التأويل الصوفي للشريعة: راهنية مشروع المفكر السوداني محمود محمد طه للعالم الإسلامي – جعفر نجم نصر

التأويل الصوفي للشريعة: راهنية مشروع المفكر السوداني محمود محمد طه للعالم الإسلامي – جعفر نجم نصر

محمود محمد طه

محمود محمد طه ، العالم الإسلامي


مقدمة:

لقد صُدم العالم الاسلامي وحتى العالم الغربي بالتأويلات الدينية للاسلام ، والتي قال بها المفكر السوداني محمود محمد طه (1909م-1985ت)، الذي قدمَ بمشروعه الفكري تأويلاً جديداً لم يسبقه أحد الا بعض الشذرات من تأويلات المتصوفة الذين كان  ينتمي لهم فكرياً وسلوكياً وذوقياً.

وأمام هذه التأويلات التي قدمت الاسلام بصورتين مختلفتين اسلام الاصول او ايات الاصول (المكية) التي وجد فيها كونية الاسلام وعالميته التي تجاوزت العرب ومنطق الدعوة، قبالة اسلام الفروع و آيات الفروع (المدنية) التي وجد فيها الاستاذ طه محلية الاسلام وآنيته الزمكانية آنذاك والتي لا تلائم روح العصر الذي كتب به (روح القرن العشرين) فقال في كتابيه الاساسيين (الرسالة الثانية من الاسلام) و(الاسلام برسالته الأولى لا يصلح لانسانية القرن العشرين) أن آيات الفروع نسخت بآيات الاصول التي بعثت و بما يتلائم روح العصر، حدثت ردود الافعال العنيفة أذ أنبرى فقهاء عصره من السودان و غيرهم بالرد عليه ووصل الأمر الى تكفيره وإعدامهِ جراء ذلك من قبل النظام السوداني آنذاك عام 1985.

فالتأويل الذي قال بهِ الاستاذ محمود محمد طه كفر، ونحن إزاء هذا الموقف نعيد ونمعن النظر مرةً أخرى في عدة قضايا جوهرية اساسية هي:

أولاً: ما أصالة وجذور التأويل الصوفي الذي انطلق منه الاستاذ طه؟ وهل كان تأويله يملك الأسس الموضوعية التي يبتنى عليها؟، ومن ثم يُعيد لتأويله أحقية التمدد فكرياً بحسب منطق الفهم الديني المعاصر للنص الديني؟ بعبارة أخرى هل كان محمود محمد طه في تأويلاته تلك مسددا تسديداً منهجياً؟ وهل أستطاع أن يمسك جدلية المكي والمدني، أو لنقل جدلية الكوني و المحلي في سياقات الايات القرآنية ليعيد وصلها بروح الاسلام؟ أم أنه أخفق وذهب بعيداً عن مرامي الاسلام؟ ومن ثم كان لزاماً علينا نقده؟ ومراجعة أطروحاته؟ ثم أليس جذوره الصوفية تسمح له بهذا الحراك الفكري للأنتقال من الشريعة الى الحقيقة؟ وان اسلافه من المتصوفة قد كان القرآن بالنسبة لهم دائرة ذوقية/حدية/ومرنة/ في الوقت عينه وكانوا يتأولونه على وفق حدود معلومة وآفاق تتجاوز عمل الفقهاء (التعبد الالي بالنص) الى عمل العرفاء (التعبد المعنويٍ بالنص)؟.

ثانياً: أليس العودة الى الاستاذ محمود محمد طه وتأويلاته تلك هي عودة الى جوهر التأويل الديني المعاصر الذي اخذ منه الكثير من الباحثين وكبار المفكرين ولكن بخسوا حقه في الاشارة إليه فقاموا بإعادة توليد او انتاج افكاره.

ومن ثم لنطرح تساؤلنا المحوري إذا كانت اطروحات الاستاذ محمود محمد طه هي جوهر او مرتكز اساسي لتجديد الفكر الاسلامي ولنقد لفكر الإسلامي وانها من جوهر الهرمنيوطيقيا أفلا يعد كل ذلك حداً أساسياً من حدود الاصلاح الديني (بالمعنى الاول) الذي نبحث عنه ، أي أن اطروحاته هي السقف الاعلى في الاصلاح الديني التي لا يدانيها طرحٌ أخر؟.

ثالثا: أليست عملية تكفير بعض التأويلات يجعل حدود الاصلاح الديني (المعنى الثاني الذي نريده) تدخل في دائرة الحرية الدينية من جهة وتصطدم مع ملائمة ايات قرآنية الى روح العصر في ظل حقوق الانسان التي تلتقي وموضوعة الحرية الدينية في دائرة وجودية واحدة؟ أليست ايات الجزية/الغنيمة/الفيء/ملك اليمين/عتق رقبة/الجهاد/ضرب المرأة/شهادة المرأة…الخ تصطدم ومنظومة حقوق الانسان ومنظومة الاتفاقات الدولية في الوقت عينه بحسب رأيه، أليس التأويل الصوفي الذي قال به محمود محمد طه يمثل مخرجاً؟ ام أن هذا الأمر لا ينسجم وجوهر الاسلام وسياقات اياته التي يمكن تطبيقها لكل زمان ومكان كما يقول بعض الفقهاء؟وان المسألة لاتعدو ان تكون مراجعة تأويلية جديدة لم يلتفت لها الأستاذ طه؟.

أن كل القضايا والتساؤلات آنفة الذكر ستكون جوهر عمل ورقتنا هذه، والتي سنتعامل معها بلغة تحليلية مكثفة لرصدها وبيان حقيقة ومصاديق دلالاتها وحيثياتها.

أولاً: جذور الاصلاح الديني وملامحه الأولية:

لعلهُ ما ينبغي الاشارة إليه في البدء، هو أن جهود محمود محمد طه لم تكن مفصولة كلياً عن مسارات الاصلاح الديني الذي انطلق أواخر القرن التاسع عشر وجهة المد الغربي بحضارته وأستعماره الذي هيمن على العالم الاسلامي إنذاك، إذ أن من الملاحظ أن جهود جمال الدين الأفغاني وتلميذه الابرز والأمهر الشيخ محمد عبده، كانت تحاول اصلاح الإسلام ومواريثه الاجتهادية الفقهية أو علم الكلام والمنطق الروائي للسنة النبوية، بل وصل الامر إلى حد تجديد قراءة النص الديني وتأويله بأدوات العصر المتاحة آنذاك.

فلقد كان جمال الدين معجباً بلا شك بحركة الاصلاح البروتستانتي التي مثلت بالدرجة الاولى ثورة على السلطة البابوية والإكليركية. ولم يكن حاله في هذا إلا شبيهاً بحال معظم المفكرين المسلمين في مصر والشام في القرن التاسع  عشر الذين أبدوا بأزاء البروتستانتية حماسة لم يبدوها بأزاء الكاثوليكية. فقد رأوا أن حركة الاصلاح البروتستانتي تحقق في النهاية، في المسيحية ، بعض ما طالب به المسلمون دوما، …، لكن جمال الدين لم يتمكن من تكريس جهود تذكر من أجل بناء هذه الحركة بسبب إنصرافة إلى العمل الثوري السياسي. ومع ذلك فالفضل يرجع إليه في تنبيه واحد من ألمع تلامذته ومريديه إلى هذه الجوانب الجوهرية في أمر العقيدة، أعني الشيخ محمد عبده ([1])  .

بالتأكيد أن موضوعه الاصلاح الديني في الإسلام، ما كان لها الانطلاق من دون العودة إلى النص الاصلي (القرآن) و(السنة النبوية) كما تمعن النظر فيهما عبر الادوات العقلية والمعرفية التي كانت قائمة انذاك لتفك أسراهما من قيود النزعة التفسيرية الماضوية التي تتجلى أنعكاساتها على حركة المجتمعات الإسلامية آنذاك وبكل صعدها ومستوياتها وفئاتها الانسانية التي تنهل من الجمود الذهني الديني الذي رزحت تحت أعبائه الثقيلة طولاً عبر ذلك الارث الديني الفقهي وعلم الكلام والتفسير القرآني الذي يُحيل إلى التحجر الذهني للعقل الاسلامي آنذاك.

فواصل محمد عبده في اخيات أستاذه الأفغاني الهادف إلى تنقية العمل التفسيري مما علق به من الخرافات والأستطرادات النحوية والأحاديث الموضوعة وجدل المتكلمين وأستنباطات الفقهاء المقلدين([1])، ومما ينبغي أعتماده لتحديد خصوصية خطاب محمد عبده في التفسير هو أنه خطاب ثنائي الهدف: فهو من جهة يريد أن يتحرر من عبء ما كان يسميه الأدوات التي أستخدمها المفسرون والتي أخرجت الكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهي وذهبت بهم في مذاهب تنسيه معناه الحقيقي. هذهِ الأدوات جعلت التفسير “جافاً ومبعداً” عن الله وكتابه، إذ أنقلب التفسير عند الكثير إلى حل ألفاظ وإعراب جمل وتمرين في فنون نحوية وبلاغية ([2]) .

أنطلاقاً من هذا الموقف أمكن لمحمد عبده أن يضع علاقة شبه تأسسية مع النص الأول أي النص القرآني، هذه العلاقة تحدد للتفسير هدفاً ايجابيا ًهو: ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول وحكمة التشريع في العقائد والأحكام على وجه يجذب الأرواح ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام. الغرض الحقيقي للتفسير في تيار “المنار” الذي أطلقه عبده هو التوصل إلى الإهتداء بالقرآن ومن ثم تتحدد وظيفة النص القرآني فتكون إصلاح المجتمع([3]).

لكن المشكلة الكبرى بعد رحيل عبده، تتمثل في وريثه محمد رشيد رضا فقد أرتد القهقري، وكان سلفياً إلى النخاع، فتعطلت مواريث محمد عبده وجهوده على يد تلميذه غير الانسب لتطوير قراءة النص القرآني الذي أتسم عقله بالتعبد بنصوص السلف الصالح إلى حد تقديمها على روح النص القرآني؛ وأجمالاً ينظر إلى محمد رضا بوصفه أباً للأصولية الإسلامية الحديثة، وهو بحسب أعتقادنا يمثل الشخصية الإسلامية الرئيسة المسؤولة عن الانحراف من الأيديولوجيا التوفيقية (التي مثلها محمد عبده) إلى الأيديولوجيا السلفية المتشددة، فكان هو هنا بمثابة زعيم الردة الفكرية للعودة إلى السلف الصالح ؟! عبر تأسيسه سلفية جديدة في الثلث الأول من القرن العشرين تسير على خطى ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب([4]).

ثانياً: تأويل القرآن بين الاصلاح الديني والتجربة الدينية الصوفية المعاصرة:

لعلهُ من البديهيات القول أن المتصوفة ذهبوا بتأويل النص القرآني مذهباً خاصاً فارقوا به، بل ابتعدوا عن سائر الفرق الإسلامية وشتى توجهاتها، ووضعوا لأنفسهم في سبيل ذلك مجالاً لغوياً خاصاً أستمدوه من خصائص التجربة الدينية الصوفية ذاتها.

تلك التجربة التي تعبر عن تقنيات التواصل الحسي واللاحسي بين الفرد والله سبحانه وتعالى، والتي تختلف من فرد إلى فرد في داخل العالم الصوفي ذاته، لكونها تعبر عن المدركات الخاصة لصاحب التجربة وآليات تذوقه للتواصل مع المقدس، فضلاً عن آليات التعبير عنه وبأي لغة كانت شعراً أم نثراً أم نصاً فلسفياً روحياً، مثلما فعل على سبيل المثال لا الحصر المفكر الهندي المعروف محمد أقبال والأستاذ صاحب دراستنا محمود محمد طه .

والتجربة التي نقصد ليست أسماً مفرداً يشير إلى خبرة من نوع خاص جداً، لكنها مفهوم مختلف نوعاً عن التجارب (الدينية المختلفة في كل الأديان) سواء أكانت فردية أم جماعية. التجربة هنا تشير إلى اسم جامع، يمثل كل ما يجري بين الفرد والعالم، فهي تعني الحياة كلها أكثر مما تعني هذا الموقف أو ذاك. بهذا المعنى الشامل للتجربة، يغدو نطاق الدين حياة المؤمن كلها، وتغدو التجربة الدينية كل ما يمكن أن يفعله المرء في حياته([5]).

وما دامت التجربة الدينية للمتصوف مفتوحة الافاق فهي على هذا النحو لا تلتزم بأبجديات الفقهاء وتوجهات علماء الكلام بل تخط لنفسها منهجاً مغايراً، عبر كسر الدوائر المحرمة، وانشاء مدونة ذوقية على أساس تجربتهم تلك، والتي تتقاطع في كثير من مناحيها مع ما ألفه الفقهاء وأتخذوه شرعةً منهجيةً وتحليليةً لهم، وذلك لكون الاجتهاد الصوفي واسع إلى حد كبير عبر أتساعه لثوابت ومتغيرات هائلة.

فالاجتهاد الصوفي يسعى إلى أن يكون شاملاً وجذرياً. وإذ يتجاوز الحدود المرسومة من قبل المذهب السني السائد، فإنه لا يدخل في حيز  ((حقيقة)) العصر حتى وان كان يقول الحق. فالتفسير الصوفي يلغي العمل بالاسناد الشائع في التفاسير السنية، ويحل محله ما أسمها بالتخريج، وهو عبارة عن تولد إسقاطي لمقولات وسط فضاء صاف من الاقوال المتواترة، فضاء حيث يتم كل تحديد مفهومي أنطلاقاً حول المحدودة الجذرية للإنسان([6]).

وجراء هذا الاجتهاد اللامحدود والذي شمل الشريعة بالدرجة الأولى وسائر العلوم الأخرى التي تليها مرتبة، جعلهم أمام مواجهة السلطة السياسية والسلطة الدينية (الفقهاء)، ولهذا كانت نتيجة: “الاندفاعات الخطابية لهم أن تصبح قرينة للهرطقة إذا ما فحصت وأولت من زاوية العرف السني. لذا قليلون هم الصوفيون الذين نالوا شهادات الكفاءة والتنويه في الأوساط السنية المهيمنة، هذه الاوساط التي لم تأل جهداً في الصاق تهمة الزندقة بكل أصناف المفكرين الذين استطاعوا التحرر من سبل الإقتداء والتقليد وأخذوا على عاتقهم مهمة ((الأجتهاد في الدين))، الذي هو أساساً أستبطان متشوق وإستثمار سلوكي لفحوى الوحي القرآني))([7]).

أن هذا الاستثمار جعلهم ينتجوون لغتهم الخاصة بهم، والتي أحالت إلى عوالم معرفية/ ذوقية متباينة ومختلفة كلياً عن منطق الفقهاء ومناطقة علم الكلام، وكان جل اهتماهم تجاوز ظاهر الشريعة وتفرعاتها إلى البواطن أو عالم الباطن ازاء عالم الظاهر الذي تمثله تلك العلوم التي تعتمد على الدرس والتعلم التقني/ العقلي، وذلك عبر اعتمادهم على علوم الإلهام والنظر القلبي/ الكشفي والذوقي الذي يتاؤل القرآن والسنة إلى ساحات أو لنقل إلى عالم من الفتوحات المعرفية التي ينطقون بها عبر اشاراتهم وتنبيهاتهم وإلمعاتهم الذوقية الخاصة.

وعن ذلك الاجتهاد الصوفي ولغته الخاصة يقول الباحث بنسالم حميش: إن من أهم توجهات هذا الاجتهاد القاءه طابع الخصوصية والتميز على مجموعة من المفاهيم والألفاظ المستعملة أستعمالاً عادياً في لغة الضاد. وهو أن كان ينفخ فيها روحاً من عنده بمجرد ما يعارضها ويقابلها بما سواها، كما تشهد العينة التالية: العلوم التعليمية/ العلوم الالهامية- البحث في الأقاويل والأدلة/ المجاهدة – علم/ معرفة – عقل/ ذوق قلب، بصيرة، إرادة- شريعة/ حقيقية، طريقة- علم اليقين/ عين اليقين – الاستدلال/ الوصال – عمل الجوارح/ عمل القلب – عبادة/ خدمة ظاهر/ باطن…([8]).

وعلى الرغم من أهمية كل ذلك وأثره وتداعياته شخّص محمد أقبال سلبيات التصوف عبر أمرين جوهريين: عبر أستكناه تجربة النبوة وكشفها من جديد من ناحية، وعبر أستشفاف التجاوز المفتوح فيها على أفق الشريعة وتطويرها من جهة أخرى، فهو وأن كان مع التجربة الصوفية على المستوى الشخصي إلا انه حدد السلبيات التي تكمن فيها. فبدأ إقبال بتحديد نقطة ضعف الفكر الديني في التاريخ الاسلامي. فقبل صدمة الحداثة كان التصوف في الإسلام. ذلك الوعي الذي يمكن تخليصه في قولة أحد كبار المتصوفة عن معراج النبي إلى السموات العلى ثم رجوعه إلى عالم الارض: “قسماً بربي لو بلغت هذا المقام لما عدت أبداً”. نقطة انهيار الفكر الديني. حسب إقبال تتحدد في  هذا “الانقلاب الخطير” الذي أولى بصفة جلية مكانة القدوة للصوفي الرافض “للرجعة” بدلاً عن النبي الذي يحول رياضته الدينية إلى قوى عالمية حية على صورة الرجعة بعد المعراج. بناء على هذه الرؤية لا يمكن أن نعزو تأخر المسلمين إلا إلى عوامل داخلية يمثل خلل المنظومة الدينية ضمنها أخطر الخلال وأدقها. إن تراجع مكانة النبي في الفكر الاسلامي الوسيط لحساب مكانة الولي والصوفي كان إيذاناً بتراجع الفعل الحضاري أمام الرياضة التأملية الطامحة لمقام الشهود([9]).

ولكنه ضمناً في الوقت عينه يعلن نصرته للمنهج الصوفي ازاء المنهج الفقهي في معرض حديثه عن مشروع نهضوي للشعوب الإسلامية، قائلاً: إما المنهج الفقهي فهو وقائي لا يملك الطاقة الابداعية التي تتطلبها شروط التجديد من أجل تجاوز للخطاب الاصلاحي. لذلك فان اقبالاً بين منظومته على أساس الأهتمام بالفرد وتقوية الذات، تلك القوة الفعالة التي تحول دون انحلال الشعب. مثل هؤلاء الافراد هم وحدهم الذين تتجلى فيهم أعماق الحياة. هم الذين يجهرون بمقاييس جديدة نرى في ضوئها أن بيئتنا ليست واجبة الحرمة في كل شيء. منهم يقع التفطن إلى ضرورة التعديل في خصوص الميل إلى المبالغة في التنظيم وإظهار الاحترام الزائف للماضي([10]).

بعد نقد المنهج الفقهي وتبني موقف واضح من مسألة بناء الفرد المتجاوز للقيد الاجتماعي والقانوني يصل اقبال إلى مسألة الفهم التقديسي للشريعة المنزلة فيعلن موافقته الكاملة لرأي شاه ولي الله الدهلوي في هذا الموضوع. لا يتردد اقبال في القول عن ولي الله (ت1726) انه على الارجح أول مسلم أحس بالحاجة إلى روح جديدة في الإسلام ودافع بوضوح عن قابلية الشريعة الاسلامية للتطور. فعل ذلك حين حلل مسعى النبي في مواجهة ظروف بيئته العربية والتأسيس في نفس الوقت لرسالة عالمية تتجاوز خصوصيات الإطار الاجتماعي والقيمي الذي ميز الجزيرة في القرن السابع ([11]).

ينقل اقبال رأي شاه ولي الله في خصوص نبوة محمد العربي والرسول الخاتم ليدين بها “المنهج الفقهي” الذي يكرر القول بالقيم التي قال بها السلف بطريقة آلية رافضاً أستحداث قيم جديدة. انه يرى في نبوة محمد والشريعة المنزلة عليه أمرين أثنين: مبادئ عامة وشاملة وتنظيماً لأمة معينة يتخذ منها نواة لبناء شريعة عالمية([12])، ما يلح علي اقبال في تحليله لمسألة الشريعة الإسلامية هو “المنهج الفقهي” وشرك القياس الذي جمد موقع متأخري الفقهاء، لقد نسي هؤلاء أن سير الحياة المتشابك والمقيد لا يمكن أن يخضع لقواعد مقررة تُستنبط أستنباطاً منطقياً عبر منهج آلي لا يعبأ بالحياة. معضلة الفقه الاسلامي يمكن أن تخلص في مفارقة الفقهاء الذين وإن أدركوا ما للواقع من شأن. فأن المتأخرين منهم خاصة جعلوه أمراً ثابتاً إلى الأبد ([13]).

أستناداً إلى هذا الفقيه العارف الدهلوي حاول اقبال تقديم أطاراً جديداً لمناقشة مستقبل الشريعة التي وضعت في ظروف ومعطيات القرن السابع الميلادي، فأنى لها أن تلائم بتشريعاتها الزمكان اللاحق، إلا إذا أجرى عليها عملية تأويل موسعة تجعل نصب عينيها تحولات الحياة الاجتماعية بشتى جوانبها ومناحيها، مما يجعل من مسألة الثوابت في الشريعة تحت النظر من جديد في ضوء تأويل مكثف جديد للنص القرآني بالدرجة الاولى ومن بعده المرويات في مدونة السنة النبوية التي تتشاطر المنهج التأويلي وتأخذ بحرفية التشريعات إلى دائرة حياة أخرى تتلائم ومتغيراتها الكونية، لأن الأصل وبحسب [اقبال] نفسه أن القرآن نص عالمي يتجاوز محيطه العربي والاسلامي.

ولكن الشيء الغريب والذي يلفت النظر هنا، هو أن افكار محمد أقبال المستوحاة من ذلك الفقيه/ العارف الدهلوي، والتي طورها اقبال، تطويراً واضحاً بحسب منطقه الفلسفي المعهود، من الغريب جداً إنها لم تكفّر وظلت عملية مداولاتها من قبل الكثير من الباحثين الاسلاميين، أو الاكاديميين المستقلين فكرياً حتى وان كانوا اسلاميين، على الرغم من شدتها وغرابتها آنذاك في بدايات القرن العشرين، الذي قيلت فيه وقدمت بحلة فلسفية مثلما فعل أقبال.

ولكن ازاء ذلك، تهاجم وتكفّر أطروحات الاستاذ محمود محمد طه ، والذي فحوى اطروحاته تتمحور حول تطوير الشريعة والعبور بها من دائرة إلى أخرى أستناداً إلى تجربته الصوفية الخاصة به، عبر مروره على الآيات القرآنية وأعتماده على ما يعرف بالناسخ والمنسوخ بالقرآن كيما يتأول الأيات المكية والمدنية، مركزاً جل أهتمامه على فوارق العصور التاريخية بين عصر الدعوة ومراحلها (المكية/ المدنية) وعصرنا الحالي الذي تغيرت فيه الحياة الاجتماعية برمتها والتي على خلاف كلي عن عصر الرسالة الأول.

أننا سنمر هنا على موجز أطروحته بقلم أبنته السيدة أسماء، ثم نعود لها لأجل التفصيل بها في المحور القادم، إذ تكتب: “يرى الأستاذ محمود أن نسخ أصول القرآن بفروعه في القرن السابع الميلادي لم يكن إلغاء نهائياً لأحكامها، وإنما كان ارجاء لتلك الاحكام. يرى إنها قد تم أدخارها للمستقبل، والسبب في النسخ، إنما هو التنزل من الاصول التي كانت فوق طاقة وحاجة مجتمع القرن السابع، إلى الفروع التي تلبي حاجة وطاقة ذلك المجتمع، ويدفع الاستاذ محمود في ذلك بحجة مفادها، لو كان النسخ إلغاء لأصبح تغييراً للرأي. أي أن الله تعالى انزل الاصول، وعندما لم يستجب الناس لها، غيرها بالفروع، وتعالى الله عن ذلك، علوا كبيرا. فالله حين خاطب المدعوين بالسماح في البداية، كان يعلم – وتلك بداهية دينية- أن المدعوين لن يستجيبوا لدعوة السماح. ولكنه تعالى أراد أن يقيم عليهم الحجة، وذلك لكي يؤكد عملياً للمدعوين أنفسهم، قصورهم ونكوصهم عن شأو أيات الاصول، كما انه تعالى أراد أن يثبت الأصول في القرآن، لتظل مدخرة حتى يجئ الوقت الذي تصبح حاجة الناس فيه إلى ايات الأصول حاجة عملية ملجئة”([14]).

وخلاصة الامر، بحسب رأيها: “أن الاستاذ محمود يرى أن الحكمة من النسخ إنما هي ارجاء ايات الاصول حتى يجئ وقتها. ولكي يجيء وقتها، لابد من عنصر الزمن، الذي تتطور فيه الحياة على ظهر الكوكب ، بوسائل أخرى غير وسائل الدين، وذلك حتى يتوحد الكوكب، وتتوحد مشكلة الكواكب، وتتحقق من ثم الحاجة إلى أصول القرآن. ويرى الاستاذ محمود أن ذلك قد حدث بالفعل، خلال فترة الأربعة عشر قرناً التي أعقبت نشأة الدعوة الإسلامية. ولذلك فأن زماننا هذا هو زمان بعث أصول القرآن المكية، حيث يجب ألا يكون هناك إكراه في اعتناق الدين أو تركه”([15]).

إنها أطروحات تتجاوز ما قاله محمد اقبال، على الرغم من إنهما متفقان على ضرورة تطوير الشريعة الإسلامية وملائمتها لروح العصر ومتغيراته المتسارعة، ولكن الاستاذ محمود محمد طه يقيم منطقاً داخلياً لبيان آرائه تلك، يتضح فيها منهجهُ التأويلي الجديد لجدلية الناسخ والمنسوخ في القرآن.

ولكن أنى لمن يقول بالتصوف الاسلامي، والذي ثبت وأتضح في المجال الشخصي والفكري والعملي لحياة الاستاذ محمود محمد طه ، أن يقول بتطوير الشريعة ونسخها، أليس هذا الامر يتقاطع مع أبجديات المسلم ومن دان بالاسلام، فما بالك بمن يقول بجوهر الإسلام وهو التصوف، بحسب رأيه؟، ثم ألم يثبت عند كبار المتصوفة أن الشريعة (القرآن والسنة) هما أصلا التصوف وسنامهُ الأعلى الذي لا يمكن لأحد أن يحيد عنهما أبداً؟.

وها ما أكده الحارث بن أسد المحاسبي (ت243هـ)، وأبو نصر السراج الطوسي (ت378هـ)، وأبو بكر محمد الكلاباذي (ت380هـ) وأبو طالب المكي (ت388هـ) وعبد الكريم القشيري (ت465هـ)، وأبو حامد الغزالي (ت505هـ) ([16])، ولعل الاخير قال القول الفصل: “من قال أن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان” ([17]).

أن للأمر قراءة أخرى، وزاوية نظر دقيقة، لأجل كشف حقيقة تصوف الاستاذ محمود محمد طه وتجربته في هذا المجال والتي دفعته إلى تقديم أطروحاته المفارقة لأغلب ما أتفق عليه المسلمون، والذي لم يتجرأ الكثير من المتصوفة إلى الحديث عنه مباشرة، وان المحوا لذلك سابقاً، كما فعل الحسين بن منصور الحلاج (244هـ – 309هـ)، والذي عد كاشفاً للأسرار التي لا ينبغي الحديث عنها، فدفع حياته ثمن بوحهِ بالاسرار، على الرغم من انه القائل:


من أطلعوه على سر فباح به             

 وعاقــبوه على مــــــا كــــــان مــــن زلـــلِ     

وأبدلــــــــــــوه مكــــــــــــان الأنـــــــــــــس أيحاشـــــــــا ([18])

لقد حسم الاستاذ محمود ومنذُ الوهلة الأولى موقفه وموقف مشروعه من كل مظاهر التصوف التقليدي. من المعلوم أن البيئة السودانية، حيث انطلق مشروع الاستاذ محمود، ظلت موطناً للتصوف، إذ أنتشر التصوف الاسلامي فيها انتشاراً واسعاً منذ قيام سلطنة الفونج (1504 – 1821)، وظلت الصوفية مكوناً جوهرياً في المجتمع والثقافة ([19]).

تجلت دلالات هذا الحسم عبر موقفه وموقف مشروعه من أي منهج متبع، وأتى بمنهج جديد في العلاقة بينه وبين الاخرين. لقد أراد لعلاقته بالناس، وهو القائد والمصلح الديني، أن تكون قائمة (على الاحترام لا على التقديس)، فأتباعه سموا بالتلاميذ وليسوا بالمريدين أو الحواريين وأي شيء آخر. كذلك لم يناده تلاميذه بالشيخ وإنما الاستاذ، بل رفض بحسم كل مظاهر سلوك الأتباع لشيوخهم، مثل رفضه لتقبيل اليد وغيرها، كتب حمد النيل عبد الله العركي، وهو أحد تلاميذ الاستاذ محمود قائلاً: “كنت في أوضة (غرفة) الاستاذ محمود فدخل رجل وخلع عمامته وسلم على الاستاذ محمود في يده، فلم يقبل الاستاذ محمود وقال له: دي تعملها عند المشايخ، كذلك لم يأخذ الاستاذ محمود بمنهج الكرامات في الدعوة، كما انه لم يتخذ منها وسيلة للأقناع، ولم يدع الكرامات. كتب عمر القراي، وهو احد تلاميذ الاستاذ محمود، كتب القراي قائلا: “فالرجل قد عرف بالزهد في الألقاب الدنيوية والدينية ولم يدع الكرامات ولم يسم نفسه (الشيخ) أو (الإمام)” ([20]).

فما الزم المتصوفة به انفسهم، لم يلزم تلميذهم الأستاذ محمود محمد طه ، فهو وان كان قريباً من منهجهم الصوفي المحوري الفاصل بين الشريعة والحقيقية، كما سنبين ذلك لاحقا، إلا انه لم يسر على وفق تنظيماتهم السرانية، وما لحق بها من أسرار لم يدركها إلا خاصة الخاصة ، إذ أن الاستاذ طه، كان حريصاً بشدة على تبيان معالم المنطق الصوفي بكل جزئياته، إذ به انطلق ومنه أسس وعليه أبتنى منهجه التأويلي الجديد لجدلية الجدلية الناسخ والمنسوخ، على حد قول احد الباحثين: “بالرغم  من تعدد أوجه نشاط محمود الفكري، وكتابته في العديد من المواضيع السياسية والفكرية والاجتماعية، إلا أن تصنيفي الأول والأخير له يقوم بأعتباره صوفياً، صوفياً في عالمه الفكري، صوفياً في ممارسته، صوفياً في أستشهاده ورحيله، وقد لا يدرك الكثير بمن فيهم أتباع محمود، أن جل افكاره تتماهى مع لب أفكار الصوفية، سواء في مدارسها الكونية، أو في صورتها العربية الإسلامية، أو في تجليها في الواقع السوداني…، إن التناقض – أو التمايز- بين الظاهر الباطن، بين الحقيقة والشريعة، والذي هو ركن أساسي في نظرية المعرفة عند الصوفية، قد تحول عند محمود محمد طه إلى تناقض وتمايز الاصول والفروع في القرآن، أو كما سماها بالقرآن في مرحلته المكية والمدنية، كما أن الطرق للوصول إلى الحقيقة، والقائم على السعي ومجاهدة النفس عند الصوفية، هو نفسه طريق التقليد والاصالة عند محمود، والذي يتبلور حول فكرة أن الرسول محمد كان هو الأصيل الأول، والي وصل إلى اصالته- الأخذ بمباشرة عن الرب في ليلة الإسراء والمعراج- بعد جهد من تقليد عبادة ابراهيم، وأتباع جبريل، كذلك طريق الأصالة لأي فرد يقوم على تقليد الرسول، وإجادة التقليد، حتى كشف الحجب وإدراك الاصالة” ([21]).

أن كشف المعطى الجوهري لأفكار الاستاذ محمود محمد طه إنما يقوم على العودة إلى مؤلفاته، وتتبع الجذور ثم المسارات وأنتهاءً بالمآلات لمراحل مشروعه الفكري، الذي وبحسب اطلاعنا عليه (وكما سنبين تفاصيله لاحقاً)، إنما استمد مقوماته التأسيسية من تجربة الاستاذ الصوفية، وهذا ما يتم رصده من قبل أي مطلع على الفكر الصوفي، ومن ثم فأن معرفة آيات الأصول وجدلها مع آيات الفروع، إنما هو أمر مرده فهم التدرج أو لنقل التصاعد الفلسفي/ المعرفي/ الذوقي في لقاء الاستاذ طه مع النص القرآني، وأعتمالاته فيه تأويلاً مفارقاً لكل الذين سبقوه أو عاصروه، لأنه (ومن دائرة التصوف عينها) كانت تأويلاته أكثر بوحاً وكشفاً وجاءت كضياء الفجر لشدة وضوحها وجزالة دقتها.  وهذا ما سنعمدُ لمراجعته في المحور القادم.

المحور الثالث: الاستاذ محمود محمد طه بين تأويل النص القرآني وأفاق تطوير التشريع الإسلامي:

وصل مفهوم التأويل بالمعنى اللغوي أو بالمعنى الاصطلاحي حتى التخمة من كثرة ما كتب عنه، بتفصيلات مختلفة الشكل والتعبير، لكنها لم تجانب القول الأوحد، إلا وهو كشف المعنى الخفي أو الثاوي خلف المفردات اللغوية للنص أياً كان، وهذا ما ينطبق على القرآن بوصفه نصاً لغوياً وان كان نصاً مقدساً.

وان كان الاتجاه النقدي لما يعرف بأسلام المجددين يعده نصاً ثقافياً – تاريخياً: “والمقصود بذلك انه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين سنة من بداية الدعوة المحمدية، وطبيعي أن هذا التصور يقوّض الرؤى التقليدية التي تقول بوجود ميتافيزيقي سابق للنص” ([22]).

إلا أن الاستاذ محمود محمد طه ينظر إلى النص القرآني بوصفه نصاً الهياً – مقدساً، ولكن كان يقيم الوزن في الوقت عينه للمحيط الثقافي والاقتصادي والاجتماعي في القرن السابع الميلادي في مكة والمدينة وأثرها في طبيعته ومضامينه ودلالاته، ولعله يتطابق أي الاستاذ طه مع أسلام المجددين بتبني القراءة الحديثة للنص القرآني لكشف المعاني الثاوية فيه.

أن وظيفة القراءة في التصور الحديث لمسألة المعنى لا تقف عند حدود اكتشاف الدلالات في سياقها التاريخي الثقافي الفكري، بل تتعدى ذلك إلى محاولة الوصول إلى “المغزى” المعاصر للنص التراثي، في أي مجال معرفي. أن هذه الوظيفة ليست أمراً أختياراً، ذلك أن فعل القراءة يتحقق في “الحاضر” بكل ما تعنيه الكلمة من وجود ثقافي وتاريخي وأيديولوجي ومن أفق معرفي وخبرة محدّدين. فنقد النص يجب أن ينطلق من رؤية نقدية جديدة تأخذ بعين الاعتبار في البحث عن المعنى، النظرة إلى النص والى القارئ والى العلاقة الجدلية بينهما، كما إنها تأخذ في الحسبان مقتضيات اللحظة التاريخية الراهنة ([23]).

وإنطلاقاً من تلك الرؤية، ذهب الاستاذ محمود محمد طه وبحسب منهجه الصوفي إلى رأي مفاده: أن عمل النبي ليست هي الشريعة، إذ يقول: أن مما ألف الناس أن سنة النبي هي قوله، وأقراره، وعمله… والحق أن هذا خطأ، فأن قول النبي وأقراره، ليسا سنة، وإنما هي شريعة… وأما عمله في خاصة نفسه فهو سنة… نعم هناك من قوله قول يلحق بالسنة، وذلك هو القول الذي ينم عن حال قلبه من المعرفة بالله… أما أقواله التي أراد بها إلى تعليم الامة في أمر دينها فهي الشريعة، والفرق بين الشريعة والسنة هو الفرق بين الرسالة والنبوة أو هو الفرق بين مستوى الامة، من أعلاها إلى أداناها، ومستوى النبي… وذلك فرق شاسع وبعيد ([24]).

وبعبارة أدق وبحسب رأيه: السنة هي عمل النبي في خاصة نفسه، والشريعة هي تنزل النبي، من مستوى عمله في خاصة نفسه إلى مستوى أمته، ليعلمهم فيما يطيقون، وليكلفهم فيما يستطيعون… فالسنة هي نبوته، والشريعة هي رسالته… وإنما في مضمار رسالته هذه قال: ” نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر
عقولهم” ([25]).

وفي محاضرته التي تحول كتاب (الإسلام برسالته الاولى لا يصلح لأنسانية القرن العشرين)، والذي يرد فيه كلام الاستاذ محمود محمد طه حرفياً وباللغة السودانية (الدارجة)، يفصل الحديث عن التفرقة تلك بين السنة والشريعة قائلاً: تجي العبارة في “سنتي”… “الذين يحيون سنتي بعد أندثارها”. دا الكلام اللي قلنا ليكم فيه أنو الدين ما برجع في مستوى الشريعة… هنا تجي السنة. السنة موش الشريعة. في فرق بين الشريعة والسنة. والحديث البفرق بين الشريعة والسنة قال: – “قولي شريعة، وعملي طريقة، وحالي حقيقة”.. دا حديث النبي. وأنا أفتكر في النقطة دي نحب نصحح فهم الناس اللي بقولوا انو السنة هي: فعل النبي وقول النبي، واقراره، دا طبعاً ما درج الناس على أن يدرسوه ويقولوه بأستمرار لكنه دا خطأ. عمل النبي هو السنة، بعدين قوله ما يحكى حالته في عمله دا سنة… وما يعلم بيه أمته شريعة، وأقراره على الاطلاق شريعة، أقرار النبي لا صحابه على عمل علموه ما عارضهم فيه دا شريعة. ([26])

أن الذي يريد أن يقوله الاستاذ محمود محمد طه كمقدمة تمهيدية لأفكاره الجوهرية التي تتأتى تباعاً، إنما يقوم على عدة رسائل، إلا وهي:

أولاً: أن السنة التي تعبر عن افعال النبي في خاصة نفسه، إنما هي طريقة روحانية خالصة في السير نحو الله تعالى، وان الشريعة تعبر عن الاقوال النبوية المعبرة عن حاجات المجتمع الآنية انذاك، وهي ادنى درجة بطبيعة الحال من السنة آنفة الذكر.

ثانياً: أن الشريعة هي للأمة الإسلامية وأحتياجاتها في عصرها آنذاك، وانها ليست هي المحور الجوهري في الإسلام بحسب رأيه، لأن السنة هي الاعلى، وهي التي ينبغي التوجه نحوها وطلبها، فلهذا يقول الاستاذ محمود محمد طه : عمل النبي أرفع من عمل الامة. عمل الامة  شريعة..عمل النبي أرفع منه، كثير من الناس يقولوا: دي خاصية من خاصيات النبي. لكن دا خطأ في الفهم. الخاصية دي، أنت مُعد لأن تشارك فيها بلطف الاستعداد المودع فيك، إذا تساميت للدرجة دي، لأنو ربنا إنما أرسل نبينا بشر. وأرسل الرسل كلهم بشر، لئلا يقول زول: الكمالات العندهم دي نحن مالنا ومالها، نحن ما بنقدرها، قال لينا (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم)) ((من أنفسكم)): دي روح الآية، علشان تعرف انو ما فيك من ضعف، كان فيه. لكن ربنا أتلطف فنقاه منه. وأنت بتعرضك لرحمة الله، تسير بيسره.. تمشي في طريقه.. تتبعه (( قل أن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله)) هذه المسألة بتاعة سنته هي عمل مؤكد أكثر من شريعته، … ([27]).

ثالثا: أن الشريعة ضمناً بالنسبة للإستاذ محمود محمد طه تعطي معنى خاص للإيمان مخالف عما هو موجود في السنة التي هي أختصاراً لقول النبي (ص) آنف الذكر (طريقتي)، والتي ستحيل إلى مرتبة ايمانية أعلى مما لدى الملتصقين بظاهر الشريعة دون الذهاب نحو جوهر السنة التي فصل الحديث عنها الاستاذ طه في ما تقدم ذكره، فالإسلام (السنة) هو أعلى من الإيمان (الشريعة)، ولهذا وجدناه يقول: والناس، اليوم، لا يملكون القدرة على التمييز الدقيق بين الإسلام والايمان، فهم يعتقدون أن الإيمان اكبر من الإسلام، وقد ورطهم في هذا الخطأ عجزهم عن الشعور بحالة الوقت، ذلك بأن الوقت الذي كان فيه هذا الفهم صحيحاً قد أنقضى، وأقبل وقت تطور فيه فهم الدين، وانتقل من مستوى الإيمان، إلى مستوى الإسلام… الأمر فحواه كالآتي: الإسلام فكر يرتقي المسالك فيه على درجات سلم سباعي، أولها الإسلام، وثانيها الإيمان، وثالثها، الاحسان، ورابعها علم اليقين، وخامسها علم عين اليقين، وسادسها علم حق اليقين، وسابعها الإسلام من جديد… ولكنه في هذه الدرجة يختلف عنه في الدرجة الأولية، أختلاف مقدار، فهو في الدرجة الأولية أنقياد الظاهر فقط، وهو في الدرجة النهائية أنقياد الظاهر والباطن معاً… وهو في الدرجة الأولية قول باللسان، وعمل بالجوارح (فهو يعني ضمناً الشريعة كما يقول الاستاذ طه)، ولكنه في الدرجة النهائية أنقياد، وأستسلام، ورضا الله في السر والعلانية… (فهو يعني ضمناً السنة (طريقتي) كما يقول الاستاذ طه) وهو في الدرجة الاولية دون الإيمان، ولكنه في الدرجة النهائية أكبر من الايمان… وهذا ما لا يقوى العلماء الذي نعرفهم على تمييزه (وهو هنا يشير إلى علماء الفقه بطبيعة الحال (علماء الشريعة) )([28]).

رابعاً: وتأسيساً على ما تقدم يفضي الحديث إلى الرسالة الإسلامية الثانية التي يريدها الاستاذ محمود محمد طه ، بناءً على عملية المفاصلة بين الشريعة (اسلام الظاهر/ اسلام الفقهاء) والسنة (اسلام الباطن/ اسلام العرفاء)، فبنظره أن كل واحدة منها تنتج (أمة) مختلفة عن الأخرى، فإذا كان الاسلام بالنسبة للإستاذ طه قائم على درجات سبع فأن تفصيلها هو المرحلتان المختلفتان في الإسلام والمستوحتان من القرآن ذاته، إذ يقول: وجلية الأمر ان الاسلام، وكما هو وارد في القرآن، قد جاء على مرحلتين، مرحلة العقيدة، ومرحلة الحقيقة أو سمها مرحلة العلم.. وكل مرحلة من هاتين المرحلتين تقع على ثلاث درجات… فأما مرحلة العقيدة فدرجاتها الثلاث هي: الإسلام، والايمان، والاحسان… وأما مرحلة العلم فدرجاتها الثلاث هي: علم اليقين، وعلم عين اليقين، وعلم حق اليقين.. ثم تجيء بعد ذلك، الدرجة السابعة من درجات سلم الترقي السباعي، وتلك هي درجة الاسلام، وبهما تتم الدائرة…   وتجيء النهاية تشبه البداية، ولا تشبهها” فهي في البداية الإسلام، وهي في النهاية الإسلام، ولكن شتان بين الإسلام الذي هو البداية، وبين الإسلام الذي هو النهاية.. ([29]).

ثم يذهب الاستاذ محمود محمد طه إلى تحديد المفاصلة العملية بين أمتين مختلفتين من عصر إلى عصر، إذ يقول: ومرحلة العقيدة هي مرحلة الأمة المؤمنة.. وهي أمة الرسالة الأولى ، ومرحلة العلم هي مرحلة الأمة المسلمة… وهي أمة الرسالة الثانية… وهذه الأمة لم تجئ بعد، وإنما جاء طلائعها فرادى على مدى تاريخ المجتمع البشري الطويل. وأولئك هم الأنبياء، وفي مقدمتهم سيدهم وخاتمهم النبي الأمي محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم… وهو قد بشر بمجيء هذه الأمة المسلمة، كما جاء برسالتها، مجملة في القرآن، مفصلة في السنة،… وحين تجيء هذه الأمة المسلمة فأنه لا تبدأ إلا بما بدأت به الامة المؤمنة، وهي مرحلة العقيدة، ولكنها لا تقف في الدرجة الثالثة من درجات السلم،…، وإنما تتعداها في التطور إلى ختام الدرجات، فتكون بذلك صاحبة عقيدة وصاحبة علم في آن معاً، فهي مؤمنة، ومسلمة، في حين أن الامة الأولى مؤمنة، وليست مسلمة، بهذا المعنى النهائي للإسلام ([30]).

ولكن هذا الامر لا يعني رسولين، لأختلاف العصر الماضي (عصر الرسالة الأولى) أو عصر(الأمة المؤمنة)، والعصر الحالي (عصر الرسالة الثانية) أو عصر (الأمة المسلمة)، إذ هو يؤكد: أن محمداً رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية.. وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلاً، وأجمل الرسالة الثانية أجمالاً، ولا يقتضي تفصيلها إلا فهماً جديداً للقرآن([31]).

وفي السياق ذاته، ولكن بطريقة أخرى يقول الاستاذ محمود محمد طه : الرسالة الثانية ما عايزة وحي، عايزة انسان ربنا يوفقه ليفهم عنو.. في القرآن ربنا قال عن بيان القرآن. قال لنبينا: “لا تحرك به لسانك لتعجل به، أن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فأتبع قرآنه، ثم أن علينا بيانه” بيانه بأستمرار… ربنا يبين للنفوس المتعرضة لخيراته وهباته.. يبين ليها بأستمرار دينو.. وأسرار ألوهيته… فالرسالة الثانية، بأيجاز هي فهم أصول الدين لتطوير شريعتنا من الصور اللي نزلت في القرن السابع وفيها بعض صفة الموقوتية، لتلتصق بأصول الدين أكثر منها بالفروع… ما خرجت من القرآن… هي أنتقال من نص فرعي إلى نص أصلي… ([32]).

ولكن ماهي مسوغات هذا التأويل، بين نص أصلي ونص فرعي، أليست الفوارق الثقافية والاجتماعية بين مجتمعين مختلفين على أساس التفرقة التي تقدم ذكرها حول (السنة والشريعة)، أو ما أسماه (بأمة المؤمنين) و(أمة المسلمين)، أو بحسب قوله: النص الأصلي في القرن السابع، كان أكبر من المجتمع، نزل ليهم النص الفرعي، من النص الاصلي، ليسوق المجتمع لي قدام…. والنص الاصلي لا تستطيع الانسانية أن تستوعبه كله، وتبينه كله، اطلاقا… كلما تطور المجتمع البشري، والفرد البشري في أعلى القمم، يعرف جزء، وما فاته من المعروف اكبر مما ادرك، لأنه ساير من الجهل إلى المعرفة ومن المحدود إلى المطلق… ([33]).

والنص الاصلي هنا هي أيات الاصول وهي ايات مكية، وهي أختصت بالأسلام، إما ايات الفروع فهي أيات مدنية، وهي أختصت بالايمان، وبحسب قوله: “ولقد جاء القرآن مقسماً بين الأيمان والاسلام في معنى ما جاء أنزاله مقسماً بين مدني، ومكي، ولكل من المدني والمكي مميزات يرجع السبب فيها إلى كون المدني مرحلة ايمان، والمكي مرحلة اسلام” ([34]).

والأختلاف بين المكي والمدني ليس أختلاف مكان النزول، ولا اختلاف زمن النزول، وإنما هو اختلاف مستوى المخاطبين، فيأيها الذين أمنوا خاصة بأمة معينة. ويأيها الناس فيها شمول لكل الناس. فأذا اعتبرت قوله تعالى: ((لقد جاءكم رسول من انفسكم، عزيز عليه ماعنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم)) و قوله تعالى: ((إن الله بالناس لرؤوف رحيم)) وأدركت فرقاً فأعلم انه الفرق بين المؤمن والمسلم، وهو مستوى كل من المخاطبين. وورد خطاب المنافقين في المدينة، ولم يرد في مكة، مع أن زمن النزول في مكة ثلاثة عشر سنة، وفي المدينة عشر سنوات، أو يقل، وذلك لأنه لم يكن بمكة منافقون، وإنما كان الناس إما مؤمنين أم مشركين، وما ذلك إلا لأن العنف لم يكن من أساليب الدعوة، بل كانت آيات الأسماح هي صاحبة الوقت يومئذ (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين) وأخواتها، وهن كثر ([35]).

وتأسيساً على ذلك، فأن (الجهاد ليس أصلا في الأسلام) بنظر الاستاذ محمود محمد طه ، لأن الأصل هي الآيات المكية آيات الأصول، والتي أحد وجوهها آيات الاسماح (آنفة الذكر)، وذلك لأن الأصل في الإسلام بحسب رأي الاستاذ: “أن كل انسان حر إلى أن يظهر، عملياً عجزه عن التزام واجب الحرية، ذلك بأن الحرية حق طبيعي، يقابله واجب الأداء، وهو حسن التصرف في الحرية، فإذا ظهر عجز الحر عن التزام واجب الحرية صودرت حريته، عندئذ، بقانون دستوري، والقانون الدستوري… هو القانون الذي يوفق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة” ([36]).

والحق أن السيف إنما استعمل لمصادرة حرية اُسيء أستعمالها، وقد تلبث بذلك ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى واضحة من أمر الفرد، وأمر الجماعة، فلما لم ينهضوا بأعباء حريتهم، ولما لم يحسنوا التصرف فيها، نزع من أيديهم قيامهم بأمر أنفسهم، وجعل النبي وصياً عليهم، حتى يبلغوا سن الرشد. فإذا دخلوا في الدين الجديد، فحرموا من دمائهم وأموالهم ما حرم، ووصلوا من رحمهم ما أمر به أن يوصل، رفع عنهم السيف، وجعلت مصادرة حرية المسيء إلى القانون الجديد، وكذلك جاء التشريع الاسلامي، ونشأت الحكومة الجديدة ([37]).

لعل موضوع أن (أن الجهاد ليس أصلاً في الإسلام) كما تحدث الاستاذ محمود محمد طه ، يمثل أنموذجاً واضحاً لجدلية اسس لها إلى جانب جدلية (السنة والشريعة) التي أوضحناها سابقاً، إلا وهي [جدلية الحرية الفردية المطلقة أو المقيدة في الإسلام]، التي في ضوءها يتم الحديث بالنسبة له عن بقية التشريعات التي تنسخ من أيات الفروع (المدنية) إلى ايات الأصول (المكية) والتي تخضع لتلك الجدلية من باب قابلية التطور العقلي والثقافي والأخلاقي للإنسان الذي يسمح فيه بأمتلاك حريته المطلقة والتي بينتها على سبيل المثال (آيات الأسماح) قبل (آيات السيف والجهاد) التي هي تعبر في نظره عن مرتبة إنسانية أدنى من التي قبلها لأنها ستجرد الانسان من حريته والأصل هو بحسب رأيه: “إما الإسلام فهو يرى أن الاصل في الحرية الاطلاق، وإننا حين نتحدث عن الحرية، من حيث هي، وفي أي مستوى كانت، إنما نتحدث عن الاطلاق، من حيث لا ندري، ذلك بأن الحرية المقيدة إنما هي نفحة من نفحات الاطلاق تضوعت على أهل الأرض بقدر طاقاتهم على أحتمالها، فكأن القيد ليس أصلاً، وإنما الاصل الاطلاق، وما القيد إلا لازمة مرحلية تصاحب تطور الفرد من المحدود إلى المطلق” ([38]).

وهي بنظرهُ حق يقابله واجب، فلا يؤخذ إلا به، وهذا الواجب هو حسن التصرف في الحرية، فلا تصبح الحرية محدودة إلا حين يصبح الحر عاجزا ً عن التزام واجبها، وحينئذ تصادر في الحدود التي عجز عنها، وتصادر بقوانين دستورية… والقوانين الدستورية في الإسلام هي القوانين التي تملك القدرة على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة، فهي لا تضحي بالفرد في سبيل الجماعة، ولا بالجماعة في سبيل الفرد، وانما هي قسط موزون بين ذلك… تحقق حين تطبق، بكل جزئية من جزئياته، مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة في آن معا، وفي سياق واحد ([39]).

ولكن الحرية المطلقة هي الاصل في الاسلام لأنها ترافق التكامل الذاتي للإنسان ورقيه، وعلى حد قوله: “وانما كان الاطلاق في الاسلام أصلاً لأنه لا يرى لترقى الفرد حدا يقف عنده، فهو عنده ساير من المحدود إلى المطلق،  او قل مسير من النقص إلى الكمال – والكمال المطلق. فنهاية العبد في الاسلام كمال الرب، وكمال الرب في الاطلاق، والله تبارك وتعالى يقول: ((وان ليس للانسان الا ما سعى، وان سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، وان إلى ربك المنتهي)) يعني منتهى السير… وليس إلى الله بقطع المسافات، ….، وانما هو بتخلق العبد بأخلاق الرب،…” ([40]).

فالحرية المطلقة أذن هي مرافقة لمسيرة التكامل الكامنة في [السنة]، والتي هي المراحل السباعية/ التدرجة لكونها مرقاة العابد الحق [والتي أشرنا لها سابقاً]، وبذلك تكون هنالك صلة بين درجة الحرية ودرجة الحقيقة التي فيها الانسان اي بأي مرتبة هو: (الاحسان) ام (علم اليقين) وهكذا، وانما تسلب الحرية إذا أخل بها الفرد ليعطى جزائه في عالم [الشريعة] او عالم الظاهر الحسي، المعبر عن النوازع البشرية التي لم تهذب او تشذب بعد، لأن النفس لم تخلق بأخلاق الرب (آنفة الذكر).

ولكن الذي  يجعلنا عاجزين عن الوفاء بواجب الحرية الفردية المطلقة انما هو الجهل، والأنانية الجاهلة او بحسب رأي الاستاذ: وما دمنا في منطقة الأنانية الجاهلة، فأن حريتنا لابد تقيد لمصلحة مجتمعنا، ولمصلحتنا نحن أيضاً، ويجب ان يكون القيد وفق قانون دستوري… ومن هذا يتضح ان الحرية في الاسلام على مستويين: مستوى الحرية المقيدة بقوانين دستورية،…، ومستوى الحرية المطلق([41]).

ولتأكيد عملية التداخل الواضحة بن مستوى الحرية ونوعها من جهة مع مستوى او المرتبة في الاسلام (السنة) أو (الشريعة) قال الاستاذ محمود محمد طه : “والحريتان متداخلتان، فالأولى منها مرحلة اعداد للثانية، إذ لا يبلغ الفرد منازلها الا بالتمرس بالمجهود الفردي في تربية النفس، بمراقبتها، ومحاسبتها، وترويضها لتصبح موكلة بالتجويد، كلفة بالاحسان. والمراقبة تعني الحضور مع الله دائما حتى لا تتصرف الجوارح فيما لا يرضيه، من فكر، او قول، او فعل، والمحاسبة تعني أستدراك ما أفلت من ضبط المراقبة، ولما كانت الحرية الفردية المطلقة لا تنال الا بثمنها، وثمنها، كما قررنا آنفاً، هو حسن التصرف في حرية الضمير المغيب، وحرية القول، وحرية العمل، فقد طوع الاسلام عباداته، وتشاريعه، لتبلغ بالفرد هذا المبلغ” ([42]).

ان المستوى الثقافي الذي تعيش فيه المجتمعات يضبط أيقاع حياتهم فهو المسؤول عن موضوعة الحرية، فاذا كانت الثقافة بسيطة كان التعامل مع الوسط الطبيعي قاسٍ، مما ينعكس على المستوى المعاشي لهم، مما يعني ان سلوكهم أو افعالهم ستنحو نحو القسوة، ومن ثم، فالمجتمع يحتاج إلى آليات ضبط اجتماعي قاسية لتحد من حريتهم وتصرفاتهم، اما إذا كان الامر على خلاف ذلك، وكانت المجتمعات تملك درجة عالية من التقانة في تعاملها مع الوسط الطبيعي، فأن ذلك سينعكس في تشريعات وضوابط تبيح مستوى معين من الحرية الفردية، وذلك لثقتها بقابليات الافراد على السلوك والفعل على نحوٍ يدل على الرقة والحكمة والتعقل في آن الوقت.

ولهذا وجدنا الاستاذ محمود محمد طه يقول: “ومما لا شك فيه ان التشريع سواء كان تشريع عادة، او تشريع عبادة، انما هو منهاج تربوي يرتفع، بالمجتمعات والافراد من الغلظة، والجفوة إلى اللطف والانسانية، وكلما كان الناس غلاظ الأكباد، بليدي الحس، كلما شدد عليهم في التشريع، وكبلوا بالقيود والأثقال”([43]).

فالذي يكسر قواعد المجتمع الاخلاقية عبر التصرف بحريته بنحو فج انما يخضع إلى الضوابط الملزمة والرادعة له، وهي التشريعات، والتي يسميها الاستاذ محمود محمد طه بقانون (المعاوضة)- القصاص- وهو: قانون ينبع من أصل في الحياة أصيل. فهو ليس قانون دين بالمعنى المألوف في الاديان، ونحن حين نقرر ان تشاريع الاسلام مبنية على القصاص، انما نعني الاسلام في حقيقته، لا في عقيدته، والاسلام في حقيقته ليس ديناً بما الف عن الاديان، وانما هو علم، وما مرحلة العقيدة فيه الا مرحلة انتقال إلى المرحلة العلمية منه (والتي أسماها كذلك مرحلة الحقيقة)… مرحلة الشريعة فيه مرحلة انتقال إلى مرتبة الحقيقة حيث يرتفع الافراد، من الشريعة الجماعية، إلى الشرائع الفردية، التي هي طرف من حقيقة كل صاحب حقيقة ([44]).

ان قانون المعارضة (القصاص) الذي يتحدث عنه الاستاذ محمود محمد طه ، انما يعني ضمناً إمضاء مشيئة القوة في تطبيق مراد الحقائق المعطلة او المتجاوز عليها من قبل الذي كسر حدود الحرية الفردية عبر التجاوز على حرية الجماعة وحقوقها، وهو بهذا المعنى يقترب من اطروحات القديس أوغسطين الذي تحدث عن العلاقة بين القوة والحقيقة: “وكان أوغسطين قد طور آراءه الخاصة بالوظيفة الدينية الخلاقة للقوة بعد التجربة التي خاضها مع (احدى الفرق الدينية)، مصراً على ان القسر شرط لإحقاق الحق، وان فرض الانضباط ضروري للحفاظ عليه”([45]).

كان أوغسطين قد توصل إلى قناعة مفادها ان البشر محتاجون إلى هذا النوع من التشدد. ولقد لخص توجهه هذا بكلمة واحدة هي “disciphlina” (الضبط)،…، فقد كان الضبط لديه عملية تتضمن العقاب التصحيحي، او ما يمكن ان يدعي “بالتطويع” او “التعليم عن طريق التعريض للمصاعب”،…، فالبشر الذين ارتكبوا المعصية فسقطوا يحتاجون للضبط. فلم تتحقق أعظم منجزات البشر الا بقيود القسوة التي لا ترحم([46]).

ومن ثم فأن الية الضبط تلك او قانون المعاوضة لن يقف عند العالم الحسي (الجسد) وذنوبه، بل يصل إلى العالم اللاحسي (الروحي) بحسب تأويلات الاستاذ محمود محمد طه لبعض ايات القرآن، إذ يقول : “وقانون المعاوضة على مستويين: مستوى الحقيقة، ومستوى الشريعة، وبينهما اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع… فقانون المعاوضة في مستوى الحقيقة قوامه قوله تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)) وقانون المعاوضة في مستوى الشرعية قوامه قولهِ تعالى: ((وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس، والعين بالعين، والانف بالانف، والاذن بالاذن، و السن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق به، فهو كفارة له، ,من لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون)) ([47]).

وبعبارة موجزة قريبة من بعض جنباتها من اطروحات أوغسطين، يقول الاستاذ محمود محمد طه : “ولما كان قانون المعاوضة، في مستوى الحقيقة، مراداً به تسيير العوالم إلى الله عن طريق الجسد – عن طريق القهر، فأن قانون المعارضة في مستوى الشريعة، مراد به تسير البشر إلى الله عن طريق العقل- عن طريق الحرية، وفي ذلك الكرامة، كل الكرامة، للإنسان”([48]).

فعملية الانتقال من آيات الفروع إلى آيات الأصول، انما قائم على قانون المعاوضة من جهة، وعلى معايير التطور او سير الكمالات التي تحدث في حياة المجتمعات عبر ضبط حرياتها الذاتية وبأحداث المساواة الاجتماعية والاقتصادية المتنوعة داخل تلك المجتمعات، وهو على وفق ذلك يحدد ان عدة أمور ليست أصلاً في الاسلام، والتي هي:

1- الجهاد أصلاً في الاسلام.

2- الرق ليس أصلاً في الاسلام.

3- الرأسمالية ليست اصلاً في الاسلام.

4- عدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلاً في الاسلام.

5- تعدد الزوجات ليس أصلاً في  الاسلام.

6- الطلاق ليس أصلاً في الاسلام.

7- الحجاب ليس أصلاً في الاسلام.

8- المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه ليس أصلاً في الاسلام ([49]).

ويختم الاستاذ محمود محمد طه أفكاره حول الرسالة الثانية من الاسلام والتي قوام جوهرها هو التطور الذي يدفع من دائرة الشريعة الجماعية إلى دائرة الشريعة الفردية، وذلك لأن: الافراد يتطورون في فهم الدين فيدخلون في مراتب الشرائع الفردية، والمجتمعات تتطور، تبعاً لتطور الافراد، فترتفع شرائعها من قاعدة غليظة إلى قاعدة أقل غلظة… وذلك صعداً في سلم هرم قاعدته شريعة الرسالة الأولى([50]).

ولكنه يرى ان التطور لا يتم داخل الاسلام ذاته، بل عبر الانفتاح على نتاجات الحضارات الاخرى والاستفادة منها على المستوى الاقتصادي (الاشتراكية) وعلى المستوى السياسي (الديمقراطية) لأنها بحسب رأيه تعبير مطلق عن مرحلة النضج الذي وصلته الانسانية، وهذا ما لا يتقاطع مع الاسلام الذي سيدور في فلك دائرة الشريعة الفردية التي مناطها وعمادها [سنة] المأخوذة عن النبي (ص)، وفي هذا الاطار يقول: “فاذا كانت البشرية، في مدى أربعة عشر قرناً قد قطعت أرضاً شاسعة نحو النضج، واصبحت تستقبل عهد الرجولة، وتستدبر عهد الطفولة… وأصبحت بفضل الله، ثم بفضل هذا النضج، تطبق، مادياً وفكرياً، الاشتراكية والديمقراطية، فقد وجب ان نبشر بالاسلام على مستواهما، وهذا يعني الارتفاع من قاعدة شريعة الرسالة الاولى الغليظة إلى قاعدة أقل غلظة، ترتفع هونا ما نحو القمة، وستظل القمة دائماً في منطقة الفرديات… وأدنى منازل القاعدة الجديدة هي المدخل على الاشتراكية، وذلك بتحريم تمليك وسائل الانتاج، ومصادر الانتاج على الفرد الواحد او الافراد القليين في صورة شراكة… فأن هذا يفتح أبواب التشريع على الاشتراكية” ([51]).

وفي نهاية الامر يغدو التطوير والتطور يشمل موضوعة المعاملات في الجانب التشريعي، ولا يشتمل على العبادات، لأنها حلقة الوصل بين الاسلام برسالته الاولى والاسلام برسالته الثانية التي تقدم أغلب تفصيلاتها، وفي هذا السياق يقول الاستاذ محمود محمد طه : “والمدخل على الرسالة الثانية الرسالة الأولى. الا ما يقع عليه التطوير من تشريعها… ولا يقع التطوير في أمر العبادات الا على الزكاة ذات المقادير، وما ذاك الا لأنها ليست ركناً تعبدياً الا لعلة ان الناس لم يكونوا يطيقون أفضل منها، والا فأن الركن التعبدي انما هو زكاة المعصوم.. ولا يقع التطوير على تشريع المعاوضة وما ذاك الا لأنه أصيل، وقد بنى على الاصول الثوابت من الدين وانما يقع التطوير  في تشريع المعاملات، كالحقوق الأساسية للأفراد، وكالنظم الاقتصادية والسياسية إلى آخر ما يرتبط بتحولات المجتمع، وما يسرع اليه التغير من هذه النظم التي يجب ان تواكب المجتمع في حيوية، واقتدار على التجدد، والنمو، والتطور…” ([52]).

ولكن الاسئلة التي تثار هنا هي: ما الغاية من الرسالة الثانية فهل الرسالة الاولى غير كافة لأستيعاب متغيرات الحياة وتطورها او تحولاتها المتنوعة؟ ألم يجمع أغلب الفقهاء على ان الشريعة صالحة لكل زمان ومكان؟ ومن ثم فأي تغير أو تعديل هو عملية تعطيل للنص المقدس؟ ام ان المسألة لا تعدوا ان تكون محاولة تأويل للنص القرآني تتلائم وروح العصر؟ وهي بذلك كله لا تخل بروح الاسلام وجوهره الدائم (التوحيد)؟ كل هذه التساؤلات وغيرها سنحاول الاجابة عنها في المحور القادم.

رابعاً: تجديد الفكر الاسلامي/ في ظلال اجتهادات محمود محمد طه:

في معرض المراجعات النقدية لأشتغالات الأنثروبولوجي الشهير كليفورد غيرتز حول تعريف مصطلح الدين والدلالات المترتبة عليه ثقافياً وأجتماعياً، قدم طلال أسد مقاربته النقدية منطلقاً من زاوية ان الدين لا يبقى في نسخته الأولى، بل يتعرض إلى عمليات تجديد وتغير تطال بنيته الجوهرية، وفي هذا الاطار نجده قول: “يقوم جزء من فكرتي الأساسية على مقولة مؤداها ان الاشكال والظروف الضرورية والآثار الاجتماعية لما عُرف بالدين في العصور المسيحية الوسطى، كانت تختلف تمام الاختلاف عن الاشكال والظروف الضرورية والاثار الاجتماعية للدين في المجتمع الحديث.،…، فقد كانت القوة الدينية موزعة على نحو مختلف، وكانت تسير نحو هدف مختلف ، إذ اتبعت طرقاً مختلفة أوجدت بواسطتها مؤسسات قانونية وذاتيات مختلفة شكلتها وأستجابت لها، وأصنافاً مختلفة من المعرفة أجازتها وأتاحت تداولها” ([53]).

أي أن هذا النص بوصفه نتيجة لدى طلال أسد انما يعني ان الدين لا يمكن له ان يستمر بوضعه اللاهوتي الأول، وذلك لأن المطلوب منه في كل عصر اجوبة مختلفة، وذلك لأختلاف اسئلة كل عصر عن الاخر، مما يجعل قراء أو ومتأولوا النص المقدس الأول أياً كان (أنجيل او قرآن) يحاولون استنباط مجموعة من الضوابط والتشريعات المقننة للحياة الاجتماعية وتعقيداتها، التي تفرض على النص احتياجاتها الوجودية المتباينة او المختلفة جراء إختلاف النظام الثقافي والاقتصادي و الاجتماعي الذي تحيى فه، ولكن تلك العصور الوسطى هي عصور تأسيسة لعصرنا الحالي شئنا أم أبينا، وهذا ينطبق على التجربتين المسيحية والاسلامية على حدٍ سواء.

وفي هذا السياق يقول المفكر الباكستاني المعاصر فضل الرحمن:… أسوأ ما حدث لإسلام العصور الوسطى المتأخرة، كما سوف نرى، فهو ان ما كان ينبغي له ان يكون العنصر الناظم، أي الله تحديداً، صير إلى اعتباره الموضوع الوحيد للتجربة الدينية، ومن هنا بدلاً من ان يواصل البشر سعيهم للحصول على القيم انطلاقاً من هذه التجربة، صارت التجربة هي الغاية في ذاتها. وسواء أمتلكت تلك التجربة محتوى آخر ام لم تمتلك- وكان ابرز الصوفيين من أمثال الغزالي… يقولون أنها لا تمتلك اي محتوى اخر، وهذه النظرية تبدو لي مفهومة وصحيحة في الوقت نفسه- بدا من الواضح أنها ما ان تكون محايدة إزاء الاخلاقية الاجتماعة، او حتى مرتبطة بها ارتباطاً سلبياً، والحال ان الجهود العقلية التي قام بها علماء اللاهوت المسيحيون من اجل الكشف عن طبيعة الله (بوصفهِ محبة) وعن أسرار الثالوث، تبدو شكلية فارغة من أي محتوى بالمقارنة مع تجربة الصوفيين الإلهية (طالما ان هذه التجربة كان لها، على الاقل، أثر ايجابي، ومثر في بناء الشخصية، حتى ولو كانت في أغلب الأحيان شخصية فردانية ولا إجتماعية). ومع هذا فأن اللاهوت المسيحي كان ذا أثر نافع في مجال شحذ العقل، ومن هنا، حين دعيي هذا العقل فميا بعد للتعاطي مع العالم الطبيعي، تمكن من انتاج ما هو مدهش في حقل العلم.. بيد ان مشكلة الحداثة، التي أتت على شكل علمانية، تمكن في أنها أسوأ بكثير من صوفية إسلام  العصور الوسطى، أو لاهوت المسيحية كما تبدى في القرون الوسطى، طالما ان العلمانية تدر قداسة وشمولية (تجاوزية) كل القيم الاخلاقية – وهي ظاهرة بدأنا نتلمس للتو نتائجها، وخاصة في المجتمعات الغربية ([54]).

بالتأكيد ان هنالك خلاف جذري وجوهري في مسار التجربتين الاسلامية والمسيحية، ولكن التجربة الاخيرة وبفضل المراجعات الداخلية اللاهوتية والتي تمثلت بحركة الاصلاح الديني/ البروتستانتي دفعت التجربة المسيحية ومنذ أواخر القرن السادس عشر نحو فضاءات معرفية ولاهوتية جديدة، أفضت في نهاية المطاف إلى العلمانية التي تعد احد نتاجات الحركة الاصلاحية انفة الذكر، وذلك لأنها تكاد ان تكون ممهدة للعلمنة لأنها عزلت الكنائس او لنقل الوسائط بين اتباع الكنسية والمقدس وعلى حد قول بيتر ل. برجر: “الكاثوليكي فيحيا في عالم تقوم فيه قنوات عديدة بدور الوسائط للمقدس – أسرار الكنيسة، شفاعة القديسين، الظهور المتواتر لما ((فوق الطبيعي)) في هذا العالم عن طريق المعجزات”([55]).

لكن البروتستانية ألغت معظم هذه الوساطات، فكسرت التسلسل وحطمته الاستمرار وقطعت الحبل السري بني السماء والارض. وهكذا ردت الانسان إلى ذاته رداً جذرياً لا سابقة له في التاريخ. وغني عن القول أن ذلك لم يكن قصدها، فقد جردت العالم مجرد التجديد من كل خاصية إلاهية للتأكيد على الجلالة الرهيبة للإله المفارق وجعلت فقط من الانسان كائناً “شقياً” شقاءً جذرياً لتفتحه على التدخل المطلق السيادة للنعمى الإلهية، مع ذلك علاقة الانسان بالمقدس في ذلك الرابط الدقيق إلى أقصى حد الذي سمته كلام الله (الذي لا ينبغي مماهاته بالتصور الأصولي للكتاب المقدس، بل على الاصح بالعمل الفادي الوحيد للنعمى الإلهية “Sola garatia” في العقائد اللوثرية) ([56]).

وفي ظل هكذا اجواء كانت العلمنة هي الملاذ الفكري والسياسي والاقتصادي الوحيد الذي أرتمت فيه الحضارة الغربية في ظل موجات الحداثة المتلاطمة، التي وجدت في البروتستانتية لاهوتاً مطابقاً مع فلسفتها القائمة على عزل الدين في النطاقات الفردية الضيقة، وسيطرتها هي كاملة على النطاقات الجماعية/ السياسية، بل ومنحتها حرية البحث العلمي بعيداً عن الدوائر المحرمة او اللاهوتيات المشرعنة لبعض القيم الانسانية، التي أصبحت تحت مجهر العلم يمكن كسر بعض هيبتها وإملاءتها لصالح العلم، وعلى حد قول برجر: وبعبارة اخرى بما إنه لم يبق بين إلاه مفارق جذرياً وعالم بشري محايث جذرياً غير هذه القناة (الفلسفة اللوثرية الحرة) الوحيدة الشديدة الضيق ترك انهيار مصداقية هذه القناة المجال لواقع اختباري يكون فيه (الله ميتاً). وأصبح هذا الواقع إذن خاضعاً لأختراق نسقي وعقلي من قبل الفكر والنشاط كما نجده في العلم والتقانة الحديثين. ومنذ ذلك الحين أتضحت سماء أخليت من ملائكتها لبحث الفلكيين ولغزو رواد الفضاء عند الأقتضاء فيمكن التأكيد اذن ان البروتستانتية كانت تاريخياً سابقة حاسمة للعلمنة، مهما كانت أهمية العوامل الأخرى ([57]).

لقد بينا فما تقدم ان بعض المصلحين المسلمين حاولوا تقليد حركة الاصلاح البروتستانتي والسير على منوالها في بعض الامور الخاصة بإعادة قراءة النص القرآني والسنة النبوية، وبمحاربة بعض امور التقديس الشعبي التي تقترن بالخرافات والشعوذة وإدعاء المعاجز، ولكن التصوف الاسلامي بنزعته التقليدية/ الكلاسيكية واجه بعض تلك الجهود الاصلاحية. ولكن موضوعه الحكم السياسي ذو النزعة العلمانية تمت مراجعته وتكييفه مع المدونة الاسلامية وهذا ما فعله على سبيل المثال محمد عبده، الذي تجد في بعض أطروحاته علمانية واضحة عبر فصله بين الدولة والسياسة، وانه لا سلطة دينية في الاسلام، وانه كان مشمئزاً من الاشتغال بالسياسة، رافضاً إياها رفضاً كاملاً، ولعل أطروحاته تلك تجد تفصيلاتها فيما بعد وبطريقة قطعية تامة لا مواربة فيها في أشتغالات الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في كتابه ذائع الصيت (الاسلام واصول الحكم) الذي صدر عام 1952، واحدث ضجة فكرية هائلة، كانت نتائجها سلبية عبر طرد الشيخ عبد الرزاق من الازهر، لأنهم عدوا ارائه مخالفة لجوهر الاسلام  الذي هو بنظرهم والى يومنا هذا هو ((ديناً ودولة)) ومن ثم فأن العلمانية هي بنظرهم كفر والحاد ولا تتطابق مع حياة العالم الاسلامي.

ولكن الذي حصل هو ان العالم الاسلامي أجبر على العلمانية في ظل نشأة الدولة الحديثة المستقلة بعد انهيار (الدولة العثمانية) وعلى حد اشارة سامي زبيدة: “هذا التشعب في الاجواء الدينية والعلمانية، …، سار بسرعة مع علمنة الجزء الأكبر في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في معظم بلدان الشرق الاوسط، وقد برزت ردود فعل السلطات الدينية في الغالب الأعم عندما تدخلت العناصر العلمانية والمعارضة في مجالها، كما حدث في حالة علي عبد الرزاق،…، وعلى صعيد آخر أظهرت الدوائر الدينية بعض الاعتراضات في معظم القرن العشرين على المجالات المتنامية للثقافة العلمانية”([58]).

مما لا شك فيه ان هذه الاعتراضات ما زالت متواصلة، ومازال الاصرار على تطبيق الشريعة الاسلامية من قبل الكثير من الفقهاء وسائر مؤسساتهم التقليدية في العالم الاسلامي، فضلاً عن الكثير من حركات واحزاب الاسلام السياسي التي تحاول كسب الجماهير عبر دغدغة مشاعرها الاسلامية، بأن حياة الاسلام وديمومته انما تقوم على تطبيق الشريعة دون سواها، فعلى الرغم من ان الشريعة الاسلامية أحدى ابرز مصادر او مراجع القانون والتشريعات لاسيما في الاحوال الشخصية، الا ان واقع الامر هو لصالح القانون ذو النزعة العلمانية بطبيعة الحال.

وبحسب أشارات سامي زبيدة لذلك نجد ان: القانون ينفصل نهائياً في الانظمة القانونية الحديثة المتطورة عن المؤسسات الدينية والتقاليد حتى ولو أشار إلى المصادر الدينة. وبحكم القاضي في المحكمة الحديثة بحسب القانون الذي سنته الدولة بغض النظر عن مصدره، وليس بالرجوع إلى كتب الفقه او الاراء والنقاشات الدائرة بين الفقهاء أيا كانت مدارسهم، أما الاجراءات والقواعد القانونية للشهادة فتجر وفق المبادئ الحديثة (ذات المنشأ الأوربي) وليس وفق المتطلبات التاريخية للمحكمة الشرعية. ويعتبر وجود المدعين العامين والمحامين، في ظل غياب المحاكم التاريخية،  من سمات الحداثة حيث يؤكد وجودهم على الطبيعة العامة للأدعاء من قبل الدولة وليس فقط على يد أطراف خاصة. ويؤدي وجود تلك المظاهر إلى الابتعاد عن أي مرتكز مؤسساتي ديني حتى عندما يقتبس القانون ظاهرياً من المصادر الشرعية ([59]).

وإنطلاقاً من بعض المراجعات التي تؤكد على ان الشريعة يمكن لها أن تأخذ دائماً منحى جديد تحت وطأة الحداثة من جهة، ووطأة المتغيرات المجتمعية المتواصلة، والتي لا تستطيع الشريعة مواكبتها، وهي تحتفظ ببعض نصوصها، ولاسيما في جانب الاحوال الشخصية، والتي كانت احدى ابرز القضايا التي تجعل الشريعة الاسلامية على المحك، وهذا ما جرى في بلدان عديدة وفي أزمان متفاوتة فيما بينها، وفي هذا الاطار تطل علينا مراجعات الباحث الآن غريش في كتابه المترجم حديثاً (الإسلام والجمهور والعالم)، والذي يبدأ من تساؤل اساسي وهو: هل يستطيع القانون الاسلامي التكيف مع العالم الحديث ومع الاشكال الجديدة للفصل بين الكنيسة والدولة التي تُشكل سمة العالم الأوربي المعاصر؟ يجيب عنه قائلاً: يتكون القرآن من 6632 آية في 114 سورة، من بينها 250 آية اي حوالي اكثر من 4% هي نصوص تشريعية (ويصل بعض العلماء المسلمين بهذا الرقم إلى 500) أي أنها مختصة جوهرياً بالزواج والتوريث. بالنسبة إلى الباحثة نادية ياسين تقول: “ليست هذه النسبة المئوية الضئيلة نقصاً، وانما إغفالاً ارادياً من الله، وهو اغفال ذو معنى رئيس، فهو يعبر عن الارادة الإلهية بعدم اقفال باب الممارسات العملية واتاحة الفرصة للمؤمن ان يستخدم خلاياه العصبية. هذه الهبة الأخرى التي منحهُ الله إياها”([60]).

وهي ترمي من وراء ذلك، مثلما أراد الأستاذ محمود محمد طه من أن الشريعة قابلة للتطوير، عبر ارجاء نصوص ونسخها، وتقدم نصوص أخرى بدلاً عنها، لأن عدم المساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء على سبيل المثال ليست أصلاً في الاسلام، انما جاءت جراء ظروف ومعطيات زمكانية أرغمت المرأة على مكانة اجتماعية أدنى بحكم المنطق الثقافي والاقتصادي الذي كان سائداً في القرن السابع الميلادي (قرن ظهور الاسلام)، ومن ثم فأن الله تعالى قد زودنا بإمكانات عقلية لأجراء مقاربة النص المقدس مقاربة تتلائم وجملة هذه المتغيرات المتواترة داخل المجتمع والتي تفرض اعادة النظر في الاحكام الخاصة بالمرأة بمجملها.

وبعبارة أخرى وعلى حد مراجعات الآن غريش: ثمة بالتالي مرونة عالية في المجالين السياسي والاجتماعي، لكن ماذا عن قانون الاحوال الشخصية؟ تشكل قوانين الزواج عموماً وقوانين الارث بشكل خاص جزءاً من الكتاب المنزل ، فهي في نظر المتدينين مقدسة وغير قابلة للتغيير ودائمة لقرون وقرون وفي كل مكان ([61])، ولكن الذي جرى بعد سنين هو ان الدولة في كثير من البلاد الاسلامية أعادت النظر في مجمل تلك الاحكام، أي أنها أسهمت بتغييرها.

فلقد قام الملك المغربي محمد السادس بتعديل هذه القوانين لتعزيز المساواة بين الجنسين، وكلن ذلك بأسم القرآن، وبدعم النظمنين الاسلاميتين الكبريين في هذا البلد، اما البرلمان الايراني فقد صوت في آيار/ مايو من عام 2005 لصالح المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وهو اجراء يصطدم مع البنية المحافظة للنظام ([62]).

وإعتماداً على مرتكز أطروحاته التي قدمها في كتابه الابرز والاهم (الرسالة الثانية من الاسلام)، ذهب الاستاذ محمود محمد طه في كتاب بعده عام 1971 عنوانه (تطوير شريعة الاحوال الشخصية) إلى القول، بعبارة…، ولكن يجب ان يكون واضحاً لهؤلاء ان موعد كرامتهم إنما هو في أصول الاسلام، لا في فروعه، ذلك بأن فروع الاسلام مرحلة وصاية… وهي مرحلة انما أريد بها إلى ان تكون مرحلة انتقال يترشد خلالها القُصّر ليستأهلوا اصول الاسلام.. وأصول الاسلام مرتبة مسؤولية… وهذا هو الذي جعلها تؤكد على الفردية.. فالفرد حر مسؤول عن حسن تصرفه في الحرية، فاذا أخطا في التصرف صودرت حريته بقانون… وليس غرض القانون الانتقام، وانما غرضه التربية لكل رجل، ولكل إمرأة، ليتحقق لكل منهما حسن التصرف في الممارسة المقبلة… وهذا ما سمى بالقانون الدستوري… لا وصاية في ظل احوال الاسلام الا لهذا القانون…، والقانون الدستوري هو الوصي.. هو وصي على الرجال والنساء على حدٍ سواء… فاذا كانت المرأة، والمثقفة منها بشكل خاص، وهي تعتبر خير ممثل للمستضعفين في الأرض، تهمها كرامتها، وكرامة أطفالها، فعليها ان تتمسك بتطوير الشريعة الاسلامية، من فروعها إلى اصولها.. لا يثنيها عن هذا التمسك وعد، ولا وعيد ([63]).

ان الالتفات لأهمية التحولات الاجتماعية وما يترتب على ضوء ذلك من اعادة النظر في الشريعة الاسلامية، هي التي دفعت الأستاذ محمود محمد طه ، كما بينا سابقاً نحو السعي لتطوير التشريع الاسلامي، إعتماداً على تأويل النص القرآني تأويلاً عصرياً يلائم تلك التحولات، ولعل هذا الأمر هو ما سعى اليه كذلك المفكر الباكستاني المعاصر فضل الرحمن أذ نجده يقول:”… تكوين أية منظومة أصلة وقابلة للحياة، للشرائع والمؤسسات الاسلامية، ينبغي ان يكون ثمة حركة في اتجاهين، الاتجاه الاول: يتحرك من معالجة القرآن للقضايا الملموسة – مع أخذ الشروط الضرورية والاجتماعية المرتبطة بالزمن المعني في الاعتبار – للوصول إلى المبادئ العامة التي تصل اليها التعاليم كلها. والاتجاه الثاني ينطلق من هذا المستوى العام في حركة رجوع للوصول إلى تشريع خاص، يأخذ في اعتباره الشروط الضرورية والمرتبطة بالواقع الاجتماعي الحاصل حالياً ([64])“.

ولكن كل هذه الإشتغالات التجديدية لم تكن لترضي المؤسسات الدينية الرسمية في العالم الاسلامي، أذ وقفت في وجهها بعدة طرق وأساليب، بدأ من فضل الشيخ علي عبد الرازق من الازهر ومروراً بتكفير الاستاذ محمود محمد طه وإعدامه وانتهاءاً بحكم الردة ضد المفكر المصري نصر حامد ابو زيد وتطليق زوجته منه، (و الذي سنمر على بعض أفكاره لاحقاً)، ولعل غيرهم الكثير، لأن الفكرة المهيمنة في العقل الاسلامي ان التشريع لا يمكن زحزحته لأنه مستند على النصوص المقدسة، وفاتهم او غفل عنهم، أولربما تغافلوا عن التأويل وسقفه المفتوح، الذي وصل ببعض الانظمة الاسلامية، كما مر بنا آنفاً ان تشرع قانون يبيح المساواة في الأرث بين الرجال والنساء، وهذا يخالف ظاهرياً نص قرآني ثابت، ولكن أليست الضرورات المجتمعية هي التي دفعت نحو ذلك، وفتحت آفاق التأويل مساحة واسعة لأعادة النظر في مجمل هذه الايات القرآنية ومما سواها.

ولكن أنى لذلك ان يحدث، أذ واجه الاستاذ محمود، على المستوى الرسمي، الحكم بالردة عن الاسلام مرتين، المرة الأولى كانت في يوم 18 نوفمبر 1968، والمرة الثانية في يناير 1985. في المرة الثانية تبع صدر الحكم بالردة عن الاسلام، تنفيذ الإعدام على الأستاذ محمود في صبيحة يوم الجمعة 18 يناير 1985 ([65]).

ان رحيل الاستاذ محمود محمد طه بثقل أفكاره وأطروحاته التجديدية لم تكن لتنتهي بلحظة وفاته، بل أنها كانت النار والمستعرة التي ألهمت العقول المجددة، من حيث يشعرون او لا يشعرون، ومن حيث يشهدون له بالفضل وبتعلم السبق والريادة، ام لا يشهدون وينسبون لأنفسهم قواعد التجديد الديني ومعالمه، إذ ان صدى افكاره سنجدها تتكرر بصيغ مختلفة وبعبارات أكاديمية تارةً وثقافية عامة تارةً أخرى”، لكن كل من لديه القدرة والحصافة الفكرية يستطيع القول ان هذا الكاتب او ذاك، انما تأثر بآراء الاستاذ طه او سرقها ونسبها لنفسه، او إنه لا شعورياً كان يسير على نفس خطاه ومراجعاته التجديدية.

ومما لا شك فيه أن مشروع نصر حامد أبو زيد (1943-2010) يعد أقرب مشروع تجديدي في الفكر الاسلامي وللنص القرآني على وجه الخصوص إلى مشروع (محمود محمد طه)؛ ولكن مما يلفت الاهتمام ولعلها مسألة قلما اهتم  بها أحد وهي أن نصر أبو زيد قد درس في السودان عام 1982، وأشار هو إلى ذلك شخصياً في احد كتبه حول تدريسه مادتي (القرآن والحديث) و (البلاغة) في جامعة الخرطوم ([66])، وهنا نتسائل هل يعقل أن أبا زيد لم يطلع على افكار وأطروحات الاستاذ طه الذي لم يزل حياً  في ذلك العام آنف الذكر، والذي كان انذاك ابرز مفكر سوداني أهتم بالنص القرآني وأعادة تأويله بطريقة عصرية مغايرة ومختلفة كلياً عن كل الذين سبقوه ممن أهتم بالنص القرآني وتفسيره وربطه بموضوعة تجديد الفكر الاسلامي.

علماً أن فحوى اطروحات الاستاذ محمود محمد طه تدور حول تاريخية النص القرآني وكيف انه محكوم بضوابط وشروط عصره الأجتماعية والثقافية والاقتصادية، ومن ثم انه يمكن تجاوز تلك التاريخانية الحاكمة بالنص عبر تطوير التشريع، وهذا هو جوهر ما قاله أبو زيد ولكن بمقاربات اكاديمية أعتمدت على المنهج الهيرمنيوطيقي المعاصر، وأعتمد على ضوابط وقواعد لغوية أكثر صرامة من المنهج الصوفي/ التأويلي الذي أنطلق منه الاستاذ طه.

ففي هذا السياق تطلُ علينا الفكرة الجوهرية والمحورية لمشروع نصر أبي زيد، إذ يقول حول النص القرآني: “أن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي. والمقصود بذلك انه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاماً، وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية ومتفقاً عليها، فأن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية ويعكر من ثم إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص”([67]).

ولكن القول بأن النص منتج ثقافي يمثل بالنسبة للقرآن مرحلة التكون والاكتمال، مرحلة صار النص بعدها منتجاً للثقافة، بمعنى انه صار هو النص المهيمن المسيطر الذي تقاس عليه النصوص الأخرى وتتحدد به مشروعيتها. أن الفارق بين المرحلتين في تاريخ النص هو الفارق بين أستمداده من الثقافة وتعبيره عنها وبين أمداده للثقافة وتغييره لها. ولكن علينا دائماً أن نكون على وعي بأن القول بوجود مرحلتين في تاريخ النص لا يعني انهما مرحلتان متقابلتان متعارضتان، فالنص في مرحلته الأولى – في تعبيره عن الثقافة- لم يكن مجرد حامل سلبي لها، فقد كانت له فعاليته الخاصة – بوصفه نصاً- في تجسيد الثقافة والواقع، وهي فعالية لا تعكسها عكساً آلياً، بل تجسدها تجسيداً بنائياً، أي تجسيداً يعيد بناء معطياتها في نسق جديد، وفي المرحلة الثانية ليس المقصود بأن النص مُنتج للثقافة تحويل الثقافة إلى صدى سلبي للنص، فللثقافة أيضاً آلياتها الخاصة في التعامل مع النص وذلك بإعادة قراءاته وتأويله ([68]).

وتأسيساً على ذلك نجد أن اشتغالات الفقهاء وتأسيس مدارسهم الفقهية المتباينة وصراعات أو جدالات علماء الكلام حول النص القرآني، ما هي الا إجتهادات بشرية محضة، تحاول تأويل النص المقدس الأصلي، وتقديم الأطر أو الموجهات النظرية التي يعاد صبها فيه، كيما تصوغ رؤيتها للوجود وتساؤلاته المتنوعة، فهي أذن بمجموعها أشتغالات ثقافية في ظل أدوات أو مناهج عصرهم المتاحة، لأجل كشف المخفي أو المستور أو المضمر في النص الأصلي الذي عبر بحد ذاته عن معطى ثقافي كان سائداً حين نزوله (الوحياني)، وهذا مراد اطروحات الاستاذ محمود محمد طه ، والفارق في اللغة والاصطلاح ومنهج التحليل بطبيعة الحال بينهما، (أي بين الاستاذ طه وأبو زيد).

وأطلت هنا مؤسسة الأزهر للرد عليه، مثلما أنبرت المؤسسات الدينية للرد على الاستاذ محمود محمد طه وأتهامه بالردة، إذ رفض الأزهر دراسته النقدية/ التجديدية في قراءة النص  القرآني عبر الرد علي كتابه (مفهوم النص/ دراسة في علوم القرآن) والذي أقتبسنا منه آنفاً. فقد نشرت مجلة الأزهر في عدد سبتمر 1991 نقداً لهذا الكتاب كتبه محمد فايد هيكل وأتهم فيه نصر حامد بأنتاج فكر ((مادي)) عن طريق أستعمال مناهج حديثة تؤدي إلى: “إنزال القرآن من عرش قداسته” ليطبق عليه ما اعتاد فئة من المحللين المحدثين للنصوص أن يطبقوه على كلام البشر” ([69]).

ولعلنا لا نأتي بشيء جديد إذا قلنا أشتغالات محمد اركون سبقت نصر حامد أبو زيد عبر اسهام اركون بما عرف بالاسلاميات التطبيقية و الذي يقصد بها استخدام وسائل وأدوات العلوم الحديثة في السيميائيات والابستمولوجيا والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والدراسات السيكلوجية والتاريخية (الفيولوجية) في دراسة النصوص الإسلامية بدءٍ بالقرآن والسنة مروراً بالمدونات الفقهية، ولكن الاشكال الاكبر هنا هو أن اركون ظل في أغلب كتبه يدعو إلى ذلك من دون أن نجد مشروعاً عملياً/ تطبيقياً لتلك المناهج سوى بعض الشذرات هنا أو هناك. وهذا خلاف أشتغالات أبو زيد التي كانت مباشرة وعملية، عبر اطلاقه مشروعه حول تاريخية النص القرآني من جهة، وأستخدامه للأدوات والمناهج اللغوية الحديثة في دراسة النص، على نحو عملي/ مباشر.

وعلى الرغم من تشابه منطلقات كل من نصر حامد أبو زيد ومحمد اركون في التعامل مع النص القرآني بوصفه نصاً ثقافياً فحسب، من دون الألتفات إلى القدسية التي يعتمدها وبشكل مطلق الاستاذ محمود محمد طه ، إلا أن كليهما لم يقدما بديلاً من داخل القرآن أو من خارجه لأهمية ما أصطلح عليه بـ(العقل النصوصي) المهيمن على العقل الاسلامي كما يشير اركون، إذ ظلت اشتغالات اركون مثلاً تدور في فلك/ تكراري لا طائل منه على المستوى العملي، إذ كان على سبيل المثال لا الحصر لا يتوانى في عد القرآن خاضعاً للشروط التاريخية لمرحلة التنزيل، فهو عنده في المستوى الأول عبارة عن سلسلة متواصلة من العبارات اللغوية الشفهية التي تلفظ بها فهم النبي (ص) وهو لا ينفصل عن تجربة دين وإنسان – يقصد النبي- يحب التأمل والتفكر، ورجل ممارسة ونضال منخرط في قضايا التاريخ الدنيوي المحسوس، وبحسب تصوراته، عندما جاء محمد وجد أمامه مجتمعاً ذا ماض قديم ومؤسسات معروفة وعادات وتقاليد وقيم ودين وثقافة… وجد كل ذلك وأراد تغييره والانتقال به في اطار مؤسساتي آخر، والى طريقة أخرى في الحياة، والى طراز ثقافي وقانوني مختلف، وعملية الانتقال هذه التي يقوم بها القرآن (الشفهي) (أو يعبر عنها أو يعكسها)، ومجمل هذه العبارات الشفهية سوف تسجل فيما بعد في كتاب بالمعنى الثقافي والعادي للكلمة هنا، وليس بالمعنى المتعالي للكتاب الموحى ([70]).

أن اركون لا يلتفت لأهمية موضوعة أسباب النزول التي عرفها المسلمون من بدايات قرون التدوين الاسلامي، وهو يعزل بطريقة فجة البعد الغيبي والحاضر بقدسية النص عن تجربة النبي (ص) الشخصية التي كان القرآن يدور في فلكها بطبيعة الحال، ولكن لا يعني انه لم يتجاوزها بنصوص تفتح افاق نحو عالمية القرآن وكونيته التي أرادها الاستاذ محمود محمد طه عبر (الآيات المكية) حصراً، واركون من جهة أخرى يعزل مرة أخرى بين النص الموحى والملفوظ بلسان النبي (ص) عن النص (المدون)، ولا أرى أن هنالك برهان موضوعي/ مقنع على آلية العزل تلك، ومن ثم كان اركون متحزياً لمناهجه الصارمة بطريقة تشي بأحكام مسبقة، لأننا لم نتلمس مشروعاً منجزاً لديه سوى الدعوات (له)، إما المستوى التطبيقي، وكما قلنا انفاً كان شذرات لا يعتد بها نحتت الاصطلاحلات أكثر من الأشتغالات، ومن الغريب أن كذلك لم يتلفت لأهمية أشتغالات الأستاذ طه التي أعتمدها بمنهج تحليلي/ صوفي (تأويلي).

ويعد المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج (1942-2004) من أبرز المفكرين المعاصرين الذين تأثروا بالاستاذ محمود محمد طه ومشروعه الفكري، بل تتطابق معه تتطابقاً كلياً بحسب قناعته في أعمال فكرية متعددة، ولكن وبحسب رأي الباحث عبد الله البشير: لم يكن محمد أبو القاسم حاج حمد، صاحب (العالمية الإسلامية الثانية)، الوحيد من بين المفكرين الاسلاميين في السودان أو خارجه، الذين نظروا في مشروع الاستاذ محمود وأستفادوا من أفكاره، دون الاعتراف له بالفضل وتثبيت الحق ([71]).

ويقول الباحث البشير إلى انه لم يكن الكاتب الوحيد الذي أشار إلى حضور أفكار الاستاذ محمود محمد طه في أعمال أبو القاسم حاج حمد، فهناك محمود شعراني، وهو من تلاميذ الاستاذ محمود، فهو من أوائل الذين قالوا بذلك وكتبوا عن ذلك وقد أشار حاج حمد إليه في كتاباته. وهناك مجموعة العلماء والمفكرين الذين شاركوا في ندوة القاهرة بمصر في مارس 1992، وقد أشار حاج حمد لما قالوه في الطبعة الأخيرة من كتابه، وهناك كذلك أبراهيم محمد زين، والذي قدم أقوى الأدلة والبراهين على حضور الاستاذ محمود في اطروحات حاج حمد، كما لاحظ سكوت حاج حمد عن الاشارة للأستاذ محمود في ثبت مصادره ومتن كتاباته، ونحت ابراهيم زين في توصيف هذه الحالة ووسمها، بمصطلح ((السكوت الاستراتيجي)) عند حاج حمد عن الاستاذ محمود. إلى جانب أن هناك اخرين أشاروا لأعادة حاج حمد انتاج الكثير من افكار الاستاذ محمود ([72]).

ومن خلال الرجوع إلى بعض ردود الحاج حمد حول اعتقاد البعض أو اتهام بعضهم له بأنه أقتبس من الاستاذ محمود محمد طه في كتابه (العالمية الإسلامية الثانية)، والمشابه حتى في العنوان لكتاب الاستاذ طه (الرسالة الثانية من الإسلام)، نجد انه ردا على انتقادات (محمود شعراني) وعلى بعض الكتاب الاخرين بعنوان فرعي: ((شبهات التداخل ما بين العالمية الإسلامية الثانية والرسالة الثانية من الإسلام))، إذ يقول بعد تمهيد خاص:… أن صاحب الرسالة الثانية يطرح نفسه كباعث لأصول القرآن وليس فروعه في حين إننا نرفض جذرياً مفهوم تجزئة الفهم القرآني بين أصول وفروع، فالقرآن بالنسبة لنا كتاب منهجي كلي يتمتع بخصائص الوحدة العضوية للكتاب التي تعطي منهجيته لم نتعامل مع القرآن بالتمييز بين المكي والمدني. ونصوصنا المفارقة لقول صاحب الرسالة الثانية والنقيضة لها أيضاً واضحة جداً ([73]).

نحن لسنا بصدد عرض الانتقادات التي وجهها الحاج حمد إلى الاستاذ محمود محمد طه وأطروحته الجوهرية حول (أسلام الاصول) و(أسلام الفروع) بقدر ما نحن بحاجة إلى بيان إلى أن الحاج حمد كان يقلد الاستاذ طه ليس في أختيار ذات الموضوعات فحسب، بل إننا نجد ذات الأسلوب في عرض المادة التحليلية حول (النص القرآني) بالخصوص مع اختلاف المنهج الذي يطرحه، ولكن للمفارقات أن ذات المنهج هو عبارة عن فحوى وجوهر أشتغالات [طه]، إذ ينطلق الحاج حمد مما يعرفه بالتجديد النوعي في دراسة القرآن قائلاً: فالتجديد النوعي لا يرتبط بالذكاء الطبيعي للأستنباط ولكن بآليات جديدة للمعرفة والاستنباط تعيد فهم التراث نفسه محكوماً بآليات انتاجه  التاريخية وظروفه الموضوعية الخاصة به، ثم تعيد معالجة النص القرآني بأليات المعرفة الجديدة، وضمن الأوضاع العالمية المعاصرة المتغيرة نوعياً، فتتحول من مجرد بلاغة اللغة إلى ضوابط الألسنية المعاصرة، ومن التفسير القرآني إلى التحليل، ومن تجزئة سور القرآن وآياته إلى وحدته العضوية التي تستخرج منهجه ([74]).

ثم يستمر مفصلاً: أنطلقت في كل تلك الدراسات من مفهوم (التجديد النوعي الذي يوظف آليات معرفية (أبستمولوجية) في قراءة النص القرآني المطلق الذي يعادل الوجود الكوني المطلق وحركته (مستوعباً) لكافة المناهج المعرفية و(متجاوزاً) لها بأتجاه (الكونية) ومستوعباً لكافة الانساق الحضارية ومتجاوزاً لها بأتجاه (عالمية الإسلام) ([75]).

بغض النظر عن كل تلك المصطلحات التي تعج بها اشتغالات الحاج حمد، إلا مآلات مشروعه هي عينها ذات مآلات الاستاذ محمود محمد طه ، بالتأكيد مع الألتفات إلى فارق المنهجين بينهما، ولكن الاستاذ طه، كان يريد للإسلام أن يكون مستوعباً عبر تشريعاته كافة المتغيرات الحضارية، عبر ملائمته لروح العصر وأحتياجاته المتباينة عن القرن السابع الميلادي الذي ظهر فيه، فضلاً عن أن الاستاذ طه أراد تلك العالمية للأسلام التي[76]يريدها حاج حمد، عبر موائمةةنصوصه المقدسة مع حركة الوجود الانساني، والالتفات لأهمية المتغير الثقافي في كل ذلك.

أننا لا نريد أن نسلب من حاج حمد اشتغالاته وتجديده، ولكن نريد منه أن يكون منصفاً في بيان أن الاستاذ محمود محمد طه أثر عليه، تأثيراً كبيراً، وانه كان يحاور أطيافه أثناء الكتابة على نحو أو أخر، ولعل الاطلاع البسيط على مجمل كتابات حمد، تبين لنا كيف انه أستلهم من الاستاذ طه موضوعات ومصطلحات عديدة، ولكنه وللأسف لم يشر له في متون أعماله بوصفه مقتبساً أو متأثر به أبداً.

بعد كل الذي تقدم، لا يسعنا إلا أن نقول أن اطروحات الاستاذ محمود محمد طه تركت أثرها في أنماط لتفكير تجديدي/ وأصلاحي لعدد هائل من الكتاب والمفكرين، على الرغم من أن الكثير ومع الاسف لم يكن أميناً في أعلان أصول أو جذور أفكاره، والتي تشي بتأثر واضح بأعمال واشتغالات الأستاذ طه، ولاسيما في مقارباتهم للنص القرآني.

والشيء الأخر الذي ينبغي أن نقوله هنا هو: أن أعمال واطروحات الاستاذ محمود محمد طه تمثل بحسب قناعتنا واطلاعنا على مجمل مشروعه أو المشاريع التجديدية في العالم الاسلامي تمثل السقف الأعلى أو الحد الأعلى في الاصلاح الديني، وأطروحات لا تدانيها أو تقاربها أو تماثلها أطروحات أخرى، لأنها كانت بمثابة مشروع أصلاحي جوهري بدء من (الاس) أو (الجذر) الاسلامي إلا وهو (القرآن الكريم) عبر تقديم تأويل جديد لذلك النص كيما يجعله يعيش في ديمومة وتدفق/عملي مستمر عبر جعله متوائماً مع التحولات والمتغيرات الاجتماعية من ناحية، وجعله نصاً عالمياً مفتوحاً على آفاق انسانية/كونية بوصفه نصاً متجاوزاً حدود أو مجالات تنزله الاول.


الهوامش والمصادر

الشروق، القاهرة، ط3 ، 1988، ص202.

والمنهج، دار الهادي، بيروت، ط1، 2004، ص26.

[1]   د. فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، دار [1]   د.

 أحمد النيفر، النص الديني والتراث الاسلامي/ قراءة نقدية، دار الهادي، بيروت، [1]  )

 [2]   المصدر نفسه، ص136.

[3]   جعفر نجم نصر، اللاهوت المزيف/ الإسلام والسياسة وفخ الأيديولوجيا، [3]   أديب

 صعب، التجربة الدينية، دراسة في كتاب (الإيمان والتجربة الدينية) تأليف: [4] 

 بنسالم حميش، التشكلات الأيديولوجية في الإسلام، دار المنتخب العربي، [5] 

 [6]   المصدر نفسه، ص74.

[7]   أحميدة النيفر، مصدر سابق، ص78.

[8]   المصدر نفسه، ص84.

[9]   المصدر نفسه، ص84-85.

[10]   المصدر نفسه، ص 84-85.

[11]   المصدر نفسه، ص85.

[12]   محمود محمد طه، نحو مشروع مستقبلي للإسلام/ ثلاثة من الأعمال [12] 

 [13]   ينظر تفاصيل ذلك كله: كتاب فقه التصوف، لــ: د. محمد بن الطيب، دار الطليعة،

 [14]   المصدر نفسه، ص18.

[15]   ينظر تفاصيل ذلك كله: بحث: المعنى والتأويل في الخطاب الصوفي عند

 الحلاج، [16]   عبد الله الفكي البشير، محمود محمد طه والمثقفون/ قراءة في المواقف

 وتزوير [17]   المصدر نفسه، ص160-161.

[18]   عادل عبد العاطي، تأملات في أفق المعرفة والشهادة حول حياة وإستشهاد [18] 

 محمد حمزة، اسلام المجددين، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، رابطة [19] 

 [20]   محمود محمد طه، الرسالة الثانية من الإسلام، السودان، أمدرمان، ط3 ، 1969،


[21]   المصدر السابق نفسه، ص10.

[22]   محمود محمد طه، الإسلام برسالته الاولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين، [22] 

 محمود محمد طه، الإسلام برسالته الاولى لا يصلح لأنسانية القرن العشرين، [23] 

 [24]   المصدر نفسه، ص12.

[25]   المصدر نفسه، ص13.

[26]   المصدر نفسه، ص13-14.

[27]   محمود محمد طه، الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين، [27] 

 [28]   محمود محمد طه، الرسالة الثانية من الاسلام، مصدر سابق، ص130.

[29]   محمود محمد طه، الرسالة الثانية من الاسلام، مصدر سابق، ص131-132.

[30]   المصدر نفسه، ص142.

[31]   المصدر نفسه، 145.

[32]   المصدر نفسه، ص41.

[33]   المصدر نفسه، ص41-42.

[34]   المصدر نفسه، ص42.

[35]  *المصدر نفسه، ص44-45.

[36]   المصدر نفسه، ص46.

[37]   المصدر نفسه، ص47.

[38]   المصدر نفسه، ص56.

[39]   طلال أسد، جينالوجيا الدين/ الضبط وأسباب القوة في المسيحية والاسلام، ت: [39] 

 [40]   محمود محمد طه، الرسالة الثانية من الاسلام، مصدر سابق، ص57-58.

[41]  1المصدر السابق نفسه، ص60.

[42]  2المصدر السابق نفسه، ص142-161.

[43]  3المصدر السابق نفسه، ص197-198.

[44]   ينظر: المصدر السابق نفسه، ص199-200.

[45]   المصدر السابق، ص201-202.

[46]  6طلال أسد، جينالوجيا الدين، مصدر سابق، ص53.

[47]  7فضل الرحمن، الاسلام وضرورة التحديث/ نحو احداث تغيير في التقاليد [47] 

 بيترل. برجر، القرص المقدس/ عناصر نظرية سوسيولوجية في الدين، ت: [48] 

 [49]   المصدر نفسه، ص201.

[50]  ;سامي زبيدة، الشريعة والسلطة في العالم الإسلامي، ت: عباس عباس، دار المدار [50]

 [51]   الان غريش، الاسلام والجمهورية والعالم، ت: جلال بدلة، دار الساقي، بيروت، ط1[51] 

 [52]   المصدر نفسه، ص72.

[53]   محمود محمد طه، تطوير شريعة الأحوال الشخصية، السودان، أمدرمان، ط3، [53] 

 [54]  B) عبد الله الفكي البشير، محمود محمد طه والمثقفون..، مصدر سابق، ص537.

[55]   ينظر تفاصيل ذلك: د. نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص/ دراسة في علوم القرآن،

 [56]   المصدر نفسه، ص24.

[57]   المصدر نفسه، ص24-25.

[58]   محمد فايد هيكل، على الطريقة اليسارية/ نقد كتاب مفهوم النص، مجلة الأزهر،


[59]   محمد اركون، العلمنة والدين/ الإسلام، المسيحية، الغرب، سلسلة بحوث [59]  H عبد

 [60]   المصدر نفسه، ص1000.

[61]   محمد أبو القاسم حاج حمد، جدلية الغيب والانسان والطبيعة/ العالمية [61] 

 محمد أبو القاسم حاج حمد، أبستمولوجية المعرفة الكونية/ إسلامية المعرفة [62]