكد لهم أن الظواهر المعينة  المنتشرة في كل مكان مثل المآزق والاختلالات التي يرون فيها الدليل المتجدد باستمرار على عدم كفاءتهم ودونيتهم، أنها على عكس من ذلك مُلازِمات لا مفر منها بل إنها محفزات مفيدة للتنمية في بعض الأحيان” (1961: 41).

أوضح هيرشمان في معرض تقديمه أمثلة مفصلة عن الصعوبات التي تكتنف الاختلالات الإقليمية في البرازيل، وإصلاح الأراضي في كولومبيا والتضخم في شيلي، أن خيبة الأمل المطلقة إزاء نتائج الجهود التنموية والإصلاحات السابقة أسفرت عادة عن “هوس بالفشل”. كانت هذه العقدة عقبة اجتماعية ونفسية أمام حل المشاكل ووضع السياسات فيما يتعلق بالمشاكل التنموية، لا سيما في أمريكا اللاتينية. وقد صاغ هيرشمان مصطلحاً أسبانيا-برتغاليا للإشارة إلى تلك العقدة، وهو مصطلح فراكاسومانيا fracasomania. فقد حذر هيرشمان من أن هذا الهوس mania قد يكون ذاتي التحقق، كما قد يتسبب بإخفاقات صميمية fracasos. دفعت الصعوبات المتكررة التي نشأت عن عوامل مثل متلازمة الاقتصادي الزائر والهوس بالفشل هيرشمان إلى التفكير في سبل التعامل مع الإصلاحات التنموية. أدرك متأملاً في تعقيد الإصلاحات أنه يبدو أن الأميركيين اللاتينيين قد وضِعوا بشكل مباشر أمام البديل المألوف، وإن كان قاسيا: التغيير من خلال الثورة العنيفة أو من خلال الإصلاح السلمي؟ (1963c: 251). وبالتالي حوَّل انتباهه إلى الانقسام التقليدي بين الثورة والإصلاح. هل كانت البدائل الوحيدة حقاً؟ في بحثه عن إجابة على هذا السؤال، حدد أولاً بعض القواسم المشتركة البسيطة. كان هدف الثورة والإصلاح هو “التغيير”، حتى بالرغم من أن درجات التغيير المستهدفة والطرق المستخدمة كانت مختلفة بوضوح. فالثورة والإصلاح في كل الأحوال استلزمتا “تحولاً في السلطة والثروة من مجموعة إلى أخرى” (ibid.).  على هذا فإن كلاً من الثورة والإصلاح لابد وأن يولد ردود فعل ومقاومة. قصد هيرشمان القول بأن الاصلاح كان أيضا مهمة صعبة ومعقدة ومحفوفة بالمخاطر. فالإصلاح “لم يكن العملية السلسة المنظمة التي يمكن إدارتها بالخبرة والمساعدات الخارجية”. كانت هذه الرسالة موجهة إلى “المفكرين وصناع القرار الأميركيين”. فالإصلاح “يتطلب تحالفات هشة وتكتيكات مراوغة ومعقدة” (Adelman, 2013a: 379).

والواقع أن الإصلاح كان مهمة هائلة إلى الحد الذي كان يتعين علينا إشاعته… من هنا جاءت كلمة مستحدثة أخرى طرحها هيرشمان : إشاعة الإصلاح reformmongering. (1963d). كان لدى هيرشمان رسالة أخرى موجهة إلى المفكرين وصناع القرار في أميركا اللاتينية، البعض منهم “نظر إلى الإصلاحات باعتبارها حساء برجوازي صغير” بينما شعر آخرون بأن العقبات والعراقيل كانت كبيرة إلى الحد الذي قد يوقف سير الإصلاح. (Adelman, 2013a: 379). وفي هذا الوسط المنقسم اعتبر هيرشمان “رحلات نحو التقدم Journeys Toward Progress”  (1963a) كمثابة كتيب “لداعية الإصلاح reformmonger’s manual”:

تخيل هيرشمان كتاب الرحلات، ليس فقط على سبيل الدعابة، كما لو أنه النقيض لكتيب تشي جيفارا الأكثر مبيعاً، حرب العصابات Guerilla Warfare. كان غرضه “تفكيك الانقسام الجامد بين الإصلاح والثورة وإبداء حقيقة مفادها أن التغيرات التي تحدث في العالم الحقيقي كثيراً ما تكون خارجة عن هاذين القالبين تماماً”. كان لزاماً على الأميركيين أن يقبلوا أن القوى الثورية لم تكن تشكل تهديدًا للتقدم؛ وعلى الأميركيين اللاتينيين أن يدركوا أن الثورة لم تكن الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا التقدم. (Adelman, 2013: 379–80) تطورت أفكار هيرشمان في نهاية المطاف لتصبح استدلالاً فلسفياً على مستوى أعلى. وهكذا جاء هيرشمان بـ”مبدأ اليد الخافية Principle of the Hiding Hand“، استنتاج لم يكن مجرد تلاعب لفظي على مبدأ “اليد الخفية Invisible hand” لآدم سميث. كان المبدأ الذي توصل إليه هيرشمان في هذا السياق يتلخص في وجود نوع من اليد الخفية أو غير المرئية التي تخفي عنا بشكل مجدي بعض الصعوبات في المراحل الأولية من خطط التنمية. (1967a: 13) وبفضل هذه “اليد الخافية” بدأت العديد من مشاريع التنمية على اقتناع بأنها ممكنة ولا تشكل أي قدر من التحدي. بيد أن ذلك يعزى إلى عدم الوعي بالصعوبات التي صودفت خلال تنفيذ المشروع. في أغلب الحالات، إذا كان لدى القائمين بالمشروع رؤية مسبقة للمشاكل التي تنتظرهم، فلن يبدأوا المشروع في المقام الأول. إن اليد الخافية تقوم بعملها من خلال الجهل بالجهل وعدم اليقين والصعوبات ((Hirschman, 1967c: 35). بيد أن المسألة ليست ببساطة أن اليد الخافية مضللة. إن لها الأثر الجانبي المفيد في توليد تحديات غير متوقعة، يُجبَر من خلالها مخططي المشاريع والمنفذين على أن يكونوا مبدعين ومبتكرين في حل المشاكل طيلة عملية التنمية (1967a). تعمل اليد الخافية كمعلم يدرس على سبيل التجربة كيف يصبح المرء منظِّما حقيقياً، لا يخشى من التحديات والمخاطر المحتملة:

إن اليد الخافية هي في الأساس آلية تجبر على المخاطرة من يتحاشاها، وتحوِّله أثناء ذلك إلى شخص لا يبال بالمخاطرة. بهذه الطريقة، يفتح ذلك درباً للهروب من أحد اللوازم والشروط المسبقة العظيمة للتنمية؛ فهو يسمح لما يسمى بالشرط المسبق [للتنمية] بأن يصبح قائما بعد الحدث الذي يفترض أن يكونَ الشرط الأساسي له. (Hirschman, 1967a: 26) وهكذا كان مفهوم هيرشمان عن يد الخافية ينطوي على رسالة تحث على التعلم بالممارسة إلى مفكري مبدأ اليد الخفية المعادين للتخطيط. إذا كان من المفترض أن تسفر اليد الخفية [لسميث] عن نتائج غير مقصودة على المستوى الفردي، ولكنها مفيدة على المستوى الاجتماعي، من خلال حرية تنظيم المشاريع في اقتصاد السوق التنافسي، فإن اليد الخافية، التي تتصل أساسا بمجال التخطيط، لها وظيفة هامة تتمثل في تطوير عادات الفكر والعمل في مجال تنظيم المشاريع (مثل الإبداع والابتكار وحل المشاكل والمجازفة، إلخ)، وبدون هذا لا يمكن لليد الخفية أن تبدأ عملها. كان مبدأ اليد الخافية لهيرشمان فيما بعد بمثابة الأساس الفكري ‘”لانحيازه نحو الأمل'”(1971a) و”الإمكانية possibilism” (1971b). انطوى نهجه الإمكاني على هدف فلسفي.12 على حد تعبيره: “يتلخص المنعرج الجوهري لكتاباتي في توسيع حدود ما هو ممكن أو يُنظَر إليه باعتباره ممكنا.” (1971b: 28).. في هذا الصدد، كانت إمكانية هيرشمان عبارة عن انتقاد منهجي لاثنين من الأحكام المسبقة المختلفة. أولها، كانت الإمكانية بمثابة طريقة بديلة للتفكير فيما يتعلق بمواقف البلدان الغنية والقوية تجاه التنمية. وثانيها، كانت الإمكانية أيضاً بديلاً ‎للفكرة المتمحورة حول الثورة والتي تقول إن التنمية الحقيقية والتقدم “مستحيل في غياب أي تغيير سياسي كامل مسبق”:

أنا اقترح إدخال تغييرات جوهرية على جهات مثل المساعدات والاستثمار الدوليين، ولكنني لا أرغب في الحكم مسبقا بشكل قاطع على مدى التحولات الاجتماعية والسياسية الأوسع نطاقا، ناهيك عن الكيفية لتلك التحولات التي قد تكون أو لا تكون شرطا مسبقا لازما لهذه المقترحات التي يجري اعتمادها… يتمثل جوهر النهج الإمكاني في التوصل إلى سبل للهرب من هذه البنى المعيقة في أي حالة فردية مقبلة. (Hirschman, 1971b: 29)

ومن ثم فإن الإمكانية تنطوي على “سبل للهرب” من “بنى معيقة” على شاكلة السلاسة النسبية للتنمية أو استحالتها في ظل الرأسمالية. ولكن حتى لو أثبتت الإمكانية كبديل لهذه التركيبات أنها قد تفضي إلى تحقيق النمو، فإن مسألة كيفية تقاسم الفوائد تظل قائمة. أي أن التفاوت في الدخول لا يمكن تجاهله. وربما أدى هذا التفاوت الذي دام طويلاً إلى إحباطات من شأنها أن عملت على فك الارتباط بين شرائح ضخمة من المجتمع وبين اقتناعها بإمكانية حياة أفضل. علاوة على ذلك، كانت العلاقة بين النمو الاقتصادي والتنمية السياسية معقدة، وخاصة في أميركا اللاتينية.  “رغم أن سجل النمو الاقتصادي تراوح من جيد إلى ممتاز، فإنه يبنغي أن يطلق على السجل السياسي أنه ترواح من بالكاد يطاق إلى كارثي” (Hirschman, 1981a: 37)، مع انتشار الأنظمة الاستبدادية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.

 ترتبط العلاقة المعقدة بين النمو والتنمية السياسية بانعدام المساواة. وعلى هذا فقد شعر هيرشمان بالحاجة إلى التركيز على حدود التساهل مع التفاوت في الدخول، فخرج بأحد مقالاته التي تعد كلاسيكية الآن والتي قدمت مقارنةً بسيطة إلا أنها تتسم بالعمق، ألا وهي “تأثير النفق”:

“لنفترض أنني أقود السيارة في نفق من مسارين، يسير المساران في الاتجاه نفسه، ويواجهني ازدحام مروري رهيب.. ‎ولا تتحرك أي سيارة في أي من الاتجاهين بقدر ما في استطاعتي رؤيته (وهو ليس بعيداً للغاية). أنا في المسار الأيسر وأشعر بالتعاسة. بدأت بعد فترة السيارات الموجودة في المسارالأيمن بالتحرك. بطبيعة الحال، يرفع هذا من معنوياتي كثيراً، فأنا أعلم أن الزحام قد كسر وأن دور مساري في التحرك سوف يأتي في أي لحظة الآن بكل تأكيد، ورغم أنني لا زلت حتى الآن لم أبرح مكاني،  فإنني أشعر بأنني أفضل حالاً من ذي قبل بسبب توقعي أنني سأتحرك قريبا. لكن لنفترض أن التوقع كان مخيبًا وأن المسار الأيمن فقط هو الذي يستمر في التحرك: في هذه الحالة سوف أشك أنا ومن يعاني مثلي في المسار الأيسر بأن هناك وجود لمؤامرة ما، وفي لحظة ما سيغضبنا هذا كثيراً ويجعلنا مستعدين لتقويم هذا الظلم الصريح من خلال اتخاذ إجراءات مباشرة (مثل عبور الخط المزدوج الفاصل بين المسارين بشكل غير قانوني).” (Hirschman, 1973b: 545)

يناظر هنا تأثير النفق فكرة “الاغتباط الذي يأتي على حساب الآخرين”، عندما بدأ الآخرون (في المسار الأيمن) في التحرك مجدداً. ولكن مثل هذه الاغتباط لن يدوم إلا لفترة محدودة من الوقت إذا ظل المسار الأيسر عالقاً. وجه الشبه هنا أنه في المراحل المبكرة للتنمية سيكون التساهل الاجتماعي إزاء انعدام المساواة مرتفعاً بالقدر الذي لا يتسبب فيه بالمشاكل وذلك بفضل توقع أن تضيق الفوارق مرة أخرى في نهاية المطاف”. ولكن إذا استمرت الفوارق فإن الاستجابات لانعدام المساواة تصبح حتمية، ومن المؤكد أن يتبع ذلك “المتاعب، بل وربما الكارثة” (Hirschman, 1973b: 545–46) وهذا يعني أن الاغتباط الأولي قد يتحول إلى “سخط”. وسواء أكان تأثير النفق قوياً بالقدر الكافي ليتجنب أو يؤخر السخط بدرجة كبيرة فإن هذا يتوقف على عوامل اجتماعية وتاريخية وثقافية ومؤسسية معينة. على سبيل المثال، في حين قد تضيف السيولة في خطوط الطبقة إلى فعالية تأثير النفق، فإن الجمود كفيل بالعمل ضده. والنقطة الأخرى هي أن درحة عالية من التجزؤ الاجتماعي على طول الخطوط العرقية أو الدينية من شأنها أن تعرقل تأثير النفق. هناك مثال آخر يتعلق بالرأسمالية والاشتراكية: في حالة المجتمعات المجزأة إلى حد كبير، فستتطلب الرأسمالية درجة أعظم من الإكراه مقارنة بما قد تتطلبه في بلدان وحدوية إلى حد ما، في حين أن الاشتراكية لن تكون بديلاً أكيداً جاهزا لأنه من غير المرجح أن تعمل مركزية صنع القرار على الإطلاق في المجتمعات المجزأة. وبهذه الطريقة تناول هيرشمان الأسس المؤسسية والاجتماعية والنفسية للعلاقات المعقدة بين النمو وانعدام المساواة والتنمية السياسية (ibid.: 552–59).

ومؤخراً، لفت راي Ray  (2010) الانتباه إلى الأهمية المعاصرة “لتأثير النفق” الذي تحدث عنه هيرشمان ، مشيراً إلى المزايا المترتبة على إعادة التفكير في “النمو غير المتوازن”13 خاصة من حيث “ردود الفعل النفسية المحتملة إزاء التغيير الاقتصادي”:

لا بد أن تشكل حقيقة أن النمو غير المتوازن من شأنه أن يرفع من طموحاتنا وأن يطلق العنان لإحباطاتنا أهمية أساسية في فهمنا للتنمية الاقتصادية. تتولد طموحات الفرد عادة وتتكيف مع تجارب الآخرين في “الحي الإدراكي” لهذا الفرد. يؤثر مثل هذا التكيف على عدد كبير من النتائج الاجتماعية الاقتصادية: معدل الادخار، وقرار الهجرة، وخيارات الخصوبة، وتطبيق التكنولوجيا، والالتزام بالقواعد، واختيار الهوية العرقية أو الدينية، وأخلاقيات العمل، وقوة دوافع التأمين المشتركة، والقرار الجماعي بالدخول في الصراع. ورغم هذا فإن النماذج التي يدونها ويطبقها الاقتصاديون تخلو بفجاجة من مثل هذه التأثيرات الاجتماعية على السلوك. (RAY, 2010: 57).

هيرشمان بوصفه خبير اقتصاد سياسي ومؤرخ الفكر

منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين فصاعدا، شعر هيرشمان بالحاجة إلى تجاوز حدود المجالات غير الاقتصادية لاكتساب فهم أفضل للواقع المجتمعي. وقد تخمضت مساعيه عن توجيه نداء من أجل وضع نهج متعدد التخصصات، أو ربما عابر للتخصصات، في العلوم الاجتماعية. لم يتردد في معاتبة الاقتصاديين المنتمين إلى التيار السائد لميل هؤلاء الاقتصاديين إلى الاختزال وتحاشي بلا هوادة التخصصات الأخرى في تحدٍ للتعقيدات التاريخية والسياسية والثقافية والنفسية والمؤسسية والأخلاقية للحياة الحقيقية. في مقال كتبه رداً على منحه جائزة تالكوت بارسونز للتميز في العلوم الاجتماعية Talcott Parsons Prize for Excellence in the Social Sciences، حذر زملاءه المنتمين للتيار السائد قائلاً: دعونا نتوخى الحذر من الشح المفرط! (Hirschman, 1984b: 95). معتمدا على انتقادات أمارتيا سِن (1977) اللاذعة للنظرية الاقتصادية القياسية14 اختتم هيرشمان مقالته بلفت الانتباه إلى صراع أساسي لابد على المرء التعايش معه” والذي ينشأ عن “حقيقة مفادها أنه يعيش في المجتمع”:

هو الصراع القائم بين الذات وغيرها، بين المصلحة الذاتية من ناحية، والأخلاق العامة، أو خدمة المجتمع، أو حتى التضحية بالذات من ناحية أخرى، أو بين “المصلحة” و”الخير” على حد تعبير آدم سميث. هنا أيضاً كان تركيز الاقتصاد في الغالب على مصطلح واحد من هذا الانقسام، في حين طرح مقترحات تبسيطية ومتناقضة حول كيفية التعامل مع الآخر. من الممكن حل هذا التناقض من خلال توجيه اهتمام أوثق نحو الطابع الخاص للأخلاق العامة باعتبارها “مدخلات”. (Hirschman, 1984b: 95)

كانت أول أعمال هيرشمان “تعدياً” قد خرج مبكراً في عام 1970: “الخروج، والصوت، والولاء  Exit, Voice, and Loyalty” أهدى الكتاب لصهره: “ايوجينيو كولورني (1909-1944)، من علّمني عن الأفكار الصغيرة وكيف يمكن أن تنمو” Hirschman, 1970: dedication page)). كانت نقطة بداية الكتاب عن أن الانخفاض في جودة السلع أو الخدمات التي تقدمها الشركات أو المنظمات أو الدول هو أمر شبه محتوم عند نقطة ما في دورة حياتهم. كان الهم الرئيسي الذي شغل هيرشمان هو كيف استجاب عملاء الشركات أو مواطني الدول لهذا الانحدار في الجودة، ونوع الاستجابة التي قد تعكس هذا الانحدارعن طريق نقل المعلومات المفيدة إلى صناع القرار في الشركات أو صناع القرار في الدول. ركز هيرشمان على “الخروج” و”الصوت” كبديلين متاحين للتعبير عن المعارضة في مواجهة انحدار الجودة. على سبيل المثال، في وقت مبكر، ساق ميلتون فريدمان Milton Friedman  من جامعة شيكاغو الحجج لصالح فعالية خيار “الخروج” في حالة تدهور جودة المدارس العامة—يتعين على الآباء ببساطة أن يختاروا خيار “الخروج” بسحب أطفالهم كتعبير مباشر عن شكاواهم، بدلاً من “القنوات السياسية المضنية” التي ينطوي عليها خيار “الصوت”. كان هيرشمان يعتبر حجة فريدمان “مثالاً شبه كامل لتحيز الاقتصاديين لصالح خيار الخروج وضد خيار الصوت” مجادلاً أبعد من ذلك أن: المؤسسات الإنسانية بأكملها، من الدولة إلى الأسرة، كان خيار الصوت بالنسبة لها، مهما كان “مضنيا”، هو كل ما اضطرت عناصرها إلى التعامل معه (Hirschman, 1970: 16–17). لقد تبين أن هذا الموضوع كان بمثابة محاولة مثيرة للاهتمام من جانب هيرشمان للتفكير في الاقتصاد والسياسة معاً. كما أسفر عن مساهمة أصيلة في الاقتصاد السياسي تجاوزت إلى حد كبير مجرد انتقاد ميل الاقصاديين من أمثال فريدمان إلى تفضيل خيار “الخروج” بلا قيد أو شرط (وهو ما يشير إليه التوجه القائم على المنافسة في الاقتصاد) على “الصوت” (باعتباره احتمالاً سياسيًا وغير اقتصادي). وعلى هذا فقد حلل هيرشمان (1970) بالتفصيل الظروف التي قد يكون فيها الصوت خياراً أفضل من الخروج لعكس اتجاه الانحدار في الجودة؛ واحتمالات عمل الصوت والخروج معاً كآليات تكميلية بدلاً من العمل كبدائل؛ والتنازلات بين الاثنين. في النهاية تبين أن الكتاب كان واحداً من أكثر الدراسات التي قام بها نفوذاً وتأثيراً. كان استقباله خلافاً لأي شيء شهده هيرشمان. كانت مراجعات الكتاب، القادمة من كل الأوساط، “إلى حد ما منتشية على نحو متماثل “. ((Adelman, 2013a: 446). ورغم ذلك فقد كان يشعر هيرشمان بالملل إزاء مسؤوليات التعليم والسياسات الإدارية والتأديبية في هارفارد في مطلع السبعينات. ذات يوم قال لزوجته ساره أن معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، وهو مؤسسة بحثية لا تتطلب التزامات تعليمية، كان “مكاناً يحلم أن يكون فيه”. قبل معهد الدراسات المتقدمة في برينستون طلبه في عام 1971 للحصول على زمالة زائر لمدة عام، مدعومًا من قبل عالم الأنثروبولوجيا البارز كليفورد جيرتز Clifford Geertz  الذي أصبح فيما بعد صديقًا مقربًا وزميلاً لهيرشمان. بعد الزيارة التي قام بها في 1972-1972، انتقل من هارفارد إلى معهد الدراسات المتقدمة في عام 1974 (Adelman, 2013a: 461–2). كتب أول مسودة لكتابه عن تاريخ الأفكار، “الأهواء والمصالح Passions and Interests”، أثناء فترة زيارته في معهد الدراسات المتقدمة، كما أكمل المخطوطة النهائية هناك. (Hirschman, 1977: vii). غير راض على التفسيرات الأساسية لنشأة الرأسمالية من الإقطاعية (تفسيرات ماركس وفيبر)، ركز هيرشمان على الأسباب التي جعلت بعض المفكرين البارزين ينادون بالتخلي عن العادات الإقطاعية للفكر والعمل، وكيف أدت الدعوة إلى قيم ومواقف جديدة إلى نشوء الرأسمالية، كما انعكس ذلك في العنوان الفرعي للكتاب: الحجج السياسية للرأسمالية قبل انتصارها Political Arguments for Capitalism before Its Triumph. كان الكتاب عبارة عن إنجاز استثنائي مفعم بالحيوية والأصالة في تأريخ الأفكار الاقتصادية السياسية، مع التركيز بشكل خاص على مونتسكيو وجيمس ستيوارت، إلى جانب كل الشخصيات ذات الصلة تقريباً، بما في ذلك ماكيافيلي وهوبز وتوكيفيل ومانديفيل وهوتشيسون وهيوم وسميث وغيرهم. في إطار خطة التحليل التي قدمها هيرشمان ، كان تاريخ فجر الرأسمالية يتسم بعملية طويلة الأمد من إضفاء الشرعية على المصالح الاقتصادية أكثر من الأهواء الملكية والإقطاعية. صور على نحو متزايد فلاسفة العصر هذه المصالح وفهموها على أنها “مروضات للأهواء”، أدى ذلك في النهاية إلى عد “المصلحة نموذجاً جديداً.” خلال هذه العملية الفكرية الطويلة، طُبِّعت كعواطف ناعمة وهادئة غير ضارة الأنشطة التي كانت سيئة الصيت مثل جني المال والتجارة (1977: 31-66). بهذه الطريقة، لفت هيرشمان الانتباه إلى الدور الحاسم الذي تلعبه الأفكار في إحداث التحول التاريخي الكبير من الإقطاع إلى الرأسمالية. ولقد ساهم كتاب “الأهواء والمصالح” في زيادة شهرة هيرشمان، وقد تبين أن الكتاب كان موضع ثناء. كما كتب أديلمان (2013a: 520): فقد استُقبِلَت رواية هيرشمان عن الأصول الفكرية للرأسمالية بمراجعات عشوائية من أوساط لم يكن هيرشمان معروفاً بها من قبل. كان هيرشمان (1982a) قد نشر أحد مقالاته التي تعد كلاسيكية الآن “التفسيرات المتنافسة لمجتمع السوق: الحضاري، المدمر، الضعيف؟”، في محاولة منه لإلقاء الضوء على الكيفية التي صمم بها مجموعة متنوعة من المفكرين “مجتمع السوق” طيلة التاريخ. ولقد كشف بحث هيرشمان عن أنه خلال القرن الثامن عشر كان يُنظر لمجتمع السوق على أنه حضاري، كما كان يُعتقد أنه يساهم في السلام والوئام من خلال تنمية العلاقات التجارية. كانت هذه أطروحة “التجارة الناعمة”. doux‐commerce  ورغم هذا فإن تجربة مجتمع السوق في القرن التاسع عشر مهدت الطريق أمام مفكرين ناقدين ليظهروا. ركزت الحجج ضد مجتمع السوق في الأساس على ميله “لتدمير الذات”، فوفقا لذلك كان هناك تنافر تاريخي بين تنظيم الرأسمالية الموجه نحو المصلحة المادية والمصلحة الذاتية من ناحية، وبين ركائزها الثقافية والأخلاقية من ناحية أخرى.وردَّ أنصار مجتمع السوق على ذلك بالقول أن المشكلة لم تكن في الديناميكية المادية وتوجهات المصلحة الذاتية لمجتمع السوق، بل في طبيعتها “الواهنة”. ووفقا لهؤلاء التبريريين فإن السمات الإقطاعية الباقية (في هيئة قيم ومواقف قديمة مستمرة) هي التي عملت كأغلال ومنعت مجتمع السوق من توليد السلام والوئام. ورغم ذلك فقد عبر هيرشمان عن خط تفكير آخر عمل وفقاً له الماضي الإقطاعي، ليس بوصفه “أغلالا”، بل بوصفه “نعمة” يسرت التنمية الرأسمالية الديمقراطية. في استعراض مفصل أظهر هيرشمان أن تاريخ الأفكار كان عامراً بتحليلات متناقضة ونبوءات فاشلة عن مجتمع السوق، الأمر الذي يجعلنا في حالة من التعقيد التاريخي الهائل. وفي الختام، أشار إلى ما ينطوي عليه هذا التعقيد من آثار على العلوم الاجتماعية:

“لقد بات من الواضح الآن لماذا نجد من الصعب للغاية، على الرغم من تشدقنا بالديالكتيك، أن نعترف بأن العمليات المتناقضة قد تكون في واقع الأمر فعالة في المجتمع. هي ليست مجرد صعوبة في الفهم، ولكن المقاومة النفسية الشديدة والعزوف عن تقبل فكرة أنه قد تكون كلا من فرضية التجارة الناعمة وفرضية التدمير الذاتي (أو فرضية الأغلال الإقطاعية وفرضية النعم الإقطاعية) صحيحة من شأنه أن يزيد من صعوبة تأثير المراقب الاجتماعي أو الناقد أو “العالِم” على عامة الناس من خلال تبجيل بعض النتائج الحتمية للعمليات الحالية. ولكن بعد هذه النبوءات الفاشلة العديدة، أليس من مصلحة علم الاجتماع أن يتبنى التعقيد، سواء كان ذلك عن طريق التضحية بمزاعمه بالقدرة التنبؤية؟” (Hirschman, 1982a: 1483) يمكن قراءة هذه الجمل كدعوة إلى التفكير المنفتح في التفكير العلمي الاجتماعي. ومع ذلك، فقد خنقت الأوساط الجديدة النيولبرالية في الثمانينيات إمكانية إعادة التفكير في هذا التفكير المنفتح، مما خيب أمل هيرشمان . في الحقيقة، كان نهج هيرشمان الاقتصادي السياسي في التعامل مع التنمية والتغيير، والذي بدأ في بنائه منذ أربعينيات القرن العشرين وما بعدها، يشتمل على نوع من النقد التنبؤي ضد الحجج التي ساقها المحافظون الجدد والتي عممت على نطاق واسع أثناء فترة ثاتشر-ريجان.  في هذا السياق كتب هيرشمان (1991) كتاباً مناهضاً للمحافظين، وهو “خطاب رد الفعل The Rhetoric of Reaction”، حيث كشف وانتقد الطيش التاريخي للتيار المحافظ، إلى جانب طيش اليسار المتطرف.”

إرث هيرشمان لأجيال المستقبل

كان هيرشمان على وجه الإجمال تعددياً براغماتياً، حيث اشتمل برنامجه البحثي على فرضية مفادها أنه في التعامل مع الواقع السياسي الاقتصادي لا يوجد ما نستطيع أن نطلق عليه نهجاً عالمياً. وقد بدا في بعض الأحيان أن تعدديته البرجماتية قد حجبت إبداعه بسبب المواقف التي تبناها والتي تبدو غير متسقة. على سبيل المثال، تعاطف مع نهج هايك الليبرالي في الوقت الذي اجتهد فيه بالتعلم من شخصية مناهضة لهايك مثل سرافا، وكان يتصور أن “لا شيء يجري كما هو مخطط له” على الرغم من حقيقة أن استراتيجية النمو غير المتوازن التي تبناها تتضمن التخطيط بامتياز، ولم ينتقد فحسب الخبراء الذين رأوا التنمية باعتبارها عملية سهلة نسبياً داخل النظام الرأسمالي، بل انتقد أيضاً وجهات النظر المناهضة للنظام والتي اعتبرت التنمية مهمة مستحيلة في ظل الرأسمالية. ولكن مثل هذه التناقضات الظاهرية يمكن أن تُعزى إلى تفتحه، وإمكانيته، وتفاؤله المتشكك. يمكن اعتبار تقديره لفردية هايك ورغبته في التعلم من سرافا في الوقت ذاته علامة ًعلى انفتاحه الذهني، والذي تبين أنه سمة مميزة لموقفه الفكري طيلة حياته. كان موقفه الدقيق إزاء التخطيط نابعاً من اقتناعه بإمكانية التعلم من الإخفاقات التنموية. وكان ارتيابه من الصورة السوداء والبيضاء التي رسمها الثوريون والمصلحون نتيجة لرأيه المتفائل بأن الواقع الاجتماعي يتسم غالباً بالمساحات الرمادية. وعلى أية حال، يبدو أننا وأجيال المستقبل نستطيع أن نستخلص بعض الرؤى المهمة من التعددية البرجماتية التي اتسم بها هيرشمان . أما فيما يتصل بقضايا التنمية، فإن التوجه الذي تبناه هيرشمان المناهض للروستوفية يبدو وكأنه يُعكس في بعض الآراء غير التقليدية في المناقشات الدائرة في الآونة الأخيرة حول الكيفية التي تطورت بها البلدان المتقدمة حالياً في مراحلها المبكرة من التصنيع قبل بضعة قرون، وكيف يمكن للبلدان الأقل تقدماً اليوم أن تنجح في جهودها التنموية للحاق بالبلدان المتقدمة حالياً. فعلى سبيل المثال، أظهرت مجموعة كبيرة من الأبحاث أن البلدان المتقدمة حاليا، لم تؤيد في المراحل المبكرة من تطورها “العقلانية الاقتصادية”، التي من المفترض أن تؤدي إلى تخصيص الموارد بكفاءة من خلال منطق السوق الحر. لقد تطورت الدول المتقدمة حاليا بفضل بعض التشوهات في السوق قادتها الدولة، مثل السياسات الصناعية والتكنولوجية النشطة، فضلاً عن التدخلات الحكومية في التجارة والاستثمار الأجنبي. علاوة على ذلك، فإن قصص النجاح التي شهدها التصنيع المتأخر في القرن العشرين تضمنت عادة “تعمد الخطأ في تحديد الأسعار” خصوصاً وامتلاك مظهر يوحي بالخطأ (باستخدام تعبير هيرشمان) عموماً. 15وقد طُوِّرت هذه التوجهات غير التقليدية من الناحيتين النظرية والعملية من خلال إعادة النظر بحرص في مسارات هيرشمان المبتكرة وغير المطروقة، مثل “التنمية باعتبارها سلسلة من الاختلالات” “العقلانيات المستترة”، “النعم المتخفية”، “الهوس بالفشل”، “مبدأ اليد الخافية” إلى آخر ذلك . وبينما فضل هيرشمان منح الأولوية لتحديد ودعم القطاعات التي تتمتع بشتى أشكال “الروابط”، فقد ساق داني رودريك وزملاؤه مؤخراً الحجج لمنح الأولوية لتحديد “القيود الملزمة” والتخلص منها، كما نوقش أعلاه. ‎فبدلاً من الركض خلف حلول مثلى ولكن غير مجدية عادة، والتي تصف استهداف كل المشاكل في وقت واحد، فإن فهم التنمية باعتبارها مسألة ترتيب الأولويات يشكل نوعاً من الفلسفة التنموية التي يتقاسمها هيرشمان مع نهج القيود الملزمة الأكثر حداثة.  من الممكن أن يعتبر هذا النهج تحويرا لموضوع وضعه هيرشمان في الأصل، الذي من المرجح في هذا الشأن أن يستمر إرثه إلى العقود المقبلة. يظل انعدام المساواة بين البلدان وداخلها موضعاً من مواضع النقاش في عصرنا. ومن المتفق عليه عموماً من جانب منتقدي النيولبرالية أن انعدام المساواة قد ازداد بشكل كبير خلال العقود الثلاثة الماضية. وقد احتدت المناقشة، خاصة مع اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008  16ومع موجات المقاومة الاجتماعية التي تلت ذلك في البلدان المتقدمة (مثل “حركة احتلوا وول ستريت”)، والبلدان الأقل نموا (مثل “الربيع العربي”) وفي الاتحاد الأوروبي (مثل الاحتجاجات الحاشدة في اليونان وأسبانيا، إلى آخر ذلك). إن “تأثير النفق” الذي تبناه هيرشمان، جنباً إلى جنب مع نهج النمو غير المتوازن، من الممكن أن يخدم في هذا السياق كنقطة انطلاق وظيفية لدمج الأبعاد غير الاقتصادية للنمو وانعدام المساواة في التحليل الاقتصادي (انظر Ray, 2010). ربما لا يزال هناك بعض الدروس التي يمكن استخلاصها من نضال هيرشمان في إطار الانقسام بين الثورة والإصلاح على مدى القرن الحادي والعشرين. في وقت تنتظر فيه العديد من الصعوبات العالمية والوطنية الملحة إصلاحات تصحيحية على المستويين المؤسسي والاقتصادي وبعد بضع سنوات فقط من التهديدات المؤقتة وإن كانت ثورية لحركات “الربيع العربي” و”احتلوا وول ستريت”، من يستطيع أن يكون على يقين من أننا لن نحتاج إلى مثل هذه الدروس بعد الآن؟

 ‎قد يفيد في هذا السياق تحليل هيرشمان “لإشاعة الإصلاح” في إيجاد حلول سلمية للمشاكل العالمية والوطنية. والواقع أن نهج هيرشمان الإمكاني كان “المقصود منه المساعدة في الدفاع عن الحق في مستقبل غير مقدر بوصفه أحد الحقوق الثابتة بحق لكل شخص وأمة؛ ولتمهيد الساحة أمام تصورات للتغيير تعترف بابتكارية التاريخ “والشغف بالممكن” كفاعلين حيويين لها  (Hirschman, 1971b: 37). وعلى هذا فإن إرث هيرشمان يشتمل على مصادر للإلهام هائلة  في عصرنا. قد يستخدم صندوق العدة “الهيرشماني” بشكل جيد في إعادة تشكيل الأسس التجريبية والسلوكية والأخلاقية لاقتصاد التنمية بشكل خاص والاقتصاد بشكل عام. في خضم غمرة وحرارة المناقشات الأخيرة، كانت استكشافات هيرشمان لتاريخ الأفكار إلى جانب إصراره على الدخول في مجالات غير اقتصادية من أجل فهم تعقيد الواقع، فضلاً عن نفوره من الشح المفرط، كل ذلك شكل نقاطاً حاسمة كان من الأجدر أن يوليها الاقتصاديون وعلماء الاجتماع مزيدًا من الاهتمام. أليس من المناسب أن نعيد التفكير بجدية في حق أحفادنا في مستقبل “مشرق”؟

المصدر


١ )  في كتابه الموسوعي المؤلَّف بدقة عن حياة هيرشمان ، كتب المؤرخ في برينستون جيريمي أديلمان (2013a: 172): “إن قائمة من تم إنقاذهم تقرأ كقائمة أسماء مهمة: حنا آرندت  Hannah Arendt، وأندريه بريتون André Breton، ومارك شاجال Marc Chagall، ومارسيل دوشامب Marcel Duchamp، وماكس إرنست Max Ernst، وسيغفريد كراكور Siegfried Kracauer، ويلفردو لام Wifredo Lam، وجاك ليبشيتز Jacques Lipchitz، وألما ماهلر غروبيوس فيرفيل Alma Mahler Gropius Werfe ( الزوجة المتسلسلة لكل من الموسيقي غوستاف ماهلر Gustav Mahler، والمهندس المعماري والتر غروبيوس Walter Gropius، والروائي فرانز فيرفيل Franz Werfel )، وهاينريش مان Heinrich Mann ، والتر ميهرينغ Walter Mehring..والقائمة تطول.

٢ ) إن “إثبات خطأ هاملت” هو عنوان الفصل الثالث في السيرة الذاتية لـ هيرشمان التي كتبها أدلمان

‏(2013a: 85–118)

٣ ) انظر سيرة هيرشمان المهنية على الملف:

النقر للوصول إلى aohcv.pdf

٤ ) ومن بين هذه المؤشرات المختلفة ما أطلق عليه مؤشر هيرفيندال- هيرشمان ، الذي لا تزال أشكال مختلفة منه تستخدم على نطاق واسع لقياس درجة المنافسة في الصناعات. ومن المثير للاهتمام أن هيرشمان اضطر في منتصف الستينيات إلى نشر مذكرة من صفحة واحدة لزملائه الذين أشاروا إليه إما بمؤشر جيني أو مؤشر هرفيندال. شرح هيرشمان أن المؤشر طوِّر في الأساس في في كتابه “السلطة الوطنية وهيكل التجارة الخارجية” (1945). واختتم ذلك التذكير بنقاط جديرة بالملاحظة: “فالنتيجة النهائية هي أن المؤشر الذي صنعتُه سُمي إما باسم جيني الذي لم يخترعه على الإطلاق أو باسم هيرفيندال الذي أعاد اختراعه. حسنًا، إنه عالم قاس.” (Hirschman, 1964: 761).

٥ ) في مقال له في عام 1978، انتقد هيرشمان أيضاً نهجه الخاص في عام 1945، إلى جانب نظرية التبعية، زاعماً أن تصوير التبعية باعتبارها نتيجة حتمية للنظام العالمي القائم لم يكن فكرة جيدة. فقد يتضمن النظام المولد للتبعية آلية متضمنة لمكافحة التبعية على هيئة “تفاوت في الاهتمام”، وهو ما يحابي البلدان المتخلفة. هذا يعني أن البلدان الصغيرة والتابعة قد تواجه فرصاً نسقية للهروب من علاقات التبعية في حين يتركز اهتمام البلدان الكبيرة والمهيمنة على المنافسة فيما بينها. شكَّل العداء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلفية لهذه الرؤية (Hirschman, 1978).

٦ ) كانت هذه الورقة البحثية أول مقال كتبه هيرشمان عن التنمية الاقتصادية على وجه التحديد. (Hirschman, 1954 [1971]: note on p. 41).  ولقد ساق بعض هذه الحجج لإدراجها في “استراتيجية التنمية الاقتصادية” (1958).

٧ ) الواقع أن هيرشمان أثبت خلال حياته المهنية اللاحقة أنه ما نستطيع أن نطلق عليه وصف “شاحذ للفكر”. كما يتضح من العنوان الفرعي لمجموعة من المقالات نشرت في منتصف التسعينيات: إعادة النظر في تجربة التنمية: مقالات أثارتها أعمال ألبرت أ. هيرشمان . ‏(Rodwin and Schön, 1994) ومن المثير للاهتمام أن الندوة التي أدت إلى هذا المنشور عام 1994 قد نظمها وهيمن عليها أيضاً أعضاء هيئة التدريس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT.

٨ ) أصبح داني رودريك أول متلقي لجائزة ألبرت أ. هيرشمان (من مجلس أبحاث العلوم الاجتماعية) في عام 2007. في محاضرته التي ألقاها بمناسبة حصوله على جائزة ألبرت أ. هيرشمان ، شرح رودريك (2007/2008: 6-7) بإيجاز كيف يرتبط عمله بإرث هيرشمان . ومثله كمثل هيرشمان في عام 1974، انتقل رودريك في يوليو/تموز 2013 من هارفارد إلى معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، حيث كان (وقت كتابة هذا التقرير في منتصف عام 2014) أستاذًا في كرسي ألبرت أ. هيرشمان للعلوم الاجتماعية. ومن المثير للاهتمام أن رودريك تلقى جائزة ليونتيف في تعزيز آفاق الفكر الاقتصاديLeontief Prize for Advancing the Frontiers of Economic Though (من جامعة تافتس Tufts University) في عام 2002، الذي مُنحت في عام 2013 لـ هيرشمان بعد وفاته  (بالاشتراك مع فرانسيس ستيوارت، الاقتصادية التنموية في أكسفورد وابنة نيكولاس كالدور Nicholas Kaldor).

٩ ) ‎كان منظوره المتعلق بالعقلانيات المستترة (ضد التوجهات القائمة على العقلانية والمهووسة بالتوازن) أيضاً من بين النقاط الرئيسية في أحد مقالاته عن إحلال الواردات الذي أصبح كلاسيكياً الآن (1968). على سبيل المثال، زعم أنه يمكننا تقديم تبرير ملموس لوجهة نظر عالم الاجتماع البرازيلي [فرناندو هـ. كاردوسو Fernando H. Cardoso] التي بموجبها لا يكون رجل الأعمال التقليدي الغربي، المشبع بالأخلاقيات البيوريتانية، العقلاني، والذي يسعى لتعظيم الأرباح، في واقع الأمر النوع المطلوب في حالة أميركا اللاتينية؛ فهو يرى أن المطلوب هو منظِّمون يعرِّفون أنفسهم بالطموحات التنموية العامة لمجتمعهم، سواء كان ذلك حتى على حساب بعض العقلانية في عملياتهم التجارية اليومية.

‏(ibid.: 19–20).

١٠ ) انظر هيرشمان (1981b) للاطلاع على دراسته لتطور اقتصاديات التنمية بشكل عام، ولانحيازه إلى جانب جيرشنكرون ضد روستو (1960)، ولنفس السبب الذي صاغ من أجله بشكل خاص مصطلح “الاقتصاد القابل للتطبيق كونيا”.

١١ ) كانت أشكال مختلفة لـ”متلازمة الاقتصادي الزائر” محل مناقشة محتدمة في مناسبات عديدة منذ ستينيات القرن العشرين، وخاصة في حالة الوصفات القياسية لصندوق النقد الدولي والافتقار إلى الفوارق الدقيقة في نهج البنك الدولي في التعامل مع التنمية. وقد لوحظ أن مشاريع التنمية التي وضعها هيرشمان (1967b) كانت نتاج عمل ميداني واسع النطاق في أحد عشر مشروعا للبنك الدولي في مجموعة متنوعة من الدول. ولقد أصاب الكتاب البنك الدولي بخيبة الأمل، حيث جاء هيرشمان ببعض الملاحظات الهامة والتلميحات السياسية غير المرغوبة. للاطلاع على دراسة حديثة عن هذا التضارب بين هيرشمان والبنك الدولي في ستينيات القرن العشرين، انظر  Alacevich, Michele (2012) ‘Visualizing Uncertainties, or How Albert Hirschman and the World Bank Disagreed on Project Appraisal and Development Approaches’. Policy Research Working Paper 6260. Washington, DC: The World Bank.

١٢ ) للاطلاع على تحليل حديث ومفصل نسبياً للنهج الذي تبناه هيرشمان خلال حياته وتطوره الفكري، انظر  Lepenies, Philipp H. (2008) ‘Possibilism: An Approach to Problem‐Solving Derived from the Life and Work of Albert O. Hirschman’, Development and Change 39(3): 437–59. ‎الذي يسلط الضوء على إرث هيرشمان بقوله أن الإمكانية لا تزال تشكل أداة متعددة المجالات صالحة ومفيدة للعلوم الاجتماعية المعاصرة غير التقليدية.

١٣ ) ومن الأمثلة الأخرى على فائدة مفهوم هيرشمان “للنمو غير المتوازن” هو ‎ايلرمان (2004) الذي يركز على الكيفية التي يحقق بها هذا المنظور فهماً مختلفاً للمساعدة التنموية بشكل خاص.

١٤ ) وكما هو معروف، فقد اهتم أمارتيا سِن Amartya Sen بالقضايا الأخلاقية في عمله وفاز بجائزة نوبل في عام 1998.  كان هناك ما كان يلفت انتباه القراء: كانت أخت هيرشمان أورسولا قد أنجبت مع أوجينيو كولورني ثلاث بنات، واحدة منهن تدعى إيفا كولورني (1941-1985). أصبحت إيڤا اقتصادية مثل خالها، وفي السبعينات تزوجت من أمارتيا سن (Adelman, 2013a: 550) . وبهذه الطريقة، كان لـ هيرشمان نسيب حائز على جائزة نوبل، رغم أنه نفسه لم يحصل قط على الجائزة.

١٥ ) انظر على سبيل المثال Amsden (1989); Chang (2003, 2007); Chang and Grabel (2004); Reinert (2007); Wade (1990).

١٦ ) سبيل المثال، عند الانتهاء من كتابة هذا المقال، بدأت مناقشة حيوية للغاية بين الاقتصاديين من مختلف الانتماءات حول كتاب توماس بيكيتي الأكثر مبيعاً عن التفاوت في الدخل والثروة (Piketty, 2014).

الإحالات:

Adelman, Jeremy (2013a) Worldly Philosopher: The Odyssey of Albert O. Hirschman. Princeton, NJ and Oxford: Princeton University Press.

Adelman, Jeremy (2013b) ‘ Introduction’, in Jeremy Adelman (ed.) The Essential Hirschman, pp. vii– xvii. Princeton, NJ and Oxford: Princeton University Press.

Alacevich, Michele (2012) ‘ Visualizing Uncertainties, or How Albert Hirschman and the World Bank Disagreed on Project Appraisal and Development Approaches’. Policy Research Working Paper 6260. Washington, DC: The World Bank.

Amsden, Alice H. (1989) Asia’s Next Giant: South Korea and Late Industrialization. New York: Oxford University Press.

Chang, Ha‐Joon (2003) Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective. London: Anthem Press.

Chang, Ha‐Joon (2007) Bad Samaritans: Rich Nations, Poor Policies, and the Threat to the Developing World. London: Random House Business Books.

Chang, Ha‐Joon and Ilene Grabel (2004) Reclaiming Development: An Alternative Economic Policy Manual. London: Anthem Press.

Ellerman, David (2004) ‘ Revisiting Hirschman on Development Assistance and Unbalanced Growth’, Eastern Economic Journal 30(2): 311– 31.

Gladwell, Malcolm (2013) ‘ The Gift of Doubt: Albert O. Hirschman and the Power of Failure’, The New Yorker 24 June. http://www.newyorker.com/arts/critics/books/2013/06/24/130624crbo_books_gladwell (accessed 30 November 2013).

Hausmann, Ricardo, Dani Rodrik and Andres Velasco (2008) ‘ Growth Diagnostics’, in J. Stiglitz and N. Serra (eds) The Washington Consensus Reconsidered: Towards a New Global Governance, pp. 324– 55. New York: Oxford University Press.

Hirschman, Albert O. (1945) National Power and the Structure of Foreign Trade. Berkeley, CA: University of California Press.

Hirschman, Albert O. (1954) [1971] ‘ Economics and Investment Planning: Reflections Based on Experience in Colombia’, in Albert O. Hirschman A Bias for Hope: Essays on Development and Latin America, pp. 41– 62. New Haven, CT: Yale University Press.

Hirschman, Albert O. (1958) The Strategy of Economic Development. New Haven, CT: Yale University Press.

Hirschman, Albert O. (1961) ‘ Ideologies of Economic Development in Latin America’, in Albert O. Hirschman (ed.) Latin American Issues: Essays and Comments, pp. 3– 42. New York: The Twentieth Century Fund.

Hirschman, Albert O. (1963a) ‘ Introduction’, in A.O. Hirschman Journeys Toward Progress: Studies of Economic Policy‐Making in Latin America, pp. 1– 7. New York: The Twentieth Century Fund.

Hirschman, Albert O. (1963b) ‘ Problem‐Solving and Policy‐Making: A Latin American Style?’, in A. O. Hirschman Journeys Toward Progress: Studies of Economic Policy‐Making in Latin America, pp. 227– 49. New York: The Twentieth Century Fund.

GooglHirschman, Albert O. (1963c) ‘ The Contriving of Reform’, in A.O. Hirschman Journeys Toward Progress: Studies of Economic Policy‐Making in Latin America, pp. 251– 75. New York: The Twentieth Century Fund.

Hirschman, Albert O. (1963d) ‘ Models of Reformmongering’, The Quarterly Journal of Economics 77(2): 236– 57.

Hirschman, Albert O. (1963e) Journeys Toward Progress: Studies of Economic Policy‐Making in Latin America. New York: The Twentieth Century Fund.

Hirschman, Albert O. (1964) ‘ The Paternity of an Index’, American Economic Review 54(5): 761– 62.

Hirschman, Albert O. (1967a) ‘ The Principle of the Hiding Hand’, in A.O. Hirschman Development Projects Observed, pp. 9– 34. Washington, DC: The Brookings Institution.

Hirschman, Albert O. (1967b) Development Projects Observed. Washington, DC: The Brookings Institution.

Hirschman, Albert O. (1967c) ‘ Uncertainties’, in A.O. Hirschman Development Projects Observed, pp. 35– 85. Washington, DC: The Brookings Institution.

Hirschman, Albert O. (1968) ‘ The Political Economy of Import‐Substituting Industrialization in Latin America’, The Quarterly Journal of Economics 82(February): 2– 32.

Hirschman, A.O. (1970) Exit, Voice, and Loyalty: Responses to Decline in Firms, Organizations, and States. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Hirschman, Albert O. (1971a) A Bias for Hope: Essays on Development and Latin America. New Haven, CT: Yale University Press.

Hirschman, Albert O. (1971b) ‘ Introduction: Political Economics and Possibilism’, in A.O. Hirschman A Bias for Hope: Essays on Development and Latin America, pp. 1– 37. New Haven, CT: Yale University Press.

Hirschman, Albert.O. (1973a) ‘ An Alternative Explanation of Contemporary Harriedness’, The Quarterly Journal of Economics 87 (November): 634– 37.

Hirschman, Albert O. (1973b) ‘ The Changing Tolerance for Income Inequality in the Course of Development’, The Quarterly Journal of Economics 87 (November): 544– 65.

Hirschman, Albert O. (1975) ‘ Policymaking and Policy Analysis in Latin America: A Return Journey’, Policy Sciences 6: 385– 402.

Hirschman, Albert O. (1977) The Passions and the Interests: Political Arguments for Capitalism before its Triumph. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Hirschman, Albert O. (1978) ‘ Beyond Asymmetry: Critical Notes on Myself as a Young Man and on Some Other Old Friends’, International Organization 32(1): 45– 50.

Hirschman, Albert O. (1981a) Essays in Trespassing: Economics to Politics and Beyond. Cambridge: Cambridge University Press.

Hirschman, Albert O. (1981b) ‘ The Rise and Decline of Development Economics’, in A.O. Hirschman Essays in Trespassing: Economics to Politics and Beyond, pp. 1– 24. Cambridge: Cambridge University Press.

Hirschman, Albert O. (1981c) ‘ Morality and the Social Sciences: A Durable Tension’, in A.O. Hirschman Essays in Trespassing: Economics to Politics and Beyond, pp. 294– 306. Cambridge: Cambridge University Press.

Hirschman, Albert O. (1982a) ‘ Rival Interpretations of Market Society: Civilizing, Destructive, or Feeble?’, Journal of Economic Literature 20(4): 1463– 84.

Hirschman, Albert O. (1982b) Shifting Involvements: Private Interests and Public Action. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Hirschman, Albert O. (1984a) Getting Ahead Collectively: Grassroots Experiences in Latin America. New York: Pergamon Press.

Hirschman, Albert O. (1984b) ‘ Against Parsimony: Three Easy Ways of Complicating Some Categories of Economic Discourse’, American Economic Review 74(2): 89– 96.

Hirschman, Albert O. (1991) The Rhetoric of Reaction: Perversity, Futility, Jeopardy. Cambridge, MA and London: The Belknap Press of Harvard University Press.

Hirschman, Albert O. (1992a) [1986] ‘ Linkages in Economic Development’, in A.O. Hirschman Rival Views of Market Society and Other Essays, pp. 56– 76. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Hirschman, Albert O. (1992b) [1986] ‘ A Dissenter’s Confession: The Strategy of Economic Development Revisited’, in A.O. Hirschman Rival Views of Market Society and Other Essays, pp. 3– 34. Cambridge, MA: Harvard University Press. Originally published in G.M. Meyer and D. Seers (eds) Pioneers in Development (1984). New York: Oxford University Press.

Hirschman, Albert O. (1992c) [1986] ‘ In Defense of Possibilism’, in A.O. Hirschman Rival Views of Market Society and Other Essays, pp. 171– 75. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Hirschman, Albert O. (1992d) [1986] ‘ The Concept of Interest: From Euphemism to Tautology’, in Albert O. Hirschman Rival Views of Market Society and Other Essays, pp. 35– 55. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Hirschman, Albert O. (1992e) [1986] Rival Views of Market Society and Other Essays. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Hirschman, Albert O. (1995) A Propensity to Self‐Subversion. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Hirschman, Albert O. (2001) [1998] ‘ Trespassing: Places and Ideas in the Course of a Life’ (An Interview by Carmine Donzelli, Marta Petrusewicz and Claudia Rusconi), in A.O. Hirschman Crossing Boundaries: Selected Writings, pp. 45– 110. New York: Zone Books.

Lepenies, Philipp H. (2008) ‘ Possibilism: An Approach to Problem‐Solving Derived from the Life and Work of Albert O. Hirschman’, Development and Change 39(3): 437– 59.

Piketty, Thomas (2014) Capital in the Twenty‐First Century. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Ray, Debraj (2010) ‘ Uneven Growth: A Framework for Research in Development Economics’, Journal of Economic Perspectives 24(3): 45– 60.

Reinert, Erik S. (2007) How Rich Countries Got Rich and Why Poor Countries Stay Poor. London: Constable and Robinson.

Rodrik, Dani (2006) ‘ Goodbye Washington Consensus, Hello Washington Confusion?’, Journal of Economic Literature XLIV(December): 969– 83.

Rodrik, Dani (2007a) One Economics, Many Recipes: Globalization, Institutions, and Economic Growth. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Rodrik, Dani (2007b) ‘ Saving Globalization from its Cheerleaders’, Journal of International Trade and Diplomacy 1(2): 1– 33.

Rodrik, Dani (2007/2008) ‘ One Economics, Many Recipes: What We Have Learned Since Albert Hirschman’, Items & Issues 6(1/2): 1– 7.

Rodrik, Dani (2008) ‘ A Practical Approach to Formulating Growth Strategies’, in J. Stiglitz and N. Serra (eds) The Washington Consensus Reconsidered: Towards a New Global Governance. New York: Oxford University Press.

Rodrik, Dani (2010) ‘ Diagnostics before Prescription’, Journal of Economic Perspectives 24(3): 33– 44.

Lloyd Rodwin and Donald A. Schön (eds) (1994) Rethinking the Development Experience: Essays Provoked by the Work of Albert O. Hirschman. Washington, DC: The Brookings Institution and Cambridge, MA: The Lincoln Institute of Land Policy.

Rostow, Walt Whitman (1960) The Stages of Economics Growth: A Non‐Communist Manifesto. Cambridge: Cambridge University Press.

Sen, Amartya K. (1977) ‘ Rational Fools: A Critique of the Behavioral Foundations of Economic Theory’, Philosophy and Public Affairs 6(Summer): 317– 44.

Wade, Robert (1990) Governing the Market: Economic Theory and the Role of Government in East Asian Industrialization. Princeton, NJ: Princeton University Press.