ما عرفتُ أبي حتى قرأتُ رسائل غرامه لأمي – هيلين ستابينْسْكي/ ترجمة: سعيد الغامدي

ما عرفتُ أبي حتى قرأتُ رسائل غرامه لأمي – هيلين ستابينْسْكي/ ترجمة: سعيد الغامدي

أبي القوي الصَّموت ، كان في الواقع ذا روح حسّاسة وقلقة

لو كان علي أن أحسب فسأقول بأن والدي تحدث إلي بمجموع 20 فقرة طوال حياته. ما كان التواصل حسنته الفُضلى. بدا بأنه مات مسنا، إذ توفي بسن 59 حين كنتُ بعمر 22. لكن الآن و قد بلغتُ 54، أستوعب أنّه مات شابًّا وترك الكثير مما لم يُقل بعد.

عندما يشرب بضع كؤوس، كان بإمكانه أن يتحدث أكثر قليلا وأن يغدو مرحا. لكن معظم الوقت، فإنّ بابا “يطبق فمه” ؛ أحد تعابيره القليلة التي عادة ما تكون موجهة إلى أمي .

ولأنها اجتماعية ومرحة ، كانت هي الشخص الذي يملأ دائمًا الفراغات التي يتركها بابا. هي بعمر 88 الآن، غيرأنها حين كانت مراهقة أحبت أن ترقص وتكتب؛ ميزات أجزم أنها جذبت أبي الصموت.

كُنّا نعرف أن بابا أحبّنا، لكن ليس بكلماته: عمل في مخزن أطعمة مجمدة في مدينة جيرسي بولاية نيو جيرسي، في مهنة كرهها على الأرجح (رغم أنه لم يتحدث عن الأمر قط) ليعيل أسرته بالشيك الذي يستلمه، وبالسلطعون وشرائح اللحم التي قد “تسقط من مؤخرة” شاحنات التوصيل.

متى ما صعدت إلى السرير معهما معه أو مع أمي، كان يحك لي ظهري. وإذا حصلت على درجات جيدة في شهادتي كان يسحب لي 20 دولارًا من ربطة النقود التي يبقيها في جيب بدلة مخزن الذي يعمل فيه. المرة الوحيدة التي رأيت فيها خط يده كانت حين يوقّع تلك الشهادات.

ولأن لم يحصل بيننا قط حوار ناضج، لطالما تساءلتُ وأنا أكبر ما الذي يستفزه. كان الأصغر بين عائلة من تسعة أفراد و لُقّب “بيْب Babe”. الذي كان مخيطًا بكتابة صفراء على قمصان الكَرْدَحَة (البولِنغ) الزرقاء البرّاقة التي ورثتُها عنه. لم يكن يقرأ كتبًا لكنه كان يلتهم ثلاث صحف في اليوم، على الرغم أنه لم يتحدث قط عن الأحداث الراهنة.

ثم اكتشفتُ أعياد الحب .

ذات ظهيرة قريبة العهد ذكرت أمي عَرَضًا رسائل كتبها لها عندما كان في سلاح مشاة البحرية قبل أن يتزوجا.

رسائل حب ؟ أخرجت محفظة قماشية من صندوقها الخشبي؛ كان بداخلها صندوق كرتوني بالٍ مملوء بـ 15 رسالة، ثلاثٌ منها لأعياد حب وقطعة شوكولاتة من وِتْمان سامبلر (Whitman’s Sampler) التي كانت ستقضي عليها قبل سبعين عاما.

كانت تلك أول رسائل عيد حب تلقتها.

أخذتُ الرسائل المصفرة والبطاقات لبيتي وقرأتُها بعناية، كما لو أني أحاول أن أفك شِفرة عسكرية قديمة. صُدمت بالمراهق المسترسل الفصيح الذي وجدتُه!

مثلت أمامي مغازلة والدَيّ بالأسود والأبيض والأحمر والزهري. مررتُ أصابعي على قلوب الناعمة وانغمستُ في جمل أبي الطويلة و خط يده الحميل، الذي تعرّفت عليه من شهاداتي التي كان يوقّعها. لكن ما عجِبْتُ منه بشدة كانت حيوية علاقتهما. ناقضت السردية كل ما كُنتُ أظن أنّي أعرفه.

كانت الرسالة الأولى المؤرخة في ٨ شباط/فبراير ١٩٤٧م مكونة من ورقة ملاحظات واحدة مطبوعة على ورق مصقول. اشتكى بابا من أيام درجات ما تحت الصفر خارج ثكنته في سكوتيا بولاية نيويورك . كتب : “ليس لديّ ما أقوله سوى أنّي أحبّك”.

بعد بضع أسابيع، يتبجّح بحصوله على شريطة إضافية ليصبح عريف، لكنه يستحلف أمي على الكتمان لأنه يريد أن يفاجئ أصدقاءه في بلدتنا. ثم، قبل الختام، يسأل: “هل تحبّينني؟”

لستُ متأكدة ماذا قالت أمي في ردّها، بما أنّه لم يحفظ رسائلها. لكن عندما سألتها، قالت أنها أحبّته، لكن أحبّت حرّيّتها أكثر. كانت في عمر 16 ولم تكن جاهزة للارتباط. كان يكبرها قليلا، بيد أنه نفسه كان طفلا بعمر 19.

تمر الشهور وفي تشرين الثاني/نوفمبر يكتب ما “قد تكون الرسالة الأخيرة”. إنّها ليلة السبت وواضح أنه يعاني ألما عاطفيا. يخبرها: “أصدقك القول، أظنك لا تريدين الكتابة إلي”، و يضيف : “من الجيد أنّي عرفتُ الآن كيف تشعرين نحوي بدلًا من المضي قدما والأفضل من ذلك أنه قبل حفل التخرج…ملاحظة : قضّيتُ وقتًا رائعا معك.”

بعد أربعة أيام يكتب لها مجددًا، و في نفس الوقت – أخيرًا! – كانت أمي قد ردّت على رسالته. يقول : “عزيزتي أيرين، استلمتُ رسالتك اليوم وصُدمتُ أن اسمع منك. ظننتُها رسالة من جامع فواتيري لكن حين فتحتها عرفت”. ويعتذر لها عن النبرة اليائسة في رسالته الأخيرة، ثم يخبرها أن حفلة البحرية كانت ناجحة. لكن “كانت ستكون أفضل لو كُنتِ هنا”.

تغيرت نبرته قبل عيد الميلاد بثلاثة. فأمي، الإيطالية الجميلة ذات الشعر الحالك قبل أن يكن الجميلات الإيطاليات ذوات الشعر الحالك هنّ الموضة، أعطته صورة لها .

كتب : “أهلًا ، حبيبتي. عندما أتيتُ هذا الصباح وضعتُ صورتك في خزانتي وفيما أهم بفتح باب الخزانة، أنت هناك ترمقينني مباشرة. رأى الرفاق صورتك وسألوا مَن تكونين. لم يستطيعوا أن يشيحوا ببصرهم عنك في تلك الصورة لذا اضطررت أن آخذ هراوة و أطردهم بعيدًا …تبدين حقيقية جدًّا أحيانا لدرجة أود تقبيلك بها لكنّي أفضّل أن أنتظر حتى أرجع”. شكرها على الهدية، ولّاعة فضية نحيلة من  دَنهِل (Dunhill) ابتاعتها ذات مرة من محل مجوهرات. “كل وقت أشعل سيجارة، أفكر فيك دائما”.

أعرف من صور قديمة أن أبي الوسيم رافقها لحفل التخرج بزيه الرسمي، لكن يبدو أنّها كانت ما تزال تكبح عواطفها. يقول بعد أسابيع: “أنا متيقّن أنّي أعرف ما هي تلك الكلمات الثلاث التي تدور في بالك، فلتقولي لي ما هي”

تبع الأمر بعضا من العراك، لأنه بحلول شباط/فبراير طلب غفرانها. إنّها تُندف ثلجًا، عامٌ كامل مَرّ على تلك الرسالة الأولى، يخبرها عن كنيسة قديمة احترق قرب سكنيكتادي”. كانت النيران هائلة لدرجة يمكنكِ تستطيعين رؤيتها من من أميال بعيدة”. إنّها الاستعارة المُثلى لما يجري خلال مغازلتهما وهو يستغلها بكل معناها.

“مهما كان الذي قُلتُ فأحزنك، أرجوك سامحيني. ما زِلتُ أحبّك. بل أنا أحبّك أكثر الآن ممّا كُنتُ قبلا”. ويختم بسؤال يائس : “هل تحبّينني؟ لماذا؟”

أصابتني هذه الـ”لماذا؟” في مقتل. أبي ، القوي والصامت كل الوقت، كان بهذه الحساسية، روحًا قلقة داخل زيه البحرية ولاحقًا بالزي الرسمي للمخزن. الآن وقد عرفتُه أفضل، اشتقتُ له وأرثي فقده حتى أكثر. أردتُه هنا لأطيل المقام معه وأضحك وأبكي معه. مسحتُ عينيّ وأكملتُ القراءة .

في نيسان/إبريل، بدأ يعد الأيام -١٣٥- حتى يعود للديار للأبد. وفي أيّار/مايو يحدّثها عن حادث سيارة. “أحد الشباب ما زال في غيبوبة و لا نعرف إن كان سينجو”.

هزته التجربة التي دنت من الموت. “أنتِ في بالي كثيرًا حتى أنّي لا أستطيع أن أفكر في أي شيء آخر .… أريدك أن تصدقيني لأنّي أحبّك وأنت غالبًا تعرفين هذا الآن .… لكنّي لستُ متأكدًا إن كُنتِ تحبّينني. سبب قولي هذا الرسالة الأخيرة. ليس علي أن أعيدها لأنّكِ أنتِ مَن كتبها”.

الله أعلم ماذا كتبت أمي .

قالت لي : “ما كان عساي أن أقول ؟ استسلمتُ”

تتحدث رسالة أخيرة عن قدومه الديار وعن ضرورة أن “تجهّز الأنبوب”. تردّدتُ في سؤالها عن المعنى، لكن تبيّن أنّه في غاية البراءة. كان يعني أنبوب الحُمْرَة ، لأنّهما كانا سيفرطان في التقبيل.الرسالة مطويّة بشكل معقّد في مستطيلات صغيرة وأستطيع تخيّل أبي الفَتيّ يقضي الوقت وهو يطويها ويطويها مرة بعد مرة، ويضعها في ظرف صغير يرسله إلى حبّ حياته .

مكتوب على المقدمة في كل الأغلفة هذه الكلمات :”ما زِلتُ أحبّك”.

أردتُ أن اكتب له لازلت أحبك أيضا.


المصدر: https://www.nytimes.com/2020/02/13/opinion/fathers-valentines-day.html?auth=link-dismiss-google1tap

error: