التوفيق من خلال الاستخدام العمومي للعقل: ملاحظات حول الليبرالية السياسية لجون رولز – يورغن هابرماس / ترجمة: علي سليمان الرواحي

 مفهوم العدالة جون رولز

غلاف كتاب (نظرية العدالة) لـ جون رولز


يُمثل كتاب جون رولز  John Rawls نظرية في العدالة ([1])Theory of Justice نقطة تحول محورية في أحدث تاريخ للفلسفة العملية، لأنه أعاد الأسئلة الأخلاقية المكبوتة منذ فترة طويلة إلى المواضيع الجادة في البحث الفلسفي. طرح إيمانويل كانط Immanuel Kant السؤال الأساسي حول الأخلاق بطريقة انتهجت إجابة عقلانية: يجب أن نفعل ما هو جيد لجميع الأشخاص. دون تبني افتراضات الخلفية الفلسفية المتعالية transcendental لكانط، جدد رولز هذا النهج النظري مع إشارة خاصة إلى قضية تنظيم مجتمع عادل، وذلك في معارضة النفعية والتشكيك في القيمة، حيث اقترح نسخة تذاوتية أو بين الذوات intersubjectivist لمبدأ كانط للحكم الذاتي: نحن نتصرف بشكل مستقل عندما نطيع تلك القوانين التي يمكن أن يقبلها جميع المعنيين على أساس الاستخدام العام لعقلهم. وفي الآونة الأخيرة، في كتاب الليبرالية السياسية([2])  Political Liberalism، الذي أنهى فيه رولز عملية مدتها عشرين عاما ً لتوسيع ومراجعة نظرية العدالة، يستغل هذا المفهوم الأخلاقي للاستقلالية كمفتاح لتفسير الاستقلال السياسي لمواطني مجتمع ديمقراطي، يقول:

 

“إن ممارستنا للسلطة السياسية تكون مناسبة تماما ً فقط عندما تُمارَس وفقا ً لدستور مُعين، ويُتوقع بشكل معقول من جميع المواطنين، سواء كانوا أحرارا ً أو متساوين، أن يؤيدوها في ضوء المبادئ والمُثل المقبولة لعقلهم الإنساني المشترك “( PL 137).

مثلما اتخذ سابقا ً موقفا ًضد المواقف النفعية، فإنه الآن يستجيب بشكل أساسي للمواقف السياقية التي تشكك في الافتراضات المسبقة لعقل ٍمُشترك بين جميع البشر.

لأنني معجب بهذا المشروع، وأشترك في مقاصده، وأعتبر نتائجه الأساسية صحيحة، فإن المعارضة التي أعبر عنها هنا ستبقى ضمن حدود نزاع عائلي.  حيث تقتصر شكوكي على ما إذا كان رولز يُقدم دائمًا ضد منتقديه حدسه المعياري المهم في أكثر أشكالها إقناعًا. لكن اسمحوا لي أولاً أن أستعرض بإيجاز الخطوط العريضة لمشروعه في وضعه الحالي.

يقدم رولز تسويغا ً justification لتلك المبادئ التي يجب أن يُبنى عليها المجتمع الحديث لضمان التعاون العادل بين مواطنيه كأشخاص أحرار ومتساوين. خطوته الأولى هي توضيح وجهة النظر التي من خلالها يمكن للممثلين المفُترضين للشعب أن يجيبوا على هذا السؤال بنزاهة. يشرح رولز سبب اتفاق الأطراف فيما يسمى بـ الوضع الأصلي original position على مبدأين:

في الخطوة الثانية، يوضح رولز أن مفهوم العدالة هذا يمكن أن يعتمد أو يلتقي بناء ً على اتفاق في ظل ظروف المجتمع التعددي الذي يروج له هو نفسه. الليبرالية السياسية، باعتبارها بناءًا معقولا ً لا تثير ادعاءات محايدة بالحقيقة تجاه وجهات النظر العالمية المتضاربة. في الخطوة الثالثة والأخيرة، يحدد رولز الحقوق والمبادئ الأساسية للدولة الدستورية التي يمكن اشتقاقها من مبدأي العدالة. من خلال اتخاذ هذه الخطوات بالتسلسل، سأثير الاعتراضات الموجهة ليس ضد المشروع في حد ذاته ولكن ضد جوانب معينة من تنفيذه. في المقابل، أخشى أن يقدم رولز تنازلات لمواقف فلسفية متعارضة تضعف من قوة مشروعه.

إن نقدي هنا بنّاء ومُحايث.  أولا ً، أشك فيما إذا كان كل جانب من جوانب الموقف الأصلي مصمما ً لتوضيح وتأمين وجهة نظر الحكم المحايد للمبادئ الأخلاقية للعدالة. (1) علاوة على ذلك، أعتقد أن على رولز أن يفصل بشكل أوضح بين أسئلة التسويغ وأسئلة القبول؛ يبدو أنه يريد شراء حيادية مفهومه للعدالة على حساب التخلي عن ادعاء صحته المعرفية.  (II)  يؤدي هذان القراران النظريان إلى بناء الدولة الدستورية التي تعطي أولوية للحقوق الأساسية الليبرالية على مبدأ الشرعية الديمقراطي.  وهكذا فشل رولز في تحقيق هدفه المتمثل في جعل حريات المعُاصرين تتناغم مع حريات القدماء(III) . أختم ملاحظاتي بأطروحة حول الفهم الذاتي للفلسفة السياسية: وذلك في ظل ظروف الفكر ما بعد الميتافيزيقي postmetaphysical، الذي يجب أن يكون متواضعا ً، لكن ليس بطريقة خاطئة.

يقودني دوري في الحوار الحالي مع رولز إلى زيادة التحفظات المبدئية في هذه الاعتراضات. هذا التشديد يسوّغ مقاصدي، الودية والاستفزازية في نفس الوقت، في وضع الحجج التي لا يمكن تجاهلها بسهولة بشأن نظرية معقدة ومدروسة للغاية بشكل جيد من الناحية النظرية بطريقة تمكن الأخيرة من الكشف عن نقاط قوتها(.([3]

 

  • شكل الوضع الأصلي (THE DESIGN OF THE ORIGINAL POSITION): نظرية العدالة، مفهوم العدالة، وجون رولز

يتصور رولز الوضع الأصلي باعتباره موقفا ً يخضع فيه الاختيار العقلاني لممثلي المواطنين لقيود محددة بحيث تضمن حُكما ً محايدا ًعلى الأسئلة العملية. حيث أن مفهوم الاستقلال الكامل مرتهن بالمواطنين الذين يعيشون بالفعل في ظل مؤسسات مجتمع منظم جيدا ً. من أجل بناء الوضع الأصلي، قسّم رولز مفهوم الاستقلال السياسي هذا إلى عنصرين:

الخصائص المحايدة أخلاقيا ً للأحزاب التي تسعى إلى تحقيق مكاسب عقلانية، من جهة، والقيود الظرفية الموضوعية أخلاقياً التي بموجبها تختار تلك الأحزاب مبادئ نظام التعاون العادل، من ناحية أخرى.

تسمح هذه القيود المعيارية للأطراف بمنح حد أدنى من الخصائص، وتحديدا ً، “القدرة على تصور الخير (وبالتالي تكون عقلانية).([4])” بصرف النظر عما إذا كان الطرفان يستوعبان اعتبارات عقلانية هادفة بشكل ٍ معين، أو يعالجان أيضا ً الأسئلة الأخلاقية لخطط معينة للحياة، فهم دائما ً يصلون إلى قراراتهم في ضوء توجهاتهم القيمية (أي من منظور مجموعات المواطنين التي يمثلونها). بهذا المعنى، لا يحتاجون إلى النظر إلى الأمور من وجهة النظر الأخلاقية التي تتطلب منهم أن يأخذوا في الاعتبار المصلحة المتساوية للجميع، لأن هذا الحياد يفرضه موقف يلقي حجاب الجهل veil of ignorance على عدم الاهتمام المتبادل، على الرغم من أنهم أحرار وأطراف متساوية. ولأن هؤلاء لا يعرفون المناصب التي سيشغلونها في المجتمع والتي من واجبهم تنظيمها، فإنهم يجدون أنفسهم مقيدون بالفعل بمصلحتهم الذاتية للتفكير فيما هو جيد للجميع بشكل ٍ متساو ٍ.

يفسر هذا البناء للوضع الأصلي الذي يؤطر حرية اختيار الفاعلين العقلانيين بطريقة معقولة من خلال نية رولز الأولوية في تمثيل نظرية العدالة كجزء من النظرية العامة للاختيار. بدأ رولز في الأصل بافتراض أن نطاق الخيارات المفتوحة للاختيار العقلاني للأطراف يحتاج فقط إلى أن يكون محدودا ً بطريقة مناسبة من أجل تسهيل اشتقاق مبادئ العدالة من مصلحتهم الذاتية المستنيرة. لكنه سرعان ما أدرك أن أسباب المواطنين المستقلين لا يمكن اختزالها في اختيار عقلاني مشروط بالتفضيلات الذاتية([5]). ومع ذلك، حتى بعد مراجعة الهدف الأولي الذي صمم الوضع الأصلي لتحقيقه، فقد تمسك بالرأي القائل بأن معنى وجهة النظر الأخلاقية يمكن تحقيقه بهذه الطريقة. حيث أن هذا له بعض النتائج المؤسفة، ثلاثة منها أود أن أتطرق لها كما يلي:

  • هل يمكن للأطراف في الوضع الأصلي استيعاب المصالح العليا لعملائهم فقط على أساس الأنانية egoism العقلانية؟

  • هل يمكن تشبيه الحقوق الأساسية بالخيرات الأولية؟

  • هل حجاب الجهل يضمن حيادية الحكم؟([6]).

 

  • لا يستطيع رولز أن يقف على الدوام مع القرار القائل بأن المواطنين المستقلين “بشكل كامل” سيتم تمثيلهم من قبل الأطراف التي تفتقر إلى هذا الاستقلال الذاتي. حيث يُفترض أن يكون المواطنون أشخاصا ً أخلاقيين يمتلكون إحساسا ً بالعدالة والقدرة على تصورهم الخاص للخير، فضلاً عن اهتمامهم بتنمية هذه التصرفات بطريقة عقلانية. ولكن في حالة الأطراف في الوضع الأصلي، يتم استبدال هذه الخصائص المعقولة للأشخاص الأخلاقيين بقيود التصميم العقلاني. ومع ذلك، في الوقت نفسه، من المفترض أن تكون الأطراف قادرة على فهم ومراعاة “المصالح العليا” للمواطنين التي تتبع هذه الخصائص بالذات. على سبيل المثال، يجب أن يأخذوا في الاعتبار حقيقة أن المواطنين المستقلين يحترمون مصالح الآخرين على أساس مبادئ عادلة وليس فقط من أجل المصلحة الذاتية، وأنهم يمكن أن يكونوا ملزمين بالولاء، وأنهم يريدون أن يقتنعوا بشرعية التنظيمات والسياسات الموجودة من خلال الاستخدام العام لعقولهم، وما إلى ذلك. وبالتالي، من المفترض أن يفهم الطرفان ويأخذان على محمل الجد تداعيات وعواقب الاستقلال الذاتي الذي أنكروه هم أنفسهم. قد يظل هذا معقولاً بالنسبة للدفاع عن المصالح الذاتية ومفاهيم الخير المجهولة بشكل ٍ تفصيلي. ولكن هل يمكن أن يظل معنى اعتبارات العدالة غير متأثرة بمنظور الأنانية العقلانية؟ على أي حال، فإن الأطراف غير قادرة على تحقيق ذلك، ضمن الحدود التي تحددها أنانيتهم العقلانية، فالمنظور المتبادل الذي يجب على المواطنين الذين يمثلونهم الالتزام به عندما يوجهون أنفسهم بطريقة عادلة إلى أن ما هو جيد للجميع يجب أن يكون على قدم المساواة: “في مداولاتهم العقلانية … حيث أن الأطراف لا يعترف بأي وجهة نظر خارجية عن وجهة نظرهم كممثلين عقلانيين “(PL 73). ولكن إذا كان على الأطراف، على الرغم من ذلك، أن يفهموا معنى المبادئ الأخلاقية التي يبحثون عنها وأن يأخذوا في الاعتبار مصالح موكليهم في العدالة، فيجب أن يكونوا مجهزين بالكفاءات المعرفية التي تمتد فوق القدرات الكافية للاختيار العقلاني، والنقاط العمياء لقضايا العدالة.

 

بالطبع، يمكن لرولز تعديل شكل الموقف الأصلي وفقا ً لذلك. بالفعل ففي كتاب نظرية العدالة Theory of Justice، قام بتهيئة عقلانية الشركاء المتعاقدين بطرق مختلفة. فمن ناحية، لا يهتمون ببعضهم البعض، ويتصرفون مثل اللاعبين الذين “يسعون للحصول على أعلى نتيجة مطلقة قدر الإمكان” (TJ 144). و من ناحية أخرى، فهم مجهزون بإحساس “شكلي بحت” بالعدالة، لأنه من المفترض أن يعرفوا أنهم سيتوافقون مع أي مبادئ متفق عليها في دورهم المستقبلي كمواطنين يعيشون في مجتمع منظم جيدا ً (TJ 145) . يمكن أن يُفهم هذا على أنه يعني أن الأطراف في الوضع الأصلي مدركون على الأقل لنوع التبادلية الملزمة التي ستميز حياة عملائهم في المستقبل، على الرغم من أنه يتعين عليهم في الوقت الحاضر إجراء مفاوضاتهم في ظل أوضاع مختلفة. مثل هذه الشروط مقبولة تماما ً.

سؤالي الوحيد هو ما إذا كان هذا الشكل، بالتوسع في هذا الاتجاه، يفقد وجهة نظره عندما يصبح بعيدا ً جدا ً عن النموذج الأصلي. لأنه بمجرد أن يخرج الطرفان عن حدود أنانيتهما العقلانية ويفترضان حتى تشابها ً بعيدا ً مع الأشخاص من الناحية الأخلاقية، فإن تقسيم العمل بين عقلانية اختيار الأشخاص والقيود الموضوعية المناسبة يتم تدميره، وهو الانقسام الذي يُفترض من خلاله أن يقوم الفاعلون المهتمون بأنفسهم باتخاذ قرارات سليمة أخلاقيا ً. قد لا يكون لهذه النتيجة تأثير كبير على بقية المشروع؛ لكنه يلفت الانتباه إلى القيود المفاهيمية التي تفرضها المقاصد الأصلية (رغم أنها مهُملة في هذه الأثناء) لتقديم حل نظري للقرار بحسب مشكلة توماس هوبز Thomas Hobbes. ولمعرفة العواقب الأخرى لشكل الاختيار العقلاني لهذا الوضع الأصلي يستوجب إدخال الخيرات الأساسية، حيث أن هذا التحديد مهم لتطوير إضافي للنظرية.

 

  • من أجل الاختيار العقلاني للفاعلين المرتبطين بمنظور الشخص الأول، يمكن تمثيل القضايا المعيارية من أي نوع فقط من حيث المصالح أو القيم التي ترضيها الخيرات. الخيرات هي ما نسعى إليه – في الواقع، ما هو جيد بالنسبة لنا. في المقابل، يقدم رولز “الخيرات الأولية” كوسائل عامة قد يحتاجها الناس من أجل تحقيق خطط في حياتهم. على الرغم من أن الأطراف تعرف أن بعض هذه الخيرات الأساسية تتخذ شكل الحقوق لمواطني مجتمع منظم جيدا ً، إلا أنهم في الوضع الأصلي لا يمكنهم إلا أن يصفوا الحقوق على أنها فئة واحدة من “الخيرات” من بين فئات أخرى. بالنسبة لهم، لا يمكن أن تنشأ قضية مبادئ العدالة إلا تحت ستار مسألة التوزيع العادل للخيرات الأولية. وهكذا يتبنى رولز مفهومًا للعدالة مناسبا ًلأخلاقيات الخير، وهو مفهوم أكثر اتساقا ً مع المقاربات الأرسطية أو النفعية منه مع نظرية الحقوق، مثل نظريته الخاصة، التي تنطلق من مفهوم الاستقلالية. على وجه التحديد، لأن رولز يلتزم بـ مفهوم العدالة الذي يتشكل على أساسه استقلالية المواطنين من خلال الحقوق، فإن نموذج التوزيع يولد صعوبات بالنسبة له. لا يمكن “التمتع” بالحقوق إلا من خلال ممارستها. لا يمكن استيعابها في الخيرات التوزيعية دون فقدان معناها الأخلاقي. كما لا ينتج التوزيع المتساوي للحقوق إلا إذا اعترف أولئك الذين يتمتعون بالحقوق بأن بعضهم البعض أحرار ومتساوون. بالطبع، توجد حقوق في حصة عادلة من الخيرات أو الفرص، لكن الحقوق في المقام الأول تنظم العلاقات بين الجهات الفاعلة: حيث لا يمكن “امتلاكها” مثل الأشياء([7]). إذا كنت على صواب، فإن القيود المفاهيمية لنموذج الاختيار العقلاني تمنع رولز من تفسير الحريات الأساسية منذ البداية على أنها حقوق أساسية وتجبره على تفسيرها على أنها خيرات أولية. وهذا يقوده إلى استيعاب المعنى الأخلاقي للمعايير الإلزامية في المعنى الغائي للقيم المفضلة([8]). وبالتالي يطمس رولز بعض الفروق التي سأذكرها بإيجاز لكي أوضح كيف أن هذا يحد من خياراته لتطوير مشروعه.

 

تحدد القواعد القرارات فيما يتعلق أو بما يجب على المرء القيام به، في حين أن القيم توجه القرارات فيما يتعلق بالسلوك المرغوب فيه بشكل ٍ كبير. كما تفرض القواعد المعترف بها التزامات متساوية وغير استثنائية على المخُاطَبين، بينما تعبر القيم عن تفضيل الخيرات التي تسعى إليها مجموعات معينة. ففي حين يتم مراقبة المعايير بمعنى تحقيق التوقعات السلوكية العامة، نجد أنه لا يمكن تحقيق القيم أو الخيرات أو اكتسابها إلا من خلال العمل الهادف. علاوة على ذلك، تثير المعايير ادعاءً ثنائيًا للصلاحية يُقال بموجبها أنها إما صالحة أو غير صالحة: يجب أن نرد على العبارات، بالنسبة إلى العبارات التوكيدية، فقط بـ “نعم” أو “لا” – أو الامتناع عن الحكم. على النقيض من ذلك، تحدد القيم علاقات التفضيل التي تشير إلى أن بعض الخيرات أكثر جاذبية من غيرها: وبالتالي، يمكننا الموافقة على البيانات التقييمية بدرجة أكبر أو أقل. فالقوة الإجبارية للمعايير لها المعنى المطلق للواجب غير المشروط والشامل: ما يجب على المرء فعله هو ما هو جيد للجميع (أي لكل من يخاطبهم). حيث تعكس جاذبية القيم تقييما ً وترتيبا ً انتقاليا ً للخيرات التي أصبحت راسخة في ثقافات معينة أو تم تبنيها من قبل مجموعات معينة: قرارات تقييمية مهمة أو تفضيلات ذات ترتيب أعلى تعبر عما هو جيد لنا (أو بالنسبة لي)، حيث كل الأشياء لها اعتبارها. أخيرا ً، يجب ألا تتعارض المعايير المختلفة مع بعضها البعض عندما تدعي الصلاحية لنفس مجال المرسل إليهم؛ يجب أن يقفوا في علاقات متماسكة مع بعضهم البعض – بمعنى آخر، يجب أن يشكلوا نظاما ً. على النقيض من ذلك، تتنافس القيم المختلفة على الأولوية؛ بقدر ما يجتمعون مع الاعتراف بين الذات داخل ثقافة أو مجموعة، فإنهم يشكلون تكوينات متغيرة محفوفة بالتوتر. باختصار، تختلف المعايير عن القيم، أولاً، في علاقتها بالقواعد المحكومة بدلاً من العمل الهادف؛ ثانيا ً، في الثنائي المعُاكس للترميز التدريجي لادعاءات الصلاحية المعنية؛ ثالثا ً، في الارتباط المطلق مقابل الارتباط النسبي؛ وأخيرا ً، في المعايير التي يجب أن تفي بها أنظمة القواعد مقابل أنظمة القيم.

 

ومع ذلك، يرغب رولز في إنصاف الحدس الأخلاقي الذي يجد تعبيرًا عنه في هذه الفروق. ومن ثم، يجب عليه التعويض عن تسوية البعد الأخلاقي الذي يقبله مبدئيًا بمفهوم الخيرات الأولية كنتيجة لشكل الوضع الأصلي. لذلك فهو يعطي الأولوية للمبدأ الأول على الثاني. ومع ذلك، يصعب تبرير الأولوية المطلقة للحريات المتساوية على الخيرات الأساسية التي ينظمها المبدأ الثاني من منظور الشخص الأول الذي نوجه فيه أنفسنا لمصالحنا أو قيمنا الخاصة. في هذا السياق، طور هارت  H.L.A. Hart ([9]) هذه النقطة بوضوح في نقده لرولز. ومن المثير للاهتمام، أن رولز لا يمكنه مواجهة هذا النقد إلا من خلال بناء مؤهلات لاحقة في الخيرات الأولية التي تؤمن لها علاقة بالحريات الأساسية باعتبارها حقوقا ً أساسية: فهو يعترف فقط بالخيرات الأولية التي تكون مناسبة لخطط الحياة وتطور الملكات الأخلاقية من المواطنين كأشخاص أحرار ومتساوين([10]). علاوة على ذلك، يميز رولز بين أنواع الخير الأساسية التي تشكل الإطار المؤسسي للمجتمع المنظم جيدًا بالمعنى الأخلاقي، عن بقية الخيرات الأساسية من خلال دمج ضمان “القيمة العادلة””fair value” للحرية في المبدأ الأول.([11])

هذا التحديد الإضافي، مع ذلك، يفترض ضمنيا ً وجود تمييز أخلاقي بين الحقوق والخير، وهو ما يتعارض مع التصنيف الأولي للحقوق كخيرات. نظرا ً لأن القيمة العادلة للحريات المتساوية تتطلب التوافر الفعلي لفرص متساوية لممارسة هذه الحقوق، يمكن فقط تحديد الحقوق، وليس الخير، بهذه الطريقة. فقط في حالة الحقوق يمكننا التمييز بين الأهلية القانونية والفرص الفعلية للاختيار والتصرف. فقط بين الحقوق، من ناحية، والفرص الفعلية لممارستها، من ناحية أخرى، يمكن أن توجد هوة إشكالية من منظور العدالة؛ حيث لا يمكن أن توجد مثل هذا القطيعة بين امتلاك الخيرات والتمتع بها. سيكون الحديث عن “القيمة العادلة” للخيرات الموزعة بالتساوي أمرا ً زائدا ً عن الحاجة أو لا معنى له. فالتمييز بين المساواة القانونية والواقعية لا ينطبق على “الخيرات” لأسباب نحوية، لوضعها في مصطلحات فيتجنشتاين. ولكن إذا كان مفهوم الخيرات الأولية خاضعا ً للتصحيح في خطوة ثانية، فقد نتساءل عما إذا كان الشكل الأول للوضع الأصلي الذي يستلزم هذا المفهوم، حكيما ً.

 

  • تُظهر التأملات السابقة أنه، بالنسبة للأطراف في الوضع الأصلي، فإن القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية ليست كافية لفهم المصالح العليا لعملائهم أو لفهم الحقوق (بحسب رونالد دوركين) ([12]) باعتبارها تتفوق على الأهداف الجماعية. ولكن لماذا إذن تُحرم الأطراف من العقل العملي في المقام الأول وتكتنفها حجاب الجهل الذي لا يمكن اختراقه؟ إن حدس رولز التوجيهي واضح: عن طريق مبدأ الأمر المطلق Categorical imperative، الذي يتم الاستيلاء عليه من خلال إجراء يتم تطبيقه تذاوتيا ً يتجسد في شروط المشاركة، مثل المساواة بين الأطراف، والسمات الظرفيةsituational features، مثل حجاب الجهل. ولكن من وجهة نظري، فإن المكاسب المحتملة لهذا التحول تتبدد بدقة بسبب الحرمان المنهجي للمعلومات. في حين يكشف هذا السؤال الثالث عن المنظور الذي طرحت من خلاله أيضا ً السؤالين السابقين: أعتقد أن رولز يمكن أن يتجنب الصعوبات المرتبطة بشكل الوضع الأصلي إذا قام بتفعيل وجهة النظر الأخلاقية بطريقة مختلفة، أي إذا أبقى المفهوم الإجرائي للعقل العملي خاليا ً من الدلالات الجوهرية من خلال تطويره بشكل صارم وبطريقة إجرائية.

 

تتجاوز الأوامر المُطلقة لكانط الطابع الأناني للقاعدة الذهبية: “لا تفعل بالآخرين ما لا تسمح لهم بفعله بك”. في حين أن هذه القاعدة تدعو إلى اختبار التعميم من وجهة نظر فرد معين، فإن الأوامر المطلقة تتطلب أن يكون كل من المتأثرين المحتملين قادرين على وضع المبدأ عادل كقاعدة عامة. ولكن ما دمنا نطبق هذا الاختبار الأكثر دقة بطريقة أحادية، فإنه ما يزال يُعتبر منظوراً منعزلاً بشكل فردي ينظر فيه كل منا بشكل خاص إلى ما يمكن أن يفعله الجميع. لذلك فإن هذا غير كاف. لأنه فقط عندما يعكس الفهم الذاتي لكل فرد وعيا ً متعاليا ً، أي وجهة نظر صالحة عالميًا للعالم، فإن ما هو جيد من وجهة نظري يكون جيدا ً بنفس القدر للجميع، يخدم في الواقع المصلحة المتساوية لكل فرد. لكن لم يعد من الممكن افتراض ذلك في ظل ظروف التعددية الاجتماعية والأيديولوجية. في حين إذا أردنا الحفاظ على الحدس الكامن وراء مبدأ التعميم الكانطي، يمكننا الرد على حقيقة هذه التعددية بطرق مختلفة. يفرض رولز منظورا ً مشتركا ًعلى الأطراف في الوضع الأصلي من خلال القيود المعلوماتية، وبالتالي يُحيّد neutralizes تعددية وجهات النظر التفسيرية الخاصة منذ البداية. على النقيض من ذلك، تنظر أخلاقيات الخطاب إلى وجهة النظر الأخلاقية على أنها مجسدة في ممارسة الجدل بين الذوات التي تحث المعنيين على توسيع enlargement مثالي لوجهات نظرهم التأويلية.

 

ترتكز أخلاقيات الخطاب على الحدس القائل بأن تطبيق المبدأ العالمي، إذا تم فهمه بشكل صحيح، يدعو إلى عملية مشتركة “لأخذ الدور المثالي”. إنه يفسر فكرة جورج هربرت ميد G. H. Mead  من منظور نظرية الجدل البراغماتية.([13]) ففي ظل الافتراضات البراغماتية لخطاب عقلاني شامل وغير قسري بين المشاركين الأحرار والمتساوين، يُطلب من كل شخص أن يأخذ منظور الآخرين، وبالتالي يعرض نفسه في مفاهيم الذات وعالم الآخرين. من هذا التشابك في وجهات النظر، يظهر منظور ممتد بشكل مثالي يمكن للجميع من خلاله اختبار ما إذا كانوا يرغبون في جعل معيار مثير للجدل أساس ممارستهم المشتركة؛ وينبغي أن يشمل ذلك النقد المتبادل لمدى ملاءمة اللغات من حيث الوضعيات المختلفة، والاحتياجات التي يتم تفسيرها. كما يمكن بعد ذلك أن يظهر جوهر المصالح القابلة للتعميم خطوة بخطوة، وذلك في سياق التجريدات التي يتم القيام بها بشكل ٍ متتالي([14]).

 

تختلف الأمور عندما يقيد حجاب الجهل منذ البداية مجال رؤية الأطراف في الوضع الأصلي للمبادئ الأساسية التي من المفترض أن يتفق عليها المواطنون الأحرار والمتساوون، على الرغم من اختلاف فهمهم للذات والعالم. من المهم أن نرى أنه مع هذا التجريد الأولي يقبل رولز عبء إثبات مزدوج. يجب أن يمتد حجاب الجهل إلى جميع وجهات النظر والمصالح الخاصة التي يمكن أن تضر بالحكم النزيه؛ في الوقت نفسه، قد يمتد فقط إلى الأمور المعيارية التي يمكن استبعادها دون مزيد من اللغط كمرشحين للصالح العام ليتم قبولهم من قبل المواطنين الأحرار والمتساوين. يجعل هذا الشرط الثاني الطلب على النظرية يصعب تلبيته، كما يتضح من تأمل مختصر. بعد تسويغ مبادئ العدالة، يرفع حجاب الجهل تدريجيا ً في الخطوات المتعاقبة لتأطير الدستور والتشريع وتطبيق القانون. نظرا ً لأن المعلومات الجديدة التي تتدفق يجب أن تنسجم مع المبادئ الأساسية التي تم اختيارها بالفعل في ظل ظروف تقييد المعلومات، بحيث يجب تجنب المفاجآت غير السارة. إذا أردنا ضمان عدم ظهور أي تناقضات، يجب علينا بناء الوضع الأصلي بالمعرفة، وحتى بعد النظر، لجميع المضامين المعيارية التي يمكن أن تغذي الفهم الذاتي المشترك للمواطنين الأحرار والمتساوين في المستقبل. بعبارة أخرى، على المُنظّر نفسه أن يتحمل عبء توقع أجزاء من المعلومات على الأقل كان قد أعفى منها سابقا ً الأطراف في الوضع الأصلي! حيث لن يتم ضمان حياد الحكم في الوضع الأصلي إلا إذا كانت المفاهيم المعيارية الأساسية المستخدمة في بنائه – تلك الخاصة بالمواطن المستقل سياسيًا والتعاون العادل والمجتمع المنظم جيدا ً، بالمعنى المحدد الذي يعلقه رولز على هذه المصطلحات. – يمكنه الصمود أمام المراجعة في ضوء التجارب المستقبلية وعمليات التعلم المهمة أخلاقيا ً.

 

إذا كان هذا العبء الثقيل للإثبات ناتجا ً عن الحرمان من المعلومات المفروضة على الأطراف في الوضع الأصلي بسبب حجاب الجهل، فإن الرد المناسب سيكون تخفيف هذا العبء عن طريق تفعيل وجهة النظر الأخلاقية بطريقة مختلفة. إنني أفكر في الإجراء الأكثر انفتاحا ًلممارسة جدلية تنطلق في ظل الافتراضات المسبقة “للاستخدام العام للعقل” ولا تضع بين قوسين تعددية المعتقدات ووجهات النظر للعالم منذ البداية. حيث يمكن تفسير هذا الإجراء دون اللجوء إلى المفاهيم الموضوعية التي يستخدمها رولز في بناء الوضع الأصلي.

 

  • حقيقة التعددية وفكرة الاجماع المتشابك (THE FACT OF PLURALISM & THE IDEA OF AN OVERLAPPING CONSENSUS)

منذ محاضراته “حقيقة التعددية وفكرة الاجماع المتشابك”THE FACT OF PLURALISM & THE IDEA OF AN OVERLAPPING CONSENSUS ضمن محاضرات ديوي، حول”البنائية الكانطية في النظرية الأخلاقية”([15])، شدد رولز على الطابع السياسي للعدالة كإنصاف. حيث أن الدافع وراء هذا التحول هو القلق بشأن حقيقة التعددية الاجتماعية، وقبل كل شيء، التعددية الإيديولوجية. فعند مناقشة “حجاب الجهل”، أوضحت بالفعل عبء الإثبات الذي تتحمله نظرية العدالة بقراراتها النظرية الأولية. إن القضية الحاسمة في تبرير أعلى مبدأين للعدالة ليست المداولات في الوضع الأصلي بقدر ما هي الحدس والمفاهيم الأساسية التي توجه شكل الوضع الأصلي نفسه. يقدم رولز المضامين المعيارية في إجراء التسويغ ذاته، وقبل كل شيء تلك الأفكار التي يربطها بمفهوم الشخص الأخلاقي: الإحساس بالعدالة والقدرة على تصور الفرد للخير. وبالتالي، فإن مفهوم المواطن كشخص معنوي، والذي يكمن أيضا ًفي أساس مفهوم التعاون العادل للمواطنين المستقلين سياسيا ً، يحتاج إلى تسويغ مسبق. علاوة على ذلك، يجب إثبات أن هذا المفهوم محايد تجاه وجهات النظر العالمية المتضاربة ويظل غير مثير للجدل بعد رفع حجاب الجهل. وهذا ما يفسر اهتمام رولز بفكرة العدالة السياسية، على عكس الميتافيزيقية. أظن أن هذا المصطلح يشير إلى بعض الغموض حول الطابع الدقيق لما هو بحاجة إلى تسويغ. من هذا، بدوره، ينتج عنه ترددindecisiveness في كيفية فهم ادعاء صحة النظرية نفسها. سأبحث ما إذا كان الإجماع المتشابك، الذي تعتمد عليه نظرية العدالة، يلعب دورا ً معرفيا ً أو مجرد دور فعال: ما إذا كان يساهم بشكل أساسي في مزيد من التسويغ للنظرية أو ما إذا كان يخدم، في ضوء التسويغ المسبق للنظرية، لشرح الشرط الضروري للاستقرار الاجتماعي (1). يرتبط هذا السؤال بالمعنى الذي يستخدم فيه رولز المحمول “المعقول”: كمحمول لصحة الأحكام الأخلاقية أو للموقف المتأمل للتسامح المستنير (2).

 

  • من أجل تحديد الأفكار المعيارية الأساسية، لجأ رولز إلى ما يسمى بطريقة التوازن الانعكاسيReflective equilibrium. حيث يصل الفيلسوف إلى المفهوم الأساسي للشخص الأخلاقي والمفاهيم الملحقة للمواطن المستقل سياسيا ً، عن طريق التعاون العادل، والمجتمع المنظم جيدا ً، وما إلى ذلك، من خلال إعادة بناء عقلانية للحدس المؤكد، أي الحدس الموجود بالفعل في ممارسات وتقاليد المجتمع الديمقراطي. كما يتحقق التوازن الانعكاسي في الوقت الذي يكون فيه الفيلسوف قد توصل إلى التأكيد على أن المعنيين لم يعد بإمكانهم رفض الأسباب الوجيهة لإعادة بناء الحدس وتوضيحه بهذه الطريقة. إن إجراء إعادة البناء العقلاني يحقق بالفعل معيار توماس سكانلون Thomas Scanlon لما هو “ليس من المعقول رفضه” (المرجع السابق). بالطبع، لا يرغب رولز في تقييد نفسه فقط بالمعتقدات المعيارية الأساسية لثقافة سياسية معينة: حتى رولز في الوقت الحاضر، على خُطى ريتشارد رورتي، لم يصبح سياقيا ً. حيث كان هدفه، كما كان من قبل، هو إعادة بناء طبقة أساسية من الأفكار البديهية الكامنة في الثقافة السياسية لمجتمعه وتقاليده الديمقراطية. ولكن إذا كانت التجارب المرتبطة بإضفاء الطابع المؤسسي الناجح في البداية لمبادئ العدالة قد أصبحت راسخة بالفعل في الثقافة السياسية القائمة – في أمريكا، على سبيل المثال – فإن مثل هذا التخصيص الترميمي يمكن أن يحقق أكثر من مجرد توضيح تأويلي لتقليد ناشيء. ومع ذلك، يجب فحص مفهوم العدالة الذي تم وضعه على هذا الأساس مرة أخرى لمعرفة ما إذا كان يمكن توقعه بالقبول في مجتمع تعددي. كيف ترتبط هذه الخطوة الثانية بالمرحلة الأولى من تسويغ المبدأين؟ هل هي حتى خطوة ثانية للتسويغ؟

 

في الفصول الأخيرة من كتاب نظرية العدالة، تناول رولز مسألة ما إذا كان المجتمع الذي تم تشكيله وفقا ً لمبادئ العدالة يمكنه أن يثبت نفسه: على سبيل المثال، ما إذا كان بإمكانه توليد الدوافع الوظيفية الضرورية من موارده الخاصة من خلال التنشئة الاجتماعية السياسية المطلوبة من مواطنيها  (TJ 496ff). في ضوء حقيقة التعددية الاجتماعية والأيديولوجية التي أخذها لاحقا ًعلى محمل الجد، يريد رولز الآن أن يفحص بطريقة مماثلة ما إذا كان المفهوم النظري للعدالة يندرج تحت “فن الممكن” ومن ثم فهو “قابل للتنفيذ practicable”([16]). من بين كل شيء، يجب أن يكون المفهوم المركزي للشخص، الذي تستند إليه النظرية في نهاية المطاف، محايدا ً بما يكفي ليكون مقبولا ًمن وجهات النظر التأويلية لوجهات النظر العالمية المختلفة. ومن ثم، يجب إثبات أن العدالة كإنصاف يمكن أن تشكل أساس “إجماع متشابك” جيدة حتى الآن. ما يزعجني هو افتراض رولز العملي بأن مثل هذا الاختبار للقبول هو من نفس النوع مثل اختبار الاتساق الذي أجراه سابقا ً، وذلك بالإشارة إلى إمكانات المجتمع المنظم جيدا ً لتحقيق الاستقرار الذاتي.

 

هذا التوازي المنهجي إشكالي لأنه لا يمكن إجراء الاختبار بطريقة جوهرية في حالة القبول؛ كما لم يعد من الممكن التحرُك داخل النظرية. إن اختبار حيادية المفاهيم المعيارية الأساسية فيما يتعلق بوجهات النظر العالمية المتضاربة يعتمد الآن على مقدمات مختلفة: فهو يختلف عن الفحص النظري لقدرة مجتمع منظم بالفعل وفقا ًلمبادئ العدالة على إعادة إنتاج نفسه. يميز رولز نفسه في عمله الحالي بين “مرحلتين” من تكوين النظرية. يجب عرض المبادئ المسوغة في المرحلة الأولى للمناقشة العامة كما هو الحال في المرحلة الثانية. فعند اكتمال التصميم النظري فقط يمكن تفعيل حقيقة التعددية وإلغاء تجريدات الوضع الأصلي. كما يجب أن تتعرض النظرية ككل للنقد من قبل المواطنين في منتدى العقل العام. لكن هذا لا يشير الآن إلى المواطنين المُفترضين لمجتمع عادل، والذين تُدلى التصريحات حولهم في إطار النظرية ولكن إلى مواطنين حقيقيين من لحم ودم. لذلك، يجب أن تترك النظرية نتيجة اختبار المقبولية غير محددة. بالنسبة إلى رولز، فإن الخطابات الحقيقية التي تكون نتيجتها مفتوحة: “ماذا لو تبين أن مبادئ العدالة كإنصاف لا يمكن أن تحظى بدعم العقائد المعقولة، بحيث تفشل قضية الاستقرار؟ ذلك أن التغييرات المقبولة في مبادئ العدالة ينبغي أن تحقق الاستقرار”(PL 65-66). من الواضح أنه يمكن للفيلسوف في أغلب الأحيان أن يحاول أن يتوقع التفكير اتجاه الخطابات الحقيقية لأنها من المحتمل أن تتكشف بطُرق مختلفة في ظل ظروف المجتمع التعددي. لكن مثل هذه المحاكاة الواقعية إلى حد ما للخطابات الحقيقية لا يمكن دمجها في النظرية بنفس طريقة اشتقاق احتمالات الاستقرار الذاتي من المقدمات الأساسية للمجتمع العادل. في الوقت الحالي، يتجادل المواطنون أنفسهم حول المقدمات التي طورتها بقية الأطراف بشأن الوضع الأصلي.

 

لن يكون للتشابه المضلل أي عواقب أخرى إذا لم يُسلط الضوء على الجانب الخاطئ في “الإجماع المتشابك” الذي من المفترض أن تتلاقى معه مبادئ العدالة. لأن رولز يضع “مسألة الاستقرار” في المقدمة، لذلك فإن الإجماع المتشابك يعبر فقط عن المساهمة الوظيفية التي يمكن أن تقدمها نظرية العدالة لإضفاء الطابع المؤسسي السلمي على التعاون الاجتماعي؛ ولكن في هذا، يجب أن تكون القيمة الجوهرية للنظرية المبررة مفترضة مسبقا ً. من هذا المنظور الوظيفي، فإن مسألة ما إذا كانت النظرية يمكن أن تتوافق مع اتفاق عام – أي، من منظور وجهات النظر العالمية المختلفة في منتدى الاستخدام العام للعقل – فإنها ستفقد المعنى المعرفي الأساسي للنظرية نفسه. حيث سيكون التوافق المتشابك عندئذ مجرد مؤشر على المنفعة، ولم يعد تأكيدا ً على صحة النظرية؛ كما لن تكون ذات فائدة من وجهة نظر القبول ومن ثم الصحة، ولكن فقط من وجهة نظر القبول، أي لضمان الاستقرار الاجتماعي. إذا فهمت رولز بشكل صحيح، فإنه لا يرغب في التمييز بهذه الطريقة بين أسئلة التسويغ ومسائل الاستقرار. عندما يُطلق على مفهومه للعدالة من الناحية السياسية، يبدو أن مقصده بالأحرى تقليص التمييز بين قبولها المبرر والقبول الفعلي لها: “إن هدف العدالة كإنصاف كمفهوم سياسي عملي، وليس ميتافيزيقي أو معرفي. وهذا هو فهو لا يقدم نفسه كمفهوم صحيح للعدالة، بل كمفهوم يمكن أن يُستخدم كأساس لاتفاق سياسي مستنير وراغب بين المواطنين الذين يُنظر إليهم على أنهم أشخاص أحرار ومتساوون”([17]).

 

من وجهة نظري، يجب على رولز أن يميز بشكل أوضح بين المقبولية Acceptability والقبولِ Acceptance. إن الفهم الأداتي البحت للنظرية يبطل بالفعل حقيقة أن المواطنين يجب أن يقتنعوا أولا ً بالمفهوم المقترح للعدالة قبل أن يتحقق هذا الإجماع. يجب ألا يكون مفهوم العدالة سياسيا ً بالمعنى الخاطئ ولا ينبغي أن يؤدي فقط إلى تسوية مؤقتة. كما يجب أن توفر النظرية نفسها المقدمات المنطقية “التي ندركها نحن والآخرون على أنها صحيحة، أو معقولة لغرض التوصل إلى اتفاق عمل حول أساسيات العدالة السياسية”([18]). ولكن إذا استبعد رولز التفسير الوظيفي للعدالة على أنه إنصاف، يجب أن يسمح ببعض العلاقة المعرفية بين صحة نظريته واحتمال حيادها تجاه وجهات النظر العالمية المتنافسة التي يتم تأكيدها في الخطابات العامة. بعد ذلك، يمكن تفسير تأثير استقرار الإجماع المتشابك بعبارات معرفية، أي من حيث تأكيد الافتراض بأن العدالة كإنصاف محايدة تجاه “العقائد الشاملة”. لا أقصد أن أقول إن رولز يقبل المقدمات التي من شأنها أن تمنعه ​​من رسم هذه النتيجة؛ أعني فقط أنه يتردد في تأكيد ذلك لأنه يربط مع التوصيف “السياسي” بشرط ألا تُثقل نظرية العدالة بادعاء معرفي وأن تأثيرها العملي المتوقع لا ينبغي أن يكون مشروطا ً بالقبول العقلاني لتأكيداتها. وبالتالي، لدينا سبب للتساؤل عن سبب عدم اعتقاد رولز أن نظريته تعترف بالحقيقة وبأي معنى يستخدم هنا المحمول “معقول” بدلاً من المحمول “صحيح”.

 

  • في تأويل ضعيف، فإن الادعاء بأن نظرية العدالة لا يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة، يعتبر مجرد إحساس غير إشكالي بأن البيانات المعيارية لا تصف نظاما ًمستقلاً للحقائق الأخلاقية. في حين أن التفسير القوي، يذهب إلى أن هذه الأطروحة تتمتع بإحساس متشكك في القيمة بأن وراء ادعاء صحة البيانات المعيارية يكمن شيئا ً شخصيًا بحتًا: المشاعر أو الرغبات أو القرارات المعبر عنها بطريقة مضللة نحويا ً. لكن بالنسبة إلى رولز، فإن الواقعية الأخلاقية والتشكيك في القيمة كلاهما غير مقبولان بنفس القدر. فهو يريد أن يؤمن للبيانات المعيارية – ولـ نظرية العدالة ككل – شكلًا من الإلزام العقلاني المبني على الاعتراف الذاتي المسوغ، ولكن بدون منحها معنى معرفيا ً. لهذا السبب، يقدم “المعقول” الأصلي كمفهوم مكمل لـ “صحيح”. تكمن الصعوبة هنا في تحديد أي معنى يعتبر أحدهما “مفهومًا مكملًا” للآخر. حيث يوجد تفسيران بديلان يقترحان نفسيهما. إما أن نفهم “المعقول” بمعنى العقل العملي باعتباره مرادفًا لـ “الصواب الأخلاقي”، أي كمفهوم صحة مماثل للحقيقة وعلى نفس المستوى مثل الحقيقة الافتراضية؛ هذه القراءة مدعومة بسطر واحد على الأقل من الجدل (A). أو نفهم “العقلانية” بالمعنى نفسه تقريبا ً مثل “التفكير العميق” في التعامل مع وجهات نظر قابلة للنقاش تكون حقيقتها غير محسومة حاليا ً؛ ثم يتم استخدام “معقول” كمحمول لمستوى أعلى يهتم أكثر بـ “الخلافات المعقولة”، ومن ثم بالوعي المعقول fallibilistic والسلوك المدني للأشخاص، أكثر من صحة تأكيداتهم. بشكل عام ، يبدو أن رولز يفضل هذه القراءة الأخيرة B)).

 

  • يقدم رولز أولاً “المعقول” كميزة للأشخاص الأخلاقيين. حيث يعتبر الناس عقلانيين ممن يمتلكون إحساسا ً بالعدالة وبالتالي هم على استعداد وقادرون على مراعاة ظروف التعاون العادلة، ولكنهم أيضا ًيدركون عدم معصومية المعرفة وإدراكا ً ل”أعباء العقل!” “burdens of reason – هم على استعداد لتبرير مفهومهم للعدالة السياسية علنا ً. على النقيض من ذلك، يتصرف الأشخاص “بشكل عقلاني” فقط طالما أنهم يسترشدون بحكمة بمفهومهم للخير([19]). “ما يعنيه أن تكون عقلانيًا يمكن بالفعل تفسيره عن طريق صفات الأشخاص الأخلاقيين. ولكن مفهوم الشخص نفسه يفترض بالفعل مفهوم العقل العملي”.

بشكل ٍ جوهري، يشرح رولز معنى العقل العملي بالرجوع إلى بعدين: من ناحية، البعد الأخلاقي للصلاحية المعيارية (الذي أتركه هنا لجانب واحد باعتباره غير إشكالي)، ومن ناحية أخرى، البعد البراغماتي للمجال العام. وعملية التفكير العام (التي لها أهمية خاصة في السياق الحالي). الاستخدام العام هو بمعنى مُترسخ inscribedفي العقل. العلنية هي المنظور المشترك الذي من خلاله يقنع المواطنون المتبادلون بعضهم البعض بما هو عادل وغير عادل بقوة الحجة الأفضل. هذا المنظور للاستخدام العام للعقل، والذي يشارك فيه الجميع، يضفي أولاً قناعات أخلاقية على الموضوعية. يسمي رولز البيانات المعيارية الصالحة موضوعية، ويشرح “الموضوعية” بطريقة إجرائية بالإشارة إلى الاستخدام العام للعقل الذي يلبي شروطا ً معيّنة:” القناعات السياسية (التي هي أيضا ً، بالطبع ، قناعات أخلاقية) موضوعية – تأسست في الواقع على نظام من الأسباب – إذا كان الأشخاص عاقلين وعقلانيين، ويتمتعون بما يكفي من الذكاء والضمير في ممارسة سلطاتهم في التفكير العملي، سيصادقون في النهاية على تلك القناعات، شريطة أن يعرف هؤلاء الأشخاص الحقائق ذات الصلة وأنهم قد أجروا مسحا ً كافيا ً للأسباب التي تؤثر على المسألة في ظل ظروف مواتية للتفكير الواجب. “(PL 119).

يضيف رولز في هذا المقطع أن الأسباب محددة فقط كأسباب جيدة في ضوء مفهوم معترف به للعدالة؛ لكن هذا المفهوم يجب أن يتوافق بدوره مع الاتفاق في ظل نفس الظروف المثالية.(PL 137) وبالتالي، يجب أن يُفهم رولز على أنه يعني، من وجهة نظره أيضا ً، أن إجراء الاستخدام العام للعقل يظل الفيصل النهائي لاستئناف المقاييس المعيارية.

في ضوء هذا التفكير، يمكن القول أن المحمول “معقول” يشير إلى الوعد الخطابي للمطالبة بالصحة. بالقياس مع المفهوم غير الدلالي للحقيقة المنقى من جميع دلالات التطابق، يمكن للمرء أن يفهم “المعقول ” – بشكل صحيح، من وجهة نظري – كحامل لصحة البيانات المعيارية[20]. ومن الواضح أن هذه ليست الطريقة التي يستخدم بها رولز نفسه هذا المصطلح. خلاف ذلك، لن يقول إن وجهات النظر العالمية لا يجب أن تكون صحيحة حتى عندما تكون معقولة والعكس صحيح. بالنسبة لي، لا تكمن المشكلة في رفض رولز للواقعية الأخلاقية أو ما يترتب على ذلك من رفض لمحمول الحقيقة الدلالية للتعبير عن البيانات المعيارية، بل في حقيقة أنه يرفض حمل مثل هذه الحقيقة على وجهات النظر العالمية (العقائد الشاملة). وهو بذلك يستبعد إمكانية استغلال الدلالات المعرفية لمصطلح “معقول”، وهي الدلالات التي يجب أن ينسبها مع ذلك إلى مفهومه الخاص عن العدالة إذا كان هذا يطالب بنوع من القوة المعيارية الملزمة.

 

  • حول مفهوم رولز، تسمح العقائد الميتافيزيقية وتفسيرات العالم الديني بالحقيقة والخطأ. نتيجة لذلك، لا يمكن أن يكون المفهوم السياسي للعدالة صحيحا ً إلا إذا لم يكن متوافقا ً فقط مع هذه المذاهب ولكن أيضا ً يمكن اشتقاقه من عقيدة حقيقية. ومع ذلك، من وجهة نظر الفلسفة السياسية المحايدة تجاه وجهات النظر العالمية، لا يمكننا تحديد ما إذا كان هذا هو الحال ومتى. من وجهة النظر العلمانية هذه، فإن ادعاءات الحقيقة لجميع وجهات النظر العالمية المعقولة لها وزن متساوٍ، حيث تعتبر هذه النظرات العالمية منطقية تتنافس مع بعضها البعض في موقف تفكري، أي على افتراض أن ادعاء المرء بالحقيقة يمكن أن يسود في الخطاب العام في على المدى الطويل فقط من خلال قوة عقلية أفضل. تتميز “المذاهب الشاملة المعقولة” في نهاية المطاف بإدراكها لأعباء الإثبات، مما يمكّن الجماعات ذات الأيديولوجيات المتنافسة من قبول “الخلاف المعقول” كأساس لتعايشها السلمي في الوقت الحالي.

 

نظرا ً لأن الخلافات المتعلقة بالحقائق الميتافيزيقية والدينية تظل بلا حل في ظل ظروف التعددية الدائمة، يمكن فقط نقل معقولية هذا النوع من الوعي التأملي كحامل predicate شرعي لمفهوم سياسي للعدالة يتوافق مع جميع المذاهب المعقولة. من خلال هذا التحويل، فإن المفهوم المعقول للعدالة يحافظ على علاقة مائلة بادعاء الحقيقة المتوقعة في المستقبل. لكن لا يمكن التأكد من أن إحدى العقائد المعقولة التي يمكن اشتقاقها منها هي أيضا ً العقيدة الصحيحة. إن المفهوم السياسي للعدالة معقول بمعنى أنه يمكن أن يوفر نوعا ًمن التسامح تجاه وجهات النظر العالمية التي لا تكون غير منطقية، بالمعنى الذي دعا إليه جوتفريد ليسينجGottfried Lessing. ما يتبقى هو فعل إيماني بالعقل: “أي الإيمان المعقول بالإمكانية الحقيقية لنظام دستوري عادل”([21]). قد يستأنف هذا الرأي بعض حدوسنا المفضلة، ولكن كيف يمكن أن تتوائم مع أسباب رولز لقبول أولوية الحق على الخير في المقام الأول؟

 

تعترف أسئلة العدالة أو الأسئلة الأخلاقية moral بالإجابات المسوغة بمعنى القبول العقلاني – لأنها معنية، من منظور موسع بشكل مثالي، بالمصلحة المتساوية للجميع. على النقيض من ذلك، لا تقبل الأسئلة الأخلاقية Ethical مثل هذه المعاملة المحايدة لأنها تشير إلى ما هو جيد بالنسبة لي أو لنا على المدى الطويل، من منظور الشخص الأول، حتى لو لم يكن هذا جيدا ً للجميع. الآن تتخلل، النظرات الميتافيزيقية أو الدينية للعالم على الأقل إجابات للأسئلة الأخلاقية الأساسية؛ فهم يعبرون بطريقة نموذجية عن الهويات الجماعية ويوجهون خطط مختلفة للحياة الفردية. ومن ثم، فإن وجهات النظر إلى العالم تقاس بمصداقية أنماط الحياة التي تشكلها أكثر مما تقاس بصدق العبارات التي تعترف بها[22]. ولأن مثل هذه المذاهب “شاملة” بمعنى أنها تقدم تفسيرات للعالم ككل، فهي لا يمكن فهمها على أنها مجرد مجموعة منظمة من البيانات الواقعية؛ لا يمكن التعبير عن مضامينها بالكامل في جمل تعترف بالحقيقة ولا تشكل نظاما ًرمزيا ًيمكن أن يكون صحيحا ً أو خاطئا ًعلى هذا النحوأو ذاك. لذلك، يتضح ذلك على الأقل، في ظل ظروف التفكير ما بعد الميتافيزيقي حيث يتم تسويغ العدالة كإنصاف.

 

لكن بعد ذلك يستحيل جعل صحة مفهوم العدالة مشروطة بحقيقة النظرة للعالم، مهما كانت معقولة. بدلاً من ذلك، في ظل هذه المقدمات المنطقية، من المنطقي تحليل ادعاءات الصلاحية المختلفة التي نربطها، على التوالي، ببيانات وصفية وتقييمية ومعيارية (من أنواع مختلفة) بشكل مستقل عن الأجزاء المركبة لادعاءات الصحة التي يتم دمجها بشكل غامض معا ً في الدين والميتافيزيقي، وتأويلات الواقع.([23])

لماذا يعتقد رولز مع ذلك أن وجهات النظر العالمية التي تعمل على استقرار الهوية تعترف بالحقيقة؟ قد يكون الدافع المحتمل هو الاقتناع بأن الأخلاق الدنيوية  profane والمستقلة لا يمكن الدفاع عنها، وأن المعتقدات الأخلاقية يجب أن تكون مضمنة في العقائد الميتافيزيقية أو الدينية. وهذا، على أي حال، سوف يتماشى مع طريقة رولز في طرح مشكلة الإجماع المتشابك: فهو يأخذ كنموذج له أن المأسسة السياسية لحرية المعتقد والضمير التي أنهت الحروب الأهلية الدينية في الفترة الحديثة. لكن هل كان من الممكن إنهاء النزاعات الدينية إذا لم يكن مبدأ التسامح وحرية المعتقد والضمير قادرين على الاستناد، لأسباب وجيهة، إلى شرعية أخلاقية مستقلة عن الدين والميتافيزيقيا؟

 

  • الاستقلال الخاص والعام PRIVATE AND PUBLICA UTONOMY

الاعتراضات التي طرحتها في الجزء الأول ضد شكل الوضع الأصلي وفي الجزء الثاني ضد استيعاب أسئلة الصلاحية الخاصة بالقبول تشير إلى نفس الاتجاه. فمن خلال إخضاع الاختيار العقلاني للأطراف لقيود إجرائية معقولة، يظل رولز معتمداً على الافتراضات المعيارية الموضوعية؛ وفي الوقت نفسه، من خلال تكييف نظرية عالمية للعدالة لمسائل الاستقرار السياسي عن طريق اجماع متداخل، فإنه يُعرّض وضعها المعرفي للخطر. كما يتم متابعة كلتا الاستراتيجيتين على حساب برنامج إجرائي صارم. على النقيض من هذا النهج، يمكن أن يرضي رولز بشكل أكثر أناقة أعباء الإثبات التي يتحملها بمفهومه القوي والحيادي المفترض عن الشخص الأخلاقي إذا طور مفاهيمه وافتراضاته الموضوعية خارج إجراءات الاستخدام العام للعقل.

 

من وجهة نظري، فإن وجهة النظر الأخلاقية ضمنية بالفعل في الدستور الاجتماعي-السوسيولوجي للممارسة العامة للحجج، والتي تشتمل على العلاقات المعقدة للاعتراف المتبادل الذي “يجب” على المشاركين في الخطاب العقلاني “قبوله” (بمعنى الضرورة المتعالية الضعيفة). يعتقد رولز أن نظرية العدالة التي تم تطويرها بمثل هذه المصطلحات الإجرائية الخالصة لا يمكن أن تكون “منظمة بشكل كافٍ”. بما أنني أؤيد تقسيم العمل بين النظرية الأخلاقية ونظرية الفعل، فأنا لا أعتبر ذلك تحفظا ً جادا : فالهيكل المفاهيمي لسياقات التفاعل التي تشير إليها أسئلة العدالة السياسية ليس ضمن مجال النظرية الأخلاقية. وفي نفس الوقت مع مضمون نزاعات العمل التي تحتاج إلى حل، حيث يُفرض علينا إطار مفاهيمي كامل للتفاعل المنظم معياريا ً- أي شبكة من المفاهيم التي فيها الأشخاص والعلاقات الشخصية والفاعلين والأفعال والسلوك المتوافق والمنحرف والمسؤولية والاستقلالية، وحتى المشاعر الأخلاقية المهيكلة داخل الذات، تجد جميعها مكانها في هذا السياق. كما أن كل من هذه المفاهيم يستحق تحليل مسبق. فإذا أخذنا بعد ذلك مفهوم العقل العملي بالمعنى الإجرائي الذي يشير إليه رولز نفسه بمفهومه عن الاستخدام العام للعقل، يمكننا أن نقول إن هذه المبادئ على وجه التحديد صالحة، وتتوافق مع الاعتراف غير القسري بين الذوات في ظل ظروف الخطاب العقلاني. ويبقى سؤالاً آخير، وتجريبيا ً في المقام الأول، حول ما إذا كانت هذه المبادئ الصحيحة تضمن الاستقرار السياسي في ظل ظروف التعددية ومتى. فيما يلي، أنا مهتم بالقيام بفعل مُتسق للبرنامج الإجرائي مع الإشارة بشكل ٍ ضمني لتساؤل حول الدولة الدستورية.

 

لقد شدد الليبراليون على “حريات المحدثين  liberties of the moderns”: حرية المعتقد والضمير، وحماية الحياة، والحرية الشخصية، والملكية باختصار، وهي جوهر الحقوق الشخصية الذاتية. على النقيض من ذلك، دافع والجمهورانيين  republicanismعن “حريات القدماء”: الحقوق السياسية للمشاركة والتواصل التي تجعل ممارسة المواطنين لتقرير المصير أمرا ً ممكنا ً.حيث شارك جان جاك روسو وكانط التطلع إلى اشتقاق كلا العنصرين من نفس الجذر، أي من الاستقلال الذاتي الأخلاقي والسياسي: لا يجوز فرض الحقوق الليبرالية على ممارسة تقرير المصير كقيود خارجية أو جعلها مجرد وسيلة لممارستها.حيث يؤيد  رولز أيضا ًهذا الحدس. ومع ذلك، فإن طابع المرحلتين لنظريته يولد أولوية للحقوق الليبرالية التي تقُلص أهمية العملية الديمقراطية إلى مكانة أدنى.

ينطلق رولز بالتأكيد من فكرة الاستقلالية السياسية ونماذجها على مستوى الوضع الأصلي: حيث يتم تمثيلها عن طريق التفاعل بين الاختيارات العقلانية للأطراف المختلفة والشروط الإطارية أو الهيكلية التي تضمن حيادية الحكم. لكن هذه الفكرة لا تُحمل إلا بشكل انتقائي على المستوى المؤسسي للإجراء الديمقراطي لتشكيل الإرادة السياسية لمواطنين أحرار ومتساوين والتي مع ذلك استعارت منها ذلك. كما منح شكل الاستقلال السياسي وجودا ً افتراضيا ً في الوضع الأصلي، وبالتالي على المستوى الأول من تكوين النظرية، لا يتكشف بالكامل في قلب المجتمع المُشكّل بشكل عادل. فكلما ارتفع حجاب الجهل وكلما زاد عدد المواطنيين بحسب رولز الذين يتخذون لحما ً ودما ً حقيقيين، كلما وجدوا أنفسهم خاضعين بشكل ٍ كبير للمبادئ والأعراف التي تم توقعها من الناحية النظرية والتي أصبحت بالفعل مؤسسية خارجة عن إرادتهم. بهذه الطريقة، تحرم النظرية المواطنين من الكثير من الأفكار التي يجب عليهم استيعابها من جديد في كل جيل. من منظور نظرية العدالة، لا يمكن تكرار عمل تأسيس الدستور الديمقراطي في ظل الظروف المؤسسية لمجتمع عادل تم تشكيله بالفعل، كما لا يمكن ضمان عملية تحقيق نظام الحقوق الأساسية بشكل مستمر. علاوة على ذلك، لا يمكن للمواطنين أن يختبروا هذه العملية على أنها مفتوحة وغير كاملة، كما تتطلب الظروف التاريخية المتغيرة. بالإضافة لذلك، لا يمكنهم إعادة إشعال الجمرات الديمقراطية الراديكالية للوضع الأصلي في الحياة المدنية لمجتمعهم، لأن جميع الخطابات الأساسية للشرعية قد حدثت بالفعل في النظرية من منظورهم؛ ووجدوا نتائج النظرية مترسبة بالفعل في الدستور. نظرا ً لأن المواطنين لا يستطيعون تصور الدستور كمشروع، فإن الاستخدام العام للعقل لا يحمل في الواقع أهمية الممارسة الحالية للاستقلال السياسي ولكنه يعزز فقط أهمية حفاظ اللاعنف أو الجانب السلمي على الاستقرار السياسي. صحيح أن هذه القراءة لا تعكس نية رولز في صياغة نظريته[24]، ولكن إذا كنت على صواب، فإنها تكشف عن إحدى عواقبها غير المرغوب فيها. حيث يظهر هذا، على سبيل المثال، من خلال الحدود الصارمة بين الهويات السياسية وغير العامة للمواطنين. ووفقا ً لرولز، تُرسم هذه الحدود من خلال الحقوق الليبرالية الأساسية التي تقيد التشريع الذاتي الديمقراطي، ومعها المجال السياسي، منذ البداية، أي قبل كل تشكيل للإرادة السياسية.

يستخدم رولز مصطلح “سياسي” بمعنى ثلاثي. حتى الآن، أصبحنا على دراية بالمعنى النظري: مفهوم العدالة سياسي وليس ميتافيزيقي عندما يكون محايدا ً تجاه وجهات النظر العالمية المتضاربة. علاوة على ذلك، يستخدم رولز مصطلح “سياسي” بالمعنى المعتاد لتصنيف قضايا المصلحة العامة، بحيث تقصر الفلسفة السياسية نفسها على تبرير الإطار المؤسسي والبنية الأساسية للمجتمع. حيث تم الجمع بين كلا المعنيين في نهاية المطاف بطريقة مثيرة للاهتمام في معالجة رولز “للقيم السياسية”. كما يشكل “السياسي” بهذا المعنى الثالث رأسمال لكل من القناعات المشتركة للمواطنين ووجهات النظر لتحديد نطاق المواضيع والأهداف. يتعامل رولز مع مجال القيمة السياسية، الذي يتميز في المجتمعات الحديثة عن مجالات القيمة الثقافية الأخرى، كشيء مُعطى  given، تقريبا ً بطريقة الكانطية الجديدة مثل ماكس فيبر  Max Weber.بالإشارة إلى القيم السياسية، أيا ًكانت، يمكنه تقسيم split أخلاقيات الشخص إلى الهوية العامة للمواطن، والهوية غير العامة لشخص محدد يتشكل من خلال مفهومه الفردي عن الخير. حيث تشكل هاتان الهويتان بعد ذلك النقاط المرجعية لمجالين، أحدهما يتكون من حقوق المشاركة السياسية والتواصل، والآخر محمي بموجب الحقوق الليبرالية الأساسية. كما تتمتع الحماية الدستورية للمجال الخاص بهذه الطريقة بالأولوية في حين أن “الحريات السياسية تلعب دورا ً فعالا ً إلى حد كبير في الحفاظ على الحريات الأخرى”)[25](. وهكذا، بالإشارة إلى مجال القيمة السياسية، فإن مجال الحريات ما قبل السياسي محدد والذي يتم سحبه من متناول التشريع الذاتي الديمقراطي.

لكن مثل هذه الحدود المسبقة بين الحكم الذاتي الخاص والعام لا تتعارض فقط مع الحدس الجمهوري بأن السيادة الشعبية وحقوق الإنسان تتغذى من نفس الجذر. كما أنه يتعارض مع التجربة التاريخية، وقبل كل شيء مع حقيقة أن الحدود المتغيرة تاريخيا ًبين المجالين الخاص والعام كانت دائمًا إشكالية من وجهة نظر معيارية.([26]) بالإضافة إلى ذلك، يُظهر تطور دولة الرفاهية أن الحدود بين الاستقلال الذاتي الخاص والعام للمواطنين في حالة تغير مستمر وأن مثل هذه التمايزات يجب أن تخضع لتشكيل الإرادة السياسية للمواطنين إذا كانت لديهم الفرصة للضغط على مطالبة قانونية بـ “القيمة العادلة” لحرياتهم.

يمكن لـ نظرية العدالة أن تأخذ هذا الظرف في الاعتبار بشكل أفضل إذا كانت تميز “السياسي” وفقا ً لمعيار “التنظيم القانوني” (الذي ورد ذكره فقط بواسطة رولز). في النهاية، يتم تنظيم حياة المجتمع السياسي بشكل شرعي عن طريق القانون الإيجابي والقسري. (PL 215) السؤال الأساسي إذن هو: ما هي الحقوق التي يجب على الأشخاص الأحرار والمتساوين أن يتعايشوا مع بعضهم البعض إذا كانوا يرغبون في تنظيم تعايشهم بالوسائل المشروعة للقانون الوضعي والقسري؟

وفقا ً لمفهوم كانط للشرعية، يمتد القانون القسري فقط إلى العلاقات الخارجية بين الأشخاص ويتناول حرية اختيار الأشخاص الذين يُسمح لهم باتباع مفهومهم الخاص عن الخير. ومن ثم، فإن القانون الحديث، من ناحية، يشكل حالة الأشخاص القانونيين من حيث الحريات الذاتية القابلة للتنفيذ التي يمكن أن يمارسها كل منهم وفقا ً لتفضيلاته الخاصة. نظرا ً لأنه يجب أيضا ً أن يكون من الممكن الامتثال لنظام قانوني لأسباب أخلاقية، فإن الوضع القانوني الخاص لبعض الأشخاص يتم تحديده بشكل شرعي من خلال الحق في المساواة في الحريات الذاتية.([27]) ومن ناحية أخرى، كقانون إيجابي أو مُنظم، تتطلب هذه الوسيلة شرعية سياسية، حيث يتم تفسير شرعية التشريع من خلال إجراء ديمقراطي يضمن استقلالية المواطنين .كما أن المواطنون لا يتمتعون بالاستقلال السياسي إلا إذا كان بإمكانهم اعتبار أنفسهم مشاركين، أو كمؤلفين للقوانين التي يخضعون لها كمخاطبين بشكل ٍ فردي.

تصبح العلاقة الديالكتيكية بين الاستقلالية الخاصة والعامة واضحة في ضوء حقيقة أن وضع هؤلاء المواطنين الديمقراطيين المجهزين بصلاحيات سن القوانين لا يمكن إضفاء الطابع المؤسسي عليه، إلا عن طريق القانون القسري. ولكن لأن هذا القانون موجه إلى الأشخاص الذين لا يستطيعون حتى تولي وضع الرعايا القانونيين دون حقوق شخصية خاصة، فإن الاستقلال الذاتي الخاص والعام للمواطنين يفترض كل منهما الآخر بشكل متبادل. فكما رأينا، كلا العنصرين متداخلين بالفعل في مفهوم القانون الإيجابي والقسري: لا يمكن أن يوجد قانون على الإطلاق بدون حريات ذاتية قابلة للتنفيذ تضمن الاستقلالية الخاصة للأفراد القانونيين؛ ولا يوجد قانون شرعي بدون سن قانون ديمقراطي من قبل المواطنين المشتركين، الذين، بصفتهم أحرارا ً ومتساوين، لهم الحق في المشاركة في هذه العملية.فبمجرد توضيح مفهوم القانون بهذه الطريقة، يتضح أن الجوهر المعياري للحقوق الليبرالية الأساسية موجود بالفعل في الوسيط الذي لا غنى عنه لإضفاء الطابع المؤسسي القانوني على الاستخدام العام لعقل المواطنين ذوي السيادة. فالأهداف الرئيسية لمزيد من التحليل هي الافتراضات التواصلية وإجراءات العملية الخطابية للرأي وتشكيل الإرادة التي يتجلى فيها الاستخدام العام للعقل. لا يمكنني مناقشة هذا البديل بمزيد من التفصيل في السياق الحالي.([28])

هذه النظرية الأخلاقية والقانونية الإجرائية هي في نفس الوقت أكثر تواضعا ً من نظرية رولز. إنها أكثر تواضعا ً لأنها تُركز حصريا ًعلى الجوانب الإجرائية للاستخدام العام للعقل وتستمد نظام الحقوق من فكرة إضفاء الطابع المؤسسي القانوني عليها. من الممكن ترك المزيد من الأسئلة مفتوحة إلى عملية الرأي العقلاني وتشكيل الإرادة. حيث تتحمل الفلسفة أعباء نظرية مختلفة عندما تدعي، كما هو الحال في تصور رولز، تطوير فكرة المجتمع العادل، بينما يستخدم المواطنون هذه الفكرة كمنصة يمكن من خلالها الحكم على الترتيبات والسياسات القائمة. على النقيض من ذلك، أقترح أن تقتصر الفلسفة على توضيح وجهة النظر الأخلاقية وإجراءات الشرعية الديمقراطية، لتحليل شروط الخطابات والمفاوضات العقلانية. في هذا الدور الأكثر تواضعا ً، لا تحتاج الفلسفة إلى المضي قدمًا بشكل بنّاء، ولكن فقط بطريقة إعادة البناء. إنه يترك أسئلة جوهرية يجب الإجابة عليها هنا والآن للمشاركة المستنيرة إلى حد ما من قبِل المشاركين، وهذا لا يعني أن الفلاسفة قد لا يشاركون أيضًا في النقاش العام، على الرغم من دور المثقفين، وليس الخبراء.

 

 

يمكنك الاطلاع على رد جون رولز عبر هذا الرابط


الهوامش (مفهوم العدالة / نظرية العدالة لـ جون رولز):

[1]) نظرية العدالة: Cambridge: Harvard, 1971 من الآن فصاعدا يرمز لهذا العمل TJ  (المؤلف)

[2]) New York: Columbia, 1993 من الآن فصاعدا يرمز لهذا العمل PL  (المؤلف)

[3]) في إعداد المخطوطة، كانت الأعمال التالية مفيدة جدا ً وبشكل خاص: كينيث باينز Kenneth Baynes، الأسس المعيارية للنقد الاجتماعيThe Normative Grounds of Social Criticism  ((Albany: SUNY, 1992))؛ Rainer Forst ، سياقات العدل Kontexte Der Gerechtigkeit Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1994)).

[4]) “الحريات الأساسية وأولويتها” في S.McMurrin ، محرر، محاضرات تانر حول القيم الإنسانيةThe Tanner Lectures on Human Values ، المجلد الثالث (Salt Lake City: Utah UP ، 1982، (p. 16.

[5]) نظرية العدالة كإنصاف بين السياسة والميتافيزيقا، مجلة “الفلسفة والشؤون العامة Justice as Fairness: Political Not Metaphysical,” Philosophy and Public Affairs، الرابع عشر (صيف 1985): 223-51، ص 237 ن .20.

[6]) ينتقد توماس سكانلون Thomas Scanlon أيضًا آثار قرار التوجه النظري، وإن كان من وجهة نظر مختلفة، في “Contractualism and Utilitarianism” في Amartya Sen and Bernard Williams، eds.، Utilitarianism and Beyond (New York: Cambridge، 1982)، pp. 123ff .)

[7]) انظر Iris M. Young، Justice and the Politics of Difference (Princeton: University Press، 1990)، (p. 25.

[8]) لا يستند هذا الاعتراض على أطروحة أسبقية الواجبات على الحقوق، كما في Onora O’Neill، Constructions of Reason (New York: Cambridge، 1989)، ch. 12، ص 206 وما يليها.

[9]) “Rawls on Liberty and Its Priority،” in Norman Daniels، ed.، Reading Rawls (New York: Basic، 1975)، pp. 230ff.).

[10]) انظر Wilfried Hinsch، “Introduction” to Rawls، The Idea of ​​Political Liberalism (Frankfurt am Main: Suhrkamp، 1992)، pp. 38ff.).

[11]) الحريات الأساسية وأولويتها “ص 21 وما يليها و 39 وما يليها. The Basic Liberties And Their Priority,”p p. 21ff. and 39ff.

 

[12]) انظر، على سبيل المثال، أخذ الحقوق على محمل الجد (Cambridge: Harvard،  See, e.g., Taking Rights seriously( (Cambridge:Harvard,1 977)..( 977).

[13]) وعيي الأخلاقي والعمل التواصلي، كريستيان لينهاردت وشيري ويبر نيكولسنMy Moral Consciousness and Communicative Action, Christian Lenhardt and Shierry Weber Nicholsen ، ترجمة: ((Cambridge: MIT, 1990)، والتبرير والتطبيق: ملاحظات حول أخلاقيات الخطاب، ترجمة سيران كرونين Ciaran Cronin  (Cambridge: MIT, 1993). حول موقع أخلاقيات الخطاب في المناقشات الأمريكية المعاصرة، انظر Seyla Benhabib، “In the Shadow of Aristotle and Hegel: Communicative Ethics and Current Controversies in Practical Philosophy،” in Michael Kelly، ed.، Hermeneutics and Critical Theory in Ethics and Politics ( كامبريدج: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ، 1990) ، الصفحات 1-31. انظر أيضًا David Rasmussen، ed.، Universalism vs Communitarianism: ContemporarDy ebatesi n Ethics (Cambridge: MIT، 1990).

[14]) Cf. William Rehg, Insight and Solidarity: The Discourse Ethics of Juirgen Habermas (Berkeley: California UP, 1993).

[15]) فكرة الإجماع المتشابك، “مجلة أكسفورد للدراسات القانونية، 7 (1987): 1-25،ص .6. The Idea of an Overlapping Consensus,” Oxford Journal of Legal Studies, vii (1987): 1-25, p. 6.

[16]) انظر: نطاق الإجماع السياسي والمتشتابك  “New York University Law Review، LXIV (1988): 223-55، p.246.. The Domain of the Political and Overlapping Consensus

[17]) نظرية العدالة كإنصاف سياسي وليس ميتافيزيقي، ص 230.   Justice as Fairness: Political Not Metaphysical,”p . 230.

[18] ) فكرة الإجماع المتشابك، “مجلة أكسفورد للدراسات القانونية، 7 (1987): 1-25The Idea of an Overlapping Consensus,” Oxford Journal of Legal Studies, vii (1987): 1-25,.

[19]) ما يفتقر إليه الفاعلون العقلانيون هو الشكل الخاص للحساسية الأخلاقية التي تكمن وراء الرغبة في الانخراط في تعاون عادل على هذا النحو، والقيام بذلك بشروط قد يُتوقع بشكل معقول أن يؤيدها الآخرون بصفتهم متساوين “(PL 51).

[20]) راجع تأملاتي في التبرير والتطبيق، ص 25 وما يليها. Cf. my reflections in Justification and Application, pp. 25ff.

[21]) The Idea of an Overlapping Consensus,” p. 25.

[22]) انظر Forst ، or Moral”  “Justice as Fairness: Ethical، Political، ، 1992(

[23]) انظر: “أطروحاتي في التفكير ما بعد الميتافيزيقي”، في التفكير ما بعد الميتافيزيقي، ويليام مارك هوهينجارتن William Mark Hohengarten، ترجمة. (كامبريدج ،MIT، 1992)، ص 28-53.

[24]) راجع محاضرات تانر Tanner Lectures، حيث يكتب في نهاية القسم السابع: “الفكرة هي أن تدمج في البنية الأساسية للمجتمع إجراء سياسي فعال يعكس في هذا الهيكل التمثيل العادل للأشخاص الذي حققه الوضع الأصلي” (ص 45).

[25]) راجع: “الحريات الأساسية وأولويتها”، ص The Basic Liberties And Their Priority.13.

[26]) سيلا بن حبيب، “نماذج من الفضاء العام” “Models of Public Space، في كتابها “وضع الذات Situating the Self” (New York: Routledge, 1992)، ص 89-120.

[27]) جرى تناول هذا المبدأ في النظرية القانونية الكانطية في مبدأ رولز الأول.

[28]) my Faktizität und Geltung(Frankfurt Suhrkamp,1 992), chs  and w. English translation Between Facts and Norms, Rehg, trans.( CambridgeM: IT, forthcoming.)، انظر كتاب: بين الحقائق والمعايير.

مفهوم العدالة / نظرية العدالة لـ جون راولز