مقدمة الطبعة الجديدة من كتاب الهشاشة الخيرية – مارثا نوسباوم / ترجمة: عزالعرب لحكيم بناني

مقدمة الطبعة الجديدة من كتاب الهشاشة الخيرية – مارثا نوسباوم / ترجمة: عزالعرب لحكيم بناني

(كتاب الهشاشة الخيرية ، صادر عن مؤسسة ريم وعمر بالتعاون مع دار جداول للنشر 2019)


مقدمة الطبعة الجديدة لكتاب الهشاشة الخيرية [1]

 

I

مرّت هذا العام خمس عشرة سنةً[2] على نشر كتاب الهشاشة الخيرية . تغير الكثير، على امتداد هذه السنوات، سواءً في فكري أو في العالم الفلسفي الواسع. بالنظر إلى فكري الخاص، زودني التزامي المتزايد بالأخلاق الرواقية واهتمامي المتعاظم بقضايا الفلسفة السياسية بمنظور جديد إلى بعض المواضيع الأخلاقية التي نناقشها هنا. في غضون ذلك، تحوّل الاشتغال على الفكر الأخلاقي في اليونان القديمة بصورة متعاظمة إلى واجهة مركزية في الفلسفة الأخلاقية الأوروبية القارية والأنكلو-أميركية، بعدما كان حكرًا على جامعة صغيرة من الاختصاصيين[3]. هذه الدراسات غير متجانسة وتستدعي نماذج إغريقيةً لتدعيم عدد من المواقف المتباينة التي أعترض على بعض منها بشدة. وعليه، بالرغم من أنني لم أدخل تغييرًا على النص في النشرة الجديدة[4]، تمنحني هذه المقدمة فرصةً سانحةً لتطعيم كتاب الهشاشة الخيرية بآرائي الجديدة حول هذه المسارات وحول الطرق التي تؤثر بها على موقفي الراهن من الكتاب.

تفرغ كتاب الهشاشة الخيرية لفحص دور تعرض الإنسان للحظ في الفكر الأخلاقي الذي تبناه الشعراء التراجيديون وأفلاطون وأرسطو. وبالرغم من أن النص قد لفت بعض الانتباه إلى دور الحظ في تكوين الفضيلة أو الطبع الجيد good character، فقد انكب بوجه خاص على الهوة التي تفصل بين الشخص الجيد وبين المبادرة إلى التمتع بحياة متفتحة وبحياة تتضمن سلوكًا أخلاقيًا في المقام الأول. (وعليه، يجب علينا أن نعتبر أن «الخيرية» goodness الواردة في العنوان تشير إلى «الخير الإنساني» «human good» أو إلى السعادة eudaimonia بدل أن تحيل إلى «خيرية الطبع» goodness of character). كان سقراط قد قال في عبارة مشهورة إن الضرر لا يلحق الإنسان الخير good، قاصدًا بذلك أن كل ما يساهم بصورة مجدية في قيادة حياة مزدهرة يظل في مأمن ما دامت الفضيلة في مأمن. أعتبر أن حكمه كان علامةً على مرحلة موجودة داخل سياق سجالي ومقلق حول الدور الأخلاقي الذي لعبه الحظ، وهو الجدال الذي استمر في أثينا على امتداد القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وضم مشاركة الشعراء والفلاسفة معًا. عندما هاجم سقراط دور الحظ في فكر الشعراء التراجيديين عبَّد الطريق أمام هجوم أكثر شموليةً شنه أفلاطون وأمام محاولة أرسطو المعقدة للمحافظة على بعض عناصر الصورة التراجيدية، أثناء إعادة الاعتبار إلى موقف سقراط.

وبالرغم من أن الحكم الذي أصدره سقراط قد حظي ببعض الأنصار، فإن مثل هذا الرأي يتطلب إعادة تفكير جذرية في عناصر الحياة المتطلعة إلى التفتح والسعادة eudaimonia. سنغض الطرف عن مجموعة من عناصر الحياة التي نعتبر عادةً أنها لازمة في السعادة eudaimonia. ذلك أنه من الصعب علينا أن ننكر أن ملكة الاشتغال كمواطن وأن الأنشطة التي تتطلبها الأصناف المختلفة من الحب والصداقة، ناهيك عن الأنشطة المقترنة بالفضائل الأخلاقية الكبرى (الشجاعة والعدل وما إلى ذلك) تستدعي شروطًا خارجيةً لا تستطيع خيرية goodness العامل بحد ذاته تأمينها. عندما نستبعد تلك الشروط، قد تلحق بنا الأحداث الخارجة عن إرادتنا ضررًا، بما في ذلك الضرر الأخلاقي. معنى ذلك أن الأحداث التي تخرج عن إرادتنا قد تؤثر سلبًا أو إيجابًا على سعادتنا أو نجاحنا أو ارتياحنا، وقد تؤثر علاوةً على ذلك على جوهر العناصر الأخلاقية في حياتنا: سواءً بادرنا إلى التصرف وفق العدالة في الحياة العامة وسواءً كنا قادرين على حب إنسان آخر والعناية به أو ظفرنا بظرف مناسب للتصرف بشجاعة. وهكذا، بصرف النظر عن مسألة دور الحظ[5] في تحويلنا إلى حكماء أو إلى شجعان أو عادلين في المقام الأول، لا مراء في أنه يحظى لأول وهلة بدور أخلاقي هام في تأهيلنا أو عدم تأهيلنا للتصرف على نحو فاضل، وهو ما يقود بعد ذلك إلى حياة ممتلئة. وقد تبين للشعراء ولبعض الفلاسفة على الأقل أنه يصعب عليهم أن ينكروا أن الشخص الذي أصبح عاجزًا بعد مرض طويل شوهه أو أن الشخص الذي ألقي به في غياهب السجن وخضع للتعذيب، أو أن المرأة التي سباها الأعداء وبيعت في سوق النخاسة، قد جردوا على الأقل من بعض العناصر الدالة على تفتح الإنسان. هؤلاء الناس ليسوا تعساء فحسب: إذ إنهم لا يقومون بالأعمال ولا يتبادلون الأشياء التي تكفي لتحصيل حياة إنسانية خيرة بالكامل.

عندما نعتبر أن الحياة المتفتحة تتطابق مع الحال الفاضل للطبع، أو مع بعض الأنشطة، وبوجه خاص مع التأمل العقلي الذي يبدو أن إنجازه لا يتأثر كثيرًا بالظروف الخارجية، قد نتمسك بالقول إن الإنسان الجيد لا يمكن تجريده من صيرورة التفتح flourishing [6]. بيد أن مثل هذه الآراء الضيقة حول التفتح كانت ولا تزال موضوع مساجلات عنيفة. يرى أرسطو أننا عندما نستثني الأصدقاء مثلًا من صيرورة التفتح، رغم حرصه الشديد على الاستقرار، فإننا نترك الكائنات البشرية عرضةً لحياة بلغت درجة بؤس لا تستحق أن يحياها أحد.

لا يجادل أحد في أن مواجهة الحظ كانت موضوعًا جوهريًا في الفلسفة الإغريقية بعد أرسطو، بالرغم من أن ذلك المنحى الذي اتخذته الأخلاق الهيلينيستية يحتاج إلى فحص أكثر شموليةً[7]. غير أن المسألة التي لم تحظ باعتراف واسع ترتبط بمعرفة المدى الذي كان يشارك فيه أفلاطون وأرسطو اهتمام الشعراء التراجيديين بدور الحظ في تشكيل الحياة التي يبادر البشر إلى عيشها، على اعتبار وجود خيوط اتصال كثيرة بين الشعراء والفلاسفة. وقد كان الحافز الرئيسي الذي دفعني إلى هذا الكتاب هو هاجس تغطية وجوه الاتصال هذه والمحاور التي كانت تدور حولها. وقد بدا لي أن تقسيم المهن في الحياة الحديثة قد صرف ذهننا عن استحضار حقيقة بديهية، وهي أن الشعراء التراجيديين في أثينا القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد كانوا يعتبرون مصادر كبرى في النظر إلى الأخلاق. وقد ظهر الفلاسفة آنذاك في صورة منافسين لهم، ولم يكونوا مجرد زملاء في أقسام تخصص مقابلة. وقد كانوا يتنافسون شكلًا ومضمونًا في انتقاء استراتيجيات كانت قادرة، على ما يبدو، على أن تُظهر للطلبة أصناف الوقائع بخصوص العالم التي يعتبرون أنها صحيحة. وعليه، فإن الجدال بشأن تلك الاستراتيجيات والمؤهلات التي تتوجه إليها كان محورًا ثانويًا في الكتاب. وقد تمسك الشعراء التراجيديون بالقناعة التي تفيد أن العواطف الجياشة التي تنطوي في المقام الأول على الشفقة والخوف كانت مصادر المعرفة insight بخصوص الحياة الإنسانية الخيرة good، وهي القناعة التي تجلت كذلك في اختيار أشكال التعبير الأدبية. أنكر أفلاطون ذلك، بعدما بلور منظورًا إلى المعرفة الأخلاقية يستبعد العقل قدر المستطاع عن التأثيرات المزعجة الوافدة من الحس والعاطفة[8] emotion. وقد عاد أرسطو، كما زعمت ذلك، على الأقل إلى بعض ألمع الشعراء التراجيدييين، سواءً بشأن التأثير السلبي الذي تحدثه الكارثة في تفتح الإنسان والقيمة الأخلاقية التي تكتسيها العواطف في إخبارنا بدلالة مثل تلك الانقلابات.

كانت المناقشات حول الهشاشة والحظ غائبة بصورة مستغربة داخل فلسفة الأخلاق المعاصرة إبان نشر كتاب الهشاشة الخيرية ، بالرغم من أهميتهما الثابتة. وهكذا، تبين لي أن تغطية المناقشات الإغريقية تساهم في المعرفة المعاصرة بتخصص الأخلاق. قلّ من يعتقد اليوم أننا نعيش داخل عالم منظم وفق عناية قبلية لغاية تحقيق الخير العام؛ بل قلّ من يعتقد في خضوع الحياة الاجتماعية البشرية لغائية الوصول إلى الكمال الأقصى. فضلًا عن ذلك، كان يبدو لي ولا يزال أننا لم نتوسع كثيرًا في استقصاء النتائج الأخلاقية المعاصرة التي تجيز القول إننا نحيا داخل عالم لا يبالي في جزء عريض منه بتطلعاتنا. كان القصد من كتاب الهشاشة الخيرية هو تقديم الخطوات الأولى على طريق هذا الاستقصاء.

ومع ذلك، أنا أؤيد أغلب حجج الهشاشة، التأويلية منها والجوهرية. أنا أعتقد مثلًا أن التصور الأرسطي للكائن البشري وللروية العملية يحظى بأهمية بالغة في الفكر الأخلاقي والفكر السياسي المعاصرين؛ وأنا أعتقد أن تصوير تعدد الخيرات goods والصراعات في ما بينها، على النحو المألوف لدى الشعراء وأرسطو معًا، تزودنا بأفكار لا تزال غائبة في قدر لا يستهان به من التفكير الاجتماعي المعاصر. ولكن اشتغالي المتزايد على الأخلاق الرواقية جعلني أنظر إلى عدد من موضوعات الكتاب السابق بعيون جديدة، لا سيما في ما يتعلق بطبيعة العواطف emotions ومفهوم الكائن البشري. أثناء ذلك، قادني الاهتمام بالفلسفة السياسية إلى إعادة التفكير في نسبة من قضايا الهشاشة، بما في ذلك الدلالة الأخلاقية لتعدد الخيرات والهشاشة في vulnerability الحياة البشرية أمام البخت fortune وطبيعة الصداقة. تناقش الفقرتان الثانية والثالثة من هذه المقدمة هذه التأويلات الجديدة لهذه القضايا واستئناف التفكير فيها.

أحتاج الآن إلى أن أصرِّح اليوم جهارًا بما أعتبره بديهيًا في الهشاشة، وهو التأثير الواسع الذي مارسه الفكر الأخلاقي ethical الإغريقي القديم على الفلسفة الأخلاقية moral المعاصرة. بوجه خاص، أرغب في أن أنأى بالنفس عن كل صور اللجوء إلى الإغريق من أجل الدعوة إلى رفض اعتماد التنظير المنهجي في فلسفة الأخلاق ethics أو إلى رفض تطلع الأنوار إلى إقامة حياة اجتماعية تنبني على العقل[9]. بكل بساطة، لم تكن هذه البدائل مطروحةً للنقاش قبل خمس عشرة سنة. وكل من وسم موقفي بسمة «العداء للنظرية» قد جانب الصواب، لأن موقفي يهدف في الحقيقة إلى تمالك الإغريق، بما أنهم متحالفون مع نسخة موسعة من الليبرالية المتنورة. تنكب الفقرتان الرابعة والخامسة من المقدمة على هذه القضايا: تركز الفقرة الرابعة على ظهور «العداء للنظرية» والعداء للعقل في خضم الفكر الأخلاقي المؤخر. وتسلط الفقرة الخامسة الضوء على نزاع حاد بشأن الإجابة المناسبة على الكوارث التراجيدية.

II

إن المحور الذي غلب على كتاب الهشاشة الخيرية ، وكما اقترحت ذلك، كان يتعلق بالدور الذي تلعبه العواطف emotions في إخبارنا بالقضايا التي تحتل دلالةً أخلاقيةً. أتحدث باستمرار عن الوظيفة المعرفية coginitve التي تشغلها العواطف، بالرجوع إلى الشعراء التراجيديين وإلى محاورة أفلاطون فايدروس وإلى آراء أرسطو في فلسفة الأخلاق؛ ولكنني ذكرت القليل في تعريف العواطف. وعندما نعكف على تقديم تحليل جيد للعاطفة سنجد قدرًا كبيرًا من الاختلاف بشأن المسألة التي طرحتها؛ يظهر الدور المعرفي للعواطف أقرب إلى الصواب من أخرى في بعض التحليلات المنصبة على العواطف. وقد تحوّل التفكير في العواطف إلى محور مركزي في إنتاجي الموالي. تأثرت آرائي تأثرًا بالغًا بتفرغي خلال عدد من السنوات الفاصلة لدراسة الفكر الأخلاقي والسياسي لثلاث مدارس هيلينيستية أساسية: الأبيقورية والشكِّية والرواقية[10]. كانت الرواقية هي المدرسة التي حظيت، من بين هذه المدارس، بأهمية بالغة في تطور آرائي بخصوص العاطفة. أظن أن الرواقية تزودنا بلب المسألة الذي نحتاج إليه، إذا ما شئنا التدليل على صواب الفكرة التي ترى أن العواطف تفصح عن واقعة أخلاقية.

بعدما ادعى الرواقيون أن العواطف صور من الحكم التقويمي الذي يخلع دلالةً كبرى على الأشياء والأشخاص الذين لا يحتكمون لإرادة الفاعل، انتقلوا إلى القول إن كل هذه الأحكام خاطئة، وبأننا مطالبون بالإقلاع عنها قدر المستطاع. أتخلى في الأخير عن المنظور المعياري في صورته البسيطة، حتى ولو كنت أعتقد أنه لا يزال قادرًا على العطاء في مجالات التعلق الأهوج بالمال والشرف والمنزلة.

بيد أن الدراسة التي قامت بها الرواقية للعواطف بما هي أحكام قيمة مستقلة عن أطروحاتها المعيارية. وأعتقد، بعد إدخال تعديل مناسب عليها، أنها قد تصبح منطلق فحص فلسفي معاصر للعواطف[11]. وحتى أفي بالمراد، أشير إلى أن النظرية الرواقية تحتاج إلى ثلاثة أصناف أساسية من التعديل. تحتاج أولًا إلى فحص صائب للعلاقة بين عواطف الراشد وعواطف الأطفال والحيوانات من غير الآدميين. (وقد أنكرت الرواقية بصورة غير مقبولة على الأطفال والحيوان وجود العواطف.) وعندما نطوِّر هذا الفحص، سيقودنا إلى توسيع التحليل المعرفي لدى الرواقية ليشمل مجالًا واسعًا من أصناف المعرفة، على غرار الإدراكات والمعتقدات غير اللغوية. وتحتاج النظرية ثانيًا إلى فحص جيد للتغير الثقافي الذي تعرفه العاطفة. لقد أثبتت الرواقية بما لا يدع مجالًا للشك ما هو المدى الذي تستبطن فيه المعايير الاجتماعية داخل هندسة عواطفنا؛ لكن الرواقية اعتقدت أن المعايير الضرورية متماثلة في جوهرها في كل المجتمعات، ولذلك لم تبد عنايةً خاصةً بالفروق الدقيقة في ما بينها. وفي الأخير، تحتاج نظرية الرواقية إلى تأريخ وراثي لكيفية نشوء عواطف الراشد من العواطف الأصلية في الصبا والطفولة. يعقد التأريخ الوراثي النظرية من وجوه متعددة، ملمحًا إلى أن عواطف الراشد تحمل عادةً آثار الخبرات Experiences القوية المبكرة التي تنطوي على مشاعر متناقضة ومزعجة تجاه الأشياء المحبوبة.

إذا ما تبنى المرء نسخةً من النظرية الرواقية في العاطفة، ولو بعد إدخال تعديل عميق عليها، يحتاج نتيجةً لذلك إلى الاعتراف بأن التوجيه الذي تمليه العواطف قد يكون أحيانًا حسنًا وأحيانًا قبيحًا من الزاوية الأخلاقية. إن العواطف تحظى بالثقة بقدر ما تحظى بها المادة الخام الثقافية التي صنعت منها. يستدعي النقد الفلسفي الجيد للمعايير الثقافية نقد العواطف التي نتعلمها ثقافيًا[12]. تنطبق هذه النقطة الهامة بالمثل على نظرية العاطفة لدى أرسطو، ولو أنه لم يؤهل الاقتناع belief لأداء أي دور في العاطفة، على خلاف ما فعلت الرواقية[13]. وعليه، استحق هذا المشكل أن يخرج للعيان في الهشاشة بصورة أكثر استفاضةً مما كان عليه الأمر. يلوح لي أن هاجس الدفاع عن إمكان أن تشغل العواطف وظيفةً معرفيةً بصورة عامة قد قادني إلى المبالغة في الإلحاح على الحالات (مثل حالة العاشقين في محاورة Phaedrus) حيث كان تأثير العواطف حسنًا. كان علي أن أعترف بصورة أقوى بصحة الحكم الذي نطق به أفلاطون ويفيد أن العواطف قد تعزز الذهن لتبني أخطاء رسخها الموروث الثقافي.

بينما يطرح المنظور الرواقي على كل من اطمأن إلى تحكيم العاطفة في توجهه بعض المشاكل، يحمل كذلك بارقة آمال في التنوير الاجتماعي، وهي آمال أهملتها على الأقل بعض النظريات الأخلاقية، مثل نظرية كانط التي مالت إلى اعتبار العواطف عناصر غير ذكية نسبيًا داخل الطبيعة البشرية. إذا لم يكن التغيّر سهلًا، كما يوحي بذلك المنظور الرواقي، فإنه بإمكان الشخصية ككل أن تصبح شخصيةً متنورةً، بفضل محاربة أحكام القيمة كما تظهر في الغضب غير العاقل وفي الكراهية[14]. وقد أعلن أرسطو عن أمل مماثل أثناء فحص العاطفة؛ بالفعل، إن رأيه الذي يفيد بأن العاطفة السليمة جزء لا يتجزأ من الفضيلة يؤدي إلى أن الفاعل قد يبلور عواطف فاضلةً، بعد أن تعلم كيف يشعر بالغضب تجاه الشخص المعني بالأمر وليس تجاه الشخص الخاطئ وفي الوقت الخاطئ، وهلمَّ جرًا.

كان أرسطو بالتأكيد متفائلًا أكثر من اللازم بخصوص مدى التغيّر الذي قد تتعرض له العواطف بعد أن اكتسبت مبكرًا. ذهبت الرواقية إلى أنه يصعب تغيير العادات habits المتجذرة في العمق، وتزداد الصعوبة إذا ما تبين أنها راسخة في أعماق البنية التحفيزية motivational structure للشخصية. لقد ادعيت في Therapy أن سينيكا Seneca كان أفضل من أرسطو في بعد النظر، حينما زعم أن الصراع ضد الغضب يحتاج إلى الحذر على امتداد الحياة. بالمقابل، كانت آراؤه بخصوص الحب الشهواني erotic love أكثر تعقيدًا: لقد أكد في مسرحياته التراجيدية، وليس في كتاباته الفلسفية، على قدرة الحب على الإفلات من تدخل الأخلاق ووجد في تلك الطاقة غير الأخلاقية مصدرًا محتملًا للجمال وللخطر، سواءً بسواء. تشير الدراسة التي قمت بها مؤخرًا لجذور العاطفة في الصبا والطفولة إلى مبررات إضافية تفترض أن العواطف البدائية قد تطرح عقبات أمام تكوين طبع فاضل. ومع ذلك، فإن تبني نظرية العاطفة في توجهها المعرفي يضع معالم في طريق تقدم العلاقات الاجتماعية، وهو الأمر الذي لن يظهر بوضوح إذا ما نظرنا إلى العواطف على أنها مجرد اندفاع وضغط خاليين من فعل قصدي ممتلئ أو من مضمون معرفي. ينبغي لنا أن نعلم أن الهدف الصحيح الذي يسعى إليه المجتمع العادل، مثلًا، لا يكتفي بإلغاء الحقد العنصري؛ إنه الاختفاء الكامل لمثل هذه العاطفة، وهو ما يتحقق بفضل إقامة حوار عمومي وخصوصًا بفضل تربية عمومية بوجه خاص تلقن الاحترام المتبادل بين كل المواطنين.

على هذا النحو، عندما نحسن التفكير في ماهية العواطف، يساعدنا ذلك على الدفاع بصورة أفضل عن الأطروحة العامة الواردة في الهشاشة بشأن الوظيفة المعرفية التي تؤديها العاطفة. وهي تكشف شيئين مختلفين على المدى الطويل: تكشف عن بعض المجازفة التي نركبها عندما نثق في توجيهاتها وتكشف كذلك بالمقابل عن بعض الآمال التي لم نكترث بها سابقًا في التقدم الشخصي والاجتماعي.

 

 

III

لم يركز كتاب الهشاشة الخيرية على القضايا السياسية، بالرغم من أن دور الحظ في قدرتنا على التصرف كمواطنين كان من بين مواضيع الكتاب. ولكن الموضوعات الأخلاقية الواردة في الكتاب قد انعكست بصورة هامة على الفكر السياسي. بوجه خاص، حظي المنظور الأرسطي للكائن البشري بوصفه كائنًا قادرًا ويشكو من الهشاشة وفي حاجة إلى تعدد غني في أنشطته الحياتية (وهو تصور استقاه بطرق مختلفة من الشعراء التراجيديين) بأصداء واسعة في التفكير المعاصر في الرفاهية والتقدم. وبما أنني قد قضيت بعضًا من هذا الوقت الفاصل في تتبع تلك المخلفات، وبما أنني هنا كذلك أنظر الآن إلى هذه القضايا بعيون جديدة بالكامل، نتيجة التزامي بالعمل على الأخلاق الرواقية، يبدو لي أنه من الأفضل أن أوضح وجوه التطور هذه، بالرغم من أن خلاصة الحكاية قد تظهر صلةً ضعيفةً بالبناء الحجاجي القائم على الهشاشة. وما يجب أن يظهر هو وجود استمرارية أكبر مما يبدو للعيان لأول وهلة بين كتاب 1986 وانشغالاتي السياسية الراهنة.

إن الفكر السياسي الحديث قد تملّك الفكر الأرسطي بطرق كثيرة مختلفة. حتى ولو اقتصرنا على أفكاره حول القدرة الإنسانية وآليات الاشتغال، كانت هذه الأفكار عصب البحث في نسبة قليلة من المشاريع المختلفة: الآراء الكاثوليكية الاجتماعية – الديمقراطية لدى ماريتان Jacques Maritain؛ الآراء الكاثوليكية المحافظة لدى جون فينيس John Finnis وجيرمان كريزي Germain Grisez؛ الجماعاتية الكاثوليكية لدى ماك إنتاير Alasdair MacIntyre؛ الماركسية الإنسانية لدى ماركس الشاب ولدى أتباعه المتأخرين في الفكر الماركسي؛ التقليد البريطاني الاجتماعي – الديمقراطي، كما يظهر في أعمال كرينT. H. Green وأعمال باركر Ernest Barker [15]. يحق لكل هؤلاء المفكرين أن يستشهدوا بأرسطو لتدعيم آرائهم؛ ويعود السبب في ذلك جزئيًا إلى أن أرسطو كان واسع الأفق بصورة غير عادية وإلى أنه كان أحيانًا مفكرًا سياسيًا متضاربًا باطنيًا في فكره[16].

خلال اثنتي عشرة سنةً الماضية توجهت إلى أرسطو من أجل بلورة نظرية سياسية ونظرية في الأسس الأخلاقية للتنمية الدولية التي تشكل وجهًا من وجوه الليبرالية الاجتماعية- الديمقراطية، في ارتباطها القوي بآراء ماريتان وكرين وباركر. بينما كنت مهتمةً في بعض الأحيان بالتأويل المحايث للنص، كنت أهدف بالأساس إلى تطوير وجهة نظري الخاصة التي تحيد عن أرسطو من جوانب متعددة، سواء في اتجاه الليبرالية أو النسوانية[17]، بالرغم من أن آرائي ظلت أرسطيةً في روحها. وقد دافعت عن الفكرة التي تفيد أن فحص بعض القدرات capabilities الإنسانية المركزية يزود المخططات السياسية بهدف جوهري، كما بادرت إلى ذلك بالتعاون مع عالم الاقتصاد أمارتيا سين Amartya Sen[18]، مع وجود فرق، وهو أنني بلورت مقترحًا سياسيًا مستقلًا عن معيار الاستعمال المقارن للقدرات لدى سين: يتجلى الهدف الجوهري في تأمين حد أدنى ضروري للعدالة الاجتماعية ويجب على المواطنين أن يضمنوا عتبةً دنيا من هذه القدرات، بصرف النظر عما يمتلكونه. يمكننا كذلك أن نستثمر القدرات، على سبيل المقارنة، مؤشرًا على جودة الحياة في الأمم المختلفة.

لقد أكدت على امتداد السنوات بصورة متزايدة على أهمية احترام التعددية والخلاف المعقول reasonable disagreement بخصوص القيمة العليا ومعنى الحياة. وقد ارتأيت بأنه من الواجب على السياسة أن تقتصر على إظهار القدرات بدل التركيز على آليات الاشتغال الفعلية، أملًا في أن تنفتح أمام المرء خيارات تحمله على الاستمرار في نفس الوظيفة أو في عدم الاستمرار فيها[19]؛ وبذلك اختلفت مع أرسطو لسبب معقول، وهو أنه كان يعتقد أن السياسة ملزمة بتعزيز الاشتغال الفعلي في إطار تصوّر شمولي ووحيد للحياة الإنسانية الجيدة أو العيش الكريم good. فضلًا عن ذلك، يجب علينا أن نحقق هذا الأمل على نحو يفتح مجال خيارات متعددة للدين ولأشكال الحياة الشمولية الأخرى. بعبارة أخرى، إن منظوري الأرسطي – وهو مشابه لمنظور ماريتان ويختلف عن منظورات مماثلة أخرى داخل هذا التقليد- وجه من وجوه «الليبرالية السياسية»، وأعني بذلك ليبراليةً تعترف بأهمية احترام الطرق المختلفة للحياة، بما في ذلك الأشكال المعقولة غير الليبرالية[20]. وقد تأثر مذهبي الأرسطي خلال هذا المسار بصورة متزايدة بأفكار جون راولز John Rawls وكانط. يوجد وجه آخر حملني على الخروج عن أرسطو، وهو تركيزي في صلب البحث النظري والعملي على ظروف النساء في الدول النامية وعلى كفاحهن من أجل المساواة. ولا تستحق آراء أرسطو في النساء فحصًا جديًا، حتى ولو لم يكن يهدف إلا إلى إبراز أباطيلها.

وكما اشتغلت على هذه الأفكار وركزت عليها وتابعت تطوير جوانب أرسطو التي جعلتها الهشاشة قطب الرحى: حينما أبرز أن الكائنات البشرية ضعيفة وفاعلة في ذات الوقت، وأكد حاجتها إلى تعددية الوظائف، وهي تعددية غنية ولا تعوَّض وحرص على إبراز دور الحب والصداقة في العيش الكريم. ولكن انشغالي مرةً أخرى بآراء الرواقية كان حاسمًا. من يدرس الرواقية ينتبه بجلاء إلى بعض العيوب الكبرى في فكر أرسطو. ونظرًا إلى أن هذه العيوب غائبة لدى المفكرين الرواقيين الذين كانت حياتهم تتقاطع مع حياة أرسطو (وبصورة مبكرة أكثر لدى المفكرين الكلبيين cynic) لا يمكن تبريرها بالعودة إلى ذرائع تفيد أن الحداثة لم تتحقق بعد[21]. أعتقد أنه كان من اللازم أن تحظى هذه العيوب على الأقل ببعض الأهمية في كتاب الهشاشة الخيرية ، بصرف النظر عن الهدف من ذلك الكتاب.

إن العيب الأول الذي يتبادر مباشرةً إلى الذهن هو غياب أدنى معنى للكرامة الإنسانية الكونية، وبالأحرى غياب فكرة أن قيمة الكائنات البشرية وكرامتها متساوية. ربما يوجد توتر باطني بالفعل داخل الفكر الأرسطي: كان يؤكد في بعض اللحظات (كما سأسطر على ذلك) على أن كل كائن طبيعي يستحق الرهبة. لكنه ينبغي علينا أن نسلم بأنه قد أقر في كتاباته الأخلاقية والسياسية بوجود تراتب متمايز بين الكائنات البشرية: تخضع النساء للذكور كما يخضع العبيد للسادة. بالمقابل، تعتبر الرواقية أن مجرد حيازة القدرة على الاختيار الأخلاقي تزودنا جميعًا بكرامة متساوية ولا محدودة. الذكر والأنثى والعبد والحر الإغريقي والأجنبي والغني والفقير والطبقة العليا والطبقة الدنيا- يحظى الكل بقيمة متساوية وتفرض هذه القيمة علينا جميعًا أن نتشدد في تطبيق واجبات الاحترام[22]. استعمل الرواقيون هذه الفكرة، سيرًا على هدى أسلافهم الكلبيين، رغبةً منهم في شن حرب ضارية على كل العلاقات الهرمية غير المجدية أخلاقيًا، حينما ترجع إلى الطبقة والترتيب والشرف وحتى إلى الجنس والانتماء إلى النوع، وهي العلاقات التي قسمت الكائنات البشرية داخل عالمها[23]. مارست هذه الأفكار تأثيرًا على تكوين الحداثة، بفضل تأثيرها على مفكرين من قبيل كروتيوس Grotius وروسو وكانط. ويحتاج أي منظور أرسطي معاصر منذ البدء إلى إدماج بعض من هذا المفهوم حتى يصبح صائبًا أخلاقيًا.

لم يكن أرسطو يقر كذلك بوجود ارتباطات أخلاقية تجمعنا بالبشر الذين يعيشون خارج المدينة- الدولة التي نقطن فيها. يرى أننا نعترف بأن الناس الذين يعيشون على بعد مسافة منا بشر. غير أنه لا يذهب بالمقابل إلى أن هذا الاعتراف يفرض علينا أدنى التزامات أخلاقية، ولا حتى الالتزام بعدم شن حرب عدوانية عليهم. مرًةً أخرى، يزودنا الرواقيون بالعنصر المطلوب، حينما احتجوا بكوننا جميعًا، أولًا وفي المقام الأول، مواطنون كونيون kosmopolitai، بمعنى أننا مواطنون ننتمي إلى عالم الإنسانية بكاملها وأن هذه المواطنة الأخلاقية المشتركة تترك على الأقل بعض الآثار على التزاماتنا الأخلاقية. لم يحصل إجماع داخل المدرسة على طبيعة تلك الآثار بالضبط. وقد أثبت كتاب شيشيرون Cicero حول الالتزامات(De Officiis) On Duties[24] ، وهو أهم الدراسات المؤثرة وغير المفقودة، أن الإنسانية المشتركة تفرض علينا التزامات صارمةً بعدم شن حرب عدوانية، وتفرض التزامات تجاه العدو خلال الحرب والتزامات الترحيب بالغرباء فوق ترابنا، علاوةً على مجموعة من الالتزامات الأخرى. وقد خلّف فحص شيشيرون لهذه الالتزامات بصمات واضحةً في الفكر السياسي والقانوني الحديث.

مع الأسف، كان فكر شيشيرون ينطوي على نقاط ضعف مهولة وتناقضات: بوجه خاص، يظهر أنه كان يعتقد أننا لا نخضع لالتزامات تقديم العون المادي للناس الموجودين خارج الجمهورية التي نقيم فيها. اقترن هذا الضعف المؤسف لديه بتأييد المنظور الرواقي الذي يرى أن «الأشياء الخارجية» كالمال والملكية، لا تحظى بقيمة باطنية، وأن القيمة موجودة بالكامل في ذاتها[25]. وقد خلف لنا الفكر الرواقي بعد ذلك بعض المعضلات الكبرى التي نحتاج إلى حلها؛ وزودنا في مقابل ذلك بالمنطلق اللازم لتحريك السياسة خارج الدولة-المدينة. مرةً أخرى، ربما كان بالإمكان التنصيص بصورة مفيدة على الحاجة إلى توسيع تفكيرنا على هذا النحو في كتاب الهشاشة الخرية ، لا سيما أثناء التأمل المَليّ في دور الحب والصداقة في الحياة الإنسانية الجيدة.

في الأخير، يفتقر أرسطو إلى عنصر أساسي في المقاربة السياسية الحديثة الجيدة: إلى تصور قوي لمجالات الحرية المحمية وللأنشطة التي سيكون من الخطأ أن تتدخل الدولة فيها[26]. لم يجمع الفكر الحديث أبدًا حول مسألة ما هي الحرية وما هي أشكالها التي تعتبر جوهريةً أكثر من غيرها في الدولة الخاضعة لحكم جيد. ومع ذلك، سيحس كل قارئ حديث لكتاب السياسة لأرسطو Politics، من أي موقع كان في العالم، بشيء ما غير مضبوط حينما توجه الأوامر إلى المواطنين في قضايا شخصية، مثل معرفة ما هو عدد التمارين التي يجب على المرء أن يقوم بها في اليوم، دون الإقرار بأن هذا الدور الذي تلعبه الدولة تحوم حوله الشكوك من الزاوية الأخلاقية. كان من الواجب التأكيد على هذه القيود في فقرات كتاب الهشاشة الخيرية حيث أسطر على أهمية الاختيار والذات الفاعلة في الفاعلية agency بالنسبة للفضيلة. بينما ألح على شروط الاختيار الراجعة إلى العالم لم يفكر أرسطو بما يكفي من العمق حول أصناف الاختيار السديدة وما هي الشروط التي تتطلبها بالفعل. لم تقدنا الرواقية طول الطريق صوب تصوّر حديث للحرية، ولكنها مرةً أخرى زودتنا بأرضية محمودة للتقدم. تركز الرواقية الرومانية من ناحيتها على الحرية، وهي الهدف الرئيسي للحكومة الجيدة وتعرف «النظام المركب» كنظام أسمى من الملكية جزئيًا بناءً على ذلك الفحص. وقد ترجمت الرواقية عقائدها إلى واقع بصورة متكررة، مجازفة بحياتها أو مضحيةً بها في المؤامرات التي حيكت ضد الإمبراطورية، سعيًا منها إلى الحرية[27]. زودتنا الرواقية على الأقل بنقطة الانطلاق في التفكير في هذه القضايا الشائكة، بالرغم من أن المناقشة كانت محتدمةً قرونًا طويلةً حول طبيعة علاقة الحرية بالحريات كما ثمنتها الليبرالية الحديثة[28].

ولكنه لا يجب علينا أن نؤسس مقاربةً سياسيةً حديثةً على أفكار الرواقية فحسب، بالرغم من أنها كانت قد أدخلت تصحيحات جوهريةً على التفكير السياسي الأرسطي. قد يكون من الأجدر بنا كما أعتقد أن نشرع في مقاربة تظل أرسطيةً في بعض الجوانب الدقيقة، مع التنبيه إلى أنها تبقى أرسطيةً معدلةً، بغية تصحيح العيوب الفعلية التي يشكو منها منظور أرسطو. ذلك أن فكر الرواقية يظهر بعض وجوه النقص (التي انتقلت لاحقًا صيغة معينة إلى الورثة الليبراليين في الرواقية) التي قد يساعدنا الرجوع إلى أفكار الأرسطية على تصحيحها. يقودنا هنا تأكيد كتاب الهشاشة الخيرية على الإنسان غير المحصن إلى الوجهة الصحيحة. تؤكد الرواقية على أن «الخيرات الخارجية» المرتبطة بالحياة لا تتمتع بقيمة فعلية، بما في ذلك الرفاه والشرف والمال والصحة والسلامة الجسدية والأصدقاء والأطفال والمحبوب والمواطنة والنشاط السياسي. وهي تتبنى قول سقراط إن الإنسان الخير good لا يتعرض للأذى. الفضيلة الباطنية كافية لتفتح الإنسان. وهذا ما خلع على سياساتها نبرةً مشوهةً، حينما وضعت علامة استفهام على هذه الحاجات. يظهر تشويه ذو صلة بالموضوع لدى كانط، حينما فحص الكائن البشري من زاوية انتمائه إلى عالمين متمايزين، إلى عالم الطبيعة وإلى عالم الغايات الأخلاقي، بعدما اعتبر أن هذا العالم سد منيع ضد تغيرات العالم الأول.

وعليه، بالرغم من أن الرواقية وكانط يؤكدان معًا أننا نشعر بواجبات السهر على رفاهية الآخرين، بما في ذلك رفاهيتهم المادية، فإن مثل هذه الواجبات تحمل طابع الاستعجال وأهميةً مركزيةً أحاطت بها النظرية الأرسطية بصورة أفضل، بعدما لاحظت أننا نعيش في نفس المملكة الواحدة، أي في مملكة الطبيعة، كما لاحظت أن كل قوانا، بما في ذلك قوانا الأخلاقية، مقترنة بالعالم وتحتاج إلى خيرات وافدة من العالم من أجل تفتحها. وقد رسمت مثل هذه النظرية بصورة مباشرة ولامعة معالم الاقتران بين الاستفادة من تغذية جيدة ومن الحرية أو بين السلامة الجسدية والأداء الأخلاقي، بناءً على مبررات وردت داخل الأطروحة الكبرى لكتاب الهشاشة الخيرية . الكائن البشري يماثل دالية العنب، «التي ارتفعت بين أناس حكماء وعادلين إلى السماء السائلة». عندما نعترف بوجوه الضعف هذه وباقترانها بالأداء المجدي، نظفر بمحفزات لم تمكننا الرواقية أبدًا منها، من أجل السهر على التوزيع المناسب وإعادة توزيع الممتلكات المادية، بحيث أن المواطنين سيسدون بذلك حاجتهم. ذلك أن السؤال المطروح ليس مسألة مصادفة بل هو (من بين أشياء أخرى) مسألة أداء الذهن البشري والأداء الأخلاقي بحد ذاتهما.

ننتقل خطوةً إضافيةً في هذه النقطة: إن مقاربة الرواقية فصلت الحاجة عن الكرامة. لا تملك الحاجة بحد ذاتها كرامةً؛ وهي ترتبط ارتباطًا عارضًا بمن يحظى بكرامة[29]. يعني ذلك أننا لا نعتبر أن جوع البدن وحاجاته إلى الأمن وإلى الرعاية الصحية وقت المرض وإلى الحب تدخل ضمن مكونات كرامته. إنها معطيات محرجة بوجه ما بشأن كائن يتوفر كذلك على كرامة. سعى هذا الرأي بصورة ذكية إلى التأثير على الطريقة التي نقترب فيها من هدف تلبية الحاجة الجسدية: نحن نفكر فيها على أنها تتحمل جانبًا غير مكرم نسبيًا وينتمي إلى الحياة الإنسانية، على أمل أن يخرج الجانب المكرم مظفرًا من ذلك. أعتقد أن هذا منطلق فاسد للتفكير في الحب والرعاية التي نكفلها للأطفال والمرض والشيخوخة والمشاكل التي ينبغي على المجتمع أن يواجهها باستمرار وبصورة متزايدة، ما دام أن أمد الحياة يزداد وأن كثيرًا من البالغين يصلون إلى سن الشيخوخة في حالة لا تؤمن الحفاظ على كامل القوى العقلية والذهنية. بطبيعة الحال، يقضي بعض الناس حياتهم الكاملة تحت رحمة التبعية الكاملة للغير؛ ويجب على التفكير السياسي الجيد أن يدعو إلى احترام هؤلاء وأن يظهر هذا الشعور كذلك.

بعبارة أخرى، إن الرواقية على خلاف أغلب مدارس الفكر القديمة الأخرى تقيم فصلًا حادًا بين الإنسان والحيوان. إن اعتراف الرواقية بكرامة الإنسانية وقيمتها قد قام على عوامل داخل الإنسانية نميز بمقتضاها الناس عن «الحيوانات»[30]. وهذا أمر ثابتً في المنظور البلاغي الرواقي للكرامة البشرية. وبالقدر الذي شيدت فيه مفهوم الإنسان وخلعت عليه قيمة نفيسةً وغير محدودة، استرخصت الحيوان واعتبرته مجرد بهيمة خاملة تفتقر إلى كرامة ولا تتمتع بجاذبية. وهذا ما حملها على ترويج مزاعم لا أساس لها من الصحة تقول مثلًا إن الحيوانات لا تشعر بعواطف ولا تتمتع بذكاء. وهذا ما قادها كذلك إلى رسم فصل تام في وقت يوجد فيه تداخل واستمرارية بينهما. انتبه أرسطو إلى وجود هذه الاستمرارية وقام بصياغة فحص الأنواع الطبيعية بناءً عليها. وقد اعتبر كذلك أنه يوجد في قلب كل مخلوق طبيعي، ولو كان في ظاهره منحطًا وبغيضًا، ما يثير الإعجاب ويستحق الاحترام (Parts of Animals I. 5).

نحتاج في العالم الحديث إلى مقاربة سياسية تخلع دلالةً إيجابيةً على علاقتنا بباقي الحيوانات وعلى طبيعتنا الحيوانية ذاتها وعلى أجسادنا الشفافة وعلى نمونا وشيخوختنا[31]. لا ينبغي علينا أن ننكر أن قوى الإنسان العقلانية والأخلاقية ترتبط بمصالح خاصة أخلاقية وبواجبات، حتى يتسنى لنا أن نقر بوجود مصالح وواجبات تلتصق بالطبيعة الحيوانية وحدها، وأن نقر بأن الطبيعة الحيوانية بحد ذاتها تستحق الاحترام. يجب علينا بالفعل أن نعترف بأن صورنا البشرية التي يتخذها الذكاء والعاطفة تخضع لمحددات الحيوانية، دون أن تصبح شيئًا مفصولًا عن الحيوانية أو مقابلًا لها. لا نستطيع أن نفكر بصورة صائبة في طفولتنا ذاتها أو في شيخوختنا ولا في علاقتنا الأخلاقية بحيوانات أخرى أو في علاقتنا بالبشر الذين يعانون من إعاقات عقلية متباينة، إذا ما اقتربنا من العالم دون أن نتخلى عن هذه الثنائية المتصلبة التي تبنتها الرواقية. تعجز الأشكال الحديثة من الليبرالية في التقليد الرواقي – بما في ذلك الليبرالية الكانطية – كذلك عن حل سلسلة من القضايا الأخلاقية والسياسية. نستطيع بطبيعة الحال أن نختار لأنفسنا وجهةً جيدةً دون أن نعود أبدًا إلى الفكر الإغريقي. غير أن منظور أرسطو إلى الطبيعة والذي يفيد أنها تتضمن سلسلةً غنيةً من المخلوقات العجيبة، بقدر ما تتوفر كل واحدة منها على خصائص مميزة في أداء وظائفها، كما أن رأيه الذي يرجع حركات البشر والحيوان إلى أصل مشترك، يساعدنا كل ذلك على التفكير بصورة أفضل في أنفسنا وفي العالم[32]. كما يقول أرسطو: إذا ما كنا نتقزز من أجسام الحيوان، فمعنى ذلك أننا نتقزز من أنفسنا: نحن مصنوعون من مثل هذه الأجزاء. لكنه لا يجب علينا أن نشعر بتقزز: والسبب هو أن «كل ما هو طبيعي يتضمن شيئًا عجيبًا». قد نفعل الأسوأ بدل أن نتابع وأن نبلور النتائج الأخلاقية التي تؤدي إليها هذه الفكرة[33].

IV

استعرضت إلى حد الآن التعديلات الأساسية التي دخلت على فكري في مسار تطوره. إذ دخل تغيّر عميق خلال هذه الفترة على عالم الفلسفة الأخلاقية، مما استوجب معه إقامة وجوه تمييز وتوضيح لم تكن تستدعيها الحاجة من ذي قبل. منذ صدور كتاب الهشاشة الخيرية انتعش اهتمام كبير بالفكر الإغريقي القديم، وكان مصدر الإلهام يعود إلى تأثير عدد كبير من فلاسفة الأخلاق المختلفين الذين استلهموا فكرهم من الإغريق. ندرج ضمن موجة هذا الإحياء فلاسفةً رائدين في الأخلاق مثل Williams Bernard وAlasdair MacIntyre وIris Murdoch وJohn McDowell وDavid Wiggins، كل هؤلاء وفقوا بين إصدار كتب أصيلة في الفلسفة الأخلاقية وبين الالتزام الدائم بالاشتغال على الإغريق. تتضمن موجة الإحياء كذلك مفكرين مثل Philippa Foot وAnnette Baier وCora Diamond الذين طوّروا أعمالًا ذات صلة دون القيام بدراسة تفصيلية للنصوص اليونانية القديمة؛ وفي الأخير، يتضمن الإحياء فئةً عريضةً من المفكرين الذين كتبوا في البداية كمتخصصين في الأخلاق اليونانية القديمة. ويبدو الآن أنه لا مجال للقول إن الكانطية ومدرسة المنفعة تهيمنان على مقاربات الفلسفة الأخلاقية. ستشير أغلب المداخل في الموضوع إلى عنوان «مقاربة أخلاق الفضيلة» باعتبارها نموذجًا إبداليًّا ثالثًا لا يقل أهميةً عن الآخرين.

أعتقد أن هذا التصنيف مضطرب[34]. تبنى كانط وأغلب مفكري مذهب المنفعة نظريات في المنفعة؛ وبهذا، فإن ادعاء أن «أخلاق الفضيلة» مقاربة تختلف عن المقاربتين الأخريين يسقط بالتأكيد ضحية خطأ في استعمال المقولات. نكاد لا نجد تجانسًا حتى بين المفكرين الذين يكتبون في موضوع الفضيلة ويرفضون المقاربتين الكانطية والمنفعية، بغية تبني مقاربات مستلهمة من الفكر الأخلاقي اليوناني القديم. قد توحد بعض المسائل أعضاء فريق متباينين في العمق: قد تكون مسألة الدوافع motives والعواطف الجياشة passions في الاختيار الجيد؛ وقد تكون مسألة النماذج السائدة في التحفيز والفعل، وقد تكون بعبارة أخرى مسألة طبائع؛ مسألة ذات صلة بالمسار الكامل لحياة الفاعل.

لكنه توجد بنفس القدر خلافات disagreement عميقة، لا سيما بشأن الدور الذي يجب على العقل أن يلعبه في الحياة الأخلاقية وحول قيمة النظرية الأخلاقية. دعنا نبادر إلى وضع خطاطة عامة لتلك الخلافات. ينحو الفريق الأول من رواد النظرية الحديثة في الأخلاق بوجهه جهة أرسطو وبعض المفكرين اليونانيين، بدعوى أن مذهب المنفعة لا يشفي غليلهم[35]. يعتقدون أن مدرسة المنفعة تستهين بتعددية القيم وعدم تجانسها وبإمكان التداول الذكي بخصوص الغايات والوسائل معًا وبتأثر العواطف الجياشة بالتنشئة الاجتماعية (بمعنى أنها تخضع لتكوين داخلي)[36]. وما يميز هؤلاء المفكرين هو أنهم جد سعداء بمشروع التنظير في الأخلاق؛ فهم قد سعوا إلى تأسيس نظرية أخلاقية من صنف غير منفعي ووجدوا في أرسطو نعم المرشد إلى تحقيق ذلك المشروع. وما يميزهم عامةً هو أنهم أرادوا توسيع دور العقل في حياتنا الأخلاقية، بدل التضييق عليه، مبرزين مثلًا كيف يصبح بالإمكان التداول بصورة شمولية بشأن الغايات النهائية ومبرزين كذلك كيف أن العواطف الجياشة نفسها تستجيب للمداولة. وهم لا يميلون إلى تصور اجتماعي محافظ، ويحسون بجاذبية إلى الآراء القديمة لا لشيء إلا لكي يبرزوا كيف أن عددًا كبيرًا من الدوافع القبيحة (مثل الجشع والحسد) قد تكونت داخل المجتمع، ولكي يرشدونا إلى كيفية التعامل النقدي الجذري معها. لا يوجد منطق داخلي يحكم منظور بعض أعضاء هذه الجماعة، حينما قادهم إلى التغاضي عن تحالف ما مع كانط، بالرغم من أنهم يحسون بنفور تجاه كانط، ما داموا يحسون (مثلًا) بأن منظوره يعادي العواطف عن غير حق ولا ينتبه إلى تعددية الخيرات التي قد تدخل في ما بينها في تنازع. بالفعل، راهن البعض على تحقيق تركيب بين أفضل العناصر الموجودة لدى أرسطو وكانط[37].

لقد كنت أحس على الدوام أن مكاني الطبيعي موجود داخل هذا الفريق؛ وقد تبين لي على الدوام أن أعمال دافيد ويغينز David Wiggins وهنري ريتشاردسون Henry Richardson، وهي أمثلة نموذجية على توجه هذا الفريق المضاد لمدرسة المنفعة، انتصار ثمين لما حاولت قوله[38].

يعادي فريق ثان من نظار الفضيلة الكانطية في المقام الأول. يعتقد أن العقل قد لعب دورًا مهيمنًا زيادةً عن اللزوم في أغلب دراسات الأخلاق وأنه من اللازم فتح مجال أوسع للمشاعر والعواطف الجياشة، التي صاغها بصورة نمطية على نحو يستند بصورة أقل على العقل، بالمقارنة مع الفريق الأول. هذا الفريق غير متجانس على درجة عالية، بيد أن المذهب الهيومي الجديد يمثل على الأقل تيارًا بارزًا فيه. ونحن نلاحظ اهتمامًا بالأخلاق المستندة إلى المشاعر sentiments في كتابات أنيت باير Annette Baier و(إذا ما شئنا الإنصاف) في كتابات ويليامس Bernard Williams [39]. يميل هذان المفكران وأنصارهما إلى مواجهة المشروع الخاص الذي ينكب على التنظير للأخلاق، وهو الأمر الذي يرتبط في نظرهما بالدور المتضخم الذي يحظى به العقل في الحياة الأخلاقية، مع أن هذا الرأي ليس نتيجةً منطقيةً للموقف الهيومي الجديد. بالرغم من أن باير Baier تتعاطف مع خصوصية أرسطو، اعتبرت أنها وجه من الأوجه المضادة للنظرية، أو أنها بديل لمشروع التنظير. في مقابل ذلك، اعتبر ويليامس Williams أن نظرية أرسطو فاشلة[40].

والحال أنه يجب علينا أن ندخل تمييزًا ثلاثيًا مختلفًا. (أ) أنصار تنظير أخلاقي ودور واسع يلعبه العقل في الشؤون الإنسانية؛ (ب) أنصار دور واسع للعقل في الحياة الأخلاقية، وهم يرفضون مشروع النظرية الأخلاقية؛ أولئك الذين يقلصون بصورة كبيرة من مجال العقل داخل الحياة الأخلاقية. أضع نفسي ضمن الفريق الأول من أنصار نظرية الفضيلة، وكما أعتقد في طريق المضادين لمذهب المنفعة مع ويغينس Wiggins وريتشاردسون Richardson. إننا ندافع جميعًا عن دور النظرية؛ كل ما في الأمر هو أننا نبحث عن نظرية من صنف أرسطي، تقوم على الروية بشأن الغايات النهائية وعلى وجود تعدد في الخيرات لا يمكن التخلص منه.

رب معترض على النظرية الأخلاقية يعتقد أنه من المرجح أن تكون المشاعر والعواطف الجياشة الواردة من المجتمع فاسدةً، وأن الاستعمال النقدي للعقل يلعب تبعًا لذلك دورًا جوهريًا ومحمودًا في الشؤون الإنسانية. هذا على سبيل المثال هو موقف ويليامس Bernard Williams الذي يتبنى من وجوه متعددة الحلم السقراطي بالحياة المحاسبة[41]. غير أنه من الممكن كذلك أن تكون الحجج التي تقدّم بها بعض المفكرين لمهاجمة النظرية الأخلاقية ذات صلة بمؤاخذة عامة على هيمنة العقل في الشؤون البشرية: كذلك الأمر بطرق مختلفة مع أنيت باير Annette Baier وماك إنتاير Alasdair MacIntyre. ومع أنه لا يوجد ما يلزم مثل هذه المقاربة بأن تتبنى الاتجاه المحافظ في تصور المجتمع والأخلاق فإن التنقيص من القيمة التوجيهية التي يحظى بها العقل يشير إلى وجود شيء آخر قد يوجهنا توجيهًا أفضل. قد يتجلى ذلك في المشاعر كما ترى أنيت باير. وقد يتبدى بدل ذلك في السلطة السياسية/ الكنسية التي تعوض العقل، على الأقل على مستوى وضع المبادئ الأولى.

ومع أنني أختلف مع الفريقين اللذين يتكونان من المفكرين المعادين للنظرية معًا[42]، حينما أدافع عن الدور الهام الذي تقوم به النظرية في الحياة الأخلاقية والسياسية، تظل اختلافاتي مع ويليامس أكثر دقةً من اختلافاتي مع المفكرين الذين يعترضون على النظرية وعلى العقل ويدعون إلى الأخلاق الإغريقية القديمة بناءً على هذا البرنامج[43]. أعلن صراحةً أنني لا أرتاح إلى معاشرة الجماعة الأخيرة، وكم كنت أحس بالاستغراب حينما أعثر بين الفينة والأخرى على محاولات العثور على معاداة العقل ومعاداة النظرية في كتاب الهشاشة الخيرية . كان انتصاري لمقولة أرسطو «التبصر ينبني على البصر» ينظر إلى ذلك الفحص للحكم بما هو عنصر موجود داخل نظرية أخلاقية بادية للعيان وتحمل فحصًا كونيًا للسعادة eudaimonia. يجب على الفحص الكوني أن يستجيب على الدوام للخصوصيات وهو محدد في الزمان في تلك الحدود؛ وهو نظرية بالرغم من كل ذلك[44]. فضلا عن ذلك، عندما أثنيت على الروايات، لأنها تعمل على تهذيب الرؤية الأرسطية، أكدت أنها لا تنتج معرفةً أخلاقيةً إلا إذا ما قرئت في اقتران بالدراسة الشمولية للنظرية الأخلاقية – وهو الادعاء الذي وضعت عليه كورا دياموند Cora Diamond علامة استفهام منذ البداية، مشيرةً عن حق إلى أن ذلك يشكل تباينًا واضحًا بين مشروعها (الذي يبدي معاداةً عميقةً للنظرية) ومشروعي الشخصي[45].

إذا ما كان من اللازم أن يكون دفاعي عن النظرية واضحًا، كذلك يجب أن تكون مساندتي للعقل، بحكم طبيعته التوجيهية. ذكرت شيئين قد يقلصان وظيفته: ذكرت أن التأمل العقلي قد لا يكون كافيًا بحد ذاته لتفتح الحياة البشرية وأن العواطف تلعب دورًا كذلك في التفكير الأخلاقي. تخصص الدعوى الأولى دورًا محدودًا أكثر مما كان سيفعله أفلاطون للشكل الواحد من التفكير، وهو موقف يتفق بالكامل مع تمكين العقل العملي من أداء دور مركزي في التخطيط للحياة وتنظيمها، وحتى بعد التأكيد (كما أفعل ذلك) على أن العقل العملي هو ما يجعل كل أنشطتنا إنسانيةً بالكامل. لا تؤهل الدعوى الثانية على الإطلاق دور العقل في الحياة البشرية، بما أنني أدعي أن العواطف صور من التأويل التقويمي الذكي، وأنه يجب علينا نتيجة ذلك أن نتخلى عن ثنائية العقل والعاطفة. (بطبيعة الحال، لا أريد القول إن كل العواطف تحسن توجيهنا، بالقدر الذي لا تقدِّم فيه كل الصور الأخرى من التفكير العقلي reasoning توجيهًا رشيدًا. وعليه، يترك موقفي للعقل كل المجال الذي يحتاج إليه من أجل القيام بنقد الظلم injustice.

بعدما تبين لي مؤخرًا مدى الانتشار الواسع الذي يعرفه العداء للنظرية داخل الأخلاق في وجوهه المختلفة، وبعدما انتبهت إلى أن وجوه العداء هذه محيرة بعض الشيء وإلى أنها تعرقل برأيي إمكانات متعددةً للإقدام على نقد جذري للعادات الظالمة، حملت القلم كي أدافع عن النظرية الأخلاقية ضد من يهاجمها- منبهًا خلال هذا المسار إلى ما حمل المفكرين القدماء، مثل أرسطو والرواقية، يعتقدون أنه يجب على التنظير الفلسفي أن يؤدي دورًا محمودًا في القضايا الإنسانية[46]. من الغريب جدًا، برأيي، أن يستشهد الفلاسفة المحدثون الحاليون بالفلاسفة الإغريق، لتحويلهم إلى حلفاء لمشروع هدم- النظرية، بينما عملت تلك الوجوه نفسها عن وعي على إدماج الفلسفة داخل ثقافاتها وعلى إدماج ثقافاتها داخل الفلسفة، مما يشكل بديلًا لأنماط التفاعل الاجتماعي الذي تروِّج له البلاغة والتنجيم والشعر والمصلحة الذاتية التي لا رقيب عليها[47]. بكل تأكيد لم يكن يدور بخلد الفلاسفة اليونان أن يستحبوا فكرة حياة تحتكم إلى توجيه المشاعر والعادات أو فكرة الأعمال الأدبية من طينة الذوق الرفيع. كانوا يرومون الحجة النقدية وصياغة دراسات شمولية عن الحياة الإنسانية المتفتحة. أنا أميل إليهم. كما كان الأمر مع سقراط، أظن أن الديمقراطيات الحديثة تحتاج إلى الفلسفة، إذا ما تطلعت إلى تحقيق قدراتها الكامنة[48]. وهي لا تحتاج إلى البحث السقراطي والمراقبة الذاتية فحسب، بل تحتاج إلى استدعاء نظريات أخلاقية معقدة، بما في ذلك نظريات العدالة الاجتماعية في المقام الأول.

بوسع النظريات، بل ويتعين عليها، أن تتبنى احترامًا لائقًا للأحكام المبنية على التجربة وعلى الإدراك المهذب؛ كان أرسطو من بين أولئك الذين أقدموا على ذلك. غير أن نظريته في شموليتها تسمح بتقليبها متى استدعت الحاجة ذلك، من أجل انتقاد الإدراكات التي خضعت للتشويه. بطبيعة الحال، يجب أن تصبح صيرورة النقد شموليةً، كما أن الأحكام يجب أن تتأكد من النظريات، بالقدر الذي تتأكد فيه النظريات من الأحكام[49]. لا يعني ذلك أن النظرية غير مجدية. بصراحة، إنها مجدية: ذلك أنها تجبرنا على التوفيق مع أجود أفكارنا؛ وهي تحمي ملكة الحكم لدينا من الوقوع ضحية التسويغ العقلي الأناني؛ كما توسع فكرنا داخل حقول لم يكن بالوسع أو نستكشفها أو أن نجربها[50].

V

إن كتاب الهشاشة الخيرية كتاب في موضوع الكارثة disaster في المقام الأول، وحول الطرق التي توصل بها الفكر الأخلاقي إلى التصالح مع الكارثة. وقد حظي هذا الجانب من الفكر الأخلاقي اليوناني القديم بدوره بأهمية جديدة في الفلسفة الأخلاقية المعاصرة. والمنظرون الذين لا يطمئنون إلى النظريات الأخلاقية التي تنتمي إلى عصر الأنوار يجدون ضالتهم أحيانًا في النظريات الفلسفية لأفلاطون وأرسطو. بيد أن عدم الاطمئنان إلى النظرية الأخلاقية الحديثة قد لا تقود المفكرين إلى أي فيلسوف، بل إلى أفكار الأدب الإغريقي السابق لأفلاطون حول الحظ والضعف البشري.

إن كشف الغطاء عن قيمة مثل تلك الأفكار كان واحدًا من بين انشغالاتي الأساسية، ولكنني لم أكن أنفرد بهذا الهاجس. فقد شغل ذهن برنار ويليامس مدةً طويلةً من الوقت، وهو أفضل المحدثين معرفة برقائق الشاعر التراجيدي. ومع أننا نجتمع حول اهتمام مشترك، وصلنا، أقصد ويليامس وشخصي أنا، إلى أفهام جد متباينة أحيانًا بشأن الأفكار الجوهرية للشعراء في موضوع الحظ والضعف. وقبل أن أنكب على فحص آراء ويليامس قد يكون من المفيد أن ألخّص النتائج الكبرى لكتاب الهشاشة الخيرية .

ما هي المعرفة التي قد تستفيد منها فلسفة الأخلاق المعاصرة بشأن علاقتنا بالحظ والقدر necessity حينما ندير وجهنا شطر التراجيديا اليونانية والمؤلفات الفلسفية التي تحالفت مع أفكار التراجيديا (كما يصدق ذلك على مؤلفات أرسطو الأخلاقية إلى حد ما)؟ فقد زعمت في كتاب الهشاشة الخيرية أن تلك المؤلفات تطلعنا على ثلاثة أشياء بخصوص القيم التي تصبو إليها الكائنات البشرية خلال حياتها والتي ظلت الفلسفة الأخلاقية في غفلة عنها. أولًا، يشهد الواقع أن بعض القيم الإنسانية، بكل بساطة، تعرض الكائن البشري للمجازفة risk. تدخل في ذلك رعاية الأبناء والأصدقاء والمحبوب؛ رعاية المواطنة السياسية والعمل السياسي؛ وعامةً، رعاية الكائنات التي تقدر على الفعل ولا تكتفي بمجرد الوجود. كل هذه الاهتمامات وضروب التعلق تضع الشخص الذي يعتز بها تحت رحمة الحظ من طرق معينة على الأقل.

لقد أوضحت أن كل الفلاسفة يبحثون عن الحد من تلك المخاطر، أملًا في الوصول إلى استقرار الحياة. وقد بالغ بعضهم وذهبوا بعيدًا لينتجوا تصورًا فقيرًا وضيقًا للخير. لكن بعض التأكيد على الاستقرار معقول وجوهري؛ بالفعل، صب الشعراء التراجيديون اهتمامهم على الاستقرار بطريقتهم الخاصة، ما داموا يعتزون أكثر بخيرات الطبع النبيل والفعل الفاضل ويفضلونه على خيرات المال والسمعة، وهي خيرات عابرة أكثر. وقد ذهبت إلى أن أرسطو قد ذهب بعيدًا وأثنى على بعض الخيرات بالتركيز ولو جزئيًا على عامل الاستقرار فيها على الأقل. وهكذا كان يفضل الصداقة المبنية في الطبع على الأشكال الأخرى الأقل استقرارًا، بحكم أنها في جزء منها تتمتع باستقرار أكبر. ومع ذلك وعلى غرار الشعراء التراجيديين، لا يتحمس للاستقرار ولا للحصانة من الطوارئ بالركون إلى غاية مهيمنة تخضع لها مجالات القيم الأخرى. وهكذا استمر في تعظيم الصداقة التي تعد من بين أهم الخيرات البشرية، بالرغم من أن أرسطو يعترف بأن الصديق الحق يتعرض على الدوام لمخاطر الفقدان والكوارث. لا تستهويه حياة العزلة: لن تكون إلا حياةً جد بئيسة في قيمتها[51].

و قد سطَّرت في كتاب الهشاشة الخيرية على فكرة ثانية بخصوص التراجيديا، وتتعلق بصلات الوصل بين الأشياء المحمودة. بناءً على أن الأشياء المحمودة متعددة ولا نملك أن نردها إلى شيء محمود واحد، لا تظهر بموجبها الخيرات الأخرى إلا في صورة وسائل، يصبح الفاعلون الأخلاقيون في ظل التعدد ضعفاء أمام الحظ على نحو آخر، ما دامت قد تظهر صراعات عارضة بين القيم، وهي صراعات يصعب معها أو يتعذر على الفاعلين الأخلاقيين أن يتابعوا كل الأشياء التي ألزموا أنفسهم بها. تقدم المؤلفات التراجيدية دراسات غنيةً عن هذه الصراعات؛ ولكنني أكدت أن فكر أرسطو قد خصص بدوره مكانًا لهذه الصراعات، مع أنه كان يراعي هاجس التناغم أكثر مما كان يفعله الشعراء التراجيديون[52].

ثالثًا، إذا ما كانت العواطف ذاتها تحظى بقيمة باعتبارها عناصر أساسيةً داخل حياة إنسانية خيرة، تعرض هذه الواقعة الفاعل لأحداث طارئة لا تتحكم فيها الذات. (حينما أعود إلى دراسة العاطفة كما أفضلها لا يعدو هذا أن يكون وجهًا آخر للنقطة الأولى، بما أن العواطف تستدعي أحكام قيمة تخلع قيمةً كبرى على الأشياء الموجودة خارج النفس، دون أن نتحكم فيها بالكامل؛ وبالنظر إلى تلك الارتباطات بالخارج تبث فينا العواطف الشعور بالضعف).

وهكذا، فإن الأعمال التراجيدية والمؤلفات الفلسفية التي تعلمت من التراجيديا، يمكنها أن تذكي حاسة الانتباه إلى الكيفية التي تشعر فيها القيم الإنسانية بالهشاشة أمام الحظ وتطرح بذلك علامات استفهام على مشاريع صياغة مخطط أهدافنا وغاياتنا، على نحو نستبعد معه تدخل الحظ تمامًا من الحياة الإنسانية[53]. لكن هذا التذكير المحسوس بأن الحياة المحصنة على كل الجبهات تتحوّل بالتأكيد إلى حياة فقيرة، لا يعني أبدًا أنه يتعين علينا أن نفضل حياة المخاطرة على حياة أكثر استقرارًا أو أن نبحث عن أقل قدر من الهشاشة، كما لو كان ضعفها خيرًا في ذاته. يشكل غياب الهشاشة في حدود معينة خلفيةً لا بديل عنها حينما نتطلع إلى بعض الخيرات الإنسانية الأساسية. وعليه، كل من يحب طفلًا يجرد نفسه من الهشاشة، ولو أن حب الأطفال خير حقيقي. ولكنني لم أتبن يومًا ما موقف الرومانسية الذي يرى أنه من الواجب علينا أن نبجل غياب الحصانة والهشاشة في حد ذاتهما. وقد تبنيت بالفعل الموقف الأرسطي المعقول الذي يرى أن أفضل صور الخيرات غير المحصنة (مثل العمل السياسي والحب والصداقة) هي تلك التي تتمتع باستقرار نسبي بالمقارنة مع الأشكال العابرة نسبيًا. على نحو مماثل، قد نعترف بأن كل من تمسك بالحياة السياسية يركب بذلك مخاطرة الخسارة (خلال أوقات الحرب مثلًا)، دون أن نستنتج من ذلك أننا نبارك استمرار تقلبات الوضع السياسي على الدوام. ليس الأمر كذلك بالتأكيد.

أكدت مع مرور الوقت بصورة أقوى ربما على هذه النقطة، ولكنني أعتبر أن التغيير يتصل بمسألة التأكيد، وليس بمسألة الرأي. وتبرز أهمية عدم تثمين الهشاشة كهدف في حد ذاته بصورة لا مراء فيها عندما نركز على موضوع الفكر السياسي. ذلك أننا لمّا نمعن التفكير جيدًا في العناصر غير المحصنة في الحياة الإنسانية، نكتشف أن نسبةً من عناصر الهشاشة لدى الإنسان لا تنتج عن البنية الخاصة التي تميز الحياة الإنسانية أو عن ضرورة ملغزة داخل الطبيعة، بقدر ما تنتج عن الجهل والجشع والمكر وعن وجوه أخرى من القبح. سنموت يومًا ما، لا محالة. ولكن الواقع الذي يفيد أن عددًا كبيرًا منا يموت في عز شبابه (في الحروب أو نتيجة مرض بسيط أو الجوع) ليس قضاءً وقدرًا على الإطلاق، بالقدر الذي لا يعتبر فيه أنَّ موت الطفل Astyanax في نساء طروادة The Trojan Women كان قدرًا محتومًا. كان الموت ناتجًا عن تفاهمات سياسية فاسدة. كذلك، أتوفر على جسد، وهذا ما قد يعرضني لجروح، لكن واقعة اختطاف النساء وقت الحرب، كما كان سوفوكل Sophocles وأوريبيدس Euripides يعلمان ذلك جيدًا، كانت نتيجة خبث البشر، وليس نتيجة حتمية طبيعية. كذلك لا علاقة للهشاشة الجذرية التي يشكو منها الإنسان بصورة يومية (لغياب الطعام والملجأ والسلامة الجسدية) بوجود أدنى قيمة معتبرة. لا جدال في أن التوفر على جسد بشري شرط ضروري للحصول على بعض الخيرات الإنسانية؛ لكنه لا جدال كذلك في أن التوفر على جسد بشري يعرض المرء للعدوان والاختطاف والجوع والمرض. لكن ذلك لا ينبغي له أن يحملنا على القول إن العدوان والاختطاف والجوع والمرض شروط اكتساب خيرات حقيقية. وهي ليست كذلك بالتأكيد؛ وإذا ما تخلصنا منها لن نفقد شيئًا ذا قيمة. تظهر الكتابات التراجيدية بوضوح أن أفضل الكائنات البشرية حكمةً ليست في منأى عن الكوارث. لكنها تبرز لنا كذلك عن حق وبكل وضوح كيف أن كثيرًا من الكوارث تنتج عن السلوك القبيح، سواءً نتج عن سلوك البشر أو عن سلوك الآلهة الشبيهة بالبشر[54].

قد يكون من الصعب علينا على الدوام أن نعزل صنفًا من الكوارث عن صنف آخر، بما أننا لا نعلم سلفًا ما هي الكوارث التي نملك القدرة على تجنبها، قبل أن نحاول ونعيد المحاولة من جديد، وما دام النوع البشري موجودًا على البسيطة ويستعمل كل الوسائل المتاحة. ولكن شيشيرون Cicero كان بالتأكيد على حق حينما لاحظ أن المرء الذي لا يرتكب فعلًا خاطئًا عن قصد، لا يستطيع أن يعتبر السمعة إنصافًا له، إذا كان كل ما قام به هو أن يظل خاملًا لم يبرح مكانه، بينما كان بإمكانه أن يبادر إلى مساعدة الناس الآخرين بعدما تعرضوا للهجوم أو العنف[55]. وعليه فإن هشاشة الكائنات البشرية التي تنتج عن واقعة أن أغلب الكائنات البشرية كسولة أو لا تهتم بغير شؤونها، (أو قل كذلك قد تكون عنصريةً أو تحمل نعرةً وطنيةً أو تغلي حقدًا بطرق أخرى، أو مصابة بالعمى الذي يمنعها من رؤية الجانب الإنساني في غيرها من البشر) لا يجب أن تعتبر معاناة محتومة؛ يتعين علينا أن نعتبرها أفعالًا خاطئةً مدانةً، ولا ينبغي لنا أن نثمن ثمراتها على أي نحو من الأنحاء، ولا أن نلمح إلى أنها قد تصبح شروطًا خلفيةً لتحصيل خيرات إنسانية حقيقية.

إن الانتباه إلى أن الخمول والفعل الخطأ والبصيرة الأخلاقية العمياء سبب يفضي إلى حصول أفعال تراجيدية، يترك مخلفات كثيرةً على موضوع صراع القيم، وهي النتائج التي لم أستخلصها بالكامل في كتاب الهشاشة الخيرية . وقد وصفت في الفصل الثاني رأي هيغل الذي ذهب إلى أن احتدام صراع عارض بين خيرين حقيقيين يقودنا لزومًا إلى البحث عن تركيب يستطيع أن يحفظ الخيرين معًا ويخلق عالمًا لا يصبح فيه الفاعلون ملزمين على الدوام بمواجهة الصراعات التراجيدية في ما بينهم. وبينما أعلنت عن تعاطفي مع ذلك الرأي إلى حد ما، أبرزت أن أي إقرار بتعدد الخيرات الحقيقية يترك الباب مشرعًا أمام إمكان الصراع؛ وعليه، يجب علينا أن نصبح أكثر تشاؤمًا من هيغل بخصوص إمكانات تجاوز الصراعات. لا زلت أعتقد أن هذا صحيح في الجوهر: لا يمكننا أبدًا أن نقوم بموازنة بعض مجالات القيم على نحو يضع معه الصراع جانبًا إلى الأبد. الأسرة والدولة من بين هذه المجالات. ومع ذلك، أود أن أؤكد الآن أكثر على وجه الصواب في موقف هيغل[56]. وغالبًا ما استخلصت النتيجة التي تفيد أن الصراع التراجيدي يجب أن يظل في قلب المنظومة السياسية قبل الأوان، قبل أن نحسن التفكير حول ما يستطيع التخطيط السياسي الجيد أن يحققه. كما يمكن أن توجد دولة تكرم الفرائض الدينية العميقة، بينما تتابع في ذات الوقت ما هو جيد في المنظومة المدنية – أظن أن القرن الخامس في أثينا هو الواحد وأظن أن الولايات المتحدة المعاصرة، على نحو مغاير، هي الأخرى- بنفس القدر، يمكنها تجاوز عدد كبير من الصراعات التي تبدو عصيةً على الحل بفضل تخطيط ذكي. ومن بين الأفكار الراسخة نجد الفكرة التي تلح على وجود صراع تراجيدي في ذهن المرأة بين الوظيفة والعائلة. والحال أننا وضعنا علامة استفهام على هذا الاستنتاج المطمئن، متسائلين لماذا لا يجب ملاءمة بنية الوظائف حتى تتمكن من ترجمة وقائع الحياة العائلية ترجمةً جيدةً، كأن نطالب الذكور بالمساهمة في تربية الأطفال. ومن بين الأفكار الراسخة نجد من يقول إن الآباء الفقراء يجب أن يواجهوا اختيارًا تراجيديًا بين تربية أطفالهم واستثمارهم في عمل الأطفال: فقد اعتبر الاختيار تراجيديًا، لأن عمل الأطفال اعتبر ضروريًا لبقاء الآباء أنفسهم. والحال أننا نعلم اليوم أن هذا الأمر ليس ضروريًا، بالرغم من أننا نعلم أن الآباء في مناطق متفرقة من العالم لا يزالون يواجهون مثل هذه الاختيارات التراجيدية: قد يمكِّن التخطيط السياسي الجيد كل المواطنين من الاستفادة من التربية دون أن يموت أحد جوعًا.

باختصار، ما يظهر في صورة قدر محبط لا يعدو في الغالب أن يكون مجرد جشع وكسل وغياب الخيال. وأنا أعتقد أن كل التراجيديين الإغريق يؤكدون على هذا العنصر في السلوك القبيح، بعد أن ربطوا التراجيديا بالتفكير في بروز العدالة. وقد أشار أخيل Aeschylus بوضوح إلى أن الأضرار التي اقترفت في دوامة الانتقام لم تكن كلها حتميةً: تستطيع منظومة سياسية عادلة أن تتخطى بعض المعاناة المجانية. يفضح أوريبيدس مرارًا وتكرارًا مكر الكائنات البشرية وغباءها في وقت الحرب. لم تكن المعاناة التي قامت نساء طروادة بتوصيفها، ولا أية صورة من صورها، ثمرة الحتمية، ولا ملاصقةً في طبيعة القيمة الإنسانية. إنها تنجم عن الغباء والجشع؛ ولا نبالغ إذا ما قلنا إن الآلهة متورطة لأنها لم تحل دون وقوع هذه الأشياء. حينما كتب أوريبيدس Euripides لجمهور كان يتشكل من إمبرياليين يشنون حروبًا عدوانيةً، وكانوا أنفسهم يملكون اختيارات حقيقيةً في ما يهم كيفية التعامل مع أولئك الذين لم يكونوا محصنين ضد أفعالهم، لم يكن ينصح بالاستقالة. كان يدعو إلى الغضب من أي شخص قد يتصرف كما تصرف الإغريق في نساء طروادة، كما كان ينصح بإبداء الحذر للتأكد من أن تلك الأفعال لم تقترف. وقد نبه سوفوكل ذاته بدوره إلى بعض الشرور التي يمكن تلافيها، بالرغم من أن مسرحياته كانت تميل في الغالب إلى تغليب الحديث عن الكوارث التي لا تملك الحكمة ولا تملك الفضيلة الإفلات منها (جرح فيلوكتيتس Philocretes وقتل الأب من طرف أوديب ). كان نيوبتوليموس Neoptolemus يملك اختيار مساعدة فيلوكتيتس أو الإساءة إليه. وكان الإغريق يملكون قبل ذلك خيار مساعدة فيلوكتيتس أو التخلي عنه. كانت أنتيغون وكريون يملكان اختيارات بشأن الطريقة التي ينظران بها إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والأسرة (وهي الاختيارات التي قامت بها أثينا على عهد بيريكليس بصورة مغايرة).

لا يجب علينا أن نخلط بين الديانة الإغريقية والديانة اليهودية – المسيحية، وهي الديانة التي تعتقد أن الأفعال الإلهية يجب أن نعتبرها أفعالًا سريةً تقوم على منظومة أخلاقية. كان أيوب على حق حينما تخلى عن محاولة اتهام الله بارتكاب الأخطاء ورحب بالطابع السري والغامض الذي تحتفظ به الأفعال الإلهية. بالمقابل، كانت أخلاق الأفعال الإلهية في العالم اليوناني تتعرض للطعن بصورة منتظمة، وقد شاع القول بأن الآلهة لا تملك كامل الوعي والإحساس المرهف بالمعايير الأخلاقية، بما أنها لا توجد في وضعية الحاجة والنقص التي تستدعي تلك المعايير. وقد تبنى أرسطو في هذا الاتجاه الموجود على الطرف الأول، نافيًا أن تتوفر الآلهة على فضائل أخلاقية على الإطلاق. وبما أنه من السخافة أن نتخيل أن الآلهة تبرم عقودًا أو ترجع الودائع، لا يجوز لنا أن نقول إنها تملك عدالةً. وبينما لم يسر الشعراء التراجيديون بعيدًا في هذا الاتجاه ظهر ميل منذ وقت هوميروس إلى وصف الآلهة بصفات القسوة والأنانية في تعاملها مع الكائن الفاني. ولكن هذا يعني أن الأعمال التراجيدية التي نجمت عن المكر الإلهي قد لا تكون ناجمةً عن الحتمية المدهشة، بل عن ضيق الأفق والكسل والخطأ الأخلاقي.

سندير وجهنا اليوم شطر وليامس وإلى الفحص الغني الذي قام به حول ما تستطيع الفلسفة الأخلاقية المعاصرة أن تتعلمه من التراجيديا. كتاب وليامس تحت عنوان: Shame and Necessity كتاب جدير بالاهتمام. يضم بعض منه حجةً متبصرةً ورائعةً ضد مختلف ضروب التأويل التقدمي للفكر اليوناني. على سبيل المثال، أقنعنا وليامس بأن ادعاء الرواقية من أن الإغريق كانوا يفتقدون إلى الوعي بأهمية الروية والاختيار، ومن أنهم قد كوَّنوا صورةً بدائيةً عن الفعل الإرادي، لا يصمد طويلًا أمام فحص النصوص. كما أنه أحسن صنعًا حسب رأيي حينما أكد أن الإغريق لم يكونوا يتبنون «ثقافة العار» بالمعنى الذي يروج له في الغالب، حينما يقصد ثقافةً تراهن بصورة كاملة على التقدير الخارجي والمكافآت. يؤكد أن التصور اليوناني للعار يتضمن بعضًا من السمات المخصوصة في فلسفة الأخلاق، ويتضمن كذلك الطابع الباطني الذي ينطوي عليه مفهوم الإثم. في الأخير، يؤكد بالحجج الدامغة أننا نرى في فكر الشعراء رأيًا حول العالم يجدر بنا أن نتأمل فيه: وهو عالم لا يتحكم العقل فيه بالكامل في آمالنا، ما دمنا نظل فيه ريشةً في مهب الريح على نطاق واسع. أنا أتفق عامةً مع كل ما ذهب إليه في هذا المقام.

يوجد في الكتاب ما يوحي بأن مواقفنا بخصوص هذه القضايا ليست متطابقةً: مثال، إن استبعاد أرسطو من قبل وليامس يوحي بأنه يعتقد أن أرسطو أكثر بعدًا عن الشعراء التراجيديين مما أظن؛ وقد يكون مرد ذلك إلى تأويل مختلف للشعراء، بقدر ما يرجع إلى تأويل مختلف لأرسطو. غير أن هذه القضايا قد ظهرت بحيوية أكبر في مقالة نشرت عقب نشر الكتاب، وتقترح علينا قراءةً رصينةً لإحدى المسرحيات التراجيدية، رابطةً ذلك بأطروحة عامة عن أهمية التراجيديا في الفكر الأخلاقي المعاصر. وعليه، سأركز على تلك الدراسة وعلى الاختلافات التي تفصح عنها بين آراء وليامس حول الحظ ومواقفي الشخصية[57]. إذا ما أصررت على إبراز الاختلافات، لا نقصد من ذلك أن نحجب الإعجاب الكبير بتفرغ وليامس لدراسة الإغريق، وبإنتاجه الفلسفي في مجمله.

شرع وليامس في إبراز أطروحته بالقول إن الفلسفة الأخلاقية تتميز بارتباطها بمشروع تبشيرنا «بأخبار حسنة» حول طبيعة وجودنا- سواءً في صورة الحكايات الكبرى الهيغيلية بخصوص التقدم أو في صورة ثيوديسيا ليبنتز Leibniz. وحتى الواقعة الكانطية المجردة بشأن الإرادة الخيرة تندرج ضمن الأخبار الحسنة. تضعنا «القصص الخيالية القاتمة» والكتابات التراجيدية اليونانية في المقام الأول وجهًا لوجه أمام «الرعب» اللصيق بالحياة البشرية. على هذا النحو، «تقدم تعليقًا ضروريًا وتضع حدًا مناسبًا للغاية التي تصبو إليها الفلسفة الأخلاقية دون كلل، حينما أرادت أن تجعل العالم في خدمة الناس ذوي النوايا الحسنة». بعدما أطلعتنا على حيز يتمتع بأهمية أخلاقية ولا تتحكم فيه الإرادة البشرية، دعتنا بالفعل إلى التنازل عن ذلك الحيز لصالح الطبيعة والقدر ونزوات الآلهة.

والحقيقة أنني لا أنكر أن بعض القصص التراجيدية تهم إلى ذلك. ولكنني أعتقد أن قصة وليامس بالغة البساطة، كما هو الشأن مع ما يحسبه «أخبارًا حسنةً» و«أخبارًا سيئةً». لنفحص نهاية قصة Sophocle Trachiniai التي يستشهد بها وليامس في نقطة. أخفق مخطط Deianeira رغم حسن نيتها، في أن تزود زوجها بجرعة من الحب، نتيجة مكر القنطور. لم يبتل هرقل Heracles بالحب، بل باحتضار مرعب. بعدما أحس ابنه Hyllus بمعاناته، طلب من المشاهدين من بني البشر (ومن الجمهور) إبداء تعاطف suggnōmosunē، وهو تعاطف يتعارض مع قساوة الآلهة. وقد استشهد وليامس بالفقرة الختامية الشهيرة في صدر مقالته:

إنك ترى اللامبالاة العميقة (agnōmosunē) كما تظهرها الآلهة

تجاه الأشياء التي وقعت،

من أنجبونا ويدعون آباءنا

وانظر إلى مثل تلك المعاناة.

لا أحد يستطيع رؤية ما سيأتي،

ولكن ما هو موجود هنا يستدعي منا الشفقة

ويخلع العار عليهم،

ولكن من بين كل الناس ما أصعب عليه

على من وقعت هذه الكارثة.

العذراء، أنت لا تسكنين هذا البيت:

رأيت الموت وحالات احتضار كثيرة،

طازجة وغريبة،

ولا شي هنا لا يعتبر زيوس[58].

وقد رأى وليامس في هذه السطور إدراكًا صحيحًا للقيود الملقاة على كاهل المشاريع البشرية. انتبه هيلوس إلى أن العالم في جوهره غير منصف وعبثي، وأنه لا حول ولا قوة لنا تجاهه. بذلك المعنى فإن المسرحية، وهي «قصة خيالية قاتمة» تواجهنا دون لف ولا دوران «بالرعب» وتحذرنا من قبول «الأخبار الحسنة» التي يبشر بها الفلاسفة. لكن مشكلتين تعترضان مثل هذه القراءة. أولًا، إنها تتجاهل مدى التقدير والإثبات الإيجابي الذي حظي به الحكم الأخلاقي لدى الإنسان، ولو في مواجهة الكارثة: فالشفقة وتعاطف الجماعة البشرية يحظيان بمنزلة سمو «تظل متألقةً»[59] رغم الرعب، حسب عبارة أرسطو، وفي تعارض مع لامبالاة الآلهة. لا يتطابق ذلك بالضبط مع الآراء الحسنة لدى كانط بشأن الاستقامة الأخلاقية التي تميِّز الإرادة الخيرة التي قد تقع «ضحية الأم الطبيعة»، ولكنه بالتأكيد أقرب إلى كانط مما يعترف به وليامس[60].

ثانيًا، تستهين قراءة وليامس، فيما أعتقد، بالغيظ الثاوي في كلام هيلوس. لا يوافق وليامس حرفيًا على الانسحاب أمام القدر التراجيدي؛ لكنه قد يكون من الصعب علينا أن نعلم ما هو الموقف الأخلاقي المغاير الذي يوحي به منظوره. لم يكن الانسحاب أمام القدر التراجيدي، مع ذلك، هو ما نستفيده من العبارة megalēn theōn agnōmosunēn «استهتار لا مبال وكبير للآلهة، ولا هو ما نستفيده من اعتبار الآلهة بمثابة الأبوين اللذين ظلا قاعدين رغم اندلاع أحداث خطيرة. لا شك في أن أية أسرة إغريقية ستنظر باشمئزاز إلى سلوك الأب الذي يسمح بحدوث مثل هذه الأشياء لفلذات أكبادهم، إذا ما كان بوسعه أن يمنع ذلك. مثل هذا التصرف «مخز» بالفعل، وكما ألح وليامس عليه، ويتناسب العار shame في العالم الإغريقي مع ردود الفعل الأخلاقية المستنكرة واللوامة[61]. يجب علينا أن نتعامل بجدية كبيرة مع فكرة أن الآلهة ذوات فاعلة مجسمة وشبيهة بالبشر، سوى أنها أكثر قوةً منهم. وإذا ما أجازت مثل هذه الكائنات حدوث هذه الكارثة، ستتعرض آنذاك لإدانة ثقيلة، ولاسيما إذا ما ادعت أنها تتشكل من آباء وأمهات مسؤولين. لا يحتاج مثل هذا العالم لأن يوجد؛ ولكنها أجازت وجوده.

تخيَّل شاهدًا هنديًا قام بتعليق على مجزرة الجنرال داير Dyer التي ارتكبت في حق آلاف المدنيين الأبرياء في أرميستار. لم يكن شيء يمنعه من أن ينهي كلامه بالعبارة التالية: «لم يكن أي شيء هنا خارج القانون». بعبارة أخرى، كيف يتجرأ هؤلاء الأشخاص النافذون على المجيء ليعترفوا بأنهم سادتنا وآباؤنا ثم يتصرفون بعد ذلك بهذه الطريقة المشينة والشريرة[62]. وبما أن اليونانيين كانوا ينظرون إلى آلهتهم في صورة ذوات فاعلة شبيهة بالبشر، ولم يكونوا يعتبرون مثل هذه الذوات الفاعلة ذوات تتصف بالكمال الأخلاقي، كانت الأسئلة المتصلة بمدى تحقق العدالة في أفعالها أسئلةً مطروحةً بقوة، ولم يكن طرح مثل هذه الأسئلة خارجًا عن الصواب- وحتى ولو اعتقد البعض أنه كان خارجًا عنه (وقد ذهب أفلاطون إلى ذلك بالتاكيد) كان هذا السؤال مطروحًا بصورة منتظمة بشكل من الأشكال. (تخيَّل حجم الصدمة التي قد نصاب بها حينما تعتبر مسرحية أن أفعال المسيح كانت «مخزيةً» وبليدةً على نحو صادم، وسترى ما يفصل المنظور المسيحي عن مقابله الإغريقي).لا تدعي المسرحية أن ذلك سيحدث حتمًا؛ ناهيك عن أن تقول (وهو ما كان من المحتمل أن يقوله النص اليهودي المسيحي) أن كل ما حدث كان عادلًا وخيرًا، بالرغم من أننا لا نستطيع فهم العدالة الإلهية وفضلها. تقول المسرحية عكس ذلك وتؤنب بذلك الآلهة على اختياراتها.

لاحظ اليوم ماذا حصل لمشكلة الأخبار الحسنة والسيئة. إن الأخبار التي تقول إن المعاناة التي نشهدها هي نتيجة قدر بعيد لا سبيل إليه ولا راد له ولا نعرف الحكمة منه، هي في جانب منها أخبار سيئة: ذلك أنها ستعني آنذاك أنها ستتحقق حتمًا وأن أشياء مماثلةً ستتحقق كذلك. لا نستطيع استثناء أنفسنا من هذه الأقدار. وهذا هو ما يقصده وليامس حينما يقول إن مثل هذه الأخبار تحد من المبالغة التي قد تذكيها «الأخبار الحسنة». ولكنني أعتقد أن تلك الأخبار كانت حسنةً بمعنى آخر: لأن ذلك يعني أنه لا يوجد أحد نلومه ولا فعل إضافي نقوم به. يمكننا أن نتخلف إلى الوراء ونستسلم للعالم كما هو، متأكدين من أننا لا نستطيع تغييره.

بالمقابل، إذا ما فكرنا في أن الخبث والجهل والقساوة قد تكون السبب في المعاناة التي نشهدها، ستكون الأخبار آنذاك بمعنى ما أخبارًا حسنةً: سيعني ذلك أنه يوجد أمل في التغيير. ولكنها ستصبح أخبارًا سيئةً بمعنى آخر: سيعني ذلك أنه كان من المحتمل ألا تكون المعاناة قدرًا مقدرًا، وأننا لو بذلنا جهدًا أكبر أو فكرنا مليًا، لكان بإمكاننا أن نتجنب ذلك. سيعني ذلك على أقل تقدير أنه كان من الأفضل لنا لو اجتمعنا وتعاونا على القيام بأي شيء، قصد تجنب مثل هذه الأشياء في المستقبل. وعندما اعتبر غاندي ونهرو وملايين الآخرين أن أصناف العذاب التي عانت منها الهند لم تكن مقدرةً عليهم، استنتجوا من ذلك التزامًا سياسيًا بالمضي قدمًا في المعاناة والمجازفة، أملًا في التخلص من استبداد من النظام الرهيب «للأوصياء»[63]. وفي الحالة التي يصبح فيها التفاوت في السلطة بين الضحايا والجلادين تفاوتًا يزداد حجمًا، كما هو بين المخلوقات الفانية والآلهة (ذلك أن (*)Raj لم يكن زيوس، بالرغم من أن البعض كان يعتقد في ذلك)، لا نعرف بالتدقيق ما يمكن فعله، بالرغم من أن الانقطاع عن العبادة كان، على الأقل، من بين الإجراءات التي كان يتم اللجوء إليها بانتظام، سواء في المأساة (نهاية نساء طروادة Trojan Women) أو الملهاة (Birds)؛ باختصار، يجب الاستمرار دون كلل في متابعة المطالب الغاضبة من أجل الاعتراف وجبر الضرر. حتى ولو كانت الآلهة بليدةً نسبيًا ليست مصابةً بصمم تام تجاه اتهامات البشر. وبما أنه يبدو في الغالب أن بلادتها لا تنجم عن مكر خبيث، بل عن افتقار تام إلى القدرة على فهم ما تتعرض له المخلوقات الفانية من تجارب، فإن تنبيهها بصورة واضحة على الأقل إلى تكلفة أفعالها يعتبر استراتيجيةً واعدةً.

و لكن الأكيد هو أننا عندما نصطدم بحالة مألوفة كثيرًا داخل المأساة وتتضمن جلادين ينتمون هذه المرة إلى بني البشر، على غرار داير Dyer، تصبح النتيجة التي يخلفها الانتباه إلى أن الفعل الخطأ هو منبع المأساة نتيجةً واضحةً: يجب على الشهادة أن تعترض على مثل هذا الشر الذي يقدر بتكلفة مرتفعة وفضحه على رؤوس الأشهاد. تتبين إحدى طرق تحقيق ذلك ربما في كتابة نص مسرحي يكشف عن الشر أمام جمهور المواطنين كما يظهر في الديمقراطية. تلمح المسرحيات التراجيدية باستمرار إلى أهليتها للاعتراف بمعاناة المنبوذين، أملًا في تعزيز رؤية أخلاقية أكثر صوابًا. وقد جعل الالتهاب الذي برز في قدم فيلوكتيتس Philocretes منه موضوعًا يتلافاه القادة الذين يكتفون بإنكار المعاناة التي تدوم نتيجة سلوكهم. بالمقابل، تلمح المسرحية باستمرار إلى تصميمها الذاتي على رؤية معاناته وعلى قدير حجمه، وعلى إيجاد صلة وصل بين هذا العمل الخيالي وهدف الفعل الأخلاقي الصائب[64]. وبما أن مثل هذه الأفعال أكثر صعوبةً من التأمل في أهوال الوجود، فإن الأخبار التي تفيد أن الشر وليس القدر هو السبب في المعاناة أخبار سيئة. يرى نيوبتوليموس Neoptolemus أن الوعي بكونه يستطيع اختيار التصرف بطريقة عادلة شعور موجع مثل هجوم فيلوكتيتس: يستعمل نفس العبارة، papai، من أجل الإشارة إلى احتضار القدرة على الفعل الملاحظة[65].

أعتقد أن «القصص الخيالية القاتمة» لدى الإغريق تضع تحديًا على كاهل الجمهور، وبالضبط من أجل دفعه إلى إعمال تفكير شاق في أسباب الكارثة: هل يتمثل السبب في القضاء الذي لا راد له أم هو المكر والجنون؟ أين يتوجب علينا رسم الحد بين الواحد والآخر؟ إننا نكتسب المعرفة من الأسلوب الدقيق وغير المحدد غالبًا والذي يساعد المسرحيات التراجيدية على طرح أسئلتها، ونكتسبه كذلك من التحديات التي تضعها على كاهلنا لمواجهة دور الذات الفاعلة التي تستحق التأنيب، حتى بخصوص الأشياء التي تبدو عاديةً مثل التنفس[66]. لا يجب أن يغيب عن ذهننا أن الكتب التراجيدية كانت قناة الروية السياسية والتفكير في المهرجان المدني المقدس، في مدينة كانت تعتبر إمبراطوريتها «استبدادًا» وقتلت أبرياء لا حصر لهم. بالنسبة لذلك الجمهور، لم تبشر المأساة بأخبار حسنة حول التخاذل؛ بل أدلت بأخبار سيئة حول المحاسبة الذاتية والتغير. (قتل الأثينيون في عام 415 قبل الميلاد، كل المواطنين الذكور الذين ينتمون إلى المستعمرة المتمردة ميلوس Melos واستعبدوا النساء والأطفال، (وهو نفس العام الذي نشر في أوريبيدس في موضوع نساء طروادة).

باختصار، بدل أن تتنازل الكتب التراجيدية عن ذلك الجزء من المجال الأخلاقي، مسرح الأحداث المأساوية لهيمنة الضرورة العمياء، ترفع تحديًا أمام جمهورها وتطالبه بأن يسكن ذلك المجال بصورة إيجابية، وهو مجال النزاع في الصراع الأخلاقي، مجال قد يمكِّن الفضيلة في بعض الحالات من أن ترجح كفتها على كفة نزوات القوة غير الأخلاقية، وقد يسمح للفضيلة من ظهور نفسها من أجل الفضيلة ذاتها[67]، حتى في حالة عدم رجحانها.

تدل مؤشرات كثيرة في عالمنا المعاصر على أن أغلب مظاهر المجاعة وبعضًا من مظاهر البؤس التي نشهدها قد نجمت عن الإهمال الآثم الذي يتسبب التخاذل الميتافيزيقي القوي فيه[68]، وقد تتحوَّل نسبيًا إلى أخبار حسنة حينما نغض الطرف عن القوة المسؤولة عنها داخل الكتاب. لكن الأخبار الحقيقية التي تبعثها المأساة اليونانية إلينا، وإلى الأثينيين كذلك، أسوأ من ذلك بكثير: ذلك أن الأخبار السيئة تشير إلى أننا مذنبون بنفس القدر الذي كان فيه كل من زيوس في Trachiniai والجنرالات في نساء طروادة وأدوديسيوس Odysseus في فيلوكتيتس مذنبين كذلك، علاوةً على كثير من الآلهة والمخلوقات الفانية في أزمنة وأمكنة كثيرة، ما عدا أو على الأقل إذا ما انتفضنا من خمولنا وتخلينا عن طموحنا الأناني وتخلفنا وتساءلنا مع أنفسنا ما هي أنجع سبل الوقاية من الآلام التي نشهدها. كما كان فيلوكتيتس يعلم ذلك، لا معنى للشفقة بدون القيام بمبادرة: التدخل باسم المعاناة حتى ولو كان شاقًا ومنفرًا[69]. إذا ما تخاذلت عن المبادرة ستصبح سافلًا وجبانًا، وربما منافقًا ومخادعًا كذلك. وإذا ما بادرت إلى المساعدة، ستكون قد أسديت خدمةً رائعةً.

 

Bibliography

[تصور من الكتاب الأصلي ص. xxxvii – xxxviii – xxxix] 

مارتا نوسبوم

شيكاغو

يناير 2001


[1]    أعرب عن امتناني إلى John Deigh, Michael Green, Andrew Koppelman, Charles Larmore, Michelle Mason, Richard Posner, Henry Richardson, David Sedley, David Strauss, Cass Sunstein, Bernard Williams على تعقيباتهم المفيدة على مسودة سابقة. صدر الكتاب وهو يحمل إهداءً، أما مقدمته الجديدة فهي لا تحمله. وعليه، أهدي هذه المقدمة إلى أستاذي وصديقي Bernard Williams، وهو واحد من بين الفلاسفة المتميزين في عصرنا، حيث كان عمله المثير حول الحظ ولا يزال مصدر إلهام لي في عملي حول هذه المحاور.  

 

[2]    أصبح الكتاب اليوم قديمًا، لأنني شرعت في تحريره حوالي سنة 1971.

 

[3]    لا أعني أنني أستبعد بذلك ثقافات فلسفيةً أخرى: كل ما في الأمر أنني لا أعلم إن كان هذا الإحياء موجود في بقاع أخرى من العالم. أعلم جيدًا أن الفلسفة الأخلاقية في البيرو تقتسم معنا الاهتمام بأخلاق الفضيلة كما سأصفها؛ وقد جعلت المجلة الرائدة Arete من أخلاق الفضيلة إحدى محاورها الأساسية.

 

[4]    باستثناء تصحيح أخطاء مطبعية مختلفة وتحديث لائحة المراجع.

 

[5]    هنا وكذلك في صلب النص أستعمل مصطلح «الحظ» «luck» للإحالة إلى ما أطلق عليه الإغريق لفظ tuchē، وبالضبط إلى الأحداث التي لا يتحكم فيها الفاعل البشري، وهو لا يشير ضمنيًا إلى العشوائية randomness أو إلى أي رأي مخصوص حول السببية.

 

[6]    هذه الصورة المجازية موجودة لدى أرسطو في كتاب : الأخلاق إلى نيقوماخوس  11O1a9

 

[7]    وقد تعرضت لبعض مناحي هذا الفحص في كتاب The Therapy of Desire المنشور سنة 1994، وهو كتاب شارح لكتاب الهشاشة الخيرية .

 

[8]    هامش ناقص؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 

[9]    من بين الآراء التي أحتفظ بها في الذهن، أحيل إلى أكثرها تأثيرًا لدى برنار ويليامس Bernard Williams في كتابه:

      Ethics and the Limits of Philosophy (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1985)

      وShame and Necessity (Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 1993)

      وAlasdair MacIntyre في كتابه After Virtue (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1981) Whose Justice? Which Rationality? (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1987).

      ومن أجل المناقشة التفصيلية لويليامس راجع «Human Nature», «Practice/Theory»,

      و«Virtue Ethics»؛

      يناقش المقالان الأخيران الأعمال ذات الصلة لدى Annette Baier وCora Diamond.

      راجع مقالتي في The New York Review of Books, 7, 1989 لقراءة مراجعتي النقدية لكتاب MacIntyre تحت عنوان Whose Justice?.

      في الفقرة الرابعة سأزعم أن الفرق بين Williams وMacIntyre يحمل دلالةً هامةً: إن MacIntyre يعادي النظرية والعقل معًا؛ وبينما رفض Williams النظرية الأخلاقية دافع بالمقابل عن فكرة الثقافة النقدية والعمومية، وهي فكرة التنوير (وفكرة سقراط قبل ذلك).

[10]   كما ظهر ذلك في Therapy، لكن الرواقية لعبت دورًا مركزيًا في «Lawyer», «Eros», «Kant-Stoics,». بالنسبة لحب الوطن، «Political Animals», «Cicero,» «Four Paradigms,» «Practice/Theory,» Upheavals

 

[11]   إن مشروع Upheavals يقوم على صياغة هذا الفحص.

 

[12]   بالنسبة لحالة مذكورة راجع الفحص الذي قمت به للنقد الرواقي للـerôs  في «Erôs»؛ تتضمن هذه المقالة تعديلًا على الفحص الذي كنت قد قمت به لمحاورة فايدروس Phaedrus في الهشاشة، الفصل السابع. يدرج التعديل الأساسي الحجة بإحكام داخل سياقها الاجتماعي والتاريخي.

 

[13]   راجع Therapy والفصلين الثالث والعاشر للوقوف على دراستي للفرق.

 

[14]   راجع «Kant- Stoics» وراجع كذلك «Two Conceptions» بخصوص بعض النتائج القانونية.

 

[15]   بالنسبة لماريتان Maritain راجع، من بين أعمال أخرى، The Rights of Man and Natural Law (New York: Charles Scribner’s Sons 1943) و Man and the State (Chicago: University of Chicago Press, 1951)

      بخصوص فينيس Finnis Natural Law and Natural Rights (Oxford: Clarendon Press, 1980), وهو يستشهد بأعمال Grisez ويطورها، وهي أكثر صعوبةً بوجه عام؛ بالنسبة لماك إنتاير MacIntyre راجع الملاحظة 5 أعلاه؛ للإطلاع على فحص جيد لتأثير كتاب ماركس المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لسنة 1844 على الماركسيات الموالية ذات النزعات الإنسية راجع كتاب David A. Crocker, Praxis and Democratic Socialism (New Jersey: Humanities Press, 1983)

      بخصوص كرين Green راجع Prolegomena to Ethics (Oxford: Clarendon Press, 1890) وLectures on Political Obligation (London: Longmans, reprinted 1941).

      يمكننا أن نتعرف على الأقسام التي نحتاج إليها أكثر داخل الإنتاج الغزير الذي تركه باركر Barker من خلال قراءة كتابه .The political Thought of Plato and Aristotle (London: Methuen, 1906)، وهو مرجع يعج بالتعليقات التي تصل الإغريق بموقفه الفلسفي (وبموقف كرين Green).

[16]   لمزيد من التفاصيل حول هذا الجانب الخاص ومصادره النصيّة راجع «Aristotle/Capabilities».

 

[17]   تجدون في WHD المقترح الأخير والنهائي في معظمه، وهو يتضمن إحصاءً للمقالات السابقة التي قادت إليه؛ ولذلك لم أقم بعرضها داخل الفهرست هنا.

 

[18]   مرة أخرى لم أدوِّن لائحة المنشورات المتخصصة التي كتبها Sen، بما أنها واردة في WHD.

 

[19]   لمناقشة مستفيضة لهذه النقطة راجع WHD و«Aristotle/Capabilities».

 

[20]   اقترح Charles Larmore هذا المصطلح: راجع«Political Liberalism»  في The Morals of Modernity (New York: Cambridge University Press, 1996).

      راجع كذلك كتابه .Patterns of Moral Complexity (Cambridge: Cambridge University Press, 1987)

      وقد طور جون راولز John Rawls المفهوم بصورة أكبر في كتابه Political Liberalism (New York: Columbia University Press, expanded paperback edition 1996).

[21]   حيث يتعلق الأمر بغياب الأهمية السياسية للاختلاف الجنسي وحيث كانت الحاجة إلى انتقاد المعايير الاجتماعية للجندرة، وأفلاطون بطبيعة الحال، تقود الطريق.

 

[22]   بطبيعة الحال، كانوا يعتقدون في وجود فرق شاسع بين الفضيلة وغياب الفضيلة؛ ومع ذلك، يبدو أنهم كانوا يعتقدون أن مجرد حضور الجهاز الأولي لتحقيق الفضيلة يستحق الاحترام. وبما أنهم كانوا يذهبون إلى أنه لا يوجد كائن حي نقول عنه إنه فاضل بالفعل (على الأقل منذ عهد المؤسسين الكبار للمدرسة)، فإن اكتشاف مثل هذه الهوة لم يحملهم على الإقرار بوجود صنفين مختلفين من القيمة worth، (وهو أمر غير واضح) وكان بالإمكان أن يكون غير ذلك.

 

[23]   لم يكن الرواقيون يستخلصون من حججهم دائمًا أنه يجب إخضاع الشروط السياسية لتغيير جذري، بما أنهم كانوا يظنون عن خطأ أن «الخيرات الخارجية» لا صلة لها بتفتح شخصية الإنسان. تابع المناقشة الموالية.

 

[24]   بلور شيشيرون في كتاب De Duties موقفًا رواقيًا أرثوذوكسيًا أساسيًا، بالرغم من أنه يتحامل في الغالب على مواقف الرواقية، بالرغم من أنه كان موقفًا قد توسطته الرواقية «الوسيطة» مع باناتيوس Panaetus.

 

[25]   أنتصر لهذا الموقف في «Cicero».

 

[26]   راجع «Aristotle/Capabilities» مع إحالات إلى مناقشات سابقة؛ أتفق هنا مع الانتقادات التي وجهها كرين Green وعلى الخصوص باركر Barker إلى أرسطو.

 

[27]   ربط شيشيرون بين دفاعه عن الجمهورية وبين غايات الرواقبية، فقد كل من سينيكا Seneca، لوكان Lucan حياتهما أثناء مؤامرة بيزو ضد الإمبراطور نيرون Nero. كذلك، فقد رواقي آخر من القرن الأول للميلاد ترازي بيتوس Thrasea Paetus حياته في مؤامرة ضد الإمبراطورية. بالرغم من أن الفيلسوف الإمبراطور مارك أوريل Marcus Aurelius لم يفضل بالفعل إحياء الجمهورية بدل تولي ابنه كمودوس المختل والسافل، كما هم إلى ذلك في فيلم Gladiator (2000)، لو أدى الدور الذي حمله الفيلم إياه، لكان منسجمًا مع مبادئه الرواقية. 

 

[28]   كما هو الحال مثلًا في المناقشة الشهيرة التي أثارها بنيامين كونستانت Benjamin Constant في الموضوع.

 

[29]   هذا أمر معقد، بما أن الرواقيين كانوا أطباء؛ ولكنه يلوح لنا كما لو أنهم يتصورون الشخص على نحو يصبح معه بإمكان كائن عقلاني (Zeus) أن يحظى بكرامة دون استحضار مفهوم الحاجة.

 

[30]   راجع Richard Sorabji : Animal Minds and Human Morals (Ithaca: Cornell University Press, 1993). يعاتب سورابجي الرواقية ميولنا الحديثة إلى فصل البشر عن الحيوانات الأخرى بالكامل؛ لكن الآراء اليهودية-المسيحية تستحق بدورها نفس التأنيب.

 

[31]   راجع حول كل هذه الأمور «Pres. Add».

 

[32]   كان موضوع كتابي الأول هو «التفسير المشترك»،

      Aristotle’s De motu Animalium (Princeton: Priceton University Press, 1978).

[33]   لم يجد أرسطو نفسه حلًا سليمًا للمشاكل الأخلاقية والسياسية التي أثرتها، بعدما لم ينقل احترامه القوي للحياة الحيوانية إلى داخل المجال السياسي، بل انحرف عن ذلك معتبرًا أن الحيوانات موجودة لخدمة الإنسان.

 

[34]   راجع «Virtue Ethics» من أجل مزيد من التفاصيل حول الأبحاث المعتمدة في هذه الفقرة، بما في ذلك التفرغ بصورة تفصيلية لمواقف مختلف المفكرين والمراجع تجاه أعمالهم الكبرى. وقد أشار Bernard Richard من قبل إلى هذه النقطة، على سبيل المثال، في مقالته المنشورة في Philosophy: A Guide through the Subject، الناشر A. C. Grayling (Oxford: Oxford University Press, 1994, 551).

 

[35]   راجع David Wiggins في مقالته «Deliberation and Practical Reason» في الكتاب الجماعي Essays on Aristotle»s Ethics الذي نشره A. Rorty، دار النشر (Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 1980). ص. 221-40 وراجع Henry Richardson في كتابه Practical Reasoning about Final Ends، دار النشر (Cambridge: Cambridge University Press, 1994)

 

[36]   يطرح السؤال بطبيعة الحال بشأن المستهدف وإلى أي مدى كان النقد منصفًا. كانت الأهداف الأساسية لدى كل من David Wiggins وHenry Richardson صورًا مبسطةً من مذهب المنفعة كما نجده في علم الاقتصاد المعاصر. ويبدو أن المآخذ كانت وجيهةً على هذه الصور. وقد زعم Richardson خلال مناقشته المستفيضة لـ Sidgwick، أن هذا الأخير لا يقدم الدعاوى التي يعترض عليها Richardson من موقع منظور سطحي: فقد وضع نصب عينيه أهدافًا نظريةً تستحق الثناء من وجوه عديدة؛ يتعين على كل نظرية تنتقده أن تبرز أنها تستطيع الوصول إلى هذه الأهداف من طريق آخر. كما هو الحال مع ميل Mill سيعتبره كثير من الأرسطيين المعادين لمذهب المنفعة وجهًا هجينًا، ما دام ينتسب بالاسم إلى مذهب المنفعة، وينتسب في الجوهر إلى مذهب السعادة الأرسطي.

 

[37]   كما هو ظاهر مثلًا في الكتاب الباهر الذي أصدرته Nancy Sherman تحت عنوان Making a Necessity of Virtue دار النشر (Cambridge: Cambridge University Press, 1997).

 

[38]   أناقش في مقالتي «Virtue Ethics علاقة John McDoweell وBernard Williams بهذا الفريق، بحكم أن أفكارهما ليست بالبساطة التي تسمح هنا بتصنيفها بسهولة. لا يتضح لي كيف سيقبل Wiggins نعت «نظرية أخلاقية» «ethical Theory» بخصوص ما يفعله وما يحب أن يعتبر أنه فعله؛ لا جدال في أن Richardson يقبل من جانبه ذلك النعت.

 

[39]   مرةً أخرى، إن آراء Williams ليست بالسهولة التي تسمح بضبطها الجيد بهذا النعت. راجع مقالتي: «Virtue Ethics» . وفصل واحد من بين أهم أتباع المذهب الهيومي الجديد البارزين Simon Blackburn مقاربة أخلاق الفضيلة عن مقاربته الشخصية، بالرغم من أن ما يدافع عنه يشبه في جوانب عدة ما يدافع عنه آخرون من خلال اللجوء إلى أخلاق الفضيلة: راجع مناقشتي للموضوع في مقالة «Virtue Ethics».

 

[40]   راجع بخصوص إجابتي على هذه الاتهامات مقالتي «Human Nature» وردود Williams في نفس المجلد.

 

[41]   أعتقد أن آراء Cora Diamond التي تركز على الدور النقدي الذي تلعبه المخيلة ولكنها تربط ذلك بالتشكيك في النظرية التي تبدي اهتمامًا قويًا بالتفكير النظري الأخلاقي، تظل على ارتباط وثيق بذلك.  

 

[42]   أناقش كذلك في مقالتي «Virtue Ethics» مفكرين آخرين لا يسمح المجال بإثارتهم هنا بصورة وجيهة، مثل Philippa Foot وSimon Blackburn.

 

[43]   إن اختلافاتي مع Williams بدأت تضيق أكثر، بما أنه يتبنى اليوم الموقف الذي يرى أن النظرية محمودة في الحياة السياسية وفي القانون؛ وهو يكتفي هنا بمهاجمة النظرية الأخلاقية.

 

[44]   إن كون بعض المعادين للنظرية يستهدفون أهدافًا ضعيفةً ومبتذلةً جزء من المشكلة في هذه النقطة. هل يعتقد كل منظر متميز في الأخلاق مثلًا أن النظرية مجرد نسق من القواعد؟

 

[45]   راجع LK من أجل فحص دور الأدب في تهذيب الإدراك؛ بخصوص Diamond راجع «Literature/Theory».

 

[46]   .«Practice/Theory»

 

[47]   راجع مختلف طرق إنجاز ذلك في «Lawyer» و«Four Paradigms».

 

[48]   راجع Cultivating حيث أنتصر في الفصل الأول لحاجة جميع الطلبة إلى الفلسفة.

 

[49]   سواء في LK أو في WHD أقارن هذه الصيرورة بالفحص الذي قام به جون راولز John Rawls للتفكير المتطلع إلى التوازن المفكر reflective equilibrium.

 

[50]   لمزيد من التفاصيل في هذه النقاط راجع «Practice/Theory».

 

[51]   راجع بخصوص هذه المشكلة «Transcending Humanity» في L. K.

 

[52]   لقد طور Michael Stocker هذا الموضوع بصورة جيدة في Plural and Conflicting Values. راجع: «Costs of Tragedy».

 

[53]   بخصوص هذا الجانب من التراجيديا راجع «Bacchae» كذلك.

 

[54]   راجع «Political Animals».

 

[55]   De Officiis, I. 28-30 

 

[56]   كما أقدمت على ذلك في «Costs of Tragedy».

 

[57]   راجع«The Women of Trachis: Fictions, Pessimism, Ethics»  في The Greeks and Us، نشرة R. B. Louden and Schollmeier  دار النشر Chicago: University of Chicago Press, 1996، 43-53.

 

[58]   أسوق الترجمة التي اقترحها Williams وهي ترجمة John Moore. لا أجد عيبًا كبيرًا في التعامل معها، بالرغم من أنني أود أن أبرز أن Williams لو عاد سطرين إلى الوراء في استشهاده، لكان مفيدًا، وذلك لغاية تضمين الإحالة إلى suggnōmosunē (التعاطف في الفكر والمشاعر) الذي يصل بين الفاعلين البشر- الذي يوضع في مقابل قسوة agnōmosunē الآلهة التي لا تبالي بشيء. عقب Williams على هذا التقابل في صفحات متأخرة من عمله. 

 

[59]   EN 1100b30-33. بعدما لاحظ أن كوارث عظيمةً قد تعرقل تفتح الشخص وتلوثه من خلال الإيلام وكبح الحركة، مضى قائلًا: «ومع ذلك، حتى في هذه المناسبات يسطع النبل (dialampei to kalon) إذا ما تحمل المرء كوارث عظيمةً كثيرةً بكبرياء كبير، وذلك ليس لأنه لا يشعر بها، بل لأنه نبيل وذو نفس عالية».

 

[60]   لم يذهب Williams يومًا ما إلى أن كل الكتابات التراجيدية «قصص خيالية قاتمة» بهذا المعنى، ولا يتمنى كذلك أن يذهب إلى ذلك. لا يتوانى عن تكرار أنه يتم كذلك الاحتفاء بالنبل والتعاطف والصداقة في المسرحيات التراجيدية، بالرغم من أنه قد يعترض على أية مطابقة بين هذه المادة وبين ما هو موجود لدى كانط، «ما عدا إلى الحد الذي يقبل فيه كانط جملةً من ردود الفعل التي لا تسمح بها نظريته». (أشكر Williams على هذه الملاحظة التي وردت في المراسلات.)

 

[61]   راجع Williams في Shame and Necessity.

 

[62]   ذكر نهرو Nehru لقاءً جمعه بالجنرال Dyer في قطار سنة 1919. احتل سريرًا علويًا في مقصورة مكتظة، دون أن ينتبه إلى هويته أحد، واسترق السمع إلى المحادثة الصاخبة التي كانت تدور بين جماعة من الضباط الإنكليز. «كان واحد منهم قد تابع الحديث بنبرة نصر عدوانية واكتشفت أنه كان الجنرال Dyer بطل Jallianwala Bagh وكان يحكي عن تجاربه في أرميستار. وقد أبرز كيف وضع كامل المدينة تحت رحمته وكيف شعر أنه بصدد تحويل المدينة المتمردة إلى كومة رماد، لكنه أشفق عليها وتراجع عن ذلك… أصبت بصدمة كبيرة حين سماعي هذه المحادثة ورؤية هذا الأسلوب القاسي في التعامل. وقد نزل بعد ذلك في محطة ديلهي في لباس البيجاما بخطوط واسعة وملونة وثوب النوم.» إذا كانت الكلمات الأخيرة تنتمي إلى أريستوفان Aristophane (بوزايدون Poseidon كان بصدد الحق في Birds)، بينما يعود الباقي إلى أوريبيد Euripides. بالفعل، كان بالإمكان أن يكون كلام الجنرال Dyer مقتطعًا من الحوار الافتتاحي التي أنجزته الآلهة في المسرحية الخاصة بنساء طروادة The Troyan Women. (مرةً أخرى: تخيل مسرحيةً تضع المسيح في بيجاما مكسوة بخطوط ملونة وسترى الفرق الواسع بين الشفقة اليونانية وما يقابلها في المسيحية).

 

[63]   بعدما قامت لجنة التقصي بتبرئة الجنرال Dyer لاحظ غاندي Gandhi أن «التعاون مع هذه الحكومة الشيطانية فعل آثم، بصرف النظر عن حجمه وشكله». راجع Percival Spear في كتابه A History of India, Vol. 2 (Delhi: Penguin, 1998, 191).

(*) القانون الإنكليزي المطبق في الهند.

[64]   راجع «Invisibility» للتوسع في هذه النقطة، من خلال مقارنة استراتيجيات Philoctetes بتلك الموجودة لدى Ralph Ellison  في Invisible Man.

 

[65]   راجع «Invisibility» للاطلاع على بنية المشهد.

 

[66]   لمزيد من مناقشة المعرفة بما هي الهدف من وجود المأساة، طبقًا لما قاله أرسطو، وبعد الاستفاضة أكثر في ما بعد في الفحص الذي تضمنه كتاب Fragility, Interlude II راجع «Fear and Pity».  

 

[67]   وصف المنظر الأدبي Michael Bérubé في كتابه الرائعLife As We Know It  المنشور في نيويورك (New York: Vintage, 1996) حياة طفله جيمي الذي كان يعاني منذ ولادته من داء معروف بداء داون Down Syndrome. بعد أن استفاض بيروبي في الحديث عن الإكراهات البيولوجية والتخلف المؤسساتي معًا، وهي العوائق التي اضطر مع زوجته جانيت ليون إلى مواجهتها، دون أن يعلما سلفًا هل هناك أمل في الوصول إلى نجاح، أشار إلى الفكرة المغرية التي اندست إلى نفسه وحكمت على حياة طفله بأنها مشروع فاشل: «نعلم جيدًا أنه لا أحد يستطيع المساعدة، فلماذا الانزعاج إذن؟ قد يكون من الصعب .

 

[68]   مرةً أخرى، لا يجب أن يفهم من كلامي أنني أتهم وليامس بالدعوة إلى التخاذل. .

 

[69]   راجع فيلوكتيتيس Philoctetes 477-9, 500-6. لا يدل الفعلان اللغويان eleeō وoiktirō في هذه المقاطع فقط على «الشعور بالشفقة تجاه س»، بل وكذلك على «الإشفاق على س»، بمعنى «القيام بشيء حتى تصبح وضعية س وضعيةً أفضل».

 

error: