المذهب الرئيسي لابن ميمون في الفلسفة – كينيث سيسكين


  • مقدمة

يُمثل موسى بن ميمون تحديا للقارئ الحديث، لأن وجهة نظره للحقيقة لا تتفق مع وقائع التاريخ. وقد رأينا كم كان موجّها بالحاجة إلى التنظيم. قام بتقديم 613 وصية أصلية، وزعم أن كافة هذه الوصايا بمثابة وسائل لتحقيق أول وصيتين، وهما الإيمان بوجود الإله، ورفض الوثنية.

تشكل هذه الوصايا مجتمعة ما نسميه بالتوحيد. وهو على أي حال، يرى أن هناك الكثير في الوحدانية مما لا يقتصر على الإيمان بإله واحد. ولأجل الوفاء بالوصيتين، على المرء أن يؤمن بإله خالد، غير مادي ولا متغير، وأنه الواحد الأعظم ليس له شبيه أو مثيل في هذا الكون. ومن يفشل في إدراك هذت الإله، سيكون وثنيا مهما حقق عددا من الوصايا الأخرى، أو مهما كان متحمسا لتحقيقها. بكل بساطة، حينما تعبد الإله تحت وصف كاذب، فذلك لا يعدّ عبادة على الإطلاق. هذه حقيقة، ليس لأن ابن ميمون يراها كذلك، بل لأنها كذلك منذ بدء الخليقة يوم أن كلم الله آدم.

  • مذهب ابن ميمون الفلسفي الرئيسي

في بداية دليله، يزعم موسى أن آدم قد صُوّر على أنه يمتلك أتمّ المعرفة الميتافيزيقية التي يمكن للإنسان أن يصل إليها وذلك قبل طرده من جنات عدن. وهذا يتضمن بالضرورة الإيمان بإله خالد، غير مادي ولا متغير. حتى لو أن النص التوراتي لم يعرّج على ذكر لاهوتية آدم، إلا أن موسى بن ميمون يعتقد (MT 14 Kings and Wars, 9.1) أن من المستحيل لأحد أن يكون بهذا القرب من الإله ويكتم سوء فهم بهذا العمق.

لسوء الحظ، ضاع العلم بآدم خلال زمن أينوش وكان لزاما أن يعاد اكتشافه عبر إبراهيم (MT 1, Idolatry, 1.1–2; GP 3.29). مرة أخرى، يعتقد ابن ميمون أن من السائغ قول إن إبراهيم قد اكتشف الدلائل على وجود الإله الذي ليس له كيان ولا قوة متجسدة، رغم أن التوراة قد سكتت عن هذه المسائل. وقد كان من المفترض أن تمرر هذه الدلائل إلى إسحاق ويعقوب لكنها ضاعت خلال زمن العبودية في مصر، عندما اتخذ بني إسرائيل الأوثان آلهة لهم مثلما كان عليه أسيادهم.

عندما ظهر موسى ليعتق الناس من هذه العبودية، واجهته مشكلة عظيمة. إذا كان جلّ ما فعله هو تقديم الدلائل الفلسفية، فإن الناس سينسونها مثلما نسوا ما قبلها. عوضا عن تقديم الدلائل لوحدها، قام بتقديم مخطط لنظام اجتماعي من شأنه أن يساعد الناس على تذكر تاريخهم والمبادئ التي قام عليها. ولهذا السبب كان هناك 611 وصية إضافة إلى أول وصيتين، كلها تهدف إلى خلق بيئة يجد فيها الناس الوقت اللازم والتسهيلات الصحية والنفسية لفهم التوحيد (GP3.27–28).

اليهودية إذن، مبنية على فلسفة معينة. يعني بذلك موسى بن ميمون (GP 1.71) أن أفلاطون وأرسطو قد قدموا العلوم لبني إسرائيل قبل أن يقدموها إلى الإغريق. ولمن يسأل عن عدم وجود دليل دامغ لفلسفتهم، فالجواب لدى ابن ميمون هو أن سجلات هذه التعاليم قد دمرت حينما نُفي بنو إسرائيل وتعرضوا للاضطهاد. وبالرغم من ظهور انقسام بين أثينا والقدس، إلا أنه رأى أن التقليد الوحيد الذي يجب الحفاظ عليه هو الحقيقة.

قام بشرح هذه النقطة في دليله، إذ يقول أن التقليد اليهودي المدروس تحت غطاء تفسير بدء الخليقة ma’aseh bereishit)) هو ما درسه المفكرون اليونانيون كعلم الفيزياء. بينما المدروس تحت غطاء تفسير مركبة حزقيال (ma’aseh merkavah) هو ما درسه اليونان كعلم الميتافيزيقا. بصورة مختصرة، لطالما كان التقليد اليهودي فلسفيا. لكن المشكلة أن هذه المواضيع عسيرة على فهم العامة من العبّاد، كي تُفهم ويعبّر عنها كاستعارات أو رموز يفسرها قلة من المتعلمين على مستوى واحد، ويفسرها العامة لبعضهم البعض (Stern 2013).

بالنظر لوضعه الشخصي، انتهى موسى بن ميمون إلى أن التقليد التعليمي الذي بدأ عند بني إسرائيل قد ضاع مرة أخرى. أصبح الناس يصلون إلى إله متجسد، ويبررون أفعالهم على أساس تفسير حرفي. فاستدعت الحاجة رجلا ليغير هذا الحال ويعيد اليهود إلى تقاليدهم الخاصة. بمعنى أدق أن هذه الحقائق يهودية فقط لأن اليهود أول من اكتشفها. من وجهة نظر أثنية، أنها لم تكن يهودية بأكثر مما كانت نظرية فيثاغورس يونانية.

كل ذلك يشير إلى أن ابن ميمون لم يتصور التقدم مثلما تصورناه نحن. بالرغم من أنه اعتبر إتقان العلوم والفلسفة كأجزاء أساسية من الكمال البشري، إلا أنه لا يراها على أنها تراكمية. فبدلا من أن يأخذنا إلى أرض جديدة، كان هدفه أن يعيد تعريفنا بالأرض التي خرج منها موسى وقومه. إن الحقائق الهامة لا تتغير. حيث يقاس التقدم البشري بالقدر الذي عُرفوا وفهموا به. ومن أجل ذلك كانت المهمة الأساس للمسيح أن يعلّم هذه الحقائق، ويساعد في خلق ظروف يستطيع أن يتماشى معها معظم الناس.

مذهب ابن ميمون – كينيث سيسكين

مذهب ابن ميمون الفلسفي – كينيث سيسكين