ماذا يعني المرض ؟ – حوار مع إيلودي جيرو/ ترجمة: ياسين إدوحموش

ماذا يعني المرض ؟ – حوار مع إيلودي جيرو/ ترجمة: ياسين إدوحموش

 يمكننا صياغة تعريف موضوعي للصحة؟ وهل ثمة حدود واضحة المعالم وشاملة بين ما يُعتبر بمثابة حالة طبيعية وما يندرج تحت الأمراض؟ الجواب، حسب الفيلسوفة إيلودي جيرو، هو لا، إذ تجعل الأبعاد النفسية الاجتماعية، وحتى الثقافية للأمراض من المستحيل محاولة وضع  تعريف  قاطع لهما.

الصحة والمرض : مفهومان يبدوان في غاية الوضوح ومتعارضين أيضا. لكن ما الذي تعنيه حقا “الصحة”؟ وماذا يعني أن يكون المرء مريضا؟

يَبدو أنهُ لا وجودَ لأي تَعريف مُوحد وشامل للمَرضِ أو الصحة، إذ تَتَغيرُ التعاريفُ باستمرار حَسبَ الثقافات والأزمنة والمعارف. يقول الكاتبُ كلود بيرنارد ” إن تعريف المرض قد أرهَقَ واضعي التعاريف”. ففي ما يتعلق بالصحة، يُمكنُ مع ذلك مُلاحظة نُقطة تحولٍ في القرن العشرين، إذ في السابق كان يُهيمنُ في الوسط الصحي تَصور سَلبي للصحة، حيث كان يعني التمتع بصحة جيدة عدم الإصابة بالأمراض. غير أنه ابتداء من القرن العشرين، ولاسيما عبر التعريف الذي وضعته له منظمة الصحة العالمية في دستورها عام 1946، انتقلنا إلى نظرة أكثر إيجابية للصحة. فلم يعد يتعلق الأمر بعدم الشعور بالمرض، حيث تُعرفها منظمة الصحة العالمية بأنها “حالة من اكتمال السلامة بدنيا وعقليا واجتماعيا”. هذا التطور هو نتيجة تيار رئيسي في تصاعد، لاسيما وجود وعي بالأبعاد النفسية الاجتماعية للصحة وكذا توسيع نطاق الوقاية. نقطة التحول هاته ستؤدي لنقاشات فلسفية مهمة تهدف إلى محاولة صياغة تعريف أقل اتساعاَ، لأنه يحب الإقرار بأن هذه الطريقة في تعريف الأمور تميل إلى إحداث خلق بين الصحة والسعادة. فمن يمكنه اليوم أن يزعم بأنه يتمتع بحالة سلامة بدنية وعقلية واجتماعية كاملة؟ أما تعريف واسع بشكل كبير، فقد يعني الوقوع في خطر إضفاء مفرط للطابع الطبي، وهو ما تم انتقاده على أنه “إضفاء للطابع المرضي على الحياة العادية”.

بالفعل، فتعريف واسع أكثر من اللزوم، مثل تعريف منظمة الحصة العالمية، يميل لإضفاء الطابع المرضي على الأوضاع التي تندرج ضمن الحالة الطبيعية. غير أن تعريفا ضيقا للغاية قد يستثني بعض مرضى نظام الرعاية. ألا يمكننا أن نجد حلا وسطا يخلق توافقا في الرأي؟

يتجه توافق الرأي لفرض نفسه اليوم في ما يتعلق بهذا المشكل المتمثل في تعريف مفهومي الصحة والمرض، وهو أهمية الطابع التعددي للمقاربات. وبالطبع فإن المعايير البيولوجية مهمة لصياغة تعريف لمرض ما، ولكنها ليست كافية. في الحقيقة، لابد من الأخذ بعين الاعتبار ثلاثة أبعاد تَعكِسُها اللغة الإنجليزية في ثلاث مصطلحات مختلفة. أولُ هذه الأبعاد هو البُعد الطبي الذي يَرتكزُ حول الاختلالات البيولوجية والمعايير الإحصائية، حيثُ نتحدث عن « Disease » بالإنجليزية، بمعنى مرض موضوعي، أو “الإصابة بمرض” كما نجد بعدها البعد المعيش، الذي يحيل إلى الأعراض، وهنا نتحدث عن « Illness »، بمنعى ما يحس به المريض أو “أن يكون المرء مريضا”. وأخيرا، البعد الاجتماعي « Sickness » أي “أن يكون الشخص معتلا” معترفا به اجتماعيا بهذه الصفة ويتمتع بالحقوق المتصلة. إن تفاعل هذه المنظورات الثلاث، المعقدة في حد ذاتها، المتمثلة في الطبيب والمريض والمجتمع، هو ما يسمح بوضع تعريف أفضل للأمراض ولمفهوم الصحة. على سبيل المثال، لا يوجد حاليا معايير طبيعية تتيح بنفسها تحديد عتبة نتحدث عندها حول السمنة، حيث نُعَرفُ هذه الحالة من الناحية الاجتماعية أكثر منه من الناحية البيولوجية، عبر الأخذ في الاعتبار التبعات المترتبة عن هذه الحالة على سلوك الأفراد وحياتهم الاجتماعية. من جهتي، تبدو لي هذه المقاربة متعددة الأبعاد للمرض أكثر إقناعا، ولن نحصل أبدا على تعريف شامل وقاطع لهذا المفهوم.

إذا ما نظرنا إلى المقاربة الطبية البحثة، فإننا نراكم منذ أكثر من قرن من الزمن بيانات وبائية وإحصائية حول الأمراض المختلفة. هل هذه المعلومات تتيح تفريق ما يندرج تحت ما هو طبيعي من ما يندرج تحت المرض من وجهة نظر بيولوجية. وهل مكنت من تحديد قيم العتبات والمعايير التي ندخل عند تجاوزها أو من دونها في المرض؟

كلى. في الحقيقة، كلما تقدمنا يزداد هذا الأمر تعقيدا. فالمشكلة هي أننا نتعامل أكثر فأكثر مع أمراض مزمنة (سرطانات، أمراض القلب والشرايين) تتطور بصورة تدريجية من جهة، ومن جهة ثانية، تنجم عن عوامل متعددة. لقد ذهب حلمنا القديم الذي ضل يراودنا المتمثل في “سبب = مرض” أدراج الرياح أو أنه لا ينطبق في أي حال سوى على أمراض معدية نادرة. واليوم، فإن أغلب الأمراض الأكثر انتشاراَ مثل السرطانات وأمراض القلب والشرايين هي نتيجة عدد كبير من العوامل لا يعد أي منها ضروريا وكافيا لتفسير هذه الأمراض. أضف إلى ذلك أننا نضاعف المقاييس والتجارب والمعايير لمحاولة تشخيص الأمراض. غير أنه يصعب في كثير من الأحيان شرح الأسباب المتعددة الكامنة وراء تكوين هذه الأمراض وتطورها وتحديد أين يبدأ المرض وأين تنتهي الحالة الطبيعية. علاوة على ذلك، فإن هذه الأمراض المزمنة ترتبط أيضا بعملية الشيخوخة. ففي مجتمعاتنا الغربية، أدى هبوط عدد وفيات الرضع والتقدم المحرز في الطب إلى شيخوخة السكان وإلى ما نسميه بالتحول الوبائي: منذ ذلك الحين أصبحت الأمراض المزمنة المرتبطة بالشيخوخة هي المهيمنة. مع ذلك، فإن تمييز ما يندرج تحت المرض وما يندرج تحت الشيخوخة الطبيعية أمر غاية في التعقيد.

لقد أصبَحَتْ كذلك أدواتنا التشخيصية والعلاجية دقيقة أكثر فأكثر، ونسمع طوال الوقت عن الطب الدقيق وطب الجزيئات. هل يغير هذا الانتقال في المستوى تعاريفنا الخاصة بالأمراض ؟

يعتقد الكثيرون أن هذا الانتقال في المستوى، من العضو إلى الجزيئة، يمكنه أن يقلب رأسا على عقب التصنيفات الحالية المبنية بشكل أساسي على أنواع الأعضاء المتضررة (أمراض القلب والشرايين وسرطان الرئة، إلخ) أو أنواع الاختلالات (السكري، ضغط الدم، إلخ). في الحقيقة، لا يبدو أن المستوى الجزيئي قادر على يحل محل المستوى العضوي أو الخاصيات الأخرى ذات المستوى الأعلى، حيث يُمَكنُ في أحسن الأحوال من تصنيف بعض الأمراض إلى أنواع فرعية،  السرطان على سبيل المثال. إن التقدم المحرز في مجال المعارف الجزيئية وتسهيل التسلسل الجيني للأورام يُمكن أن يجدد الأمل في إعادة تصنيف السرطانات عن طريق تلاعب جزيئي معين.  تُوجه هذه التغيرات المختلفة علاجات مستهدفة تَعدُ بنجاعة أكبر من علاج كيمياوي غير محدد. المشكلة هو أن أشكال التغيرات الجزيئية هذه تتطور من مرور الزمن، حتى محليا داخل الورم، أضف إلى ذلك أنه بدأت تظهر بعض المقاومة لهذه العلاجات المستهدفة. وبالتالي، فصياغة تعريف للمرض فقط على المستوى الجزيئي يبدو اليوم صعبا وبعيدا عن المنال دون شك.

لقد عرف القرن الواحد والعشرون ثورة في علم الجينات، حيث يُمكن تحليل الحمض النووي، علي سبيل المثال، من كشف النزعات الوراثية الخاصة ببعض الأمراض. كيف تقلب هذه المقاربة الجديدة نظرتنا حول المرض؟

صحيح، فلم يعُد بإمكاننا الاعتماد فقط على الإحساس بالمرض لكي نَضعَ تَعريفا له؛ إذ يمكن أن يتم تشخيص المرء بأنه مصاب بمرض دون الإحساس بأية أعراض. لكن في الواقع، لم ننتظر علم الوراثة لكي نتحدث عن النزعات، فمنذ الانتقال الديموغرافي، فَهِم الأخصائيون أن الأمراض المزمنة تبدأ في صمت وأنه توجد نزعات فردية، والتحدي يَكمُن في تحديد علامات الإنذار المُبكر وما هي هذه النزعات. تعلب العوامل البيولوجية دورا مهما، غير أنها ليست الوحيدة، وما قدمه الاهتمام بالنزعات هو تعزيز الصورة الضبابية في الخط الفاصل بين الحياة الطبيعية والمرض، حيث لم نَعُد نعرف أين يبدأ المرض، لاسيما في ما يتعلق بالأمراض المزمنة التي هي نتاج عملية طويلة وبطيئة من العوامل المتعددة، كما أننا نميل لاعتبار عوامل الخطر أو النزعات الوراثية على أنها أمراض قائمة ذاتها.

للمختبراتِ أيضا مَصلحة في توسيع نطاق تعاريف الأمراض. هل يَتدخلون بطريقة أو بأخرى في هذه النقاشات وفي صياغة هذه التعاريف والمعايير؟

نعم، بالطبع. تتدخل صناعة الأدوية في وضع هذه التعاريف وفي قيمة العتبات التي نتحدث عندها عن الأمراض، حيث يمكن أن يتخذ تأثيرهم عدة أشكال. فعلى سبيل المثال، يُتهمون بخلق أمراض جديدة، بمعنى إضفاء الطابع المرضي على حالات أو سلوكات لم تكن تعتبر سابقا مرضية، وهنا يُمكن استحضار مثال علاج العجز الجنسي عن طريق حبة الفياغرا أو فرط النشاط أو الصلع. يُمكن للمختبرات كذلك التدخل لتخفيض بعض عتبات العلاج، مما يتيح وصفات أكثر متل الحالات المعبرة لارتفاع ضغط الدم وارتفاع نسبة الكوليستيرول.

كيف يُمكن تجنب الوقوع في فخ الإفراط في إضفاء الطابع الطبي؟

عن طريق التدرب على التفكير المنطقي، وطَرحِ الأسئلة عندما يَظهرُ مرض جديدٌ وعِلاجُه في آن واحد، مثل فرط النشاط ودواء الريتالين. لكن وجب اتخاذ الحذر، فتزايدُ إضفاء الطابع الطبي يَستجيب أيضا لطلب اجتماعي قوي، وصناعات الدواء تُرافق هذا الحِراك وتعززه. يَطرحُ هذا في الواقع السؤال حول هدف الطب، إذ هل يتعلق فقط بمعالجة الأمراض؟ الجوال هو لا، والدليل أن الطب يهتم كذلك بتنظيم النسل والحمل، اللذين لا يندرجان ضمن الأمراض. هل وجب بالتالي اعتبار الطب على أنه خدمة مقدمة للأفراد؟ إذا كان الجواب نعم، إلى أي مدى؟ هل يمكننا الاستجابة لجميع المطالب؟ هل يجب التفريق بين ما يُعتبر علاجا لمرض وما له علاقة بطب الراحة أو طب التحسن؟ وهل يمكننا أصلا القيام بهذه التفريقات؟  يُمكن للمعايير البيولوجية المساعدة، غير أن الحجج الثقافية والاقتصادية والاجتماعية من  تُحدد هذا الخط الفاصل.

ثمة كذلك تحديات أخرى مرتبطة بهذه التعاريف، خصوصا بالنسبة للتأمين الصحي…

صحيح. تترتب عن هذه التعاريف آثار على مجتمعاتنا، إذ يمكنها تحديد التعويضات التي يدفعها التأمين الصحي عن بعض الحوادث، كما يُمكنها الاضطلاع بدور في المجال القانوني، عبر تقييم أهلية المتهم بكونه مسؤولا عن الأحداث وقت وقوعها، وكذا توجيه بحوث الطب الإحيائي. مع ذلك، سيكون من باب السخرية الاعتقاد بأن هذه التعاريف تحدد بمفردها كافة هذه القرارات. بالطبع، نفضل تعويض الحوادث الطبية المتعلقة بمرض عوض تحسين الحالة الصحية، لكن تدخُل عناصر أخرى في الاعتبار عند اتخاذ القرارات النهائية.

هل سيُمكن تعريف الأمراض بشكل جيد في نهاية المطاف من معالجتها بصورة أفضل؟

ليس بالضرورة. فبالنسبة لبعض الكُتًاب، يتعلق الأمر في المقام الأول بمُمارسة نظرية ليسَ لها أي أثر على الجانب العَمَلي. شخصيا، أعتقد أن هذه التوضيحات مُفيدة لِكل كاتب من حَيثُ أنها تُتيح الأخذ بعينِ الاعتبار الأبعاد المختلفة للمشكلة، إذ إن هذه المناقشات تُمكن من فَهم أنه تُوجد مُقاربات أخرى غير المقاربات التي يتبعونها، ولا يمكن لهذا إلا أن يُعزز الفهم بين هؤلاء الفاعلين، ولاسيما الفهم المتبادل للأمراض والممرضين. علاوة على ذلك، فإن زيادة إلقاء الضوء على الخصائص المختلفة التي تدخل ضمن تعريف الأمراض يمكن أن يكون بمثابة ضمان لتجنب أخطار الإفراط في إضفاء الطابع الطبي أو الطابع المرضي على الحياة العادية.

المصدر : مجلة العلوم الإنسانية الفرنسية عدد يناير- فبراير 2019

https://www.scienceshumaines.com/qu-est-ce-qu-une-maladie-entretien-avec-elodie-giroux_fr_40155.html

error: